﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾: يشتغلون بأمور الدنيا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد: ٣٦]، والعدول إلى صيغة المضارع للدلالة على التجدُّد المناسب للَّعب.
* * *
(٩٩) - ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ تكريرٌ للتأكيد، وتقريرٌ للجملتين على سبيل التعميم باستعارةٍ لطيفةٍ، وهي استعارةُ المكر للأخذ بغتةً بلا شعورٍ منهم استدراجاً.
﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾؛ أي: إذا كان استدراجه وأخذُه على هذا الوجه فلا يأمن مكر الله إلا الذين خسروا أنفسهم بالكفر وتركِ النظر والاعتبار، وفي تكرير ﴿مَكْرَ اللَّهِ﴾ (١) تهويل وتربيةٌ للمهابة (٢).
* * *
(١٠٠) - ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾.
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾
стр. 1577
قرئ: ﴿يَهْدِ﴾ بالياء على أن قوله: ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ﴾ فاعلُه، وبالنون (١) على أنه مفعوله.
و ﴿أَنْ﴾ مخفَّفة من الثقيلة مُعْمَلةٌ في (٢) ضمير الشأن.
وتعديةُ فعل الهداية باللام إلى المفعول الأول لِمَا فيها من معنى التبيين (٣)؛ أي: أولم يهدِ وَيتبيَّنْ للَّذين يَخلفون مَن مضى قبلَهم في ديارهم ويرثون أرضهم هذا الشأنُ وهو أنَّا لو نشاء أصبناهم بذنوبهم (٤) كما أصبنا مَن قبلَهم، وأهلكنا الوارثين كما أهلكنا الموروثين، أو: أولم نبيِّن لهم ذلك.
﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ عطفٌ على ما دل عليه ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾؛ أي: يغفلون عن الهداية ونطبع، أو كلامٌ مبتدأ عطفَ الجملة على الجملة؛ أي: ونحن نطبع.
ولا يستقيم عطفه على ﴿أَصَبْنَاهُمْ﴾ بمعنى: وطبعنا؛ لأنَّه في سياقِ ﴿لَوْ﴾، فيؤدي إلى نفي الطبع، والقومُ مطبوع على قلوبهم.
وأما عطفه على ﴿يَرِثُونَ﴾ فيَلزمه الفصلُ بين إبعاض الصلة بالأجنبي (٥)؛ لأن المعطوف على الصلة صلةٌ، ولا تعلق لقوله: ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ بشيء من الصلة.
﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ سماعَ تفهُّم واعتبار.
стр. 1578
(١٠١) - ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿تِلْكَ الْقُرَى﴾؛ أي: قرى الأممِ المارِّ ذكرُهم ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا﴾ حالٌ منها؛ كقوله: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢]، أو خبر ثان، أو ﴿الْقُرَى﴾ صفةُ ﴿تِلْكَ﴾ و ﴿نَقُصُّ﴾ خبرٌ.
و ﴿مِنْ﴾ للتبعيض؛ أي: نقصُّ عليك بعضَ أنبائها، إذ لهم (٦) أنباءٌ غيرُها لم نقصَّها (٧) عليك.
﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ عند مجيء الرسل بالبينات ﴿بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾: بما كذبوه من قبلِ الرسل بل كانوا مستمرِّين على التكذيب.
أو: فما كانوا ليؤمنوا إلى آخر أعمارهم بما كذَّبوا أولًا حين مجيء الرسل؛ أي: استمرُّوا على التكذيب مع تكرار (٨) المواعظ وتتابُع البينات، ولم تلن قلوبهم حتى ماتوا.
وتأكيد النفي باللام للدلالة على أن الإيمان كان منافياً لحالهم في تصميمهم على الكفر طُول عمرهم، وشدةِ (٩) شكيمتهم في عنادهم.
﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلَ ذلك الطبع العظيم ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ فلا تلين شكيمتُهم بالآيات والنُّذر، وفيه إيذان بأن سبب الطبع كفرُهم الأصلي.
стр. 1579
(١٠٢) - ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾.
﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ﴾؛ أي: لأكثر الأمم المذكورين؛ لأن الأقل من كلٍّ منهم آمنوا، أو: للناس على الإطلاق، والجملةُ اعتراضية.
﴿مِنْ عَهْدٍ﴾ أراد بنفي العهد نفيَ الوفاء به على سبيل المبالغة، يقال: ما له عهد، لمن ينكثُ العهد، والمراد من العهد: إما ميثاق الفطرة في الإيمان والتقوى، وإما قولُهم عند الضر والمخافة: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢]، أو عهدهم مع الأنبياء ﵈ كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤].
﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾؛ أي: علِمناهم، من: وجدتُ زيداً ذا الحفاظ (١)؛ لدخول (إنْ) المخفَّفة واللامِ الفارقة فيه، وذلك لا يجوز إلا في المبتدأ والخبر والأفعالِ الداخلة عليهما، وعند الكوفيين (إنْ) للنفي واللامُ بمعنى: إلا.
* * *
(١٠٣) - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾.
﴿ثُمَّ بَعَثْنَا﴾ البعث: الإرسال، وهو في الأصل: النقل باعتمادٍ يوجب الإسراع إلى الشيء.
﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الضمير للرسل أو للأمم.
стр. 1580
﴿مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾: بمعجزاتنا ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾؛ أي: الأشرافِ من قومه، وفرعون كان لقباً لمَن مَلَكَ مصر من العمالقة.
﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وتعديتُه بالباء لتضمينه معنى الجَحْد، والمراد مِن ظلمهم: اختيارُهم الكفر على الإيمان.
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ النظر: تحديق القلب إلى المعنى لإدراكه، فكأنه قيل: فانظر بعين القلب كيف كان عاقبتهم بسبب إفسادهم، وموضع ﴿كَيْفَ﴾ نصبٌ؛ لأنَّه خبر ﴿كَانَ﴾، وتقديره: انظر أيَّ شيء كان آخِرَ أمر الذين أفسدوا.
* * *
(١٠٤) - ﴿وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ﴾ خطابٌ له بأحسن ما يُدْعَى به، وإجهالُه لِمَا عرفتَ أنه من الألقاب الشريفة المخصوصة بملوك العمالقة، ففيه ائتمارٌ بالأمر الوارد في قوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤].
﴿إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لم يقل: إليك؛ لعدم اختصاص رسالته ﵇ له.
ولمَّا كان فرعون قد ادَّعى الربوبيةَ فاتحه موسى ﵇ بما ينبِّهه على أنه مُبطِلٌ في الوصف الذي ادعاه.
* * *
(١٠٥) - ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
стр. 1581
﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ﴾ جواب لتكذيبه إياه في دعوى الرسالة المفهومة من قوله: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾، وقرئ: ﴿عَلَىَّ﴾ بالتشديد (١)؛ أي: واجبٌ عليَّ، وعلى قراءة التخفيف معنى الحقيق: جدير (٢) وخليق، إلا أنه ضمِّن معنى المجبول، ولذلك عُدِّي بـ ﴿عَلَى﴾؛ أي: مجبول على ذلك جديرٌ به، وفيه إشارة إلى أن مَن هو في مقام الرسالة يكون في غاية العصمة عن وصمة الكذب حتى لو قصده لا يَقدر عليه.
﴿عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ إنما قال: ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ لأن في الرسالة تحميلَ العهدة على المرسِل الذي نقل عنه الرسالة.
﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: بما يُبين أني رسول من رب العالمين، ادَّعى الرسالة ثم أردفها بما يدل على صحتها.
