وقرئ: ﴿أَئِمَّةَ﴾ بتحقيق الهمزتين، والأفصح جعل الثَّانية بينَ بين (١)، وأمَّا التَّصريح بالياء فلحنٌ صريحٌ (٢).
﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ تعليلٌ لِمَا ذكر على طريقة تنزيل الشيء الخالي عن التأثير منزلة العدم (٣)؛ أي: لا أثرَ لعهودهم في المنع عن قتلهم بعد النَّكث، فلا دلالة فيه على أن يمين الكافر ليس بيمين.
وقرئ: ﴿لَا أَيْمَانَ﴾ بالكسر (٤)؛ يعني أنَّ المانعَ عن قتلهم أخذُ العهد - وقد نقضوه - والإيمانُ، ولا وجود له.
﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ متعلِّقٌ بقوله: ﴿فَقَاتِلُوا﴾، أي: ليكن غرضُكم في قتالهم
стр. 1787
انتهاءَهم (١) عمَّا هم عليه من الكفر والوِزْرِ وسائر العظائم، لا إيصالَ الأذية بهم، كما هو طريق المُؤْذِين.
* * *
(١٣) - ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ﴾ معنى الهمزة الدَّاخلة على نفي القتال: الإنكار والتَّوبيخ، فيفيد المبالغة في الحثِّ والتَّحريض عليه، وتعديدُ الصفات الموجبة له من نكثِ الأيمان، والهمِّ بإخراجه ﵇، والبدء بالقتال، تقويةٌ وتأكيدٌ لذلك (٢).
﴿قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ التي حلفوها مع الرَّسول ﵇ والمؤمنين على أن لا (٣) يعاونوا عليهم، فعاوَنوا بني بكر على خزاعة.
﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ حين تشاوَروا بمكَّة في أمره، حتى أذِنَ الله تعالى له ﵇ في الهجرة.
﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ بالمعاداة والمقاتَلة؛ لأنَّه ﵇ بدأهم بالدَّعوة، وتحدَّاهم بالكتاب، وألزمهم بالحجَّة، فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى المقاتلة، فهم البادون بالقتال.
﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾ أتتركون قتالهم خشيةَ أنْ ينالكم منهم مكروه (٤)، والخشيةُ:
стр. 1788
انزعاجُ النَّفس لتوقُّع ما لا يُؤمَن مِنَ الضَّرر، وإدخال الهمزة إنكارٌ للخشية، وإيماءٌ إلى منافاتها للإيمان، على ما صرَّح به بعدَه بقوله: ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لأنَّ الإيمان يستلزم تخصيصَ الخشيةِ باللهِ تعالى، وعدمَ المبالاة بغيره.
وفيه جمعٌ بينَ التَّقريع والتَّشجيع، وهو أبلغ في التَّحريك.
ولَمَّا بالغَ في التَّوبيخ على ترك القتال وبيَّن موجباته، جرَّدَ لهم الأمرَ به صريحًا، ووعَد لهم النَّصر والغلبة، وتعذيبَ الكفار بأيديهم؛ ليكون أوقعَ في نفوسهم، وأشدَّ تثبيتًا لقلوبهم، وتقويةً لعزائمهم، فقال:
* * *
(١٤) - ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ قتلًا ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾ الخزيُ: ذلٌّ يُستحيى منه.
﴿وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ النَّصرُ: المعونةُ بدفع الضَّرر، وتعديته بـ ﴿عَلَى﴾ لتضمُّنه معنى التَّغليب.
﴿وَيَشْفِ﴾ الشِّفاءُ: ملاءمةُ النَّفس بما يزيل عنها الأذى.
﴿صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ وهم خزاعة، وجه تخصيصهم: أنَّهم الذين نُقِضَ فيهم العهدُ، ونالتهم الحربُ، وكان فيهم مؤمنون كثير، وتخصيص المؤمنين منهم بالذِّكر لأنَّ المقصودَ أصالةً شفاءُ صدورِهم.
* * *
стр. 1789
(١٥) - ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ لِمَا لقوا منهم من المكروه الغيظ (١).
أمرَهم بالقتال، ووعدَ عليه هذه الأشياء، وأنجزَ ما وعدَ، فكان الإخبار بذلك من المعجزات.
﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ كلامٌ مبتدأٌ، وإخبارٌ بأنَّ بعضَ أهل مكَّة يتوبُ ويقبلُ الله توبته لصدقها. وكان ذلك أيضًا منفصلًا عمَّا قبله لفظًا، ولكنَّه متَّصلٌ به معنى (٢)؛ أي: ومن فوائد القتال أنَّه يتوبُ بسببه بعضُ مَن تأمَّل فيه.
وقرئ: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ﴾ بالنَّصب (٣)، على إضمار (أن)، وعلى دخول التَّوبة في جملة ما أجيب به الأمر من حيث المعنى.
﴿وَاللَّهُ﴾ العدول عن الضمير للتَّفخيم ﴿عَلِيمٌ﴾: لا يكون عليه خفاءٌ ﴿حَكِيمٌ﴾: لا يلحقه خطأٌ.
* * *
(١٦) - ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
стр. 1790
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾: ﴿أَمْ﴾ منقطعةٌ تتضمَّن إضرابًا عن اللفظ الأوَّل، لا عن معناه، واستفهامًا فهي تسدُّ مسدَّ (بل) والألفِ للاستفهام، والاستفهامُ (١) هنا للتَّوبيخ على حسبانهم.
﴿أَنْ تُتْرَكُوا﴾ بحالكم (٢)؛ أي: أخطأتم في ظنِّكم أنَّكم تُترَكون على ما أنتم عليه دون اختبارٍ وامتحان؛ فإنَّكم لا تُترَكون حتى يتميَّز الخُلَّصُ الذين جاهدوا منكم في سبيل الله لوجه الله، ولم يتخذوا بطانةً من الذين يضادُّون رسول الله والمؤمنين (٣) يوالونهم ويُفشون إليهم (٤) أسرارهم، من غيرهم (٥).
﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾: وما في ﴿وَلَمَّا﴾ مِنْ معنى التَّوقُّع منبِّهٌ (٦) على أنَّ تبيُّن ذلك متوقَّع؛ أي: لم يتبيَّنِ الخُلَّصُ منكم وهم الذين جاهدوا من غيرهم، لِمَا لنفي العلم مع التوقُّع، والمراد به المبالغة في نفي المقاوم على طريق البرهاني؛ لأنَّه لو وقع لكان معلومًا له، فلمَّا لم يُعلَم لزم عدمُ وقوعه.
﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا﴾ عطفٌ على ﴿جَاهَدُوا﴾، داخل في الصلة.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾: بطانةً من الولوج، وهو الدُّخول، ووَلِيْجُكَ: صديقُكَ الذي تُطلعُه على ما في داخلِ قلبِك.
стр. 1791
﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ فيعلم عملَ المجاهدين المخلصين قبلَ وقوعه، فهو كالمُزيح لِمَا يقعُ في الوهم من الشُّبهة في قوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾.
* * *
(١٧) - ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾.
﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾: ما صحَّ لهم ﴿أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾: شيئًا منها، فضلًا عن المسجد الحرام، والمراد هو، وإنما جُمع لأنَّه قِبْلَةُ المساجد كلِّها وإمامُها، فعامرُه كعامر الجميع.
