← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

﴿وَخَرَّ﴾: سقط ﴿مُوسَى صَعِقًا﴾ مغشيًّا عليه كحالِ مَن تصيبه الصَّعقةُ، لا لهولِ ما رأى من تلاشِي الجبل وإلا لكان حقُّ النظم العطفَ بالفاء، ولمَّا عُطف بالواو عُلم أنه أيضًا ترتَّب على التجلِّي للجبل. ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾؛ أي: من غشيته ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ قال الإمام أبو نصر: خرج هذا الكلام منه ﵇ مخرجَ العادة عند رؤية الأفزاع حسَب ما يجري على ألسنة الأنام عند الأخطار، لا عن ذنبٍ يتذكَّرونه فيتوبون عنه، ونظيرُ هذا التسبيحِ ما في قول عيسى ﵇: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦] ونظير ذكر التوبةُ من غير ذنب ما في قول النبيِّ ﵇ في كلِّ يوم مئةَ مرة: "أستغفر الله وأتوب إليه" (١). ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: بما أُخبرت به في حق الرؤية من أنه لا يُطيقها هذه البنية للبشر (٢)، وإنما أخفى ﵇ عليه إلى (٣) ذلك الوقتِ أنه لا يُعطي الخلق رؤيته في الدنيا مع جوازها ليوجَد منه ﵇ سؤالُ الرؤية بناءً على معرفة جوازها؛ ليتحقق جواز الرؤية بسؤاله ﵇ ذلك، فيكونَ حجة قاطعة لأهل الحق على المنكرين له من أهل البدعة. * * * (١٤٤) - ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.

стр. 1612

﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ اخترتك ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ الموجودين في زمانك، وهارون ﵇ وإن كان نبيًّا وأكبرَ منه سنًّا لكنه كان وزيراً له مأموراً باتِّباعه، لا كليماً ولا صاحب شرع (١). ﴿بِرِسَالَاتِي﴾ قرئ على الجمع؛ إذ الذي أُرسل به ضروبٌ، وعلى الإفراد على أن محل الرسالة محل المصدر الذي هو الإرسال (٢). ﴿وَبِكَلَامِي﴾ يعني: أسفارَ التوراة، وإنما أخره لأن الرسالة أسبق زماناً، أو للانتقال من الشريف إلى الأشرف. ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾: أعطيتك من الرسالة والحكمة ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ من المعروفين بالشكر، وهذا أبلغ من الأمر بالشكر على النعمة بوجوه. روي أن سؤال الرؤية كان يوم عرفة، وإعطاء التوراة يوم النحر. * * * (١٤٥) - ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾. ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ لفظ ﴿كُلِّ﴾ هنا للتكثير والتفخيم لا للإحاطة والتعميم، كما في قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]. والألواح: جمع لوح، وهو الصحفة المهيَّأة للكتابة فيها، وإنما قال: ﴿لَهُ﴾

стр. 1613

لأن الوقوف (١) بالمكتوب فيها على تفصيل كل شيء كان مخصوصاً به ﵇. ﴿مَوْعِظَةً﴾: تحذيراً بما يَزجر عن القبح، وتبصيراً (٢) بمواقع الخوف والحذر، وهي مفعول له لا البدل من الجار والمجرور؛ لأن المعنى الذي ذكرنا مقصودٌ بالإفادة في المقام. ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من المصالح الدينية والدنيوية. ﴿فَخُذْهَا﴾ عطف على (كتبنا) على إرادة القول؛ أي: فقلنا: خذها، والضمير للألواح. ﴿بِقُوَّةٍ﴾: بجدٍّ وعزيمة. ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ بواجباتها؛ فإنها أحسنُ من غيرها، أو: بما هو واجب وندبٌ فإنه أحسنُ من المباح، أو: بأحسنِ ما فيها، ما هو حسنٌ وأحسنُ كالصبر بالنسبة إلى الانتصار؛ أي: مُرهم باختيار الأفضل على طريقة الندب. ﴿سَأُرِيكُمْ﴾ من رؤية العين، ولهذا تعدَّت إلى اثنين. ﴿دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ الذين أهلكهم الله تعالى بفسقهم، فينتظِمُ دارَ فرعون وقومه، ودارَ العمالقة، ومنازلَ عادٍ وثمودَ، وموعظةً بليغةً تجري مجرى الوعيد على ترك الطاعة؛ أي: وأمر قومك يأخذوا بأحسنها، ويطيعوا ولا يهملوها وَيفسقوا، سأريكم (٣) دارَ مَن فَسَق منعوه بهلاكهم ليعتبروا.

стр. 1614

وقرئ: (سأُوريكم) (١)؛ أي: سأبيِّن لكم، من أَوْرَيتُ الزَّند، وهي لغة فاشية بالحجاز. وقرئ: (سأورثكم) (٢) على وفق قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ﴾. * * * (١٤٦) - ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾. ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ﴾ في الآفاق حتى لا يتفكَّروا في خلقها ولا يعتبروا بها، وفي الأنفس حتى لا يروا فناها (٣) ويُعجَبوا بها. ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾: يتعظَّمون عن الانقياد للأنبياء ﵈ طلبًا (٤) للعلوِّ والرئاسة. وإنما قال: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ إشارة إلى كونهم من العالم السفلي الذي لا يليق الرفع بشأنِ مَن كان منها (٥)، ففيه تمهيدٌ لقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾؛ أي: بدون الاستحقاق، حالٌ من فاعل ﴿يَتَكَبَّرُونَ﴾ أو صلةٌ؛

стр. 1615

أي: يتكبرون بما ليس بحق، أي: بباطل، وفيه إنذارٌ للمخاطبين من عاقبة المتكبرين الذين طُبعوا على قلوبهم بسبب شآمة (١) التكبُّر، فلا يتفكروا في آيات الله تعالى. ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ إذ لا يعتبرون بها غفلةً وانهماكًا فيما يشغلهم عنها من شهواتهم. ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾، لاستيلاء الشيطنة عليهم، وقرئ: ﴿الرُّشْدِ﴾ بفتحتين (٢)، وقرئ: (الرَّشاد) (٣)، وثلاثتُها لغة. ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ أراهم الله تعالى السبيلين، قال الله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] ورأوهما فآثروا الغيَّ على الرّشد، قال (٤) الله تعالى ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾؛ أي: ذلك الصرفُ بسبب تكذيبهم بآياتنا وغفلتهم عنها، أو نصب على المصدر؛ أي: سأصرفهم ذلك الصرفَ بسببهما، ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ استئنافُ إخبارٍ منه تعالى عنهم؛ أي: من شأنهم أنهم كانوا غافلين عن الآيات وتدبُّرها فأورثَتْهم (٥) الغفلةُ التكذيبَ بها. هذا ما قيل، والوجه عندي هو أن يكون إشارةً إلى التكبر؛ لأن سبب الصرف قد طُم من قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾ لِمَا تقرر في الأصول أن ترتيب

