← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

وقيل: أصله: أنْ سَبَقوا، فحُذفت (أنْ)، كما في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤]، ودليله قراءة ابن مسعود ﵁: (أنهم سبقوا) (١). وهذه القراءة (٢) لم ينفرد بها حمزة كما تُوهِّم (٣)، بل وافقه ابن عامر وعاصم في رواية حفصٍ عنه. ﴿أنَّهم لا يُعْجِزون﴾ تعليلٌ للنَّهي؛ أي: لا تحسبنَّهم سبقوا فأَفلتوا؛ لأنهم لا يفوتون الله، ولا يجدونه طالبَهم عاجزاً عن إدراكهم. وقرئ ﴿إِنَّهُمْ﴾ بالكسر (٤)، على أنه تعليلٌ على سبيل الاستئناف، والمراد: الإزاحة لِمَا يُحذر به من نبذ العهد وإيقاظ العدو. عن الزهري: أنَّها نزلَتْ فيمَنْ أَفلَت مِن فَلِّ المشركين (٥). * * *

стр. 1752

(٦٠) - ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾. ﴿وَأَعِدُّوا﴾ أيُّها المؤمنون ﴿لَهُمْ﴾ لناقضي العهد، أو للكفار ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ مِنْ كلِّ ما يُتقوَّى به في الحرب، وعن عقبة بن عامر ﵁: سمعته ﵇ يقول على المنبر: "ألا إنَّ القوَّة الرَّمي"، قالها ثلاثاً (١). والمراد: أنه أقواها. ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الرِّباط: شدٌّ أيسر من العقد، يقال: ربَطَه يَربِطُه رَبْطاً ورِبَاطاً، وصار اسماً للمربوط، إلَّا أنَّه لا يستعمل إلا في الخيل (٢)، فالإضافة باعتبار عموم المفهوم الأصلي (٣)، ويحتمل أن يكون جمع ربيط، كفصيل وفصال. وقرئ: (رُبط الخيل) بضم الباء وسكونها (٤)، جمع رباط. وعطفُها على ﴿قُوَّةٍ﴾ كعطف جبرائيل وميكائيل على الملائكة ﵈.

стр. 1753

﴿تُرْهِبُونَ﴾ الإرهاب: إزعاج النَّفس بالخوف، ﴿بِهِ﴾؛ أي: بما استطعتم، أو بالإعداد ﴿عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾؛ يعني: كفَّار مكَّة. ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾: من غيرهم من الكفرة، قيل: هم اليهود، وقيل: المنافقون، وقيل: الفرس. ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾: لا تعرفونهم بأعيانهم ﴿اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾: يعرفهم. ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ جزاؤه، وفي عبارة ﴿يُوَفَّ﴾ بعد بيان ما ينفَق بقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ إشارةٌ إلى أنه وإنْ كان قليلاً فجزاؤه جليل. ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ بتضييع العمل. قيل: أو نقصِ الثَّواب. ومَبناه على استحقاق العبد بالعمل للثواب، وقد عرفت ما فيه في تفسير: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]. * * * (٦١) ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ﴿وَإِنْ جَنَحُوا﴾: مالوا، ومنه الجَناح، وتعديتُه باللام أو إلى. ﴿لِلسَّلْمِ﴾: للصلح والاستسلام ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾ وعاهِدْ معهم. وتأنيث الضمير لحمل السّلم على نقيضها وهو الحرب. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: ولا تخف من إبطالهم خداعاً فيه؛ فإنَّ الله تعالى يَعصمك منه ويُحيقه بهم ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأفعالهم وأحوالهم.

стр. 1754

والآية مخصوصة بأهل الكتاب لاتِّصالها بقصتهم، وقيل: عامَّة نسخَتْها آيةُ السَّيف. * * * (٦٢) - ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾ بالصُّلح ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ ﴿حَسْبَكَ﴾ بمعنى: مُحْسِبُكَ وكافيْكَ، قال جريرٌ: إِنِّي وَجَدْتُ مِنَ المَكَارِمْ حَسْبَكُم … أَنْ تَلْبسُوا حُرَّ الثِيَابِ وَتَشْبَعُوا (١) ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: بجماعة المؤمنين واتفاقِ كلمتهم، على ما دلَّ عليه قوله: ﴿وَأَلَّفَ﴾؛ أي: أوقع التَّأليف ﴿بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ حتى صاروا كنفسٍ واحدةٍ بعد ما كان فيهم من العصبية والغضبية في أدنى شيء، والتَّهالكِ على الانتقام، بحيث لا يكاد يأتلف فيهم قلبان، كما بيَّنَه بقوله: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: تناهي عداوتهم إلى حدٍّ لو أنفق منفقٌ في إصلاح ذاتِ بينِهم ما في الأرض من الأموال لا يقدرُ على الألفة والإصلاح. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ بقدرته البالغة؛ فإن المالك للقلوب يقلِّبها كيف يشاء.

стр. 1755

﴿إِنَّهُ عَزِيزٌ﴾ تامُّ القدرةِ والغَلَبةِ، لا يُعصى عليه ما يريدُه. ﴿حَكِيمٌ﴾ يعلم (١) أنه كيف ينبغي أن يَفعل ما يريد. وقيل: الآية في الأوس والخزرج، وكان بينهم من الحرب والوقائع ما أهلَكَ سادتهم ورؤساءهم، ولم يكن لبغضائهم أمدٌ ومُنتهًى، وبينهما التَّجاوُر (٢) الذي يَهيجُ الضَّغائن ويُديمُ التَّحاسد، وكان كلٌّ من الطَّائفتين يتجنَّب ما آثَرتْه الأخرى، ويكره ما أحبَّته، فأنساهم الله تعالى ذلك كلَّه حتى توافقوا على الإسلام والطَّاعة، وتصادَقُوا وتصافَوْا وتحابُّوا، وصاروا أنصار الله، وذلك من المعجزات الباهرة، والآيات الظَّاهرة (٣). * * * (٦٤) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: كفاك الله تعالى وكفى أتباعك من المؤمنين ناصراً، وكفاك الله تعالى وكفاك المؤمنون، على أنَّ (مَن اتَّبعك) في محل النَّصب على المفعول معه، كقولك: حسبك وزيداً درهم، أو الرفعِ عطفاً على اسم الله. نزلت في البيداء في غزوة بدر (٤). وقيل: نزلت عند إسلام عمر ﵁ (٥).

стр. 1756

(٦٥) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ التَّحريضُ: المبالغةُ في الحثِّ على الأمر، من الحَرَضِ، وهو أن يُنهكه المرض حتى يُشرف على الموت. وقرئ: (حَرِّصْ) بالصَّاد المهملة (١). ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ على القتال ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ﴾ صابرة عليه ﴿يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تكرار المعنى الواحد بالأعداد المتناسبة في المقاومة للدّلالة على أنَّ حكمَ القليل والكثير واحد. وشَرَط في الوعد والبشارة بغلبة الجماعة من المؤمنين على عشرةِ أمثالٍ من الكفَّار الصَّبرَ حتى يؤيِّدهم بعونه ونصره، ثم قال: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾؛ أي: بسبب أنَّ الكفَّارَ قومٌ جهَلة لا يقاتلون لله تعالى، ولا يثبتون ثبات المؤمنين الذين يبتغون (٢) بالقتال رضا الله تعالى، فلا يستحقُّون النُّصرة والمعونة؛ لكون دواعيهم منبعثةً من الهوى والشَّيطنة، فاستحقُّوا الهوان والخذلان لتوليهم الشيطان. * * * (٦٦) - ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.

