صورة اللوحة الأولى من نسخة دوغملو باباس، والمرموز لها بـ (د)
стр. 177
صورة اللوحة قبل الأخيرة من نسخة دوغملو باباس، والمرموز لها بـ (د)
стр. 178
صورة اللوحة الأخيرة من نسخة دوغملو باباس، والمرموز لها بـ (د)
стр. 179
صورة اللوحة الأولى من نسخة مكتبة السليمانية، والمرموز لها بـ (س)
стр. 180
صورة اللوحة الأخيرة من نسخة مكتبة السليمانية، والمرموز لها بـ (س)
стр. 181
صورة اللوحة الأخيرة من نسخة يني جامع، والمرموز لها بـ (ي) - نهاية سورة الصافات
стр. 182
صورة اللوحة الأخيرة من نسخة يني جامع، والمرموز لها بـ (ي) - نهاية السور القصار
стр. 183
صورة غلاف النسخة الخطية لمكتبة عاطف أفندي، والمرموز لها بـ (ع)
стр. 184
صورة اللوحة الأخيرة من نسخة عاطف أفندي، والمرموز لها بـ (ع) - نهاية سورة الصافات
стр. 185
صورة اللوحة الأولى من نسخة بغدادي وهبي، والمرموز لها بـ (ب) - سورة تبارك
стр. 186
صورة اللوحة الأولى من نسخة بغدادي وهبي والمرموز لها بـ (ب) - سورة النبأ
стр. 187
صورة اللوحة الأولى من نسخة بغدادي وهبي والمرموز لها بـ (ب) - سورة النازعات
стр. 188
صورة اللوحة الأولى من نسخة بغدادي وهبي والمرموز لها بـ (ب) - سورة الطارق
стр. 189
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وهو حسبي ونعم الوكيل (١)
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾.
سورة فاتحة الكتاب
السُّورةُ عبارةٌ عن طائفةٍ من القرآن مترجَمةٍ، أقلُّها ثلاثُ آياتٍ، وهي:
إنْ جُعلت واوُها أصليةً منقولةٌ من سُور المدينة، أو من (٢) السُّورة التي هي الرُّتبةُ.
وإن جُعلت مُبدَلةً من الهمزة، فمِن السُّورة التي هي البقيَّةُ أو القطعةُ من الشيء.
وفائدةُ تقطيع القرآن سوراً: أنَّ تنويع الجنس أحسنُ من كونه بياناً واحداً، وأنشطُ للقارئ، وأسهلُ للحفظ.
وأمَّا إفرادُ الأنواع وتلاحُقُ الأشكال فلا يَصلحُ وجهاً لِمَا ذُكر؛ لأنَّه غيرُ مراعًى في ترتيب الآيات وتقطيعِها سوَراً كما لا يَخْفى على من تتبَّع وتأمَّل (٣).
стр. 190
وفاتحةُ الشيء أوَّلُه وخاتمتُه آخرُه؛ إذ بهما الفتحُ والختْمُ، والتاءُ للنقل من الوصفيَّة إلى الاسميَّة (١).
وقيل: هي في الأصل مصدرٌ بمعنى الفتح، ثم أُطلقت على أوَّل الشَّيء تسميةً للمفعول بالمصدر، والفاعليَّةُ في المصادر غيرُ عزيز.
وإضافتُها إلى (الكتاب) - وهو مجموعُ كلام الله المُفْتَتَحِ بالتحميد والمُخْتَتَمِ بالاستعاذة - بمعنى اللَّام؛ لأنَّ أوَّل الشيء جزؤُه، وإضافةُ الجزء إلى كلِّه بمعنى اللَّام.
ثم إنَّ وجْهَ تسميةِ هذه السُّورةِ بـ (فاتحة الكتاب)، و (الفاتحةِ)، و (سورةِ الحمد)، و (الشُّكرِ)، و (الدُّعاءِ)، و (تعليمِ المسألة)، ظاهرٌ.
أمَّا تسميتُها بـ (أُمِّ القرآن): فلاشتِمالها على كُليَّات المعاني التي في القرآن: من الثناء على الله تعالى، ومن التعبُّد بالأمر والنَّهي والوعدِ والوعيد.
وأمَّا التَّسميةُ بـ (الأساسِ): فلأنَّها مفتتحُ الكتاب ومَبدؤه، فكأنها أصلُه ومَنشَؤه.