стр. 1616

الحكم على الموصول يدلُّ على علِّيَّة الصلة له، إنما المحتاج إلى البيان سببُ ذلك التكبُّر (١)، فالكلام على ما ذكرنا يكون على أحسن وجوه الانتظام، حيث يُشار فيه أولًا إلى أن سبب الصرف هو التكبُّر عن الانقياد للأنبياء ﵈، ثم يصرَّح بأن سبب التكبر تكذيبُ المعجزات الدالةِ على صدقهم، ثم ينبَّه على أن سبب التكذيب انهماكُ المتكبرين في أسباب الغفلة عن جهة دلالة الآيات المذكورة على صدقهم في دعوى النبوة، وإعراضِهم عن النظر فيها، ولا بد من صرف القول المذكور عن ظاهره، وتأويله بالوجه المزبور، كيلا يكون مَظِنّةَ الاعتذار من جهتهم. * * * (١٤٧) - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ من باب إضافة المصدر إلى المفعول به؛ أي: لقائهم (٢) الآخرةَ، أو إلى الظرف؛ أي: ولقاءِ ما وعد الله في الآخرة. ﴿حَبِطَتْ﴾؛ أي: بَطَلت وتلاشت ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ فلا ينتفعون بها، واحتمالُ عموم الأعمال للسيئات أيضًا قد اندفع بقوله: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ استفهام بمعنى النفي؛ أي: لا يجزون إلا جزاءَ ما عملوا من الكفر والمعاصي. * * *

стр. 1617

(١٤٨) - ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾. ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ﴾: من بعد مفارقته ﵇ إياهم إلى الطور للميقات. ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ الذي استعاروا من القِبْط حين همُّوا بالخروج من مصر، وإضافتُها إليهم للملابَسة؛ لأنها كانت في أيديهم، وأما ما قيل: إنهم ملَكوها بعد المهلَكين فلا صحة له لفظًا ولا معنى: أما الأول: فلأن التدافُع بين الوجهين يأبى عن عبارة التلاوة (١). وأما الثاني: فلأن المهلَكين هم الرجال والحليُّ كانت لنسائهم. وقيل: هذا الحليُّ ما أخذه بنو إسرائيل من قوم فرعون بعد الغرق، وعلى هذا يصح الوجه الثاني. والحُليُّ بضم الحاء: جمعُ حَلْيٍ؛ كثُدِيٍّ وثَدْيٍ، وهو اسمُ ما يُتزين به من الذهب (٢)، وقرئ: ﴿حُلِيِّهِمْ﴾ بكسرها (٣) بالإتْباع كدِليٍّ، وقرئ بالإفراد (٤). ﴿عِجْلًا﴾ لمَّا كان المتبادِرُ أن يكون عجلًا حقيقةً أبدل عنه قوله: ﴿جَسَدًا﴾ لا روح فيه، لم يقل: بدنًا؛ لأن الرأس وسائرَ الأطراف خارجٌ عنه.

стр. 1618

﴿لَهُ خُوَارٌ﴾: صوت البقر، قيل: إن السامري لمَّا صاغ العجل ألقى في فمه من تراب أثر فرس جبريل ﵇ فصار حيًّا. وقيل؛ صاغه بنوع من الحيل، فيدخل الريح جوفَه ويصوِّت. ونسبة الاتخاذ إليهم لا لأنهم رضوا بفعله، بل لأن المراد اتخاذُهم إياه إلهًا على ما دل عليه التشنيع الآتي ذكرُه، وإنما حُذف قوله: إلهًا، لدلالة مساق الكلام عليه، وفيه إيهام أن ما صنعوا أمر منكر مع قطع النظر عن عبادته، وقرئ: (جُؤار) (١)، أي: صياح. ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ تقريع على فَرْط ضلالهم وإضلالهم بالنظر، أي: ألم يروا حين اتخذوه إلهًا أنه لا يقدر على التكلُّم ولا على الإرشاد كآحاد البشر، حتى حسبوا أنه خالق الأجسام والقُوى والمُدر. ولما كان الإرشاد إلى السبيل ممكنًا بالإشارة كان نفيُ الثاني أبلغَ فأخِّر على طريقة التَّرقِّي. ﴿اتَّخَذُوهُ﴾ تكريرٌ للذم؛ أي: أقدَموا على ما أقدَموا عليه من المنكَر الفظيع. ﴿وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾، أي: قومًا عادتُهم وضعُ الأشياء على (٢) غير مواضعها، فلم يكن هذا بِدْعًا منهم ولا أولَ مناكيرهم. * * * (١٤٩) - ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.

стр. 1619

﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ كنايةٌ عن اشتداد ندمهم وتحسُّرهم؛ لأن مِن شأن النادم الشديد التحسُّر أن يَعَضَّ يده غمًّا، فتصير يده مسقوطًا فيها؛ لأن فاه قد (١) وقع في يده بلا اختيار. وقرئ: (سَقط) على البناء للفاعل (٢) كمرض (٣)؛ أي: وقع العضُّ فيها. وقال الزجَّاج: إنه تشبيه بما يحصل في النفس وتصويرٌ للمعقول في القلب، فمعناه: سقط الندم في أنفسهم؛ كما يقال: حصل في يده مكروه (٤). ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ﴾ وعلموا أنهم ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ باتخاذه ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا﴾ وقرئ: (ربَّنا) بالنصب على النداء (٥). انقطاع إلى الله تعالى، واعترافٌ بعظَم ما أَقدموا عليه، ولما كان ذنبُهم أعظمَ الذنوب بدؤوا بالرحمة التي وسعت كلَّ شيء، ومن نتائجها غفرانُ الذنب (٦). ﴿وَيَغْفِرْ لَنَا﴾ بالتجاوز عن الخطيئة. ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: من المغبونين في الدنيا والآخرة.

стр. 1620

(١٥٥) - ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ﴾ صيغةُ مبالغةٍ ﴿أَسِفًا﴾: شديدَ الحزن على ما كان منهم في غيبته ﵇. ﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي﴾؛ أي: قمتُم مقامي وكنتم خلَفائي (١) حيث لم تمنعوا من عبادة العجل، والخطاب لهارون ﵇ والمؤمنين معه، أو: بئسما خلفتُموني من (٢) حيث عبدْتم العجل مكان عبادة الله تعالى، والخطاب لعَبَدة العجل. ﴿مِنْ بَعْدِي﴾: من (٣) ذهابي عنكم، أو: من بعد ما رأيتم مني من التوحيد والدعوةَ إلى عبادة الله تعالى، والكفَّ عن عبادة غيره، ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة (٤) المستخلِف. (ما) نكرة موصوفةٌ مفسِّرةٌ للمستكنِّ في (بئس) منصوبةُ المحلِّ، ﴿خَلَفْتُمُونِي﴾ صفته، والمخصوصُ بالذم محذوف؛ أي: بئس خلافةً خَلَفْتُمونيها من بَعْدي خلافتكم. ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾: أتركتُموه غيرَ تامٍّ، استفهامُ (٥) إنكارٍ، يقال: عَجِلَ عن الأمر: إذا تركه غيرَ تام، إلا أنه ضمِّن معنى (سَبَق) فعُدِّي تعدِيَتَه، يعني: لم تَنْتَظروا