ولمَّا قرَّر رسالته فرَّع عليها تبليغَ الحكم بقوله: ﴿فَأَرْسِلْ﴾؛ أي: فأطلق ﴿مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: يرجعوا معي إلى الأرض المقدسة التي هي وطنُهم ومولد اَبائهم، وكان قد استعبدهم واستخدمهم في الأعمال تغلُّباً منذ تُوفِّي يوسف ﵇ وانقرضت الأسباط.
* * *
(١٠٦) - ﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ مِن عند مَن أرسلك ﴿فَأْتِ بِهَا﴾: فأَظْهِرها وأحضِرها عندي ليَثبت بها صدقُك ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في الدعوى.
* * *
стр. 1582
(١٠٧) - ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾.
﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ﴾ أصل (ألقى) من الإلقاء الذي هو الانفصال (١)
﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ﴾: أزال اتِّصالها مما كان، وعصا: عود يابس، وأصله: الامتناع ليبسه، يقال: عصى: إذا امتنع، ومنه: العصا لمن عصى.
﴿فَإِذَا هِيَ﴾ (إذا) للمفاجأة والفاء للتعقيب.
﴿ثُعْبَانٌ﴾: حية عظيمة، يقال: انْثَعبَ الماء: إذا جرى باتِّساع، والمَثْعَب: هو المجرى الواسع، ومنه: الثعبان؛ لأنَّه يجري باتِّساع لعظمته.
﴿مُبِينٌ﴾ أبان عن نفسه أنه ثعبانٌ حقيقةً، لا شيءٌ يشبه الثعبان كما تكون الأشياء المزوَّرة بالشعوذة والسحر.
* * *
(١٠٨) - ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾.
﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾؛ أي: أخرجها من جيبه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ [النمل: ١٢]، والنزع: إخراج الشيء مما كان متَّصلاً به ومُلابساً له.
﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ﴾ لها شعاعُ يكاد يُغشي الأبصار ويسدُّ الأفق، وفي قوله: ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾ دلالةٌ على أن بياضها كان شيئًا يجتمع النَّظَّارة على النظر إليه لخروجه عن العادة.
وقيل: بيضاءُ للنُّظَّار، لا أنها كانت بيضاءَ حقيقةً.
ويردُّه قوله تعالى في موضع آخر: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [النمل: ١٢]؛ لأنَّه صريح في انقلابها أبيض؛ لأن مَظِنَّة السوء عند ذلك.
стр. 1583
(١٠٩) - ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ وفي موضع آخر: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ﴾ [الشعراء: ٣٤]، وذلك أنه قال هو وأشرافُ قومه على سبيل التشاور في أمره، فحُكي عنه تارةً وعنهم أخرى، وفي عبارة (الملأ) نوعُ إشارة إلى هذا من حيث إن الملأ جماعةٌ يجتمعون للتشاور.
﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾: فائق في علم السحر، وهو لطف الحيلة في إظهار أعجوبةٍ تُوهم خرقَ العادة لخفاءِ سببه.
* * *
(١١٠) - ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾.
﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ بسحره، بأن يُلقي العداوة والفُرقة بينكم، ويستميلَ بعضكم ليحارب به بعضَكم فيخرجَكم من بلادكم.
﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ (ماذا) مفعولٌ ثانٍ لـ ﴿تَأْمُرُونَ﴾ على سبيل التوسُّع فيه بأنْ حُذف منه حرف الجر، والمفعول الأول محذوف؛ أي: بأيِّ (١) شيء تأمرونني، من آمَرْتُه فأمرني بكذا: إذا شاورْتَه فأشار عليك برأيٍ.
تحيَّر عند غلبته سلطان المعجزة فنسي دعوى الألوهية ومرتبةَ كونه آمراً وناهياً، حتى خاطبهم خطاب الأذلاء المقهورين المأمورين.
* * *
стр. 1584
(١١١) - ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾.
﴿قَالُوا أَرْجِهْ﴾ من الإرجاء، وهو التأخير؛ أي: أخِّر أمره، وهذا يدل على تقدُّم همٍّ من فرعون (١) بقتله، على ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ [غافر: ٢٦]، فقالوا: أخِّر قَتْلَه واغلبه بالحجة كيلا يُدخل على الناس الشبهةَ، توهموا أنهم بالتأخير، وتقديم التدبير، وبذلِ الجهد (٢) والتشمير، يغيِّرون شيئًا من التقدير.
﴿وَأَخَاهُ﴾ يعني: هارون، وكان معه على ما ذكر في موضع آخر.
﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ الحشر: السَّوق من جهاتٍ مختلفةٍ إلى مكانٍ واحد (٣)، وتعدية (أرسل) بـ (إلى)، وإنما أتى بـ ﴿فِي﴾ تضميناً لمعنى الاستقرار؛ ليفيد الاهتمام في أول (٤) أمر الحشر، ولأن المقصود إتيان مَهَرة السحرة ومَن هم في الطبقة العليا من ذلك الجنس، وهو لا يكون إلا بالتتبُّع والتفحُّص، فلا بد من مكث في مظانهم من المدائن.
* * *
(١١٢) - ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾.
﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ مِثْلِه في عمل (٥) السحر وعلمه، وقرئ: ﴿سَحَّارٍ﴾ (٦) وهو أبلغ لأن اعتبار المبالغة في وصف مَن يؤتى للمغالبة أولى.
стр. 1585
وفي دخول كلمة (كلّ) على المفرد دلالةٌ على أنَّ كل واحد منهم منفرد (١) عن الآخرين، مطلوب بالإتيان ومقصودٌ أصالة وبالذات.
* * *
(١١٣) - ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾.
﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾؛ أي: فأرسل الحاشرين وجاء السحرة، فالواو فصيحة كالفاء في قوله تعالى: ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ﴾ [الشعراء: ٣٨].
﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ استئناف على تقدير سائل سأل: ما قالوا إذ جاؤوه؟ فأُجيب بقوله: ﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ استفهاماً، والقراءة بالإخبار (٢) أوقعُ للدلالة على إيجابهم عليه أجراً عظيماً، كأنهم قالوا: لا بد لنا من أجر كثير، ومثلُ هذا التنكيرِ في إفادة التعظيم والتكثير قولُهم: إن له لإبلاً وإن له لغنماً.
والأجر: الجزاء بالخير، فإن الجزاء قد يكون بالخير والشر بحسب العمل وبحسب ما يقتضيه العدل، والغلبة: إبطال المقاومة بالقوة.
* * *
(١١٤) - ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾.
﴿قَالَ نَعَمْ﴾ مجيباً لهم عما سألوه ﴿وَإِنَّكُمْ﴾ الواو للعطف كأنه قال: نعم لكم ذاك وإنكم ﴿لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ إلى مراتب الجلالة التي يكون فيها الخاصَّة (٣) ولا
стр. 1586
يتخطَّى إليها العامة، حقَّق أمنيتهم وزاد على ذلك ما لم يتصوَّروه مع المبالغة بـ (إنَّ) واللام؛ أي: لا أقتصرُ على الثواب العظيم، وإن لكم مع الثواب ما يقلُّ معه الثواب وهو التقريب والتعظيم، تحريضاً لهم.
* * *
(١١٥) - ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾.
﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ الإلقاء: إرسال المعتمد إلى جهة السُّفلِ وضدُّه الإمساك، و ﴿إِمَّا﴾ للتخيير، والتقدير: إمَّا أن تلقي أنت أولًا وإما أن نلقي نحن أولًا، دليله ما في موضع آخر: ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ [طه: ٦٥].