وأمَّا تسميتُها بـ (سورة الكنز): فلِمَا قال النبيُّ ﷺ : "إنما أنزلتْ مِن كنْزٍ تحتَ العرْشِ" (٢).
стр. 191
وأما تسميتُها بـ (سورة الشِّفاء) و (الشَّافية): فلقولهِ ﵇: "هي أمُّ القرآنِ وهي شفاءٌ من كلِّ داءٍ" (١).
وأمَّا تسميتُها بـ (سورة الصَّلاة): فلِوجوبِ قراءتها فيها، وقد تُسمَّى بالصَّلاة كما وقع في الحديث القدسيِّ: "قَسمتُ الصَّلاة بيْنِي وبينَ عبْدِي" (٢)، وذلك من باب تسميةِ الشيء باسمِ ما يُلازمه.
وأمَّا تسميتُها بـ (الوافية) و (الكافية): فلأنَّها تكفي في الصَّلاة عن غيرها، ولا يكفي غيرُها عنها (٣)، والمرادُ من الصَّلاة: الرَّكعتانِ الأخيرتانِ من الرباعيَّة؛ لأنَّ ضمَّ السُّورة عليها واجبٌ في الأُوليَينِ.
وأمَّا تسميتُها بـ (السَّبع المثاني): فلأنَّها سبعُ آيات تُثنَّى في الصلاة.
وقيل: لأنَّها ثُنِّيتْ في النزولِ، فإنَّها نزلت بمكةَ حين فُرضت الصلاةُ، وبالمدينة (٤) حين حُوِّلت القِبلةُ.
وفيه: أنَّ الوصف المذكورَ قد ثَبَت لها بمكة بدلالةِ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ
стр. 192
سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧] يعني: فاتحةَ الكتاب، على ما نصَّ عليه النبيُّ ﵇ حيث قال في رواية أبي هريرةَ ﵁: "فاتحةُ الكتابِ إنَّها السَّبْعُ المَثاني والقراَنُ العظيمُ الذي أُوتيْتُه" (١)، والآيةُ مكيةٌ بالنصِّ، وبذلك استدلُّوا على مكِّية هذه السورة، قُدم (٢) دليل مكيَّتِها آنفاً، ووجهُ الدلالة ظاهرٌ، والمكيُّ ما نزل قبل الهجرة، والمدنيُّ ما نزل بعدها سواءٌ نزلَ (٣) بالمدينة أو في سفَرٍ من الأسفارِ (٤).
وهي سبعُ آياتٍ بالاتِّفاق، إلا أن قُرَّاء المدينة والبَصْرة والشام وفقهاءَها عَدُّوا ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آيةً، ولم يَروا التسميةَ آيةً منها (٥)، وعليه مالكٌ وأصحابه، وأبو حنيفةَ وأصحابه، ولهذا لم يذكُرها مالكٌ في الصَّلاة، ويُسِرُّ بها أبو حنيفةَ ﵀ ويقول: إنَّها آيةٌ من القرآن أُنزلت للفصل بين السُّور والافتتاحِ بها تبرُّكاً، وقراءُ مكةَ والكوفةِ وفقهاؤها على أنها آية مِن الفاتحة ومن كلِّ سُورةٍ، وعليه الشافعيُّ وأصحابه، ولهذا يُجهر بها في الصَّلاة، ولا دلالةَ في الإجماع على أنَّ ما بينَ دفَّتي المُصحفِ كلامُ الله تعالى، والوِفاق على إثْباتها في المصاحف مع المبالغة في تجريْد (٦) القرآن حتَّى لم تُكتب "آمين" = على صحَّة القول الثاني؛ إذ لا يلزم من كونها كلام الله تعالى أنْ تكونَ آيةً من الفاتحة.
стр. 193
نعَم فيما روى أبو هريرةَ ﵁ من أنَّه ﵇ قال: "فاتحةُ الكتاب سبْعُ آياتٍ أُولاهُنَّ بسمِ الله الرَّحمن الرَّحيم" (١) دلالةٌ عليها.
(بسم الله الرحمن الرحيم) قد جاء في الخبر عن خَير البَشر أنَّه كان يكتب: باسمكَ اللهمَّ، فلمَّا نزلتْ سورة هودٍ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١] كَتب بسم الله، فلمَّا نَزلتْ سورةُ بني إسرائيلَ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] كَتب باسم الله الرحمن، فلما نزلتْ سورة النَّمل: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] كَتب بسم الله الرحمن الرحيم (٢).