стр. 1621

وعدَ ربِّكم الذي وَعَدنيه من الأربعين فتركتُم الميعاد غيرَ تامٍّ؛ لقوله تعالى في موضع آخر: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ [طه: ٨٦]. روي أنهم عدُّوا عشرين يومًا بلياليها، فجعلوها أربعين، ثم أحدَثوا ما أحدثوا بعد ما قال لهم السامريُّ: إن موسى ﵇ لن يرجع، وإنه قد مات، فغيَّروا ما غيرت الأمم بعد موت أنبيائهم ﵈. ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾: طرحها من شدة الغضب وفَرْطِ الضجر حمية للدين. قيل: إن التوراة كانت سبعة أسباع في سبعة ألواح، فلما ألقاها انكسرت فرُفعت ستة أسباعها، وكان فيها كلُّ شيء، وبقي سُبعٌ كان فيها المواعظ والأحكام، ويأباه قوله: ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ لأن الظاهر منه (١) أن المأخوذ هو المَلقيُّ بعينه. ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾ ولحيته على ما نصَّ عليه (٢) في موضعٍ آخر. ﴿يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ لفَرْط ما دَهمه من الأمر الذي استفزَّه، ظنًا بأخيه أنه قصَّر في الكف. ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ﴾ في ذكر الأمِّ مع أنهما كانا أخوين لأبٍ وأمٍّ استعظامٌ واسترحامٌ لتذكيره أنهما من بطن واحد بلا شبهةٍ فيه، وأن مراعاة حقِّها أحقُّ وأوجب فإنه أعظم؛ لأنها هي التي قاست المخاوف والشدائد لأجله (٣). قرئ بكسر الميم وطرحِ ياء الإضافة اكتفاءً بالكسرة، وبالفتح لكونها أخفَّ، أو تشبيهًا بخمسةَ عَشَر (٤).

стр. 1622

﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾؛ أي (١): لم يَهابوني ولم يستَحْيوا مني. ﴿وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾؛ أي: بذلْتُ وسعي في كفِّهم حتى قهروني وقاربوا قتلي، قاله إزاحةً لتوهُّم التقصير في حقِّه. ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾: فلا تفعل ما هو أمنيتُهم من الاستهانة بي، وما يَشمتون بي لأجْله، والشماتةُ: فرحة (٢) العدوِّ بمصائب عدوِّه. ﴿وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: معدودًا في عدادهم بالمؤاخذة أو نسبةِ التقصير. * * * (١٥١) - ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ ما صنعت بأخي ﴿وَلِأَخِي﴾ ضم إليه أخاه في الاستغفار - إنْ عسى فرَّط في حُسن الخلافة (٣) - ترضيةً له ودفعًا للشماتة عنه. ﴿وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾ بمزيد الإنعام علينا. ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾: أرحم بنا منَّا على أنفسنا، والو أو للعطف على مقدَّر؛ كأنه قيل: أنت الغفور وأنت أرحمُ … إلخ.

стр. 1623

(١٥٢) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ﴾ هو ما أمرهم به من قتل أنفسهم، وإنما قال: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ إشارةً إلى ما في ضمنه من أثرِ الرحمة حيث كان فيه قبول توبتهم، ولهذا قدمه على قوله: ﴿وَذِلَّةٌ﴾ إخراجًا لها عن حيِّز التربية لهم. ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: هي خروجهم عن ديارهم، وقيل: الجزية. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ مثلَ ذلك الجزاء ﴿نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ على الله سبحانه، ولا فِرْيةَ أعظمُ من فِرْيَتهم: هذا إلهكم وإلهُ موسى، ولعله لم يَفترِ مثلَها أحد قبلهم ولا بعدهم. * * * (١٥٣) - ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ من الكفر والمعاصي. ﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا﴾: من بعد السيئات، وعبارةُ ﴿ثُمَّ﴾ للدلالة على أن التماديَ فيها لا يضرُّ بعد ما تاب عنها. ﴿وَآمَنُوا﴾؛ أي: أخلَصوا الإيمانَ؛ لأن أصل الإيمان قد ذكر فيما سبق. ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾: من بعد تلك العظائم ﴿لَغَفُورٌ﴾: محَّاءٌ لها وإنْ كبُرت كعبادة العجل، وكثرت كجرائم بني إسرائيل ﴿رَحِيمٌ﴾ بالإمهال وتركِ الاستعجال في الأخذ بالنَّكال.

стр. 1624

فكان في عبارة ﴿ثُمَّ﴾ تمهيد لهذا، وتكريرُ ﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾ مع ﴿إِنَّ﴾ واللامِ مبالغةٌ في شمول غفرانه وسعة رحمته، عظمت جريمتُهم أولًا ثم عقَّبها بتعظيم مغفرته ورحمته تعظيمًا لا كتعظيمها بل أزيدُ وأزيد ليعلم (١) أن الذنوب وإنْ جلَّت فإنَّ عفوه وغفرانه (٢) وكرمَه وإحسانه إذا تاب صاحبُها وأخلصَ أجلُّ وأعظم، وفيه تحريض على التوبة وحث على الإخلاص. * * * (١٥٤) - ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾. ﴿وَلَمَّا سَكَتَ﴾ ضمَّنه معنى زال فعدِّي بـ (عن)؛ أي: زال ﴿عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ ساكتًا، وهو كلام في غاية البلاغة؛ لأن فيه تشبيهَ الغضب بشخصٍ كان يغريه (٣) على ما فعل، ويقول له: قل لقومك كذا، وألقِ الألواح، وخُذ برأس أخيك، على طريقة الاستعارة بالكناية، فكونُ السكوت على حقيقته غيرَ مَجازٍ عن السكوت أبلغُ، أو طريقةِ الاستعارةِ التمثيلية على تشبيه الحال بسكوت الغضب بحال السكوت الناطق الآمر الناهي، وشرطُها أن يكون أجزاء الكلام على معانيها الأصلية. وقال الزجَّاج: مصدر سَكَت الغضب: سَكْتًا، ومصدر سَكَت الرجل: سكوتًا (٤).

стр. 1625

وهذا يقتضي أنه فِعْلٌ على حِدَ؛ وليس من سكوت الناس، ويؤيده قول يونسَ بن حبيب: تقول العرب: سال الوادي يومين ثم سكت (١)، فعلى هذا ﴿سَكَتَ﴾ بمعنى: (سكَن) (٢) وقد قرئ به (٣). وقرئ: (سُكّتَ) و (أُسْكِتَ) (٤) على أن المسكِتَ هو اللهُ تعالى، أو أخوه بالاعتذار، أو قومه بتوبتهم، وفيه إشارة إلى حُسن إمهال الله تعالى العبدَ إذا تغيَّر عن حاله، وغَلَب عليه ما لا يطيق. وإذا كان أولو العزم من الرسل يغلبه ما يَصرفه عن الاختيار فكيف الظن بمن دونه؟! ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ التي ألقاها ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾ النُّسخة فُعْلةٌ بمعنى مفعولٍ (٥) كالخُطْبة وهي المكتوبة؛ أي: فيما نُسخ فيها، يعني: كُتب، والنسخ: النقل، فيقتضي نقل مكتوب من أصلٍ آخر، وقد يُطلق على الكتابة وإن لم يكن نقلٌ من آخَر. ويجوز أن يكون المعنى: وفيما انْتَسَخ بنو إسرائيل من الألواح. والوا و في ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾ للحال. ﴿هُدًى﴾: بيان للحق ﴿وَرَحْمَةٌ﴾: وإرشاد إلى الصلاح والخير.