وقراءتها بالتوحيد في الموضعين (١) يوافق المعنيَيْن؛ لأن تعريفه يحتمل العهد والجنس.
﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ حال من الواو، وفيه إشارة إلى حالهم المنافية؛ أي: ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارةِ بيت الله تعالى، وعبادةِ غيره.
﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ التي يفتخرون بها من العمارة والحجابة والسِّقاية وفكِّ العُناة؛ لأنَّ الكفر الطَّارئ يهدِمُ الأعمال، فكيف بالمقارِن؟
﴿وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ لكفرهم، دون العصاة من المؤمنين.
* * *
стр. 1792
(١٨) - ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾.
﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾؛ أي: لا يستقيم ولا يصحُّ عمارة مساجد الله تعالى إلَّا ممَّن آمن، وجمعَ بين الكمالات العلميَّة والعمليَّة.
والإيمان باليوم الآخر المتضمِّنُ للتَّصديق بالمعاد الجسماني لا يكون إلا بطريق السَّمع، فهو بهذا الاعتبار يشمل الإيمان بنبيِّنا ﵇؛ لأنَّ المعاد الجسماني لم يُذكَر في غير القرآن من الكتب السَّماوَّية (١)، هذا هو الوجهُ لعدم ذكر الإيمان به ﵇، وأمَّا قوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ فلم يغنِ عنه؛ لأنهما يجوز أنْ يُؤخَذا من سائر الشَّرائع.
والعمارةُ تتناول رمَّ ما استَهدمَ منها، وتنظيفَها، وتنويرها بالمصابيح، وتمهيدَ الفُرُش، وإقامةَ الصلوات، وإقامةَ الذِّكر وتلاوة القرآن ودراسة العلوم، وصيانتَها مما لم تُبْنَ له كحديث الدُّنيا وسائر الفضول.
﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ المراد من الخشية: هو الرَّهبة والهيئة والانقماعُ اللَّازمة من تصوُّر عظمة الله تعالى، لا الانفعالُ الجِبِلِّيُّ الذي هو الخوف؛ فإنه ليس بإراديٍّ، وأمَّا هذه فإنَّه من لوازم التَّقوى؛ لأنَّ عِظَمَ الخالق في قلب المؤمن يصغِّرُ المخلوق في عينه، فلا خشية له من غيره.
﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ في ذكره بصيغة التَّوقُّع قطعٌ لأطماع
стр. 1793
المشركين في الاهتداء، وتبعيدٌ لهم عن مظانِّه؛ لأن الموحِّدين المخلِصين في الأعمال إذا كان اهتداؤهم دائرًا بعسى ولعلَّ، فكيف يطمع فيه المشركون بأعمالهم المبنيَّة على الافتخار والرِّياء والمباهاة، والتَّقرب بها إلى العُزَّى واللَّات؟ ومنعُ (١) المؤمنين أن يغترُّوا بأحوالهم، ويتَّكلوا عليها.
* * *
(١٩) - ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: السقاية والعمارة مصدران، والحدَث لا يُشَبَّهُ بالجثَّة، فلا بُدَّ مِنْ مُضْمَرٍ مَدلولٍ عليه بقرينةِ الفعلِ (٢) محذوفٍ للإيجاز، تقديرُه: أجعلتم أهلَ سقاية الحاجِّ وعمارةِ المسجد الحرام كمَن آمن، ويعضدُه قراءة: ﴿سُقاةَ الحاجِّ وعَمَرَةَ المَسْجِدِ﴾ (٣)، أو: سقايةً كإيمانِ مَنْ آمنَ.
والمعنى: إنكار أنْ يتشبَّه المشركون وأعمالُهم المحبَطةُ بالمؤمنين وأعمالِهم المثبَتةِ (٤).
وقوله: ﴿لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ تقريرٌ لذلك وتأكيدٌ له، وبيَّن عدمَ تساويهم بقوله:
стр. 1794
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: الكفرةُ ظَلَمَةٌ بالشِّركِ ومعاداةِ الرَّسول ﵇، منهمِكون في الضَّلالة، فكيف يساوون الذين هداهم اللهُ تعالى ووفَّقهم للحقِّ والصَّواب؟
وقيل: المرادُ بـ ﴿الظَّالِمِينَ﴾: الذين يسوُّون بينهم وبين المؤمنين، وإنَّما قال: ﴿لَا يَهْدِي﴾ تنزيلًا للهداية الواقعة في حقِّهم منزلةَ العدم؛ لعدم ترتُّب الأثر عليها.
* * *
(٢٠) - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ من أهل السقاية والعمارة عندكم أو ممَّن ليس كذلك، فيندرج فيه أهلهما اندراجًا أوَّليًّا لكونهم مشركين.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾: المختصُّون بالفوز دونكم، أو دون مَن عداهم.
والفوزُ: بلوغُ البغية؛ إمَّا في نيلِ مرغوبٍ أو نجاةٍ عن مكروهٍ، والمراد هنا: الفوزُ الكاملُ، فينتظِمُهما.
* * *
(٢١) - ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾.
﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا﴾: في الجنَّات (١) ﴿نَعِيمٌ﴾ النَّعيم: لينُ العيشِ ورَغدُه ﴿مُقِيمٌ﴾: دائمٌ.
стр. 1795
وتنكيرُ المبشَّرِ به للتَّعظيم، وكونِه فوقَ وصفِ الواصفِ وتعريفِ المعرِّف.
وفي إسنادِ البِشارة إلى ربهم زيادةُ (١) تعظيمٍ للمُبَشَّرِ به وتكريمٍ للمُبَشَّرِ.
وبيانُ كونِ الرَّحمة منه تعالى مع كونه معلومًا لا يخلو عن قصدِ التَّعظيم لها، وإنَّما أطلق الرِّضوان لينتظمَ نوعيه المذكورين في قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
* * *
(٢٢) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أكَّد الخلودَ بالتَّأبيد؛ لآنَّه قد يُستَعمل للمُكثِ الطَّويل.
﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ يُستحقَر دونه (٢) الأجور الدنيوية.
* * *
(٢٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ عن ابن عباس ﵄: هي في المهاجرين خاصَّة (٣). كان قبلَ فتح مكَّة (٤) مَنْ آمنَ لم يتمَّ إيمانُه إلَّا بأنْ يُهاجِر، ويُصارِمَ أقاربَه الكفرةَ، ويقطع موالاتهم.
ولم يذكر الأبناء في هذه الآية إذ الأغلب في البشر أنَّ الأبناء هم التَّبع للآباء.
стр. 1796
والمعنى: لا تتخذوهم أولياء يمنعونكم عن الإيمان ويصدونكم عن الطاعة؛ لقوله: ﴿إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ﴾؛ أي: اختاروه وآثَروه ﴿عَلَى الْإِيمَانِ﴾ فتعديتُه ب ﴿عَلَى﴾ لتضمينه معنى الاختيار والإيثار (١).
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ لوضعهم (٢) الموالاةَ غيرَ موضعها، على خلاف أمر الله تعالى (٣).
