﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أي: وحِّدوه وأَفرِدوه بالعبادة لتفرُّده بالألوهية.
﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ بيانٌ لوجه اختصاصه بالعبادة، وقرئ: ﴿غَيْرُهُ﴾ بالجرِّ على اللفظ (١)، والرفع على المحلِّ؛ كأنه قال: ما لكم إلهٌ غيرُه، وبالنصب على الاستثناء (٢)؛ أي: ما لكم من إلهٍ إلا إيَّاه.
﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ وعيدٌ، وبيانٌ للداعي إلى عبادته تعالى، وموقعُها الاعتراض.
﴿عَذَابَ﴾ العذاب: هو الألم الجاري على الاستمرار.
﴿يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو يوم القيامة، أو يومُ نزول العذاب وهو الطُّوفان.
* * *
(٦٠) - ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
﴿قَالَ الْمَلَأُ﴾ الملأ: الجماعة الشريفة؛ لأنهم يملؤون النفس والعين بجلالهم وجمالهم، على أنه مأخوذ من المَلْء، ويحتمل أن يكون مأخوذاً مِن: تمالأ القوم على أمر؛ أي: توافَقوا، ومنه قول علي ﵁: ما قاتلتُ عثمان ولا مالَأْتُ في دمه (٣).
والملأُ صفةٌ غالبة، وجمعُه: أملاءٌ، وليس من باب رَهْطٍ وإن كانا اسمين للجمع؛ لأن رهطاً لا واحدَ له من لفظه، وملأٌ يوجد من لفظه: مالئ، قال أحمد بن يحيى: المالئ: الرجل الجليل الذي يملأ العين، فهو كعازبٍ وخادم، فإن اسم جمعهما عَزَبٌ وخَدَمٌ (٤).
стр. 1542
﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾ القوم: الجمع الذي (١) يقوم بالأمر لا نسوةَ فيهم، وفائدةُ التقييد بالوصفين: تجريد المسنَد إليه عن ناقصات العقول كيلا يُتوهَّم أن هذا القول صدر عن بعض ضعفائهم في العقل والرأي، فأُسند (٢) إلى الكل إسنادَ فعلِ واحد إلى الجماعة.
﴿إِنَّا لَنَرَاكَ﴾ استعاروا (٣) الرؤية للعلم بلا شبهةٍ، تمهيداً لِمَا ادَّعوا من الظهور في المعلوم.
﴿فِي ضَلَالٍ﴾: منغمِساً فيه، والضَّلال: الذهاب عن صَوْب الصَّواب، والتنكيرُ للتعظيم.
﴿مُبِينٍ﴾: بالغ فيه كيفاً بعدما بالغ كمًّا.
* * *
(٦١) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ﴾ إضافة إلى نفسه تمهيداً لِمَا يأتي من دعوى الإخلاص والإمحاص.
﴿لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾ قدَّم الجارَّ والمجرور للتعريض لهم به، وزيدت التاء للتقليل؛ أي: ليس بي أقلُّ قليلٍ من الضلالة فضلاً عن الضلال العظيم الظاهر.
وما يَتخايل من أن نفي الماهية أبلغُ؛ لأن نفي الشيء مع قيد الوحدة قد يكون
стр. 1543
بانتفاء الوحدة - مضمحِلٌّ بأن الوحدة ليست صفةً مقيِّدةً، بل اللفظ موضوعٌ للجزاء الأقلِّ المتحقِّق (١) مع الكثرة.
﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ﴾ استدراكٌ بطريق الكناية؛ كأنه قال: ولكني على هدًى كاملٍ في الغاية لأني رسول.
قابَلَ تصريحهم بالتعريض الذي هو أوقعُ في البلاغة، وبالكناية التي هي أقوى في النِّكاية (٢)، وأداةَ ظرفه بأداة الملابَسة لأنها أوسع دائرة، ففي النفي تكون أقطعَ لدابر احتمالِ الضلال، وأداةَ تعظيمه في التضليل بأداة التحقير والتقليل، ولا يخفى ما في هذه المقابلة على وجه المقالبة من المبالغة في المغالبة.
﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: فيه إشارةٌ إلى أن رسالته لمصلحةِ تربيتهم، ففيه إظهارٌ لمكابَرتهم وفَرْطِ عنادهم، حيث وَصفوا مَن هو بهذه المنزلة من الهدى الباهرِ بالضلال المبينِ الظاهر.
* * *
(٦٢) - ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ استئناف (٣) لبيان كونه رسولًا. والإبلاغ: إيصال ما فيه بيانُ الإفهام، ومنه: البلاغة، وهي إيصال المعنى إلى النفس بأحسن صورةٍ من اللفظ.
﴿رِسَالَاتِ﴾ الرسالة: جملةٌ من البيان يحملها القائم بها ليؤدِّيَها إلى غيره (٤)،
стр. 1544
وإنما جمعها باعتبار تعدُّدها بحسب الأوقات، أو باعتبار تنوُّعها بحسب المعاني.
وفي قوله: ﴿رَبِّي﴾ بعد قوله: ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إشارةٌ إلى أن في الرسالة تربيتين: عامةً وهي للمرسَل إليهم، وخاصةً وهي للمرسَل.
﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ النصيحة: الدعاء إلى ما فيه الصلاح، والنهيُ عما فيه الفساد، ومنه قوله ﵇: "الدِّين النَّصيحة" (١) والنُّصحُ كذلك، وخلافُه الغشُّ.
وفي زيادة اللام تأكيدٌ في إمحاض النصح لهم، ومبالغةٌ في أنها خالصةٌ للمنصوح له مقصودٌ بها جانبه لا غير، فرُبَّ نصيحة ينتفِع بها الناصح أيضًا (٢).
﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وعيدٌ، وتقريرٌ لِمَا في قوله:
﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾؛ أي: أعلم من قدرته وشدة بطشه، أو من جهته بالوحي شيئًا لا يتيسر لكم علمُه.
* * *
(٦٣) - ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
﴿أَوَعَجِبْتُمْ﴾ الهمزة للإنكار، والواو للعطف على محذوفٍ تقديره: أكذَّبتُم وعجِبْتُم، والعجب تغيُّر النفس بما خفيَ سببُه، وخرج عن العادة مثلُه.
﴿أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ﴾ موعظة ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ كلُّ ما يأتي من الله تعالى فله حكمُ النزول، فكأن ﴿جَاءَكُمْ﴾ معناه: نزل، فحسُن معه أن يقال: ﴿عَلَى رَجُلٍ﴾ ولا حاجةَ إلى تقدير: لسان.
стр. 1545
﴿مِنْكُمْ﴾: من جنسكم، فإنهم كانوا يتعجَّبون من إرسال (١) البشر، ويقولون: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤]؛ أي: بإرسال (٢) البشر.
وإنما لم يقل: على بشر، بل آثر الإطناب على الوجه المذكور؛ لأن المناسب لإنكار تعجُّبهم أن يبيَّن مجيءُ الرسالة على مقتضَى الحكمة، وهو أن يكون الرسول من جنسهم، ولا يكونَ أنثى ولا صغيراً.
﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾: ليحذركم عاقبةَ الكفر والمعاصي (٣)، اكتفى بأحد القرينينِ عن الآخر (٤)، وإنما خصَّ الإنذار بالذكر دون الإبشار لأنَّه أعمُّ وأهمُّ.
﴿وَلِتَتَّقُوا﴾: وليوجَدَ منكم التقوى؛ ولم يُعتبر بسببية (٥) الإنذار له، وإلا لقيل: فتَتَّقوا.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ لتقواكم، والعطف بالواو دون الفاء للتنبيه على أن الترحُّم من الله تعالى تفضُّلٌ لا يوجبه التقوى، فهو في بقعة الإمكان، وكلمة الترجي لترجيح جانب الوقوع، حتى تزداد الرغبة في تحصيل التقوى، ولا تعتمدَ عليه كلَّ الاعتماد.
* * *
стр. 1546
(٦٤) - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ﴾ الفاء فصيحةٌ، وقد ذكر ما حذف هنا في موضع آخر (١).
ولك أن تقول: في الوصل بينهما بأداة التعقيب تنزيلٌ للتكذيب منزلة العذاب الذي ترتَّب (٢) عليه، ولا يخفى ما فيه من التهويل والتعظيم لأمر التكذيب (٣).
﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ من البشر وسائر أنواع الحيوان، وفي العبارة المذكورة إشارةٌ إلى أن نجاتهم بسبب متابعتهم وبركة مصاحبتهم، فقوله:
﴿فِي الْفُلْكِ﴾ متعلِّق بـ ﴿مَعَهُ﴾؛ أي: الذين (٤) صَحِبوه في الفلك، واشتقاقه من فَلَّكَ ثدي المرأة: إذا استدار، سميت السفينة فُلْكاً لأنها تدور على الماء كيف أُديرت.
﴿وَأَغْرَقْنَا﴾ الإغراق: الغوص المتلِف (٥) في الماء.
﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ كان إغراقُهم بسبب تكذيبهم على ما أشير إليه، وإغراق سائر أنواع الحيوان بشؤم معاصيهم.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ استئنافٌ على سبيل التعليل، وإنما قال: قوماً على تغليب الذكور على الإناث تنبيهاً على تبعيَّتهِنَّ للرجال في الضلالة الحاصلة بسبب كونهم عُمْيَ القلوب غيرَ مستبصرين، وقرئ: (عامِين) (٦)، والأول أبلغ لدلالته على الثبات.
стр. 1547
(٦٥) - ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾.
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ﴾ عطفٌ على ﴿نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ وهم قومٌ سُموا باسم أبيهم، وهو عاد بن عَوْصِ بن إرَمَ بنِ سامِ بنِ نوحٍ ﵇، ومعنى ﴿أَخَاهُمْ﴾: نسيبُهم، وإنما جعل منهم لأنهم أفهمُ لمقاله، وأعرفُ بحاله، وأرغب في اقتدائه.
﴿هُودًا﴾ عطفُ بيان لـ ﴿أَخَاهُمْ﴾.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ﴾ استئنافٌ على تقدير سؤالِ سائلٍ قال: فما قال لهم؟ فقيل: قال: ﴿يَاقَوْمِ﴾ وكذا جوابه هاهنا.
فإن قلتَ: ما وجه اختصاص قولِ نوح ﵇ بالعطف والربط اللفظيِّ، وقولِ هود ﵇ بالاستئناف والربطِ المعنوي؟
قلتُ (١): قصة نوح ﵇ ابتداءُ كلام فليس مَظِنَّةَ سؤالٍ، بخلافِ قصة هود ﵇ فإنها معطوفة على قصة نوح ﵇، فكانت مظنةَ أن يقال: أقال هود مثلَ ما قال نوح ﵉ أم لا؟
﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ قد سبق تفسيره.
﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ عاقبةَ الشرك، الهمزة للإنكار، والفاءُ لترتيبه على ما تقدَّم من مُوجَب التوحيد، فهي مقدَّمة على الهمزة معنًى وإن أُخرت عنها لفظًا محافَظةً على حق صدارتها.
وكأنهم كانوا واقفين على نزول العذاب على مشركي قوم نوح ﵇ لقرب عهدهم منهم، فلهذا أَنكر عليهم بهذه الصيغة.
* * *
стр. 1548
(٦٦) - ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ التقييد بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ للتنبيه على أن في أشراف قومه مَن آمن به (١)، كمَرثد بن سعدٍ الذي أسلم وكتم إيمانه، ولا مساغ لهذا التنبيه في قصة نوح ﵇، ولهذا لم يُذكر ذلك القيد (٢) ثمة، وأما ذكره فيها في سورة المؤمنين فلِلذَّمِّ، والمميِّز وإن كان في معرض اللزوم فلا كذلك الإلزام (٣).
﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ متمكِّناً في خفةِ عقلٍ راسخاً فيها، حيث خالفت أشراف قومك وأسلافَك، ولما كان هذا تخطئةً له ﵇ في فعله قالوا: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ﴾ على سبيل (٤) القطع واليقين، وقوله:
﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ تخطئةً له (٥) في قوله، ولا علم عندهم بحقيقة الحال، إنما متمسَّكهم فيه التقليدُ بآبائهم قالوا: ﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ﴾.
* * *
стр. 1549
(٦٧ - ٦٩) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ﴾ اكتفَى بنفي السَّفاهة إيماءً إلى أن الإقدام على الكذب في مثل هذا الأمر الخطير لا يخلو عن نوعِ سَفَهٍ فنفيُه رأساً يغني عن نفي الكذب.
﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ﴾ قد سبق تفسيره.
وفي إجابة الأنبياء ﵈ أممَهم المكذِّبين عن كلماتهم الحمقَى بما أجابوا به والإعراضِ عن مقابَلتهم كمالُ الشفقة وهضمِ النفس وحُسنِ المجادلة وكرمِ الخُلق؛ ليقتديَ بهم المؤمنون في آداب المناظرة والمعاشرة مع الخَلْق.
وفي قوله: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ تنبيهٌ على أنه مشهورٌ فيما بينهم بالنُّصح والأمانة.
﴿وَاذْكُرُوا﴾ حذَّرهم من انتقام الله ثم ذكَّرهم بإنعامه.
﴿إِذْ جَعَلَكُمْ﴾ مفعولٌ به لا ظرفٌ؛ أي: اذكروا ذلك الوقتَ.
﴿خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾؛ أي: خلَفْتُموهم في مساكنهم أو في الأرض، أو: جعلكم ملوكاً فإن منهم شدادَ بنَ عاد.
﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ في القامة (١) والقوة والبَدانة، وهو تعميمٌ بعد تخصيص.
стр. 1550
﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾؛ أي (١): فاشكروا (٢) نعم الله تعالى، وفي الكناية بالذكر عن الشكر تنبيه على أن هذه النِّعم بحيث يَستتبع ذكرُها الشكرَ عليها، ففي تذكُّرها (٣) غنًى عن الحث على الشكر عليها.
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: لعل الشكر عليها يفضي إلى الفلاح.