стр. 1626

﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾: للَّذين يَخُصُّون (١) رهبتهم بالله تعالى، والرهبة: خوف معه تحرُّزٌ واضطراب، واللام في ﴿لِرَبِّهِمْ﴾ دخلت جابرةً للضعف العارض للفعل بسبب تأخُّره عن المفعول. * * * (١٥٥) - ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾. ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾؛ أي: اختار موسى من قومه، فحذف الجارُّ وأُوصل الفعل إليه، وفيه إيهامُ تنزيلِ جلِّ القوم منزلةَ كلِّهم. ﴿سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ القوم لا يكون (٢) إلا رجالًا، ففائدة قوله: ﴿رَجُلًا﴾ دفعُ احتمال التغليب، والتفخيمُ المستفاد من التنكير. ﴿لِمِيقَاتِنَا﴾ روي أنه تعالى أمره ﵇ بأن يأتيه في سبعين من نُجباء بني إسرائيل، فاختار من كلِّ سبط من الأسباط الاثني (٣) عشر ستةً فزاد رجلان فقال: ليتخلَّف منكم رجلان، فتشاحُّوا (٤)، فقال: إنَّ لِمَن قعد منكم مثلَ أجرِ مَن خرج، فقعد كالبٌ ويوشعُ وذهب مع الباقين، فلما دنوا من الجبل غشيه غمامٌ فدخل موسى ﵇ بهم الغمام، وخرُّوا سجَّدًا، فسمعوه تعالى يكلم موسى ﵇ يأمره

стр. 1627

وينهاه، ثم انكشف الغمام، فأقبلوا إليه ﵇ وقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] فأخذتهم الرجفة فصُعقوا منها. ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ الاهتزاز والتمايل للهول العظيم، وقيل: هي رجفة الجبل. ﴿قَالَ﴾ موسى ﵇: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ تمنى هلاكه وهلاكهم قبل أن يرى ما رأى، كما يقول المبتلَى ببلية: لو شاء الله لأهلكني قبل هذا، واستَرْحَم الله تعالى فقال: إنك قدرت أن تُهلكنا بسببٍ آخر؛ كإقدار فرعون علينا والإغراق بالبحر وغيرهما، فترحَّمت وأنجيتنا، فإن ترحَّمت مرة أخرى لم يَبْعُد من عَميم إحسانك. ﴿أَتُهْلِكُنَا﴾ جميعًا ﴿بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ من التجاسُر على طلب الرؤية، وكان القائل بعضَهم فسفَّههم. وقيل: المراد به عبادة العجل، واختيارُ موسى ﵇ السبعين إنما كان لميقات التوبة، فغشيهم هيبةٌ قلقوا (١) منها ورجفوا حتى كادت تَبين مفاصلهم، وأشرفوا على الهلاك، فخاف عليهم موسى ﵇، فبكى ودعا فكشفها الله تعالى عنهم. ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾: ابتلاؤك (٢) حين أسمعتَهم كلامك فطمعوا في رؤيتك، أو: أحدثتَ في العجل خُوارًا فضلُّوا به، والضمير للفتنة. ﴿تُضِلُّ بِهَا﴾: بالفتنة ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾ ضلالَه بالتجاوز عن حدِّه واتِّباعِ المخايل.

стр. 1628

﴿وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ هدايتَه فتقْوَى بها إيمانه، وكذا كل ابتلاء. ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾: مولانا القائمُ بأمرنا ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾ بمغفرة ما قارفنا ﴿وَارْحَمْنَا﴾ بدفع العذاب عنا. لمَّا كان هو وأخوه ﵉ من المعصومين من الذنوب، فحين سأل (١) المغفرة له ولأخيه لم يؤكد المغفرة، بل قال: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٥١]، ولما كان قد اندرج قومه في قوله: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾ وفي سؤال المغفرة والرحمة، وكان قومه أصحابَ الذنوب، أكَّد استعطاف ربه تعالى في غفران تلك الذنوب فقال: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ تغفر الذنب الكبير بالعذر اليسير (٢)، ثم تَجوده بالعطاء الجزيل الكثير. * * * (١٥٦) - ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿وَاكْتُبْ لَنَا﴾؛ أي: أَثبتْ لنا، الكَتْبُ يستعمل في كل ما يُخلَّد. ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ زيادة ﴿هَذِهِ﴾ لتنزيل شأن الدنيا عن شأن الآخرة. ﴿حَسَنَةً﴾: عاقبةً وحياةً (٣) طيبةً، وحُسنَ سيق وتوفيقًا للطاعة. ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ أي: وفيها حسنةً أيضًا، وهي الجنة وما فيها.

стр. 1629

﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾: تبنا إليك، مِن هاد يَهُود: إذا رجع. وقرئ: (هِدْنا إليك) بكسر الهاء من هادَه يَهِيدُه: إذا حرَّكه وأماله (١)، ويحتمل أن يكون مبنيًا للفاعل وللمفعول، بمعنى: أَمَلْنا أنفسَنا - أو: أُمِلْنا - إليك، ويجوز أن يكون المضموم أيضًا مبنيًّا للمفعول منه على لغةِ مَن يقول: عُود المريض. ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ تعذيبَه بمقتضَى عدلي. ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ لا يخلو منها مسلم ولا كافر، ولا شيءٌ من الأشياء، ولا اختصاصَ لرحمة الآخرة بمسلمٍ على ما بينَّاه في تفسير سورة الفاتحة. ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾: فسأُثْبتها، والضمير للرحمة. ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الكفرَ والمعاصيَ ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ خصَّها بالذكر لا لإنافتها لأنها حقُّ الصلاة التي هي عماد الدين، بل لأنها كانت أشقَّ عليهم لحبهم الدنيا. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا﴾: بجميع آياتنا ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: لا يكفرون بشيء منها. * * * (١٥٧) - ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ﴾ إما جرُّ صفة لـ (الذين يتقون)، أو بدلٌ منه بدلَ الكلِّ على أن

стр. 1630

المراد مَن آمَن منهم بمحمد ﷺ ، أو البعضِ، أو نصبٌ على المدح، أو رفعٌ عليه، أي: هم الذين يتبعون، أو مبتدأ خبره: ﴿يَأْمُرُهُمْ﴾. ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ وصفَه بالرسالة باعتبارِ تبليغ الأحكام من الله تعالى، وقدَّمه لأنَّه الأعمُّ حيث يوصف به الملَك، ثم بالنبوة باعتبار إنبائه عن الله تعالى وصفاته، وإخبارِه عن الغيوب وأحوالِ الآخرة، وفيها جهةُ عموم إذا اعتُبر الرسالةُ في بني آدم، فلو اعتُبر بهذه الجهة يكون تقديم الرسالة بالنظر إلى أنه أرسله الله تعالى إلى الخَلق فأنبأهم عنه تعالى، ثم بكونه أميًّا تنبيهًا على أن كمال علمه مع أنه لم يقرأ شيئًا ولم يكتب أصلًا ليس إلا اختصاصًا من عند الله تعالى، واصطفاءً مِن لدُنه وإعجازًا. والأميُّ: الذي هو على صفة أمة العرب؛ قال ﵇: "إنَّا أمَّةٌ أمِّيَّة لا نَكتبُ ولا نَحسُبُ" (١) كأنه نُسب إلى الأم، فإن الولد يُولد من أمِّه غيرَ كاتبٍ ولا قارئ ولا حاسب. ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ﴾؛ أي: يجدون اسمه ونعتَه. ﴿مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ رفعٌ لذكره، وإشارةٌ بأنه مذكور في كتب الله تعالى أَخبر عنه الأنبياء السابقون، وأقرُّوا بنبوته، وزيادةُ قوله: ﴿عِنْدَهُمْ﴾ لإفادة أنه وجد في الكتابين المذكورَين حال كونهما محفوظَين عندهم (٢)، فلا احتمالَ لأن يكون ذلك ملحقًا من خارج. ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ المعروف: ما عُرف بالشرع جهةُ حُسنه، والمنكر: ما عُرف به جهةُ قبحه.

