التَّمامُ، ومنه تخوَّنه: إذا تنقَّصُه، ثم استُعمل في مقابلة الأمانة والوفاء؛ لأنك إذا خنْتَ (١) الرَّجل فقد أدخلْتَ عليه النُّقصان.
ذكر ﴿اللَّهَ﴾ تعالى للتَّمهيد، وخيانتُهم للرَّسول ﷺ بأن يُضمروا خلاف ما يظهرون، أو بالغُلول في الغنائم.
روي أنَّها نزلَتْ في أبي لُبابة ﵁، وقصَّتُه مذكورة في كتب التَّفاسير (٢).
﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ فيما بينكم؛ أي (٣): لا يصدر منكم خلافُ ما هو من حكم الإيمان، جزمٌ داخل في حكم النَّهي، أو نصبٌ بإضمار (أنْ)، كقوله: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: ٤٢].
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنكم تخونون؛ أي: وأنتم علماء تميِّزون الحسَنَ من القبيح.
* * *
(٢٨) - ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ جعلَ الأموالَ والأولاد فتنةً؛ لأنها سببُ الوقوع في الفتنة، وهي الإثم والعذاب، أو: محنةٌ وبلاءٌ، فلا يحملنكم فيه على الخيانة كأبي لبابة ﵁، وعليكم أن تحافظوا فيهم على حدود الله تعالى، وهي من جملة ما نزلَ فيه.
стр. 1717
﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أن تُؤثروا حبَّ اللهِ تعالى على حبِّهم، وتزهَدوا في الدُّنيا، ولا تحرصوا على حبِّ المال والولد.
وفي قوله: ﴿عِنْدَهُ﴾ تشريفٌ للأجر (١) المذكور، وبيانٌ أنه مصونٌ عن الضياع.
* * *
(٢٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾: هدايةً ونوراً في قلوبكم، وتوفيقاً وشرحاً لصدوركم، تفرِّقون به بينَ الحقِّ والباطلِ، أو نصراً يفرِّق بينَ المحِقِّ والمبطِلِ، بإعزاز الإسلام وأهله، وإذلالِ الكفر وحزبه، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١].
أو: ظهوراً يُشْهِرُ أمرَكم وينشرُ صيتكم في أقطار الأرض، من قولهم: بِتُّ أفعل كذا حتى سطع الفرقان؛ أي: الصُّبح.
﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾: صغائرَ ذنوبكم، أراد بالكفَّارة الإزالةَ، ولذلك قال: ﴿عَنْكُمْ﴾، وهي بالحسنات لقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذنوبَكم؛ كبائرَها، والغَفْرُ: السَّترُ، ضمَّنه معنى الرَّحمة، ولذلك قال: ﴿لَكُمْ﴾، وكنَّى به عن العفو والتجاوز عنها، وذلك بالاستغفار والشفاعة.
стр. 1718
﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ باللُّطف الوافي (١) في الدُّنيا، والإحسان الباقي في دار القرار، لِمَا عرفْتَ أنَّ العبدَ أُعْطِيَ جزاءَ حسناته بإزالة سيئاته، فكان ما وصل إليه من اللُّطف والإحسان فضلاً من الله تعالى، ووعدُه على التَّقوى أيضاً تفضُّل، فإطلاق (٢) الأجر على ما وعده في مقابَلته بطريق الاستعارة.
* * *
(٣٠) - ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ذكَّرَه ﵇ ما مُكِرَ به حين كان بمكَّة؛ ليشكرَ نعمة الله تعالى عليه في إنجائه من مكرهم وتسليطه عليهم، أي: واذكر وقتَ مكرِهم بك وتسليطه، وتفصيلُه مذكور في كتب التفاسير.
﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾: ليَسجنوك، أو يُوْثقوك، أو يُثْخنوك بالضرب والجَرح، من قولهم: ضربَه حتى أثبتَه لا حراكَ به ولا بَرَاحَ، وقرئ: (لِيُبَيِّتُوكَ) من البَيَاتِ (٣).
﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ من مكَّة.
﴿وَيَمْكُرُونَ﴾ بإخفاء المكائد له ﴿وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ بإخفاءِ ما أعدَّ لهم حتى يأتيَهم بغتة، أو بردِّ (٤) مكرهم عليهم، أو بمعاملة الماكرين معهم حيث أخرجهم
стр. 1719
إلى بدر وقلَّل المسلمين في أعينهم حتى حملوا عليهم فقُتلوا (١).
﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ إذْ مكرُه أنفذُ من مكر غيره وأبلغُ تأثيراً.
قيل: وإسناد المكر إلى الله تعالى للمزاوجة والمشاكَلة، ولا يجوز إطلاقها عليه تعالى ابتداءً؛ لِمَا فيه من إيهام الذَّم، وكأن هذا القائل غافل عن قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] (٢).
* * *
(٣١) - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ هذا غاية مكابرتهم وفَرْطُ عنادهم؛ إذ لو استطاعوا ذلك فما منعَهم أن يشاؤوا، وقد تحدَّاهم وقرَّعهم بالعجز عشر سنين، ثم قارعهم بالسيف، فلم يعارضوا سورة، مع أَنَفهم (٣) وفَرْطِ استنكافِهم أن يُغلبوا، خصوصاً في باب البيان.
قيل: هو قول النَّضر بن الحارث، وهو كان موسوماً بينهم بالنُّبل والفَهم، فكان إذا قال قاله كثير منهم واتَّبعوه عليه، كما يفعله الناس اقتداء بعلمائهم.
﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: ما سطَّرَه الأوَّلون من القصص، قد سبق ما يتعلَّق بالأساطير.
* * *
стр. 1720
(٣٢) - ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
﴿وَإِذْ قَالُوا﴾؛ أي: واذكر إذ قالوا، وهذا أيضاً من كلام ذلك القائل أبلغُ في الجحود.
روي أنَّه لمَّا قال النضر: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، قال له النبيُّ ﷺ : "ويْلَكَ إنَّه كلامُ الله تعالى". فقال:
﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ (١)؛ أي: إن كان القرآن حقًّا منزلاً فأَمطرْ علينا حجارةً خاصَّةً عقوبةً لنا على إنكاره، والمرادة التَّهكُّم وإظهار اليقين والجزم التَّام بكونه باطلاً؛ إغراقاً في الإنكار، وإظهاراً للجرأة فيه، جَحَد القرآن أوَّلاً بأن جعله مثل كلامهم، وسمَّاه أساطير الأولين، ثم بالَغَ في الجحود بشبهةٍ جعلها كالدَّليل على بطلانه زاعماً أنه برهان، وهو لو كان حقًّا لاستحقَّ منكِرُه العقاب، لكنَّا لم نعاقَبْ بإنكارِه، فلم يكن حقًّا.
وقرئ: (الحَقُّ) بالرفع (٢)، على أنَّ ﴿هُوَ﴾ مبتدأٌ لا فَصل.
وفائدة التعريف: أنَّه (٣) كانَ هو الحقَّ الذي يدَّعيه رسولُ الله ﷺ من أنه كلام الله تعالى منزلٌ عليه؛ لأنَّه لم ينكروا كونَه مطابقاً للواقع كالأساطير (٤).