ففي الخبَر دلالةٌ على أنَّه ليس من أول كلِّ سورة، ولكنَّها بعضُ آيةٍ من كتاب الله تعالى في سورة النَّمل.
وقالوا: اللُّطف من الله في عَدمِ كونها آيةً تامَّةً: أنْ لا يكون الجُنُبُ والحائضُ والنُّفساءُ ممنوعِينَ عندَ كلِّ أمرٍ ذي بالٍ، كالشَّهادتينِ لم يجمعا (٣) في القرآن في موضعٍ واحد؛ لئلا (٤) يُتوهَّم أنَّهما آيةٌ، وربما يُحتضَرُ الجُنبُ ونحوُه فلا يُمكنه التكلُّمُ بها عند ختْمِ عُمُرِهِ.
(بسم) نَصبٌ بفعلٍ مضمَرٍ تقديره: بسم الله أقرأُ، وتقديمُ المعمول للاهتمام
стр. 194
والاختصاصِ، وأصلُه: (باسم) بالألِف حُذفت لكثرة الاستعمالِ، ولذلكَ تُثبَتُ عند استعمالها بحرفٍ آخرَ؛ نحوَ قولكَ: لاسمِ اللهِ حلاوةٌ في القلوب، أو مضافاً إلى اسمٍ آخرَ نحو: (باسم ربِّك) (١)، وطُوِّلت الباءُ لأجلِه، وهي للخفض كُسرتْ لتُشابِهَ حركتُها عملَها.
وعن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ أنَّه قال لكاتبِهِ: طَوِّلِ الباءَ، وأَظهِرِ السِّيناتِ، ودَوِّرِ الميمَ (٢).
وكان القياسُ: السِّنَّات؛ لأنَّه جمعُ السنِّ، إلا أنه عَدَل عنه حذَراً عن الالتباسِ ببعض المصادر كما قال الجوهريُّ في (الدِّينار): أصله (الدِّنَّار) بالتشديد، فأُبدِل من أحد أحرفِ تضعيفهِ ياءٌ لئلا يلتبِسَ بالمصادر التي تجيءُ على (فِعَّال)؛ كقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ [النبأ: ٢٨] (٣).
افْتتَحَ كتابَه العزيزَ بحرف الباء، وآثَرها على سائرِ الحروف لا سيَّما على الألِف، حيثُ أَسقطه وأَثبتَ هيئة الباءِ مكانَه؛ إشارةً إلى أنَّها وإنْ كانت متبوعاً للباء صورةً،
стр. 195
لكنَّه من توابعها معنًى، وذلكَ أنَّكَ إذا نظرتَ إلى صورة وضعِ الحروف وجدتَ الألِفَ مقدَّماً على الباء متبوعاً له، وإذا تلفَّظْتَ بالباء وجدتَ الألِفَ تابعاً لها.
والاسمُ من السُّمُوِّ لأنها رِفعة للمُسمَّى وشِعارٌ له، صِلةٌ (١) لدفعِ توهُّم اختصاصِ الاستعانةِ بلفظ (الله) فقط، فإنَّ القائل: إذا قال: (بالله أبتدِئ (٢)) فمعناه: بهذا الاسمِ، وإذا قال: (بسم اللهِ أبتدئ (٣) معناه: باسمه تعالى ابتِدائي، فإنَّ المقصود به حينئذٍ المُسمَّى.
(الله): اسمُ عَلمٍ خاصٌّ له تعالى عند الخليلِ ومَن تَبِعه، وعلاقةُ الاشتقاقِ بينهُ وبينَ غيره إنَّما يُنافي عَلَميَّتهُ إذا ثبتَ أصالةُ ذلك الغير، وذلكَ لم يَثبتْ بعدُ (٤).
وقيل: وصفٌ لكنَّه غلَب (٥) عليه تعالى بحيثُ لا يُستعمَلُ في غيرِه، وصار كالعَلَم لا عَلَماً؛ لأنَّ ذاتَه تعالى من حيثُ هو بلا اعتبارِ أمرٍ حقيقيٍّ أو غيرِه غيرُ معقولٍ (٦) من البشَر (٧)، فلا يمكنُ أنْ يُدلَّ عليه بلفظهِ.