стр. 1631

﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ التي حرِّمت عليهم كالشحوم وغيرها. ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ كالخمر ولحم الخنزير ونحوِهما، ونسبةُ الحِل والحُرمة إليه ﵇ لأنَّه مُظهِرُهما، والاختلاف في أداة التعدية لِمَا في الثاني من معنى التكليف دون الأول. ﴿وَيَضَعُ﴾: يَحطُّ ﴿عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ وقرئ: (أَصْرَهم) (١) لأنَّه جنس فيصلح للجمع. ﴿وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ الإصر والأغلال استعارتان لطيفتان للثقل الذي كان عليهم من التكاليف الشاقة المانعة عن حركاتهم بمقتضَى الهوى والقيودِ التي تمنعهم عن اختيارهم. والإصر في الأصل: الثقل الذي يأصِرُ صاحبه؛ أي: يحبسُه عن الحركة. أي؛ يخفِّف عنهم ما كلِّفوا به من التكاليف الشاقَّة: كاشتراطِ قتل النفس في صحة التوبة، وقطعِ الأعضاء الخاطئة، والقيودِ الصعبة: كقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب، وإحراق الغنائم، وتحريم العروق في اللحم، وتحريمِ السبت، وأمَّا تعيين القصاص في العمد والخطأ فقد مرَّ ما فيه فتذكَّرْ. ولا خفاءَ في أن ما أريد بالآصار أشقُّ مما أريد بالأغلال وألصقُ منه، فلذلك ذكرها بالإضافة إليهم دون الأغلال. ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾؛ أي: بمحمد ﷺ ، تكريرٌ لتأكيد مدحهم وتعظيمِهم

стр. 1632

بالصفات المذكورة، وإعلامٌ بأنها هي الموجِبةُ لانحصارِ الفلاح فيهم، والفاءُ للترتيب على ما تقدَّم. (وَعَزَرُوهُ): منعوه من العدوِّ حتى لا يَقْوَ ى عليه، وقرئ: ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ بالتشديد (١)، أي: عظَّموه بالتقوية. ﴿وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾، أي: مع نبوَّته، أي: القرآن، وإنما سمي نورًا لأنَّه بإعجازه ظاهرٌ أمرُه ومُظهِرٌ غيرَه، أو لأنَّه كاشفُ الحقائق مُظهِرٌ لها، ويجوز أن يكون ﴿مَعَهُ﴾ متعلقًا بـ (اتبعوا)، أي: واتَّبعوا القرآن مع اتِّباع النبيِّ ﵇، فيكون إشارةً إلى اتِّباع السنَّة (٢). ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الإشارة بـ ﴿أُولَئِكَ﴾ إلى الموصوفين بالصفات المذكورة، وإلى أن استحقاقهم للفلاح إنما هو بسببها، وتوسيطُ ﴿هُمُ﴾ وتعريفُ الفلاح قد مرَّ ما يتعلقُ بهما غير مرةٍ. ومضمونُ الآية جوابٌ لدعاء موسى ﵇، متضمِّنٌ لتوبيخ بني إسرائيل على ما صدر منهم من أنواع الكفر والمعاصي، والتعريضِ بهم في تكذيبهم بآيات الله العِظام التي أجراها على يد موسى ﵇ بقوله: ﴿وَالَّذِينَ

стр. 1633

هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾، وترغيبِهم في الإخلاص والعمل الصالح ببيان حال أعقابهم الذين يتَّبعون النبيَّ المبعوث في آخر الزمان، وتحريضِهم على التصديق بما في التوراة والإنجيل من نَعتهِ (١)؛ ليوطِّنوا أنفسهم على الإيمان به طمعًا في الرحمة التي خصَّصها بهم في قوله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ فيُحشروا معهم وهم عبد الله (٢) ابن سلَامٍ وأضرابُه (٣). * * * (١٥٨) - ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ الخطاب عامّ؛ كان كلُّ نبي مبعوثًا إلى قومه خاصةً، ورسولنا ﵇ إلى الناس كافةً، بل إلى الإنس والجن عامةً. ﴿جَمِيعًا﴾ حال من ﴿إِلَيْكُمْ﴾. ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ صفةُ ﴿اللَّهِ﴾، أو بدلٌ منه، ولا يمنعُه الفصل بما هو في حكم المقدَّم، أو نصبٌ على المدح، أو رفعٌ عليه. أو مبتدأٌ وخبره: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وهو (٤) على الوجوه الأُوَل (٥) بيانٌ للجملة التي هي الصلة؛ لأن مَن مَلك العالَم كلَّه لا يكون غيرُه إلهًا.

стр. 1634

وكذلك ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ بيانٌ لِمَا قبله؛ لأنَّه تقريرٌ لاختصاصه بالألوهية؛ إذ لا يقدر على الإحياء والإماتة غيرُه. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ لمَّا ذكر أنه (١) رسولُ الله أمرهم بالإيمان به ﵇، وبدأ بالإيمان بالله تعالى لأنَّه أصلٌ يَتفرع عليه (٢) الإيمان بالرسل ﵈، والتفتَ عن التكلُّم إلى الغيبة تعظيمًا له بتكرار ذكر الرسول وإعادته صفاتِ المدح، وتنبيهًا على أن الذي وجب الإيمان به واتِّباعُه هو (٣) الموصوف بهذه الصفات لأجْلها كائنًا مَن كان، وإيقاظًا للسامع لئلا يغفل عنه فيتمكَّن وقعُه في نفسه. ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾؛ أي: ما أَنزل الله عليه وعلى جميع الرسل من كتبه ووحيه. وقرئ: (وكلمته) (٤)؛ أي: جنسِ ما تكلَّم به، أو القرآنِ، أو عيسى ﵇، تعريضًا لليهود، وتنبيهًا على أنَّ مَن لم يؤمن به ﵇ لم يعتبر (٥) إيمانه. وقيل: كلمته التي أوجد بها الكلَّ، وهي قوله: كن. ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ جعل رجاءَ الاهتداء أثرَ الأمرين تنبيهًا على أنَّ مَن صدَّقه ولم يتابعه بالْتزام شرعه فهو بعدُ في خِطَط (٦) الضلالة.