стр. 1721
وفائدة التقييد بكونه ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ مع أنَّ الأمطار لا تكون إلَّا منها: كونها حجارةً مسوَّمة للعذاب، وهي السِّجِّيل، فوُضِعَتْ: ﴿حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ موضعَه، ولهذا قال:
﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾؛ أي: بنوعٍ من عذابٍ أليمٍ سواه، إشارةً إلى أنَّ السجِّيلَ نوعٌ أليم من العذاب.
* * *
(٣٣) - ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ﴾؛ أي: ليس في عادته تعالى ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ بيانُ سببِ (١) إمهالهم، والتَّوقُّفِ في إجابة دعائهم.
واللام لتأكيد النَّفي، والدلالةِ على أن تعذيبهم حالَ كون النبي ﵇ فيهم غيرُ جائز في الحكمة؛ لأن سنَّة الله تعالى جاريةٌ أن لا يَستأصل قوماً بالعذاب ما دام نبيُّهم بين أظهرهم.
وفيه إشعارٌ بأنهم مُرصَدون للعذاب إذا هاجر عنهم، لدلالة قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ … ﴾ إلخ على إثبات التعذيب، كأنه قال: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وهو معذِّبُهم إذا فارقْتَهم.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ﴾ لمَّا كانت كينونتُه ﵇ فيهم سبباً لانتفاء
стр. 1722
تعذيبهم أكَّدَ خبر ﴿كَانَ﴾ باللام على رأي الكوفيين، أو جعل خبر ﴿كَانَ﴾ الإرادةَ المنتفيَةَ على رأي البصريين، وانتفاءُ الإرادة للعذاب أبلغ من انتفاء العذاب، ولمَّا كان استغفارهم دون تلك الكينونة الشريفة لم يؤكَّد باللَّام، فشتان ما بين استغفارهم وكينونته ﵈ فيهم.
﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ حالٌ لقوله: ﴿وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾، والمراد باستغفارهم: إمَّا استغفار مَن بقي فيهم من المؤمنين، أو قولُهم: اللهم غُفرانك، أو فَرْضُه على معنى: لو استغفروا لم يُعذَّبوا، كقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧].
* * *
(٣٤) - ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾: وما لهم مما يمنع تعذيبهم متى زال ذلك، وكيف لا يُعذَّبون ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وحالُهم ذلك، ومِن صدهم عنه إلجاءُ رسول الله ﷺ والمؤمنين إلى الهجرة، وأما إحصارهم عام الحديبية فقد كان بعد قتل النضر ونظرائه، فلا انتظام له مع ما سيق الكلام له في هذا المقام.
﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾ مستحقِّين ولاية أمره مع شركهم، وهو ردٌّ لِمَا كانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم، فنصدُّ مَن نشاء، وندخلُ من نشاء.
﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾: الذين لا يعبدون فيه غيره؛ أي: ما استحقُّوا لولاية البيت وما حظٌّ لهم منها؛ لأنها مخصوصة بالمتقين من المسلمين، ليس كلُّ مسلم يصلح لذلك، فكيف بالمشركين من أعداء الدِّين؟
стр. 1723
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنْ لا ولاية لهم عليه، نبَّهَ بالأكثر على أنَّ فيهم مَن يعلم ذلك، ولكن يعاند.
لمَّا نفى عنهم أن يكونوا من ولاة البيت، ذكرَ من فعلهم القبيحِ ما يؤكِّدُ ذلك، وأنَّ مَن كانت صلاته ما يُذكَرُ لا يستأهل أن يكونوا أولياءَه، وما ذكر بقوله:
(٣٥) - ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾.
﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ﴾ من جملة مَوانع استحقاقهم للولاية، وموجبات استحقاقهم للعذاب، كما ذكر بقوله: ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ﴾.
والمراد بـ ﴿صَلَاتُهُمْ﴾: ما يضعونه موضِعَها ويسمُّونه صلاةً، وفيه من التَّهكُّم ما لا يَخفى.
وقرئ: (صلاتَهم) بالنَّصب (١)، على أنه الخبر المقدَّم.
﴿إِلَّا مُكَاءً﴾: صفيراً، فُعال مِنْ مَكايَمْكو: إذا صَفَر، وقرئ بالقصر كالبُكَا (٢).
﴿وَتَصْدِيَةً﴾: تصفيقاً، تَفْعِلةً من الصَّدى، ومن الصَّد، على إبدال أحد حرفي التَّضعيف بالياء، يعني: أنهم يضعون الصَّفير والتَّصفيق موضعَ الصَّلاة، ولهذا أورد قوله:
﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ بفاء السَّببية؛ أي: بسبب هذا الكفر ذوقوا وباله في الدُّنيا، والمرادُ عذاب القتل والأسر يوم بدر.
стр. 1724
والظاهر أن تكون اللام للعهد، والمعهودُ ما ذكر في قوله: ﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
ووضعُهم المكاء والتَّصدية موضعَ الصلاة: أنهم كانوا يطوفون بالبيت عُراةً الرجالُ والنساءُ وهم مُشبِّكون بين أصابعهم يَصفُرون فيها ويصفِّقون، وكانوا يفعلون نحو ذلك إذا قرأ رسول الله ﷺ في صلاةٍ يخلِّطون عليه، وُيرون أنهم يصلُّون أيضاً.
﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أتى بصيغة المضارع، وزاد عليها عبارة ﴿كُنْتُمْ﴾ للدلالة على الاستمرار التَّجدُّدي، والمراد: ما كانوا يفعلونه عند البيت من المكاء والتَّصدية مكان الصلاة.
ولا يجوز أن يكون المرادُ من العذاب عذابَ الآخرة؛ لأن الفاء تأباه، وذلك لأن السببيَّة للعذاب مطلقاً قد استُفيدَتْ من الباء، والفاءُ إنما تفيد إذا كان ذلك العذاب السَّببَ بما ذكره (١) معجلاً.
* * *
(٣٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عن دينه واتِّباع رسوله.
نزلت في المُطْعِمين يومَ بدرٍ، وكانوا اثني عشر رجلاً من قريش، يطعمُ كلُّ واحدٍ منهم كلَّ يوم عشرَ جُزر (٢).
стр. 1725
وقيل: في أبي سفيان، استأجر ليومِ أُحِدٍ ألفين من الأحابيش، سوى مَن استجاشَ (١) من العرب، وأنفق عليهم أربعين أوقيَّة (٢).
وقيل: في أصحاب العير؛ فإنَّه لَمَّا أُصيْبَ قريش ببدرٍ قالوا لكلِّ مَنْ له تجارة في العير: أعينوا بهذا المال على حربِ محمَّد؛ لعلنا ندرك منه ثأرنا، ففعلوا (٣).
﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا﴾ فائدة تكرارِ ذكر الإنفاق: أنَّ مساقَ الأوَّل لبيانِ الغرضِ منه، والثَّاني لبيان عاقبته ومآل أمره، وأنَّ غرضَهم لا يحصل منه ويُعْقِب الخيبة.
هذا ما قالوا، ويأباه زيادة السين في الثاني، وترتيبه بالفاء على الأوَّل، وكذا يأبى هذا الأخير حملُ الأوَّل على ما كان في يوم بدر، والثاني على ما كانوا في يوم أحد، فالوجه أنْ يُحمَل الأوَّلُ على عزمهم على الإنفاق، والثاني على وقوعه عن قريب متفرِّعاً على ذلك العزم.
﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ لاستلزام إنفاقهم الأموال ندامةً، وسرعةِ انقلابه إليها كأن ذاتها تصير ندامةً مبالغةً.
والحسرة: غمٌّ بما انكشف من فوتِ استدراك الخطيئة، وذكر الغمِّ يسمَّى ندامةً، وأصلها الكشف، من قولهم: حَسَر عن ذراعيه، والحاسر ضد الدَّارع.
﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾: ثم لا يبقى حالهم على النَّدم والحسرة لفَقْد الأموال وفقدان الغرض، حتى يصير آخر الأمر إلى المغلوبية التي هي ضد الحالة التي قصدوها،
стр. 1726
فيرجعون طلقاء (١)، وإن كانت الحرب بينهم وبين المؤمنين قبل ذلك سجالاً.
ومعنى ﴿ثُمَّ﴾ في الموضعين: غاية بُعْدِ ما بين غرضهم في الإنفاق وبين ما يحصل منه ويقع بعده.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: ثبتوا على الكفر إذ أسلم بعضهم وحسُن إسلامه.
﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾ خاصَّة ﴿يُحْشَرُونَ﴾: يُجمعون بالسَّوق من جهاتٍ متعددةٍ. وفائدة تقديم الجار والمجرور دفعُ وَهمِ القرار في مجمع (٢) آخر.
* * *
(٣٧) - ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾؛ أي: الفريقَ الكافر من الفريق المؤمن ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ﴾؛ أي: الكافرَ ﴿بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾؛ أي: يجمعهم ويضمَّهم حتى يتراكموا، كقوله: ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩]؛ أي: لفرط ازدحامهم ﴿فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ جعلَ الكفَّارَ في الانضمام والازدحام والاجتماع في النَّار شيئاً مركوماً، كحطبٍ مرتكبٍ بعضه على بعض، مجموعٍ ملقًى في جهنَّم مبالغةً.
أو: المالَ الخبيث الذي أنفقه المشركون في عداوةِ رسولِ اللهِ ﷺ من المالِ الطَّيب الذي أنفقه المسلمون في نصرته، فيجمَعُ الخبيثَ الذي أنفقه المشركون فيجعله في جهنم من جملة ما يُعذَّبون به كمال الكافرين.
стр. 1727
واللَّام في قوله: ﴿لِيَمِيزَ﴾ على الأول متعلق بـ ﴿يُحْشَرُونَ﴾، أو ﴿يُغْلَبُونَ﴾، وعلى الثاني بـ ﴿تَكُونُ﴾.
وقرئ: ﴿لِيَمِيزَ﴾ من التميُّز (١)، وهو أبلغ من المَيز.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارة إلى الفريق الخبيث على الأوَّل، وإلى الذين كفروا على الثَّاني.
مَنْ قال: أو إلى المتَّقين، فكأنه غفل عن أنَّ منهم مَنْ أسلمَ وحسُن إسلامه.
﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ الكاملون في الخسران؛ لأنَّهم خسروا أنفسهم وأموالهم.
* * *
(٣٨) - ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾.
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: لمن بقي من كفَّار قريش بعد مَنْ قُتلَ منهم ببدر، واللَّام للتبليغ.
﴿إِنْ يَنْتَهُوا﴾ عن معاداة الرسول ﷺ وقتاله بالدُّخول في الإسلام.
﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ من ذنوبهم؛ لأن الإسلام يجبُّ ما قبله.
وقرئ بالتَّاء والكاف على الخطاب (٢).
﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾ إلى قتاله ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ تعليلٌ للجواب أُقيم
стр. 1728
مقامه، والتقدير: وإن تعودوا انتقمنا منهم وأهلكناهم، فقد مضَتْ سنَّةُ الأولين في أنَّا انتقمنا منهم وأهلكناهم بتكذيب أنبيائهم ﵈.
* * *
(٣٩) - ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: إلى أن لا يوجد فيهم شرك.
﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ بأن تضمحل الأديان الباطلة كلُّها، ويبقى فيهم (١) دين الإسلام وحده.
﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ عمَّا يجب الانتهاء عنه، والفاء للتَّرتيب على ما تقدَّم.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تعليلٌ لِمَا تضمَّنه الجواب من عدم التَّقصير في المجازاة، تقديره: فيجازيهم على الامتثال ولا يَضيع نقيرٌ وقطميرٌ من التروك والأعمال.
وقرئ: ﴿تعملون﴾ بالتَّاء (٢)، على معنى: فإن الله تعالى بما تعملون من الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر بصيرٌ يجازيكم عليه، ويكون تعليقه بـ ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ - على الغيبة - للتَّغلب؛ أي: إنه بصير بعملكم وعملهم، فينبئكم جميعاً، ويجازي كلًّا بحسب عمله، ومَن وَهَمَ أن إثابتهم للتَّسبُّب فقد وَهِمَ.
* * *
стр. 1729
(٤٠) - ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾.
﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن الامتثال.
﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ﴾ ناصركم ومتولِّي أموركم، فلا تبالوا بمعاداتهم، وثِقوا بولايته تعالى، وفي زيادة (اعلموا) - لتضمُّنه الدلالة على تنزيلهم منزلة الجاهل لنكتة خطابية تناسب المقام، وتزيد في البلاغة درجةَ الكلام - مزيدُ تهييجٍ لهم على ذلك.
﴿نِعْمَ الْمَوْلَى﴾ هو، فلا يُضيع مَن تولَّاه ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ فلا يُغلَب مَن يَنصره.
* * *
(٤١) - ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾؛ أي: الذي أخذتُموه من الكفَّار قهراً ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: من أقلِّ ما يقع عليه اسم الشيء، حتى المِخْيَط والخيط، وتصدير الكلام بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا﴾ لزيادة الاهتمام.
﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ دخلت الفاء في خبر (أنَّ) لتضمُّن العموم الذي دلَّ عليه ما في معنى الشَّرط، و (أن لله) في موضع رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: فالحكم أنَّ للهِ خمسَه.
والجمهور على أن ذكر الله تعالى تمهيدٌ لِذِكْرِ الرَّسول وما عطف عليه؛ تعظيماً وتخصيصاً للمعطوفِينَ به، كما في قوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، وأن (١) المراد قسم الخُمْسِ على الخمسة المعطوفين.
стр. 1730
﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ كأنه قال: فأنَّ لله خمسه يصرف إلى هؤلاء الأخصِّينَ به تفضيلاً (١) لهم على غيرهم.
وليس المراد من قوله: (اعلموا) مجرد العلم يستوي فيه المؤمن والكافر، بل العلمُ المستلزِم للعملِ؛ فإن المقصود بالذَّات من العلم إذا أُمِرَ به هو العمل، والعلمُ مقصودٌ بالعَرض.
وهو متعلق بمحذوفٍ دلَّ عليه: ﴿وَاعْلَمُوا … ﴾ إلخ؛ أي: اجعلوا الخُمسَ لله وأحبابِه للتقرُّب إليه، فاقطعوا أطماعكم عنه، واصرفوا إلى مَن عيَّنَ من المخصوصين به، واقتنِعوا بالأخماس الأربعة.
