(٢٠١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾: إن المؤمنين المتقين الله ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾: إذا نالهم وسوستُه (١).
قيل: كأنه: طافت بهم ودارت حولهم فلم تقدر أن تؤثِّر [فيهم] (٢).
ومبناه الغُفول عن دلالة المسِّ على التأثير (٣).
وقرئ: (طَيْفُ) (٤)، والطَّيف والطائف: ما ألمَّ بالإنسان من عوارض الشيطان.
وقرئ: (طيِّفُ) بتشديد الياء (٥)، قال الزجَّاج: طاف الخيال يَطيفُ: إذا ألمَّ به، وطاف عليهم يطوف، أي: دار (٦). ومَن جعَل هذا من الطوف الواوي قال: (طَيْفٌ) أصله: (طيِّفٌ) بالتشديد، ثم خُفِّف كالهيْن والهيِّن.
والمراد من الشيطان الجنس ولذلك جُمع ضميره.
﴿تَذَكَّرُوا﴾ ما أَمر الله به ونهَى عنه ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ بسبب التذكُّر مواقعَ الخطأ (٧) ومكائدَ الشيطان، فيحترزون عنها ولا يتَّبعونه فيها.
стр. 1682
والآية تقريرٌ لِمَا تقدَّم، وما فيه من وجوب الاستعاذة عند نزغ الشيطان، وبيانٌ أن المتقين عادتُهم إذا أصابهم أدنى نزغٍ وإلمامٍ (١) بوسوسته (٢) أن يستعيذوا ويتذكَّروا قبل أن يصير خاطرًا وجالت فيه النفس بالفكر.
* * *
(٢٠٢) - ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾.
﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ﴾، أي: إخوان الشياطين الذين لم يتَّقوا يمدُّهم الشياطين (٣) ﴿فِي الْغَيِّ﴾ بالتزيين والحمل عليه.
وقرئ: ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ (٤) من أَمَدَّ.
و: (يُمادُّونهم) (٥) كأنهم يعينونهم بالتسهيل والإغراء، وهؤلاء يعينونهم بالاتباع والامتثال.
﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾: لا يمسكون عن إغوائهم حتى يَردُّوهم، وهذا أشدُّ من الأول، ولهذا عطف عليه ﴿ثُمَّ﴾ (٦) المستعارة للتراخي في الرتبة.
ويجوز أن يراد بالإخوان الشياطين، والضمير المضاف إليه للجاهلين،
стр. 1683
فيكون الخبر جاريًا على ما هو له، والأول أوجه لأن ﴿إِخْوَانُهُمْ﴾ في مقابلة ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾.
* * *
(٢٠٣) - ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ من القرآن أو مما اقترحوه.
﴿قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾: هلا جمعْتَها افتراءً وتقوُّلًا مِن عند نفسك؛ لأنهم كانوا يقولون: ﴿مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾ [سبأ: ٤٣].
أو: هلَّا أخذتَها مقترَحة، من جبَاهُ: إذا جمعه، أو من جُبي إليه فاجتباه، أي: أخذه.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ لستُ بمختلِقٍ للآيات، أو لستُ بمقترحٍ لها.
﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: هذا القرآن بصائر للقلوب بها يُبصَر الحقُّ ويُدرك الصواب.
﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ قد سبق تفسيره.
* * *
(٢٠٤) - ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ لمَّا ذَكر أن القرآن بصائرُ وهدًى ورحمةٌ أمر باستماعه إذا شُرِع في قراءته، وبالإنصات وهو السكوت مع الإصغاءِ إليه؛ لأن ما اشتمل على تلك الأوصاف حريٌّ بأنْ يُصغى إليه حتى يحصل منه للمنصِت المستمِع هذه النتائجُ العظيمة، فيَستبصِر من العمى وَيهتدي من الضلال، ويُرحم بها.
стр. 1684
وقيل: نزلت في الصلاة، كانوا يتكلمون فيها فأمروا باستماع قراءة القرآن والإنصاتِ له (١).
وإطلاق الأمر يقتضي وجوبهما حيث يُقرأ القرآن مطلقًا، وعامةُ العلماء على استحبابهما خارج الصلاة، وفيه إشكال إذ حينئذ يلزم الجمع بين مَعْنييِ الأمر، ويمكن أن يقال: إنه جائز عند اختلاف المحل على ما ذهب إليه العراقيون من أصحابنا.
وعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قرأ في المكتوبة، وقرأ أصحابه خلفه، فنزلت هذه الآية (٢).
ومن هنا اتَّضح وجه احتجاج مَن لا يرى القراءة على المأموم بها، وأمَّا قولُ مَن قال: إنها في الخطبة، فضعيفٌ؛ لأن الآية مكية، والخطبة لم تكن إلا بعد الهجرة.
بقي هنا دقيقة أنيقة (٣) لا بد من التنبيه عليها: وهو أن الإنصات مقدِّمة الاستماع فحقُّه أن يقدَّم في الذكر، وإنما أُخر هنا اهتمامًا لشأنه، وإخراجًا له عن حيِّز الإتْباع إلى حدِّ الاستقلال، وتنبيهًا على أنه مقصودٌ بالذات ومأمورٌ به أصالةً حتى لو كان في مجلس القراءة نائيًا عن القارئ، فحقه أن ينصت وإنْ لم يتيسَّر له الاستماع؛ تعظيمًا لشأن القرآن، وإحرازًا لإحدى الفضيلتين (٤)، ولو قُدم الإنصات لتَبادَر إلى الفهم أن الأمر به لمصلحة الاستماع فلا يجب بدونها.
* * *
стр. 1685
(٢٠٥) - ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾.
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ عامٌّ في جميع الأذكار؛ من القراءة والدعاء والتهليل والتسبيح وغيرها؛ لأن الإخفاء في النفس أَدخَلُ في الإخلاص والخشوع.
﴿تَضَرُّعًا﴾ باللسان ﴿وَخِيفَةً﴾ بالقلب (١)، مفعول من أجْله؛ أي: لتَضرُّعٍ وخِيفةٍ، أو مصدران منصوبان على الحال؛ أي: متضرِّعًا وخائفًا (٢).
﴿وَدُونَ الْجَهْرِ﴾ معطوف على قوله: ﴿فِي نَفْسِكَ﴾ أي: ذكرًا في نفسك، وذكرًا دون الجهر، أو على ﴿تَضَرُّعًا﴾؛ أي: وقائلًا قولًا دون الجهر، ولهذا جعل قوله: ﴿مِنَ الْقَوْلِ﴾ بيانٌ (٣) للجهر.
﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾: بأوقاتِ الغدوِّ؛ أي: غَدَوات، لمقارنة (الآصال)، وهي جمع أصيلٍ كاليمين والأيمان، وقيل: جمعُه: الأُصُل، وجمعُ الأُصُل: الآصال.
وقرئ: (والإيصال) (٤) من آصَلَ: إذا دخل في الأصيل (٥)، وهما عبارةٌ عن الليل والنهار، والمراد به الذكرُ على الدوام.