стр. 1757

﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ كان في أوَّلِ الأمر لخواصِّ أصحاب النَّبيِّ ﷺ زيادةُ استبصار وقوَّةُ قلب، حتى لقي حمزة ﵁ في ثلاثين راكباً أبا جهل في ثلاث مئة راكب (١). فلمَّا اختلط بهم سائر الناس وفيهم مَن يكون به حبُّ الأهل والولد والمال، وأنَّه يضعف القلب عن (٢) مقاومة الكثير من الكفَّار، خفَّف عنهم بمقاومة الواحد الاثنين. ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بتقديره وتيسيره ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ بالنُّصرة والمعونة، فكيف لا يَغلبون (٣)؟ في ضمن الآية مبالغة في شدَّة المطلوبية، ولكونه أهمَّ أُثبت (٤) في أُولى جملتي التَّخفيف، وحذف من الثانية لدلالة السَّابقة عليه. * * * (٦٧) - ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾؛ أي: ما صحَّ له وما استقام. وقرئ: (للنَّبيِّ) على العهد (٥). ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ وقرئ ﴿تكونَ﴾ بالتَّاء (٦)، وقرئ: ﴿أُسَارَى﴾ (٧).

стр. 1758

﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ بإشاعة القتل؛ أي: يُضعفَ الكفر ويُذلَّه، وَيعزَّ الإسلامُ بالنَّصر (١)، ثم يجوز له الأسر بعد ذلك، ولهذا لمَّا كثر المسلمون وضَربَ الإسلامُ بِجِرانِهِ (٢) نزلَ: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]. مِنْ أَثْخَنَهُ المرض: إذا أثقلَه، وأصله: الثَّخانة. وقرئ: (يُثَخِّنَ) بالتَّشديد (٣)؛ للمبالغة. ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾: حطامَها بأخذكم الفداء. ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ لكم؛ أي: ثوابَ الآخرة، أو سببَ (٤) نيله من إعزاز دينه وقمع أعدائه. وقرئ بجرِّ: (الآخرة) (٥)، على إضمار المضاف كقوله: أَكُلَّ امرئٍ تَحْسَبِيْنَ امْرَأً … ونارٍ تَوَقَّدُ باللَّيلِ نَارا (٦) ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ يُغلِّب أولياءه على أعدائه. ﴿حَكِيمٌ﴾ يعلم ما يليقُ بكلِّ حالٍ ويخصُّه بها، كما أمر بالإثخان ومنع عن

стр. 1759

الافتداء حين كانت الشوكة للمشركين، وخيَّر بينه وبين المَنِّ لَمَّا تحوَّلَتِ الحالُ، وصارت الغلبة للمؤمنين. وروي: أنَّه ﵇ أُتِيَ يوم بدرٍ بسبعين أسيراً فيهم العبَّاس وعقيل بن أبي طالب، فاستشار فيهم فقال أبو بكر: قومك وأهلك، استَبْقهم لعلَّ الله يتوب عليهم، وخُذْ منهم فديةً يقوَى بها أصحابك، وقال عمر ﵁: اضرب أعناقهم؛ فإنَّهم أئمَّة الكفر، وإنَّ الله أغناك عن الفداء، مكِّنِّي من فلانٍ - لنسيب له -، ومكِّنْ عليًّا وحمزةَ من أخويهما فلنضرب أعناقهم، فلم يهوَ ذلك رسولُ الله ﷺ ، وقال: "إنَّ اللهَ ليُلينُ قلوبَ رجالٍ حتى تكون ألينَ من اللِّين، وإنَّ اللهَ تعالى يشدِّدُ قلوبَ رجالٍ حتى تكونَ أشدَّ من الحجارة، وإنَّ مَثَلكَ يا أبا بكر مَثَلُ إبراهيم قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، ومَثَلَك يا عمر مَثَلُ نوح قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، فخيَّر أصحابه ﵃ فأخذوا الفداء، فنزلت (١). قيل: فدخلَ عمرُ ﵁ على رسولِ اللهِ ﷺ ، فإذا هو وأبو بكر يبكيان، فقال: يا رسول الله، أخبرني، فإن أجد بكاءً بكيْتُ وإلا تباكَيْتُ، فقال: "أبكي على أصحابِكَ في أخذِهم الفِداءَ، ولقدْ عُرِضَ عليَّ عذابَهم أدنى مِنْ هذه الشَّجرةِ" لشجرة قريبة (٢).

стр. 1760

وفيه: أنَّهم ما أخذوا الفداء إلا بعد تخييرهم صاحبَ الشرع فلا يستحقُّون العذاب، وفيما ذكر ما يُفصح عن استحقاقهم إيَّاه. ثم إنَّ المذكور في سبب النُّزول صريحٌ في أنه ﵇ استشارَ بعضَ أصحابه رضي الله تعالى عنهم وأخذ برأي أبي بكر في القضية المذكورة، فلا دلالة في الآية المذكورة على أنَّ الأنبياء ﵈ يجتهدون، وأنَّه قد يكون خطأ ولكن لا يُقَرُّون عليه. * * * (٦٨) - ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. ﴿لَوْلَا كِتَابٌ﴾: حكم وقضاء ﴿مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ إثباتُه في اللَّوح: أني لا أعذِّب إلَّا بعد النَّهي، لعذَّبْتكم فيما صنعْتُم، ولم يكن نهاهم. أو: أنَّ الفدية التي أخذوها ستُحَلُّ لهم؛ قال الحسن: إن الله تعالى أطعم هذه الأمَّة الغنيمة، وإنهم أخذوا الفداء من أسارى بدر قبل أن يؤمروا به، فعاتب الله تعالى ذلك عليهم، ثم أحلَّه لهم (١). أو: أن لا يعذِّب أهلَ بدرٍ (٢). ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ المس (٣): إصابةٌ يتأثَّر منه البشر ﴿فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾: بسبب ما أخذتم من