وَيرِدُ عليه: أنَّ المعتبَرَ في اسمِ الذَّاتِ تجريدُ الموضوعِ له عن معنًى زائدٍ على الذات، لا تجريدُ الذات عنه عند الوضعِ، فملاحظتُه بوصفٍ مخصوصٍ لا ينافي
стр. 196
كونَه اسمَ ذاتٍ إذا لم يكنْ ذلك الوصفُ معتبَراً في الموضوع له، على أنَّ في وضعِ الأعلام لا حاجةَ إلى معرفة الموضوعِ له وملاحظتِه بشخصهِ (١)؛ بل يكفي معرفتُهُ وملاحظتُهُ على وجهٍ ينحصرُ ذلك الوجهُ في الخارج فيه، ألَا تَرى أنَّ الأبَ يَضعُ عَلَماً لولده قبلَ أنْ يَراه؟
ولو سُلِّم أنَّه يستحيلُ أنْ يُوضَعَ لهُ تعالى عَلماً؛ ولكنْ لِمَ لا يجوزُ أن يُسمِّيَ الحقُّ نفسَه باسمٍ يدلُّ على ذاتِهِ تعالى بالمُطابقة ثمَّ يعرِّفَنا بذلك؟
أو يقال: لو دلَّ على مجرَّد ذاته تعالى لَمَا أفاد ظاهرُ قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، معنًى صحيحاً؛ لأنَّ اللازم حينئذٍ عدمُ دلالته وضْعاً على معنًى زائدٍ، لا عدمُ دلالتِه عليه أصلاً؛ كـ: (حاتم)؛ فإنَّه عَلَمٌ، ومع ذلكَ دلَّ على معنى السَّخاوَة لاشتِهاره بها.
أصلُه: (إله)، فلمَّا دخلَ عليه الألِفُ واللامُ حُذفتِ الهمزةُ تخفيْفاً وعوِّضت عنْها حرْفا التعريفِ.
فإنْ قلتَ: إذا كان دخولُهما قبلَ حذفِها فكيفَ يكونُ عِوَضاً عنْها؟
قلتُ: دخولُهما قبلَ حذفها لا بطريقِ اللُّزوم، وبعدَ الحذفِ يكونانِ لازمينِ، فهُما باعتبارِ اللُّزوم يكونانِ عِوَضاً عنها، ولذلك قُطِعتِ الهمزةُ في: (يا الله).
وهو اسمُ جنْسٍ وُضِعَ لكلِّ معبودٍ بحقٍّ أو باطلٍ، ثمَّ غَلَبَ منكَّراً على المعبود بحقٍّ، كبعوضةٍ وسَنَةٍ، وقد دلَّ على ذلكَ - أيْ: على غَلَبته منكَّراً - كلمةُ التَّوحيدِ (٢)، ثم
стр. 197
اختَصَّ بذاته تعالى بعدَ حذْفِ الهمزةِ وتعويضِ التعريفِ عنْها، ويدلُّ على هذا أيضاً كلمةُ التَّوحيدِ، مشتقٌّ (١) من (أَلَهَ) كعَبَدَ وزْناً ومعنًى وتصرُّفاً، أو من (أَلِهَ) بمعنى فزِع، أو من (أَلِهَ) بمعنى وَلِعَ، أو من (أَلِهَ) بمعنَى تحيَّر، أو من (أَلِهَ) بمعنى سَكَنَ، أو من (وَلِهَ) كعَلِهَ ودَلِهَ وزناً ومعنىً وتصرفاً؛ أي: تحيَّر ودُهِشَ، أو من (وَلِهَ) بمعنى طَرِبَ، أو من (لاهَ) بمعنى: ارتفع، أو بمعنى: احتجَبَ، أو بمعنى: استَتَرَ.
فمجموع الأقاويل: هو المعبودُ للخواصِّ والعوامِّ، المفزوعُ إليه عند الأمور العِظامِ، المرتفِعُ عن الأوهامِ، المُحتجِبُ عن الأَفهامِ، الظاهرُ بالأَعلامِ، الذي تَحيَّرَ في صفاته الأَحلامُ، وسَكنَتْ في عبادتِه الأَجسامُ، ووَلِعَتْ به نفوسُ الأنام، وطرِب إليه قلوبُ الكرامِ.
(الرحمن الرحيم): أصلُهما واحدٌ؛ لأنَّهما من الرَّحمة، والأولُ أبلغُ من الثاني لأنَّ (فعيلاً) لمن كثُرَ منه الفِعْل، وفَعْلان لمن كَثر منه وتكرَّر، وحقُّ الأبْلغِ التأخيرُ إلَّا أنَّه قُدِّم لأنَّه لاختصاصهِ به تعالى كالعَلَم.