لمَّا أمر تعالى بالذكر أكَّد ذلك بالنهي عن ضدِّه فقال:
стр. 1686
﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ عن ذكر الله تعالى، خاطبه ﵇ والمرادُ نهيُ أمَّته عنها بأبلغ وجهٍ؛ أي: لا تقتدوا بالغافلين لكنْ بالملائكة الذين لا يغفلون، وذلك قوله تعالى:
* * *
(٢٠٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ هم الملائكة المقرَّبون، و ﴿عِنْدَ﴾ بيانُ قرب الكرامة دون المكان، فإن الله تعالى يتعالى عن ذلك.
﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ كما أن الاستكبار مقدِّمةُ العصيان، كذلك عدمُه مقدِّمةُ الطاعة.
ثم ذكر الطاعة القلبية - وهو التنزيهُ والتطهير عن جميع ما لا يليق بذاته المقدَّسة - بقوله: ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾ والطاعةَ القالبيةَ - وهي الحال التي يكون العبد فيها أقرب إلى الله تعالى - بقوله: ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾، وتقديم (له) للاختصاص؛ أي: ويخصُّونه بالعبادة لا يشركون به، وهو تعريضٌ بمَن عَدَاهم من المكلَّفين، ولذلك شُرع السُّجودُ لقراءته.
* * *
стр. 1687
سُورَةُ الأَنفَالِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(١) - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾: جمع نَفْلٍ، وهو الغنيمة، وأصله الزِّيادة، ومنه نوافل العبادات، وإنَّما سُمِّيَتِ الغنيمة نفلًا لأنها زيادةٌ على القيام بالجهاد وحمايةِ الحَوْزَة والدُّعاء إلى الله تعالى، وعبارةُ ﴿عَنِ﴾ صريحه في أن السُّؤال سؤالُ الاستفتاء، فالمطلوب بيانُ حكمِها.
وقرئ بدون ﴿عَنِ﴾ (١)، فيكون السُّؤالُ سؤالَ استعطاءٍ (٢)، وما يشترطه (٣) الإمامُ لمن يقتحم خطرًا زائدًا على سهمه يُسمَّى أيضًا نفلًا، فالمعنى: يسألك المقتحِمون للخطر ما شرطْتَ لهم.
وقرئ: (عَلَّنْفَال) (٤) بحذف الهمزة وإلقاءِ حركتها على اللام وإدغام نون ﴿عَنِ﴾ فيها.
стр. 1688
﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾؛ أي: حكمُها مختصٌّ بالله ورسوله، يأمر (١) اللهُ تعالى رسولَه ﵇ بقسمتها على مقتضى حكمته، ويمتثلُ (٢) الرَّسول ﷺ أمره تعالى فيها، فيقسمُها على حسب أمرِه، ليس لأحد فيها حكم.
وسببُ نزوله اختلافُ المسلمين في غنائم بدر؛ أنها كيف تقسم؟ ومَنْ يقسمُ المهاجرون منهم أو الأنصار؟
وقيل: شرَط رسولُ الله ﷺ لمن كان له غَناءٌ أن ينفلِّه، فتَسارعَ شبَّانهم حتى قتلوا سبعين وأسروا سبعين، ثم طلبوا نفلَهم، وكان المال قليلًا، فقال الشيوخ والوجوه الذين كانوا عند الرَّايات: كنا رِدْءًا لكم، وفئةً تنحازون إليها، فنزلت (٣).
وعلى هذا يكون ما شُرِعَ بالسُّنَّةِ منسوخًا بالكتاب قبل العمل به، فلا متمسَّكَ فيه للشافعي ﵁ في أنه لا يلزم الإمامَ أن يفي بما وعدَ.
وعن ابن عباس ﵄: أن هذه الآية نزلَتْ أوَّلًا، فصارت الأنفال لرسول الله ﷺ ، ثم نزلت: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، فقسَم الله تعالى ذلك الخمسَ لرسوله ولمن سمَّى (٤) فيها (٥).
ويوافق هذا ما رُوي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: نزلَتْ فيَّ هذه
стр. 1689
الآية، وذلك أنَّه لما كان يومُ بدرٍ قُتل أخي عمير وقتلتُ سعيد بن العاص، وأخذت سيفه فأتيت به رسول الله ﷺ واستوهبتُه منه، فقال: ليس هذا لي ولا لك، فاطرحه في القَبَضِ، فطرحته وبي ما لا يعلمه إلا الله تعالى من قتل أخي وأخذ سَلَبي، فما جاوزت إلا قليلًا حتى نزلَتْ سورةُ الأنفال، فقال لي رسول الله ﷺ : "سألْتني السَّيفَ وليس لي، بيانه قد صار لي فاذهب (١) فخذه" (٢).
وعلى هذا يكون المعنى: الأنفال للرَّسول، ويكون ذكر الله تمهيدًا؛ لتعظيم شأنه ﵇، والتنبيهِ (٣) على أنه ﵇ يتصرَّف فيها على ما يرتضيه تعالى، وتقتضيه الحكمة (٤).
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في الاختلاف والتَّخاصم، وكونوا متحابِّين متآخين في الله.
﴿وَأَصْلِحُوا﴾ بالمواساة والمساعدة فيما رزقكم الله تعالى وتفضَّلَ به عليكم، وتسليمِ أمرِه إلى اللهِ والرَّسولِ.
﴿ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ ذات البين: هي (٥) الأحوال التي تقع بين النَّاس؛ أي: بينكم من الأحوال، ولمَّا كانت ملابِسةً للبَيْن قيل لها: ذات البين، بالإضافة كقوله: ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١١٩]، أي: مضمَراتها من السرائر.
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في تفويض أمركم إليهما والتسليمِ لحكمهما.
стр. 1690
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إيماناً يُعتدُّ به، قد جعلَ التَّقوى وطاعةَ اللّهِ ورسولِه وإصلاحَ ذاتَ البَيْنِ من لوازم الإيمان وشرائطه؛ إيذانًا بأنَّ كمالَ الإيمان موقوفٌ عليها، حتى إذا فُقِدَتْ كانَ كَلَا إيمانٍ، كما تقول: إن (١) كنت من الرجال فأوفِ بعهدك، تشير إلى لزوم الوفاء للرُّجولية.
* * *
(٢) - ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
واللام في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ إشارةٌ إليهم، والمراد: الكاملون في الإيمان، والدلالة عليه قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾، كأن غيرهم ليسوا بمؤمنين حقيقةً.
﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فرغَتْ لِذِكْرِه؛ استعظامًا له، وتهيُّبًا من جلاله، فلا يخالفونه في أمره، وقيل: هو الرَّجل يهمُّ بمعصيته، فيقال: اتقِ الله، فيفزع عنه خوفًا من عقابه.
وقرئ: (وَجَلَتْ) بالفتح (٢)، وهي لغة فيه، و (فَرِقَتْ) (٣)؛ أي: خافت.
﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ أي: يقينًا وطمأنينةَ نفسٍ، فإنَّ للإيمان مراتبَ في القوَّة والضَّعف، ورسوخُ اليقين إنما هو بتظاهُر الأدلة (٤).
стр. 1691
وقيل: لزيادة المؤمَن به، ويلزمه تخصيص الآيات بالتي تُلِيَتْ أوَّلًا.
وقيل: وبالعمل بموجبها على قوِل مَن قال بدخول العمل في الإيمان، ويلزمه تخصيصًا بالتي يتعلق بالأعمال زيادة على التَّخصيص الأوَّل، فتأمَّل.
﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ في تقديم الجار والمجرور على الفعل إشارةٌ إلى أنَّ المؤمنين بالإيمان الكامل حقُّهم أن لا يفوِّضوا أمورَهم إلَّا إليه، ويسلِّموا تسليمًا.
* * *
(٣) - ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قد مرَّ تفسيره في أوائل (١) (سورة البقرة).
* * *
(٤) - ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قد جمع في الآية بين أعمال القلوب من الخشية والإخلاص والتوكل وبين أعمال الجوارح من الصلاة والزكاة؛ لأنَّ الظاهرَ عنوانُ الباطن، والباطنُ أساسُ الظَّاهر، وكما أن الثلاثة الأُوَل أصولُ الأعمال القلبية وملاكُها، فالأُخريان أصول الأعمال القالبية وعيارُها، فهي مستتبعةٌ لسائرها.
﴿حَقًّا﴾ مصدرٌ مؤكَد لِمَا تقدَّم؛ أي: حَقَّ ذلك حقًّا، أو صفةُ مصدرٍ محذوفٍ؛ أي: إيمانًا حقًّا.
стр. 1692
﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: كرامةٌ وعلوُ منزلةٍ ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ لِمَا فرَطَ منهم ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أُعِدَّ لهم في الجنَّة، لا ينقطعُ عددُه، ولا ينتهي أمدُه.
لمَّا تقدَّمَتْ ثلاثُ صفاتٍ: قلبية وقالبيَّة وماليَّة، يترتَّبُ عليها ثلاثةُ أشياء، فقُوبلَتِ الأعمالُ القلبيَّة بالدَّرجات، والقالبيَّةُ بالغفران، والماليَّةُ بالرِّزق الكريم.
قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ متعلِّق بالمعطوفَين، كـ ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ في قوله تعالى: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وقد مرَّ بيانُه في تفسير (سورة الأنعام).
* * *
(٥) - ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾.
﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ في محلِّ الرَّفع خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي: هذه الحالُ كحالِ إخراجك للحراب في كراهتهم إيَّاها (١).
أو في محلِّ النَّصبِ صفةً لمصدر الفعل المقدَّر في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾؛ أي: الأنفال ثبتَتْ للهِ والرَّسول مع كراهتهم ثباتًا مثلَ ثباتِ إخراج ربك ﴿مِنْ بَيْتِكَ﴾ - بالمدينة، أو المدينةِ نفسها؛ لأنها في اختصاصها به من حيث إنها مسكنه ومهاجَرُه كاختصاص البيت بصاحبه - مع كراهتهم إيَّاه.
﴿بِالْحَقِّ﴾ صفةٌ للمصدر (٢)؛ أي: إخراجًا ملتبِسًا بالحق.
﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ حال؛ أي: أخرجَكَ في حال كراهتهم.
وفيه دلالة على أن كراهة الإخراج إنما كانت من بعضهم.
стр. 1693
وسببُ إخراجِه أنَّ عيرَ قريشٍ أقبلَتْ من الشام فيها تجارةٌ عظيمةٌ، وفيها أربعون راكبًا، فأَخبرَ جبريلُ رسولَ الله ﷺ ، فأَخبرَ المسلمين، فأعجبهم تلقِّي العير؛ لكثرة الخير، وقلَّة القوم، فلما خرجوا بلغَ الخبرُ أهل مكَّة، فنادى أبو جهل فوق الكعبة: يا أهل مكَّة، النَّجاءَ النَّجاءَ، على كلِّ صَعبٍ وذَلولٍ، عيرَكم أموالَكم، إنْ أصابَها محمَّدٌ لن تفلحوا بعدَها أبدًا.
فخرج أبو جهل بجميع أهل مكَّة - وهو (١) النفير في المثل السائر: لا في العير ولا في النَّفير (٢) - فقيل [له]: إنَّ العيرَ أخذَتْ طريقَ السَّاحل ونجَتْ، فارجعْ بالنَّاس إلى مكَّة، فقال: لا والله لا يكون ذلك أبدًا حتى ننحر الجزور ونشرب الخمور ببدر، فيتسامعَ جميعُ العرب بمخرجنا، وأنَّ محمدًا لم يُصبِ العيرَ، وأنَّا أعضضناه (٣)، فمضى بهم إلى بدر وهو ماء كانت العرب تجتمع عليه لسُوقهم يومًا في السنة.
وكان رسول الله ﷺ بوادي دفران، فنزل جبريل ﵇ بالوعد بإحدى الطَّائفتين؛ إمَّا العير وإمَّا النَّفير (٤)، فاستشار فيه أصحابه ﵃ فقال بعضهم:
стр. 1694
هلَّا ذكرْتَ لنا القتال حتى نتأهَّب له، إنَّا خرجنا للعير. وهم المراد من الفريق المذكور، وتمام القصة يطلب من كتاب السِّير.
* * *
(٦) - ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾.
﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ يحتمل أن يكون في موضع الحال من الضمير في ﴿لَكَارِهُونَ﴾ ويحتمل أن يكون استئنافَ إخبارٍ.
وجدالهم: قولهم: ما كان خروجنا إلَّا للعير، ولو عرفنا لاستعدَّينا للقتال.
والحقُّ هنا: نصرة دين الإسلام بالجهاد.
﴿بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ أي: بعدَ تَبيُّنِه بإعلام الرَّسول أنَّهم ينصرون، وهذا أبلغ في الإنكار لجدالهم.
﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ حال؛ أي: يجادلونك مُشْبِهين مَنْ يُساق إلى الموت.
﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ حال من ضمير ﴿يُسَاقُونَ﴾، شبَّه حالهم في شدَّة فزعهم وفَرْطِ رعبهم لقلَّة عَدَدِهم وعُدَدهم بحالِ مَن يُساق بالذُّل والصَّغار إلى القتل المتيقَّن، وهو مشاهِدٌ لأسبابه، ناظِر إليها.
* * *
(٧) - ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ على إضمار (اذكر)، و ﴿إِحْدَى﴾ ثاني مفعولي ﴿يَعِدُ﴾، وقد أُبدل عنها ﴿أَنَّهَا لَكُمْ﴾ بدلَ الاشتمال.
стр. 1695
﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ هي العير؛ لأنَّه لم يكن فيها إلا أربعون فارسًا، وكانوا يكرهون النَّفْر لشوكتهم بكثرة العَدَد ووفرة العُدَد.
والشَّوكة: الحِدَّة، استُعيرَتْ في الأصل من واحد الشَّوك، فقلبت في كلِّ قوَّة وحدَّة، ومنه: شائك السِّلاح.
﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ﴾ أي: يثبِّته ويُعليَه (١).
﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾ بآياته المنزَلَة في محاربة ذات الشوكة، أو بأمر الملائكة بالنُّزول لنصرتهم، وبما قضى وقدَّر من قتلهم وأسرهم.
و قرئ: (بِكَلِمَتِهِ) (٢)؛ أي: بأمره.
﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ يستأصلَهم، والدَّابر: الآخِر، مِنْ دَبَرَ: إذا أدبرَ، وإذا (٣) قطعَ آخرهم لم يبق منهم أحد.
والمعنى: أنَّكم تتمنَّون أن تصيبوا مالًا ولا تلقوا مكروهًا، وهو من سَفْساف (٤) الأمور، والله يريد إعلاء الدِّين وإظهار الحقِّ، وما فيه فوز الدَّارين، وهو من معالي الأمور.