والحكم بعدُ باقٍ، إلَّا أنَّ سهمَ الرَّسولِ يُصرَفُ إلى ما كان يُصْرَفُه مِن مصالحِ المسلمين، كما كان يفعله الشَّيخان، وقيل: إلى الإمام، وقيل: إلى الأصناف الأربعة الباقية، وعند أبي حنيفة سقط سهمه ﵇ بوفاته، وسهم ذوي القربى لأنهم استحقُّوه بالنُّصرة والمظاهرة حينئذٍ، وصار الكلُّ مصروفاً إلى الثَّلاثة الباقية، وعندَ مالكٍ يفوَّض إلى رأي الإمامِ، يصرفه إلى ما يراه أهم.
﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ محمدٍ ﵇ من الآيات والملائكة والنُّصرة، معطوف على ﴿بِاللَّهِ﴾.
وقرئ: (عُبُدِنَا) بضمتين (٢)؛ أي: الرسول والمؤمنين.
﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾: يومَ بدرٍ، فإنه فُرِّقَ فيه بين الحقِّ والباطل ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ المسلمون والكفار، واليوم الأوَّل بمعنى الوَقْعَة، والثَّاني بمعنى الوقت.
стр. 1731
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ختمَ بصفة القدرة؛ لأنَّه تعالى أدالَ المؤمنين (١) على قلَّتهم على الكافرين على كثرتهم ذلك اليوم.
* * *
(٤٢) - ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿إِذْ أَنْتُمْ﴾ ﴿إِذْ﴾ بدل من ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾.
﴿بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾: القُرْبَى؛ يعني: من المدينة، و (العدوة) بالحركات الثلاث: شطُّ الوادي، وقرئ بها، والمشهور الضمُّ والكسر (٢).
﴿وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾: البُعدى؛ تأنيثُ الأقصى، وكان قياسُه قلبَ الواو ياءً كالدنيا والعليا، وكذا كلُّ فعلٍ من بناء الواو تفرقةً بين الاسم والصِّفة، فجاء على الأصل، كالقَوَد وهو أكثر استعمالاً من القُصيا.
﴿وَالرَّكْبُ﴾؛ أي: العيرُ وقوَّادها.
﴿أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ في مكانٍ أسفلَ من مكانِكم؛ يعني السَّاحلَ، نصبٌ على الظرف، وهو مرفوعُ المحل لأنَّه خبر مبتدأ، والجملةُ حالٌ من الظَّرف قبلَه.
стр. 1732
وفائدةُ التقييد به وتعيينِ مراكز الفريقين: بيانُ الحالة (١) الدَّالة على شوكة الكفَّار، وعُدَّةِ غَلَبتهم، واستظهارِهم بالرَّكب، وحرصِهم على المقاتلة عنها، وتوطينِ نفوسهم على أن لا يُخلوا مراكزهم، ويبذلوا جهدهم، وضعفِ شأن المسلمين، والتياث (٢) أمرهم، واستبعاد غلبتهم عادةً، وأنَّ ظفرَهم بالعدوِّ وغلبتَهم في مثل هذه الحالة ليست إلَّا بتأييدٍ من الله تعالى ونصرِه؛ ليعلموا أنَّ الحولَ والقوَّة والقدرة كلَّه لله تعالى، وأنَّ الفتحَ كان صُنعاً إلهيًّا من خوارق العادات، فيزدادوا إيماناً وثقةً، وذلك أن مركز المؤمنين كان أيضاً رخوةً تَسُوخ فيها الأقدام، ولا يُمْشَى [فيها] (٣) إلَّا بتعب، ولم يكن بها ماء، بخلاف العُدْوة القُصوى، ويقوِّيه (٤) قوله:
﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾؛ أي: ولو تواعَدْتم أنتم وهم القتالَ، ثم علمتم حالهم في الكثرة والقوة والشَّوكة وتمهُّد العُدَّة، وحالَكم في القلَّة والضَّعف وعدم أسباب الظَّفَر، لاختلفتم أنتم تهيُّباً منهم وتأبِّياً من الظَّفر عليهم وظنًّا بالمغلوبيَّة.
﴿وَلَكِنْ﴾ دبَّرَ اللهُ تعالى ذلكَ حيثُ وعدَ إحدى الطَّائفتين مبهَمةً، وأخرجكم راغبين في العير، وأخرجهم ليمنعوا عِيرهم (٥)، وسبَّب الأسبابَ، وجمع بينكم وبينهم على هذه الحالة.
стр. 1733
﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾: حَقيقاً بأن يُفعل، وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه.
﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ بدل منه، أو متعلِّق بقوله: ﴿مَفْعُولًا﴾، استُعيرَ الهلاكُ للكفرِ والحياةُ للإسلامِ، كما يُستَعارُ الموتُ والحياةُ للجهل والعلم؛ أي: ليكون كفرُ مَن كفرَ عن وضوحِ بيِّنةٍ حتى لا يبقى عند الله تعالى مَعذرةٌ، وَيصدرَ إسلامُ مَنْ أسلمَ أيضاً عن يقينٍ بأنه دينُ الحقِّ الذي يجب الدُّخولُ فيه والتَّديُّنُ به، وذلك أنَّ وقعةَ بدرٍ كانت من الآيات الواضحة التي مَنْ كفرَ بعدها كان مكابراً لنفسه مغالطاً لها.
وقرئ: ﴿مَنْ حَيَّ﴾ التَّضعيف (١)، لموافقة مستقبلهِ (٢).
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ بكفرِ مَنْ كَفَرَ وعقابِه، وإيمانِ مَنْ آمنَ وثوابِه، والجمع بين الوَصْفَيْنِ لاشتمالِ الأمرَيْنِ على القول والاعتقاد.
* * *
(٤٣) - ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ بدلٌ ثانٍ من ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾، أو نصبٌ بإضمار: اذكر، أو بقوله: ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أي: سميع بأحاديث نفوسكم في كراهة القتال،
стр. 1734
عليم بتدابير أموركم، وتسوية مصالحكم؛ إذ يريكهم في نومك (١) قليلاً، أراهم الله تعالى إيَّاه في رؤياه قليلاً، فأخبر به (٢) أصحابَه، فثبَّتهم ذلك، وشجَّعهم على عدوهم.
﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ الفشل: صنفٌ (٣) من الوَجَل.
لم يقل: (لفشلتَ)؛ لأنَّه ﵇ كان معصوماً من النَّقائص، فأسندَ الفشل إليه ﵇ على طريقة التَّغليب؛ رعايةً لجانِبَي الكلام والمقام.
﴿وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾: أمرِ القتال، وتفرَّقَتْ آراؤكم بينَ الفرار والقرار.
والتَّنازع: الاختلاف الذي يحاول كلُّ واحدٍ منهما نزعَ الآخرِ صاحبِه (٤) مما هو عليه.
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾: أنعمَ بالسَّلامة من الفشل والتنازع، وعصمَكم منهما.
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ مما سيكون فيها من الجبن والجرأة والصبر والجزع، وما يغيِّر (٥) أحوالها.
* * *
(٤٤) - ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.
стр. 1735
﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ حتى قال ابن مسعود ﵁ لمن إلى جنبه: أتراهم سبعين؟ فقال: أراهم مئة (١)؛ تثبيتاً لهم.
