﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: وفرَّقناهم في أقطارها بحيث لا يخلو قطرٌ منهم، تتميماً لإدبارهم حتى لا يكون لهم شوكةٌ بالاجتماع.
﴿أُمَمًا﴾ مفعولٌ ثانٍ أو حالٌ.
﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ﴾ الذين آمنوا [بالمدينة] ونظراؤهم (١)، و ﴿الصَّالِحُونَ﴾ فاعلٌ للظرف لاعتماده على الموصوف، أو مبتدأ و ﴿وَمِنْهُمْ﴾ خبرُه والجملة صفة لـ ﴿أُمَمًا﴾.
﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ ﴿دُونَ﴾ صفةٌ لمبتدأ محذوف؛ أي: ومنهم ناسٌ دون ذلك الوصف منحطُّون عن درجة الصلاح، وهم الفَسَقة والكَفَرة (٢).
﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾: بالنِّعم والنِّقم ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ عما كانوا عليه بالانتهاء.
* * *
(١٦٩) - ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾: من بعد المذكورين ﴿خَلْفٌ﴾ بدلُ سوءٍ، وهو مصدرٌ
стр. 1647
نُعت به، ولذلك يستوي فيه الواحد والكثير، وقيل: جمع، قال ثعلبٌ: الناس كلهم يقولون: خَلَفُ صِدْقٍ، للصالح، و: خَلَفُ سوءٍ، للطالح.
وكأنه غافل عن قول حسَّان في المدح:
لنا القَدَمُ الأولى إليكَ وخَلْفُنا … لأوَّلنا في طاعةِ الله نافعُ (١)
والمراد به: الذين كانوا في عصر رسول الله ﷺ .
﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾: التوراةَ من أسلافهم يقرؤونها ويقفون على ما فيها ولا يعملون.
وفي عبارة ﴿وَرِثُوا﴾ إشارة إلى أنها وصلت إليهم بلا استحقاقٍ منهم كما يصل المال الموروثُ من المورِّث الصالح إلى الوارث الطالح.
﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾؛ أي: حطامَ هذا الشيء الأدنى، وهو ما يأخذونه من الرُّشا في الأحكام، وعلى تحريفِ الكلِم للتسهيل على العامة.
و ﴿الْأَدْنَى﴾: إما من الدنوِّ بمعنى القُرْب؛ لأنَّ الشيء الحقيرَ سهلُ التناول قريبُ المأخذ، وإما من الدناءة بمعنى الخسَّة والمراد به الدنيا وما يُتمتَّع به منها.
والإشارة بـ ﴿هَذَا﴾ لمزيد التحقير، والجملة حالٌ من ضمير ﴿وَرِثُوا﴾، أو صفةٌ بعد صفةٍ.
﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ﴾؛ أي: إذا عُوتبوا على ذلك اعتذَروا بما يَرْجونه من سَعة رحمة الله تعالى، ويقولون: لا يؤاخِذُنا الله تعالى بما أَخذْنا وَيتجاوز عنا (٢)، وهو يَحتمِل العطفَ والحالَ، والفعلُ مسنَدٌ إلى الجارِّ والمجرور، أو إلى مصدرِ ﴿يَأْخُذُونَ﴾.
стр. 1648
﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ حال من الضمير في ﴿يقولونَ﴾؛ أي: يرجُون المغفرة جازِمينَ بها وهم مصرُّون على ذنوبهم لا يتوبون عنها.
﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ﴾؛ أي: العهدُ الذي في التوراة.
﴿أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ عطفُ بيان للميثاق، أو متعلِّق به؛ أي: بأنْ لا يقولوا؛ أي: لا يفتروا على الله تعالى، وهو القطع بالمغفرة مع الإصرار على الذنب، وهو خلاف ميثاق الكتاب.
ويجوز أن تكون ﴿أَنْ﴾ مفسِّرةً، و ﴿لَا يَقُولُوا﴾ نهيًا؛ كأنه قيل: ألم يقل لهم أنْ لا يقولوا .. إلى آخره.
وإنْ فسِّر الميثاق بما بيِّن فيه - وهو أنَّ مَن ارتَكب ذنبًا عظيمًا لا يُغفر إلا بالتوبة - كان ﴿أَنْ لَا يَقُولُوا﴾ مفعولًا له؛ أي: لئلا يقولوا.
﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ الظاهر أنه عطفٌ على ﴿وَرِثُوا﴾، وقوله: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ﴾ اعتراضٌ أو حالٌ بتقدير (قد).
وقيل: عطفٌ على ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ﴾ من حيث المعنى لأنَّه تقرير له؛ كأنه قيل: أُخذ عليهم ميثاقُ الكتاب ودرَسوا ما فيه.
ومعنى الهمزة في ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ﴾ تقريعٌ وتوبيخٌ على أخذ الرشوة والقطعِ بالمغفرة، ولهذا (١) قُبحَ فعلهم بوجوه:
أولها: أنه خلاف ميثاق الكتاب.
الثاني: أنه افتراء على الله تعالى.
стр. 1649
الثالث: التأكيد بقوله: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾؛ أي: من اشتراط التوبة في غفران الذنب (١).
الرابع: قوله: ﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾؛ أي: من ذلك العَرَض الخسيس ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الرُّشا، وهو تعريض بأنهم يستحبُّون الدنيا على الآخرة ويستبدلونها بها.
ثم التأكيد بقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: أيأخذون العَرَض الحقير فلا يعقلون أن الدار الآخرة خيرٌ فلا يبيعون الشريف الباقي بالخسيس الفاني.
وقرئ: ﴿تَعْقِلُونَ﴾ بالتاء على الالتفات (٢).
وفي الإبهام بقوله: ﴿أَنْ لَا يَقُولُوا﴾ تنبيهٌ على عظم ما يرتكبونه.
* * *
(١٧٠) - ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ تعريضٌ بأنهم لا يمسِّكون بالكتاب إذ يخالفونه، وأنهم لا يصلُّون، وتخصيصُها بالذكر لأنها عماد الدِّين وأمُّ العبادات.
والجملة عطف على ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، و ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ اعتراض بينهما، و (٣): ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ اعتراضٌ آخر.
стр. 1650
أو مبتدأ خبره (١): ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾؛ أي: منهم، أو على وضع الظاهر موضع الضمير تنبيهًا على أن الإصلاح كالمانع من التضييع، وإيماءً إلى أنهم مفسدون بما يفعلون.
أو استئنافٌ لتعليل الخبر المحذوف (٢)، كأنه قيل: نوفيهم أجورهم لأنا لا نضيع أجر المصلحين (٣).
* * *
(١٧١) - ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾؛ أي: فلَقْناه من الأصل ورفعْناه.
﴿فَوْقَهُمْ﴾ يقال: نتَقتِ الدابةُ صاحبَها حين تعدوا به؛ أي: حرَّكته ورفعته.
﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ في موضع الحال من ﴿الْجَبَلَ﴾، والظلَّة: كلُّ ما أظلَّ من سَقيفة أو سَحابٍ، وقرئ بالطاء المهملة من أَطَلَّ: إذا أشرف (٤).
﴿وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾: ساقطٌ عليهم، وذلك أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لثِقَلها، فرفع الله تعالى الطُّور فوقهم وقيل لهم: إن قبلتُم (٥) ما فيها وإلا ليقعنَّ (٦)
стр. 1651
عليكم، وهذا لا يقتضي تيقُّنهم بوقوع الجبل بهم، وكذا عدمُ ثبوت الجبل في الجوِّ لا يقتضيه؛ لأنَّه على جَرْي العادة، وأما على تقدير خَرْقها (١) فلا بُعد فيه، وعدمُ وقوع المتعلّق لا يصلح وجهًا لإطلاق الظن على الاعتقاد الجازم، لعدم الفرق بينهما في عدم الاقتضاء بوقوعه، فالوجه أن يكون الظنُّ هنا على حقيقته (٢).
﴿خُذُوا﴾ على إضمار القول، أي: وقلنا: خذوا، أو قائلين: خذوا ﴿مَا آتَيْنَاكُمْ﴾ من الكتاب ﴿بِقُوَّةٍ﴾: بجِدٍّ وعزم على احتمالِ تكاليفه ومشاقِّه، وهو حال من الواو.
﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ بالعمل فيه ولا تتركوه كالمنسيِّ.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ما أنتم عليه من قبائح الأعمال ورذائل الأخلاق.
* * *
(١٧٢) - ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾.
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾؛ أي: أَخرج من أصلابهم بَنيهِم على ما يتولَّدون قرنًا بعد قرن، ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ بدل من ﴿بَنِي آدَمَ﴾ بدلَ البعض، والضميرُ لآدم ﵇ وبنيهِ لا لبنيهِ خاصةً، ولا يلزم إخراجُ أولاده من حيِّز (٣) الإرادة، وأما عيسى ﵇ فخارجٌ من ظهر جدِّه بواسطة أمِّه.
стр. 1652
﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾؛ أي: نَصَب لهم دلائلَ رُبوبيَّته، وركَّب في عقولهم ما يَدْعوهم إلى الإقرار بها، حتى صاروا بمنزلةِ مَن قيل لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ ونزَّل تمكينَهم من العِلم بها وتمكُّنهم منزلةَ الإشهاد والاعتراف على طريقة التمثيل، ويدلُّ عليه قوله:
﴿قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ (بلى) في سؤال النفي إثباتٌ، فكان إقرارًا والإقرارُ بدون الاعتقاد لا يكون شهادة، ولهذا ردَّ الله تعالى قول المنافقين قالوا: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] فالتصديق ثبت بمقتضى قولهم: ﴿شَهِدْنَا﴾.
﴿أَنْ تَقُولُوا﴾؛ أي: كراهةَ أنْ تقولوا ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ لم نتنبَّه (٤) عليه.
* * *
(١٧٣) - ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾.
﴿أَوْ تَقُولُوا﴾ عطفٌ على ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾، وقرئ كلاهما بالياء (٥) على ما دَل عليه (٦) أول الكلام من الغيبة.
﴿إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ فاقتدينا بهم (٧)؛ لأن التقليد عند قيام الدليل والتمكُّن من العلم به لا يَصلح عذرًا.
стр. 1653
﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾؛ أي: أبعدَ تأسيس آبائنا الشركَ المبطلِين، وجَعْلِهم إياه سنةً لنا تُهلكنا بما فعلوه؟!
وقيل: لمَّا خلق الله تعالى آدم ﵇ أخرج من ظهره ذرِّيةً كالذَّرِّ، وأحياهم وجعل لهم العقل والنطق، وألهمهم ذلك، لخبرٍ رواه عمرُ ﵁ (١).
والمقصود من إيرادِ هذا الكلام هنا إلزامُ اليهود مقتضَى (٢) الميثاق العامِّ بعدما ألزمهم بالميثاق المخصوص بهم، والاحتجاجُ عليهم بالحجج السَّمعية، ومنعُهم عن التقليد، وحملُهم على النظر والاستدلال كما قال:
(١٧٤) - ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومِثْلَ ذلك التفصيلِ البليغ ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ قطعًا لعذرهم ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾؛ أي: نَميز بعضَها عن بعضٍ ليتمكَّنوا (٣) من الاستدلال، ويرجعوا عن التقليد واتِّباع الباطل، والواو للعطف لمقدَّر نبَّهنا عليه.
* * *
стр. 1654
(١٧٥) - ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾.
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على اليهود ﴿نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ هو أحد علماء بني إسرائيل، وقيل: من الكنعانيين، اسمه بَلْعَمُ بنُ باعُوراءَ، أُوتي علمَ بعض كتب الله تعالى.
﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ بأنْ كذبها (١) وخرج عن حُكمها.
﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ خطواتِه، أي: جعَله تابعًا له، وقيل: استَتْبعه، أو: أتبعه ليُضلَّه، فأدركه ولحقه وصار قريناً له.
﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾: فصار من الضالين.
وقيل: هو أمية بن أبي الصَّلت، كان قد قرأ الكتب، وعلِم أن الله تعالى مرسل في ذلك الزمان رسولًا، وتوقَّع أن يكون هو، فلما بُعث محمد ﷺ حسده (٢) وكفر به.
* * *
(١٧٦) - ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾، أي: إلى منازل الأبرار من العلماء؛ لأن مراد الله تعالى لا يتخلَّف، ولكن حكمته اقتضتْ أن يُتبع إرادتَه اختيارَ العبد.
стр. 1655
وأُشير إلى هذا حيث قال في موقع (ولكنْ لم نشأ): ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ فذَكر فِعل العبد لا فِعله؛ أي: مال إلى الدنيا وإلى السَّفالة.
﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ في إيثار الدنيا واسترضاءِ قومه، وأعرض عن مقتضى الآيات.
نسب إيتاء الآيات إلى الله تعالى، وخروجَه عن حكمها إليه؛ إشعارًا بأن الكل إنما يكون بحسب استعداد العبد بإعطاء (١) أسباب الكمال، ولكنه بحسب استعداده إلى الجهة السفلية خرج عن حكمها فناسب الشيطان فأغواه فشَقي بها، وعلَّق رفعَه بمشيئة الله تعالى واستدرك عنه بفعل العبد تنبيهًا على أن المشيئة سببٌ لفعله الموجِب لرفعه، وأن عدمه دليلُ عدمها، لاستلزامِ انتفاءِ المسبَّب انتفاءَ السبب، وأن السبب الحقيقيَّ هو المشيئة، وأن الأسباب وسائطُ في حصول المسبَّب إذا تعلقت المشيئةُ به كذلك، ووضع قوله: ﴿أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ موضع: أعرض عنها؛ إقامةً للسبب مقام المسيَّب، مبالغةً وتنبيهًا على أن موجِبَ إعراضه هوى (٢) النفسِ وحبُّ الدنيا، وأنَّه رأس كلِّ خطيئة.