لمَّا ورد التشديد في أمر المهاجرة قالوا: يا رسول الله، إن نحن اعتزلنا مَن خالفَنا في الدِّين قطعنا آباءنا وأبناءنا وعشائرنا، وذهبت تجارتنا، وهلكت أموالنا، وخَرِبت ديارنا، وبقينا ضائعين، فنزلت (٤).
* * *
(٢٤) - ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ﴾ ذُكر الأبناء في هذه الآية لمَّا جلبَتْ (٥) ذكرَهم المحبَّةُ، والأبناءُ صدرٌ في المحبَّة.
﴿وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾: أقرباؤكم، مأخوذ من العِشْرة، وقيل: من العَشَرة؛ فإنها جماعة ترجع إلى عقدٍ واحدٍ، كعَقْدِ العَشَرةِ.
стр. 1797
﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾: اكتسبْتُموها، وأصل الاقتراف: اقتطاعُ الشَّيءِ من مكانه إلى غيره.
﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ يعني: ما اشتريتُموه طلبًا للربح تخافون وقوفها وخسرانها بفواتِ وقت نَفاقها.
﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾: منازلُ تعجبكم الإقامة فيها.
﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ﴾ أرادَ الحبَّ الاختياريِّ دونَ الطبيعيِّ؛ فإنه لا يدخل تحتَ التَّكليف والتَّحفظ.
﴿مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾ فيه دلالةٌ ظاهرة على أن سياق الكلام في الحضِّ على الهجرة.
﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ جوابٌ ووعيدٌ. والتَّربُّصُ: التَّوقُّف على الانتظار.
﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ بعقوبةٍ (١) عاجلةٍ وآجلةٍ، وفي العدول عن: حتى يأتيَ أمرُ الله، إلى ما ذكر تفخيمٌ للأمر.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ فيه تنزيلٌ لوجود الهداية في حقِّهم (٢) منزلةَ العدم؛ لعدم الأثر.
وفي الآية تشديد عظيم، وقلَّما يُتخلَّص عنه (٣).
* * *
стр. 1798
(٢٥) - ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾.
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ الموطنُ: موضعُ الإقامة، ومواطن الحروب: مواقفها، وهي المراد هنا.
﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ عطف على محلِّ ﴿فِي مَوَاطِنَ﴾، أي: وموطنَ يومِ حنين، أو التقدير: في أيامِ مواطن كثيرةٍ ويومِ حنين، لتناسُب الأمكنة والأزمنة (١)، فيقع حرف النَّسق موقعه، ويجوز أن يُرَاد بالموطن: الوقت، كـ: مقتل الحسين.
﴿فِي مَوَاطِنَ﴾ بدل من ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾، ولا يَمنَعُ إبدالَه منه عطفُه على محلِّ ﴿فِي مَوَاطِنَ﴾؛ إذ لا يقتضي العطفُ اشتراكَهما فيما أضيف إليه المعطوف، فلا يلزم أن يكون إعجابها إيَّاهم في جميع المواطن.
وحنين: وادٍ بين مكَّة والطَّائف، قيل: انهزم المسلمون يومئذ وهم اثنا عشر ألفًا، وبقي رسول الله ﷺ في مركزه ليس معه إلَّا عمُّه العبَّاس وابنُ عمِّه أبو سفيان ﵄ (٢).
وليس الأمر (٣) كما قِيل، فإنَّ الثَّابتين معه ﵇ كانوا عشرة رجال (٤)،
стр. 1799
وقد أفصح عنه العبَّاس ﵁ في قوله:
نَصَرْنا رسولَ اللهِ في الحربِ تسعةً … وقدْ فَرَّ مَنْ قَدْ فَرَّ منهم وأَقْشَعوا
وعاشرُنا لاقى الحِمامَ بنفسِهِ … بما مَسَّهُ في اللهِ لا يتوجَّعُ (١)
وذلك العاشر أيمنُ ابنُ أم أيمن ﵁.
قال البراء بن عازب ﵁: لقد رأيته ﵇ وإنه على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان آخذٌ بلجامها، والنبيُّ ﵇ (٢) يقول: "أنا النبيُّ لا كذب، أنا ابنُ عبد المطلب" (٣)، أوَّلُ قوله تثبيتُ المسلمين عامَّة، وآخرُه تثبيتُ عمِّه وابنِ عمِّه خاصَّة؛ فإنَّ في ذِكْرِ جدِّه إشعارًا بأنَّ مَنْ كان من نسله حقُّه القَرار دونَ الفِرار (٤)، وهذا آيةُ غايةِ الشجاعة، حيث لم يُخْفِ اسمَه ونسبَه (٥) في تلك الحالة، ولم يَخَفِ الكفَّارَ على نفسِه.
стр. 1800
﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ﴾؛ أي: تلك الكثرة ﴿شَيْئًا﴾ قليلًا من الإغناء، أو: من أمر العدو.
﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾: بِرُحْبِهَا؛ أي: من الخوف، كما قال الشاعر:
كَأنَّ بِلادَ اللهِ وَهيَ عَرِيْضَةٌ … عَلَى الخَائِفِ المَطْلُوبِ كِفَّةُ حَابِلِ (١)
والرُّحب بالضم: السَّعة، وبالفتح: الواسع.
والجار والمجرور في محلِّ الحال؛ أي: مُلْتبسة بِرُحْبِها، ومعنى ضيق الأرض عليهم مع سعتها: أنهم لا يجدون فيها مَنجًى ولا مَهربًا يرتضونها (٢)؛ لِفرْطِ الرُّعب، فكأنها ضاقت عليهم، أو (٣) لا يثبتون فيها كمَن لا يسعه مكانُه.
﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ﴾ الكفَّارَ ظهورَكم ﴿مُدْبِرِينَ﴾: منهزمين، والإدبار: الذَّهاب إلى خِلاف الإقبال.
* * *
(٢٦) - ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾: رحمته التي سكنوا بها وأمنوا ﴿عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى
стр. 1801
الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين انهزموا، وقيل: الذين ثبتوا مع رسول الله ﷺ حين وقع الهرب، وتكرير ﴿عَلَى﴾ تنبيه على اختلاف الحال (١).
﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ بأعينهم، والجنودُ: الجموعُ التي تصلح للحرب، والمراد هنا: الملائكة.
﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالقتلِ والأسرِ والسَّبي.
﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: ما فُعل بهم جزاءُ كفرهم في الدنيا.
* * *
(٢٧) - ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: الجريمة العظيمة ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ بالتَّوفيق للإسلام، وهم ناس منهم (٢).
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ يتجاوز عنهم ﴿رَحِيمٌ﴾ يتفضَّلُ عليهم.
* * *
(٢٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ مصدر، والأفصح أن يجعل ﴿نَجَسٌ﴾ خبرًا على أنهم النَّجاسة بعينها، والمعنى: أنه يجب أن يُجتنَبَ عنهم كما
стр. 1802
يُجتنبُ عن النَّجاسة، إلَّا أنَّه بُولِغَ في وصفهم بها، فجُعلوا عينَها للتَّنفيرِ وبيانِ وجوب تبعيدهم عن المسجد.