* * *
(٧٠) - ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا﴾ كان له ﵇ مكانٌ يتحنَّث فيه معتزلاً عن قومه كما كان لرسول الله ﷺ بحراء، فلمَّا أُوحي إليه جاء قومَه يدعوهم.
وَيحتمِل أن لا يراد حقيقةُ المجيء، ولكنِ التعرُّضُ بذلك والقصدُ؛ كما يقال: ذهب يَشتمني، ولا يراد حقيقةُ الذهاب؛ كأنهم قالوا: قصَدْتَنا.
﴿لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ وتعرَّضْتَ لنا بتكليف ذلك.
﴿وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ أنكروا واستبعدوا اختصاصَ الله تعالى بالعبادة والإعراضَ عن الآلهة التي اعتكف عليها آباؤهم؛ حبًّا لِمَا نشؤوا (٤) عليه، وإلفاً لما صادفوا أسلافهم يتديَّنون به.
стр. 1551
﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ استعجالٌ منهم لِمَا خوَّفهم منه من العذاب تكذيباً.
* * *
(٧١) - ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾.
﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ﴾: قد حَقَّ ووَجَب ﴿عَلَيْكُمْ﴾، أو على جعل المتوقَّع الذي لا بدَّ من وقوعه بمنزلة الواقع.
﴿مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ﴾ عذابٌ، من الارتجاس وهو الاضطراب ﴿وَغَضَبٌ﴾ إرادةُ انتقام.
﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾؛ أي: أسماءٍ بلا مسمَّياتٍ؛ لأنكم سمَّيتُموها آلهةً واستحال فيها معنى الألوهية.
﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ تهكُمٌ بهم؛ لأن المستحيل لا يمكن إثباته بالحجة ولا نزول الوحي به، فجَمع بينهما إظهاراً لفَرْط جهالتهم.
﴿فَانْتَظِرُوا﴾؛ أي: لمَّا تبيَّن الحقُّ وأنتم مُصرُّون على العناد فانتَظِروا العذاب.
﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ هذا غايةٌ في التهديد والوعيد، ونهايةٌ في الوثوق بما يَحلُّ بهم، وأنَّه كائن لا محالة.
* * *
стр. 1552
(٧٢) - ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾ الفاء فصيحةٌ، وما حذف هنا مذكور (١) في موضعٍ آخر. الإنجاء: التخليص من الهلاك، وأصله: من النجوة وهي الارتفاعُ من الأرض.
﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾؛ أي: الذين اتَّبعوه ﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ عليهم، لا بقوةٍ وتدبيرٍ منهم.
فيه إشارةٌ إلى أن هوداً ﵇ مع رتبته في النبوَّة ودرجته في الرسالة إنما نجا برحمةٍ من الله ليعلم أن النجاة لا تكون باستحقاق الذات (٢)، ولا باستيجاب الصواب من العمل، وإنما تكون بفضل (٣) من الله ورحمةٍ ابتداءً.
﴿وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ قَطْعُ دابرهم: استئصالُهم عن آخرهم؛ لأن الدابر: الذي يَدْبُر القوم ويأتي خلفهم، فإذا انتهى القطع إلى ذلك لم يبق أحد.
وفي قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ دلالةٌ على أنه كانت لهود ﵇ معجزاتٌ، ولكنْ لم تُذكر لنا بخصوصها.
﴿وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ تعريضٌ بمَن (٤) آمن منهم كمرثدٍ، وتنبيهٌ على أن الفارق بين مَن نجا ومَن هلك هو الإيمان، وأن النجاة مرتَّبةٌ عليه كما أن الهلاك مسبَّب عن التكذيب؛ كأنه قيل: قطعنا دابر الذين كذَّبوا بآياتنا ولم يكونوا ممن آمَن.
* * *
стр. 1553
(٧٣) - ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿وَإِلَى ثَمُودَ﴾ بمنع الصرف اسمُ القبيلة، وقرئ: (ثمودٍ) بالصَّرف (١) بتأويل الحي، أو باعتبار الأصل لأنَّه اسم أبيهم الأكبرِ.
﴿أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ﴾ قد سبق وجه الاستئناف.
﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ﴾: معجزة ظاهرةُ الدلالة على صحة نبوتي (٢) حيث جاءتكم ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لتصديقي في دعوى النبوَّة.
﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ استئنافٌ لبيانها، وإضافة الناقة إلى الله تعالى للتعظيم، ولأنها وجدت معجزةً من عنده تعالى من غير أسبابٍ ووسائطَ معهودةٍ فأُضيفت إليه.
﴿لَكُمْ آيَةً﴾ نصب على الحال من ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ والعامل فيها معنى الإشارة.
و ﴿لَكُمْ﴾ بيان لمَن هي له آيةٌ وهم ثمود، فإن دعوة هود ﵇ كانت مخصوصةً لهم، فمعجزتُه كانت لأجلهم، ومَن وهَم أنها كانت معجزةً لهم خاصةً لأنهم عاينوها وسائرُ الناس أُخبروا عنها فقد وَهِم؛ إذ بعد ظهور المعجزة الأخبارُ المتواترة كافيةٌ بغير المشاهدة (٣).
стр. 1554
وهو حال من ﴿آيَةً﴾، أو ﴿نَاقَةُ﴾ بدلٌ من ﴿هَذِهِ﴾ أو عطف بيان، والخبر ﴿لَكُمْ﴾ والعامل ما فيه من معنى الاستقرار.
﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾؛ أي: الناقةُ ناقةُ الله، والأرضُ أرض الله، فذروها تأكل فيها من العشب، فليست الأرض أرضَكم، ولا ما فيها من النبات نباتكم.
﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ قد سبق أن في المسِّ أمراً زائداً على معنى الإصابة، وهو تأثير الحاسة به، وأن سوء العذاب أفظعُه (١)، فلا وجه لِمَا قيل: نهى عن المسِّ الذي هو مقدمةُ الإصابة (٢) بالسوء الجامع لأنواع الأذى مبالغةً في الأمر وإزاحةً للعذر.
﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ جواب للنهي.
* * *
(٧٤) - ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾ لم يقل: من عاد؛ لِمَا بينهما خلائف هو خلائف (٣) عاد بالذات.
стр. 1555
﴿وَبَوَّأَكُمْ﴾: نزَّلكم المباءةَ، [والمباءة]: المنزلُ (١) ﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: أرضِ الحِجر.
﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا﴾ السهل: ما ليس فيه مشقَّةٌ على النفس من عملٍ أو أرض.
﴿قُصُورًا﴾ القصر: هو الدار الكبيرة بسورٍ تكون به مقصورةً، قيل: كانوا يسكنون السهول في الصيف والجبال في الشتاء.
﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾؛ أي: من الجبال، فحُذف الجارُّ وأُوصل الفعل إليه، دل على ذلك قولُه في سورة الحجر: ﴿يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ﴾ [الحجر: ٨٢] (٢).
والنَّحت: النَّجْر والنَّشْر في الشيء الصلب كالحجر والشجر.
﴿فَاذْكُرُواْ﴾ ما مرَّ من الذكر اللساني، وهذا من الذكر القلبي.