وكان مقتضى الظاهر أن يقول: ولكنه أخلد إلى الأرض فحطَطْناه، في مقابلةِ: (رفعناه)، فوَضَع قوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ موضعَ فحططناه أبلغَ حطٍّ وأذلَّه مبالغةً؛ أي: صفتُه كصفة الكلب - الذي هو مَثَلٌ في الخسةِ - في أخسِّ أحواله وأذلِّها، وهو دوام اللَّهَثِ سواءٌ حُمل عليه وهِيج أو تُرك ولم يُهَجْ، على ما ذَكر بقوله:
﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ فإنه دائمًا يلهث لضعف قلبه
стр. 1656
وحرارته، بخلاف سائر الحيوانات فإنه يلهث عند التحريك والإزعاج ولا يلهث عند التوريع والإحمام (١).
واللَّهَث: هو إدلاعُ اللسان من النَّفَس الشديد الذي يَلحَقُ الإنسان وغيرَه من شدَّة الإعياء، وهو في الكلاب طبعٌ، وقد يكون من العطش.
محل الجملة الشرطية النصبُ على الحال؛ أي: كمَثَل الكلب لاهثًا في الحالين.
والمراد من التمثيل: أن الاستعداد الخبيث لا يكون من موجِبات الترقِّي (٢) وأسبابِ الكمال والسعادة، بل يزيده (٣) نقصًا وانحطاطًا وشقاوة، كما لا تنفعه الآيات بل زادته رجسًا إلى رجسه.
وجه (٤) التمثيل: أن إيتاء الآيات وأسبابَ السعادات كالتوريع والإحمام، وضلالَه واستعدادَه كلَهَث الكلب وطبيعتِه، ولهذا قيل: معناه: إنْ وعظْتَه فهو ضالٌّ، وإن لم تَعِظْه فهو ضالٌّ.
﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ يعني: لا اختصاص للتمثيل المذكور بالذي ورد في حقِّه، بل يَعُمُّه وأمثالَه من المكذِّبين بآياتنا، كما لا اختصاص للأحكام النازلة بأسبابِ نزولها، ومن هنا يتَّضح وجه التفريع في قوله:
﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾ المذكورة المشتمِلة على التمثيلات المشبِّهة لمَن حالُه كحالهم.
стр. 1657
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيه فيتَّعِظون به ويحذَرون مِثلَ عاقبته.
* * *
(١٧٧) - ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾.
﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ ﴿سَاءَ﴾ بمعنى: بئس، وأصلُها التعدِّي، تقول: ساءني الشيء يَسُوءني، ثم لمَّا استعملت استعمالَ (بئس)، بُنيت على (فَعُلَ) وجرت عليها أحكام (بئس).
و ﴿مَثَلًا﴾ تمييز للضمير المستكنِّ في ﴿سَاءَ﴾ فاعلًا، وهو مفسَّر بهذا التمييز، وهو من الضمائر التي يفسِّرها ما بعدَها، ولا بد أن يكون المخصوصُ بالذم من جنس التمييز، فاحتيج إلى تقديرِ مضافٍ (١): إما في التمييز، أي: ساء أصحابُ مَثَلِ القوم، وإما في المخصوص، أي: ساء مَثَلًا مَثَلُ القوم، وهذه الجملةُ تأكيدٌ للجملة السابقة.
﴿وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ بعد قيام الحجة وعِلمهم بها، إمَّا معطوف على ﴿كَذَّبُوا﴾ فيكون في حيِّز الصلة، أي: الذي جمعوا بين التكذيب والظلم على أنفسهم، وإمَّا كلام منقطِعٌ عن الصلة اعتراضًا للبيان؛ أي: وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسَهم؛ لأن وباله لا يتعدَّى إلا إليها، ولهذا التخصيصِ قدِّم المفعول، وهذا الأخيرُ أحسن.
﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ لمَّا تقدَّم ذكر المهتدِين والضالِّين أَخبر تعالى أنه المتصرّف فيهم بما شاء من هدايةٍ وضلال، وفيه تصريحٌ بأن الاهتداء مخصوصٌ بمَن يهدي اللهُ تعالى، وتنزيلٌ (٢) للهداية التي
стр. 1658
لم يترتَّب عليها الاهتداءُ منزلةَ العدم، وأما اختصاصُ هداية الله تعالى ببعضٍ دون بعضٍ، واستلزامُها للاهتداء، فيردُّه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] (١).
وفي الإفراد في الأول والجمعِ في الثاني - لاعتبار اللفظ في الأول والمعنى في الثاني (٢) - والتغيرِ (٣) عن لفظ الضالين تنبيهٌ على أن المهتدين كنفسٍ واحدةٍ لاتحاد طريقهم، بخلاف الضالين فإن لهم طرقاً لا تنحصر، وأن اجتماعهم لا يُجدي نفعًا في دفع الخسران اللازم لضلالتهم.
وفي الاقتصار في الإخبار عمَّن هداه الله تعالى بالمهتدين تعظيمٌ لشأن الاهتداء، وبيانُ أنه في نفسه كمالٌ تامٌّ لو لم يكن لكَفَى نفعًا جليلًا وربحًا وافيًا؛ لأنَّه المستلزم للفوز الأكبر، والعنوانُ لجميع الكمالات.
* * *
(١٧٩) - ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾: خَلَقْنا ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ لمصلحته؛ فإنه مظهر (٤) جلال الله تعالى
стр. 1659
وقهره فلا يناسب الحكمَ تعطيلُه، وفيه تنبيهٌ على سبب خلقه تعالى مَن لا حظ له في (١) الاهتداء.
﴿كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ قدَّم الجنَّ على الإنس لأن الكلام في مقام التحقير والإذلال، وهم المطبوع على قلوبهم الذين علم الله أنه لا تَنجَع فيهم الدعوة إلى الحق والآيات.
﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ إذ لا يُلقُون أفهامَهم إلى النظر في الدلائل، ولا أذهانَهم إلى طلب الحق ومعرفته.
﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾، أي: لا ينظرون بها نظرَ اعتبارٍ إلى ما خلق الله تعالى.
﴿وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ آياتِ الله تعالى سماعَ تدبُّر وتأمُّل، فكأنه لا إدراكَ لقلوبهم ومشاعرهم.
﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ﴾ لمَّا لم ينتفِعوا (٢) بقلوبهم ومشاعرهم جعَلَها مسلوبةَ الفهم الإدراك ثم شبَّههم بالأنعام في عدم الفقه والاعتبار والفهم، أو في أن مشاعرهم لا تتوجه إلا إلى اللذات الحسِّية وأمورِ المعاش، لا تطمح أبصارهم ولا تلتفت بصائرهم إلى أمور المَعاد.
﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾؛ لأنها مع عدم العقل تجتنِبُ المضارَّ وتجلبُ أسباب المسارّ، بخلاف الكفار فإنهم على عكس هذا، كيف وهم يصرُّون على الكفر والإنكار؟ والإصرارُ يُورثُهم الإضرار في هذه (٣) الدار ودارِ القرار.
стр. 1660
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾: الكاملون في الغفلة، بيَّن به سببَ كونهم أضلَّ من الأنعام، وهو الغفلةُ عما أَعد الله تعالى لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب.
وفي الآية تعريضٌ لليهود ببيان ما هو صورة حالهم.
* * *
(١٨٠) - ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ التي هي أحسنُ الأسماء؛ لدلالتها على المعاني التي هي أشرفُ المعاني.
﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ لا بغيرها، ولا تدعو غيرَه بها (١).
﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾: واتركوا تسميةَ الذين يَميلون في أسمائه عن الحقِّ إلى الباطل فيسمُّونه بما لا توقيفَ فيه، أو بما يوهم معنًى فاسدًا، كقول أهل البدو: يا أب المكارم، يا أبيض الوجه، أو الذين يَزيغون في أسمائه فيُطلقونها على غيره تعالى، كقولهم: ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، فلا تبالوا بإنكارهم وإلحادهم (٢)، أو ذروهم وإلحادَهم في إطلاقها على أصنامهم لتسميتهم آلهةً، أو اشتقاقهم أسماءها منها كاللات من الله، والعزى من العزيز، فلا توافقوهم فيها وأعرضوا عنهم فإن الله تعالى مُجازيهِم كما قال:
﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ والتركيب على هذا الوجه أدلُّ.
стр. 1661
وقرئ: ﴿يَلْحَدون﴾ بالفتح (١)؛ يقال: لَحَدَ وأَلحَدَ: إذا مال عن المقصد.
ولمَّا قال ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا﴾ كالضالِّين الغافلين والملحدين قفَّاه بما دلَّ على أنه خلَق للجنة كثيرًا وهو قوله:
* * *
(١٨١) - ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾.
﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ في الحكم؛ أي: في كلِّ قرنٍ طائفة بهذه الصفة؛ لقوله ﵇: "لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي على الحقِّ إلى أنْ يأتيَ أمرُ الله" (٢)، ففيه دلالةٌ على صحة الإجماع.
* * *
(١٨٢) - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾؛ أي: بآيات الله التي تضمَّنها القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ [القلم: ٤٤].
والمراد من الاستدراج: الاستدناءُ إلى الهلاك قليلًا قليلًا، يقال: دَرَج الكتابَ؛ أي: طوَاه شيئًا بعد شيء.
قال الخليل: أي: سنطوي عمرهم في اغترارٍ منهم (٣). فهو من الدَّرْج بمعنى اللفِّ، ومنه أُدرِج الميت في أكفانه.
стр. 1662
وقيل: هو من الدَّرَجة، فهو في الأصل: التقريب من المقصود درجةً درجةً بالإصعاد أو الإهباط، ثم اتُّسع فأُطلق على التقريب منه قليلًا قليلًا (١) ومنه: دَرَج الصبي، إذا قارَبَ بين خطاه.
والفرقُ بين المعنيين واضح وإن اشتبه على مَن ذكر المعنى الثانيَ وقال: ومنه دَرَج الكتابَ (٢).
﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنه استدراج، حيث جدَّد لهم النعمة كلما (٣) جدَّدوا ما يستحقُّون به النِّقمة، فاغترُّوا به: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤].
* * *
(١٨٣) - ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾.
﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ وأُؤخِّرُ عذابهم، من المليِّ ثقيلةَ الياء؛ يقال: مضى عليه مَلِيٌّ من الدهر وملَاوةٌ - بفتح الميم وضمِّها وكسرها -؛ أي: قطعة منه، عطفٌ على ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ لا على (نستدرجهم)؛ إذ لا حاجة إلى إدخاله في حكم السين، فإن الإملاء يَلزمُه الاستدراج المذكور لزوماً بيِّناً، فتأكيده يُغني عن تأكيد هذا، فمَن قال: عطفٌ على ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ (٤)، ثم قال: وهو داخل في حكم السين، فقد أخطأ مرتين.
стр. 1663
وإنما لم يقل: نملي لهم، على وفق ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ للفرق بينهما، فإن الاستدراج بالتدبير العادي الذي توسَّط فيه المدبِّراتُ أمراً، والإملاء بالتقدير الإلهي الذي لا دخل فيه لأحد.
﴿إِنَّ كَيْدِي﴾ الكيد: الأخذ على خفاءٍ، فإطلاقُها هنا على الحقيقة لا على التشبيه؛ كما زعمه مَن قال: وإنما سماه كيدًا لأنَّه على صورته، ولا يُعتبر فيه إظهار خلافِ ما أبطنه، وبه يفارق المكرَ، فإنه يشارك الكيدَ في الأخذ المذكور، ويمتاز عنه باشتماله القيدَ المذكور.
﴿مَتِينٌ﴾: شديد قوي، أصله من المَتْن، وهو اللحمُ الغليظ الذي على جانب الصُّلب، وهما متنان.
* * *
(١٨٤) - ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ الاستفهامُ للتعجب، والواو للعطف على محذوف تقديره: ألم يعلموا ولم يتفكَّروا.
﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ﴾ يعني: محمدًا (١) ﷺ .
﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾؛ أي: جنونٍ، من مسِّ الجن، وكانوا يقولون فيه ﵇: شاعر مجنونٌ، بالَغَ في نفي الجنون عنه ﵇ بنفي الحقيقة منكِّرًا قاصدًا بتنكيرها التقليلَ (٢)؛ أي: ليس به ﵇ شيءٌ من الجِنَّة، وبزيادة ﴿مِنْ﴾ الدالةِ على نفي (٣)
стр. 1664
ما ينسب إليها أيضًا وإن لم يكن منها حقيقةً. وفي تقديم ﴿بِصَاحِبِهِمْ﴾ تعريضٌ لهم، وفي عبارة (١) الصاحب إليهم إشارةٌ إلى أنه لو كان به ﵇ تلك الحال لَمَا خَفِيَتْ عليكم؛ لِمَا بينكم (٢) من المصاحَبة والمخالطة.
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ عن قتادة: أن النبي ﷺ علا الصَّفا فدعاهم فخذًا فخذًا يحذِّرهم بأس الله تعالى، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنونٌ بات يصوِّت إلى الصباح، فنزلت (٣).
فالمعنى: ما هو ﵇ في تلك الحالة (٤) إلا منذر ﴿مُبِينٌ﴾: موضحٌ إنذارَه بأعلى صوت.