стр. 1761

الفداء ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، لما نزلت هذه الآية (١) أمسكوا عن مدِّ أيديهم إلى شيءٍ من الغنائم، فنزل: (٦٩) - ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ الفاء للسَّبب، والسَّبب محذوفٌ، تقديره: أحللْتُ لكم الغنائم فكلوا، وفي عموم (ما غنمتم) تدخل الفدية؛ لأنها من جملة الغنائم، وإذا كان تقدير الكلام ما ذُكِرَ، لا يكون فيه متمسَّكٌ لمن زعم أنَّ الأمرَ الوارد بعد الحظر للإباحة. ﴿حَلَالًا﴾ حالٌ من المغنوم، أو صفةٌ للمصدر؛ أي: أكلًا حلالًا، وفائدته: إزاحة ما وقع في نفوسهم بسبب العتاب، ولذلك وصفَه بقوله: ﴿طَيِّبًا﴾ لبيان أنَّه لا تبعةَ فيه، فإنَّ الحلالَ قد يكون مكروهًا، فإذا وُصِفَ بالطِّيبِ لا يبقى هذا الاحتمال، وأمَّا الإباحة فلا تجامعه الكراهة، فالمباح أخصُّ من الحلال، ومن هاهنا تبيَّن أنَّ حقَّ المقدر أن يكون: أحللْتُ، دون: أبحْتُ. وجُوِّزَ أنْ تكون الفائدة ما وقع في نفوسهم بسبب حرمة الغنائم على الأولين. وفيه: أنه ﵇ بعد ما رخَّص وخيَّر بين القتل والفداء لا وجه لأنْ يبقى في نفوسهم احتمال الحرمة، خصوصًا بعدما أقدموا على أخذ الفداء وعملوا بموجب الرُّخصة. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في الإقدام على ما لم يُعهَد إليكم فيه حكمٌ. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ غفرَ ذنبَكم ﴿رَحِيمٌ﴾ أباحَ لكم ما أخذتم.

стр. 1762

ولا يخفى لطفُ موقع هذا الكلام وحسنُ انطباقه بمقتضى المقام، فإن في الأمر بالاتقاء ما يسبق إلى الأوهام من بقاءِ التَّبعة وشيءٍ من الآثام فيما صدرَ عنهم من الإقدام والالتزام. * * * (٧٠) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُم﴾ في ملكتكم (١) كأنَّ أيديكم قابضةٌ عليهم ﴿مِنَ الْأَسْرَى﴾ وقرئ: ﴿من الأُسارى﴾ (٢). أُمرَ النَّبيُّ ﷺ باستمالة (٣) الأُسارى الذين أخذ منهم الفداء؛ ترغيبًا لهم في الإسلام. ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ إخلاصًا في الإيمان وصدقًا في النيَّة. ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ من الفداء: إمَّا في الدُّنيا إخلافًا، وإمَّا في الآخرة إثابةً. روي أنَّها نزلَتْ في العبَّاس ﵁؛ كلَّفه رسولُ اللهِ ﷺ أن يفديَ نفسه وابني أخويه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، فقال: يا محمَّد! تركتني أتكفَّف قريشًا ما بَقيْتُ، فقال: "أينَ الذَّهب الذي دفعْتَ إلى أمِّ الفضل وقت خروجك، وقلْتَ لها: إني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا، فإن حَدَث بي حدثٌ فهو لكِ ولعبد الله

стр. 1763

وعبيد الله والفضل وقثم"، فقال: وما يدريك؟ فقال: "أخبرني ربي"، قال: فأشهد أنَّك صادقٌ، وأن لا إله إلا الله، وأنك رسوله، والله لم يطلع عليه أحدٌ إلا الله، ولقد دفعته إليها في سواد اللَّيل، قال العباس: فأبدلني الله خيرًا من ذلك، لي الآن عشرون عبدًا إن أدناهم ليَضرب في عشرين ألفًا، وأعطاني زمزمَ ما أُحبُّ أنَّ لي بها جميعَ أموال أهل مكَّة، وأنا أنتظر المغفرة من ربكم (١). يعني: الموعودَ بقوله: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. * * * (٧١) - ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا﴾ يعني: الأسرى ﴿خِيَانَتَكَ﴾: نقضَ ما عهدوك (٢) ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ﴾ بالكفر ونقضِ ميثاقه المأخوذ بالعقد ﴿مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾: فأَمْكَنك منهم؛ أي: فأَقْدَرك عليهم؛ يعني يومَ بدر، وهم ورؤساؤهم، فكيف بعد ذهابهم بالقتل؟ فإن عادوا للخيانة فيُمْكِنُك منهم. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بالأحوال ﴿حَكِيمٌ﴾ في الأفعال. * * * (٧٢) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.

стр. 1764

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾ وهم المهاجرين، هجروا أوطانهم حبًّا لله ولرسوله. ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ﴾ بأنْ صرفوها في الكراع والسلاح، وأنفقوا على (١) المحاويج. ﴿وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بمباشرة القتال. ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا﴾ أي: آووا المهاجرين إلى ديارهم ﴿وَنَصَرُوا﴾ على أعدائهم، وهم الأنصار. ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ في الميراث، وكان المهاجرون (٢) والأنصار يتوارثون بالهجرة والنصرة دون الأقارب حتى نُسِخَ بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]. وقيل: بالنصرة والمظاهرة. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ في ذكر (٣) ﴿آمَنُوا﴾ هاهنا دون الثاني؛ لأنَّ قوله: ﴿آوَوْا﴾ يغني عنه، بخلاف قوله: ﴿وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾ بل يُوْهِمُ خلافَه. ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: من تولِّيهم في الميراث ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾. وقرئ: ﴿وِلَايَتِهِمْ﴾ بالكسر (٤)؛ تشبيهًا للتولِّي بالعمل والصِّناعة كالكتابة والإمارة، كأنَّه بتولِّيه صاحبَه يزاول (٥) عملًا.

стр. 1765

﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾: فواجبٌ عليكم أن تنصروهم على المشركين. ﴿إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾: عهدٌ، فإنه لا يجوز أن يُنقض عهدهم بنصرهم عليهم. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تحذير عن تعدِّي حدِّ الشرع في الموالاة وتركها. * * * (٧٣) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ظاهرُه إثبات الموالاة بين الكفَّار، والمراد نهيُ المسلمين عن موالاتهم وموارثتهم؛ لأن الموالاة بينهم مترتِّبة (١) على التَّناسب في الكفر، كترتُّبها بين المؤمنين على التناسب في الإيمان، فالمفهوم عدم الموالاة حيث لا تناسُبَ، فيلزم انتفاءُ موالاة المؤمنين (٢) والكافرين في التَّوارث، ووجوبُ مصارفتهم ومباعَدتهم وإن كانوا الأقارب. ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾: إن (٣) لم تَمتثِلوا ما أمرتُكم به، ولم تتركوا موالاة الكفار، ولم تفضِّلوا (٤) نسبة الإيمان على نسبة القرابة، وأخوَّةَ الإسلام على اتصال اللُّحْمية، ولم تقطعوا العلائق بينكم وبين الكفَّار، ولم تجعلوا القرابة دينيَّة فقط.