стр. 1635

(١٥٩) - ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾. ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ يعني: بني إسرائيل ﴿أُمَّةٌ﴾ التنكير للتكثير ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ يُرشِدون الناس محقِّين، أو: بكلمة الحق. ﴿وَبِهِ﴾ وبالحق ﴿يَعْدِلُونَ﴾ في الحكم بين الناس، وهم الثابتون في الإيمان القائمون بالحق من أهل زمانه، أتبع ذكرَهم ذكرَ عبدة العجل كما هو عادةُ القرآن في الجمع بين السعداء والأشقياء في الذكر؛ تنبيهًا على أنَّ تعارُض الخير والشر وتزاحُمَ أهل الحق والباطل أمر مستمرٌّ. وفيه دفعُ (١) ما أَوهم تخصيصُ الرحمة في جواب دعاء موسى ﵇ بالذين يتَّبعون الرسول في آخر الزمان أن غيرهم كلهم أهل الضلالة. وقيل: هم مؤمنو أهل الكتاب. وقيل: قوم وراء الصين رآهم رسول الله ﷺ ليلةَ المعراج فآمنوا به (٢). * * *

стр. 1636

(١٦٠) - ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ مفعولٌ ثانٍ على تضمين (قطَّعنا) معنى: صيَّرنا، وتأنيثُه على تأويل القطعة أو الفرقة. ﴿أَسْبَاطًا﴾ بدلٌ منه ولذلك جُمع، أو تمييز لأنَّه أراد: اثنتَيْ عَشْرةَ قبيلةً كل قبيلة أسباطٌ، فوُضع (أسباط) موضع قبيلة للدلالة على أنَّ كلَّ واحد (١) منها أسباط تحقيقًا، فعلى هذا (أسباط) قائم مقام المفرد. ﴿أُمَمًا﴾ بدل من ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾، أو من (أسباط)، أو نعتٌ لها، وفيه إشارةٌ إلى أن كلَّ واحد من الأسباط كانت أمةً كثيرةَ العدد يؤمُّ كلُّ واحدة منهم خلافَ ما تؤمُّه الأخرى، لا تكاد تأتلف (٢) وتتَّفق، والباقي مر تفسيره في سورة البقرة. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ﴾ في التِّيه. ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ﴾، أي: فضرب فانبجست، وحذفُه لتقصير اللفظ وتكثير المعنى، وهو أبلغ وجوه الإيجاز (٣)، وذلك أن فيه إشعارًا بأنَّ الانفجار مسبَّبٌ عن الإيحاء مرتَّب عليه، وأنَّ (٤) الضرب لا تأثير له بذاته، وأمَّا أنَّ

стр. 1637

موسى ﵇ لم يتوقَّف في الامتثال فلا دلالةَ عليه في قوله: فضرب، محذوفًا كان أو مذكورًا. والانبجاس: خروج الماء الجاري بقلَّةٍ، والانفجار: خروجه بكثرة، وكان البدءُ بقلَّة ثم يكثر بالاتِّساع. ﴿مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ﴾: كلُّ سبطٍ، اسمُ جمعٍ كرُخالٍ (١) وثُناءٍ، لا جمعُ تكسير، أو جمعُ إنس، أصلُه كسر الهمزة كشِعْبٍ وشِعَابٍ، فأبدلت الكسرة ضمَّةً. ﴿مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ﴾ ليَقِهم الحرَّ. ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾؛ أي: وقلنا لهم: كلوا ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ قد مر تفسيره في سورة البقرة. * * * (١٦١) - ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾. ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ بإضمار: اذكر، والقرية: بيت المقدس. ﴿وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ مِثْلُ ما

стр. 1638

في سورة البقرة (١)، غيرَ أن هناك: ﴿وَادْخُلُوا﴾ وهنا: ﴿اسْكُنُوا﴾ والسكنى يتعقَّب الدخول، فأُمروا هناك بالمبدأ وهنا بما تسبَّب عنه، وهناك: (فكلوا) بالفاء وهنا بالواو، وذلك لأن الدخول حالةٌ منقضية (٢) فحَسُنَ ذكر فاء التعقيب بعده، والسكنى حالةٌ مستمرَّة فحَسُنَ الأمر بالأكل معه لا بعده، وأثبت (رغدا) هناك بعد الأمر بالدخول لأنها حالةُ قدوم فالأكل فيها ألذُّ، بخلاف السكنى المذكور هنا، فإنها حالة استقرار واطمئنان فليس الأكل فيها كالأكل عند الدخول، وأما تقديم الحِطَّة على الدخول وتأخُّرُها عنه فلا تفاوت فيه لأن الواو للجمع لا للترتيب، وأما قوله: ﴿وَإِذْ قِيلَ﴾ في مقام ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ على حذف الفاعل للعلم به، وأما (أنزلنا) و (أرسلنا)، و ﴿يَفْسُقُونَ﴾ و ﴿يَظْلِمُونَ﴾ فمن وادٍ أحد. ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ وعدٌ بالغفران والزيادةِ عليه بالإثابة. قيل: وإنما أُخرج الثاني مخرج الاستئناف للدلالة على أنه تفضُّلٌ محضٌ ليس في مقابلةِ ما أُمروا به. ومبناه الغفولُ عن الواو الجامعة بينهما في سورة البقرة الدالةِ على التشريك في المقابلة المذكورة. * * * (١٦٢) - ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾.

стр. 1639

﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ مر تفسيره في سورة البقرة. * * * (١٦٣) - ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. ﴿وَاسْأَلْهُمْ﴾ المراد من سؤالهم التقريعُ بقديم كفرهم واعتدائهم حدودَ الله تعالى، والتقريرُ والإعلام بأن هذا من العلوم التي لا تحصل إلا بالتعليم أو بالوحي، فلم يتعلم ﵇ قطُّ فهو حجةٌ لأنَّه معجزة. ﴿عَنِ الْقَرْيَةِ﴾: عن خبرها وحالِ أهلها، وهي أَيْلةُ (١). ﴿الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْر﴾: قريبةً منه على شاطئه بين مَدْينَ والطُّور، وقيل: مدين، وقيل: طَبرية، والعرب تسمِّي المدينة قرية. ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ إذ يتجاوزون حدَّ (٢) الله تعالى في تعظيم السبت بالاصطياد، و ﴿إِذْ﴾ ظرف لـ ﴿كَانَتْ﴾، أو ﴿حَاضِرَةَ﴾، أو للمضاف المحذوف، ولا يجوز أن يكون بدلًا منه (٣) بدل الاشتمال؛ لأن (إذ) من الظروف التي لا تتصرَّف

стр. 1640

ولا يدخل عليها حرفُ جرٍّ، وجعلُها بدلًا يُجوِّز دخول (عن) عليها؛ لأن البدل على نية تكرير العامل، وإنما تُصرِّف فيها بأنْ أُضيف إليها بعض الظروف الزمانية، نحو: يومَ إذْ كان كذا. وقرئ: (يَعَدُّون) (١)، وأصله: يَعْتدون، أدغمت التاء في الدال ونُقلت حركتها إلى العين. و: (يُعِدُّون) من الإعداد؛ أي: يُعِدُّون آلات الصيد في حال تعظيم السبت، أو يوم السبت وقد نهوا عنه وأمروا بأنْ لا يشتغلوا فيه بغير العبادة (٢). ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ﴾ ظرفٌ لـ ﴿يَعْدُونَ﴾، واحتمال الإبدال قد مرَّ وجه بُطلانه. ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾: يوم تعظيمهم للسبت، مصدر سَبَتتِ اليهودُ: إذا عظَّمت سَبْتَهم بالتجرُّد للعبادة. وقيل: اسم اليوم، والإضافةُ لاختصاصهم بأحكامٍ فيه. ويرجِّح الأولَ قراءةُ: (يومَ إسباتهم) (٣)، وقولُه: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾. وقرئ: (لا يُسبِتون) مِن أَسْبَتَ، و: (لا يُسبَتون) على البناء للمفعول (٤)، بمعنى: لا يدخلون في السبت.