وقرئ: (نِجْس) بكسر النون وسكون الجيم (١)، وهو تخفيفُ نَجِسٍ نعتًا، وأكثر ما جاءه تابعًا لرِجْسٍ، وعلى هذه القراءة لا بُدَّ من تقدير موصوفٍ (٢) كـ: جِنْسٌ، أو ضَرْبٌ.
﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ الفاء للسببية، أي: فلا يَقْرَبوه بسبب أنهم عينُ النَّجاسة، والنَّهيُ عن الاقتراب للمبالغة، أو للمنع عن دخول الحرم، وهو مذهب عطاء، والمراد من نهيهم أن يقربوه: نهيُ المسلمين عن تمكينهم منه، ولهذا صدِّر الكلام بالخطاب لهم، فلا دلالة فيه على أنَّ الكفَّار مخاطبون بالفروع.
وقيل: المراد: المنع عن الحج والعمرة، وعليه أبو حنيفة، ويؤيِّده قوله: ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ فإنَّه لولا هذه الإرادةُ لكان مقتضَى التفريع المذكور انتظامُ النَّهي لبقية أيام هذا العام أيضًا.
والإشارة إلى سنة عشرٍ، وقيل: إلى سنة تسع.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾: فقرًا. وسببُ وروده: أنَّ المسلمين حين مَنعوا المشركين من الموسم وهم كانوا يجلبون الأطعمة والتجارات، قذفَ الشَّيطان في نفوسهم الخوف من الفقر، وقالوا: من أين نعيش؟ فوعدهم الله تعالى أن يُغنيَهم من فضله (٣).
стр. 1803
قال الضَّحَّاك: ففتح عليهم باب أخذ الجزية من أهل الذِّمَّة بقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ﴾ الآية [التوبة: ٢٩] (١).
وقرئ: (عائلةً) (٢)، وهو مصدرٌ كالعاقبة، أو نعتٌ لمحذوفٍ؛ أي: حالًا عائلة.
﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: من عطائه أو تفضُّلِه بوجهٍ آخر، وقد أنجز وعدَه بأن فتحَ عليهم بابَ أخذ الجزية من أهل الذِّمَّة، وأخذِ الغنيمة من دار (٣) الحرب، أو وفَّق (٤) أهل تَبالةَ وجُرَشَ فأسلموا وامتاروا لهم.
﴿إِنْ شَاءَ﴾ قيَّده بالمشيئة لا ليُتنبَّه على (٥) أنه متفضِّل في ذلك؛ لأن قوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ صريحٌ في ذلك، بل لتنقطعَ الآمال إليه، ويُتنبَّه على وجه اختلاف الأحوال والأعوام والأشخاص والأقوام.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بمصالح العباد ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما حكمَ وأرادَ.
* * *
(٢٩) - ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
стр. 1804
﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، أي: لا يؤمنون بهما على وجهٍ يصحُّ ويُقبَلُ، على ما مَرَّ بيانُه في أوائل سورة البقرة، وإنما قال: ﴿قَاتِلُوا﴾ دون (اقتلوا) إشارة إلى اختصاص الجزية التي ينتهي عندها القتال بمن (١) تَحتمِل بِنيتُه الحرابَ، فلا جزية على المرأة والصَّبي والشَّيخ الفاني.
﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ لم يقل: (أو رسوله) لأنَّه ﵇ لم يحرِّم شيئًا إلا بالوحي على المذهب الصحيح، فليس المعنى: ما حرَّمَ اللهُ بالكتاب ورسولُه بالسُّنَّة؛ لِمَا في هذا التوزيع من إيهام استقلاله ﵇ في التَّحريم.
﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ الثَّابت، الذي هو ناسخٌ سائرَ الأديان ومبطلُها.
﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ بيانٌ لـ ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وتأكيدٌ للحجَّة التي لا بُدَّ من تقديمها على القتال؛ لأنهم كانوا يجدونه ﵇ في التَّوراة والإنجيل، فلا دلالة فيه من جهة المفهوم على اختصاص قَبول الجزية بأهل الكتاب، كما لا دلالة فيه على اختصاص وجوب القتال بهم.
بيَّنَ في الآية السَّابقة قتالَ المشركين وبيَّنَ في هذه الآية (٢) قتال اليهود والنصارى، ولو قال: قاتِلوا أهل الكتاب، لكفى، وإنما أَطنب بذكر هذه الأوصاف الذَّميمة تحريضًا للمؤمنين على قتالهم؛ لأنها صفات توجب البراءة منهم والعداوة لهم (٣).
﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾؛ أي: إلى أن يَقبلوها، وهي عطيةُ عقوبةٍ جزاءً على الكفر،
стр. 1805
على ما وظَّفه رسول الله ﷺ على أهل الذِّمَّة، وهي على وزن جِلْسَة وفِقْرَة لنوعٍ من الجزاء.
وقيل: من جزى يجزي: إذا كان أهدى إليه، كأنهم أُعطوها جزاءَ ما مُنِحوا من الأمن، ومن هذا المعنى قول الشاعر:
يَجْزِيكَ أو يُثْنِي عليكَ وإنَّ مَن … أَثْنَى عليكَ بما فَعَلْتَ كمَن جَزَى (١)
مَدَّ وجوبَ القتالِ إلى هذه الغاية، وهذا حكمُ أهل الكتاب بالنَّصِّ، وحكمُ المجوس كذلك بالخبر، وهو قوله ﵇: "سُنُّوا بالمجوسِ سُنَّةَ أهلِ الكتابِ غيرَ ناكحي نسائِهم ولا آكلي ذبائِحهم" (٢).
стр. 1806
ولا يجوز هذا في مشركي العرب؛ لقوله ﵇: "لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف" (١).
ويجوز في الهنود (٢) والأتراك والدَّيلم (٣) عندنا، خلافًا للشافعي، وعند مالك (٤): يُؤْخَذْ مِنْ كلِّ كافرٍ إلَّا المرتدَّ.
﴿عَنْ يَدٍ﴾ حالٌ من الضمير، واليدُ مجازٌ عن القوَّة والقدرة، والمراد قدرة المعطي، وفائدته الإشارةُ إلى أنَّه لا جزيةَ على الفقير العاجز عن الكسب، وإن كان بنيتُه بنيةَ الحراب، وهذه الإشارة من مقتضيات المقام، فلا وجه لتفويتها (٥) بحمل القيد المذكور على معنًى آخر، كمعنى الإنعام عليهم، ومعنى الطَّاعة والانقياد، ومعنى التسليم بنفسه، على أنَّ هذين المعنَيَين الأخيرَيْن من لوازم القيد الآتي ذكرُه، فلا حاجة لإفادته إلى زيادة قيدٍ آخرٍ.
ومن هنا تبيَّنَ أنَّه لا وجهَ لأنْ يكون المرادُ من القدرة على تقدير الحمل عليها: قدرةَ الأخذِ.
وأما معنى: نقدًا مسلَّمةً عن يدٍ إلى يدٍ، على أنه حال من الجزية، فلا يناسب المقام؛ لِمَا عرفتَ أن الغاية حقيقةً (٦) هي التَّقبُّل والالتزام، دونَ العطاءِ بالفعلِ.
﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾: الصَّغارُ: الذُّلُّ والنَّكال الذي يصغِّر قدرَ صاحبه؛ أي: وهم
стр. 1807
أذلَّاء، يأتون لأداء الجزية مشاةً لا ركبانًا، ويؤدُّون قيامًا والآخذ قاعدًا، ويؤخَذ بِلُببهِ عند الأخذِ، ويُحرَّك ويُقال: أدِّ الجزية يا يهوديُّ، أو يا نصرانيُّ.
والجزيةُ على ثلاثِ مراتبَ: على المعتمِل بالسَّنة اثنا عشر درهمًا، وعلى وسط الحال أربعةٌ وعشرون درهمًا، وعلى كامل الحال ثمانية وأربعون درهمًا. كذلك وظَّفها عمر ﵁ (١).
وبهذه الجزية أغناهم الله تعالى عن العَيلة، وهو وجه اتِّصال هذه الآية بالأولى.
* * *
(٣٠) - ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾ إنما (٢) قال بعضهم من متقدِّميهم، أو ممَّن كان بالمدينة: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ مبتدأ وخبر، وسقط التَّنوين بمنع الصَّرف للعُجمة والعَلَميَّة، ومَنْ نوَّنه من القرَّاء جعله عربيًّا (٣)، أو لأنَّ ﴿ابْنُ﴾ صفةٌ له، وعلى هذا يكون الخبر متروكًا غيرَ ملفوظٍ ولا ملحوظٍ، وقَصْرُ النقل على هذا القَدْرِ من كلامهم لتجريد الإنكار للتوصيف المذكور، وفيه إيهامُ التبعيد لكلامهم عن حيِّز التَّمام، وتمهيدٌ للمقصودِ من زيادة قوله: ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ على أحد الوجهَيْن الآتي ذكرُهما (٤).
стр. 1808
﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ وهو أيضًا قولُ بعضِهم.
﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾؛ يعني: أنَّهم يذكرونه صريحًا؛ لأنَّه يفهم بطريق الاستدلال من بعض أفعالهم، فهو لرفع التَّجوُّز في المسند، فغنه أهمُّ من رفع التَّجوُّز في الإسناد.
ونسبة القول إلى الأفواه دون الألسنة لأنَّ النسبة أولى وأشمل وأكمل (١)؛ فإنَّ مِنَ الأقوال ما لا حاجة في التَّلفظ به إلى اللِّسان.
ويجوز أن يكون المراد: أنَّه قولٌ لا حقيقةَ له ولا معنى، كالمهملات الملفوظة التي تخرج من الأفواه ولا معنى لها في القلوب.
﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تقديره: يضاهي قولُهم قولَ الذين كفروا، فحذف المضاف وأُقِيمَ المضاف إليه مقامه، فانقلب مرفوعًا، هذا ما قالوا، وعندي أنَّه على طريقة: ﴿لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢]؛ أي: لا يهديهم في الكيد، فالمعنى: يضاهونهم (٢) في القول، والمضاهاةُ: المشابهةُ.
وقرئ بالهمزة (٣)، من قولهم: امرأة ضَهياءُ، وهي التي ضاهأتِ الرِّجال في أنها لا تحيض.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾: من قَبْلِهم، والمراد: المشركون الذين قالوا: الملائكة بنات الله.
стр. 1809
﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ دعاءٌ عليهم بالإهلاك، فإنَّ مَنْ قاتله الله هلكَ، ويُفهَم التَّعجُّب من السِّياق؛ لأنَّه كلمة لا يُفاه بها إلا في موضع التَّعجب من شناعة فعل قوم أو قولهم، ولهذا تعجَّبَ بعده من اعتقادهم وتلفُّظهم بالكلمة الشَّنعاء بقوله:
﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾؛ أي: يُصرَفون عن الحقِّ إلى الباطل، فلا مانع عن الجمع بينهما قصدًا.
(٣١) ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: اتَّخذوا علماءَ اليهود وعُبَّاد النَّصارى كالأرباب، حيث أحلُّوا لهم الحرام فاستحلُّوه وحرَّموا عليهم الحلال فحرَّموه، فقوله: ﴿أَرْبَابًا﴾، كقوله: ﴿نَارًا﴾ في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ [الكهف: ٩٦].
قال ابنُ السِّكِّيْتِ: الحِبرُ بالكسر: المداد، وبالفتح: العالم والرَّاهب، مأخوذ من الرَّهْبة، وهو الذي حمله خوف الله تعالى على أن يُخلص له النِّيَّة دون النَّاس.
﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾؛ أي: اتَّخذوه ربًّا معبودًا، والرَّبُّ هنا على الحقيقة، ولهذا فصَله عمَّا قبله، مُخرِجًا له عن زمرتهم، مفرِدًا له بالإخبار عنه.
وإنما ذكره بنسبته إلى أمه إظهارًا لعدم صلاحيته للرُّبوبيَّة، وفي التَّعبير عنه بلقبه المشعِر بالربوبية نوعُ تمهيدٍ لذلك المقصود، ولا يخفى ما فيه من النَّعي عليهم.
﴿وَمَا أُمِرُوا﴾؛ أي: وما أمر المُتَّخِذونَ.
стр. 1810
قيل: يجوز أن يكون المعنى: وما أُمِرَ المتَّخذون أربابًا، فيكون كالبرهان على بطلان الاتِّخاذ.
وكأنَّ هذا القائل غافل من أنَّ الرَّبَّ في غير المسيح ﵇ لم يُتَّخذ على الحقيقة.
﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ وهو الله تعالى، ولا حاجة إلى صرف العبادة عن معناها إلى معنى الإطاعة حتى تحتاج إلى أن يُقال: طاعةُ الرَّسول ﵇ وسائرِ مَن أَمرَ اللهُ تعالى بطاعته فهو طاعة الله تعالى في الحقيقة.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ صفةٌ ثانية، أو استئنافٌ مقرِّر للتَّوحيد ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ و تنزيهٌ له عن الإشراك به.
(٣٢) ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا﴾ الإطفاءُ: إذهابُ نور النَّارِ، ثم استُعمِلَ في إذهاب (١) كلِّ نورٍ، وفي سورة الصف: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا﴾ [الصف: ٨]؛ أي: يقومون لذلك الأمر، والتَّجوُّز عن إرادة أمر بالقيام له مجاز (٢) شائع، فكذا عكسه سائغ، والقيامُ لأمرٍ عبارةٌ عن الاهتمام بشأنه.
﴿نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ إطفاءُ نورِ الله بأفواهم تهكُّم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام بقولهم في القرآن: هذا السحر، مُثِّلَتْ حالُهم بحال مَن ينفخ في نور الشَّمس بفيهِ ليطفئه.
стр. 1811
ويجوز أن يكون المراد من ﴿نُورَ اللَّهِ﴾: القرآنُ والإسلامُ والحججُ الدَّالة على حقيقته، ويكون المراد من (١) (أفواههم): أقوالهم التي لا صحَّة لها؛ فإنها لا تتجاوز عن الأفواه إلى فهم السامع، وعلى هذا يكون الإطفاء ترشيحًا لاستعارة النور (٢).
﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ بإعزاز الإسلام وإعلاء كلمة التَّوحيد، وإنما جاز الاستثناء المفرَّغ من الكلام الموجَب؛ لأن قوله: ﴿يَأْبَى اللَّهُ﴾ أوقعُ من (٣) موقع (لا يريد الله)؛ ألا ترى كيف قابل قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ بقوله: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾؟.
﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ حذف جواب ﴿وَلَو﴾؛ لدلالة ما قبله عليه؛ أي: ولو كره الكافرون إتمامَ نورِ الله أبى إلَّا إتمامه (٤).
(٣٣) ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾.
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾؛ أي: محمدًا (٥) ﵇ ﴿بِالْهُدَى﴾ بالقرآن، كما في قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].
﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾، أي: الإسلام.
стр. 1812
﴿لِيُظْهِرَهُ﴾؛ أي: دينِ الحق، أو الرسول ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ كالبيان لقوله: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾، ولذلك كرر قوله: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ بوضع (المشركين) موضع (الكافرين)؛ للدلالة على أنهم ضَمُّوا الكفرَ بالرَّسول إلى الشِّرك بالله تعالى.
والتعريف في ﴿الدِّينِ﴾ للجنس، والظهورُ على الجنس إنما يكون بالظُّهور على جميع أفراده، وجميعُ أفراده وقت إرساله ﵇ إنما هو سائر الأديان، وظهورُ الدِّين على الدِّين إنَّما يكونُ بنسخه وإبطاله.
وعلى تقدير رجوع الضَّمير إلى الرَّسول ﵇ يكون المراد: ظهوره ﵇ على أهل سائر الأديان، على تقدير المضاف.
(٣٤) ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المراد بهذه الآية: بيانُ نقائص المذكورين فيها، وفي ضمنه نهيُ المؤمنين عن تلك النَّقائص، لمَّا ذكر الله تعالى أنَّهم اتَّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دونِ اللهِ، ذكرَ ما هو عليه كثيرٌ منهم تنقيصًا في شأنهم وتحقيرًا، وأنَّ مِثل هؤلاء لاينبغي تعظيمهم فضلًا عن اتخاذهم أربابًا.
﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ يأخذونها بالرُّشا، والتَّخفيفِ في الشرائع. وأطلق الأكل على أخذ المال مجازًا؛ لأنَّه معظمُ الغرض منه، أو لكونه سبب الأكل.
стр. 1813
﴿وَيَصُدُّونَ﴾ صَدَّ يُستعمَل واقعًا ومجاوزًا (١)، فالمعنى: يصدُّون غيرهم.
﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أي: عن دينِ الإسلام وشريعةِ محمَّدٍ ﵇، أو يصدُّون عنه في أكلهم الأموال بالباطل؛ أي: لا تتوهَّموا في كثير من الأحبار والرُّهبان صلاحًا، ولا تغترُّوا بظاهر زِّيهم وسكونهم؛ فإنَّ ذلك كلَّه (٢) مصائدُ للمطامع، واستجلابٌ للرِّئاسة، ومكائدُ للصدِّ عن سبيلِ الله والجرِّ إلى الضَّلالة. قال عبد الله بن المبارك:
وهل أفسدَ النَّاسَ إلَّا الملوكُ .... وأحبارُ سوءٍ ورهبانُها (٣)
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾؛ أي: يجمعونهما ويحفظونهما في الأوعية، ومنه قولهم: رجل مُكتنِزُ؛ أي: مجتمِعُ اللحم. وليس من شرطِ الكنزِ الدَّفنُ، ولكن كثُر في حفظ (٤) المال أن يُدفَنَ حتى تُعورِفَ اسمُ الكنز في المدفون.
وإنَّما خُصَّا بالذِّكر لأنهما قانون التَّموُّل وأثمانُ الأشياء، فالاحتياج إليهما فيما بين النَّاس أكثر، ولا يجوز كنزهما ومنع الناس عن فائدتهما.
﴿وَالَّذِينَ﴾ مبتدأ اسم موصول ضُمِّنَ معنى اسم الشرط، فلذلك دخلت الفاء في خبره في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
стр. 1814
ويجوز أن يكون ﴿وَالَّذِينَ﴾ معطوفًا على الضمير في قوله: ﴿لَيَأْكُلُونَ﴾ والفصلُ يقوم مقام التأكيد.
وأن يكون محلُّ الموصول منصوبًا عطفًا على اسم (إنَّ) في قوله: ﴿إِنَّ كَثِيرًا (١) مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ﴾ للدلالة على اجتماع خصلتين مذمومتين فيهم: أخذِ الرُّشا، وكنزِ الأموال والضَّنِّ بها عن الإنفاق في سبيل الخير.
وأُورد عليه أنه لو أريد أهل الكتاب خاصَّة لقيل: (ويكنزون)، بغير ﴿وَالَّذِينَ﴾، فلمَّا زيدَ ﴿وَالَّذِينَ﴾ فقد استُؤْنِفَ معنًى آخرُ، تبيَّن أنه عطفُ جملة على جملة.
وأمَّا تسويته تعالى (٢) للمسلمين الكانزين غيرِ المنفقين بالمرتَشين من أهل الكتاب باقترانهم بهم في استحقاق البشارة بالعذاب الأليم؛ تغليظًا ونهيًا عن الكنز، وبعثًا على الإنفاق، ويدل على هذا أنه لما نزل كبُر على المسلمين، فذكر عمر ﵁ لرسول لله ﷺ فقال: "إنَّ اللهَ لم يفرضِ الزَّكاةَ إلَّا ليطيِّبَ بها ما بقيَ مِنْ أموالِكُمْ" (٣)، فعُلِمَ أنَّ المرادَ بتركِ الإنفاقِ في سبيلِ اللهِ منعُ الزَّكاةِ.
وقوله ﵇: "ما أُدِّيَ زكاتُه فليسَ بكنزٍ وإنْ كانَ باطنًا، وما بلغَ أنْ يُزَكَّى فلم يُزَكَّ فهوَ كنزٌ وإنْ كانَ ظاهرًا" (٤) معناه: ليس بكنزٍ أُوْعِدُ عليه؛ فإنَّ الوعيد على
стр. 1815
الكنز مع عدم الإنفاق فيما أمرَ اللهُ تعالى أليقُ فيه، على ما فُهِمَ من قوله:
﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والضَّمير للفضَّة وحدها، إحالةً للحكم في قرينها على الدِّلالة، وإنما لم يعكس مع ما فيه من اعتبار جانب التَّذكير؛ رعايةً لجهة القُرْبِ، وعلى هذه الطَّريقة سلكَ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢] أيضًا.
وأما قوله ﵇: "مَنْ تركَ صفراءَ أو بيضاءَ كُوِيَ بها" (١) أو نحوه، فالمراد
стр. 1816
منها ما لم يؤدِّ حقَّها؛ لقوله ﵇: "ما مِنْ صاحبِ ذهبٍ ولا فضَّةٍ لا يؤدِّي منهما حقَّهما إلَّا إذا كانَ يومَ القيامة صفِّحَتْ له صفائح من نارٍ، فيُكْوَى بها جنبُه وجبينُه وظهرُه" (١).
﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ هو الكَيُّ بهما.
(٣٥) - ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾.
﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا﴾ أصله: تُحمَى النَّارُ عليها؛ أي: تُوْقَدُ النَّار ذاتَ (٢) حَميٍ شديد، من قوله: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: ١١] فحذفت النَّار لقوله: ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ وأُسند الفعل إلى الجارِّ والمجرور فلزم تذكيرُه؛ كما يقال: رُفعتِ القصَّةُ إلى فلان، فإذا حذفت قيل: رُفِعَ إلى فلان.
وفي جعل الإحماء للنَّار، والإبهامِ بإسناد الفعل إلى الظَّرف ثم التفصيلِ وجعلِ نار جهنم مكانًا للإحماء، من المبالغة ما ليس في قولك: تُحمى بالنار، وأمَّا الاكتفاء بضمير القصَّة فقُدِّمَ (٣) وجهُه.
﴿فَتُكْوَى بِهَا﴾ الكي: إلصاقُ الشَّيء الحارِّ بالعضوِ (٤).
стр. 1817
﴿جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ إنَّما خُصِّصَتْ هذه المواضع بالكيِّ لأنَّه في الجبهة أشنعُ، وفي الجنب والظهر أوجعُ لوصول الحرِّ إلى الجوف، بخلاف اليد والرِّجل.
وقيل: لأنَّ الغنيَّ المانعَ للزكاة إذا رأى الفقير انقبضَ وجهه، وإذا ضمَّه والفقيرَ مجلسٌ ازْوَرَّ عنه فعارضه بجنبه، وإذا أمَّله قام وولَّاه ظهرَه.
﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ﴾ على إرادة القول.
﴿لِأَنْفُسِكُمْ﴾ توبيخٌ لهم وتهكُّم بهم؛ أي: كنزتُموه لتنتفع به نفوسكم وتلتذَّ بها، فكانت عينَ مضرَّتها وسببَ تعذيبِها.
﴿فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾؛ أي: وَبالَ ما كنزْتُم (١)، أو: ما تكنزونه.
(٣٦) - ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ مَبلغَ عدِّها ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ ظرفُ ﴿عِدَّةَ﴾ لأنَّها مصدر.
﴿عَشَرَ شَهْرًا﴾ شهور السَّنة شمسيَّةً كانت أو قمريَّةً كذلك، إلَّا أنَّ المراد هنا الشُّهور القمريَّة.
﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾: في اللَّوح المحفوظ، أو فيما أثبته وأوجبه في حكمه، صفة لـ ﴿اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾؛ أي: مثبتة فيه، وقوله: ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؛ أي: أمرٌ
стр. 1818
ثابتٌ في نفس الأمر مذ خلقَ الله تعالى الأجرام والأزمنة، متعلِّق بما فيه من معنى الثُّبوت، أو بالكتاب إن جعل مصدرًا.
﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ واحدٌ فردٌ، وهو رجبٌ، وثلاثةٌ سَرْدٌ، وهي (١): ذو القعدة وذو الحجَّة والمحرَّم.
﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: تحريم الأشهر الأربعة ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾: دينُ إبراهيم وإسماعيل ﵉، وكانت العرب ورثوه منهما.
﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ﴾ لمَّا كان جمعُ الحُرُم للقلَّة عاد الضميرُ عليها بالنون، تقول العرب: الجذوع انكسرت؛ لأنَّه جمع كثرة، والأجذاع انكسرْنَ؛ لأنَّه جمع قلَّةٍ.
﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ بهتك حرمتها، وعن عطاء: ما يحلُّ للنَّاس أن يغزوا في الحَرم ولا في الأشهر الحرم إلَّا أنْ يُقَاتَلوا، وما نُسِخَتْ (٢).
والجمهور على أن حرمة المقاتلة فيهنَّ منسوخة، وأوَّلوا الظُّلم بارتكاب المعاصي فيهنَّ فإنَّه أعظم وزرًا، كارتكابها في الحرم، وحالَ الإحرام.
وقيل: يؤيده ما روي أنَّه ﵇ غزا هوازن بحُنَين وحاصر الطَّائف في شوال وذي القعدة.
وفيه نظر؛ لأنَّ غزوَ هوازن بحنين كان في شوَّال فلا تأييد فيه (٣)، وأما محاصرةُ الطَّائف فقيل: إنَّه ﵇ حاصره بقيَّة الشَّهر المذكور، فلما دخل ذو القعدة انصرف عنه وأتى الجِعْرانةَ وأَحرم منها للعمرة.
стр. 1819
﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾: جميعًا، من الكفِّ بمعنى المنع (١)، كأنهم كُفُّوا أن يخرج منهم أحدٌ باجتماعهم (٢)، وقع موقع الحال.
﴿وَاعْلَمُوا﴾؛ أي: كونوا على ثقةٍ ويقينٍ ﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ بشارةٌ لهم، وضمانٌ بالنَصر، وبيانٌ أنَّ تقوُّلهم سببٌ لنصرهم.
(٣٧) - ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ﴾ مصدر نَسَأه: إذا أخَّره؛ أي: تأخيرُ حرمة الشَّهر إلى شهرٍ آخر، وذلك أنهم كانوا أصحابَ حروبٍ وغاراتٍ، فإذا جاء الشهر (٣) وهم محاربون أحلُّوه وحرَّموا مكانه شهرًا آخر، حتى رفضوا خصوصَ الأشهر، واعتبروا مجرد الورود، وذلك قوله تعالى: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾، وهي الأربعة، وربَّما زادوا في عدة الشهور فيجعلونها ثلاثة عشر ليتَّسع لهم الوقت، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾؛ أي: من غير زيادةٍ زادوها.
﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ لأنهم لَمَّا أحلُّوا ما حرَّم اللّه تعالى وحرَّموا ما أحلَّه زادوا كفرًا على كفرهم.
стр. 1820
﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ضلالًا زائدًا.
﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا﴾ الضمير للمنسوء الدَّالِّ عليه النَّسيء.
﴿وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾؛ أي: إذا أحلُّوا منها شهرًا عامًا (١) رجعوا فحرَّموه في العام القابل، والجملتان تفسير للضَّلال، أو في موقع الحال.
﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾؛ أي: ليوافقوا عدَّة الأربعة، واللَّام متعلقة بـ ﴿وَيُحَرِّمُونَهُ﴾، أو بما دَلَّ عليه مجموع الفِعْلَين.
﴿فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ بمواطأة العِدَّة وحدها من غير مراعاةِ وقت.
﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ خذلهم الله وأضلَّهم حتى حسبوا قبيحَ أعمالهم حسنًا.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي﴾ على طريقة تنزيل وجودِ ما لا يترتَّب عليه أثره بمنزلة العدم (٢).
﴿الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ من باب وضع الظَّاهر موضعَ المضمر؛ للدّلالة على أنَّ كفرَهم مانعٌ مِن قَبول الهداية وترتُّب الأثر.
(٣٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ﴾ هو حرف استفهام بمعنى التوبيخ ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ النَّفْرُ: التَّنقُّل بسرعةٍ من مكانٍ إلى مكانٍ لأمرٍ يحدث.
стр. 1821
و ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾: طلب رضا الله تعالى.
﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾: تباطأتم وتقاعدتم، وقرئ: (تَثاقَلْتُم) على الأصل (١)، وقرئ: (أَثَّاقَلْتُم) على الاستفهام (٢)، ومعناه: الإنكار والتَّوبيخ، ضمَّنه معنى الميل والإخلاد فعُدي بـ (إلى)؛ أي: مِلْتُم إلى الدُّنيا ولذَّاتها، أو مِلْتُم إلى الإقامة بأرضكم ودياركم وكرهتم مشاقَّ السَّفر والجهاد.
وهو العامل في ﴿إِذَا﴾ إذا لم يُستفهم به (٣)، وإذا استُفهم به منع الاستفهامُ عمله فيما قبله، فالعاملُ حينئذ ما دلَّ عليه، أو معنى الفعل في ﴿مَالَكُمْ﴾ كما يعمل في الحال إذا قيل: ما لك قائمًا؟ كأنه قيل: ما تصنعون؟
وما ذكر عبارةٌ عن تخلُّفِهم عن رسول الله ﷺ ، وتركهِم الغزوَ، واختيارِهم سكنى ديارهم، والتزامِ نخلهم وظلالهم، وكان ذلك في غزوة تبوك، أُمِروا بها بعد رجوعهم من الطَّائف في وقت عُسْرَةٍ وقيظٍ، مع بُعْدِ الشُّقَّة وكثرة العدو فشقَّ عليهم (٤).
﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وغرورِها ﴿مِنَ الْآخِرَةِ﴾: بدلَ الآخرةِ ونعيمها.
﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: فما التَّمتُّع بها (٥) ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾: في جنب الآخرة ﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾: مستحقَرٌ.
стр. 1822
(٣٩) - ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿إِلَّا تَنْفِرُوا﴾: إنْ لا تنفروا إلى ما استُنفرتم إليه ﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾ الله ﴿عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ إظهارُ سخطٍ عظيم على ترك النَّفْرِ والتَّثاقل، حيث أوعدهم عليه بعذابٍ مطلَقٍ متناوِلٍ لعذابِ الدُّنيا (١) والآخرة، ونكَّره ووصفه بالإيلام وأنَّه يهلكهم ويستبدل بهم قومًا خيرًا منهم وأطوعَ، كأهل اليمن (٢) وأبناء فارس.
﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾؛ أي: إنَّه غنيٌّ عنهم في نصرة دينه، وفي كلِّ أمرٍ لا يقدح تثاقلُهم فيها شيئًا.
وقيل: الضَّمير للرَّسول ﵇، أي: ولا تضروه لأنَّ الله تعالى وعدَه بالعصمة والنصرة (٣)، ووعدُه حقٌّ.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيقدر على التبديل وتغيير الأسباب والنصرة، كما قال:
(٤٠) - ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾؛ أي: إن لم تنصروه فسينصره مَن نصره
стр. 1823
حين لم يكن معه إلَّا رجلٌ واحدٌ، فدلَّ بقوله: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ في الماضي على أنَّه ينصره في المستقبل كما نصره في ذلك الوقت وأقامه مقامه، أو: فقد حكم الله بنصره وأوجبه على نفسه حين نصره في ذلك الوقت، فلم يكن ليخذله في غيره أبدًا.
﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إسنادٌ مجازيٌّ؛ لأن هَمَّ الكفرة بإخراجِه أو قتلِه سببٌ لإذن الله تعالى بالخروج، فكأنهم أخرجوه.
﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ نصبٌ على الحال، وهما رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁، ولا يخفى ما في التَّعبير المذكور من التَّعظيم للصدِّيق ﵁؛ إذ المعنى: أحدَ اثنين، والعدول إلى ما ذكر للإشعار بأنه ﵇ كان تاليًا له في دخولهما الغار، وقد كان كذلك.
﴿إِذْ هُمَا﴾ بدل من ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ﴾ بدلَ البعض؛ إذ المراد بزمان الإخراج: زمانٌ متَّسِع.
﴿فِي الْغَارِ﴾: هو الثُّقب العظيم في الجبل، وهو في جبلٍ بمكَّة يُقال له: ثور، مأخوذ من غار يغور: إذا دخلَ في عمق.
﴿إِذْ يَقُولُ﴾ بدل ﴿ثان﴾ أو ظرف لـ ﴿ثان﴾.
﴿لِصَاحِبِهِ﴾ وهو أبو بكر ﵁ (١): ﴿لَا تَحْزَنْ﴾ الحزن: الغم (٢) الذي يغلظ على النَّفس، ومنه: الحَزَن، للأرض الغليظة.
стр. 1824
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ بالحفظ والعون.
﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾: أَمْنَه الذي تسكن عنده القلوب، والفاء للتعقيب بلا مهلة، وفيه نوع دلالة على أنَّ توكُّله ﵇ على الله تعالى (١) كان سببًا للنُّزول المذكور.
﴿عَلَيْهِ﴾؛ أي: على أبي بكر ﵁؛ فإنَّه هو الخائف المحتاج إلى الأمن، فأمَّا النَّبيُّ ﷺ فقد كان آمنًا ساكنًا بما وعد له من النَّصر.
﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ عطف على قوله: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾، والمراد من الجنود: الملائكة ﵈، والتأييدُ بهم كان في حرب بَدْرٍ وحُنين.
﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: دعوتَهم إلى الكفر ﴿السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّه﴾؛ أي: دعوتُه إلى الإسلام ﴿هِيَ الْعُلْيَا﴾ وتغييرُ الأسلوب للدِّلالة على أن الأُولى أَولى بالتَّغيير والتَّبديل، بخلاف الثَّانية؛ فإنها المستمرة الثَّابتة.
وقرئ: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ بالنصب (٢)، عطفًا على ﴿كَلِمَةَ الَّذِينَ﴾، والرفعُ أبلغُ؛ لِمَا فيه على وفق ما قدَّمناه من الإشعار بأن كلمة الله تعالى عاليةٌ في نفسها، فإنْ فاق غيرُها فلا ثبات (٣) لتفُّوقه ولا اعتبار، ولذلك وسَّط الفصل.
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ في انتقامه ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره وأحكامه.
стр. 1825
(٤١) - ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ الخفَّة والثِّقل مستعاران لمن يمكنه السَّفر بسهولة ومَن يمكنه بصعوبة، وما ذكر في تفسيرهما من المعاني فلا وجه لتخصيص بعضها دون بعضٍ بالإرادة، بل هي معانٍ متفقة، والتَّحقيقُ أنَّ النَّاس أُمِروا جملة، وتلك الأقوال إنما هي على وجه المثال للثِّقل والخفَّة.
﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ذكر أكمل ما يكون من الجهاد وأنفعَه عند الله تعالى، وقُدِّمَتِ الأموال في الذِّكر (١) لأنَّها أوَّل مصروفٍ وقت التَّجهيز، فرتِّب الأمرُ كما هو في نفسِه.
﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُم﴾ من الجهاد بأحدهما، ومَن قال: مِن تَرْكه، فلم يُصِب.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الخيرَ علمتُم أنه خير.
(٤٢) - ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا﴾ العَرَضُ: خلافُ النَّقد، وقد عَبَّر به عن الغنيمة لأنَّه الغالب فيها؛ أي: لو كان ما دعوا إليه غُنمًا (٢) ﴿قَرِيبًا﴾: سهلَ المأخذ ﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾: متوسطًا، سُمِّي قصدًا (٣) لأنَّه ممَّا يُقْصَد.