وقيل: تصديقاً لرؤيا الرَّسول، وفيه نظر.
والضميران مفعولا (يُري)، و ﴿قَلِيلًا﴾ نصب على الحال (٢).
﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ حتى قال أبو جهل: إنَّ محمداً وأصحابه أَكَلَةُ جَزُورٍ (٣).
قلَّلهم في أعينهم قبل الْتِحام القتال له ليَجْترؤوا (٤) عليهم، ولا يستعدُّوا لهم، ثم كثَّرهم بعده حتى رأوهم مثلَيْهم لتُفاجئهم الكثرة فتهيبهم (٥) وتكسر حدَّتهم وشوكتهم، وذلك من عظائم آيات تلك الوقعة (٦)، وليس هذا التَّفاوت في الإبصار مع تساوي الشروط إلا بخرق العادة.
﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ كرَّره لاختلاف الفعل المعلَّل به، أو لأنَّ المرادَ بالأمرِ ثمَّةَ: الالتقاءُ على وجه المحكي، وهاهنا: إعزاز الإسلام وأهله، وإذلالُ الكفر وحزبه.
﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ فلا رادَّ لقضائه ولا تغيير لتقديره.
стр. 1736
(٤٥) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ﴾؛ أي: حاربتم؛ فإنَّ اللِّقاء مما غلبَ في القتال.
﴿فِئَةً﴾ الانقطاع معتبر في مفهوم الفئة، أصلها من فَأَوْتَ رأسَه بالسَّيفِ: إذا قطعتَه، والجماعة المنقطعة عن المؤمنين كفَّارٌ أو بغاةٌ، ومَن لم يقف على هذه الدَّقيقة الأنيقة قال: ولم يصفهم لأنَّ المؤمنين ما كانوا يلقون إلا الكفَّار (١).
﴿فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ في مواطن الحرب، داعين (٢) له، مستظهِرين بذكره (٣)، ومترقِّبين لنصره.
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: تظفرون بالنُّصرة والمثوبة.
وفيه تنبيه على أنَّ المؤمن يجب أن يداوم على ذكر الله تعالى، خصوصاً عند الشَّدائد؛ ليجتمع همُّه ولا يتوزَّع باله، ويتشجَّع (٤) قلبه، ويطمئنَّ بالتَّوجُّه نحوَه، ويستمدَّ منه فيتأيَّد، ويستظهرَ بقوَّته وحَوْلِه.
* * *
стр. 1737
(٤٦) - ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ باتفاق الكلمة ﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾ باختلافها، تنازُعَكم بأحد.
﴿فَتَفْشَلُوا﴾ نصبٌ بإضمار (أنْ) (١)، أو جزمٌ داخلٌ في حكم النَّهي.
وقرئ: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ بالتاء والنصب عطفاً على الأول، وبالياء والجزم على الثاني (٢).
أي: تذهب دولتكم، على أن الرِّيح مستعارَة للدَّولة، شبِّهت في تمشِّي أمرها ونفاذه بالرِّيح في جريها وهبوبها، يقال: هبت رياح فلان: إذا آلت إليه الدولة، ومنه قولُ عليٍّ ﵁:
ولا خيرَ في ودِّ امرئ متلوِّنٍ … إذا الريحُ مالت مالَ حيث تميلُ (٣)
وقيل: ذهاب الريح على ظاهره؛ فإنه لم يكن نصرٌ قطُّ إلَّا بريحٍ يبعثُها اللهُ تعالى، كما قال ﵇: "نُصِرْتُ بالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بالدَّبورِ" (٤).
﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ بالكلاءة والنصر.
* * *
стр. 1738
(٤٧) - ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾؛ يعني: قريشاً حين خرجوا لحماية العير.
﴿بَطَرًا﴾ البَطَرُ: سوء احتمال الغنى (١)، ومن آثارِه: الفخرُ والأَشرُ.
﴿وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ ليُثنوا عليهم بالشجاعة والسماحة.
نزلت في أبي جهل وأصحابه، خرجوا من مكَّة لنصرة العير بالقَيْنات والمعازف، فنهى الله تعالى المؤمنين أن يكونوا مثل هؤلاء بَطِرين طَرِبين مُرائين بأعمالهم. ويلزمه الأمرُ بالتَّقوى والإخلاصِ بناءً على أنَّ النَّهي عن الشَّيء يستلزمُ الأمرَ بضدِّه.
وأمَّا ما قيل: وذلك أنَّهم لما بلغوا الجُحْفَةَ (٢) وأتاهم رسولُ أبي سفيان أنِ ارجعوا فقد سلِمَتْ عيرُكم، فقال أبو جهلٍ: لا والله حتى نقدَم بدراً، ونشرب بها الخمور، وتَعزف علينا القِيَان، ونُطعم بها مَن حضَرنا من العرب (٣). فوافَوها ولكن سُقُوا كأسَ المنايا، وناحَتْ عليهم النَّوائح (٤) = فلا يصلح وجهاً لخروجهم من مكَّة بَطِرين ومرائين.
﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ﴾ نصب على الحال، أو المفعول لهما.
﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عطفٌ عليهما: حالَين مطلقاً، ومفعولاً لهما على تأويل المصدر؛ أي: وصدُّوا عن سبيل الله.
стр. 1739
﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾؛ أي: عالمٌ به فيجازيكم عليه، وعيدٌ وتهديدٌ لمن بقيَ مِنَ الكفَّار.
* * *
(٤٨) - ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ منصوب بـ ﴿اذْكُرْ﴾.
﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ التي عملوها في معاداةِ الرَّسولِ ﷺ .
﴿وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ﴾ خبر ﴿لَا غَالِبَ﴾؛ أي: كائنٌ لكم، أو صفتُه، وليس صلتَه بمعنى: لا غالب إيَّاكم، وإلَّا لكان منصوباً، كقولك: لا ضارباً زيداً عندَنا.
﴿الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ والجار: هو المجير الذي يعطي الخائفَ الأمانَ.
روي عن ابن عباس ﵄: أن المشركين تخوَّفوا من بني بكر بن كنانة؛ إذ كانوا قَتلوا منهم قتيلاً، فلم يأمنوا يومَ خروجهم إلى بدرٍ أن يأتوهم من ورائهم، فتصوَّر لهم إبليس بصورة سراقة بن مالك وهو من بني بكر، وقال: أنا جارٌ لكم من بني بكر، فركنوا إلى قوله، وساروا وهو معهم، حتى إذا التقى المسلمون والكفَّار أسلمهم شرَّ مَسْلَمٍ، وتبرَّأَ منهم، ولَمَّا نكصَ على عقيبه أخذ الحارث بن هشام بيده فقال: أعلى هذه الحالة تخذلُنا؟ قال: إني أرى ما لا ترون، قال الحارث: والله ما نرى إلا جَعاسيس يثرب (١)، قال: إني أخاف الله، قال الحارث: فهلَّا كان هذا أمس، فدفع
стр. 1740
في صدر الحارث وانطلق، فانهزم النَّاس، فلما قدموا مكَّة، قال: هزم النَّاسَ سراقةُ بن مالك، فقال: بلغني أنكم تقولون: إني هزمْتُ النَّاسَ، فوالله ما شعرْتُ بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم، فقالوا: ما أتيتنا يومَ كذا؟ فحلف لهم، فلما أسلموا علموا أن ذلك كان الشيطان (١).