قيل: أظهروا الاقتدار وقالوا: إن بدأت أنت أو بدأنا فلا خوف علينا ولا حذار.
وقيل: بل احترموا وببركة ذلك أسلموا، ولمَّا (١) كانت رغبتهم في أن يلقوا قبله فنبَّهوا عليها بتغيير النظم إلى ما فيه رجحان طرفهم في الإلقاء؛ من الجملة الابتدائية والتأكيد بتوسيط الضمير وتعريف الخبر.
* * *
(١١٦) - ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾.
﴿قَالَ أَلْقُوا﴾ لمَّا كارموه بالتخيير أكرمهم (٢) موسى ﵇ وسوَّغ لهم ما تراغبوا به؛ إظهاراً للفضيلة وتحقيراً لهم وازدراء بشأنهم، وثقةً بالله تعالى وما خصَّصه به من التأييد السماوي، وأن المعجزة لن يغلبها سحر أبداً.
стр. 1587
﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾: خيَّلوا إليهم بالحقيقة بخلافه، وأَرَوهم بالحيل والشَّعوذة ما لا وجود له، ومن هنا ظهر أن السحر لا يقلب عيناً وإنما هو من باب (١) التخييل.
﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾؛ أي: أرهبوهم إرهاباً شديداً كأنهم استدعوا رهبتهم.
وقيل: استفعل هنا بمعنى: أفعل، كأبلَّ واسْتبَلَّ (٢). والرهبة: الخوف مع الفزع.
﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ وصفه بالعظيم لبُعد مرام الحيلة فيه وشدةِ التمويه، حتى أوجس موسى عليه وسلم في نفسه خِيفةً.
* * *
(١١٧) - ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ ﴿أَنْ﴾ مصدرية، ويجوز أن تكون مفسِّرة (٣)؛ لأن في الوحي معنى القول.
﴿فَإِذَا هِيَ﴾ (إذا) فجائيةٌ والفاء فصيحة؛ أي: فألقاها فإذا هي، ونكتة الحذف في مثل هذا قد مر بيانها في تفسير قوله تعالى: ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ﴾ [البقرة: ٦٠] من سورة البقرة.
﴿تَلْقَفُ﴾ تبتلع تناولاً بفيها سرعةً منها، ويؤيده قراءة: ﴿تَلْقَفُ﴾ (٤)؛ أي: تبتلع كاللقمة.
стр. 1588
﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ الإفك: قلب الشيء عن وجهه، و ﴿مَا﴾ موصولة؛ أي: ما يأفكونه، أو مصدرية؛ أي: إفكهم، تسميةً للمأفوك إفكاً مبالغةً.
* * *
(١١٨) - ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾ الوقوع: ظهور الشيء بوجوده نازلاً إلى مستقرِّه، والحق: كون الشيء في موضعه الذي اقتضته الحكمة.
﴿وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من السحر والمعارضة.
* * *
(١١٩) - ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾.
﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ﴾؛ أي: عند ذلك الجمع.
﴿وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾؛ أي: رجعوا إلى المدينة أذلَّاء مقهورين، والضمير لفرعون وقومه.
* * *
(١٢٠) - ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾.
وإنما قال: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ دون: وخروا سجَّداً، للمبالغة كأنهم (١) ألقاهم ملق لشدة خرورهم؛ لأن الحق بهرهم واضطَرَّهم إلى السجود بحيث لم يبق لهم تمالكٌ، وقد وفَّقهم الله تعالى لذلك ودبَّر الأمر؛ لينكسر فرعون وقومه بالذين أراد بهم كسر موسى ﵇ (٢).
стр. 1589
(١٢١ - ١٢٢) - ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾.
﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لمَّا استشعروا أنْ يتُوهَّم أنهم أرادوا فرعون تداركوا بقولهم:
﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ بأنْ أبدلوه منه.
* * *
(١٢٣) - ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ﴾ استفهامٌ على سبيل الإنكار والتوبيخ؛ أي: أفعلتم هذا الفعل الشنيع، وقرئ بالإخبار (١)، وهو أيضًا تقريع وتشنيع بدلالة ما بعده.
﴿بِهِ﴾؛ أي: بموسى ﵇ لا بالله تعالى؛ لأن قوله في سورة الشعراء: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه: ٧١] لا ينتظِمه.
﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ فيه إيذانٌ بوهن أمره، حيث جعل ذنبهم مفارقة الإذن دون نفس الإيمان به.
﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾؛ أي: صنعُكم هذه الحيلةَ احتَلْتُموها أنتم وموسى في مصر قبل أن تخرجوا إلى الميعاد وتواطأتم عليها.
﴿لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾: القِبط، وتَخْلُصَ لكم ولبني إسرائيل، قاله تمويهاً على الناس لئلا يتَّبعوا السحرة في الإيمان.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقبةَ ما فعلتُم، وعيد مُجمَلٌ مفصَّله:
стр. 1590
(١٢٤) - ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾: من كل شقٍّ طرفاً، وذلك للتشديد في العذاب والتغليظ، فإن الإنسان لا يتعيَّش برجل واحدة ويد واحدة إذا كانتا من جانب (١) واحد، بخلافِ ما إذا كانتا من جانبين، ولهذا تُقطع رجل السارق في المرة الثانية من خلافٍ، وإذا كان القطع من وفاقٍ يأساً من الانتفاع بالحياة الباقية يكون الموت بعده راحةً، بخلاف ما إذا كان القطع من خلافٍ، فإن في الموت بعده - خصوصاً إذا كان متراخياً - ألماً جديداً، فأراد فرعون أن يضمِّن وعيدَه الشديدَ بتجديد العذاب بالقتل بعد ما زال ألم القطع وعاد لذة الحياة، على ما دل عليه كلمة ﴿ثُمَّ﴾ في قوله تعالى:
﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ تفضيحاً لكم وتنكيلاً لأمثالكم، قيل: إنه أول مَن قطع وصلب.
* * *
(١٢٥) - ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾.
﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾: إنا لا نبالي بوعيدك لانقلابنا إلى ربنا ورحمته، كأنهم استطابوا شغفاً إلى لقاء الله تعالى، أو: إنا جميعاً - أي: إنك وإيانا - منقلبون إليه فيحكم بيننا.
* * *
(١٢٦) - ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾.
стр. 1591
﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا﴾ النقمة: الأخذ بالعقوبة، وتعديتُه بـ (من) لتضمُّنه معنى: تنال، وعلى هذا يكون قوله: ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾ مفعولاً من أجله استثناءً مفرَّغاً؛ أي: ما تنال منا أخذاً إيانا بالعقوبة لشيء من الأشياء إلا لأنْ آمنا، وهذا ما أشار إليه عطاء في تفسيره حيث قال: أي: ما لنا عندك ذنب تعذِّبُنا عليه إلا أنْ آمنا (١).
ثم فزعوا إلى الله تعالى بقولهم: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾؛ أي: على وعيد فرعون؛ لعلمهم أن الصبر مَطهَرة لهم استعارةً بالكناية، شبَّه الصبر بالماء فأورد الإفراغ؛ أي: أَفِضْ علينا من الصبر ما يَغمرنا ويَفيض عنَّا كما يُفْرَغ الماء إفراغاً، والتنوين للتعظيم؛ أي: صبراً واسعاً كثيرًا.
أو: ما يطهِّرنا من أوضار الآثام كما يطهِّر الماءُ من الأقذار.
﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ ثبِّتنا على السلام إلى الممات.
قيل: إنه فعل بهم ما أَوعدهم.