стр. 1641

و ﴿شُرَّعًا﴾ حال من الحيتان، ومعناه: ظاهرةً على وجه الماء، مِن شَرَع علينا: إذا دنا وأشرف. وقيل: أي: مقبِلًا إليهم مصطفًّا، كما تقول: أُشرعتِ الرماح: إذا مُدَّت مصطفَّةً. والحيتان: جمع حوتٍ، وأكثرُ ما تَستعمل العرب الحوت في معنى السمكة، واختلف في إطلاق اسم السمكة على ما سوى الحوت من الحيوانات البحرية، والذي نصَّ عليه الشافعي في "الأم" و"المختصَر" أنها تطلق على الجميع، قال صاحب "الروضة": وهو الصحيح. ﴿كَذَلِكَ﴾، أي: مِثْلَ ذلك البلاء الشديد، والظاهرُ أن الإشارة إلى ابتلائهم بإتيان الحيتان يوم السبت وعدمِ إتيانها في سائر الأيام. ﴿نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾: بسببِ استمرارهم على الفسق. * * * (١٦٤) - ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. ﴿وَإِذْ قَالَتْ﴾ عطفٌ على ﴿وَإِذْ﴾ قبلها. ﴿أُمَّةٌ مِنْهُمْ﴾: جماعة من أهل القرية من صُلحائهم الذين بالَغوا في وعظهم، وبذلوا المجهود في نهيهم، حتى ملُّوا وأَيسوا من قبولهم، وتفرَّسوا من حالهم أن الوعظ لا يؤثِّر فيهم فتركوا، لآخرين (١) منهم لم يتركوا موعظتهم:

стр. 1642

﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾؛ أي: قد أشرفوا على أن يُهلكهم الله تعالى فيَصْطَلِمَهم. ﴿أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ غيرَ مصطَلِمٍ. ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾؛ أي: موعظتُنا معذرةٌ إلى الله تعالى لئلا نُنسب إلى تقصير (١) في النهي عن المنكر. وقرئ: ﴿مَعْذِرَةً﴾ بالنصب (٢)؛ أي: نَعِظُهم معذرةً، على أنه مفعولٌ له، أو: نعتذر معذرةً، على المصدر. ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: ولطمَعِنا في أنْ يتَّقوا بعضَ الاتِّقاء. * * * (١٦٥) - ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. ﴿فَلَمَّا نَسُوا﴾: تركوا ﴿مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾: ما ذكَّرهم به الصُّلحاء، وجُعل التركُ نسيانًا مبالغةً؛ إذ أقوى أحوالِ الترك أن يُنسى المتروك. ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ هي عامةٌ في المعاصي، ويدخل فيها صيدُ الحوت دخولًا أوليًّا. ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بالارتكاب للمنكَر، وفيه تنبيهٌ على أن العلة للأخذ هي الظلم.

стр. 1643

﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾: شديدٍ، فعيلٌ من بَؤُسَ يبؤسُ (١) بأسًا: إذا اشتدَّ. و قرئ: (بَئِسٍ) كحَذِرٍ (٢). و: ﴿بَئِيسٍ﴾ و كظِئْرٍ على تسكين العين للتخفيف (٣)، ونقلِ حركتها إلى الباء؛ ككِبْدٍ في كَبِدٍ. وقرئ: ﴿بِيسٍ﴾ على قلب الهمزة ياءً كما قُلبت في ذيبٍ (٤)، أو على أنه فعل الذمِّ وُصف به فجعل اسمًا. وقرئ: (بَيِّسٍ) كرَيِّسٍ (٥) على قلب همزة ﴿بَئِيسٍ﴾ (٦) ياءً وإدغام الياء فيها. و: (بَيْسٍ) على تخفيف (بيِّس) كمَيْتٍ في مَيِّتٍ (٧). ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾: بسبب استمرارهم على الفسق. * * *

стр. 1644

(١٦٦) - ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾: طَغَوا وتكبروا عمَّا نُهوا عنه، وزادوا عصيانًا وتَفَرْعُنًا. ﴿قُلْنَا لَهُمْ﴾ على طريقة الأمر التكويني: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾؛ أي: مسخناهم دفعةً. ﴿خَاسِئِينَ﴾: أذلَّاءَ مُبْعَدِين عن الناس، وقد مرَّ ما يتعلق بهذا في تفسير (١) سورة البقرة. والظاهر من المعنى: أن الله تعالى عذَّبهم أولًا بعذابٍ شديد، فلم ينتهُوا وعَتَوا بعد ذلك فمسخهم. وقيل: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا﴾ تكريرٌ وتقريرٌ لقوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا﴾. والعذاب الشديد: هو المسخ، وعن مجاهد: مُسخت قلوبهم لا أبدانُهم (٢). * * * (١٦٧) - ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾ ﴿تَأَذَّنَ﴾: عَزَم، وهو تفعُّلٌ من الإيذان وهو الإعلام؛ لأن العازم على الأمر يؤذِن نفسَه به ويحدِّثها، ومثلُه في التفعُّل بمعنى الإفعال: تَوَعَّدَ، بمعنى: أَوْعَدَ، وأُجري مُجرى القَسَم كعَلِمَ اللهُ وشَهِدَ اللهُ، ولذلك أُجيب بما يُجاب به القسم وهو: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾، أي: عزم ربك وأَوْجَب على نفسه ليسلِّطنَّ على اليهود ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ﴾: يكلِّفُهم ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ كالإذلال وضرب الجزية.

стр. 1645

بعث الله تعالى عليهم بعد سليمان ﵇ بُخْتَ نَصَّرَ، فخرَّب ديارهم، وقتل مقاتِلتَهم، وسبى نسائهم وذراريهم، وضرب الجزية على مَن بقي منهم، وكانوا يؤدُّونها إلى المجوس إلى أن بعث الله محمدًا ﷺ فضربها عليهم لا إلى آخر الدهر - كما قيل (١) - بل إلى نزول عيسى ﵇؛ لأنَّه بعد نزوله من السماء يضع عنهم الجزية على ما ورد في الحديث المرفوع (٢)، وعند ذلك ينقلبُ تكليف الجزية إلى أَشَدِّه وهو تكليفُ الإسلام بالقتل (٣)، وسوءُ العذاب ينتظِمُهما (٤). ويجوز أن يكون المراد من يوم القيامة: وقتَ ظهور بعض شرائطها (٥)، فحينئذ لا حاجة إلى تعميم سوءِ العذاب، والله أعلم بالصواب. ﴿نَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ لا يحتاج إلى إعداد الآلات وإحضار الأسباب ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ من تاب وأناب. * * * (١٦٨) - ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.