﴿آلَاءَ اللَّهِ﴾: أنواع نعمه؛ من التمكين في الأرض، والتسخير حتى تبوَّءوا القصور وشيَّدوا المنازل والدورَ، مع طول الآمال، وتبليغِ الآجال.
والمراد: الأمر بالشكر على تلك النعمة بطريق الكناية، وفيها إيماء إلى أنها من النعم الجسام التي لا مانع عن القيام بشكرها إلا الغفلةُ عنها.
﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ قد سبق تفسيره في سورة البقرة.
* * *
стр. 1556
(٧٥) - ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾.
﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾؛ أي: عن متابعةِ صالح ﵇؛ لأن الاستكبار طلبُ الكِبر فوق القَدْر حتى يؤدِّي صاحبه إلى إنكار ما دُعي (١) إليه من الحق أنفةً من اتِّباع الداعي إلى الحق (٢).
﴿مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ الاستضعاف: طلبُ الضعف بالأحوال التي يَقعد (٣) صاحبُها عما يمكنُ غيره من القيام بالأمر، وبناء المجهول لأنهم غيرُ مقصورين على مَن استَضعَفهم تلك الملأ (٤) واستذلَّهم.
﴿لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ بدل من (الذين استُضعفوا) بتكرير العامل بدلَ البعض من الكلِّ، سواءٌ كان الضمير لـ (الذين) أو لـ ﴿قَوْمِهِ﴾؛ لأن من المستضعَفين مَن لم يؤمن، وإنما آثر اختلاف المرجعين من حيث إنه على الأول لا يكون الاستضعاف مقصوراً عليهم بحكم دلالة اللفظ، بخلاف الثاني (٥).
﴿أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ كلام قالوه على سبيل الاستهزاء
стр. 1557
والسخرية؛ كما تقول للمجسِّمة: أتعلمون أن الله تعالى فوق العرش، ولهذا لم يقولوا: نعم، بل أجابوا بما نقل عنهم في قوله: ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ إيذانّاَ بَأن إرساله أظهرُ من أن يشكَّ فيه عاقل (١)، أو يَخفى على أحد فيحتاجَ إلى السؤال عنه؛ لغاية وضوحه وإنارة برهانه، إنما الكلام في وجوب الإيمان به فنخبركم أنا به مؤمنون.
* * *
(٧٦) - ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾.
﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ كان الجواب المطابق: إنا بما أرسل به كافرون، إلا أنهم لمَّا عدلوا عن الظاهر بأنْ جعلوا الإرسال مسلَّماً معلوماً كان جواب الكفرة أيضًا معدولاً به عن الظاهر؛ أي: ليس ما جعلتُموه مسلَّماً معلومًا (٢) من ذلك القبيل، وأيضاً لم يريدوا أن يتفوهوا (٣) بإثباتِ الرسالة له (٤).
* * *
(٧٧) - ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
стр. 1558
﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ أسند الفعل إلى الجميع (١) لأنهم أَمروا صاحبهم فتعاطَى فعَقر، على ما يأتي التفصيل في سورة القمر، ومَن غفل عن هذا زعم أن الإسناد إليهم للملابسة.
والعَقر: الجَرح الذي يأتي على أصل النَّفْس، وهو من عُقر الحوض وهو أصلُه.
﴿وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ هو (٢) ما بلَّغه صالح ﵇ بقوله: ﴿فَذَرُوهَا﴾، وعُتوُّ الأمر: مخالفتُه على وجه التهاوُن به والاستكبار عن قبوله.
﴿وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ من العذاب، والإبهامُ لقلة الاهتمام ذريعةٌ إلى التحقير في أمثال هذا المقام، والوعد يُذْكر في الخير والشر، ويُعْرف بالقرينة عند الإطلاق.
﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ استعجالُهم للعذاب (٣) إظهارٌ للجزم في تكذيبهم.
* * *
(٧٨) - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾: الزَّلزلة المحرِّكة.
﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ﴾؛ أي: في بلدهم، ولذلك وحِّد.
﴿جَاثِمِينَ﴾ بارِكينَ على رُكبهم غيرَ قادرين على الحركة؛ لقوله تعالى في سورة الذاريات: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ﴾ [الذاريات: ٤٥] ثم صاروا ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١] وهو المذكور في سورة القمر.
стр. 1559
(٧٩) - ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾.
﴿فَتَوَلَّى﴾ صالحٌ ﵇ ﴿وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ حكايةُ حالٍ ماضيةٍ، والظاهر أنه كان يتولى عنهم، حين رأى العلامات قبل نزول العذاب تولى ذاهباً عنهم منكراً لإصرارهم.
* * *
(٨٠) - ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَلُوطًا﴾؛ أي: وأرسلنا لوطاً ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ وقتَ قوله (١) لهم: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ مِن أتى المرأة: إذا غَشِيَها، إنكارٌ وتوبيخ لهم، وتقريع على تلك الفعلة المتمادية في القبح، واللام في ﴿الْفَاحِشَةَ﴾ للجنس، كأنها الفاحشةُ على الحقيقة وما عداها ليس من جنسها نظراً إلى فُحش التفاوت بينهما (٢) في ذلك المعنى.
﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ الباء للتعدية ﴿مِنْ﴾ الأولى زائدةٌ لتأكيد النفي والاستغراق، والثانية للتبعيض؛ أي: ما عمِلها أحد قبلكم قط، وهو جملة استئنافية مقرِّرة للإنكار، وبَّخهم أولًا بإتيان الفاحشة، ثم باختراعها فإنه أسوء وأفحش؛ لعدم المجال للاعتذار بالتقليد.
стр. 1560
(٨١) - ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾.
﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ بيان لقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ والهمزة مثلُها في الإنكار والاستقباح كرِّرت لتأكيد الإنكار تفصيلاً وإجمالاً، وهي مع (إنَّ) أبلغُ في الإنكار.
وقرئ ﴿إِنَّكُمْ﴾ (١) على الإخبار المستأنَف.
وفي التقييد بقوله: ﴿شَهْوَةً﴾ - وهي مطالبةُ النفس بفعلِ ما فيه اللذةُ - زيادةُ استهجان، ووصفٌ لهم بالبهيميَّة الصرفة، ولا ذم أعظم منه؛ أي: لا حاملَ لكم عليه إلا مجردُ الشهوة، لا طلبُ النسل وبقاءُ النوع الذي هو مقتضَى العقل، فهو مفعولٌ له، أو مصدرٌ في موقع الحال؛ أي: مشتَهِين تابعين للشهوة.
وقوله: ﴿مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ نصبٌ على الحال من ﴿الرِّجَالَ﴾؛ أي: منفرِدينَ، والمعنى: تَطَؤون الرجال لمجرَّد (٢) الشهوة البهيميَّة ولكم عنها بدل! ففيه تذكيرٌ لتجاوُزهم المعتادَ المطبوع المشروع، وإظهارٌ لعدم الضرورة الداعيَة إلى ذلك الفعلِ القبيح، وفي ذكر الرجال دون الذكور المقابلِ للنساء زيادةُ تقبيح لصنيعهم الشنيعِ بإظهارِ أنهم يفعلونه بأمثالهم في الرُّجولية، وذلك لا يخلو عن الإيماء إلى أنهم يفعلونه كُرهاً؛ لأن مقتضى الرُّجولية الامتناعُ عنه.
﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ أنكر عليهم مخالفةَ العقل، ثم أَضربَ عن الإنكار بالإخبار عنهم بحالهم التي هي أمُّ الرذائل، ومُوجِب ارتكاب جميع القبائح؛ أي: فليست هذه غريبةً عن عادتهم حتى تُنكَر عليهم، وهي أنهم قوم عادتُهم
стр. 1561
الإسراف وتجاوُزُ الحد في كلِّ شيء، فمِن ثَمة أسرفوا في باب الشهوة أيضًا.
* * *
(٨٢) - ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾.
﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾؛ أي: وما جاؤوا بما هو جوابٌ له عمَّا كلَّمهم به ونصح لهم فيه من إنكار الفاحشة واستعظامِها؛ لغايةِ دعارتهم وخبثهم، ولكنهم قابلوا نصيحته ووعظَه بالأمر بإخراجه ومَن معه من المؤمنين من قريتهم، وهي من القَرْي وهو الجمع، سميت بها ما فيه (١) الأبنيةُ لأنها مجتمَع الناس في الإقامة، إلا أنه صار بالعرف عبارةً عن مجتمَع الناس (٢) في منازلَ متجاورةٍ بقرب ضيعةٍ يأوي إليها الأسرة (٣).
﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ استئنافٌ بطريق الاستهزاء؛ كأنه قيل لهم: لِمَ تُخرجوهم من قريتكم؟ فقالوا: لأنا قوم ملوَّثون بالفواحش وهم أناس يبالغون في التنزُّه منها (٤)، فلا وجه لاختلاط الطاهرين بالخبائث. وهذا غايةُ السخرية منهم، وهذا ليس بجوابٍ عن إنكاره وتوبيخه، لكنهم قالوه تضجُّراً منه عَقيب إنكاره وتوبيخه (٥)، وفي إطلاق الجواب عليه إشارةٌ إلى أنهم كانوا مُلزَمين مبهوتين حتى لم يقدروا على أن يتكلموا في معرِض الجواب بشيء سوى هذا، وهذا قريب من أسلوب الشاعر:
стр. 1562
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم … بهنَّ فلولٌ من قراع الكتائب (١)
ولما كان مآل المعنى أنهم لم يقدروا على الجواب، وكان السلوك إلى الطريق المذكور (٢) للمبالغة في عدم قدرتهم عليه (٣)، اندفع وهمُ المنافاة بينه وبين قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، وبين قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧]؛ لأن المنقول فيهما أيضًا ليس بجوابٍ حقيقةً وإن كان مذكوراً في مَعرض الجواب، والله أعلم بالصواب.
* * *
(٨٣) - ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾.
﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾ الفاء فصيحةٌ، والمحذوف هنا مذكور في موضع آخر، والمراد من الإنجاء: إخراجه من بينهم قبل نزول العذاب.
﴿وَأَهْلَهُ﴾: أهل بيته، لا من تبعه في الدين؛ لقوله:
стр. 1563
﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ فإنها كانت تسرُّ الكفر.
﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: من الذين بقوا في ديارهم فهلكوا، والتذكير لتغليب الذكور.
* * *
(٨٤) - ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ يقال في العذاب: أَمْطَرتْ، وفي الرحمة: مَطَرتْ، وتعديَتُه بـ (على) لِمَا فيه من معنى النزول.
﴿مَطَرًا﴾: نوعاً من المطر عجيباً غيرَ معهود، إذ كان الممطور عليهم الحجارةَ على ما بيِّن في موضعٍ آخر.
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ من قوم نوح وهود وصالح ولوط ﵈، والمراد نظرُ التفكُّر، أو نظر البصر فيمَن بقيت له آثارُ منازل ومساكن، وفيه اتعاظٌ وانزجارٌ أن تسلك هذه الأمة ذلك المسلك الفظيع.
* * *
(٨٥) - ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾؛ أي: وأرسلنا إليهم، وهم أولاد مدين بن إبراهيم ﵇، وشعيبٌ هو ابن مكيل بن يشجر بن مدين، وكان يقال له: خطيبُ الأنبياء، لحُسن مراجعته قومه.
стр. 1564
﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ قد سبق تفسيره.
﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: معجزةٌ شاهدةٌ بنبوتي، ولم يذكر في القرآن، فإن ما ذكر فيه وفي (١) التفاسير متأخر عن هذه المقاولة (٢).
﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ أي: آلةَ الكيل، لا لقوله (٣): ﴿وَالْمِيزَانَ﴾؛ لأنَّه يجيء بمعنى الوزن (٤)، بل لقوله في سورة هود: ﴿الْمِكْيَالَ﴾ [الآيتان: ٨٤ و ٨٥].
ويجوز أن يكون الميزان (٥) مصدراً كالميعاد والميلاد، والمراد: الإيفاءُ في الكيل والوزن، أو يراد: الكيلَ ووَزْنَ الميزان، على الإضمار، أو إطلاقُ الكيل على المكيال (٦) كالعيش على المَعاش (٧).
هذا ما عند القوم، والذي هو عندي - ولعله أدقّ وبالقبول أحقّ - قد سبق في تفسير سورة الأنعام، والمراد بإيفاء الكيل والميزان: إيفاءُ ما يكال وما يُوزن (٨)،
стр. 1565
فنُسب إلى الفعل مجازاً، أو إلى الآلة للمُلابسة. كانوا أهل بَخْسٍ للمكاييل والموازين فأمرهم بالإيفاء.
ولمَّا كان المحظور بالأمر المذكور التعدِّيَ إلى جانب النقصان لا إلى جانب الزيادة نبَّه على ذلك بقوله: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ ولا تَنقُصوا حقوقهم (١)، وإنما قال: ﴿أَشْيَاءَهُمْ﴾ للتعميم؛ لأنهم كانوا يبخسون الجليل والحقير، والقليل والكثير، أو كانوا مَكَّاسين لا يَدَعون شيئًا إلا مَكَسوه.
﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بالكفر والحَيفِ ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ بعد ما أصلح فيها الأنبياء ﵈ بالإيمان والعدل.
﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارةٌ إلى العمل بما أمرهم به ونهاهم عنه ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مطلَقًا ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بزعمكم؛ لأن قضية الإيمان العدالةُ.
أو: خير لكم في الإنسانية وحُسنِ الأحدوثة، أو فيما تطلبون من التكسُّب والتربُّح (٢) وزيادة المال؛ لأن الناس إذا عرفوا منكم الأمانةَ والعدالة رغبوا في مُتاجَرتِكم، إن كنتم مصدِّقين لي فيما أقول لكم.
* * *
(٨٦) - ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾.
стр. 1566
﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾: ولا تقتدوا بالشيطان (١) في قوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] فتقعدوا بكلِّ منهجٍ من مناهج الدِّين؛ لقوله:
﴿تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ وطريق الحق وإن كان واحدًا لكنْ يتشعَّب إلى عقائد ومعارف حقَّةٍ، وفضائلَ وأخلاقٍ حميدة (٢)، وحدودٍ وأحكام كثيرةٍ، فكانوا إذا رأوا أحداً يسلك طريقاً منها أو يتكلَّم فيها منعوه وأَوْعَدوه وصدُّوه.