وقيل: لم يقدر عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥]. وفيه نظر؛ لأن المراد مَن اتبعهما قبل غلبتهما فلا يتناول السحرة.
* * *
(١٢٧) - ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾.
﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بتغيير الناس عليك ودعوتهم إلى مخالفتك.
стр. 1592
﴿وَيَذَرَكَ﴾ عطفٌ على (يُفسدوا في الأرض)، بدؤوا أولًا بالعلة العامة، ثم أتبعوه بالخاصة، قدَحوا بذلك زَنْدَ (١) تغيُّظه على موسى ﵇ وقومه؛ ليكون ذلك أبقى عليهم منازلهم؛ إذ هم الأشراف، وبترك موسى ﵇ وقومِه بمصر يذهب ملكهم وشرفهم. وإنما نسبوا الفساد إلى الجميع والتركَ إلى موسى ﵇ خاصةً؛ لأن الترك المذكور راجع إلى أمر الدِّين وقومُه تابعون له فيه، فذِكرُ تركِه كافٍ، بخلاف الفساد لأنَّه من جهة الدنيا والملك وهم مستقلون فيه.
أو جوابٌ للاستفهام بالواو على معنى: أيكونُ منك تركُ (٢) موسى ﵇ وقومِه ويكون [منه] تركُه إياك وآلهتك؟!
وقرئ بالرفع عطفاً على ﴿أَتَذَرُ﴾ (٣)؛ أي: أتذرُه ويذرُك، بمعنى: تطلق له ذلك (٤)؟ أو استئنافاً، أو حالاً؛ أي: وهو يذرُك وآلهتك.
وقرئ بالجزم (٥)، كأنه قيل: يفسدوا ويذرْك، جواباً للاستفهام كقوله تعالى: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ [المنافقون: ١٠].
стр. 1593
﴿وَآلِهَتَكَ﴾ قيل: كان يعبد الكواكب.
وقيل: صنع لقومه أصناماً وأمرهم أن يعبدوها تقرُّباً إليه، ولذلك قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤].
وقرئ: (إلاهتك)؛ أي: عبادتك (١).
﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾: سنعيد عليهم ما كنا محنَّاهم به (٢) ليعلموا ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾؛ أي: وأنَّا على ما كنا عليه من القهر والغلبة عليهم، وأنْ لا أثر لغلبة موسى في ملكنا، وأن لا (٣) يتوهَّم العامة أنه هو المولود الذي حكَم المنجِّمون والكهَنة بذهاب ملكنا على يده.
* * *
(١٢٨) - ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ لمَّا جزع قوم موسى ﵇ من قول فرعون: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ وتضجَّروا سلَّاهم بقوله:
﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ذكَّرهم ما وعَده الله تعالى من إهلاك القِبْط وتوريثهم أرضَهم وديارهم، فاللام في ﴿الْأَرْضَ﴾ للعهد، والأفصح أن تكون للجنس فتتناولَ المعهود - وهو أرض مصر - تناوُلاً أولياً.
стр. 1594
وعلَّق إيراث الأرض (١) بالمشيئة فأَجمَلَ، ثم بيَّنه بقوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ للبشارة بعد الإبهام بأنَّ العاقبة التي تستأهل أن تُسمى عاقبةً - أي: العاقبةَ المحمودة كأنَّ ما عداها ليست بعاقبة - مخصوصةٌ بالمتقين منكم ومن القِبْط؛ إشعاراً بأنهم هم المتقون والعاقبةُ لهم.
وقرئ: ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ بالنصب عطفاً على اسم ﴿إِنَّ﴾ (٢).
* * *
(١٢٩) - ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿قَالُوا﴾؛ أي: بنو (٣) إسرائيل: ﴿أُوذِينَا﴾ بقتل الأبناء، والاستعباد (٤)، والامتهان بالخدمة، وأنواع التعذيب. والأذى: ضرر لا يبلغ بصاحبه أن يأتي على نفْسه.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾ بالرسالة، والإتيانُ ينتظِم المجيءَ وما يقابلُه وهو الذهاب.
﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ بإعادته علينا.
﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ تصريحٌ بما رمز إليه من البشارة، وهو إهلاك فرعون وقومَه واستخلافُهم في الأرض.
стр. 1595
﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ شكراً أو كفراناً، طاعةً أو معصيةً (١)، فيجازيكم بحسَبه.
* * *
(١٣٠) - ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ اَثر عبارة الآل (٢) على عبارة القوم (٣) لانتظامها الإناثَ حقيقةً، ولا نكتةَ للتغليب، وللتنبيه على أن أخذهم بذلك لاتِّباعهم فرعون، فيُفهم منه سلامةُ مَن اَمَن مِن قومه، ودخولُ فرعون في الحكم المذكور بطريق الدلالة.
﴿بِالسِّنِينَ﴾ بالجدوب؛ لقلة الأمطار والمياه والنبات، والسَّنةُ غلبت على عام القحط لكثرة ما يذكَر عنه ويؤرَّخ به، فصارت كالدابة والنجم، ثم اشتقوا منها فقالوا: أَسْنَتَ القوم، إذا قُحطوا، وجمعت على سنين.
﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ قال ابن عباس ﵄: أما السِّنونَ فكانت لباديتهم، وأما نقصً الثمرات فكانت في أمصارهم (٤).
стр. 1596
﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾: لكي يتنبَّهوا (١) أنَّ ذلك بشؤم كفرهم ومعاصيهم، أو يتَّعظوا فتَلينَ قلوبهم وتَرِقَّ بالشدائد فيفزعوا إلى الله ويتضرَّعوا.
* * *
(١٣١) - ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ﴾ الفاء فصيحةٌ لترتيب (٢) مدخولها على مقدَّر دلَّ عليه سياق الكلام ولحاقُه من عدم تنبُّههم لِمَا ذكر، وتفصيل ذلك:
﴿الْحَسَنَةُ﴾ الخصب والرخاء والسعة.
﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾؛ أي: لكرامتنا خاصة (٣) واستحقاقِنا لها (٤).
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾: جدبٌ وشدةٌ وضيقٌ ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ وقالوا: هذا بشؤمهم، ولولا مكانُهم فينا لَمَا أصابنا (٥) التطيُّرُ والتشاؤم، وأصله: التفاؤل بالطير، ومنه: الطائر الذي هو سبب الخير والشر، فغلَب التطيُّر على الشر.
وأصل ﴿يَطَّيَّرُوا﴾: يتطيَّروا، فأُدغم.
وإنما عرَّف الحسنة بلام العهد الذِّهني، مع (إذا) الدالَّةِ على الوقوع،
стр. 1597
وصيغةِ الماضي الدالةِ على الاستمرار بأنَّ جنسها مقطوعُ الوقوع (١) لكثرته واتساعه، ونكَّر السيئة مع حرف الشكِّ وصيغةِ المضارع؛ لقلَّتها ونُدور وقوعها وتجدُّدها يناسب الإيقاظَ والاتِّعاظ، والحسنة لا يخلو عنها أحد والسيئة لا يقع منها إلا شيء (٢).