وذهب بعضهم إلى أن التَّزيين (٢) في هذه الآية وما بعده من الأقوال هو (٣) بالوسوسة والمحادثةِ في النُّفوس، ولا يخفَى ضعفه؛ فإن قوله: ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ ليس مما يُلْقَى بالوسوسة، وكذا النُّكوص (٤) على عقيبه وما بعده من الأقوال، وليس مما يُلْقَى بها.
﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾ تراءت: تفاعَلَت من الرُّؤية؛ أي: رأى كلٌّ من الفريقين الأخرى، وهذه الحالة قبل الالتقاء.
﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ لبيانِ أنَّه انهزم على أسوأ الحال.
﴿وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾: إني رجعت عمَّا كنْتُ ضَمِنْتُ لكم من الأيمان.
﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ تعليلٌ لبراءته، قاله (٥) حينَ رأى إمداد المسلمين بالملائكة، كأنه يقول: إني كنْتُ مجيرَكم من النَّاس، وضمنْتُ لكم الغلبة
стр. 1741
عليهم، وأرى ما ليس من جنسهم (١) جاؤوا لمحاربتكم.
﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾: إني أخاف عقابه على أيدي مَن أراهم ولا ترونهم أنتم.
قال قتادة وابن الكلبي: إن هذه معذرةٌ كاذبة، ولم تلحقه قطُّ مخافةٌ (٢).
وقال الزجَّاج وغيره: بل خاف مما رأى من الأمر وهوله أنه يومُه الذي أُنظر إليه (٣).
﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لا يُرَدُّ عقابه بشيء ولا يُقاوَم، والظَّاهر أنَّه من كلامه؛ إذ على تقدير كونه مستأنفاً يكون تقريراً لمعذرته، ولا يقتضيه المقام، فيكون فضلةً في الكلام.
* * *
(٤٩) - ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ بالمدينة ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: والذين ليسوا بثابتي الأقدام في الإسلام، بل كانوا على حرف.
وعن الحسن: هم المشركون (٤).
стр. 1742
ويحتمل أن يكون صفةً للمنافقين، والواو للجمع بين الصفتين؛ أي: الجامعون بين النفاق والشرك.
﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ﴾؛ أي: المسلمين (١) ﴿دِينُهُمْ﴾ حيث وثقوا به، وتعرَّضوا لِمَا لا يَدَيْ (٢) لهم به، فخرجوا وهم ثلاثُ مئة وبضعةَ عشر إلى زُهاء ألف.
﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ جواب لهم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾: غالبٌ لا يَذلُّ مَن استجارَ به وإنْ قلَّ، ويتسلَّط بتأييده على الكثير القوي.
﴿حَكِيمٌ﴾ يفعل بحكمته ما يستبعده العقل ويعجز عن إدراكه.
* * *
(٥٠) - ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.
﴿وَلَوْ تَرَى﴾: ولو رأيت؛ فإن (لو) تردُّ المضارع ماضياً، كما تردُّ (إنْ) الماضي مضارعاً، وإنما عدل عن الماضي إلى المستقبل لتصوير الحال الماضية بالاستحضار استفظاعاً لها.
﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ ببدر، و ﴿إِذْ﴾ ظرفُ ﴿تَرَى﴾ (٣)، والمفعول محذوف؛ أي: ولو ترى الكفرةَ أو حالَهم حينئذ.
стр. 1743
و ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ فاعل ﴿يَتَوَفَّى﴾، ويدل عليه قراءة: ﴿تَتَوَفَّى﴾ بالتاء (١)، والأصل في القراءتين التوفيق بينهما مهما أَمْكَن، فلا وجه لِمَا قيل: ويجوز أن يكون الفاعل ضمير الله تعالى، وهو مبتدأ خبره: ﴿يَضْرِبُونَ﴾ في ﴿وُجُوهَهُمْ﴾ والجملة حال من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، واستُغني فيه بالضمير عن الواو، وهو على ما ذكرنا حالٌ منهم، أو من ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾، أو منهما؛ لاشتماله على الضميرين.
﴿وَأَدْبَارَهُمْ﴾: ظهورَهم وأستاهَهم، وتخصيصُها بالضَّرب (٢) لكونِ الخزي والنَّكال في ضربها أشد، ويجوز أن يكون المراد (٣) تعميمَ الضَّرب لِمَا أقبلَ منهم وما أدبر.
وحُذف جواب ﴿وَلَوْ﴾ للتَّفظيع والتَّهويل؛ أي: لرأيْتَ أمراً عظيماً لا يمكن وصفُه.
﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾؛ أي: ويقولون: ذوقوا عذاب النَّار؛ فإنَّ الحريقَ اسمُ النَّار، قيل: كانت معهم (٤) مقامعُ من حديد كلما ضربوا بها التهبت النار.
* * *
(٥١) - ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾ الضَّرب والعذاب ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾: بسببِ ما كسبتُم من الكفر والمعاصي، وهو خبر لـ ﴿ذَلِكَ﴾، يحتمل أن يكون من كلامهم، وأن يكون من كلام الله تعالى.
стр. 1744
﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ جملة حاليَّة لتقرير ما فُهِمَ ممَّا سبَقَ مِن أن ما يُفعل بهم إنما يُفعل (١) جزاءً بما كسبوه، فيكون عدلاً مَحْضاً.
ولو قيل: (ليس بظالم) لكان أبلغَ (٢)، والعدولُ عنه إلى صيغة المبالغة للتَّنبيه على أن شأنه تعالى يقتضي أن يكون كلُّ وصفٍ يثبت له بالغاً إلى حدِّ الكمال.
ومَنْ لم يتنبَّه لهذه الدَّقيقة الأنيقة زعم أنه لأَجْل العبيد (٣)، ولم يدرِ أنَّ ما يُقالُ: إنَّ اللهَ تعالى ليس بظلَّام للعبيد، نفيٌ للمبالغة (٤)، ونفي مبالغة الظُّلم لا يستلزم نفي أصله، بل ربَّما يوجب إثباته بدليل الخطاب، وبرجوع النَّفي إلى القيد لا يندفع بما ذُكر؛ إذ المعنى حينئذ نفيُ ظلمه تعالى عن الكلِّ، ولا يلزمه نفيُه عن كلِّ واحد، فإنَّ رفعَ الإيجاب الكلِّيِّ لا ينافي الإيجاب الجزئيَّ.
وقيل: (أنَّ الله) تعالى عطفٌ على (ما قدَّمت)؛ أي: ذلك العذاب بسببين: بسبب ما كسبوا، وبسبب أنَّ الله ليس بظلَّام؛ لأن تعذيب الكفَّار من العَدْل.
стр. 1745
وَيرِدُ عليه: أنا سلَّمنا ذلك، لكنَّ تركَ التَّعذيب من مستحقِّه ليس بظلم، بل فضلٌ، فلا ينتهِض نفيُ الظُّلم سبباً للتَّعذيب (١).
وقيل: إنَّ العطف المذكور للدلالة على أن سببيَّته مقيَّدة بانضمامه؛ إذ لولاه لأَمكنه أن يعذبهم بغير ذنوبهم.