стр. 1766

﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ﴾: تحصل فتنةٌ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ عظيمةٌ، هي ضعفُ الإسلام وقوَّةُ الكفر. ﴿وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ في الدِّين؛ لأن المسلمين ما لم يصيروا يدًا واحدة على الكفرة لم يقم الدِّين، وازداد الفساد وكبر. وقرئ: (كثير) (١). اكتفى بالتَّنكير في توصيف الفتنة بالكبير؛ للتَّنبيه على أنه لا يفي به التفسير. * * * (٧٤) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ لمَّا قسم المؤمنين ثلاثةَ أقسام بيَّنَ أنَّ القسمَيْن الأوَّلَيْن المتواصلَيْن هم الكاملون في الإيمان، الذين حقَّقوا إيمانهم بتحصيل مقتضاه؛ من الهجرة والجهاد وبذل المال ونصرة الحق، وأثنى عليهم، ووعد لهم الموعد الكريم مخصوصًا بهم وبمن لحقهم، حيث قال: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾؛ أي: مغفرة عظيمةٌ ونوعٌ من الرِّزق لا تَبِعةَ ولا مِنَّةَ فيه، والتَّخصيصُ مستفادٌ من تقديم الجار والمجرور. والآية الأولى للأمر بالتَّواصل بينهم والموالاة، وهذه لبيان فضلهم، فلا تكرار. * * *

стр. 1767

(٧٥) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾: من جملتكم أيها المهاجرون والأنصار؛ أي: حكمُ اللاحقين بهم المتَّسِمين بسِمَتِهم حكمُ السابقين إلى الهجرة وكمالِ الإيمان والموعد؛ ترغيبًا لهم وتكريمًا. ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ في التَّوارث من الأجانب. ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾: في حُكمه، أو في اللَّوح المحفوظ، أو في القرآن، وهو آية المواريث، واستُدلَّ بها على توريث ذوي الأرحام. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فيعلم الحكمة في التَّوريث بنسبة الإسلام والمظاهرة أوَّلًا، ثم بنسبة القرابة ثانيًا. * * *

стр. 1768

سورة براءة (١) هي آخرُ ما نزل، ولها أسماء أُخر منها سورة التَّوبة. وعن حذيفة ﵁: إنَّكم تسمُّونها سورة التَّوبة، وإنَّها سورة العذاب، والله ما تركَتْ أحدًا إلا نالَتْ منه (٢). قيل: كان النبي ﷺ إذا نزلت عليه آيةٌ أو سورةٌ يبيِّن موضعها، وتوفي ولم يبيِّن موضع هذه السُّورة، وكانت قصَّتها تشابه قصَّة الأنفال وتُناسبها؛ لأن في الأنفال ذكرَ العهود وفي البراءة نبذَها قرن بينهما (٣). وأمَّا أنَّها لم تنضم إليها فلأنَّ الصحابة ﵃ اختلفوا في أنهما (٤) سورة واحدة - وهي سابعة السَّبع الطِّوال - أو سورتان، فتركت بينهما فرجة، ولم تكتب: (بسم الله الرحمن الرحيم) (٥)؛ رعاية للاحتمالين.

стр. 1769

ومن قال: إنما تُرِكَتِ التَّسمية بينهما لأنها نزلت لرفع الأمان و (بسم الله) أمانٌ، فكأنه غافلٌ عن أنها توقيفية، لا دخل للرأي في إثباتها وتركها. * * * (١) - ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. ﴿بَرَاءَةٌ﴾ مبتدأ؛ لأنها موصوفة بقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾؛ أي: حاصلة منهما، خبره: ﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾؛ أي: واصلةٌ إليهم، ويجوز أن تكون ﴿بَرَاءَةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذه براءة، وحينئذ لا حاجة إلى تقدير حاصلة، بل يكفي تقدير: واصلة (١)؛ أي: ﴿مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾. والعهد: الذي يُتقدَّم به لتوثيق الأمر به. وإظهار ما (٢) ذكر في صورة الإخبار - وهو أمر في الحقيقة - للمبالغة في مبادرته ﵇ إلى الامتثال للأوامر الواردة. وذكرُ الله تعالى تمهيدٌ كما في قوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]؛ تعظيمًا لشأنه ﵇، وإشعارًا بأنَّه مِنَ الله تعالى بمكانٍ يوجب إجلالَه (٣)، وإنما نَسَبَ البراءةَ إلى الرَّسول ﷺ والمعاهدة إلى المسلمين؛ لشركتهم في الثانية دون الأولى. ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ من أهل مكَّة وغيرهم من العرب، فإنهم نكثوا العهد إلا

стр. 1770

ناسًا منهم من بني ضمرة وبني كنانة، فأمر الله تعالى المسلمين بنبذ العهد إلى النَّاكثين منهم. * * * (٢) - ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾. ﴿فَسِيحُوا﴾ السَّيح: السَّير على مَهَلٍ، والجريُ على انبساط، ولا يخفى حسنُ موقعه هنا. وفيه تلوين الخطاب من صورة الخبر إلى الأمر الظَّاهر، ونقلُه من مخاطَبٍ إلى آخر بلا فصلٍ بينهما بأداة النِّداء، وهذا جائز عند عدم الاشتباه (١)، كما في قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف: ٢٩]، فلا حاجةَ إلى تقدير القول، ولا بُعْدَ في ترتُّبِ (٢) الثَّاني على الأوَّل كما في قول الحماسة: لا تَقْبِرُونِي إِنّ قَبْرِي مُحَرَّمٌ … عَلَيْكُمْ ولكِنْ أَبْشِرِي أُمَّ عَامِرِ (٣) وإنما زيد قوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ تعميمًا للإذن، وإلَّا فمعلومٌ أنَّ السَّيح لا يكون إلا في الأرض (٤).

стр. 1771

﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ أمهِلْهم أربعة أشهر ليسيروا فيها على مهلٍ آمنين أين شاؤوا، وهي الأشهر المرادة بقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ على ما يأتي بيانه بإذن الله تعالى. وقيل: هي شوَّال، وذو القعدة، وذو الحجَّة، والمحرم؛ لأنها نزلَتْ في شوَّال سنة تسعٍ من الهجرة، كان صيانة الأشهر الحرم من القتل والقتال فيها واجبة، فوافقها النُّزول. وقيل: عشرون من ذي الحجَّة والمحرم وصفر وربيع الأول وعشر من ربيع الآخر؛ لأنَّ التَّبليغ كان يوم النَّحر، وكانت حرمًا؛ لأنهم أُومنوا فيها وحرِّم قتلهم وقتالهم، أو على التَّغليب لأن ذا الحجَّة والمحرَّم منها. وَيرِدُ عليه: أنَّه لا دلالة في كون التَّبليغ العام على رؤوس الأنام يوم النَّحر على ما ذُكِرَ؛ إذ يجوز أن يكون النُّزول قبله، وتحصل فائدة التبليغ بالإعلان والإشاعة. روي أنه لمَّا ضَرب لهم مدَّة قالوا: نسيح في المدَّة على أمان، ثم نحتال فنمتنع (١)، فنزلَ قولُه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ لا تَفوتونه وإنْ أَمهَلكم، وزيادةُ: ﴿اعْلَمُوا﴾ للتَّشديد. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ الإخزاء: الإذلال بما فيه الفضيحة والعار؛ أي: مُذِلُّهم بالقتل والأسر في الدُّنيا، والعذابِ في الآخرة، ووضع الظَّاهر موضع الضمير في الموضعين: أمَّا في الأول فلتفخيم أمر الخزي، وأمَّا في الثاني فللدلالة على أن الكفر هو الموجِبُ له، وكذا في: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. * * *

стр. 1772

(٣) - ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الأذان (١): فعَال بمعنى الإفعال، كالأمان والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء، قيل: معناه النِّداء بالأمر الذي يُسمَع بالأذان. ورفعُه كرفع ﴿بَرَاءَةٌ﴾ على الوجهين، والواو عاطفة للجملة على الجملة. ﴿إِلَى النَّاسِ﴾ لما كانت البراءةُ مخصوصةً بالمعاهَدين، والإيذانَ بها للعموم، علَّق الإخبارَ بالبراءة بالمعاهَدين (٢)، والإخبارَ بالإيذان بذلك بالناس. ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾: يوم العيد؛ لأن فيه تمامَ الحج ومعظَمَ أفعاله، ولأنَّ التَّبيلغ كان فيه، ولِمَا روي أن النبي ﷺ وقفَ يوم النَّحر عند الجمرات في حجَّة الوداع فقال: "هذا يوم الحجِّ الأكبر" (٣). وتوصيفُه بالأكبر لأن العمرةَ حجٌّ أصغر، أو لأنَّ المراد من الحجِّ أعمالُه، وما يقع فيه أكبر من سائر باقي الأعمال، أو لأنَّه ظهر فيه عزُّ المسلمين وذلُّ الكافرين. وأما الموافَقة لأعياد سائر الملل فلا ينبغي أن يُعبأ بها (٤) في تعظيم حجِّنا، ثمَّ إنَّ التَّوصيف المذكور قد ورد في حجَّة الوداع أيضًا، ولا موافقه ثمَّة.

стр. 1773

﴿أَنَّ اللَّهَ﴾؛ أي: بأنَّ الله، حُذِفَتِ الباء التي هي صلة الأذان تخفيفًا. وقرئ: (إنَّ اللهَ) بالكسر (١)، إجراءً للأذان مجرى القول. ﴿بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: من أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، ويندرج فيها عهودهم اندراجًا أوَّليًّا. ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ عطف على المستكنِّ في ﴿بَرِيءٌ﴾ من غير تأكيدٍ للفصل، أو على محل (إنَّ) المكسورة واسمها (٢) بلا فصلٍ بأداته. وقرئ بالنصب (٣)؛ عطفًا على اسم ﴿أَنَّ﴾، أو على أنَّ الواو بمعنى: مع. ويجوز (٤) أن يكون مبتدأً محذوفَ الخبر؛ أي: ورسولُه كذلك. ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ تفريعٌ على ما فُهِمَ ممَّا تقدَّم مِن كون المشركين وآثاره (٥) سببًا للبراءة المذكورة، وفي هذا التفريع غنًى عن ذكر متعلَّق التَّوبة. ﴿فَهُوَ﴾؛ أي: فالتَوب ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ في الدُّنيا والآخرة.

стр. 1774

﴿وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾، أي: أعرضتم عمَّا دُعيتم إليه ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ﴾ قد مَرَّ أنَّ إقحام (اعلموا) إلى (١) مثل هذا المقام للتَّهديد في الوعيد. ﴿غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ لا تَفوتونه طلبًا، ولا تتخلَّصون منه هربًا. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الأمرُ بالبشارة عامٌّ لكلِّ مَنْ يقدِر عليها، وفيه تلوينُ الخطاب. ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ في الآخرة. * * * (٤) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ استدراك من قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلخ، بحسب المفهوم، كأنه قيل: لا تُمهلوا النَّاكثين للعهد غيرَ أربعة أشهر، لكن الذين عاهدتم ولم ينقضوا عهدهم فلا تجعلوهم في حكم النَّاكثين الذين لا رخصة في إمهالهم عن المدَّة المذكورة، ولا يضرُّه تخلُّل الفاصل؛ أعني قوله: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ إلخ؛ لأنَّه ليس بأجنبيٍّ بالكليَّة، لكونه أمرًا بالإعلام معنًى، كأنَّه قيل: واعلموا أنَّ الله بريءٌ منهم. قيل: استثناء من ﴿فَسِيحُوا﴾. ومبناه على تقدير القول بين الفاء ومدخوله، وقد عرفْتَ أنَّه تكلُّفٌ مستغنًى عنه. وقيل: استثناء من ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾. ورُدَّ بأنَّه يلزم حينئذ تخلُّل الفاصل بالأجنبي مع منافاته لعموم المشركين في قوله (٢): ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.

стр. 1775

والعدول في قوله: ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ من المضمَر إلى الظَّاهر لطول العهد، والتَّنبيهِ على أن الشرك (١) إذا قارنه الوفاء بالعهد لا يؤثر في النَّبذ. ولا يخفى ما فيه من التَّفخيم لشأن الوفاء. ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ من (٢) شرائط العهد، وفي عبارة ﴿ثُمَّ﴾ إشارة إلى أنهم لم يفعلوا ذلك مع تمادي العهد. ﴿وَلَمْ يُظَاهِرُوا﴾؛ أي: ولم يعاونوا ﴿عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾ من أعدائكم. ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ﴾ تفريعٌ على ما تقدَّم، وبيانٌ للمراد من عدم جعلِهم في حكم النَّاكثين. وإنما قال: ﴿إِلَيْهِمْ﴾ تضمينًا لمعنى الإرسال؛ أي: أتمُّوا عهدهم إلى مدَّتهم مرسِلين إليهم؛ يعني: أمرَ الإتمام، وذلك لَمَّا اعتبر الإعلام في قرينه السابق ذكرُه كان المناسب اعتبارها هاهنا أيضًا. وفيه دفعُ وهم (٣) تعميم حكم النَّبْذِ لهم أيضًا، وأمَّا تضمُّن أدُّوا ففيه التزامُ للجمع بين معنيين أحدهما مغنٍ (٤) عن الآخر. ﴿عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ المدَّة: زمان طويل الفسحة، واشتقاقه من مَدَدْتُ له في الأجل المهلة، والمراد منتهاها، بقرينة ﴿إِلَى﴾ التي لانتهاء الغاية، فلا حاجة إلى تقدير المضاف.