وهذا إغراقٌ (٣) في وصفهم بالقساوة والجَفوة والغباوة، بأنَّ الشدائد التي ترقِّق القلوب، وتذلِّل النفوس، وتُلين العرائك، وتكسِر الشكائم، لم توثِّر فيهم، ولم يزدادوا بها إلا انهماكًا في الغي وعُتوًّا في الكفر، ولذلك بولغ في إنكار التطيُّر بموسى ﵇ ومَن معه بإسنادِ الشر والخير إلى الله تعالى على القصر بـ ﴿إِنَّمَا﴾، وتصديرِ الجملة بحرف التنبيه، حيث قال:
﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ﴾ سببُ خيرهم وشرهم ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: كلٌّ بقضائه ومشيئته، وهو الذي أيهما شاء أصابهم به، وليس بيُمن أحد ولا بشؤمه، والتأكيدِ بقوله:
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أنَّ (٤) ما يصيبهم من الله تعالى ومن شؤم أعمالهم.
* * *
(١٣٢) - ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
стр. 1598
﴿وَقَالُوا مَهْمَا﴾ أصله: (ما) الشرطيةُ ضمَّت إليها (ما) المزيدةُ للتأكيد (١)، ثم قُلبت ألفها هاءً لئلا يُتوهم (٢) التكرير، وهو مبالغةٌ في التعميم.
ومحلُّها الرفع على الابتداء، أو النصبُ بفعلٍ يفسِّره: ﴿تَأْتِنَا بِهِ﴾؛ أي: أيَّ شيء تُحْضِرنا تأتنا به ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ بيان لـ ﴿مَهْمَا﴾ وإنما سمَّوها آيةً استهزاءً، ولذلك قالوا: ﴿لِتَسْحَرَنَا بِهَا﴾؛ أي: لتسحر بها أعينَنا، والضميران لـ (مهما) (٣): الأول باعتبار اللفظ، والثاني باعتبار المعنى.
وعدلوا في الجزاء عن: لن نؤمن، إلى الجملة الاسمية مع تأكيد النفي بالباء، وتحقيقِ الجزاء بزيادة (ما)، حيث قالوا: ﴿فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: فلا تشتغل بإيرادها فما نحن لك بمصدقين أنها من عند الله تعالى، وهذا منهم غايةُ الضلالة والعناد؛ إذ كذَّبوه بما لم يأت به بعدُ، وأظهروا أنهم مصرُّون على كفرهم أبداً، غيرُ منقادين للحق وإن ظهر وبدا.
* * *
(١٣٣) - ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾.
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ قال ابن عباس ﵄: الطوفان هو الماء المُغرِق (٤).
стр. 1599
وقال جماعة: هو المطر المتتابع المُضِرُّ.
وهو في اللغة: ما طاف بالقوم وغلبهم من ماءٍ أو مرضٍ أو غيرهما.
﴿وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ﴾: هي كبار القُراد (١) ﴿وَالضَّفَادِعَ﴾: جمع ضِفْدِع ﴿وَالدَّمَ﴾.
روي أنهم مُطروا (٢) ثمانيةَ أيام في ظلمة شديدة لا يرون شمساً ولا قمراً، ولا يقدر أحدهم أن يخرج من داره، ودخل الماء بيوتهم حتى قاموا فيه إلى تراقيهم، وكانت بيوت بني إسرائيل مشتبكة ببيوتهم ولم يدخلها قطرة، وفاض الماء على وجه أرضهم فمنعهم من الحرث والبناء والتصرف، فقالوا لموسى ﵇: ادع لنا ربك يكشفْ عنا ونحن نؤمن بك، فدعا فكشف عنهم ونبت لهم من الزرع ما لم يُعهد مثله فلم يؤمنوا، فبعث الله تعالى الجراد فأكلت عامة زروعهم (٣) وثمارهم، ثم أخذت تأكل الأبواب والسقوف والثياب، ولم يدخل بيوتَ بني إسرائيل منها شيءٌ، ففزعوا إلى موسى ﵇ ووعدوه التوبة، فرُفع عنهم ثم لم يؤمنوا، فسلط الله تعالى عليهم القمَّل فأكل ما أبقاه الجراد، وكان يقع في أطعمتهم ويدخل بين (٤) أثوابهم وجلودهم فيمصُّها، ففزعوا إليه ﵇ فرُفع عنهم، فقالوا: قد تحقَّقْنا الآن أنك ساحر، ثم أرسل الله تعالى عليهم الضفادع بحيث لا يُكشف ثوب ولا طعام إلا وُجدت فيه، وكانت تمتلئ منها مضاجعهم، وتَثِبُ إلى قدورهم وهي تغلي، وأفواهِهم عند التكلُّم، ففزعوا إليه ﵇ وتضرَّعوا، فأخذ عليهم العهود
стр. 1600
ودعا فكَشف الله تعالى عنهم فنقضوا العهد، ثم أرسل الله تعالى عليهم الدمَ فصارت مياههم دماً، حتى كان يجتمع القِبْطيُّ مع السِّبْطيِّ على إناء، فيكون ما يليه دماً وما يلي السِّبطيَّ ماءً، ويمصُّ الماء من فم السِّبْطي فيصيرُ دماً في فيه.
﴿آيَاتٍ﴾ نصبٌ على الحال ﴿مُفَصَّلَاتٍ﴾ مميَّزاتٍ بعضها من بعضٍ، بين كل اَيتين فصلٌ ومدةٌ، ليُتأمل في كلِّ واحدة حقَّ التأمل، كانت إذا أتتهم اَيةٌ [منها] (١) أقامت عليهم أسبوعاً ثم تُقلع عنهم شهراً، ثم تأتيهم أخرى تأكيداً للحجة عليهم، كأنه يقول: قد قالوا: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ لكنا تابعنا لهم الآية ولم نقطع عنهم البراهين بما أَظهروا من الجهالات.
﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾: فتعاظَموا عن الانقياد للحق والإيمانِ بموسى ﵇، وكانوا قد اعتادوا الآثام والإجرام، واكتسابَ أنفسهم العذابَ اللِّزام.
* * *
(١٣٤) - ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾؛ أي: الطاعون، فمات من القِبْط سبعون ألف إنسان.
وقيل: هذا العذابُ المفصَّلُ. وفيه: أن المناسب حينئذٍ تصدير الكلام بـ: كلما.
﴿قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ فيه آيةُ غايةِ عنادهم، حيث قالوا: ﴿رَبَّكَ﴾ دون: ربَّنا؛ إظهاراً للإصرار على الإنكار في مقام العجز والاضطرار.
стр. 1601
﴿بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾؛ أي: بذمامك ومَيلك (١) إليه، فهو يعمُّ جميع الوسائل بين الله تعالى وبينه ﵇ من طاعةٍ منه ونعمةٍ من الله تعالى.
وهو صلةٌ لـ ﴿ادْعُ﴾؛ أي: ادع لنا ربَّك يكشف عنا العذاب بحقِّ ما عندك من عهدِ الله، أو بمعنى الحال؛ أي: متوسلاً إليه بعهده عندك، أو قسمٌ جوابه ﴿لَنُؤْمِنَنَّ﴾؛ أي: بعهد الله عندك ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾، ويجوز أن تكون موصولةً؛ أي: بالذي عَهِدَه إليك أن تدعوَه به فيجيبَك.
وفي إسناد الكشف إليه ﵇ حيدةٌ عن إسناده إلى الله تعالى لعدم إقرارهم به.
﴿وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إنما زاد قوله: ﴿مَعَكَ﴾ لأنَّه ﵇ كان طالباً لإرسالهم معه حيث قال: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧].
* * *
(١٣٥) - ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ﴾ الفاء فصيحة عاطفةٌ على مقدَّر؛ كأنه قيل: فدعا موسى ربه فكشف عنهم الرجز فلما .. إلخ.