وقيل: كانوا يقعدون بالمراصد ويقولون لمن يريد شعيباً: إنه كذَّاب لا يَفتِنَنَّكَ عن دينك، كما كان يفعل قريش بمكة، ويُوْعِدون مَن آمَن به.
وقيل: كانوا يقطعون الطريق.
ومحل ﴿تُوعِدُونَ﴾ وما عُطف عليه النصبُ على الحال؛ أي: لا تقعدوا مُوْعِدين وصادِّين وباغيها عوجاً، و ﴿مَنْ آمَنَ﴾ مفعول ﴿تَصُدُّونَ﴾ على إعمال الأقرب، ومفعول ﴿تُوعِدُونَ﴾ محذوف لدلالته عليه، ولو كان مفعولَ ﴿تُوعِدُونَ﴾ لقال: وتصدونهم، إلا أن يُجعل ﴿تَصُدُّونَ﴾ بمعنى: تُعْرضون، لازماً.
والضمير في ﴿بِهِ﴾ لـ ﴿اللَّهِ﴾؛ أي: تُوعدون وتصدُّون مَن آمن بالله عن سبيله ﴿وَتَبْغُونَهَا﴾؛ أي: تطلبون سبيلَ الله عوجاً تصفونها للناس بالعوج، وأنها مُعوجَّة وغيرُ مستقيمة فلا تسلكوها، أو بإلقاء الشُّبه.
وقيل: الضمير المذكور راجع إلى (كلِّ صراط)؛ أي: تُوعدون مَن آمَن به وتصدون عنه، فوُضع الظاهر الذي هو (سبيل الله) موضعَ الضمير تقبيحاً لِمَا كانوا
стр. 1567
عليه، ودلالةً على عظم ما يصدُّون عنه، ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ تهكُّمٌ بهم؛ أي: تطلبون ما هو محالٌ.
﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا﴾ عَدَدَاً أو عُدَداً.
﴿فَكَثَّرَكُمْ﴾ بالبركة في النسل والمال (١).
﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ من قوم نوح وهود ولوط وصالح ﵈، وكانوا قريبي العهدِ مما أصاب المؤتفِكة، والمراد من النظر: الاعتبار بهم.
* * *
(٨٧) - ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾.
﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ﴾ من الطَّوف، صفةٌ غالبة أُقيمت مقام الموصوف، مأخوذةٌ من الاجتماع على الطَّواف (٢).
﴿آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ أطلقه هنا إيماءً إلى أن عدم الإيمان بما أُرسل به نبيٌّ يَستلزم عدم الإيمان بما أرسل به سائر الأنبياء ﵈؛ لأن كلًّا منهم يصدِّق الآخرين.
﴿فَاصْبِرُوا﴾ الصبر: حبسُ النفس عما تُنازع إليه من الجزع؛ أي: فتربَّصوا وانتظِروا ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا﴾: بين الفريقين بنصر المحقِّين على المبطِلين، فهو وعدٌ للمؤمنين ووعيدٌ للكافرين.
стр. 1568
﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾؛ لأن حكمه حقٌّ وعدل، لا يخاف حيفاً ولا ميلاً (١)، والحكم: المنع من الخروج عن الحق.
* * *
(٨٨) - ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾.
﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ﴾؛ أي: آمنوا بما أُرسلت به تابعِين لك.
﴿مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾؛ أي: ليكوننَّ أحد الأمرين: إما إخراجُكم عن القرية، وإمَّا عودُكم في الكفر.
والعود: هو الرجوع إلى الحالة التي كان عليها؛ لمَّا شركوا شعيباً ﵇ في الإخراج مع الذين اَمنوا معه شركوه في العود تغليباً للجماعة على الواحد، وإن لم يكن ﵇ في ملتهم قط؛ لأن الأنبياء ﵈ لا يجوز عليهم الكفر مطلقًا، وكذلك (٢) أجرى شعيب ﵇ جوابه على التغليب.
ويجوز أن يكون قولهم على زعمهم وقولُه ﵇ للمشاكَلة (٣).
ويجوز أن يكون العود بمعنى الصيرورة؛ كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]؛ أي: صار.
стр. 1569
﴿فِي﴾ أبلغ من: إلى؛ لدلالته على الاستقرار والتمكُّن؛ كأنهم لم يرضَوا بأن يتظاهروا أنهم من أهل ملتهم.
﴿قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ الواو للحال، والهمزة للاستفهام الإنكاري؛ أي: أنعود فيها ونحن كارهون لها، أو: أتُعيدوننا (١) فيها على كراهتنا إياها.
* * *
(٨٩) - ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾.
﴿قَدِ افْتَرَيْنَا﴾ إخبارٌ مقيَّد بالشرط، وهو بمعنى المستقبل لأنَّه لم يقع لكنه جُعل كالواقع للمبالغة، وأُدخل عليه ﴿قَدِ﴾ لتقريبه من الحال؛ أي: قد افترينا الآن إنْ همَمنا بالعود في ملَّتكم بعد أنْ وفقنا الله تعالى للنجاة منها بالتوحيد؛ لأنَّا (٢) علمْنا أنْ لا شريك له، فإنْ زعمْنا أن له نداً فلا افتراءَ أعظمُ من افترائنا، وقد سبق معنى الافتراء ووجه تقييده بقوله: ﴿عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ (٣).
﴿إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ﴾ شرط جوابه محذوف دل عليه ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا﴾ وهو استئناف في معنى التعجُّب؛ كأنهم قالوا: ما أكذبَنا على الله تعالى إن عدنا؛ لأنَّا تحقَّقْنا التوحيد وتيقَّنَّاه فادِّعاءُ النِّد مع اعتقاد التوحيد افتراءٌ في غاية القبح.
وقيل: جواب قسم على تقدير حذف اللام؛ أي: لقد افترينا على هذا التقدير.
стр. 1570
﴿بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾؛ أي: حفظَنا عنها، فإن النجاة الحقيقية إنما تكون بعد الابتلاء، ولا ابتلاء هنا، فلا بد من المصير إلى أقربِ المجاز.
﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا﴾ وما يصحُّ لنا ﴿أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا﴾ وقتَ ﴿أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ عودَنا، هذا هو الذي يقتضيه المساق، وتقدير الخذلان من خذلان التقدير (١).
﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ لم يقل: قدرةً، أو إرادةً (٢) لأن الإخبار عن سعة قدرته أو إرادته (٣) لكلِّ شيء إنما يناسب المقام إذا كان مَساق الكلام للإشعار بوقوع المستثنَى، وأما إذا كان مَساقُه للإشعار بعدم وقوعه فلا يناسب ذلك، إنما المناسب حينئذٍ الإخبار عن سعة علمه وحكمته، وفائدة هذا الأشعارِ حسمُ طمعهم في العود بالتعليق على ما لا يكون.