* * *
(١٨٥) - ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ نظرَ استدلال ﴿فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: فيما يدلَّان عليه من عظم ملكه، أو فيما يملك به السماوات والأرض من ملكوتيَّاتهما.
الملكوت: الملك العظيم، أو الملائكة؛ أي: جنسِ الملائكة المدبِّرة (٥) لهما بأمره تعالى.
стр. 1665
ثم إنه لم يقتصِر على الحثِّ على النظر في الملكوت، بل نبَّه على أن كلَّ فردٍ من الموجودات محلٌّ للنظر والاعتبار والاستدلال على وجود الصانع ووحدانيَّته، كما قيل:
وفي كلّ شيءٍ له آيةٌ … تدلُّ على أنه واحدُ (١)
فقال: ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾: وفيما خلق الله تعالى من كلِّ ما يقع عليه اسم الشيء مما لا يمكن حصرُه؛ ليدلَّهم على كمال قدرة صانعها ووحدةِ فاطرها، وعِظَم شأن مالكها ومدبِّرها، فيعلمون صحةَ ما يدعوهم إليه، وفي إمكان اقتراب أجلهم - فعلَّهم (٢) يموتون عن قريبٍ - فيسارعون إلى النظر فيما يهديهم إلى الحق، ويبادرون من العمل إلى ما ينجيهم من العذاب قبل مغافَصة (٣) الأجل وحلول العقاب، على ما ذكره بقوله:
﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ عطف على ﴿مَلَكُوتِ﴾، و (أنْ) مخفَّفة من الثقيلة، أصله: أنه، والضمير فيها وفي ﴿يَكُونَ﴾ ضمير الشأن والحديثِ؛ أي: وفي أنَّ الشأنَ عسى أن يكون قد اقترب أجلهم، ولا يجوز أن تكون مصدريةً؛ لأنهم نصُّوا أنها تُوصَل بفعلٍ متصرِّفٍ، و (عسى) فعل جامدٌ فلا يجوز أن يكون صلةً لـ (أنْ).
ويجوز أن يراد باقتراب الأجل اقترابُ الساعة.
﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾؛ أي: بعد القرآن.
﴿يُؤْمِنُونَ﴾ متعلِّق بـ ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ﴾؛ أي: لعل أجلهم قد اقترب فما بالُهم
стр. 1666
لا يبادرون إلى الإيمان بالقرآن قبل الفوت؟ وماذا ينتظرون بعد وضوحه ولزوم الحجة عليهم؟
وقيل: فواتُه ما هو إلا لكونهم مطبوعًا على قلوبهم.
لمَّا أرشدهم إلى الاستدلال، وحرَّضهم (١) على النظر في إمكان قُرب الأجل، أنكر عليهم التثبُّط عن (٢) الإيمان، ثم قرَّر معنى الإنكار وما يلزمُه وعلَّل ذلك بقوله:
(١٨٦) - ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ نفى نفيًا عامًّا أن يكون هادٍ لمَن أضلَّه الله تعالى، فتضمَّن اليأسَ من إيمانهم والمقتَ لهم.
﴿وَنَذَرُهُمْ﴾ بالرفع اعتراضٌ للبيان؛ أي: وهو يذرهم (٣)، وقرئ: ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ بالياء، لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾، وقرئ به وبالجزم عطفًا على محل ﴿فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾، كأنه قيل: لا يَهْدِه أحدٌ غيره وَيذَرْهم (٤).
﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾: في إفراطِ ترفُّعهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾ مهو حال منهم.
* * *
стр. 1667
(١٨٧) - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾، أي: عن يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الذاريات: ١٢] وهو من الأسماء الغالبة، وإطلاقها على ذلك اليوم: أمَّا لوقوعها بغتة، أو لسرعة حسابها، أو لأنها على طولها كساعةٍ عند الله تعالى.
وقيل: أصلها: ساعة قيام الناس، بالإضافة، فلما غَلبتْ تعيَّنتْ فاستَغْنتْ عن الإضافة، وعلى هذا لا حاجة إلى وجه التسمية.
﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ ﴿أَيَّانَ﴾ بمعنى: متى، قيل: اشتقاقه من (أيٍّ) وهو من أَوَيتُ (١)، لأن البعض آوٍ إلى الكل.
ويمكن أن يكون تركيبُها من (أيَّ) مع الآن (٢)، فركَّبتْها له (٣)؛ لأن معناه: أيَّ وقتٍ.
﴿مُرْسَاهَا﴾ مصدر، أي: إرساؤها (٤)، أو اسمُ زمان، والإرساء: الإثبات، من الرُّسوِّ، وهو ثباتُ جسم ثقيلٍ وقرارُه، ومنه: رسا الجبل، ولا أثقل من الساعة.
стр. 1668
كان النبيُّ ﷺ يدعوهم إلى الإيمان والطاعة، وينهاهم عن الكفر والمعصية، ويحذرهم قيام الساعة، فقالوا: متى هي؟
﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ استأثره به لم (١) يُطْلِع عليه ملَكًا مقرَّبًا ولا نبيًّا مرسلًا.
لمَّا كان السؤال عن الساعة عمومًا، ثم خصِّص بالسؤال عن وقتها، جاء الجواب عنها عمومًا بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ ثم خصِّص من حيث الوقت فقيل:
﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾؛ أي: لا يبيِّنها ولا يكشفُ أمرها للناس، واللام للتأقيت كما في ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، والمعنى: إن الخفاء بها مستمرٌّ على غيره إلى وقت وقوعه، ولا يُظهرها إلا في ذلك الوقت الذي تقع فيه بغتةً بنفس الوقوع لا بالإخبار عنها؛ ليكون أَدْعَى إلى الطاعة وأَنْهَى عن المعصية، كإخفاء الأجل الخاصِّ الذي هو وقت الموت.
﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: ثقُلت وكبُرت على أهلها من الملائكة والثَّقَلين، لشدة هولها وعظَمها، كأنه إشارةٌ إلى حكمة إخفائها، أي: لا يطيقون حمل إخبارها، أو: ثَقُلَ إخفاؤها عليهم، فإن ما خَفِيَ أمرُه ثقل على النفوس.
﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾: فجأةً على غفلةٍ منكم؛ كما قال: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩].
وقد ورد في الحديث: "إن الساعةَ تَهِيجُ بالناس والرجلُ يُصْلِحُ حوضَه، والرجل يسقي ماشيتَه، والرجل يقوِّمُ سلعته في السوق، والرجل يَخفضُ ميزانَه ويرفعُه" (٢).