﴿إِلَى أَجَلٍ﴾: إلى حدٍّ من الزمان ﴿هُمْ بَالِغُوهُ﴾ مهلَكون فيه، وهو وقت الغرق.
لا يقال: إن منهم مَن مات قبل الغرق، ومنهم من بقي بمصر. لأن لحاق (٢) الكلام يدفعه على ما ستقف عليه.
стр. 1602
بولغ في وصف الأجل بالجملة الاسمية مع تجريد الخبر عن شائبة الحدوث؛ إشارةً إلى ضرورة بلوغهم الحدَّ المقدَّر لهم ولزومِه.
﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ جواب لـ (لمَّا)؛ أي: لمَّا كشفنا عنهم الرجز فاجؤوا بالنكث وبادروه من غير توقُّفٍ وتأمُّل.
* * *
(١٣٦) - ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾.
﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾؛ أي: أحللنا بهم النقمةَ، وهي ضد النعمة.
﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ﴾ الفاء تفسيرية كما في قولك: رُزق زيدٌ المالَ فمنع المعروف فلم يُحسن إلى الفقراء (١).
﴿فِي الْيَمِّ﴾ وهو البحر الذي لا يدرَك قعره، وقيل: هو لجَّة البحر ومعظَم مائه، وهذا صريح في أن الناكثين كلَّهم هلكوا بالغرق.
﴿بِأَنَّهُمْ﴾: بسبب أنهم ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ والآيات: هي المعجزات التي ظهرت على يد موسى ﵇
﴿وَكَانُوا عَنْهَا﴾؛ أي: عن آياتنا ﴿غَافِلِينَ﴾ غفلتُهم من جهة دلالتها على صدق موسى ﵇ في دعوى الرسالة غفلةُ عن تلك الآيات في الحقيقة؛ لأنها بدون الدلالة المذكورة لا تبقى آياتٍ، وهذه الغفلة هي سببُ التكذيب.
* * *
стр. 1603
(١٣٧) - ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾.
﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ بالاستبعاد وهم بنو إسرائيل ﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ﴾ يعني: أرضَ الشام ﴿وَمَغَارِبَهَا﴾.
ملَّكهم الله تعالى بعد الفراعنة والعمالقة نواحيَها الشرقيةَ والغربيةَ، وتصرَّفوا فيها كيف شاؤوا، وصيغة الجمع للمبالغة في سعتها من جهة الخصب والبركة.
﴿الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ بالخصب وسعة العيش، وهذا ظاهر في أن المراد أرضُ الشام لا أرضُ مصر، ولأن (١) القوم المستضعفين لم يعودوا إلى ديار مصر بل أقاموا في الأرض المقدسة.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ تحقَّقت عِدَتُه الحسنى بالتمكين في الأرض وتقرَّرتْ بالإنجاز، وهي قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦].
وقرئ: (كلمات ربك) (٢)؛ لأنها كانت مواعيد.
﴿بِمَا صَبَرُوا﴾: بسبب صبرهم، وكفى به حاثًّا على الصبر.
﴿وَدَمَّرْنَا﴾: خرَّبنا ﴿مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ من القصور والعِمارات ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ من الجنات، أو ما كانوا يرفعون من البنيان كصرح هامان، وأصل التعريش: الترفع (٣).
стр. 1604
(١٣٨) - ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾.
﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾؛ أي: البحرَ الذي غرق فيه فرعون وقومه، وهو بحر القُلْزُم.
لم يقل: وجاوز بنو إسرائيل البحر، تنبيهاً على أن جوازه كان خارقاً للعادة، خارجاً عن طور (١) البشر، ثم إن: جاوَزَ به، أبلغ من: أجازه، كما أن: ذَهَب به، أبلغ من: أَذْهَبه.
ذكر ما أَحدثوه بعد هلاك (٢) عدوِّهم وإنجائهم من الأمور الشنيعة عقيبَ ما رأوا من الآيات العظام والنِّعم الجِسام؛ تسليةً لرسول الله ﵇ مما رأى منهم بالمدينة، وإيقاظاً للمؤمنين لئلا يغفلوا عن سياسة نفوسهم ومحاسَبتها، وحراسةِ أحوالهم ومراقبتها.
﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ﴾ فمروا عليهم ﴿يَعْكُفُونَ﴾ يقيمون ﴿عَلَى أَصْنَامٍ﴾ على عبادتها، قيل: كانت تماثيلَ بقر، وذلك أولُ شأن العجل، وإنما قال:
﴿لَهُمْ﴾ تنبيهاً على غاية حماقتهم، حيث عبدوا ما يملكونه.
﴿قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾: صنماً نعكف عليه ﴿كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾: أصنامٌ يعكفون عليها، و (ما) كافَّةٌ للكاف، ولم يقل: كآلهتهم؛ لأن مشابهَتَها غيرُ مقصودة، إنما مقصودهم أن يكون لهم أيضًا إلهٌ.
﴿قَالَ﴾ موسى ﵇: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ تعجَّب من قولهم بعد ما رأوا
стр. 1605
الآية العظمى والمعجزة الكبرى فجهَّلهم، وأكَّد جهْلَهم بالإطلاق، وتكرير النسبة، وتقويتِها بـ (إنَّ)، وإيرادِ الفعل المضارع الدالِّ على التجدُّد الدائم؛ إشعاراً بأن ذلك منهم كالطبع والغريزة لا ينتقلون عنه في حال (١).
* * *
(١٣٩) - ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾؛ أي: عبدةَ تلك التماثيل ﴿مُتَبَّرٌ﴾ مكسَّر مدمَّر ﴿مَا هُمْ فِيهِ﴾؛ أي: يُتبِّر [الله] (٢) الذي هم عليه على يديَّ ويحطِّم أصنامهم ويجعلُها رُضاضاً (٣).
﴿وَبَاطِلٌ﴾: مضمحِلٌّ ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من عبادتها.
بالَغ في تحذيرهم وتنفيرهم عمَّا طلبوا إليه بإيراد (٤) ﴿هَؤُلَاءِ﴾ اسماً لـ ﴿إِنَّ﴾، وتقديم الخبر في الجملتين بعده، وإيقاعِ ﴿كَانُوا﴾؛ أي: إن هؤلاء الذين عبدوا الأصنام هم المعيَّنون المعرَّضون بوسمهم وعبادتهم لها للتتبر (٥)، وأنَّه لا يَعْدُوهم البتةَ، وأنَّه لهم ضربةُ لازبٍ، وهباءٌ ما هم فيه، وما عملوا من شيء من عبادتها فيما سلف من الزمان إلا وهو باطل مضمحلٌّ (٦)، وإن كان في زعمهم أنه تقرُّبٌ إلى الله تعالى.
стр. 1606
ثم أنكر عليهم ما طلبوا وتعجَّب من طلبهم عبادة غير الله تعالى مع كونهم مغمورين في نعمه (١) بالهمزة وتقديم المفعول فقال:
(١٤٠) - ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ﴾؛ أي: أغير المستحِقِّ للعبادة ﴿أَبْغِيكُمْ﴾: أطلب لكم ﴿إِلَهًا﴾: معبودًا ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: وهو الذي فعل بكم ما فعل دون غيره؛ من الاختصاص بالنعمة التي لم يُنعم بها على أحد من العالمين.
وفيه تنبيه على سوء مقابَلتهم، حيث قابلوا تخصيص الله تعالى إياهم من أمثالهم بما لا يستحقُّونه تفضُّلًا بأنْ قصدوا أن يُشركوا به أخسَّ شيء من مخلوقاته.
والمراد من ﴿الْعَالَمِينَ﴾: عالَمِي زمانهم.