ووصْفُهُ تعالى بالرَّحمة - ومعناها: العَطْفُ، ومنه: الرَّحِمُ - مِن قَبيْلِ إطلاقِ السَّببِ على المُسبَّب وهو الإنعامُ والإحسانُ، فإنَّ الملِك إذا عطَف على رعيَّته أنعم عليهم وأحسنَ في حقِّهم.
وما في معْنَى الرَّحمن من الزيادة كمًّا وكيفاً - حيثُ يقالُ تارةً: يا رحمنَ الدُّنيا ورحيمَ الآخرةِ (٢)، وأُخرى: يا رحمنَ الدُّنيا والآخرةِ ورحيمَ الدُّنيا (٣) -
стр. 198
فمرجِعُه إلى الصيغةِ، فإنَّ زيادة البِناء لزيادةِ المعْنى (١)، وهذا بعدَ الرجوع إلى أصلٍ واحد في الاشتِقاق بشْرطِ الاتِّحاد في النَّوع، فلا نقْضِي بنحو: حاذِر (٢) وحَذِر؛ لأنَّ أحدَهما اسمُ فاعل والآخرُ صفةٌ مشبَّهة، فالرَّحمنُ عامُّ المعنى خاصُّ اللَّفظ حيثُ لمْ يُستعملْ في غير اللهِ تعالى إلا تَعنُّتاً؛ كرحمنِ اليمامةِ، والرَّحيمُ على عكس ذلك.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: الحمدُ هو المدْحُ والوصفُ بالجميل، ولا اختصاصَ له باللهِ تعالى، يُفصِح عن ذلك قولُ عائشةَ ﵂: نحمدُ اللهَ لا نَحمدُكَ (٣).
وقولُ عليٍّ ﵁:
لا تَحْمَدَنَّ امرءاً حتَّى تجرِّبَه (٤)
стр. 199
بل لا اختصاصَ له بذي عِلْم وشعورٍ، يُرشدكَ إليه قولُه تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] (١)، وقولُ العرب في المَثَل السَّائر:
عندَ الصَّباحِ يَحمَدُ القومُ السُّرَى (٢)
ومن هاهنا تبيَّن أنَّ المحمودَ لا يَلزم أنْ يكون فاعلاً لِمَا حُمد به، فضلاً عن أنْ يكونَ مختاراً فيه كما تُوهِّم.
ومَن وَهَمَ قيامَ الفَرقِ بينَ الحمدِ والمدح بصحَّةِ تعلُّقِ الثاني بالجماد دونَ الأوَّل فقد وَهِمَ (٣).
стр. 200
واتَّضح أنه لا دخْلَ لمسألة خلْقِ العِباد أفعالَهم في هذا المقامِ؛ لأنَّ الكلامَ في الحمْد اللُّغوي، والمرجعُ فيه من وُثِقَ بعربيَّتِهم، وقد ثبتَ بالنَّقل الصريحِ والاستعمالِ الصحيح من قِبَلِهم عدمُ اختصاص الحمدِ به تعالى.
وأمَّا حمْلُ التَّعريفِ (١) على الجنْس دونَ الاستغراقِ فمنشَؤه أمرٌ آخَرُ، وهو أنَّ مقتَضَى مَقام الخطابةِ تخصيصُ (٢) حقيقةِ الحمد به تعالى تنزيلاً لأفْراد الحمدِ الثابتة لغيره بمَنزِلة العدَم (٣)، والقصدُ إلى هذا المعنى ظاهرٌ عند كونِ التعريفِ للجنْس دونَ الاستغراقِ؛ لأنَّه قد يكونُ عُرفياً كما في: جمَعَ الأميرُ الصَّاغةَ، ويساعده مقامُ الخطابة، فلا يوجدُ استيعابُ جميعِ الأفرادِ، فلا يتحققُ مقتَضَى المقام (٤).
والشُّكْرُ: بمقابَلةِ النِّعمة بالقول أو العمل (٥)، ولكونه (٦) بالفعل كما يكون بالقول قيل: دابَّةٌ شَكورٌ، إذا ظهَر سِمَنُه بأدنى عَلْفٍ له، وقال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣]، فهو أخصُّ من الحمدِ متعلَّقاً، وأعمُ منه مَورِداً، وهو اللِّسان والأركانُ.