стр. 1776

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ تعليلٌ وتنبيهٌ على أنَّ قضيةَ التَّقوى إتمامُ العهد، والتَّسوية بين الوفي والغادر. النَّبذ مخالفة التَّقوى، وإنْ كان الأوَّل مشتركًا (١). وفيه تتميمٌ لِمَا قصد بقوله: ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ من التَّفخيم لشأن الوفاء بالعهد. * * * (٥) - ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ﴾ الانسلاخ: انفصالُ الشَّيء عمَّا يلابِسه ملابَسةَ الْتِحام، مِن سلخ الشَّاة، وإذا كان الانفصال عمَّا يلابسه ملابَسةَ مجاوَرةٍ أو الْتصاقٍ دون الْتحامٍ يقال: انخلع، ولا يقال: انسلخ. ثم الخلع والسلخ مشتركان في التعلُّق بما يحتوي الشَّيء، وبه يفارقان النَّزْع؛ فإنه يتعلَّق بما يحويه الشَّيء، مثلًا يقال: نزعْتُ المسمار، ولا يقال: خلعتُه، ولا: سلختُه، وإنَّما يقال لآخِر الشَّهر: يوم السَّلْخ؛ استعارةً لعبارة السَّلخ لإزالة النُّور. ﴿الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ وهي تسعة أشهر لبني كنانة، وأربعةُ أشهر لسائر المعاهَدين

стр. 1777

المذكورةُ في قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ ومَن قال (١): التي أبيح للناكثين أن يسيحوا فيها؛ فكأنَّه غفل عن عموم الحكم لبني كنانة. وقيل: هي رجبٌ وذو القَعدة وذو الحجة والمحرَّم، ويأباه ترتيب الكلام على ما تقدَّم بالفاء. وأمَّا ردُّه بأنَّه مخالفٌ للإجماع لأنَّه يقتضي بقاء حرمة الأشهر الحرم إذ ليس فيما ينزل (٢) بعدُ ما ينسخها، فليس بتامٍّ؛ لأنَّ ناسخ الكتاب لا يلزم أن يكون من الكتاب، وعلى تقدير لزومه كما هو مذهب الشافعي يحتمل أن يكون ناسخه من الكتاب منسوخ التلاوة. ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ النَّاكثين عهدهم ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ في حلٍّ أو حرمٍ. ولمَّا كان التَّعريف في الموضعين للعهد لم يكن لمسألة جواز قتال المشركين في الأشهر الحرم تعلُّق بهذا (٣) المقام، كما سبق إلى بعض الأوهام. ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ الأخذ: الأسر، ومنه: الأَخيذ، للأسير (٤). وليس أسرُهم للاسترقاق؛ لأنَّه لا يجوز في حقِّ المشرك (٥)، ولهذا أَمر بالحبس، والمراد منه: الإمهال في تخييرهم بين السَّيف والإسلام (٦).

стр. 1778

﴿وَاحْصُرُوهُمْ﴾؛ أي: واحبسوهم، ويجوز أن يكون المراد من الحصر المنعُ من التَّبسُّط في البلاد، ويدخل فيه دخولًا أوَّليًّا منعُهم من المسجد الحرام. ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾؛ أي: مواضعَ الغِرَّة (١)، قال النَّابغة: أعاذلُ إن الجهل مِنْ لَذَّةِ الْفَتَى … وَإِنَّ الْمَنَايَا لِلنُّفُوسِ بِمَرْصَدِ (٢) وقيل: هي كلُّ ممرٍّ ومجازٍ، يرصدونهم كيلا يتبسَّطوا في البلاد، وعلى هذا يكون من قَبيل التأسيس، والتَّأكيدُ خير منه، وانتصابه على الظَّرف. ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾؛ أي: من المعاصي، ويدخل فيها دخولًا أوليًّا الرُّجوع عن الكفر، فهي متضمنة للإيمان، ثم قرن به إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة؛ تنبيهًا على مكانهما من الشرع، ويجوز أن يكون من قَبيل الاكتفاء بذكر أمَّي العبادات البدنية والمالية عن جميع العبادات الواجبة. ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾؛ أي: التزموا لتينك العبادتين البدنية والمالية، وذلك يتضمَّن التَّصديق بنبوَّة نبيِّنا محمَّد ﷺ ، وهو المقصود الأصلي، فمضمون الكلام المذكور منطوق كلمَتي الشَّهادة. ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ تأمينٌ لهم؛ أي: فدعُوهم ولا تتعرَّضوا لهم بشيء من ذلك. ولا دلالة فيه على أن تارك الصلاة ومانع الزكاة لا يُخلَّى سبيله؛ لمَا عرفْتَ أنَّ الشَّرط التزامها كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩].

стр. 1779

﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ تعليل لِمَا تقدَّم؛ أي: لأنَّ الله غفور يغفر لهم ما سلف ﴿رَحِيمٌ﴾ لا يكلِّفهم المشاقَّ. ولا يخفى حسنُ انتظامه مع المساق؛ لتضمُّنه الإشارة إلى وجه الاكتفاء بالالتزام لِمَا أمر به. * * * (٦) - ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَإِنْ أَحَدٌ﴾ فاعل فعلٍ مضمَرٍ يفسِّره ما بعدَه لوجود حرف الشرط، وإنما قال: ﴿أَحَدٌ﴾ لعدم الرخصة لإجارة الجماعة؛ لأنها مظنَّةُ الفساد، ولا يتوقَّف عليها تمام المصلحة. ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ لم يقل: (منهم) لعدم اختصاص الحكم بهم على ما يأتي بيانه. ﴿اسْتَجَارَكَ﴾: سألك أن تؤمِّنه وتكون جارًا له ليَسمع كلام الله تعالى، ويتبيَّن ما تدعو إليه. ﴿فَأَجِرْهُ﴾: فأجبْه إلى ذلك ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ تعالى خاصَّة، أي: يفهمَه ويتدبَّره، فيعلمَ أنه معجِزٌ من عند الله تعالى، وذلك يقتضي مهلةً، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ يعني: إنْ لم يؤمن وطلب الرجوع إلى موضع أمنه. والتعبير عن الفهم بالسمع لأنَّهم من أهل اللِّسان، فيفهمون المعنى كما يسمعون اللفظ.

стр. 1780

﴿ذَلِكَ﴾ الحكم ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنَّهم ﴿قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ إشارة إلى لطف المعاملة معهم في الإجارة وتبليغ المأمن؛ أي: لا يعلمون حقيقة ما تدعون إليه، فلا بدَّ من الأمان زمانًا حتى يسمعوا ويفهموا الحقَّ فيُذعنوه. ويجوز أن يكون ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ منزَّلًا منزلة اللازم؛ أي: ليسوا من أهل العلم والمعرفة، وهذا الحكم عام ثابتٌ أبدًا. * * * (٧) - ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ استفهام على جهة التَّعجب والاستبعاد، ومرجعه إلى الإنكار على وجه الأغلب. ﴿عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يأمنون به من عذابه في الآخرة (١) ﴿وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ يأمنون به عذاب الدُّنيا من القتل والأخذ، وتكرار ﴿عِنْدَ﴾ للتَّنبيه على اختلاف المراد، وفيه سدٌّ لباب التَّمهيد (٢). وقيل: إنكار واستبعاد لأنْ يكون لهم عهدٌ ولا ينكثوه مع وغرَة (٣) صدورهم، أو لأنْ يفي الله ورسوله بالعهد وهم نكثوه.