وانتصب (غيرَ) مفعولاً بـ ﴿أَبْغِيكُمْ﴾ و ﴿إِلَهًا﴾ تمييز عن (غير) أو حال، أو على الحال و ﴿إِلَهًا﴾ المفعول، فكان (غير) صفةً فلما تقدَّم انتصب حالاً.
* * *
(١٤١) - ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾.
ثم ذكر نعمة الإنجاء وما يتبعه: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: واذكروا صنيعه معكم في هذا الوقت.
﴿يَسُومُونَكُمْ﴾: يبغونكم، استئنافٌ لبيان ما أنجاهم، أو حالٌ من المخاطَبين، أو من ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾، أو منهما، ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾: شدتَه ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ بدل منه مبيِّنٌ، والمعنى مبيَّنٌ فيما سبق.
стр. 1607
﴿وَفِي ذَلِكُمْ﴾ إشارةٌ إلى الإنجاء أو العذاب ﴿بَلَاءٌ﴾: نقمةٌ، أو محنةٌ ﴿مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ وزيادة قوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يرجِّح المعنى الأول.
* * *
(١٤٢) - ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾: ذا القعدة ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا﴾ الضمير عائد للمُواعَدة المفهومة من (واعدنا) ﴿بِعَشْرٍ﴾ من ذي الحجة، وحذفت الهاء من (عشر) لأن العدد من مؤنث.
﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ﴾ الميقات: وقتٌ قدِّر فيه عملٌ من الأعمال، وفي عبارة ﴿رَبِّهِ﴾ إشارةٌ إلى أنه لمصلحته ﵇ وتربيته.
﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ مفعولٌ به لـ (تَمَّ)؛ لأن معناه: بلغ، ويجوز أن يكون تمييزاً منقولاً من الفاعل وأصله: فتمَّ أربعون ميقاتِ ربه؛ أي: كملت، ثم أسند التمام لـ ﴿مِيقَاتُ﴾ وانتصب (أربعون) على التمييز.
ودلت الآية على أن التاريخ بالليالي دون الأيام، وهذا لأن اللياليَ أوائلُ الشهور، روي أنه ﵇ وعد بني إسرائيل بمصر أن يأتيهم بعد مَهلك فرعون بكتابٍ من الله تعالى فيه بيانُ ما يأتون وما يذَرون، فلمَّا هلك سأل ربه فأمره بصوم ثلاثين، فلما أتم أنكر خُلوفَ فيه فتسوَّك، فقالت الملائكة: كنا نَشْتمُّ (١) منك رائحة المسك فأفسدْتَه بالسواك، فأمره الله تعالى أن يزيد عليها عشراً.
стр. 1608
﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾: كن خليفتي فيهم ﴿وَأَصْلِحْ﴾ ما يجب أن يُصلح من أمورهم، أو: كن مصلِحاً فيهم.
﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾؛ أي: لا تتَّبع المفسدين في سبيلهم، كقوله: ﴿لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢]؛ أي: لا يهدي الخائنين في كيدهم، وهو أسلوب بديعٌ لم يتنبه له الناظرون في كلام الله تعالى، ويجوز أن يكون على طريقةِ التَّضمين؛ أي: ولا تسلك سبيل المفسدين متَّبعاً لهم.
* * *
(١٤٣) - ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾: لوقتنا الذي وقَّتنا له وحدَّدناه، واللام للاختصاص؛ أي: اختَصَّ مجيئه بميقاتنا.
﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ بغير واسطةٍ، كما يكلِّم الملائكةَ، وروي أنه ﵇ كان يسمع ذلك الكلامَ من كل جهةٍ، وذلك لأن الله تعالى ليس في جهةٍ، وكلامَه ليس من جنس كلام المحدِّثين.
والعدول عن الظاهر وهو: وكلَّمناه، إلى ما ذكر كالعدول عن: ميقاتنا، إلى ﴿مِيقَاتُ رَبِّهِ﴾ والنكتةُ مشترَكة بينهما.
﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾: أرني نفسك بأنْ تتجلَّى لي فأنظرَ إليك وأراك، وهو دليل على أن رؤيته تعالى جائزةٌ في الجملة؛ لأن طلب المستحيل على الأنبياء
стр. 1609
﵈ محالٌ، وخصوصاً بما (١) يتعلق بمعرفة الله تعالى ويقتضي الجهلَ به، وردُّه بقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ليس لامتناع رؤيته تعالى في نفس الأمر، وإلا لقال: لن أُرى، بل لقصورِ الطالب عن رؤيته لبقية الحجاب، فهي موقوفة على ارتفاعه.
وجَعْلُ السؤال لتبكيت قومه الذين قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] ليس بشيء؛ لأن حقَّه ﵇ في أن يجهِّلهم ويزيلَ شبهتهم كما فعل بهم حيث قالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾.
والاستدلال على استحالتها بالجواب أبعدُ عن الصواب؛ إذ لا دلالة فيه على أن لا يراه ﵇ أبداً، ولا على أنْ لا يراه غيرُه أصلاً، فضلاً من أنْ يدل على استحالتها، ودعوى الضرورة فيه مكابرةٌ أو جهالةٌ لحقيقة الرؤية.
﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾؛ أي: لن تُطيق أنت أن تراني.
﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ استدراك يريد أن يبيِّن به أنْ لا يطيقُه، فإنَّ الجبل مع شدته وصلابته إذا لم يستقرَّ فالآدميُّ مع ضعف بِنيته أولى أن لا يستقرَّ، وهذا تسكين لقلب موسى ﵇، وتخفيفٌ عنه ثقلَ أعباء المنع.
ولا يذهبْ على مَن نَظر بعينِ الإنصاف وتجنَّب عن التعصُّب والاعتساف أنه ليس بجوابِ مَن سأل محالاً، وقد قال الله تعالى لنوح ﵇: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦] فلو سأل موسى ﵇ محالاً لكان في الجواب زجراً مّا.
﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ بعد رفعِ الموانع من البين علَّق رؤيته بالاستقرار، وهو أمر ممكنٌ في نفس الأمر، ففُهم منه أنه ممكنٌ في نفسه، لكن المانع
стр. 1610
من جهته على ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] حيث قال: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ ولم يقل: ما كان له تعالى، أتى بالتعليق ثم بالتسويف مبالغةً في تعذُّر المطلب: أما التعليقُ فلبيانِ أن الطاقة البشرية لا تتحمل رؤيته تعالى، وأما التسويف فلبيانِ أنه على تقدير التحمُّل لا بد من ارتفاع موانع زوالها تدريجيٌّ يقتضي مهلةً ومدةً.
﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾؛ أي: ظهر له ظهورَ المرئيِّ للرائي بأنْ خلق الله تعالى فيه حياةً وحسًّا، وهذا المعنى هو المرويُّ عن ابن عباس ﵄ (١)، وهو الموافق لمساق الكلام، المطابقُ لأصل أهل السنَّة والجماعة، ومَن صرَفه عن الظاهر فقد دسَّ فيه مذهب الاعتزال.
﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ الدكُّ والدقُّ أخوان كالشَّكِّ والشَّقِّ، وإنما قال: ﴿دَكًّا﴾ مبالغةً - كـ: رجلٍ عدلٍ - والمجازُ عقليٌّ، فمَن فسره بالمدكوك على أنه مصدرٌ بمعنى مفعولٍ والمجازُ لغويٌّ فقد أخرجه إلى شيء مغسول، على طريقة كلامٍ عاميٍّ مرذول.