стр. 1669
﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ أي: عن الساعة ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾، حَفِيَ عن الشيء: إذا بالغ في السؤال عنه، والتركيبُ للمبالغة، ومنه إحفاءُ الشارب، واحتفاءُ (١) البقل: استئصاله، وأحفى في المسألة: إذا أَلْحفَ، فالمعنى: عالمٌ بها علمًا متقَنًا لأن مَن بالَغَ في المسألة عن الشيء استَحْكَم علمُه [فيه] وأَتقن، ولهذا عُدِّي بـ (عن)؛ أي: كأنك بليغ في السؤال عنها حتى أحكَمْتَ علمَها.
وقرئ: (حفيٌّ بها) (٢)؛ أي: عليمٌ بليغ في العلم بها.
﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ كرَّره بتكرير ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ لِمَا نِيطَ به من زيادةِ قوله: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ للتأكيد والمبالغة.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ (٣) علمَها عند الله تعالى لم يؤتهِ أحدًا مِن خَلْقه.
* * *
(١٨٨) - ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾: جلبَ نفعٍ ودفعَ ضرٍّ، وهو إظهار العبودية، وتبرّأ عما يختصُّ بالربوبية من علم الغيب؛ أي: كسائر المماليك والعبيد لا أملك لنفسي شيئًا ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ من ذلك فيُلهمني إياه ويوفِّقني له.
﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾: ولو كنت أعلمه
стр. 1670
لخالفت حالي (١) ما هي عليه؛ من استكثار الخير باجتلاب المنافع، والاستخلاصِ عن الشر باجتناب المضارّ، كما هو مقتضى طبع البشر.
وفيه دلالة على أنه لا تأثير للتدبير، وإلا لمَا أَمكن التعبير (٢) بالتدبير على تقدير العلم بأسباب النفع والضر فتدبر، فإنه موضع النظر.
عن ابن عباس ﵄: قال أهل مكة: ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلوَ، فنشتريَ فنربح، وبالأرض التي تريد أن تُجدب فنرحلَ عنها إلى ما أخصب؟ فنزلت (٣).
﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾: إلا عبد أرسلت بشيرًا ونذيرًا.
﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون﴾ متعلِّق بالبشير، ومتعلَّق النذير محذوف للتعميم؛ لقوله تعالى: ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يونس: ٢]، والقوم مختصٌّ بالرجال فالبشارةُ عبارةً تختصُّ بهم، ودلالةً تعمُّ النساء حيث علِّلت بالإيمان، فإن ترتيب أمرٍ بموصوفٍ (٤) يدل على علِّيَّة الوصف له، وفيه تحريضٌ للكفار على الإيمان.
* * *
стр. 1671
(١٨٩) - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ هو آدم.
﴿وَجَعَلَ مِنْهَا﴾: من جنسها؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النحل: ٧٢].
﴿زَوْجَهَا﴾: حواءَ ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ سكونَ الشيء إلى جنسه، فيأنسَ بها ويطمئنَّ إليها، وإنما ذكَّر الضمير ذهابًا إلى المعنى، ليبيِّن أن المراد منها آدم، ويؤكِّدَ معنى الأنس والميل؛ لأن الذَّكر بالأنثى آنسُ وإليها أميلُ، وليناسب (١) قوله:
﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ التغشِّي كنايةٌ عن الجماع ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا﴾ الحمل بالفتح: ما كان في البطن (٢)، وبالكسر: ما كان على ظَهر.
﴿خَفِيفًا﴾ لكونه نطفةً، أو خفَّت عليها ولم تَلْقَ منها ما يلقى الحبالى غالبًا من الكرب والأذى.
﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾: فقامت به وقعدت، أي: تردَّدت به لخفَّته كما لم تكن تحبل، واستمرت به كما هو قراءةُ ابن عباس ﵄ (٣)؛ أي: لم تزلق ولم تسقط (٤) ولم تجزع.
стр. 1672
وقرئ بالتخفيف (١)، أي: فشَكَّت فيما أصابها: هل هو حملٌ أو مرض أو غيرهما؟
وقرئ: (فمارَتْ به) (٢)؛ أي: جاءت وذهبت وتصرَّفت؛ كما تقول: مارت الريح مورًا (٣).
﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾: صارت ذات ثِقْلٍ بكِبَر الولد في بطنها؛ أي: حان وقتُ وضعه.
وقرئ: (أُثْقِلَتْ) على البناء للمفعول (٤)؛ أي: أثقلها الحملُ.
﴿دَعَوَا اللَّهَ﴾ الضميرُ لآدم وحواء.
﴿رَبَّهُمَا﴾: مالكَ أمرهما، ومتعلَّق الدعاء محذوف يدلُّ عليه جملة جواب القسم.
﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾؛ أي: دَعَوَا الله ورَغِبَا إليه في أن يؤتيهما ولدًا سويًا قد صَلح بدنُه وكَمل خلقتُه.
стр. 1673
﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ لك على نعمائك، ويدخل فيه دخولًا أوليًا الشكرُ على هذه النعمة المجدَّدة (١).
* * *
(١٩٠) - ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا﴾ أي: جعل أولادهما ﴿لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ أي: أتى أولادهما فسمَّوا عبدَ العُزى وعبدَ منافٍ، على حذف المضاف وإقامةِ المضاف إليه مقامه، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
وكون الخطاب لغير آدم ﵇ يأباه قوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾.
وقرئ: ﴿شِرْكًا﴾ (٢)؛ أي: شركةً بأن أَشركا فيه غيرَه، أو: ذوي شرك؛ أي: شركاء.
* * *
(١٩١) - ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾.
﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ الاستفهام بمعنى التوبيخ ﴿مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (هم) ضمير الأصنام جيء به على تسميتهم إياها (٣) آلهةً.
* * *
стр. 1674
(١٩٢) - ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾.
﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ﴾ أي: لعبدتهم ﴿نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ فيدفعون (١) عنها ما يعتريها.
* * *
(١٩٣) - ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾.
﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ﴾؛ أي: المشركين ﴿إِلَى الْهُدَى﴾: إلى الإسلام ﴿لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾.
وقيل: الخطاب للمشركين، و (هم) ضمير الأصنام؛ أي: إن تدْعوهم إلى أن يهدُوكم لا يتَّبعوكم إلى مرادكم، ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله تعالى.
وقرئ: ﴿لا يَتْبِعوكم﴾ بالتخفيف (٢).
﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ قد مر ما يتعلق به في تفسير سورة البقرة ﴿أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ إنما لم يقل: أم صمتُّم؛ لأن المراد أن يقال: سواءٌ عليكم أأحدثتُم الدعاء أم أنتم على ما أنتم عليه من عادةِ الصمت عن دعائهم فإنهم جماداتٌ، وهو حَسَبَ حالهم لأنَّه إذا دَهمهم (٣) أمرٌ دعوا الله دون الأصنام؛ كقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ﴾ [الزمر: ٨] وفيه مبالغةٌ في عدم إفادة الدعاء من حيث هو مسوًّى بدوام الثبات على الصمات.