* * *
(٨) - ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾.
﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ متعلق بمحذوف، أي: فعَل ذلك، ويجوز أن يكون متعلِّقًا بـ ﴿وَيَقْطَعَ﴾.
стр. 1696
ويجب أن يُقدَّر الفعلُ مؤخَّرًا ليفيد معنى الاختصاص، وأنَّه ما فعلَ إلا لذلك.
وليس بتكريرٍ؛ لأنَّ الأوَّل لبيان المراد وما (١) بينه وبين مرادهم من التفاوت، والثاني لبيان الدَّاعي إلى حمل الرَّسول على اختيار ذات الشوكة ونصره عليها.
﴿وَلَوْ كَرِهَ﴾ ذلك، الجملة في موضع الحال.
* * *
(٩) - ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾.
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ بدل من ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ﴾، أو نصبٌ بإضمار (اذكرْ)، ويجوز أن يكون متعلِّقًا بقوله: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾.
واستغاثتُهم لأنهم لَمَّا (٢) علموا أنَّه لا بدَّ من القتال أخذوا يَدْعون الله يقولون: أي ربِّ، انصرنا على عدوِّك، يا غِيَاث المستغيثين أَغِثْنا.
﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ أصله: بأني ممدكم، فحذف الجارَّ وسلِّط عليه (استجاب).
وقرئ: (إنِّي) بالكسر (٣)؛ إجراء للقراءة مُجرى القول.
﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ بكسر الدال، من رَدِفه: إذا تبعه (٤)، أي: مُتْبعين بعضُهم بعضًا المؤمنينَ ليحفظوهم، أو أنفسَهم المؤمنين، أو يتقدَّمونهم
стр. 1697
فيُتْبِعونهم أنفسَهم. أو من أردفته: إذا جئْتَ بعدَه؛ أي: متَّبعين بعضَهم بعضًا، أو متَّبعين المؤمنين (١).
وقرئ بفتح الدَّال (٢)، بمعنى: مُتبعين؛ أي: كانوا مقدِّمة الجيش، ومُتْبَعين؛ أي: كانوا ساقَتَهم.
وقرئ: (مردِّفين) بكسر الراء أو فتحها (٣) وتشديد الدَّال (٤)، وأصله: مُرْتَدِفين، بمعنى: مترادفين (٥)، فأدغمت الدال في الفاء، فالتقى ساكنان، فحرِّكت الرَّاء بالكسر على الأصل، أو بالضم على الإتباع.
وقرئ (بآلاف) (٦)، فيوافق ما في (سورة آل عمران).
стр. 1698
ووجهُ القراءة على التَوحيد إذا لم يفسَّر الإرداف بإتباع ملائكة آخرين (١) أنَّ المرادَ بالألف: الذين كانوا على المقدِّمة أو السَّاقة، أو وجوههم وأعيانهم، والباقي أتباع لهم، أو مَن قاتل منهم.
* * *
(١٠) - ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
واختُلف في مقاتَلتهم، وقد رُوي أخبار تدلُّ عليها، والظَّاهرُ من قوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾؛ أي: الإمداد ﴿إِلَّا بُشْرَى﴾: إلَّا بشارةً ﴿لَكُمْ﴾ بالنَّصر ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ فيزولَ ما بها من الوَجَل لقلَّتكم وعدم عُدَّتكم = أنهم لم يكونوا نازلين (٢) للقتال.
وللمخالِف أن يقول: إن الضمير في ﴿جَعَلَهُ﴾؛ لقوله: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ فلا ينافي أن يكون نزولهم للقتال، والله أعلم بحقيقة الحال.
وقوله: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ عطٌ على ﴿بُشْرَى﴾ من جهة المعنى، والمراد به مطلق الحدث المدلول عليه ضمنًا على الاتِّساع، كما في قوله: تسمَعُ بالمُعَيديِّ
стр. 1699
خيرٌ من أن تراه، فالمعنى: إلا لبشارتكم ولطمأنينة قلوبكم.
﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ لا من الملائكة ولا من المقاتلة، أي (١): وما النَّصرُ بالملائكة وسائر الأسباب إلا من عند الله، والمنصورُ مَنْ نصرَه اللهُ تعالى.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾: منيعٌ لا يُغالَب ﴿حَكِيمٌ﴾ في أقواله وأفعاله.
* * *
(١١) - ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾.
﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ﴾ بدلٌ ثانٍ من ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ﴾؛ لإظهار نعمة ثالثة، أو منصوب بـ ﴿النَّصْرُ﴾ أو بما في ﴿عِنْدِ اللَّهِ﴾ من معنى الفعل، أو بما ﴿جَعَلَهُ﴾، أو بإضمار (اذكر).
وقرئ بالتَّخفيف (٢)، مِنْ أَغشَيْتَهُ الشَّيء: إذا غَشَّيْتَهُ إيَّاه (٣)، والفاعل هو الله تعالى.
وقرئ: ﴿يَغْشَاكُمُ﴾ بفتح الياء، ورفع ﴿النُّعَاسُ﴾ (٤)، من غَشِيَ.
والنُّعاس: ابتداءُ حال النَّوم قبل الاستقلال.
﴿أَمَنَةً﴾ مفعولٌ له من جهة المعنى؛ فإنَّ قولَه: ﴿يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ﴾ يتضمَّنْ معنى تنعسون و ﴿يَغْشَاكُمُ﴾ بمعناه، والأَمَنَةُ فعلٌ لفاعله.
стр. 1700
﴿مِنْهُ﴾ صفة لـ ﴿أَمَنَةً﴾؛ أي: أمنًا لكم حاصلًا منه تعالى.
ويجوز أن يُراد بها الإيمان، فيكون فعلَ المغشيِّ، وأنْ يُجعَلَ على القراءة الأخيرة فعلَ النُّعاس على المجاز؛ لأنها لأصحابه، أو لأنَّه كان من حقَّه أن لا يغشاهم (١) لشدَّة الخوف، فلما غَشِيَهم فكأنه حصلت له أمنة من الله تعالى لولاها لم يَغْشَهم، كقوله:
يَهابُ النَّومُ أنْ يغشى عيونًا … تهابُكَ فهو نفَّارٌ شَرُودُ (٢)
والمعنى: تنعسون في وقتٍ كان ما بكم من الخوف مانعًا من النَّوم، فأمَّنكم اللهُ فنعستم لأَمْنكم.
وقرئ: (أَمْنَةً) كرحمة (٣)، وهي لغة فيه.
﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ من الحدَثِ والجنابة.
﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾؛ أي: الجنابةَ؛ فإنها من تخييله ووسوسته إليهم، وتخويفهم من العطش والجنابة، وذلك أن الشَّيطان تمثَّل لهم، وكان المشركون قد سبقوهم إلى الماء، ونزل المؤمنون في كثيبٍ أحمرَ تسوخُ فيه الأقدام على غير ماءٍ، وناموا فاحتلم أكثرهم، فقال لهم: أنتم يا أصحاب محمَّد تزعمون أنكم على الحقِّ، [وإنَّكم تصلون على غير وضوءٍ، وعلى الجنابة، وقد عطشتم، ولو كنتم على حقٍّ] (٤) ما غلبكم هؤلاء على الماء، وما يَنتظرون (٥) بكم إلا أن يجهدكم العطش،
стр. 1701
فإذا قَطع العطش أعناقكم مشَوا إليكم، فقتلوا مَنْ أحبُّوا (١) وساقوا بقيتكم إلى مكَّة، فأشفقوا (٢)، فأُنْزِلَ المطرُ، فمُطروا ليلًا حتى جرى الوادي، واتَّخذ رسول الله ﷺ وأصحابُه ﵃ الحِياضَ على عُدوة الوادي، وسقَوا الرِّكاب، واغتسلوا وتوضؤوا، وتلبَّد الرَّمل الذي كان بينهم وبين العدو، حتى ثبتت (٣) فيه الأقدام، وزالت وسوسة الشيطان (٤).
﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾؛ أي: يشدَّها ويقوِّيَها بالسُّكون وحُسن الظَّن وزوالِ الاضطراب والارتياب.
﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ أي: في مواقف الالتقاء للقتال.
والضمير في ﴿بِهِ﴾ للرَّبط؛ فإنَّ القلب إذا قويَ باليقين والوثوق بالله تعالى تثبتُ القدمُ في المعركة، وحينئذ يكون الثُّبوت من لوازم الرَّبط، ويظهر وجهُ عدم الفصل بينهما بإعادة أداة التعليل، كعدم الفصل بين التطهير والإذهاب المذكورين قبل هذا.
وقيل: للمطر؛ فإن به يتلبَّد الرَّمل فلا تسوخ القدم فيه.
وَيرِدُ عليه أنه حينئذ لا يكون الثُّبوت من لوازم الربَّط، فحقُّه أن يعاد فيه أداة التعليل.
* * *
стр. 1702
(١٢) - ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾.
﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ وبدل ثالث، أو متعلق بـ (يثبِّت).
﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾ أُعينكم في تثبيت المؤمنين، وهو مفعول ﴿يُوحِي﴾، وقرئ: (إنِّي) بالكسر (١)؛ إجراء للوحي مجرى القول.
﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالبشارة، أو بتكثير سوادهم، أو بمحاربة أعدائهم، فيكون قوله: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ كالتفسير لقوله: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا﴾؛ إذ لا إعانة كإلقاء الرُّعب في قلوب الأعداء، أو نوع آخر من الإعانة.
والرُّعب: الخوف الذي علا القلب، من قولهم: رَعَبَ السَّيلُ الواديَ: إذا مَلأهُ (٢)، أو يقطع القلبَ من ترعيبِ السَّنام، وهو تقطيعه.
﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ أعاليَها؛ أي: المذابحَ والرؤوس (٣) والهامات.
﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾: أصابع؛ أي: الأطراف (٤)؛ أي: حزُّوا رقابهم واقطعوا أطرافهم.
وزاد هنا عبارة ﴿كُلَّ﴾ المتعدِّد في الأطراف، والمراد: استيفاؤهم بالقطع، أمر الملائكة بأن يقتلوهم على وجهٍ لا يمتنعون على من (٥) قصدَ أسرهم.
стр. 1703
وفيه دليل على أنهم قاتلوا، ومَن أنكره، قال: قوله: ﴿سَأُلْقِي﴾ إلى قوله: ﴿كُلَّ بَنَانٍ﴾ تلقينٌ لهم معنى تثبيتهم، كأنَّه قال لهم قولوا للمؤمنين قولي هذا، أو تفسير للخطاب بأن يكون ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خطابَ الملائكة، والباقي خطابَ المؤمنين.
* * *
(١٣) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إشارة إلى ما أصابَ الكفَّار من القتل والعقاب بسبب مُشاقَّتهم لله تعالى وللرسول ﵇، والخطاب للرسول ﵇، أو لكلِّ واحد (١)، وهو أبلغ لدلالته على فظاعة الأمر، والمشاقَّةٌ مشتقَّة من الشَّقِّ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من المتعادِين في شَقٍّ خلاف شَقِّ الآخر، كالمعاداة من العدوِّ، والمخاصمة من الخَصْمِ، وكلاهما الجانب.
﴿يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ تقريرٌ للتَّعليل ووعيدٌ لهم بما أُعِدَّ لهم في الآخرة بعد ما حاق بهم في الدُّنيا بسبب المشاقَّة، ومَنْ شاقَّ فلا يقتصر (٢) على هذا، فإنَّ اللهَ شديدٌ عقابُه في الآخرة.
* * *
(١٤) - ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾.
والخطابُ في قوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ للكفرة على طريقة الالتفات، وهو رفعٌ
стр. 1704
بالابتداء أو الخبر، أي: ذلكم العقاب، أو العقاب ذلكم، أو نصبٌ بفعل يفسِّرُه قولُه: ﴿فَذُوقُوهُ﴾ والفاء (١) عاطفة؛ أي: ذوقوا ذلكم فذوقوه، أو: باشروا، قيل: أو عليكم ذلكم، ولا وجهَ له لأن (عليكم) من أسماء الأفعال لا تُضْمَر.
وهذه الجملة تأكيدٌ وتقريرٌ لِمَا سَبَقَ؛ لأنَّ الأولى دالَّة على استحقاقِهم العذابَ العاجلَ مع العذابِ الآجلِ، ولمَّا كان عذاب الدُّنيا بالنِّسبة إلى عذاب الآخرة يسيرًا سُمِّيَ ما أصابهم فيه ذوقًا؛ لأنَّ الذَّوق يُعْرَفُ به الطَّعمُ (٢)، وهو يسيرٌ.
﴿وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ عطفٌ على ﴿ذَلِكُمْ﴾ رفعًا ونصبًا، ويجوز أن يكون مفعولًا معه على أنَّ الواو بمعنى (مع)؛ أي: ذوقوا هذا العذابَ العاجلَ مع العذابِ الآجلِ الذي لكم في الآخرة، ووُضع الظَّاهرُ فيه موضعَ المضمرِ للدَّلالة على أنَّ الكفرَ سببُ العذابِ الآجلِ، أو الجمع بينهما.
وقرئ: (وإنَّ) بالكسر (٣)، على الاستئناف.
ولَمَّا كانت النَّارُ إعدادُها للكفَّار على ما نطقَ به قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]، صَحَّ تقديمُ الجار والمجرور المفيدِ لاختصاصِ عذابها المُعَدِّ لهم.
* * *
(١٥) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ حالٌ من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
стр. 1705
والزَّحْفُ: الجيشُ الدَّهْمُ الذي يُرَى لكثرته كأنَّه يزحفُ؛ أي: يَدبُّ، مِنْ زَحفَ الصبيُّ: إذا دَبَّ على استِه قليلًا، سُمِّيَ بالمصدر.
﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ كنايةٌ عن الفرار، ولا يلزمه الانهزام على ما أفصح عنه الاستثناء الآتي ذِكْرُه؛ أي: إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير وأنتم قليل فلا تَفِرُّوا، فضلًا أن تُدانوهم في العَدَدِ والعُدَدِ، أو تساووهم (١).
* * *
(١٦) - ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾: هو الكَرُّ بعدَ الفَرِّ لتغريرِ العدوِّ، وهو من باب خدعِ الحرب ومكائدها، يختلُ للعدوِّ أنَّه منهزِمٌ، ثم يعطِفُ عليه.
﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا﴾: منحازًا ﴿إِلَى فِئَةٍ﴾: إلى (٢) جماعة أخرى من المسلمين على القُرْبِ منه؛ لِمَا روى ابنُ عمرَ ﵄: أنَّه خرجَتْ سريَّة وأنا فيهم، ففرُّوا (٣)، فلَمَّا رجعوا إلى المدينة استحيَوا فدخلوا البيوت، فقلْتُ: يا رسولَ اللهِ، نحنُ الفرَّارون. فقال: "بل أنتم العكَّارون، وأنا فئتُكم" (٤).
стр. 1706
وانتصاب ﴿مُتَحَرِّفًا﴾ و ﴿مُتَحَيِّزًا﴾ على الحال، و ﴿إِلَّا﴾ لغوٌ لا عملَ له، أو الاستثناء من المولِّين؛ أي: إلَّا رجلًا متحرِّفًا أو متحيِّزًا.
ووزن متحيِّز (١): مُتفَيْعِل، لا مُتفعِّل، وإلَّا لكان: متحوِّزًا؛ لأنَّه مِنْ حازَ يحوزُ؛ يقال: حاز الشَّيءَ، أي: ضمَّه وجمعَه، والحيِّز: مجتمَع (٢) القوم؛ فَيْعَل مِنَ الحوز، والتَّحيُّز الانضمام إليهم والدُّخول في جملتهم، وهو تفعُّل (٣) من الحيِّز.
والفئة: الجماعة المنقطِعة عن غيرها، مِنَ الفأو (٤)، وهو قطعُ الرَّأس بالسَّيف.
وإنْ جُعِلَ ﴿زَحْفًا﴾ حالًا من المؤمنين يكون إشعارًا لهم بما سيكون منهم يوم حُنَين، وحين تقدَّمه نهيٌ تولَّوا مدبرين (٥) وهم اثنا عشرَ ألفًا، ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ أمَارة عليه.
﴿فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: استوجبَه.
﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ هذا إذا لم يَزِدِ العدوُّ على الضِّعْف؛ لقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٦٦]، وقيل: هذه الآية مخصوصة بأهل بدرٍ، أو الحاضرين معه في الحرب.
стр. 1707
﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ هي؛ أي: جهنَّم.
* * *
(١٧) - ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ بقوتكم ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ بنصركِم، وإمدادِ الملائكة، وإلقاءِ الرُّعب في قلوبهم وتقويةِ قلوبكم، وهو كالتَّعليل لِمَا تقدَّم من النَّهي عن الانهزام بسبب كثرة العدو.
ورُويَ أنَّه لَمَّا التقى الجمعان يومَ بدرٍ تناولَ رسول الله ﷺ كفًّا من الحصى فرمى بها في وجوههم، وقال: "شاهَتِ الوجوهُ"، فلم يبقَ مشركٌ إلا شُغِلَ بعينه، فانهزموا، ورَدِفَهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، ثم لمَّا انصرفوا أقبلوا على التَّفاخُر، فيقول القائل (١): قتلْتُ وأسرْتُ، فنزلت الآية (٢)؛ صيانةً لهم عن الإعجاب، وتنبيهًا على أن الله تعالى هو الذي هيَّأ لهم هذه الأسباب.
وكذا الحال في الخطاب الآتي ذكره.
وقيل: الفاءُ جوابُ شرطٍ محذوف، تقديره: إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم، ولكنَّ اللهَ قتلهم.
ويأباه عطف قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾ أنتَ (٣) تلك الرَّمية العجيبة يا محمَّد ﴿إِذْ
стр. 1708
رَمَيْتَ﴾ لأنَّك لو رميتها لمَا زاد تأثيرها على تأثير رمي البشر ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ حيث أثَّرَتْ ذلك الأثر العظيم.
أثبَتَ الرَّميةَ لرسول الله ﷺ لأنَّ صورتها وُجِدَتْ منه، ونفاها عنه لأنَّ أثرَها الذي لا يقدر عليه البشر فعلُ الله تعالى، فكانَ الله فاعلَها على الحقيقة لا الرَّسولُ، والفعل قد يُطلَق ويُرادُ به مُسمَّاه، وقد يُطلَق ويراد به كماله والمقصودُ منه - أي: غايته (١) - مجازًا.
﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: وليُنْعِمَ عليهم ﴿مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ إنعامًا جميلًا؛ أي: وللإنعام على المؤمنين ذلك (٢) الإنعامَ العظيم بالنُّصرة والغنيمة ومشاهدةِ الآيات فَعَلَ ما فعلَ، وما فعلَ (٣) إلا لذلك.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لدعائهم واستغاثتهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بأحوالهم ونياتهم.
* * *
(١٨) - ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارة إلى البلاء الحسن، ومحله الرَّفع؛ أي: المقصود ذلكم، أو: الأمر ذلكم.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ معطوفٌ على ﴿ذَلِكُمْ﴾؛ أي: المقصود بلاء المؤمنين وتوهينُ الكافرين، وقرئ: ﴿وَأَنَّ﴾ بالفتح (٤)؛ أي: ولأن الله تعالى مُعِينٌ للمؤمنين كان ذلك.
стр. 1709
(١٩) - ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ خطابٌ لأهل مكَّة على سبيل التَّهكُّم، وذلك أنَّهم حين أرادوا أن يَنفِروا تعلَّقوا بأستار الكعبة وقالوا: اللَّهمَّ انصر أعلى الجندَيْن وأهدى الفئتَيْن وأكرم الحزبَيْن (١).
﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا﴾ عن الكفرِ وعداوة رسول الله ﷺ ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لتضمُّنه سلامة الدَّارين وخير المنزلَيْن.
﴿وَإِنْ تَعُودُوا﴾ لمحاربته ﴿نَعُدْ﴾ في نصرته عليكم.
﴿وَلَنْ تُغْنِيَ﴾: ولن تدفع ﴿عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ﴾: جماعتكم ﴿شَيْئًا﴾ من الإغناء ﴿وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ فئتكم ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالنَّصر والمعونة.
كذا قالوا، ويُشْكِلُ هذا بيوم أحدٍ، فإنهم عادوا فيه للمحاربة وكانت الغلَبة لهم.
وقيل: الخطاب للمؤمنين، والمعنى: إن تستنصِروا فقد جاءكم النَّصر، وإن تنتهوا عن التَّثاقل في القتال والرَّغبة عما يستأثره الرَّسول فهو خير لكم، وإن تعودوا إلى (٢) التثاقل نَعُدْ بالإنكار، ولن تغني عنكم كثرتكم حينئذ إذا لم يكن معكم بالنَّصر، وأن الله مع الكاملين إيمانًا.
ويؤيِّد هذا حسنَ الالتئام مع قولِه:
(٢٠) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾.
стр. 1710
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾؛ أي: ولا تتولَّوا عن الرَّسول؛ فإنَّ المرادَ الأمرُ بطاعته ﵇، والنَّهيُ عن الإعراض، وذكر الله تمهيدٌ (١) لاختصاص الرَّسول ﷺ به تعالى (٢)، كقوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢].
وفيه تنبيهٌ على أن طاعة الله وطاعة الرَّسول شيءٌ واحدٌ، و ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].
ويجوز أن يرجعَ الضَّمير في ﴿عَنْهُ﴾ إلى الأمر بالطَّاعة؛ أي: ولا تتولوا عن هذا الأمر.
﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾؛ أي: تسمعونه، أو تسمعون القرآنَ والمواعظَ سماعَ فهمٍ وتصديقٍ.
* * *
(٢١) - ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾.
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا﴾ كالكفرة والمنافقين ادَّعوا السَّماع.
﴿وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ لأنهم ليسوا بمصدِّقين، فكأنَّهم غيرُ سامعين أصلًا.
والمعنى: إنكم تصدِّقون القرآنَ والنُّبوَّة، فإنْ تولَّيتم عن طاعةِ الرَّسول ﷺ في بعض الأمور كقسمة الغنائم كانَ تصديقُكم كلَا تصديقٍ، وأشبهَ سماعكُم سماعَ مَنْ لا يؤمن.
стр. 1711
(٢٢) - ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾.
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾: شرَّ مَنْ يدُبُّ على وجه الأرض، أو: شرَّ البهائم.
﴿الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ قد مَرَّ تفسيرُه في (سورة البقرة)، جعلهم كالبهائم في عدم انتفاعِهم بالمشاعر والجوارح، ثم جعلهم شرَّها لإبطالهم ما مُيِّزُوا به عنها وفُضِّلوا به عنها (١).
* * *
(٢٣) - ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.
﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا﴾؛ أي: شيئاً من جنس الخير (٢).
﴿لَأَسْمَعَهُمْ﴾ سماعَ تفهُّم؛ أي: لا يُسْمِعهم لأنَّه لا يجدي فيهم نفعاً، فقوله: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا﴾؛ أي: لم ينتفعوا به، تقرير وتأكيد له، فهو مِنْ قَبِيل العطفِ على ما قبلَه باعتبار المعنى.
التَّولي قد يكون للتردُّد والتدبُّر فقوله: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ تأسيسٌ لا تأكيدٌ.
* * *
(٢٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ وحَّدَ الضَّمير لأنَّ دعوةَ الله تُسمعُ من الرَّسول ﷺ ، وقصدُ التَّمهيد يأباه إعادةُ الصِّلة.
стр. 1712
﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ من العلوم الدِّينية؛ فإنها حياة القلب، والجهلُ موته:
الجاهلُ ميتٌ وإنْ لمْ يُدفَن … بيتُه قبرٌ وثوبُه كفن (١)
وقيل: لجهاد الكفَّار؛ لأنهم لو تركوه لغلبوهم وقتلوهم (٢)، فهو سبب حياتهم، كقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩].
وقيل: للشهَّادة؛ لقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٩].
المرادُ بالاستجابةِ: الطَّاعة والامتثال، وبالدَّعوة: البعث والتَّحريض.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ تحذيرٌ عن تأخير الاستجابة.
وزيادة ﴿وَاعْلَمُوا﴾ لمزيد التَّأكيد؛ أي: إن القلوب بيدِ اللهِ تعالى يقلِّبها كيفَ يشاء، فعجِّلوا بالاستجابة قبل أنْ يُحدِثَ اللهُ تعالى في قلوبِكم ما يشغلنا عنها (٣)، ويمنعكم عن الامتثال بالأمر.
وقرئ: (بَين المرِّ) بتشديد الرَّاء على حذف الهمزة وإلقاء حركتها على الرَّاء وإجراء الوصل مجرى الوقف (٤)، على لغةِ مَن يشدِّد فيه.
стр. 1713
﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فيجازيكم على النَّقير والقِطمير من أعمالكم وأحوالكم، قالبيَّةً كانت أو قلبيَّة.
وفيه زيادةُ تحذيرٍ عن التَّقصير بالتَّأخير، وأشير إلى هذا في قوله ﵇: "عجِّلوا بالصَّلاةِ قبلَ الفَوْتِ، وعجِّلوا بالتَّوبة (١) قبلَ الموتِ" (٢).
* * *
(٢٥) - ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ أراد بالفتنة: الظُّلمَ الفاحش، بقرينة ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، والتنكيرِ الدَّال على التَّكثير.
﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ جواب الأمر؛ أي: إصابتُكم لا تصيب (٣) الظَّالمين خاصَّة، بل تعمُّ الطَّالح والصَّالح، ثم تكون للظالم عقوبةً، ولغيره كفَّارةً.
والنُّون لتضمُّنه معنى النَّهي، والتأكيدُ بها للمبالغة في النَّهي، و (مِن) للتَّبعيض.
قال ابن عباس ﵄: هذا في تركِ الأمرِ بالمعروفِ عند غلبةِ المنكرِ، فيصيب الفسَقَة بفسقِهم، وغيرَ الفسقة بتركهم الأمر بالمعروف (٤).
وهذه الفرقة أيضاً وإن كانوا مذنبين، لكنهم ليسوا من الذين ظلموا؛ أي: باشروا الظلم.
стр. 1714
أو نهيٌ بعدَ أمرٍ، كأنَّه قيل: واحذروا ذنباً أو عقاباً، ثم قيل: لا تتعرضوا للظُّلم فيصيبَ العقابُ أو وبالُ الذَّنب مَنْ ظلمَ منكم خاصَّة.
أو صفةً لـ ﴿فِتْنَةً﴾ على إرادة القول؛ أي: فتنة مقولاً عندها: لا تصيبن، كقوله:
جاؤوا بمَذْقٍ هَلْ رأيْتَ الذِّئبَ قَطّ (١)
و (مِن) على هذين الوجهين للتَّبيين.
ويعضد الأخير قراءة: (لتُصيبن) (٢) على جواب قسمٍ محذوف.
وفي تقييد الظالمين بـ ﴿مِنْكُمْ﴾ في الوجهين الأخيرين تنبيهٌ على أن الظُّلمَ منكم أقبحُ منه من غيركم.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ وعيدٌ شديدٌ، وفي (٣) زيادة ﴿وَاعْلَمُوا﴾ مزيدُ تهديد.
* * *
(٢٦) - ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
﴿وَاذْكُرُوا﴾: وأخطروا ببالكم أوَّل حالكم ﴿إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ قيل: في أوَّل الإسلام قبل أن تكملوا أربعين، وقيل: قبل الهجرة، والخطاب للمهاجرين.
стр. 1715
﴿مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ مقهورون في أرض مكَّة، لم يقل: (ذليل) مع ما فيه من حُسن (١) الازدواج بـ ﴿قَلِيلٌ﴾؛ تفادياً عن إطلاقه على مَنْ هو عزيزٌ بعزِّ الإسلام.
وقيل: الخطاب لعامَّة العرب؛ لأنهم كانوا مغلوبين لأهل فارس والروم.
﴿تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ لأنَّ النَّاس كانوا جميعاً لهم أعداء. والتَّخطفُ: الأخذُ والانتزاعُ بسرعة.
﴿فَآوَاكُمْ﴾ إلى المدينة، وجعل لكم مأوًى تتحصنون به عن أعدائكم.
﴿وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ على الكفَّار بمظاهرةِ الأنصار، وبإمداد (٢) الملائكة يوم بدر.
وعلى تقدير أن يكون الخطاب لقريش يكون المعنى: فآواكم إلى الحرم، ويؤيِّده قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧].
﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: الغنائم ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ إرادةَ أن تشكروا هذه النِّعم.
وعلى المعنى الآخر يكون المراد من ﴿الطَّيِّبَاتِ﴾: الثَّمرات؛ لقوله: ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧].