وفيه: أنَّ الحاجة إلى ما ذُكِرَ لانحصار السببية فيما كسبوا، بحيث لا يكون التَّعذيب بسببٍ آخر محتملاً، وذلك غير مُستَفادٍ من الكلام، وليس بمقتضًى للمقام.
* * *
(٥٢) - ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ الكاف في محل الرفع؛ أي: دأبُ هؤلاء مثلُ دأب آل فرعون. والدَّأبُ: العادة والعمل الذي دَأَبُوا فيه؛ أي: واظبوا عليه.
﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: من قبلِ آل فرعون.
﴿كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ تفسيرٌ لِدَأبهم.
﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ كما أخذ هؤلاء.
﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾ لا يغلبُه شيء ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لا يُطَاقُ عقابُه، ولا يردُّه شيء.
* * *
стр. 1746
(٥٣) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما حلَّ بهم ﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾: بسببِ أنَّ اللهَ تعالى ﴿لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا﴾: مبدِّلاً ﴿نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ﴾ بالنقمة ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا﴾: يبدِّلوا ﴿مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾: ما بهم من الحالِ إلى حالٍ أسوأ منها، كما بدَّلَتْ قريشٌ حالَهم في صلة الرَّحم وعدَمِ التَّعرُّض للآيات والرُّسل وإن كانوا كفرةً؛ لأن الكفرَ لا يمنع النِّعمة الدُّنيوية؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٢٦] بمعاداة (١) الرَّسول ﷺ ومَن تابعه، وإيذائهم، والسَّعي في قتلهم، والاستهزاء بالآيات، إلى غير ذلك مما أحدثوه بعد البعث، فبدَّلَ اللهُ تعالى ما أنعمَ به عليهم من الإمهال وحُسن الحال في العاجل، وعاجلهم بالعذاب.
أي: سنَّةُ الله تعالى جارية بأنْ يغيِّر نعمته على من أنعم عليهم عند تغييرهم حالَهم، فالسبب مفهومُ ما ذُكِرَ لا مَنطوقُه.
وأصل ﴿يَكُ﴾: يكون، فلمَّا دخلها ﴿لَمْ﴾ جزَمتْها، فالْتَقى ساكنان، فحذف الواو، فبقي: لم يكن، ثمَّ لَمَّا كثر استعماله حذفوا النُّون تخفيفاً، فإذا تحركت أثبتوها، قالوا: لم يكنِ الرَّجل، كذا قال الجوهري (٢).
والذي ذكره ليس بحتْمٍ؛ فإنَّ النون قد تثبت عند السُّكون كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: ١٣٩]، وقوله: ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ﴾ [الحجر: ٣٣].
﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لأقوالهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بأفعالهم وأحوالهم.
* * *
стр. 1747
(٥٤) - ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾.
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ تكريرٌ للتأكيد، وفي تفسير تغييره (١) زيادةُ دلالة على كفران النِّعم وجحود الحقِّ (٢)؛ لِمَا في لفظ الرَّبِّ المضاف إليهم من الإشعار بكونه منعِماً عليهم.
وقيل: الأوَّل لتشبيه الكفر والأخذ به، والثَّاني لتشبيه التغيير في النِّعمة بسبب تغييرهم ما بأنفسهم.
وفيه: أنَّه لا مساعدة للتَّخصيص المذكور، لا من جهة المقام، ولا من جهة نظم الكلام.
﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾؛ أي: عاجلاً ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ على العموم، دلالةُ الباء على السببية المطلقة، والسببيةُ للعذاب العاجل (٣) إنما تُستفاد من الفاء (٤).
﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ على الخصوص، وفيه بيان الأخذ بالذُّنوب.
وفي قوله: ﴿وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ إشارة إلى أنَّ سببَ الأخذ ظلمُهم، وفيه تقرير لقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال: ٥١]؛ أي: المشبَّهون الذين هم قتلى قريش، والمشبَّه بهم الذين هم آل فرعون والذين من قبلهم، كلُّهم كانوا ظالمين أنفسَهم بالكفر والمعاصي، فتشبهُ (٥) شدَّة ظلمهم لعقابهم، فما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
стр. 1748
(٥٥) - ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: أصرُّوا على الكفر ورسخوا فيه؛ لأنَّ (١) بمجرَّد الكفر لا يصحُّ الإخبار عنهم بعدم الإيمان.
﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ فلا يُتوقَّع منهم الإيمان لكونهم مطبوعاً على قلوبهم.
معنى الفاء السَّببية: التَّنبيه على أن كفرهم في الرُّسوخ بحيث يوجبُ انتفاءَ صدور الإيمان منهم.
* * *
(٥٦) - ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ﴾ بدلٌ من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بدلَ الكلِّ أو البعض؛ للبيان أو التَّخصيص، وهم يهود قريظةَ، عاهدهم رسولُ الله ﷺ أن لا يمالئوا عليه، فأعانوا المشركين بالسِّلاح، وقالوا: نسينا، ثم عاهدهم فنكثوا، ومالؤوهم عليه يوم الخندق، وركبَ كعبُ بن الأشرف إلى مكَّة فحالفهم (٢).
وإنما قال: ﴿مِنْهُمْ﴾ لتضمُّن المعاهدة معنى (٣) أخذِ الميثاق.
والمراد من المرة في قوله: ﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾: مرةُ (٤) المعاهدة أو المحاربة.
وإنما كانوا شرَّ الدَّواب؛ لأنَّ نقضَ العهد خروج عن المروءةِ والإنسانيَّة،
стр. 1749
فخالفوا مقتضى فطرتهم بالكفر ونقض العهد الأوَّل الفِطري، فانحطُّوا عمَّا جُبِلوا عليه، ثم أصرُّوا على ذلك، ثم نكثوا العهد الظَّاهر، فكانوا شرَّ الدَّواب؛ لكونها على ما جُبلَتْ عليه.
﴿وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ عاقبةَ الغدر، ولا يبالون بوخامتها في الدُّنيا والآخرة، مِنَ العار والنَّار.
* * *
(٥٧) - ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.
﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾ وتظفرون بهم؛ أي (١): تقتلهم شرَّ قِتلة، والثَّقف: الإدراك بسرعة.
﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾؛ أي: فنكِّل هؤلاء تنكيلاً يكون سبباً لشرود مَن وراءهم خوفاً منك. والتَّشريد: التَّفريق على اضطراب.
وقرئ: (فَشَرِّذْ) بالذال المعجمة (٢)، وكأنه مقلوبٌ من: شَذِّر.
وقرئ: (مِنْ خَلْفِهُم) (٣)، والمعنى واحد، فإنه إذا شرَّد مَن وراءهم فقد فعَل التشريد في الوراء.
﴿لَعَلَّهُمْ﴾: لعل المشرَّدين ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾: يتَّعظون (٤).
* * *
стр. 1750
(٥٨) - ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾.
﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ﴾ معاهدين ﴿خِيَانَةً﴾ بأمارةٍ تلُوح لك (١). الخيانة: نقضُ عهدٍ فيما ائتُمِن عليه.
﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ النَّبذُ: إلقاءُ الخبر إلى مَن لا يعلمه بما يوجِبُ أنَّه حربٌ.
﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ استواءِ حالٍ من (٢) النَّابذ والمنبوذ إليهم؛ أي: ألقِ إليهم الخبر أنَّك نقضْتَ العهد الذي بينك وبينهم؛ لتكونوا أنتم وهم في العلم بالنَّقض على استواء؛ أي: مُسْتوين فيه، ولا تحاربهم قبلَ الإعلام؛ فإنه خيانة.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ تعليل للأمر بالنَّبذِ، والنَّهي عن مناجزة القتال المدلول عليه بالحال على طريقة الاستئناف.
* * *
(٥٩) - ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾.
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ خطاب للنَّبيِّ ﷺ ، وقوله (٣): ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ مفعولاه.
وقرئ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ بياء الغيبة (٤)، والفاعل ضمير يعود على الرسول ﵇ أو على السَّامع، والمفعول الأوَّل: ﴿الَّذِينَ﴾، والثاني: ﴿سَبَقُوا﴾.
стр. 1751
وقيل: أصله: أنْ سَبَقوا، فحُذفت (أنْ)، كما في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤]، ودليله قراءة ابن مسعود ﵁: (أنهم سبقوا) (١).
وهذه القراءة (٢) لم ينفرد بها حمزة كما تُوهِّم (٣)، بل وافقه ابن عامر وعاصم في رواية حفصٍ عنه.
﴿أنَّهم لا يُعْجِزون﴾ تعليلٌ للنَّهي؛ أي: لا تحسبنَّهم سبقوا فأَفلتوا؛ لأنهم لا يفوتون الله، ولا يجدونه طالبَهم عاجزاً عن إدراكهم.
وقرئ ﴿إِنَّهُمْ﴾ بالكسر (٤)، على أنه تعليلٌ على سبيل الاستئناف، والمراد: الإزاحة لِمَا يُحذر به من نبذ العهد وإيقاظ العدو.
عن الزهري: أنَّها نزلَتْ فيمَنْ أَفلَت مِن فَلِّ المشركين (٥).
* * *
стр. 1752
(٦٠) - ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾.
﴿وَأَعِدُّوا﴾ أيُّها المؤمنون ﴿لَهُمْ﴾ لناقضي العهد، أو للكفار ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ مِنْ كلِّ ما يُتقوَّى به في الحرب، وعن عقبة بن عامر ﵁: سمعته ﵇ يقول على المنبر: "ألا إنَّ القوَّة الرَّمي"، قالها ثلاثاً (١). والمراد: أنه أقواها.
﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الرِّباط: شدٌّ أيسر من العقد، يقال: ربَطَه يَربِطُه رَبْطاً ورِبَاطاً، وصار اسماً للمربوط، إلَّا أنَّه لا يستعمل إلا في الخيل (٢)، فالإضافة باعتبار عموم المفهوم الأصلي (٣)، ويحتمل أن يكون جمع ربيط، كفصيل وفصال.
وقرئ: (رُبط الخيل) بضم الباء وسكونها (٤)، جمع رباط.
وعطفُها على ﴿قُوَّةٍ﴾ كعطف جبرائيل وميكائيل على الملائكة ﵈.
стр. 1753
﴿تُرْهِبُونَ﴾ الإرهاب: إزعاج النَّفس بالخوف، ﴿بِهِ﴾؛ أي: بما استطعتم، أو بالإعداد ﴿عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾؛ يعني: كفَّار مكَّة.
﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾: من غيرهم من الكفرة، قيل: هم اليهود، وقيل: المنافقون، وقيل: الفرس.
﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾: لا تعرفونهم بأعيانهم ﴿اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾: يعرفهم.
﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ جزاؤه، وفي عبارة ﴿يُوَفَّ﴾ بعد بيان ما ينفَق بقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ إشارةٌ إلى أنه وإنْ كان قليلاً فجزاؤه جليل.
﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ بتضييع العمل.
قيل: أو نقصِ الثَّواب. ومَبناه على استحقاق العبد بالعمل للثواب، وقد عرفت ما فيه في تفسير: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥].
* * *
(٦١) ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
﴿وَإِنْ جَنَحُوا﴾: مالوا، ومنه الجَناح، وتعديتُه باللام أو إلى.
﴿لِلسَّلْمِ﴾: للصلح والاستسلام ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾ وعاهِدْ معهم. وتأنيث الضمير لحمل السّلم على نقيضها وهو الحرب.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: ولا تخف من إبطالهم خداعاً فيه؛ فإنَّ الله تعالى يَعصمك منه ويُحيقه بهم ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأفعالهم وأحوالهم.
стр. 1754
والآية مخصوصة بأهل الكتاب لاتِّصالها بقصتهم، وقيل: عامَّة نسخَتْها آيةُ السَّيف.
* * *
(٦٢) - ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾ بالصُّلح ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ ﴿حَسْبَكَ﴾ بمعنى: مُحْسِبُكَ وكافيْكَ، قال جريرٌ:
إِنِّي وَجَدْتُ مِنَ المَكَارِمْ حَسْبَكُم … أَنْ تَلْبسُوا حُرَّ الثِيَابِ وَتَشْبَعُوا (١)
﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: بجماعة المؤمنين واتفاقِ كلمتهم، على ما دلَّ عليه قوله:
﴿وَأَلَّفَ﴾؛ أي: أوقع التَّأليف ﴿بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ حتى صاروا كنفسٍ واحدةٍ بعد ما كان فيهم من العصبية والغضبية في أدنى شيء، والتَّهالكِ على الانتقام، بحيث لا يكاد يأتلف فيهم قلبان، كما بيَّنَه بقوله:
﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: تناهي عداوتهم إلى حدٍّ لو أنفق منفقٌ في إصلاح ذاتِ بينِهم ما في الأرض من الأموال لا يقدرُ على الألفة والإصلاح.
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ بقدرته البالغة؛ فإن المالك للقلوب يقلِّبها كيف يشاء.
стр. 1755
﴿إِنَّهُ عَزِيزٌ﴾ تامُّ القدرةِ والغَلَبةِ، لا يُعصى عليه ما يريدُه.
﴿حَكِيمٌ﴾ يعلم (١) أنه كيف ينبغي أن يَفعل ما يريد.
وقيل: الآية في الأوس والخزرج، وكان بينهم من الحرب والوقائع ما أهلَكَ سادتهم ورؤساءهم، ولم يكن لبغضائهم أمدٌ ومُنتهًى، وبينهما التَّجاوُر (٢) الذي يَهيجُ الضَّغائن ويُديمُ التَّحاسد، وكان كلٌّ من الطَّائفتين يتجنَّب ما آثَرتْه الأخرى، ويكره ما أحبَّته، فأنساهم الله تعالى ذلك كلَّه حتى توافقوا على الإسلام والطَّاعة، وتصادَقُوا وتصافَوْا وتحابُّوا، وصاروا أنصار الله، وذلك من المعجزات الباهرة، والآيات الظَّاهرة (٣).
* * *
(٦٤) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: كفاك الله تعالى وكفى أتباعك من المؤمنين ناصراً، وكفاك الله تعالى وكفاك المؤمنون، على أنَّ (مَن اتَّبعك) في محل النَّصب على المفعول معه، كقولك: حسبك وزيداً درهم، أو الرفعِ عطفاً على اسم الله.
نزلت في البيداء في غزوة بدر (٤).
وقيل: نزلت عند إسلام عمر ﵁ (٥).