* * *
стр. 1675
(١٩٤) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: تعبدونهم وتسمُّونهم آلهة ﴿عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ من حيث إنها مملوكةٌ مسخَّرة، وإنما سمى الأصنام عِبادًا لأنهم كانوا يعتقدون أنها تَضرُّ وتنفع.
﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في أنها قادرة على النفع والضر.
وقيل: ذلك استهزاءٌ بهم؛ أي: قُصارى أمرهم أن يكونوا أحياءً عقلاءَ، فإن ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم لا تفاضُل بينكم، ثم أَبطل أن يكونوا عبادًا أمثالهم (١) بإثبات أنهم أعجزُ منهم، [فقال]:
(١٩٥) - ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾.
﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾. ويأباه الفصل بقوله: ﴿فَادْعُوهُمْ﴾ إلخ فإنَّ انتظامه مع سياق الكلام والتئامَه للمقام على الوجه الأول كما لا يخفى على ذوي الأفهام.
وقرئ: (إنِ الذين تَدْعون) بتخفيف (إنْ) ونصبِ (عبادًا) على أنها نافية عملت عملَ (ما) الحجازية فرفعت الاسم ونصبتِ الخبر، وفيه خلافٌ أجازه الكسائيُّ (٢)
стр. 1676
وأكثرُ الكوفيين، ومن البصريين ابنُ السَّرَّاج (١)، والفارسيُّ وابنُ جِنِّي (٢)، ومنعه الفرَّاء (٣) وأكثر البصريين واختلف النقل عن سيبويه (٤) والمبرد (٥)، والصحيحُ أنه لغةٌ ثبت في النظم والنثر (٦).
стр. 1677
﴿أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا﴾ قرئ بكسر الطاء وضمها (١)، وهما لغتان.
والبطش: الأخذُ بقوةٍ والقدرةُ على الإمساك، وبهذه الزيادة يكون الأخذ من خواصّ اليد من بين (٢) الأعضاء، كما أن المشي بما فيه من الزيادة على مطلق الحركة يكون من خواصِّ الرجل، وإعادةُ أداة الاستفسار على وجه الإنكار دون أداةِ الجمع؛ للإشعار باستقلال انتفاءِ الكلِّ منهما في الإبطال والإثبات المذكورَين آنفًا.
﴿أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ ﴿أَمْ﴾ منقطعة فتقدَّر بـ (بل) والهمزة، وهو إضراب على معنى الانتقال لا على معنى الإبطال، وإنما هو تقرير على نفي كلِّ واحدة من هذه الجملة، وتوجه النفي إلى الوصف لأنهم كانوا يصوِّرون هذه الأعضاء للأصنام.
﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ من بابِ وضعِ الظاهرِ موضعَ المضمَر للتهكُّم بعد إثبات عجزهم؛ أي: استعينوا بهم على الضر إليَّ.
﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾؛ أي: بالِغوا فيما تقدرون عليه من مكروهي (٣) أنتم وشركاؤكم.
﴿فَلَا تُنْظِرُونِ﴾: فلا تهملوني (٤) فإني لا أبالي بكم، وهذا غايةُ الوثوق على ولاية الله تعالى وحفظه، ولهذا قال بعده على سبيل التأكيد بـ ﴿إِنَّ﴾: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾
стр. 1678
الآيةَ، لمَّا كان بلوغُهم إلى الغاية في بذل الجهد متراخيًا عن الاستعانة المذكورة عطَفه (١) عليها بأداة التراخي، وكان عدم الإمهال مترتِّبًا (٢) عليه صدَّره بأداة التعقيب.
* * *
(١٩٦) - ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾.
﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾؛ أي: ناصري وحافظي اللهُ الذي أكرمني بما نزال القرآن عليَّ (٣) ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ ومن عادته أنه يتولَّى الصالحين من عباده (٤).
* * *
(١٩٧) - ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾؛ أي: من دون الله تعالى ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾؛ أي: إنهم عاجزون عن نصرة أنفسهم فضلًا عن نصرة غيرهم، أعاد بيان عجزهم لأن الأول للتقريع والثاني لتعميم (٥) التعليل لعدم مبالاتهم فلا تكرار.
* * *
стр. 1679
(١٩٨) - ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾.
﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا﴾ لأنها جمادٌ لا تحسُّ، وليس هذا موضعَ اشتباهٍ، بخلاف أمر النظر فإنهم صوَّروها بصورةِ مَن ينظر إلى مَن يواجهه، ولهذا قال:
﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ والحال أنه لا قدرةَ فيهم على الإبصار، فليس ما تراه على الحقيقة.
إنما تكرَّر القول في هذا وتردَّدت الآيات فيه لأنَّ أمر الأصنام وتعظيمِها كان متمكِّنًا من نفوس العرب في ذلك الزمان، ومستوليًا على عقولهم، فأطنب القول في ذلك من الله تعالى بهم (١).
* * *
(١٩٩) - ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾.
﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾؛ أي: السهلَ وما يتيسَّر (٢) من أفعال الناس وأخلاقهم من غير كلفةٍ، ولا تطلب منهم الجهد وما يَشُقُّ عليهم من التكاليف، من العفو الذي ضدُّ الجَهد (٣).
أو: الفضلَ من صدقاتهم وما يسهل عليهم ويتيسر لهم، وذلك قبل وجوب الزكاة.
﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾: بالمعروف المستحسَن من الأفعال والأقوال والأحوال.
﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾: ولا تكافئ السفهاء بمثل سفَههم، ولا تمارِهم واحْلُم عنهم، وأعرض عن المذنبين.
стр. 1680
وهذه الآية جامعةٌ لمكارم الأخلاق، روي (١) أنه ﵇ سأل جبريل ﵇ عن معنى هذه الآية، فقال: أَعطِ مَن حَرَمك، وصِلْ مَن قَطَعك، واعْفُ عمَّن ظَلَمك، وأَحْسِنْ إلى مَن أساء إليك (٢).
وقيل: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ : "يارب، كيف والغضب؟ " فنزل قوله:
(٢٠٠) - ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ (٣). (إمَّا) كلمتان: (إنْ) التي هي للشرط، و (ما) التي هي صلةٌ زائدةٌ، والنون للتأكيد.
والنزغ: الإزعاج بالتحريك إلى الشر؛ أي: اعترَض لك الشيطان بإفسادِ شيء من هذه الأخلاق التي أمرتك بها ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾: فاعْتَصِم (٤) به من الشيطان الرجيم.
﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ﴾ لكلامك ﴿عَلِيمٌ﴾ بمَرامك، كناية عن الاستجابة.
* * *
стр. 1681
(٢٠١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾: إن المؤمنين المتقين الله ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾: إذا نالهم وسوستُه (١).
قيل: كأنه: طافت بهم ودارت حولهم فلم تقدر أن تؤثِّر [فيهم] (٢).
ومبناه الغُفول عن دلالة المسِّ على التأثير (٣).