стр. 1646

﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: وفرَّقناهم في أقطارها بحيث لا يخلو قطرٌ منهم، تتميماً لإدبارهم حتى لا يكون لهم شوكةٌ بالاجتماع. ﴿أُمَمًا﴾ مفعولٌ ثانٍ أو حالٌ. ﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ﴾ الذين آمنوا [بالمدينة] ونظراؤهم (١)، و ﴿الصَّالِحُونَ﴾ فاعلٌ للظرف لاعتماده على الموصوف، أو مبتدأ و ﴿وَمِنْهُمْ﴾ خبرُه والجملة صفة لـ ﴿أُمَمًا﴾. ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ ﴿دُونَ﴾ صفةٌ لمبتدأ محذوف؛ أي: ومنهم ناسٌ دون ذلك الوصف منحطُّون عن درجة الصلاح، وهم الفَسَقة والكَفَرة (٢). ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾: بالنِّعم والنِّقم ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ عما كانوا عليه بالانتهاء. * * * (١٦٩) - ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾: من بعد المذكورين ﴿خَلْفٌ﴾ بدلُ سوءٍ، وهو مصدرٌ

стр. 1647

نُعت به، ولذلك يستوي فيه الواحد والكثير، وقيل: جمع، قال ثعلبٌ: الناس كلهم يقولون: خَلَفُ صِدْقٍ، للصالح، و: خَلَفُ سوءٍ، للطالح. وكأنه غافل عن قول حسَّان في المدح: لنا القَدَمُ الأولى إليكَ وخَلْفُنا … لأوَّلنا في طاعةِ الله نافعُ (١) والمراد به: الذين كانوا في عصر رسول الله ﷺ . ﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾: التوراةَ من أسلافهم يقرؤونها ويقفون على ما فيها ولا يعملون. وفي عبارة ﴿وَرِثُوا﴾ إشارة إلى أنها وصلت إليهم بلا استحقاقٍ منهم كما يصل المال الموروثُ من المورِّث الصالح إلى الوارث الطالح. ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾؛ أي: حطامَ هذا الشيء الأدنى، وهو ما يأخذونه من الرُّشا في الأحكام، وعلى تحريفِ الكلِم للتسهيل على العامة. و ﴿الْأَدْنَى﴾: إما من الدنوِّ بمعنى القُرْب؛ لأنَّ الشيء الحقيرَ سهلُ التناول قريبُ المأخذ، وإما من الدناءة بمعنى الخسَّة والمراد به الدنيا وما يُتمتَّع به منها. والإشارة بـ ﴿هَذَا﴾ لمزيد التحقير، والجملة حالٌ من ضمير ﴿وَرِثُوا﴾، أو صفةٌ بعد صفةٍ. ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ﴾؛ أي: إذا عُوتبوا على ذلك اعتذَروا بما يَرْجونه من سَعة رحمة الله تعالى، ويقولون: لا يؤاخِذُنا الله تعالى بما أَخذْنا وَيتجاوز عنا (٢)، وهو يَحتمِل العطفَ والحالَ، والفعلُ مسنَدٌ إلى الجارِّ والمجرور، أو إلى مصدرِ ﴿يَأْخُذُونَ﴾.

стр. 1648

﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ حال من الضمير في ﴿يقولونَ﴾؛ أي: يرجُون المغفرة جازِمينَ بها وهم مصرُّون على ذنوبهم لا يتوبون عنها. ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ﴾؛ أي: العهدُ الذي في التوراة. ﴿أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ عطفُ بيان للميثاق، أو متعلِّق به؛ أي: بأنْ لا يقولوا؛ أي: لا يفتروا على الله تعالى، وهو القطع بالمغفرة مع الإصرار على الذنب، وهو خلاف ميثاق الكتاب. ويجوز أن تكون ﴿أَنْ﴾ مفسِّرةً، و ﴿لَا يَقُولُوا﴾ نهيًا؛ كأنه قيل: ألم يقل لهم أنْ لا يقولوا .. إلى آخره. وإنْ فسِّر الميثاق بما بيِّن فيه - وهو أنَّ مَن ارتَكب ذنبًا عظيمًا لا يُغفر إلا بالتوبة - كان ﴿أَنْ لَا يَقُولُوا﴾ مفعولًا له؛ أي: لئلا يقولوا. ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ الظاهر أنه عطفٌ على ﴿وَرِثُوا﴾، وقوله: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ﴾ اعتراضٌ أو حالٌ بتقدير (قد). وقيل: عطفٌ على ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ﴾ من حيث المعنى لأنَّه تقرير له؛ كأنه قيل: أُخذ عليهم ميثاقُ الكتاب ودرَسوا ما فيه. ومعنى الهمزة في ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ﴾ تقريعٌ وتوبيخٌ على أخذ الرشوة والقطعِ بالمغفرة، ولهذا (١) قُبحَ فعلهم بوجوه: أولها: أنه خلاف ميثاق الكتاب. الثاني: أنه افتراء على الله تعالى.

стр. 1649

الثالث: التأكيد بقوله: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾؛ أي: من اشتراط التوبة في غفران الذنب (١). الرابع: قوله: ﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾؛ أي: من ذلك العَرَض الخسيس ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الرُّشا، وهو تعريض بأنهم يستحبُّون الدنيا على الآخرة ويستبدلونها بها. ثم التأكيد بقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: أيأخذون العَرَض الحقير فلا يعقلون أن الدار الآخرة خيرٌ فلا يبيعون الشريف الباقي بالخسيس الفاني. وقرئ: ﴿تَعْقِلُونَ﴾ بالتاء على الالتفات (٢). وفي الإبهام بقوله: ﴿أَنْ لَا يَقُولُوا﴾ تنبيهٌ على عظم ما يرتكبونه. * * * (١٧٠) - ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ تعريضٌ بأنهم لا يمسِّكون بالكتاب إذ يخالفونه، وأنهم لا يصلُّون، وتخصيصُها بالذكر لأنها عماد الدِّين وأمُّ العبادات. والجملة عطف على ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، و ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ اعتراض بينهما، و (٣): ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ اعتراضٌ آخر.

стр. 1650

أو مبتدأ خبره (١): ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾؛ أي: منهم، أو على وضع الظاهر موضع الضمير تنبيهًا على أن الإصلاح كالمانع من التضييع، وإيماءً إلى أنهم مفسدون بما يفعلون. أو استئنافٌ لتعليل الخبر المحذوف (٢)، كأنه قيل: نوفيهم أجورهم لأنا لا نضيع أجر المصلحين (٣). * * * (١٧١) - ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾؛ أي: فلَقْناه من الأصل ورفعْناه. ﴿فَوْقَهُمْ﴾ يقال: نتَقتِ الدابةُ صاحبَها حين تعدوا به؛ أي: حرَّكته ورفعته. ﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ في موضع الحال من ﴿الْجَبَلَ﴾، والظلَّة: كلُّ ما أظلَّ من سَقيفة أو سَحابٍ، وقرئ بالطاء المهملة من أَطَلَّ: إذا أشرف (٤). ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾: ساقطٌ عليهم، وذلك أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لثِقَلها، فرفع الله تعالى الطُّور فوقهم وقيل لهم: إن قبلتُم (٥) ما فيها وإلا ليقعنَّ (٦)
следующие страницы →