وفي زيادة ﴿رَبُّنَا﴾ مع تمام الكلام بدونه نوعُ تأييد للإشعار المذكور، وفضلُ تأكيد للحسم المزبور، من حيث إنَّ الربَّ في الأصل بمعنى التربية، وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئًا فشيئاً.
﴿عَلَى اللَّهِ﴾ خاصة ﴿تَوَكَّلْنَا﴾ في (٤) أن يثبتنا على الإيمان، ويحفظَنا من الشر والعدوان.
﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا﴾: احكُم بيننا وبينهم ﴿بِالْحَقِّ﴾ والفَتَاحة: الحكومة، والفتَّاح: القاضي.
стр. 1571
أو: أظهِرْ أمرنا ينفتحْ ما بيننا وينكشف، ويتميز المحقُّ من المبطِل بإنزال العذاب عليه وإنجاء المحق، مِن فَتَح المُشكل: إذا بيَّنه.
﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ على المعنيَين.
* * *
(٩٠) - ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾.
﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾؛ أي: قال بعضهم لبعض: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ فيما أمركم به ونهاكم عنه في معاملاتكم.
﴿إِنَّكُمْ إِذًا﴾؛ أي: حينئذٍ - هو اسم زمان - ﴿لَخَاسِرُونَ﴾ الأموالَ، وهو سادٌّ مَسدَّ جواب الشرط والقسمِ الموطَّأ باللام.
* * *
(٩١) - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾: الزلزلةُ الحادثة من الصيحة المذكورة في سورة هود (١) ﵇.
﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ قد سبق تفسيره.
* * *
(٩٢) - ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾.
стр. 1572
﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ مبتدأ ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ خبرُه، وكذا ما بعده؛ أي: كأنْ لم يقيموا فيها؛ يقال: غَنِيَ بالمكان: إذا أقام به، والمَغاني: المنازل.
﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ بالَغَ في تقرير هلاكهم بوجوهٍ:
بالاستئناف (١) وإيرادِ الموصول كأنه قال: الذين كذبوا شعيباً هم المخصوصون بالاستئصال أحقَّاءُ به لتكذيبهم. وبقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾؛ أي: ما بقي أثرٌ منهم كأنْ لم يكونوا قط. وبالتكرير على الوجه الأول، وبكونهما اسميتين، وتعريفِ ﴿الْخَاسِرِينَ﴾ بلام الماهية، وبإطلاقه - أي: ﴿الْخَاسِرِينَ﴾ - في الدارين، وبتوسيط ﴿هُمُ﴾ في الثانية؛ أي: هم الأخصَّاء بالخسران المطلق لا الذين صدَّقوه واتَّبعوه كما زعموا، فإنهم الرابحون فيها.
كلُّ ذلك ردًّا لمقالة الملأ فيما بينهم، وتسفيهاً لرأيهم، واستهزاءً بنصح بعضهم لبعض.
* * *
(٩٣) - ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾.
﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ كلام قاله بعد هلاكهم تأسُّفاً وتحزُّناً عليهم، ثم أنكر على نفسه أسفه وشدةَ حزنه عليهم فقال:
﴿فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ ليسوا بأهلٍ للحزن عليهم؛ لاستحقاقهم ما حل بهم بكفرهم.
стр. 1573
أو قاله اعتذاراً عن عدم شدة حزنه عليهم؛ أي: لقد أَعذَرْتُ إليكم (١)، وبالغتُ في الإبلاغ، وبذلت وسعي في النصح لكم والتحذير عما نزل بكم، فلم تصدقوا قولي، فكيف آسى عليكم؟ أي: فلا أحزن عليكم بعد اللُّتيَّا والَّتي (٢)؛ لكفركم وكونِكم غيرَ مستحقِّين لذلك.
* * *
(٩٤) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ﴾ تعديةُ (أَرسل) بـ (إلى)، وإنما أتى بـ ﴿فِي﴾ اعتباراً بمعنى الاستقرار، فإنه يدل على الاستمرار في أمر الإبشار والإنذار، وعند ذلك يظهر استحقاقهم بالأخذ الآتي ذكره.
﴿إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا﴾؛ أي: إلا آخذين أهلها، فهو استثناءٌ مفرَّغ من الأحوال.
﴿بِالْبَأْسَاءِ﴾: بالبؤس والفقر.
﴿وَالضَّرَّاءِ﴾: والضرِّ والمرض؛ لاستكبارهم عن اتِّباع النبي وتَعزُّزهم، والشدة والبلاء تُلين القلوب القاسية الأبية، وتذلِّل النفوس الطاغية القوية.
﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾: لكي يتذلَّلوا ويضعوا تيجان العز والكبر والنخوة.
* * *
(٩٥) - ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
стр. 1574
﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ لفظة ﴿ثُمَّ﴾ للدلالة على امتداد تلك الحالة، ويؤيده ما في عبارة المكان من الإشعار بالتمكُّن؛ أي: ثم أوردنا مكان الحالة السيئة الحالةَ الحسنة مبدِّلين إحداهما بالأخرى إكمالاً لأمر الابتلاء، قال الله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨].
والحكمة فيه: أن النفوس الجافية الغليظة تنقهِر وتنكسر بالبلاء والشدة، والنفوسَ اللطيفة تنقاد وتطيع بالسعة والنعمة.
﴿حَتَّى عَفَوْا﴾: كثروا عَدداً وعُدداً بالنموِّ في أنفسهم وأموالهم، من عفا النباتُ: إذا كثُر، ومنه قوله ﵇: "وأعفوا اللحى" (١).
﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ بطراً وأشراً بالنعمة، ونسياناً للنقمة، واعتقاداً أن هذه عادةُ الدهر يُضيق تارة ويوسع أخرى، ويتعاقب فيه المحنة والمنحة كما عليه حال آبائنا، فلم يروا ذلك ابتلاء من الله تعالى.
﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ لمَّا لم يتنبهوا من غفلتهم بإحدى الحالتين فلم يبق إلا أن أخذناهم أشدَّ الأخذ بالعذاب، وهو الأخذ فجأة من غير شعورٍ لأنَّه أعظم حسرةً.
* * *
(٩٦) - ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى﴾ اللام للعهد والإشارةِ إلى القرى التي دلَّ عليها ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ﴾.
стр. 1575
﴿آمَنُوا﴾ وصدَّقوا بدل كفرهم وتكذيبهم ﴿وَاتَّقَوْا﴾ بدل عصيانهم.
﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ لوسَّعنا عليهم الخير في كل شيء ومن كل جهة ويسَّرنا لهم، وقيل: لآتيناهم المطر والنبات.
﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا﴾ الرسل ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: بسوء كسبهم المعتادِ من التكذيب والعصيان.
* * *
(٩٧) - ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ﴾.
﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ الفاء للعطف على ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ وكذا الواو في ﴿أَوَأَمِنَ﴾، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى﴾ إلخ اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، والهمزة للإنكار؛ أي: أَبَعْدَ أخذِنا إياهم بتكذيبهم أَمِنَ أهل هذه القرى.