وقرئ: (طَيْفُ) (٤)، والطَّيف والطائف: ما ألمَّ بالإنسان من عوارض الشيطان.
وقرئ: (طيِّفُ) بتشديد الياء (٥)، قال الزجَّاج: طاف الخيال يَطيفُ: إذا ألمَّ به، وطاف عليهم يطوف، أي: دار (٦). ومَن جعَل هذا من الطوف الواوي قال: (طَيْفٌ) أصله: (طيِّفٌ) بالتشديد، ثم خُفِّف كالهيْن والهيِّن.
والمراد من الشيطان الجنس ولذلك جُمع ضميره.
﴿تَذَكَّرُوا﴾ ما أَمر الله به ونهَى عنه ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ بسبب التذكُّر مواقعَ الخطأ (٧) ومكائدَ الشيطان، فيحترزون عنها ولا يتَّبعونه فيها.
стр. 1682
والآية تقريرٌ لِمَا تقدَّم، وما فيه من وجوب الاستعاذة عند نزغ الشيطان، وبيانٌ أن المتقين عادتُهم إذا أصابهم أدنى نزغٍ وإلمامٍ (١) بوسوسته (٢) أن يستعيذوا ويتذكَّروا قبل أن يصير خاطرًا وجالت فيه النفس بالفكر.
* * *
(٢٠٢) - ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾.
﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ﴾، أي: إخوان الشياطين الذين لم يتَّقوا يمدُّهم الشياطين (٣) ﴿فِي الْغَيِّ﴾ بالتزيين والحمل عليه.
وقرئ: ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ (٤) من أَمَدَّ.
و: (يُمادُّونهم) (٥) كأنهم يعينونهم بالتسهيل والإغراء، وهؤلاء يعينونهم بالاتباع والامتثال.
﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾: لا يمسكون عن إغوائهم حتى يَردُّوهم، وهذا أشدُّ من الأول، ولهذا عطف عليه ﴿ثُمَّ﴾ (٦) المستعارة للتراخي في الرتبة.
ويجوز أن يراد بالإخوان الشياطين، والضمير المضاف إليه للجاهلين،
стр. 1683
فيكون الخبر جاريًا على ما هو له، والأول أوجه لأن ﴿إِخْوَانُهُمْ﴾ في مقابلة ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾.
* * *
(٢٠٣) - ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ من القرآن أو مما اقترحوه.
﴿قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾: هلا جمعْتَها افتراءً وتقوُّلًا مِن عند نفسك؛ لأنهم كانوا يقولون: ﴿مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾ [سبأ: ٤٣].
أو: هلَّا أخذتَها مقترَحة، من جبَاهُ: إذا جمعه، أو من جُبي إليه فاجتباه، أي: أخذه.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ لستُ بمختلِقٍ للآيات، أو لستُ بمقترحٍ لها.
﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: هذا القرآن بصائر للقلوب بها يُبصَر الحقُّ ويُدرك الصواب.
﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ قد سبق تفسيره.
* * *
(٢٠٤) - ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ لمَّا ذَكر أن القرآن بصائرُ وهدًى ورحمةٌ أمر باستماعه إذا شُرِع في قراءته، وبالإنصات وهو السكوت مع الإصغاءِ إليه؛ لأن ما اشتمل على تلك الأوصاف حريٌّ بأنْ يُصغى إليه حتى يحصل منه للمنصِت المستمِع هذه النتائجُ العظيمة، فيَستبصِر من العمى وَيهتدي من الضلال، ويُرحم بها.
стр. 1684
وقيل: نزلت في الصلاة، كانوا يتكلمون فيها فأمروا باستماع قراءة القرآن والإنصاتِ له (١).
وإطلاق الأمر يقتضي وجوبهما حيث يُقرأ القرآن مطلقًا، وعامةُ العلماء على استحبابهما خارج الصلاة، وفيه إشكال إذ حينئذ يلزم الجمع بين مَعْنييِ الأمر، ويمكن أن يقال: إنه جائز عند اختلاف المحل على ما ذهب إليه العراقيون من أصحابنا.
وعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قرأ في المكتوبة، وقرأ أصحابه خلفه، فنزلت هذه الآية (٢).
ومن هنا اتَّضح وجه احتجاج مَن لا يرى القراءة على المأموم بها، وأمَّا قولُ مَن قال: إنها في الخطبة، فضعيفٌ؛ لأن الآية مكية، والخطبة لم تكن إلا بعد الهجرة.
بقي هنا دقيقة أنيقة (٣) لا بد من التنبيه عليها: وهو أن الإنصات مقدِّمة الاستماع فحقُّه أن يقدَّم في الذكر، وإنما أُخر هنا اهتمامًا لشأنه، وإخراجًا له عن حيِّز الإتْباع إلى حدِّ الاستقلال، وتنبيهًا على أنه مقصودٌ بالذات ومأمورٌ به أصالةً حتى لو كان في مجلس القراءة نائيًا عن القارئ، فحقه أن ينصت وإنْ لم يتيسَّر له الاستماع؛ تعظيمًا لشأن القرآن، وإحرازًا لإحدى الفضيلتين (٤)، ولو قُدم الإنصات لتَبادَر إلى الفهم أن الأمر به لمصلحة الاستماع فلا يجب بدونها.
* * *
стр. 1685
(٢٠٥) - ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾.
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ عامٌّ في جميع الأذكار؛ من القراءة والدعاء والتهليل والتسبيح وغيرها؛ لأن الإخفاء في النفس أَدخَلُ في الإخلاص والخشوع.
﴿تَضَرُّعًا﴾ باللسان ﴿وَخِيفَةً﴾ بالقلب (١)، مفعول من أجْله؛ أي: لتَضرُّعٍ وخِيفةٍ، أو مصدران منصوبان على الحال؛ أي: متضرِّعًا وخائفًا (٢).
﴿وَدُونَ الْجَهْرِ﴾ معطوف على قوله: ﴿فِي نَفْسِكَ﴾ أي: ذكرًا في نفسك، وذكرًا دون الجهر، أو على ﴿تَضَرُّعًا﴾؛ أي: وقائلًا قولًا دون الجهر، ولهذا جعل قوله: ﴿مِنَ الْقَوْلِ﴾ بيانٌ (٣) للجهر.
﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾: بأوقاتِ الغدوِّ؛ أي: غَدَوات، لمقارنة (الآصال)، وهي جمع أصيلٍ كاليمين والأيمان، وقيل: جمعُه: الأُصُل، وجمعُ الأُصُل: الآصال.
وقرئ: (والإيصال) (٤) من آصَلَ: إذا دخل في الأصيل (٥)، وهما عبارةٌ عن الليل والنهار، والمراد به الذكرُ على الدوام.
لمَّا أمر تعالى بالذكر أكَّد ذلك بالنهي عن ضدِّه فقال: