← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

و ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾: طلب رضا الله تعالى. ﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾: تباطأتم وتقاعدتم، وقرئ: (تَثاقَلْتُم) على الأصل (١)، وقرئ: (أَثَّاقَلْتُم) على الاستفهام (٢)، ومعناه: الإنكار والتَّوبيخ، ضمَّنه معنى الميل والإخلاد فعُدي بـ (إلى)؛ أي: مِلْتُم إلى الدُّنيا ولذَّاتها، أو مِلْتُم إلى الإقامة بأرضكم ودياركم وكرهتم مشاقَّ السَّفر والجهاد. وهو العامل في ﴿إِذَا﴾ إذا لم يُستفهم به (٣)، وإذا استُفهم به منع الاستفهامُ عمله فيما قبله، فالعاملُ حينئذ ما دلَّ عليه، أو معنى الفعل في ﴿مَالَكُمْ﴾ كما يعمل في الحال إذا قيل: ما لك قائمًا؟ كأنه قيل: ما تصنعون؟ وما ذكر عبارةٌ عن تخلُّفِهم عن رسول الله ﷺ ، وتركهِم الغزوَ، واختيارِهم سكنى ديارهم، والتزامِ نخلهم وظلالهم، وكان ذلك في غزوة تبوك، أُمِروا بها بعد رجوعهم من الطَّائف في وقت عُسْرَةٍ وقيظٍ، مع بُعْدِ الشُّقَّة وكثرة العدو فشقَّ عليهم (٤). ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وغرورِها ﴿مِنَ الْآخِرَةِ﴾: بدلَ الآخرةِ ونعيمها. ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: فما التَّمتُّع بها (٥) ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾: في جنب الآخرة ﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾: مستحقَرٌ.

стр. 1822

(٣٩) - ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا﴾: إنْ لا تنفروا إلى ما استُنفرتم إليه ﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾ الله ﴿عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ إظهارُ سخطٍ عظيم على ترك النَّفْرِ والتَّثاقل، حيث أوعدهم عليه بعذابٍ مطلَقٍ متناوِلٍ لعذابِ الدُّنيا (١) والآخرة، ونكَّره ووصفه بالإيلام وأنَّه يهلكهم ويستبدل بهم قومًا خيرًا منهم وأطوعَ، كأهل اليمن (٢) وأبناء فارس. ﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾؛ أي: إنَّه غنيٌّ عنهم في نصرة دينه، وفي كلِّ أمرٍ لا يقدح تثاقلُهم فيها شيئًا. وقيل: الضَّمير للرَّسول ﵇، أي: ولا تضروه لأنَّ الله تعالى وعدَه بالعصمة والنصرة (٣)، ووعدُه حقٌّ. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيقدر على التبديل وتغيير الأسباب والنصرة، كما قال: (٤٠) - ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾؛ أي: إن لم تنصروه فسينصره مَن نصره

стр. 1823

حين لم يكن معه إلَّا رجلٌ واحدٌ، فدلَّ بقوله: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ في الماضي على أنَّه ينصره في المستقبل كما نصره في ذلك الوقت وأقامه مقامه، أو: فقد حكم الله بنصره وأوجبه على نفسه حين نصره في ذلك الوقت، فلم يكن ليخذله في غيره أبدًا. ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إسنادٌ مجازيٌّ؛ لأن هَمَّ الكفرة بإخراجِه أو قتلِه سببٌ لإذن الله تعالى بالخروج، فكأنهم أخرجوه. ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ نصبٌ على الحال، وهما رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁، ولا يخفى ما في التَّعبير المذكور من التَّعظيم للصدِّيق ﵁؛ إذ المعنى: أحدَ اثنين، والعدول إلى ما ذكر للإشعار بأنه ﵇ كان تاليًا له في دخولهما الغار، وقد كان كذلك. ﴿إِذْ هُمَا﴾ بدل من ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ﴾ بدلَ البعض؛ إذ المراد بزمان الإخراج: زمانٌ متَّسِع. ﴿فِي الْغَارِ﴾: هو الثُّقب العظيم في الجبل، وهو في جبلٍ بمكَّة يُقال له: ثور، مأخوذ من غار يغور: إذا دخلَ في عمق. ﴿إِذْ يَقُولُ﴾ بدل ﴿ثان﴾ أو ظرف لـ ﴿ثان﴾. ﴿لِصَاحِبِهِ﴾ وهو أبو بكر ﵁ (١): ﴿لَا تَحْزَنْ﴾ الحزن: الغم (٢) الذي يغلظ على النَّفس، ومنه: الحَزَن، للأرض الغليظة.

стр. 1824

﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ بالحفظ والعون. ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾: أَمْنَه الذي تسكن عنده القلوب، والفاء للتعقيب بلا مهلة، وفيه نوع دلالة على أنَّ توكُّله ﵇ على الله تعالى (١) كان سببًا للنُّزول المذكور. ﴿عَلَيْهِ﴾؛ أي: على أبي بكر ﵁؛ فإنَّه هو الخائف المحتاج إلى الأمن، فأمَّا النَّبيُّ ﷺ فقد كان آمنًا ساكنًا بما وعد له من النَّصر. ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ عطف على قوله: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾، والمراد من الجنود: الملائكة ﵈، والتأييدُ بهم كان في حرب بَدْرٍ وحُنين. ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: دعوتَهم إلى الكفر ﴿السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّه﴾؛ أي: دعوتُه إلى الإسلام ﴿هِيَ الْعُلْيَا﴾ وتغييرُ الأسلوب للدِّلالة على أن الأُولى أَولى بالتَّغيير والتَّبديل، بخلاف الثَّانية؛ فإنها المستمرة الثَّابتة. وقرئ: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ بالنصب (٢)، عطفًا على ﴿كَلِمَةَ الَّذِينَ﴾، والرفعُ أبلغُ؛ لِمَا فيه على وفق ما قدَّمناه من الإشعار بأن كلمة الله تعالى عاليةٌ في نفسها، فإنْ فاق غيرُها فلا ثبات (٣) لتفُّوقه ولا اعتبار، ولذلك وسَّط الفصل. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ في انتقامه ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره وأحكامه.

стр. 1825

(٤١) - ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ الخفَّة والثِّقل مستعاران لمن يمكنه السَّفر بسهولة ومَن يمكنه بصعوبة، وما ذكر في تفسيرهما من المعاني فلا وجه لتخصيص بعضها دون بعضٍ بالإرادة، بل هي معانٍ متفقة، والتَّحقيقُ أنَّ النَّاس أُمِروا جملة، وتلك الأقوال إنما هي على وجه المثال للثِّقل والخفَّة. ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ذكر أكمل ما يكون من الجهاد وأنفعَه عند الله تعالى، وقُدِّمَتِ الأموال في الذِّكر (١) لأنَّها أوَّل مصروفٍ وقت التَّجهيز، فرتِّب الأمرُ كما هو في نفسِه. ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُم﴾ من الجهاد بأحدهما، ومَن قال: مِن تَرْكه، فلم يُصِب. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الخيرَ علمتُم أنه خير. (٤٢) - ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا﴾ العَرَضُ: خلافُ النَّقد، وقد عَبَّر به عن الغنيمة لأنَّه الغالب فيها؛ أي: لو كان ما دعوا إليه غُنمًا (٢) ﴿قَرِيبًا﴾: سهلَ المأخذ ﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾: متوسطًا، سُمِّي قصدًا (٣) لأنَّه ممَّا يُقْصَد.

стр. 1826

﴿لَاتَّبَعُوكَ﴾ فيما قصدْتَ إليه. ﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾: المسافة التي تُقْطَع بمشقَّة، وهي القطعة من الأرض التي يَشُقُّ ركوبها على صاحبها. ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّه﴾؛ أي: المتخلِّفون عند رجوعك من غزوة تبوك معتذِرين. ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾: لو كان لنا استطاعةُ الخروج من جهةِ البدن والمال. والشَّرطيَّة محكيَّة على أن الحَلِف من جنس القول، فلا حاجة إلى تقديره؛ لأنَّ التعدية باعتبار التَّضمين من خارجٍ جائزةٌ، فجوازها باعتبار ما في ضمنها بالطَّريق الأَولى. ﴿لَخَرَجْنَا مَعَكُم﴾ سادٌّ مسدَّ جوابي القسم والشرط. وقرئ: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾ بضم الواو (١)؛ تشبيهًا لها بواو الضمير في قوله: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ [البقرة: ١٦]. ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُم﴾ بدل من (سيحلفون)؛ لأنَّ الحَلِف الكاذب إيقاعٌ للنَّفس في العذاب، أو حالٌ بمعنى: مهلِكين، والإخبار بهذا قبل وقوعه قد كان من المعجزات. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في ذلك؛ لأنهم كانوا مستطيعين للخروج. (٤٣) - ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾. ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ الإخبار عن العفو مقصودٌ بالإفادة، فلا يكون كنايةً عن

стр. 1827

الخطأ، نعم يفهم منه وجود الخطأ بطريق الاقتضاء، وهذا من لطيف المعاتبة، ولو لم يفتح باب المخاطبة بالعفو لما كان ﵇ يتحمَّل لقوله (١) تعالى: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ ولا يخفى ما في تقديم العفو على ذِكْرِ ما (٢) يُوْهِمُ العِتاب من تعظيم شأنه ﵇، والتنبيه على لطف مكانه، ومَن لم يتنبَّه لذلك قال: إنَّه كناية عن الجناية، ومعناه: أخطأْتَ وبئسَ ما فعلْتَ (٣)، ثم إنه لم يدرِ أنَّ الإذن المذكور مِنْ قَبِيل الخطأ في الاجتهاد، فهو مظنَّة الثَّواب لا العقاب، والله تعالى أعلم بالصواب. والإذنُ: رفعُ التَّبعة في الفعل. ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في الاعتذار، متعلِّق بما تقدَّم باعتبار المفهوم لا باعتبار المنطوق؛ فإنه استفهام إنكاري في معنى: هلَّا توقَّفت (٤). فحاصل المعنى: لِمَ أذنْتَ على الفور، فمرجع الإنكار إلى كيفية الإذن لا إلى نفسه. ﴿وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيه، قيل: إنَّما فعل رسول الله ﷺ شيئين لم يُؤْمَرْ بهما؛ أخذه للفداء، وإذنه للمنافقين، فعاتبه الله تعالى عليهما. وكأن هذا القائلَ غافلٌ (٥) عن ثالثهما، وهو تحريمه ﵇ ما أحلَّ الله تعالى ابتغاءً لمرضاة أزواجه.

стр. 1828

ثمَّ إنَّ العِتاب ليس على الإذن؛ لِمَا عرفْتَ أنَّه بالاجتهاد، والخطأُ فيه لا يتعلَّقُ به العِتاب، بل على عدم التَّوقف على نزول الوحي في بيانِ شأنهم، على ما نبَّهْتُ عليه آنفًا. (٤٤) - ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾. ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا، فضلًا أن يستأذنوك في التخلُّف عنه، وكان الخُلَّصُ من المهاجرين والأنصار يقولون: لا نستأذنُ رسولَ الله ﷺ ، ولنجاهدنَّ معه بأموالنا وأنفسنا. أو: كراهة أن يجاهدوا. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ شهادةٌ لهم بالتَّقوى وعِدَةٌ لهم بثوابه. (٤٥) - ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾. ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ في التَّخلُّف ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ تخصيصُ الإيمان بالله واليوم الآخر بالذِّكْرِ في الموضعين إشعارٌ بأنَّ الباعثَ على الجهاد وبذلِ النَّفس والمال للّه تعالى هو الإيمانُ بهما، والوازع عنه عدمه. ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾: يتحيرون.

стр. 1829

(٤٦) - ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾. ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾؛ أي: معكم للغزو ﴿لَأَعَدُّوا لَهُ﴾؛ أي: للخروج ﴿عُدَّةً﴾ العدَّةُ: ما يُعَدُّ للأمر ويُهيَّأ له. وقرئ: (عِدَّةً) بكسر العين (١)؛ أي: جماعةً من الآلات. ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾: انطلاقهم للخروج، استدراكٌ عن مفهوم قوله: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾؛ لأن معناه نفيُ إرادة الخروج، كأنه قيل: ما أرادوا الخروج، وتنزيلٌ لعلَّةِ الشيء منزلتَه؛ فإنَّ المعنى: ولكن تثبَّطوا عنه؛ لأن الله تعالى كره انبعاثهم. هذا ما قيل في توجيه ما ذُكِرَ، وفيه وقوع (لكنْ) بينَ متَّفقين (٢) من جهة المعنى، فالوجه أن يكون ذلك من قَبيل حذف الجملة من الكلام لدلالة الباقي عليه، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الآية [النمل: ١٥]، وذلك أنه لمَّا احتمل أن يُتوهم أن عدم خروجهم للغزو لعدم تنبُّههم له قبله حتى يتهيَّؤوا (٣) له، تُدورك دفعه بما ذُكر محذوفَ الصَّدر، فكأنَّه قيل: ليس هذا من تقصيرك في بعثهم للخروج، ولكن كره الله انبعاثهم. ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ التَّثبيط: التَّوقيف عن الأمر بالتَّزهيد فيه.

стр. 1830

﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا﴾ تمثيل لإلقاء الله تعالى في قلوبهم التَّثبيط وكراهةَ الانبعاث، أو وسوسةِ الشيطان بآمرٍ أمرَ بالقعود عنه، أو حكاية قولِ (١) بعضهم لبعض، أو إذن الرسول ﵇ لهم. وقوله: ﴿مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ ذمٌّ لهم، وإلحاقٌ بالذين شأنُهم القعودُ ولزومُ البيت للعجز عن القيام بمصالح الغزو من النِّساء والصِّبيان والزَّمنى. (٤٧) - ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ لم يقل: (معكم)؛ لأن إضرارهم على تقدير خروجهم مختلِطين معهم، لا منفردِينَ عنهم. ﴿مَا زَادُوكُمْ﴾ شيئًا ﴿إِلَّا خَبَالًا﴾ الخَبَال: الفسادُ في الأشياء المؤتلِفة الملتحِمة. والزِّيادةُ لَمَّا كانت باعتبار أعمِّ العام الذي وقعَ منه الاستثناء، لم يلزم أن يكون لهم خَبالٌ حتى لو خرجوا فيهم زادوه. ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ الإيضاعُ: تهييجُ المركوب على الإسراع؛ أي: لِيَسْعَوا بينَكم بالنَّميمة وإفساد ذاتِ البَيْن، وهو مجازٌ يفيدُ المبالغة في السَّعي بالنَّمائم؛ لأنَّ الرَّاكِبَ أسرعُ من الماشي، ويقوِّيه حذف المفعول؛ لِمَا في التَّعميمِ مِن زيادة المبالغة بتقدير السَّامع كلَّ ما شاء من الرَّاكب، كأنَّه قيل: لأوضعوا كلَّ ما وجدوا مِنَ الرَّكائبِ. ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ حالٌ من ضمير (أوضعوا)؛ أي: يريدون أن يفتنوكم بإيقاع الخلاف فيما بينكم، والرُّعبِ في قلوبكم.

стр. 1831

﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾؛ أي: نمَّامون يسمعون حديثكم فينقلونه إليهم، أو: ضَعَفةٌ مطيعون لهم، يسمعون ما يأمرونهم. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ فيعلم ضمائرهم وما يتأتَّى منهم، وعيدٌ لهم من باب وضع الظَّاهر موضع المضمَر؛ للتسجيل عليهم بالظُّلم، وإيجاب الظُّلم للوعيد. (٤٨) - ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾. ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ﴾ بالسَّعي في تشتيت أمرك وتفريق أصحابك. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ يعني: يومَ أُحُدٍ حين انصرف عبد الله بن أُبَيٍّ بِمَن معه. ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾: ودبَّروا لك الحِيَل والمكائد، ودوَّروا الآراء في إبطال أمرك. ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ﴾: النَّصر والتَّأييد الإلهي ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ على دينه. ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾؛ أي: غلبَ أمرُ الله وشرعُه على رغم منهم. والآيتان لتسلية الرَّسول ﵇ والمؤمنين على تخلفهم، وبيانِ ما ثبَّطهم (١) اللهُ لأجله، وكره انبعاثهم له، وهتكِ أستارهم، وكشفِ أسرارهم، وإزاحةِ (٢) اعتذارهم؛ تداركًا لِمَا فوَّت الرَّسول ﷺ بالمبادرة إلى الإذن.

стр. 1832

(٤٩) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾؛ أي (١): في القعود. ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾: ولا تُوْقِعني في الفتنة، وهي المعصية والإثم، فإنِّي إنْ لم تأذن لي وتخلَّفْتُ بغير إذنك أَثِمْتُ؛ إذ لا يمكنني الخروج معك، فلا بُدَّ لي من التَّخلُّف، أذنتَ أو لم تأذنْ. أو: لا تُلْقِني في الهَلَكَة؛ فإنِّي إنْ خرجْتُ معك هلك مالي وعيالي؛ إذ لا كافلَ لهم. أو: لا تفتنِّي ببناتِ الأصفر؛ لِمَا رويَ: أنَّ جدَّ بنَ قيسٍ قال: قد علمَتِ الأنصارُ أني مستَهْتَرٌ (٢) ببنات الأصفر - يعني: نساء الرُّوم - فلا تفتنِّي بهنَّ، ولكن أُعِيْنُك بمالٍ (٣) فاتركني (٤). ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ تقديم الظَّرف بعد حرف التَّنبيه إيذانٌ بعِظَمِ ما وقعوا

стр. 1833

فيه وتخصيصٌ له؛ أي: ما الفتنة إلَّا التي وقعوا فيها، وهي التَّخلُّف، لا ما احترزوا عنه، وما وقعوا إلَّا فيما زعموا أنهم محترِزون عنه. وفي عبارة: ﴿سَقَطُوا﴾ إشارةٌ إلى أنهم وقعوا فيما وقعوا فيه (١) من غفلةٍ وعدمِ تدارُك. ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ وعيدٌ لهم من بابِ وضع الظَّاهر موضِعَ المضمَر للتَّسجيل عليهم بالكفر، والإشارةِ إلى سبب الإحاطة بهم. والمراد: إحاطةُ أسبابها بهم، فوُضع المسبَّب موضِعَ السَّبب إشعارًا بشدَّة (٢) إيجابه له، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]. (٥٠) - ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾. ﴿إِنْ تُصِبْكَ﴾ في بعض غزواتك ﴿حَسَنَةٌ﴾: ظفرٌ وغنيمةٌ ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ لفرط حسدهم. ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ﴾ في بعضها ﴿مُصِيبَةٌ﴾ هي آفَةٌ في النَّفس أو الأهل أو المال، وأصلُه الصَّوب (٣)، وهو الجري إلى الشيء، ومنه صوَّب الإناء: إذا ميَّله. والإصابةُ: وقوع الشَّيء بما قُصد به. والصَّوابُ: إصابةُ الحقِّ.

стр. 1834

﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا﴾ الذي نحن متَّسمون (١) به من التيقُّظ والحذر والعمل بالحزم. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾، أي: من قبلِ ما وقع؛ أي: يتبجَّحون بانصرافهم، ويستحمدون (٢) رأيهم في التَّخلف. ﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾ عن مقام التَّحدث بذلك إلى أهليهم، أو عن الرَّسول ﷺ . ﴿وَهُمْ فَرِحُونَ﴾: مسرورون. * * * (٥١) - ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ يعني: في اللَّوح المحفوظ. أمرَ اللهُ تعالى نبيَّنا ﵊ أنْ يردَّ على المنافقين بأنْ يُعْلمهم أنَّ الشيء الذي يعتقدونه مصيبةً ليس كما اعتقدوه، بل الجميع مما كتبه الله تعالى للمؤمنين؛ فإمَّا أن يكون ظفرًا أو سرورًا في الدُّنيا، وإما أن يكون (٣) ذخرًا للآخرة، يرشدك إلى هذا قوله: ﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾ أي: الذي يتولَّانا، فإنَّه لتأكيد ما سبقَ مِن الاختصاص. وأمَّا ما قيل: إنَّ المعنى: إلَّا ما كتبَ اللهُ في اللَّوح وجفَّ به القلم فلا يتغير

стр. 1835

بموافقتكم ولا بمخالفتكم؛ فلا يناسبُ المقامَ؛ لأنَّه لا يَصلح ردًّا لهم، ثمَّ إنَّ ما ذَكَرَ على وفقِ ما قاله الجبْريَّة. وقرئ: (هل يصيِّبُنا) بشديد الياء (١)، وهو يُفَيْعِلُ من فَيْعَلَ [لا] (٢) من فَعَّلَ؛ لأنَّه من بنات الواو؛ لقولهم: صاب السَّهمُ يَصُوبُ. ﴿وَعَلَى اللَّه﴾ لا على غيره ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ لأنَّ حقَّهم أن لا يتوكلوا إلَّا عليه، جمع بين الحرفين في عطف الجملة على الجملة؛ لتقدُّم (٣) العلَّة للاختصاص، كأن الواو للعطف والفاءَ لإفادة التَّسبب. والتَّوكُّلُ: تفويضُ الأمر إلى الله تعالى، والرِّضا بتدبيره، والثِّقةُ بحسن اختياره. (٥٢) - ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾. ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا﴾ التَّربُّصُ: التَّمسُّكُ بما يُنتَظر به مجيءُ حينه. ﴿إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾: إحدى العاقبتين اللَّتين كلُّ واحدة منهما حُسْنَى العواقب: النُّصرة والشَّهادة.

стр. 1836

﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ إحدى السُّوءتَيْن من العواقب: ﴿يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾؛ أي: قارعةٍ من السَّماء كما نزلت على عاد وثمود ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ وهو القَتْلُ على الكفر. ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ بنا ما ذكرْنَا من عاقبتنا ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ ما هو عاقبتكم. (٥٣) - ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ نصبٌ على الحال؛ أي: طائعين أو كارهين. ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ أمر في معنى الخبر؛ أي: لن يُتقبَّل منكم نفقاتُكم، أنفقتم طوعًا أو كرهًا، وفائدتُه المبالغة في تساوي الإنفاقين في عدم القَبول، كأنهم أُمروا بأنْ يمتحنوا فينفقوا في الحالين وَينظروا هل يُتقبَّلُ منهم؟ وهو جوابُ قول جدِّ بن قيس: وأُعِينك بمالي. ونفيُ التَّقبُّل يَحتمِلُ أنْ لا يَتقبَّلَ الرَّسولُ ﵇ ولا يأخذَ منهم، وأنْ لا يتقبَّلَ اللهُ تعالى منهم ولا يُثيبَ عليها. و ﴿كَرْهًا﴾ يحتمِل الإلزامَ والإكراه فيؤيِّد الثَّاني، والكراهةَ من المنفقِين فلا يَرْجَح أحدُهما. ولعَمْري إنهم لا ينفقون إلَّا كراهةً، كما أخبر عنهم (١) في الآية التي بعدها، وأمَّا التَّطوُّع فهو على سبيل الفَرْضِ؛ لمساواةِ الكُره في عدم القَبول، أو أن يُعطُوا (٢) من غير إلزامٍ وإكراه وفي أنفسهم الكراهة.

стр. 1837

﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ تعليلٌ لردِّ إنفاقهم على سبيل الاستئناف؛ إذ الفسق هنا هو التَّمرُّد والعتوُّ في الكفر، فيوجِبُ ردَّ كلِّ عمل، وفيه تنفير للمسلمين عن الفسق، وما بعده بيان وتقرير به. (٥٤) - ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾. ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ﴾ لا يخفى ما في هذا التَّعبير من حُسْنِ التَّصوير لقَبولِه النَّفقة بصورةِ أمرٍ مرغوبٍ مطلوبٍ، كأنهم طلبوه بالطَّبع؛ فإنَّ كرام العرب مجبولون على حبِّ الإنفاق، ومنَعهم إيَّاه ما بهم من الكفر والنِّفاق. ﴿إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾؛ أي: وما منعهم قَبولَ نفقاتهم إلَّا كفرُهم. وإعادة الجارِّ للتَّنبيه على أن كفرهم به ﵇ أصالة لا تبعًا لكفرهم بالله تعالى. ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾: متثاقلين، ذمُّهم على الكسل في الصَّلاة ذمٌّ على النِّفاق الذي يبعث على الكسل، وفقدِ الإيمان (١) الذي يبعث على النشاط. ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾؛ لأنهم لا يَرجون بفعلها ثوابًا، ولا يخافون بتركها عقابًا.

стр. 1838

(٥٥) - ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾. ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ﴾ الإعجاب بالشَّيء: أنْ يُسَرَّ به سرورَ متعجِّبٍ من حسنِه، راغبٍ فيه، والتَّفريعُ (١) على ما تقدَّم باعتبار أنَّ كونَ المال مرغوبًا يؤدِّي إلى كراهة الإنفاق، التي سياق الكلام في ذمِّها. ﴿وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾؛ أي: فلا يَسرُّك أموالهم ولا أولادهم، مستحسِنًا إيَّاها، متعجِّبًا منها؛ فإنَ ذلك استدراجٌ لهم ووَبالٌ، كما قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: بسبب ما يتكابدون (٢) منها، من كُلَفِ الجمعِ والحفظِ، وما ينوبهم من الشَّدائد والمصائب، وآفات النَّهب والسَّبي، وما كلَّفهم الله تعالى من الإنفاق في سبيل الخير على كراهتهم إيَّاه. ومفعول ﴿يُرِيدُ﴾ محذوف، تقديره: يريد إيتاءهم من الأموال والأولاد. ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ﴾ الزُّهوق: الخروجُ بصعوبة وشدَّة. ﴿وَهُمْ كَافِرُونَ﴾: في حالة كفرهم، متحسِّرين لاهين بالتَّمتُّع بها عن النَّظر في العاقبة، متألِّمين بالتَّعلّقِ بها وحبِّها، متعذِّبين بفراقها. لَمَّا قطعَ رجاءَهم عن جميع منافع الآخرة بيَّنَ أنَّ الأشياء التي يظنّونها من باب منافع الدُّنيا جعلَها الله تعالى أسبابًا لتعذيبهم بها في الدُّنيا والآخرة.

стр. 1839

(٥٦) - ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾. ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ عطف على مُقدَّر تقديره: ينافقون ويحلفون بالله ﴿إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾: لَمِن جملة المسلمين، منصوب بـ (يحلفون) لتضمُّنه معنى القَول. ﴿وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ لكفرهم الباطن. ﴿وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾؛ أي: يخافونكم على أنفسهم إن أظهروا لكم ما في قلوبهم، فلهذا يحلفون أنهم منكم، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦]. والفَرَقُ في الأصلِ: انزعاج النَّفس بتوقُّع الضَّررِ، فلا يستعمل إلَّا في الخوف الشَّديد. (٥٧) - ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾. ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ حصنًا يلجؤون إليه ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾: جمع مغارة، من غارَ يغير (١). وقال ابن عباس ﵄: المغارات: الغِيران والسَّراديب (٢)، وهي المواضع التي يُسْتَتر فيها. ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾: مُفْتَعَلٌ من الدُّخول؛ أي: مَسلكًا يُتترَّس (٣) بالدُّخول فيه. ﴿لَوَلَّوْا﴾ وجوهَهم ﴿إِلَيْهِ﴾؛ أي: لأقبلوا نحوه، والضمير لأحد الثلاثة.

стр. 1840

﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ يسرعون إسراعًا لا يردُّه شيء، من جمحَ الفرسُ: إذا لم يردُّه اللِّجام. (٥٨) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ﴾: يَعيبك. قال الزُّجاج: اللَّمزُ: التَّعييب مسارَّةً، والهمزُ: التَّعييب مجاهرةً (١). ﴿فِي الصَّدَقَاتِ﴾ في قِسْمتها، و ﴿فِي﴾ هنا بمعنى الباء السَّببية كما في قوله تعالى: ﴿لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢]. ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا﴾ وذكروه بالجميل ﴿وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ ﴿إِذَا﴾ للمفاجأة، ناب مناب الفاء الجزائية. وما أحسنَ مجيءَ جواب هذين الشَّرْطَين؛ لأنَّ الأوَّل لا يلزم أن يقارنه ولا أن يَعتقِبه، بل قد يجوز أن يتأخَّرَ، نحو: إن أسلمْتَ دخلْتَ الجنَّة، وأمَّا جواب الشَّرط الثَّاني فإنَّما جاءَ بـ (إذا) الفجائيَّة ليدلَّ على أنَّه إذا لم يُعطَوا فاجأهم (٢) سخطهم، ولم يُمْكنْ تأخُّره؛ لِمَا جُبِلُوا عليه من محبَّة الدُّنيا والشَّرَهِ في تحصيلها.

стр. 1841

(٥٩) - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ذِكْرُ ﴿اللَّهُ﴾ تعالى تمهيدٌ للتَّنبيه على أن إعطاءه ﵇ بأمره تعالى، فهو المعطي في الحقيقة، قال ﵇: "والله المعطي وأنا القاسم" (١). ومفعول ﴿رَضُوا﴾ محذوف؛ أي: رضوا ما أعطاهم الرَّسول ﵇، وطابت به أنفسهم، وإنْ قل نصيبهم، وليس (٢) المعنى: رضوا عن الرَّسول ﵇؛ لأنهم منافقون، ولأنَّ رضاهم (٣) وسخطهم لم يكن إلَّا لأجْل الدُّنيا. ﴿وَقَالُوا﴾ عطفٌ على ﴿رَضُوا﴾ في حيِّز الشَّرط، والجواب محذوفٌ تقديرُه: لكان خيرًا لهم. ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾؛ أي: لكان كافيَنا ورازقَنا من حيث يشاء، فيعطينا كفايتنا وإن تأخرَتْ. ﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ﴾ من صدقةٍ أخرى، وإنَّما قال: ﴿مِنْ فَضْلِه﴾؛ لأنَّ ما آتاه الله فضلٌ منه، سواءٌ بكسبِ العبد (٤) أو بدونه. ﴿وَرَسُولُهُ﴾؛ أي: ويؤتينا رسوله ﵇ بأمره (٥) ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ﴾؛ أي: إلى

стр. 1842

رضائه تعالى ﴿رَاغِبُونَ﴾: لا رغبةَ لنا إلى زخارف الدُّنيا، فتقديم الجار والمجرور للتَّخصيص. (٦٠) - ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ قَصر جنسَ الصَّدقات المشتمِلة على الأنواع المختلفة - المشارِ إليه بصيغةِ الجمع - على الأصناف المعدودة تصويبًا لِمَا فعله الرَّسول ﵇، ورغمًا لأنوف المنافقين، وردعًا لهم عن اللَّمز، وحسمًا لأطماعهم بإثبات استحقاق غيرهم لها دونهم، وأنَّهم ليسوا منها في شيءٍ، فما لهم (١) والتكَلُّمَ فيها وفيمَن قاسمها (٢). فإيرادها استطرادٌ ساقَ إليه الكلام في مثالبهم ورذائلهم، وظهورِ ما أضمروا من معاداة الرَّسول ﷺ والمؤمنين مِن فَلَتاتِ لسانهم، ولهذا توسَّطتْ بين ذكر المنافقين (٣)، ومعناه: إنَّما هي لهم لا لغيرهم، وهو دليل على أنَّ اللَّمزَ (٤) في قسمة الزَّكاة لا في الغنائم. والقصرُ المذكور يفيد اختصاصها بالأصناف الثمانية، وعدمَ تجاوزها إلى

стр. 1843

غيرهم؛ لا إيجابَ شمولها لهم (١) وقسمتِها (٢) على جميعهم، فيحتمِل استيعابُ الجميع (٣) الصرفَ إلى بعضهم؛ فأبو حنيفة اختار الثَّانيَ، وعن عمر وابن عباس وحذيفةَ وكثير من الصحابة ﵃ والتابعين (٤) جوازُ صرفها إلى واحد ومنهم. والشَّافعي اختار وجوب الصَّرْف إلى كلِّ واحدٍ منهم، والتَّسويةِ بينهم، على قضية الاشتراك. ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ المسكين: مَن له مال أو كسبٌ ولكن لا يكفيه. والفقير: مَن ليس له واحدٌ منهما، ولهذا قدَّمه. ورُوِيَ أنَّه ﵇ سأل المسكنةَ وتعوَّذ من الفقر (٥). ﴿وَالْعَامِلِينَ﴾: السُّعاةِ في جمع (٦) الصَّدقات وقبضِها، وإنما قال: ﴿عَلَيْهَا﴾ لتضمين معنى القيام، كأنَّه قيل: القائمين على جميع مصالحها، وكلُّ مَنْ يُبعث

стр. 1844

معهم مِنْ عَوْنٍ لا يُستغنى عنه فهو منهم؛ لأنَّه يحثُّ (١) النَّاس عليهم. ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ وهم كانوا أصنافًا ثلاثة: صنفٌ كان النَّبيُّ ﵇ يتألَّفهم ليسلموا، وصنفٌ يعطيهم لدفع شرِّهم، وصنفٌ كانوا أسلموا وفي إسلامهم ضعفٌ، فيزيدهم بذلك تقريرًا على الإسلام. كلُّ ذلك كان جهادًا منه ﵇ لإعلاء كلمة الله تعالى؛ لأنَّ الجهادَ تارةً يكون بالسِّنان، وتارةً يكون (٢) بالبَيان، وتارةً بالإحسان. واختُلف في انقطاع هذا الصِّنف بعزَّة الإسلام وظهوره. ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾؛ أي: وللصَّرف في الرِّقاب بأنْ يُعَانَ المكاتَب بشيءٍ منها على أداء النُّجوم، وقيل: بأنْ يُبتاعَ الرِّقاب فيُعتق، وقيل؛ بأن يُفدى الأُسارى. والعدول من اللَّام إلى (في) للدّلالة على أنَّ الاستحقاق في الجهة لا في الرِّقاب، أو للإيذان بأنَّهم أحقُّ بها وأقوى استحقاقًا؛ لأنَّ (في) للظَّرفية؛ أي: هم مواضعُها التي يوضع فيها؛ لِمَا فيها من الفَكِّ والإنقاذ من الرِّقِّ والغرم والأسر، وحفظِ بيضة الإسلام، والتَّخليصِ من الإشراف على الهلاك. ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ الذين يَدينون لأنفسهم من غير معصيةٍ إذا لم يكن لهم وفاءٌ، أو لإصلاح ذات بَيْنٍ بتحمُّل الحمالات وإن كانوا أغنياءَ؛ لقوله ﵇: "لا تَحِلُّ الصَّدقةُ إلَّا لخمسةٍ: لغازٍ في سبيلِ اللهِ، أو لغارمٍ، أو رجلٍ اشتراها بماله، أو رجلٍ له جارٌ مسكينٌ فتصدَّق على المسكين فأهدى المسكينُ للغنيِّ، أو لعاملٍ عليها" (٣).

стр. 1845

﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: وللصَّرف في الجهاد بالإنفاق (١) على المتطوِّعة (٢)، وابتياعِ الكُراع والسِّلاح، وقيل: في بناء القنطرة والمصانع (٣). وإعادة الجارِّ؛ لأنَّه من نوعٍ آخر. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ أخَّره عن سبيل الله تعالى مع أنَّه من قَبيل ما سبقَ؛ رعاية لظاهر الكلام؛ فإنَّ ابنَ السَّبيل يناسبه أن يُذْكرَ بعد السَّبيل، والمراد منه المسافر المنقطِع عن ماله، وابنُ السبيل كالعَلَم، فلذلك لم يُجْمَعْ. ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ مصدرٌ مؤكِّد؛ لأنَّ معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾: فرضَ اللهُ الصَّدقات لهم، أو حالٌ من الضَّمير في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾. وقرئ: (فريضةٌ) بالرفع (٤)، أي: تلك الفريضة. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بمواضع الاستحقاق ﴿حَكِيمٌ﴾ يضع الأشياء مواضعها. (٦١) - ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ﴿وَمِنْهُمُ﴾؛ أي: من المنافقين ﴿الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ روي أنَّ جماعة منهم

стр. 1846

ذمُّوه ﵇ وبلغه ذلك، فاشتغلت قلوبهم، فقال بعضهم: لا عليكم إنما هو (١) أُذُن سامعةٌ، قد سمع كلام المبلِّغ فتأذَّى، ونحن نأتيه فنعتذرُ فيسمع عذرنا أيضًا فيرضى (٢). وهذا ما ذكره بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ الأُذُنُ مَنْ إذا قيل له شيءٌ سمعه، وحُدِّثَ بشيءٍ لا ينكرُه، فإن الأُذُن الذي هو جارحةُ السَّماع كذلك؛ أي: ليس فيه وراء الاستماع تمييزُ الحقِّ من الباطل. وأرادوا ذمَّه ﵇، فَما ذُكِرَ مِنْ قَبيلِ التَّشبيه، والغرضُ: المبالغة في الذَّمِّ. وأمَّا إطلاق العين على الجاسوس فمن قَبيل المجازِ العقلي، كإطلاق العَدْل على العادل، والغرضُ منه المبالغة في المدح، فأين هذا من ذاك؟! كان النَّبيُّ ﷺ يستمعُ إلى كلامِ كلِّ مَنْ يحدِّثُه بشيءٍ؛ لِكرمِه وحُسنِ خُلقه، فظنَّ أولئك أنَّه لسلامة قلبه وغفلته. ولقد أحسن مَن قال: عابَه الجُهَّالُ بما هو آيةُ غايةِ كرمه، وعلامةُ حُسنِ شِيمِه (٣)، قال ﵇: "المؤمن غِرٌّ كريمٌ، والمنافقُ خِبٌّ لئيمٌ" (٤). ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ أضاف الأذن إلى ﴿خَيْرٍ﴾ للمبالغة، كقولك: رجلُ صِدْقٍ، تريد وصفه بالجَودة والصَّلاح، كأنَّه مطبوعٌ منه ولا يتبيَّن إلَّا به، نحو: خاتم

стр. 1847

فضَّة، أو مختصٌّ بذلك المعنى، أراد الوصفَ بالخيريَّة، كأنّه قيل: نعم، هو أُذُنٌ، ولكن نِعْمَ الأُذُن، أو: أُذُنٌ في الخير وفيما يجبُ سماعه وقَبوله، لا في كلِّ شيء على الوجه الذي ذمَمتُموه به. والدَّليل عليه قراءة: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ بالجر (١)؛ أي: هو أذنُ خيرٍ ورحمةٍ لا يسمع غيرهما ولا يقبلُه. وقرئ: (أذنٌ خيرٌ لكم) برفعهما منوَّنَيْن (٢)، على أن (خيرٌ) صفةٌ له، أو خبرٌ ثانٍ، أو كلًّا منهما (٣) خبرٌ لمبتدأ محذوف؛ أي: هو أذنٌ (٤) خيرٌ لكم؛ لأَنه يقبل معاذيركم، ولا يكافيكم (٥) على سوء ظنِّكم (٦). ثم فسَّره بقوله: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾؛ أي: يصدِّق به لِمَا قام عنده من الأدلة ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: يسلِّم لهم ما يقولون، فالاختلاف في التعدية للاختلاف في المعنى. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾؛ أي: هو رحمة، أُريْدَ المبالغة في رحمته لهم، فسلك مسلَك: رجلٌ عَدْلٌ. ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: أظهروا الإيمان ﴿مِنْكُمْ﴾ حيث يقبله ولا يكشف سرَّه.

стр. 1848

وفيه تنبيهٌ على أنَّه ﵇ ليس يقبلُ قولهم جهلًا بحالهم، بل يقبل ترحُّمًا لهم ورفقًا بهم. وقرئ: (ورحمةً) بالنَّصب (١)، تعليلًا لِمَا تقدم من جهة المعنى، فإنَّ: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ في معنى: يأذنُ لكم رحمةً. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ إظهارُ ذِكْرِ رسولِ اللهِ تعظيمٌ وإيذانٌ بأنَّ الإيذاءَ (٢) الذي هذا شأنُه يوجب استيجابَهم العذابَ الأليم. (٦٢) - ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾. ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ﴾ الخطاب للمؤمنين ﴿لِيُرْضُوكُمْ﴾؛ أي: يحلفون على معاذير عند الاعتذار إليكم في التَّخلُّف عن الجهاد والتَكلُّم بالمطاعن والإيذاء؛ لتَعذُروهم وترضَوا عنهم. ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ ذِكْرُ اللهِ تعالى تمهيدٌ لتعظيمِ الرَّسولِ ﵇، وبيانٌ أن إرضاءه إرضاءُ الله تعالى؛ أي: ورسولُ الله أحقُّ بالإرضاء بالطَّاعة والموافَقة. ﴿إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ كما يزعمون؛ لأنَّ الإيمان يقتضي ابتغاءَ مرضاة الله تعالى، ولو بسخطِ مَن سواه.

стр. 1849

(٦٣) - ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾. ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ استفهامٌ بمعنى التوبيخ ﴿أَنَّهُ﴾؛ أي: الشَّأن ﴿مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ المحادَّةُ: مفاعَلةٌ من الحدِّ، كالمشاقَّة من الشقِّ؛ لأن المتخالفَينِ كلٌّ منهما في حدٍّ. وذِكْرُ اللهِ تعالى هنا أيضًا تمهيدٌ. ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا﴾ على حذف الخبر؛ أي: فحقّ أنَّ له، أو على تكرير (أنَّ) للتَّأكيد. قيل (١): يجوز أن يكون معطوفًا على ﴿أَنَّهُ﴾ ويكون الجوابُ محذوفًا، تقديره: مَنْ يحاددِ اللهَ ورسولَه يهلك، فيكون ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ في موضع نصب. وهذا الذي قرَّره لا يصح (٢)؛ لأنهم نصُّوا على أنَّه إذا حُذِفَ الجواب لدلالة الكلام عليه كان فعل الشَّرط ماضيًا في اللَّفظ، أو مضارعًا مجزومًا (٣) بـ (لم)، فمن كلامِهم: أنت ظالم إن فعلت، ولا يجوز: إن تفعل، وهنا حذف جواب الشَّرط، وفعلُ الشَّرط ليس ماضيَ اللَّفظ ولا مضارعًا مقرونًابـ (لم)، وذلك إن (٤) جاء في كلامهم فمخصوصٌ بالضرورة، وأيضًا فتجدُ الكلامَ تامًّا دونَ تقدير هذا الجواب.

стр. 1850

﴿ذَلِكَ﴾ الهلاكُ الدائم. ﴿الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ الخزيُ: الهوانُ بما يُستحَى مِن مثلِه. (٦٤) - ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾. ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾ خبرٌ عن حذرِهم، وقيل: هو بمعنى الأمر، أي: ليحذَرِ المنافقون. ﴿أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾: على المنافقين، والنَّازل فيهم كالنَّازل عليهم من حيث إنه مقروءٌ محتجٌّ به عليهم. ﴿سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ﴾: تخبرهم ﴿بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ لم يكن ذلك الإخبار لإعلام المخبَر به، بل لإعلام أنَّه لا يخفى على الله تعالى ولا يخفيه عن رسوله ﵇. وفيه هَتْكُ أستارِهم، وإظهارُ أسرارهم للمؤمنين، ولا يخفى ما في هذا المعنى من شدَّة الالتئام بين أجزاء الكلام، واعتبارٌ (١) لطيفٌ يناسب المقام، بل التزامٌ لانتشار الضمائر. ثمَّ إنَّ ما ذكر على تقديرِ الأمرِ ظاهرٌ، وأمَّا على تقدير الخبر فنقول: لكثرة ما كان يُطْلعُ اللهُ تعالى رسولَه (٢) ﵇ كانوا يحذرون ذلك، ولخبثِ باطنهم وشدَّة كفرهم كانوا يؤذونه ﵇ ويستهزءون به، وذلك قوله تعالى:

стр. 1851

﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ صيغةُ أمر، وهو للتَّهديد، ودليله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ﴾ من لكُمُونِ إلى البروزِ ﴿مَا تَحْذَرُونَ﴾؛ أي: ما تحذرونه من نزول السُّورة في (١) أسراركم وهَتْك أستاركم، أو من إظهار مساوئكم (٢). (٦٥) - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ﴾ رُويَ أنَّ ركبَ المنافقين مَرُّوا على رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فقالوا: انظروا إلى هذا الرَّجل، يريد أن يفتح قصور الشَّام وحصونه، هيهات هيهات، فأخبر الله تعالى به (٣) نبيَّه ﵇، فدعاهم فقال: قلتُم كذا وكذا؟ فقالوا: لا والله ما كنَّا في شيء من أمرك وأمر أصحابك، ولكن كنَّا في شيء مما يخوض فيه الرَّكب، ليقصر بعضنا على بعضٍ السَّفر، فنزلَتْ (٤). فما ذكر من السؤال والجواب كان مع بعضِهم، إلَّا أنَّه أسند إلى الكلِّ لاتِّحادهم في المنشأ. ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ الخوضُ في الأصلِ: دخولُ القَدَم فيما كان

стр. 1852

مائعًا من الماء والطِّين، ثم شاعَ (١) وكثرَ حتى صارَ في كلِّ دخولٍ فيه أذًى (٢). ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ تقرير للاستهزاءِ، وتوبيخٌ لهم على استهزائِهم لمن (٣) يجب تعظيمه ولا يصحُّ الاستهزاء به؛ لأن إيلاءَ المستهزَءِ به حرفَ الاستفهام إنما يصح بعد وقوع الاستهزاء، فلم يعبأ باعتذارهم للعلم بكذبهم في ذلك. وذِكْرُ اللهِ تمهيدٌ لتعظيمِ آياته، والتَّنبيهِ على أنَّ استهزاءَها راجعٌ إلى الله تعالى. (٦٦) - ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾. ﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾؛ أي: لا تشتغِلوا بأعذاركم؛ فإنَّها معلومةُ الكذبِ لا تنفعُكم بعد ظهور أسراركم ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ بالاستهزاء والإيذاء ﴿بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ بعد إظهاركم الإيمانَ. ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ لتوبتهم وإخلاصهم، أو لاجتنابهم عمَّا كانوا يفعلونه من الإيذاء والاستهزاء. ﴿نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾: بكونهم مجرمين مصرِّين على النِّفاق وما كانوا عليه.

стр. 1853

(٦٧) - ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾؛ أي: جنسٌ واحد كأبعاض الشَّيء الواحد، غيرُ مماثل لجنس المؤمنين. تعريضٌ بأنَّهم ليسوا من المؤمنين، وتكذيبٌ لهم في حَلِفهم بالله إنهم لمنكم، وتقريرٌ لقوله (١) تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾، وما بعده كالدَّليل عليه ببيانَ (٢) منافاةِ حالهم لحال المؤمنين، وهو قوله: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ﴾ بالكفر والمعاصي ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: الإيمانِ والطاعة. ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ قبضُ اليدِ عبارة عن الشحِّ؛ أي: يمتنعون عن الإنفاق في سبيل الخير. ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ النِّسيان في الأوَّل كنايةٌ عن التَّرك، والمراد: ترك طاعته، وفي الثاني مجازًا مرتَّبًا على الكناية، والمراد ترك (٣) رحمتهم، وإنما يعبَّر

стр. 1854

بالنِّسيان عن التَّركِ مبالغةً إذا بلغ وجوه الترك الوجهَ (١) الذي يقترِن به النسيان. ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ الكاملون في التَّمرُّد والخروج عن دائرة الخير، والمبالغةُ في ذمِّهم بالفسق، وجعلُه غايةً في التَّمرُّد والعتوِّ، والفاروقَ الأعظم بينهم وبين المسلمين، تنفيرٌ للمسلمين عنه. (٦٨) - ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾ التَّفصيل بين الجنسين منهم للاهتمام بشأنهم لأن الكلام في ذمِّهم (٢). ﴿وَالْكُفَّارَ﴾؛ أي: المجاهرين بالكفر، بقرينةِ المقابلة، وهي لا تخلو عن الدّلالة إلى (٣) أنَّهم جنسٌ آخر. ﴿نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حال عن معنى ﴿وَعَدَ﴾، فإنه كنايةٌ عن وقوع العذاب، كأنه قيل: يعذبهم الله بنار جهنَّم خالدين فيها. ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ إشارةٌ إلى عظم عذابها، وأنَّه لا مزيد عليه؛ أي: حسبُهم عقابًا وعذابًا إذ لا شيء أبلغ منه. ﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾: طردَهم وأهانهم مع التَّعذيب.، وقَرَنهم بالشَّياطين الملاعين في التَّبعيد، ففيه بيان عذابهم الروحاني.

стр. 1855

﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ﴾؛ أي: ولهم نوعٌ من العذاب سوى الصلي بالنَّار. ﴿مُقِيمٌ﴾: دائم كعذاب النَّار. (٦٩) - ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. ﴿كَالَّذِينَ﴾؛ أي: أنتم مثلَ الذين مِن قبلكم، أو: فعلتم مثل الذين ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً﴾: منعة وبطشًا ﴿وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾؛ أي: كانوا أشد منكم قوةً وأقدر، فإذا كنتُم في سوء المعاملة مثلَهم وفي القوة دونهم، فما يُؤْمنكم أن يصيبكم من العقوبة مثلُ ما أصابهم. ومَن وَهَمَ أنه بيانٌ لتشبيههم بهم وتمثيلِ حالهم بحالهم فقد وَهِمَ (١)، فافهم. ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾ الخَلَاقُ: النَّصيب، من الخَلْق بمعنى التَّقدير، وهو ما خُلق للإنسان؛ أي: قُدِّرَ له من خيرٍ، كما سُمِّيَ نصيبًا؛ لأنَّه نُصب له وأثْبِتْ (٢)، وتقديمه على التشبيه المذكور بقوله: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ﴾ تمهيدٌ لذمِّهم بذمِّ الأوَّلينَ بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدُّنيا واشتغالِهم بها، وذهولِهم بلذَّاتها الفانية عن التَّفكُّر في أمر الآخرة والنَّظرِ في العاقبة وطلبِ الفلاح، وتحصيلِ اللَّذات

стр. 1856

الباقية؛ ليتقرَّرَ سوءُ حالهم وسماجةُ فعلهم في أنفسهم، ثم يتفطَّنوا ويتيقَّظوا (١) لقبحِ ما هم فيه بتشبُّههم واقتفاءِ آثارهم. والاستمتاع: طلب المتعة، وهي فعلُ ما فيه اللذةُ من المآكل والمشارب والمناكح. ﴿وَخُضْتُمْ﴾؛ أي: دخلتُم في الباطل ﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾، أي: كالذين خاضوا. (الذي): اسمٌ ناقصٌ يُعبَّرُ به عن الواحد والجمع. ﴿أُولَئِكَ﴾ الذين رضوا من آخرتهم بدنياهم ﴿حَبِطَتْ﴾: بَطَلت ﴿أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أمَّا في الآخرة فلأنَّه لا ثواب لهم ولا نجاة من العذاب، وأمَّا في الدُّنيا فلأنهم قصدوا بذلك توهينَ الإسلام وقهرَ أهله وعلوَّ أنفسهم، فأبطل الله تعالى كيدَهم وخيَّبَ أملَهم. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ذهبَ أموالهم فيما ضرَّهم ولم ينفعْهم، ولو ذهب فيما لا يضرُّهم ولا ينفعهم كان خسرانًا، فكيف وقد ذهب فيما يضرُّهم ولا ينفعهم؟! أشارَ إلى الأوَّلينَ المستمتِعينَ؛ ليَعلَمَ المشبَّهون بهم أنَّ استمتاعَهم وتَلهِّيهِم سببٌ لحَبْط أعمالهم في الدُّنيا والآخرة وخسرانهم المطلَقِ، فيَرتدِعوا. (٧٠) - ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.

стр. 1857

﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الاستفهام للتَّقرير والتَّحذير. والنَّبأُ: الخبرُ الذي له شأن. ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ أُغرِقوا بالطُّوفان ﴿وَعَادٍ﴾ أُهلِكوا بالرِّيح ﴿وَثَمُودَ﴾ أُهلِكوا بالرَّجفة. ﴿وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ﴾ هلك نمرود ببعوضٍ وكذا أصحابُه. ﴿وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ﴾ أُهلكوا بالرَّجفة على ما صرَّح في سورة الأعراف، والذين أُهلكوا بالنَّار يومَ الظُّلة هم أصحاب الأيكة من قوم شعيبٍ ﵇، ولم يقل: وقومِ شعيب؛ لأن كثيرًا منهم آمَنوا له ﵇، ولمثلِ هذا عدل فيما سبق من (قوم هود وقوم صالح ﵉ إلى: (عادٍ وثمود). ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ الائتفاك: الانقلاب، والمرادُ: كلُّ مَنْ أُهْلِكَ مِنَ المكذِّبين المتمرِّدين، كما يُقالُ: انقلبَتْ عليه الدُّنيا، ويدخل فيهم دخولًا أوَّليًّا قوم لوط، ولو أريد بها قومه ﵇ خاصَّة لكان حقَّها أن يُذكَر قبل أصحاب مدين. ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ الضَّمير لكلِّ ما تقدَّم ذكره من الأمم. ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾؛ أي: لم يكن من عادته العقوبة بلا جُرم، ولمَّا تبيَّن هذا مما تقدَّم صَدَّره بأداة التَّفريع (١)، وهو كما يكون باعتبارِ الوجود يكون باعتبار (٢) الظهور. ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بإيقاعها فيما يوجب العقوبة، وتقديم المفعول يفيد التَّخصيص.

стр. 1858

(٧١) - ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ذكر في مقابلة المنافقين والمنافقات، والمراد: المخلِصون والمخلِصات، وفي العبارة المذكورة إشارةٌ إلى أنَّ حقَّ الإيمان الإخلاص، وأنَّ المنافقين ليسوا (١) من جنس المؤمنين. والمعنى: أنَّ ذكورَهم وإناثهم يتوالون على الدِّين ويتناصرون ويتعاونون، حتى إنَّ الرَّجلَ يخرجُ إلى الجهاد وامرأتَه تهيِّئ أسبابه، ويخرج النِّساء مع الرِّجال أيضًا، فيداوْينَ الجرحى، ويعالجْنَ المرضى، ويُصلحْنَ الطَّعام، ويحملْنَ الماء، وغير ذلك من المهمَّات. واختيار كلمة التَّبعيض ثمَّة لشدَّةِ الارتباط فيما بينهم، وقوَّةِ اتِّفاقهم على الكفر والنِّفاق (٢)، وإيثارُ عبارة الولاية هنا للإشارة إلى أن حقَّ الأخوَّة الإيمانيَّة الموالاةُ في المصالح الدِّينية وإنْ كان بينهم (٣) معاداةٌ في المصالح الدُّنيويَّة. ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ التَّعريف في الموضعين للجنس. ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ فهم يذكرون الله تعالى. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ فلا يقبضون أيديَهم، والتعريفان (٤) هنا للعهد، ولو

стр. 1859

حُمِلَ على الجنس نظرًا إلى أن المدح بالنَّوافل أبلغ، أو مَن يقيم النَّافلة أحرى بإقامة الفرض، لكانَ له وجهٌ. ﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في الأوامر والنَّواهي. ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ السِّين مؤكِّدةٌ للوعد، مُفيدةٌ لوقوع الرَّحمة لا محالة. هذا ما بحسب جليل النَّظر، والذي هو بحسب دقيقه أنها مدخلةٌ في الوعد مهلةً لتكون النُّفوس تتنَّعم برجائه، وفضلُه تعالى زعيمٌ بالإنجاز (١). ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾؛ أي: قويٌّ غالبٌ قادرٌ على قهر أعدائه وإعزاز أوليائه بجميع الوجوه. ﴿حَكِيمٌ﴾: يضع الأشياء مواضعها، فيخصُّ النِّقمة بالمنافقين والكفَّار، والرَّحمة بأعدائهم على حَسَب استحقا قاتهم، فليتعذَّبوا بكِلَا الأمرين، فهو من تتمَّة وعيد المنافقين على وجهٍ يتضمَّن وعد المؤمنين. * * * (٧٢) - ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ففيه انتقالٌ من التَّضمين والإشارة إلى التَّصريح؛ اهتمامًا لأمر البِشارة. ﴿جَنَّاتٍ﴾؛ أي: السُّكونَ والقرارَ فيها. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ لمَّا كان الموعود قرارهم فيها صحَّ أن يكون قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حالًا عنه بلا تأويلٍ.

стр. 1860

﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ تستطيبُها النَّفس، أو يطيبُ فيها العيش، وفي الحديث أنها قصور من اللُّؤلؤ والزَّبرجد والياقوت الأحمر (١). ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ مقامٌ معيَّن؛ لِمَا روى أبو الدرداء ﵁ عن رسول الله ﷺ : "عدنٌ دارُ الله التي لم ترها عينٌ ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها غير ثلاثة: النَّبيُّون والصِّدِّيقون والشُّهداء" (٢). وهذا لا ينافي تعميم الوعد لسائر المؤمنين، فإنَّ الموعود لهم ما (٣) حوله من الجنَّات. قال ابنُ مسعود ﵁: عَدْنٌ هي بُطْنانُ الجنَّةِ وسُرَّتُها (٤). ولا يجوز أنْ يُراد به معناه اللُّغوي، وهو الإقامة والخلود؛ لِمَا فيه من التكرار في اعتبار معنًى واحد.
следующие страницы →