стр. 1781

ولا يذهبْ عليك أنَّ ما ذكر معنى قولنا: كيف يكون لله ورسوله عهد عند المشركين، لا معنى ما قاله. ﴿كَيْفَ﴾ حال عن اسم ﴿يَكُونُ﴾ مقدَّمة للاستفهام، و ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾ خبره، و ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ صفةٌ لـ ﴿عَهْدٌ﴾، أو ظرفٌ لـ ﴿يَكُونُ﴾. أو ﴿كَيْفَ﴾ خبر مقدَّم، و ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾ حال مبيِّنة للعهد، أو ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ خبر. ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ نصبٌ على الاستثناء، أو جرٌّ على البدل، أو رفعٌ على أنَّه كلام مستدرَك، بمعنى: لكن الذين عاهدتم. ﴿عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ هم المستثنون قبله. ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ﴾ على العهد ﴿فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ عليه، والفاء الأولى على الوجهين الأوَّلَيْن (١) عاطفة الجملة على مقدَّر؛ أي: فتربصوا أمرهم فما استقاموا لكم، وعلى الثَّالث فاء الجزاء؛ لتضمين الموصول معنى الشَّرط، و (ما) شرطيَّة، وجزاء الشرط: ﴿فَاسْتَقِيمُوا﴾، أو مصدرية على معنى: فاستقيموا لهم ما استقاموا لكم، والفاء الثانية مكرَّرة للتَّأكيد. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ تعليل للأمر بالاستقامة، وإشعار بأنَّ المحافظة على العهد من لوازم التَّقوى. * * * (٨) - ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾.

стр. 1782

﴿كَيْفَ﴾ إعادة للاستبعاد المذكور على وجه الاختصار، على طريقة الاقتصار على ذكر أوَّل الكلام عند انفهام التَّمام بمعونة المقام. وأمَّا التَّنبيه على العلَّة فحاصلٌ بدون إعادة ﴿كَيْفَ﴾. والمعنى: كيف يكون لهم عهد عند الله وعند رسوله ولا عهد لله ولرسوله عندهم، وقد عبَّر عن هذا على طريقة إقامة دليل الشيء مقامه بقوله: ﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: وحالهم أنهم إن يظفروا بكم. أصل الظُّهور: العلوُّ بالغلبة. ﴿لَا يَرْقُبُوا﴾: لا يراعوا ﴿فِيكُمْ﴾ أصل الارتقاب بالبصر، ومنه الرَّقيب، ثم قيل: لكل مَن حافظ على الشَّيء (١) وراعاه: راقبه وارتقبه. ﴿إِلًّا﴾ حلفًا (٢)، وقيل: قرابة ﴿وَلَا ذِمَّةً﴾: عهدًا أو حقًّا يعاب على إغفاله. ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ كلامٌ مستأنفٌ لبيان حالهم المنافية للثَّبات على العهد، وتقديرِ (٣) عدم مراعاتهم حقَّ الميثاق للحلف (٤) أو القرابة، والإرضاءُ بالأفواه عبارةٌ عن معاذيرهم الكاذبة ومواعيدهم الباطلة، وإنما ذكر الأفواه لأنها الظاهرة (٥). ﴿وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾ عن الإرضاء حقيقةً بما فيها من العزائم على خِلاف ما قالوا، وإنما قال:

стр. 1783

﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ لما في بعضهم من التفادي عن الغدر، والتعفُّفِ (١) عما يجرُّ إلى أحدوثة السُّوء. وتوصيفُهم بالفسقِ مع أنَّ الشِّركَ أشدُّ منه؛ لرفع شأن الفسقِ في الذَّمِّ، كما أن توصيف الأنبياء ﵈ بالإيمان لرفع شأن الإيمان في المدح، فلا حاجة إلى التَّكلُّف في صرف الفسق عن ظاهره. * * * (٩) - ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ استئنافٌ لبيان فسقِهم، وقد مرَّ تفسيرُه في سورة البقرة. ﴿فَصَدُّوا﴾؛ أي: أعرضوا، مِنْ صَدَّ عنه يَصُدُّ صُدودًا، أو منعوا من صدَّه عنه يَصُدُّه صدًا. ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أراد بالسَّبيل: الدِّينَ الحقَّ، والإضافة إلى الله تعالى للتَّشريف. ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ المخصوصُ بالذَّم محذوف، أو ما دلَّ عليه قوله: * * * (١٠) - ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾. ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [فهو] (٢) تفسير لـ ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لا تكرير.

стр. 1784

﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾: المجاوزون الغايةَ في الظُّلم والشّرارة، والواو للعطف من جهة المعنى على ما تقدم من الجملة الإنشائية. * * * (١١) - ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾، أي: بعد هذا كلِّه إن رجعوا عن الكفر إلى الإيمان ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ قد مرَّ تفسيره. ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾: فهم إخوانكم ﴿فِي الدِّينِ﴾ لهم ما لكم وعليهم ما عليكم. ﴿وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ اعتراضٌ للتَّحريض على تدبُّر ما فُصِّلَ من الآيات، وما بُيِّنَ من أحكام المشركين المعاهدين والتَّائبين، والحثِّ على المحافظة عليه ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ فيه إشعار بأنَّ العالِمَ مَن تأمَّل تفصيلها، والواو للعطف على مقدَّر، أي: ننزِّل القرآن ونفصِّل الآيات. * * * (١٢) - ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾. ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ النَّكثُ: النَّقْضُ، وأصله فيما يُفتَلُ ثم يُحَلُّ، فهي في الأيمان والعهود مُستعارَة، وإنَّما قال: ﴿مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ إظهارًا لقبح حال النَّاكثين، حيث عاهدوا ثمَّ أكَّدوا عهدهم بالأيمان.

стр. 1785

وأفردَ العهد وجمع الأيمان لأنَّ الأوَّل يكون بالنِّيابة، فعهدُ (١) مقدَّمِ جماعةٍ يكون عهدًا لهم، دون الثَّاني فلا بُدَّ مِنْ صدور اليمين من كلِّ واحد منهم. ﴿وَطَعَنُوا﴾ الطَّعنُ: هو الاعتماد بالعيب، وأصله (٢): الاعتماد بالرمح. ﴿فِي دِينِكُمْ﴾ بصريح التَّكذيب وتقبيح الأحكام؛ أي: أظهروا النَّقض المذكور بالقول، ولا بُدَّ من إظهاره في إباحة القتال، وتخصيصُ الإظهار الأدنى بالذِّكرِ ليُعْلَم الحكم في الإظهار الأعلى، وهو ما يكون بالفعل بالطَّريق الأولى. ولَمَّا كانَ ذِكْرُ الطَّعنِ في صددِ بيانِ أنَّ نقضَ العهد إنَّما يبيحُ القتل والقتال إذا كان ظاهرًا قولًا أو فعلًا (٣) لم يكن في الآية دلالة على أنَّ الذِّمِّيَّ إذا طعنَ في الدِّين يُنكَثُ عهدُه ويُباحُ قتلُه (٤). ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ وضع الظَّاهر موضع الضَّمير للدلالة على أنَّ سياقَ الكلام في رؤسائهم، بناءً على أنَّ المعاهدة إنَّما تكون لهم (٥) بحسب العادة، فقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ تمهيدٌ له. ولك أنْ تقول: إنَّ الجزاءَ في الحقيقة: فاقتلوهم، ولَمَّا كان قتلهم مسبوقًا بمقاتلة مقدَّميهم، ودفع مدافعة رؤسائهم من البين، نزَّلها منزلةَ الجزاء على طريقة الكناية بذكر الملزوم عن اللازم.