فإن قلتَ: أليس صحةُ (٢) المرام وصدقُ الكلام يقتضي معنى المدكوك؟
قلت: لا نزاع فيه، إنما الخلاف في طريقة (٣) إفادته وكيفية إرادته من عبارة الدك.
وقرئ: ﴿دَكَّاءَ﴾ (٤) أي: أرضاً مستوية.
وقُرئ: (دُكًّا) (٥)؛ أي: قطعاً، جمعُ دكَّاءَ تأنيثِ أَدَكّ.
стр. 1611
﴿وَخَرَّ﴾: سقط ﴿مُوسَى صَعِقًا﴾ مغشيًّا عليه كحالِ مَن تصيبه الصَّعقةُ، لا لهولِ ما رأى من تلاشِي الجبل وإلا لكان حقُّ النظم العطفَ بالفاء، ولمَّا عُطف بالواو عُلم أنه أيضًا ترتَّب على التجلِّي للجبل.
﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾؛ أي: من غشيته ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ قال الإمام أبو نصر: خرج هذا الكلام منه ﵇ مخرجَ العادة عند رؤية الأفزاع حسَب ما يجري على ألسنة الأنام عند الأخطار، لا عن ذنبٍ يتذكَّرونه فيتوبون عنه، ونظيرُ هذا التسبيحِ ما في قول عيسى ﵇: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦] ونظير ذكر التوبةُ من غير ذنب ما في قول النبيِّ ﵇ في كلِّ يوم مئةَ مرة: "أستغفر الله وأتوب إليه" (١).
﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: بما أُخبرت به في حق الرؤية من أنه لا يُطيقها هذه البنية للبشر (٢)، وإنما أخفى ﵇ عليه إلى (٣) ذلك الوقتِ أنه لا يُعطي الخلق رؤيته في الدنيا مع جوازها ليوجَد منه ﵇ سؤالُ الرؤية بناءً على معرفة جوازها؛ ليتحقق جواز الرؤية بسؤاله ﵇ ذلك، فيكونَ حجة قاطعة لأهل الحق على المنكرين له من أهل البدعة.
* * *
(١٤٤) - ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.
стр. 1612
﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ اخترتك ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ الموجودين في زمانك، وهارون ﵇ وإن كان نبيًّا وأكبرَ منه سنًّا لكنه كان وزيراً له مأموراً باتِّباعه، لا كليماً ولا صاحب شرع (١).
﴿بِرِسَالَاتِي﴾ قرئ على الجمع؛ إذ الذي أُرسل به ضروبٌ، وعلى الإفراد على أن محل الرسالة محل المصدر الذي هو الإرسال (٢).
﴿وَبِكَلَامِي﴾ يعني: أسفارَ التوراة، وإنما أخره لأن الرسالة أسبق زماناً، أو للانتقال من الشريف إلى الأشرف.
﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾: أعطيتك من الرسالة والحكمة ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ من المعروفين بالشكر، وهذا أبلغ من الأمر بالشكر على النعمة بوجوه.
روي أن سؤال الرؤية كان يوم عرفة، وإعطاء التوراة يوم النحر.
* * *
(١٤٥) - ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾.
﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ لفظ ﴿كُلِّ﴾ هنا للتكثير والتفخيم لا للإحاطة والتعميم، كما في قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣].
والألواح: جمع لوح، وهو الصحفة المهيَّأة للكتابة فيها، وإنما قال: ﴿لَهُ﴾
стр. 1613
لأن الوقوف (١) بالمكتوب فيها على تفصيل كل شيء كان مخصوصاً به ﵇.
﴿مَوْعِظَةً﴾: تحذيراً بما يَزجر عن القبح، وتبصيراً (٢) بمواقع الخوف والحذر، وهي مفعول له لا البدل من الجار والمجرور؛ لأن المعنى الذي ذكرنا مقصودٌ بالإفادة في المقام.
﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من المصالح الدينية والدنيوية.
﴿فَخُذْهَا﴾ عطف على (كتبنا) على إرادة القول؛ أي: فقلنا: خذها، والضمير للألواح.
﴿بِقُوَّةٍ﴾: بجدٍّ وعزيمة.
﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ بواجباتها؛ فإنها أحسنُ من غيرها، أو: بما هو واجب وندبٌ فإنه أحسنُ من المباح، أو: بأحسنِ ما فيها، ما هو حسنٌ وأحسنُ كالصبر بالنسبة إلى الانتصار؛ أي: مُرهم باختيار الأفضل على طريقة الندب.
﴿سَأُرِيكُمْ﴾ من رؤية العين، ولهذا تعدَّت إلى اثنين.
﴿دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ الذين أهلكهم الله تعالى بفسقهم، فينتظِمُ دارَ فرعون وقومه، ودارَ العمالقة، ومنازلَ عادٍ وثمودَ، وموعظةً بليغةً تجري مجرى الوعيد على ترك الطاعة؛ أي: وأمر قومك يأخذوا بأحسنها، ويطيعوا ولا يهملوها وَيفسقوا، سأريكم (٣) دارَ مَن فَسَق منعوه بهلاكهم ليعتبروا.
стр. 1614
وقرئ: (سأُوريكم) (١)؛ أي: سأبيِّن لكم، من أَوْرَيتُ الزَّند، وهي لغة فاشية بالحجاز.
وقرئ: (سأورثكم) (٢) على وفق قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ﴾.
* * *
(١٤٦) - ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾.
﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ﴾ في الآفاق حتى لا يتفكَّروا في خلقها ولا يعتبروا بها، وفي الأنفس حتى لا يروا فناها (٣) ويُعجَبوا بها.
﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾: يتعظَّمون عن الانقياد للأنبياء ﵈ طلبًا (٤) للعلوِّ والرئاسة.
وإنما قال: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ إشارة إلى كونهم من العالم السفلي الذي لا يليق الرفع بشأنِ مَن كان منها (٥)، ففيه تمهيدٌ لقوله:
﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾؛ أي: بدون الاستحقاق، حالٌ من فاعل ﴿يَتَكَبَّرُونَ﴾ أو صلةٌ؛
стр. 1615
أي: يتكبرون بما ليس بحق، أي: بباطل، وفيه إنذارٌ للمخاطبين من عاقبة المتكبرين الذين طُبعوا على قلوبهم بسبب شآمة (١) التكبُّر، فلا يتفكروا في آيات الله تعالى.
﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ إذ لا يعتبرون بها غفلةً وانهماكًا فيما يشغلهم عنها من شهواتهم.
﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾، لاستيلاء الشيطنة عليهم، وقرئ: ﴿الرُّشْدِ﴾ بفتحتين (٢)، وقرئ: (الرَّشاد) (٣)، وثلاثتُها لغة.
﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ أراهم الله تعالى السبيلين، قال الله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] ورأوهما فآثروا الغيَّ على الرّشد، قال (٤) الله تعالى ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧].
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾؛ أي: ذلك الصرفُ بسبب تكذيبهم بآياتنا وغفلتهم عنها، أو نصب على المصدر؛ أي: سأصرفهم ذلك الصرفَ بسببهما، ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ استئنافُ إخبارٍ منه تعالى عنهم؛ أي: من شأنهم أنهم كانوا غافلين عن الآيات وتدبُّرها فأورثَتْهم (٥) الغفلةُ التكذيبَ بها.
هذا ما قيل، والوجه عندي هو أن يكون إشارةً إلى التكبر؛ لأن سبب الصرف قد طُم من قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾ لِمَا تقرر في الأصول أن ترتيب