* * *
(٢٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الخون: النَّقص، كما أنَّ الوفاءَ
стр. 1716
التَّمامُ، ومنه تخوَّنه: إذا تنقَّصُه، ثم استُعمل في مقابلة الأمانة والوفاء؛ لأنك إذا خنْتَ (١) الرَّجل فقد أدخلْتَ عليه النُّقصان.
ذكر ﴿اللَّهَ﴾ تعالى للتَّمهيد، وخيانتُهم للرَّسول ﷺ بأن يُضمروا خلاف ما يظهرون، أو بالغُلول في الغنائم.
روي أنَّها نزلَتْ في أبي لُبابة ﵁، وقصَّتُه مذكورة في كتب التَّفاسير (٢).
﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ فيما بينكم؛ أي (٣): لا يصدر منكم خلافُ ما هو من حكم الإيمان، جزمٌ داخل في حكم النَّهي، أو نصبٌ بإضمار (أنْ)، كقوله: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: ٤٢].
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنكم تخونون؛ أي: وأنتم علماء تميِّزون الحسَنَ من القبيح.
* * *
(٢٨) - ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ جعلَ الأموالَ والأولاد فتنةً؛ لأنها سببُ الوقوع في الفتنة، وهي الإثم والعذاب، أو: محنةٌ وبلاءٌ، فلا يحملنكم فيه على الخيانة كأبي لبابة ﵁، وعليكم أن تحافظوا فيهم على حدود الله تعالى، وهي من جملة ما نزلَ فيه.
стр. 1717
﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أن تُؤثروا حبَّ اللهِ تعالى على حبِّهم، وتزهَدوا في الدُّنيا، ولا تحرصوا على حبِّ المال والولد.
وفي قوله: ﴿عِنْدَهُ﴾ تشريفٌ للأجر (١) المذكور، وبيانٌ أنه مصونٌ عن الضياع.
* * *
(٢٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾: هدايةً ونوراً في قلوبكم، وتوفيقاً وشرحاً لصدوركم، تفرِّقون به بينَ الحقِّ والباطلِ، أو نصراً يفرِّق بينَ المحِقِّ والمبطِلِ، بإعزاز الإسلام وأهله، وإذلالِ الكفر وحزبه، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١].
أو: ظهوراً يُشْهِرُ أمرَكم وينشرُ صيتكم في أقطار الأرض، من قولهم: بِتُّ أفعل كذا حتى سطع الفرقان؛ أي: الصُّبح.
﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾: صغائرَ ذنوبكم، أراد بالكفَّارة الإزالةَ، ولذلك قال: ﴿عَنْكُمْ﴾، وهي بالحسنات لقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذنوبَكم؛ كبائرَها، والغَفْرُ: السَّترُ، ضمَّنه معنى الرَّحمة، ولذلك قال: ﴿لَكُمْ﴾، وكنَّى به عن العفو والتجاوز عنها، وذلك بالاستغفار والشفاعة.
стр. 1718
﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ باللُّطف الوافي (١) في الدُّنيا، والإحسان الباقي في دار القرار، لِمَا عرفْتَ أنَّ العبدَ أُعْطِيَ جزاءَ حسناته بإزالة سيئاته، فكان ما وصل إليه من اللُّطف والإحسان فضلاً من الله تعالى، ووعدُه على التَّقوى أيضاً تفضُّل، فإطلاق (٢) الأجر على ما وعده في مقابَلته بطريق الاستعارة.
* * *
(٣٠) - ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ذكَّرَه ﵇ ما مُكِرَ به حين كان بمكَّة؛ ليشكرَ نعمة الله تعالى عليه في إنجائه من مكرهم وتسليطه عليهم، أي: واذكر وقتَ مكرِهم بك وتسليطه، وتفصيلُه مذكور في كتب التفاسير.
﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾: ليَسجنوك، أو يُوْثقوك، أو يُثْخنوك بالضرب والجَرح، من قولهم: ضربَه حتى أثبتَه لا حراكَ به ولا بَرَاحَ، وقرئ: (لِيُبَيِّتُوكَ) من البَيَاتِ (٣).
﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ من مكَّة.
﴿وَيَمْكُرُونَ﴾ بإخفاء المكائد له ﴿وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ بإخفاءِ ما أعدَّ لهم حتى يأتيَهم بغتة، أو بردِّ (٤) مكرهم عليهم، أو بمعاملة الماكرين معهم حيث أخرجهم
стр. 1719
إلى بدر وقلَّل المسلمين في أعينهم حتى حملوا عليهم فقُتلوا (١).
﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ إذْ مكرُه أنفذُ من مكر غيره وأبلغُ تأثيراً.
قيل: وإسناد المكر إلى الله تعالى للمزاوجة والمشاكَلة، ولا يجوز إطلاقها عليه تعالى ابتداءً؛ لِمَا فيه من إيهام الذَّم، وكأن هذا القائل غافل عن قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] (٢).
* * *
(٣١) - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ هذا غاية مكابرتهم وفَرْطُ عنادهم؛ إذ لو استطاعوا ذلك فما منعَهم أن يشاؤوا، وقد تحدَّاهم وقرَّعهم بالعجز عشر سنين، ثم قارعهم بالسيف، فلم يعارضوا سورة، مع أَنَفهم (٣) وفَرْطِ استنكافِهم أن يُغلبوا، خصوصاً في باب البيان.
قيل: هو قول النَّضر بن الحارث، وهو كان موسوماً بينهم بالنُّبل والفَهم، فكان إذا قال قاله كثير منهم واتَّبعوه عليه، كما يفعله الناس اقتداء بعلمائهم.
﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: ما سطَّرَه الأوَّلون من القصص، قد سبق ما يتعلَّق بالأساطير.
* * *
стр. 1720
(٣٢) - ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
﴿وَإِذْ قَالُوا﴾؛ أي: واذكر إذ قالوا، وهذا أيضاً من كلام ذلك القائل أبلغُ في الجحود.
روي أنَّه لمَّا قال النضر: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، قال له النبيُّ ﷺ : "ويْلَكَ إنَّه كلامُ الله تعالى". فقال:
﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ (١)؛ أي: إن كان القرآن حقًّا منزلاً فأَمطرْ علينا حجارةً خاصَّةً عقوبةً لنا على إنكاره، والمرادة التَّهكُّم وإظهار اليقين والجزم التَّام بكونه باطلاً؛ إغراقاً في الإنكار، وإظهاراً للجرأة فيه، جَحَد القرآن أوَّلاً بأن جعله مثل كلامهم، وسمَّاه أساطير الأولين، ثم بالَغَ في الجحود بشبهةٍ جعلها كالدَّليل على بطلانه زاعماً أنه برهان، وهو لو كان حقًّا لاستحقَّ منكِرُه العقاب، لكنَّا لم نعاقَبْ بإنكارِه، فلم يكن حقًّا.
وقرئ: (الحَقُّ) بالرفع (٢)، على أنَّ ﴿هُوَ﴾ مبتدأٌ لا فَصل.
وفائدة التعريف: أنَّه (٣) كانَ هو الحقَّ الذي يدَّعيه رسولُ الله ﷺ من أنه كلام الله تعالى منزلٌ عليه؛ لأنَّه لم ينكروا كونَه مطابقاً للواقع كالأساطير (٤).