стр. 1786

وقرئ: ﴿أَئِمَّةَ﴾ بتحقيق الهمزتين، والأفصح جعل الثَّانية بينَ بين (١)، وأمَّا التَّصريح بالياء فلحنٌ صريحٌ (٢). ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ تعليلٌ لِمَا ذكر على طريقة تنزيل الشيء الخالي عن التأثير منزلة العدم (٣)؛ أي: لا أثرَ لعهودهم في المنع عن قتلهم بعد النَّكث، فلا دلالة فيه على أن يمين الكافر ليس بيمين. وقرئ: ﴿لَا أَيْمَانَ﴾ بالكسر (٤)؛ يعني أنَّ المانعَ عن قتلهم أخذُ العهد - وقد نقضوه - والإيمانُ، ولا وجود له. ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ متعلِّقٌ بقوله: ﴿فَقَاتِلُوا﴾، أي: ليكن غرضُكم في قتالهم

стр. 1787

انتهاءَهم (١) عمَّا هم عليه من الكفر والوِزْرِ وسائر العظائم، لا إيصالَ الأذية بهم، كما هو طريق المُؤْذِين. * * * (١٣) - ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ﴾ معنى الهمزة الدَّاخلة على نفي القتال: الإنكار والتَّوبيخ، فيفيد المبالغة في الحثِّ والتَّحريض عليه، وتعديدُ الصفات الموجبة له من نكثِ الأيمان، والهمِّ بإخراجه ﵇، والبدء بالقتال، تقويةٌ وتأكيدٌ لذلك (٢). ﴿قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ التي حلفوها مع الرَّسول ﵇ والمؤمنين على أن لا (٣) يعاونوا عليهم، فعاوَنوا بني بكر على خزاعة. ﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ حين تشاوَروا بمكَّة في أمره، حتى أذِنَ الله تعالى له ﵇ في الهجرة. ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ بالمعاداة والمقاتَلة؛ لأنَّه ﵇ بدأهم بالدَّعوة، وتحدَّاهم بالكتاب، وألزمهم بالحجَّة، فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى المقاتلة، فهم البادون بالقتال. ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾ أتتركون قتالهم خشيةَ أنْ ينالكم منهم مكروه (٤)، والخشيةُ:

стр. 1788

انزعاجُ النَّفس لتوقُّع ما لا يُؤمَن مِنَ الضَّرر، وإدخال الهمزة إنكارٌ للخشية، وإيماءٌ إلى منافاتها للإيمان، على ما صرَّح به بعدَه بقوله: ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لأنَّ الإيمان يستلزم تخصيصَ الخشيةِ باللهِ تعالى، وعدمَ المبالاة بغيره. وفيه جمعٌ بينَ التَّقريع والتَّشجيع، وهو أبلغ في التَّحريك. ولَمَّا بالغَ في التَّوبيخ على ترك القتال وبيَّن موجباته، جرَّدَ لهم الأمرَ به صريحًا، ووعَد لهم النَّصر والغلبة، وتعذيبَ الكفار بأيديهم؛ ليكون أوقعَ في نفوسهم، وأشدَّ تثبيتًا لقلوبهم، وتقويةً لعزائمهم، فقال: * * * (١٤) - ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾. ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ قتلًا ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾ الخزيُ: ذلٌّ يُستحيى منه. ﴿وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ النَّصرُ: المعونةُ بدفع الضَّرر، وتعديته بـ ﴿عَلَى﴾ لتضمُّنه معنى التَّغليب. ﴿وَيَشْفِ﴾ الشِّفاءُ: ملاءمةُ النَّفس بما يزيل عنها الأذى. ﴿صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ وهم خزاعة، وجه تخصيصهم: أنَّهم الذين نُقِضَ فيهم العهدُ، ونالتهم الحربُ، وكان فيهم مؤمنون كثير، وتخصيص المؤمنين منهم بالذِّكر لأنَّ المقصودَ أصالةً شفاءُ صدورِهم. * * *

стр. 1789

(١٥) - ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ لِمَا لقوا منهم من المكروه الغيظ (١). أمرَهم بالقتال، ووعدَ عليه هذه الأشياء، وأنجزَ ما وعدَ، فكان الإخبار بذلك من المعجزات. ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ كلامٌ مبتدأٌ، وإخبارٌ بأنَّ بعضَ أهل مكَّة يتوبُ ويقبلُ الله توبته لصدقها. وكان ذلك أيضًا منفصلًا عمَّا قبله لفظًا، ولكنَّه متَّصلٌ به معنى (٢)؛ أي: ومن فوائد القتال أنَّه يتوبُ بسببه بعضُ مَن تأمَّل فيه. وقرئ: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ﴾ بالنَّصب (٣)، على إضمار (أن)، وعلى دخول التَّوبة في جملة ما أجيب به الأمر من حيث المعنى. ﴿وَاللَّهُ﴾ العدول عن الضمير للتَّفخيم ﴿عَلِيمٌ﴾: لا يكون عليه خفاءٌ ﴿حَكِيمٌ﴾: لا يلحقه خطأٌ. * * * (١٦) - ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.

стр. 1790

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾: ﴿أَمْ﴾ منقطعةٌ تتضمَّن إضرابًا عن اللفظ الأوَّل، لا عن معناه، واستفهامًا فهي تسدُّ مسدَّ (بل) والألفِ للاستفهام، والاستفهامُ (١) هنا للتَّوبيخ على حسبانهم. ﴿أَنْ تُتْرَكُوا﴾ بحالكم (٢)؛ أي: أخطأتم في ظنِّكم أنَّكم تُترَكون على ما أنتم عليه دون اختبارٍ وامتحان؛ فإنَّكم لا تُترَكون حتى يتميَّز الخُلَّصُ الذين جاهدوا منكم في سبيل الله لوجه الله، ولم يتخذوا بطانةً من الذين يضادُّون رسول الله والمؤمنين (٣) يوالونهم ويُفشون إليهم (٤) أسرارهم، من غيرهم (٥). ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾: وما في ﴿وَلَمَّا﴾ مِنْ معنى التَّوقُّع منبِّهٌ (٦) على أنَّ تبيُّن ذلك متوقَّع؛ أي: لم يتبيَّنِ الخُلَّصُ منكم وهم الذين جاهدوا من غيرهم، لِمَا لنفي العلم مع التوقُّع، والمراد به المبالغة في نفي المقاوم على طريق البرهاني؛ لأنَّه لو وقع لكان معلومًا له، فلمَّا لم يُعلَم لزم عدمُ وقوعه. ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا﴾ عطفٌ على ﴿جَاهَدُوا﴾، داخل في الصلة. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾: بطانةً من الولوج، وهو الدُّخول، ووَلِيْجُكَ: صديقُكَ الذي تُطلعُه على ما في داخلِ قلبِك.
следующие страницы →