﴿أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾ البيات إن كان بمعنى البيتوتة فظرف؛ أي: وقتَ بيات، وإن كان بمعنى التبييت فحال؛ أي: مبيِّتاً أو مبيَّتين، أو مصدر لأن التبييت نوعٌ من الإتيان؛ كأنه قال: أن يبيِّتهم بأسُنا تبييتاً.
﴿وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ حال من ضميرهم البارز أو المستتر في ﴿بَيَاتًا﴾.
* * *
(٩٨) - ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾.
﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى﴾ نصب على الظرف، والضُّحى بين البُكرة والضَّحوة (١).
стр. 1576
﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾: يشتغلون بأمور الدنيا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد: ٣٦]، والعدول إلى صيغة المضارع للدلالة على التجدُّد المناسب للَّعب.
* * *
(٩٩) - ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ تكريرٌ للتأكيد، وتقريرٌ للجملتين على سبيل التعميم باستعارةٍ لطيفةٍ، وهي استعارةُ المكر للأخذ بغتةً بلا شعورٍ منهم استدراجاً.
﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾؛ أي: إذا كان استدراجه وأخذُه على هذا الوجه فلا يأمن مكر الله إلا الذين خسروا أنفسهم بالكفر وتركِ النظر والاعتبار، وفي تكرير ﴿مَكْرَ اللَّهِ﴾ (١) تهويل وتربيةٌ للمهابة (٢).
* * *
(١٠٠) - ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾.
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾
стр. 1577
قرئ: ﴿يَهْدِ﴾ بالياء على أن قوله: ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ﴾ فاعلُه، وبالنون (١) على أنه مفعوله.
و ﴿أَنْ﴾ مخفَّفة من الثقيلة مُعْمَلةٌ في (٢) ضمير الشأن.
وتعديةُ فعل الهداية باللام إلى المفعول الأول لِمَا فيها من معنى التبيين (٣)؛ أي: أولم يهدِ وَيتبيَّنْ للَّذين يَخلفون مَن مضى قبلَهم في ديارهم ويرثون أرضهم هذا الشأنُ وهو أنَّا لو نشاء أصبناهم بذنوبهم (٤) كما أصبنا مَن قبلَهم، وأهلكنا الوارثين كما أهلكنا الموروثين، أو: أولم نبيِّن لهم ذلك.
﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ عطفٌ على ما دل عليه ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾؛ أي: يغفلون عن الهداية ونطبع، أو كلامٌ مبتدأ عطفَ الجملة على الجملة؛ أي: ونحن نطبع.
ولا يستقيم عطفه على ﴿أَصَبْنَاهُمْ﴾ بمعنى: وطبعنا؛ لأنَّه في سياقِ ﴿لَوْ﴾، فيؤدي إلى نفي الطبع، والقومُ مطبوع على قلوبهم.
وأما عطفه على ﴿يَرِثُونَ﴾ فيَلزمه الفصلُ بين إبعاض الصلة بالأجنبي (٥)؛ لأن المعطوف على الصلة صلةٌ، ولا تعلق لقوله: ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ بشيء من الصلة.
﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ سماعَ تفهُّم واعتبار.
стр. 1578
(١٠١) - ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿تِلْكَ الْقُرَى﴾؛ أي: قرى الأممِ المارِّ ذكرُهم ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا﴾ حالٌ منها؛ كقوله: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢]، أو خبر ثان، أو ﴿الْقُرَى﴾ صفةُ ﴿تِلْكَ﴾ و ﴿نَقُصُّ﴾ خبرٌ.
و ﴿مِنْ﴾ للتبعيض؛ أي: نقصُّ عليك بعضَ أنبائها، إذ لهم (٦) أنباءٌ غيرُها لم نقصَّها (٧) عليك.
﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ عند مجيء الرسل بالبينات ﴿بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾: بما كذبوه من قبلِ الرسل بل كانوا مستمرِّين على التكذيب.
أو: فما كانوا ليؤمنوا إلى آخر أعمارهم بما كذَّبوا أولًا حين مجيء الرسل؛ أي: استمرُّوا على التكذيب مع تكرار (٨) المواعظ وتتابُع البينات، ولم تلن قلوبهم حتى ماتوا.
وتأكيد النفي باللام للدلالة على أن الإيمان كان منافياً لحالهم في تصميمهم على الكفر طُول عمرهم، وشدةِ (٩) شكيمتهم في عنادهم.
﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلَ ذلك الطبع العظيم ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ فلا تلين شكيمتُهم بالآيات والنُّذر، وفيه إيذان بأن سبب الطبع كفرُهم الأصلي.
стр. 1579
(١٠٢) - ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾.
﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ﴾؛ أي: لأكثر الأمم المذكورين؛ لأن الأقل من كلٍّ منهم آمنوا، أو: للناس على الإطلاق، والجملةُ اعتراضية.
﴿مِنْ عَهْدٍ﴾ أراد بنفي العهد نفيَ الوفاء به على سبيل المبالغة، يقال: ما له عهد، لمن ينكثُ العهد، والمراد من العهد: إما ميثاق الفطرة في الإيمان والتقوى، وإما قولُهم عند الضر والمخافة: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢]، أو عهدهم مع الأنبياء ﵈ كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤].
﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾؛ أي: علِمناهم، من: وجدتُ زيداً ذا الحفاظ (١)؛ لدخول (إنْ) المخفَّفة واللامِ الفارقة فيه، وذلك لا يجوز إلا في المبتدأ والخبر والأفعالِ الداخلة عليهما، وعند الكوفيين (إنْ) للنفي واللامُ بمعنى: إلا.
* * *
(١٠٣) - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾.
﴿ثُمَّ بَعَثْنَا﴾ البعث: الإرسال، وهو في الأصل: النقل باعتمادٍ يوجب الإسراع إلى الشيء.
﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الضمير للرسل أو للأمم.
стр. 1580
﴿مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾: بمعجزاتنا ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾؛ أي: الأشرافِ من قومه، وفرعون كان لقباً لمَن مَلَكَ مصر من العمالقة.
﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وتعديتُه بالباء لتضمينه معنى الجَحْد، والمراد مِن ظلمهم: اختيارُهم الكفر على الإيمان.
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ النظر: تحديق القلب إلى المعنى لإدراكه، فكأنه قيل: فانظر بعين القلب كيف كان عاقبتهم بسبب إفسادهم، وموضع ﴿كَيْفَ﴾ نصبٌ؛ لأنَّه خبر ﴿كَانَ﴾، وتقديره: انظر أيَّ شيء كان آخِرَ أمر الذين أفسدوا.
* * *
(١٠٤) - ﴿وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ﴾ خطابٌ له بأحسن ما يُدْعَى به، وإجهالُه لِمَا عرفتَ أنه من الألقاب الشريفة المخصوصة بملوك العمالقة، ففيه ائتمارٌ بالأمر الوارد في قوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤].
﴿إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لم يقل: إليك؛ لعدم اختصاص رسالته ﵇ له.
ولمَّا كان فرعون قد ادَّعى الربوبيةَ فاتحه موسى ﵇ بما ينبِّهه على أنه مُبطِلٌ في الوصف الذي ادعاه.
* * *
(١٠٥) - ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.