ومُقابِل الشُّكرِ: الكُفْرانُ، ومقابِلُ الحمدِ: الذمُّ الذي يُقابل المدحَ على ما نصَّ
стр. 201
عليه الجوهريُّ (١)، ومِن هاهنا ظَهَر أنهما مترادفانِ لغةً، وأمَّا الجَنان فليسَ بمَوردٍ له؛ بل هو شرطٌ لكون القولِ شكراً، ولا دلالة في قول الشاعر:
أفادتْكُمُ النَّعماءُ منِّي ثلاثةً … يدِي ولساني والضميرَ المُحجَّبا (٢)
على استقلالِ كلٍّ منهما (٣) مَورداً.
ولمَّا كان الحمدُ في مقابَلة النِّعمة من شُعَب الشُّكر أَشْيَعَ لها وأدلَّ على مكانها لِمَا في آداب الجوارح من الاحتمال، جُعِل رأسَ الشُّكر والعُمدة، وقال ﵇: "الحَمدُ رَأسُ الشُّكرِ، ما شَكرَ اللهَ مَن لم يَحْمَدْهُ" (٤).
ورُفِعَ (الحمْدُ) بالابْتداء، وخبرُه (لله)، وأصلُه النَّصبُ على المصدر بإضمار فعْله؛ لكونهِ من المصادر التي حقُّها أنْ تكون كذلكَ، ولا يُذكر الفعلُ معها البتَّةَ؛ كـ: شُكراً وعَجباً، وقد قرئ (٥) على الأصل (٦)، والعدولُ إلى الرفع على الأوَّلِ للثَّبات؛ لِمَا في الفعل من التجدُّد؛ لِدلالتِه على الأزمنة، ولذلك كانت تحيةُ إبراهيمَ ﵇ أحسنَ في قوله تعالى: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ [هود: ٦٩].
стр. 202
ولأنَّ معناه على الرَّفع: أنَّ الحمد حقٌّ لله يستحقُّه لذاته، وعلى النَّصب لا دلالةَ على ذلك.
ولأنَّ الغافلَ عن معناهُ، وكذا السَّاهي عن ملاحظته، إذا تكلَّم به على النَّصب يكونُ كاذباً؛ لإخباره عن نفسه بكونهِ حامداً مع أنَّه ليس كذلكَ، بخلافِ ما إذا تَكلَّم به على الرفع.
وإنما خُصَّ الاسمُ المذكور هاهنا لتكونَ المَحامِدُ كلُّها مقرونةً بمعانيها المستدعيةِ لها، فإنَّه اسمٌ يُنبِئ عن جميع صفات الكمال، لمَّا أَخبر بأنَّه تعالى حقيقٌ بالحمْد باعتبار ذاتِه المستجمِعةِ لجميع صفاتِ الكمال، وعامَّةِ نُعوتِ الجلال، حُمِدَ أو لمْ يُحمدْ، نبَّه على استحقاقِه لهُ باعتبارِ أفعالهِ العِظام وآثارِه الجِسام أيضاً، مِن رُبوبيَّته لِلكل، وشُمولِ رحمتِه الظاهرة للجميع، وخصوصِ رحمتهِ الباطنة لِعباده المؤمنينَ، وذلك أنَّ ترتيب الحُكم على الوصف كما يُشعر بالعِلَّيةِ، كذلك تعقيبُ الحكم بالوصف يُشعر بها، كأنَّه قال: حقيقةُ الحمد مخصوصةٌ لذاته الواجبةِ الكاملة بذاتها، ولِكمالاتِها التي لا يَشتركُ فيها غيرُه.
﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: الربُّ يُطلق على المُربِّي، والمُصلِح، والسَّيد، والمالِك، والخالق، والمعبودِ، وكلُّ ذلك يتحمَّله المقام، فيَصحُّ أنْ يُراد به هاهنا كلٌّ منها، وكفى ذلك وجْهاً لإيْثاره على المالِك ونحوهِ.
ثمَّ إنَّ ربوبيَّته تعالى بمعنى الخالِقيَّة والمالِكيَّة والسَّيِّديّة والمَعبوديَّة عامَّةٌ، وبمعنى التَّربية والإصلاح خاصةٌ، بحسب أنواعِ الموجوداتِ متفاوتةٌ، فهو مربِّي الأشباحِ بأنواع نِعَمهِ، ومربِّي الأرواحِ بأصناف كرمِهِ، ومربِّي نفوسِ العابدِينَ بأحكام الشَّريعة، ومربِّي قلوب العارفينَ بآداب الطَّريقةِ، ومربِّي أسرار الأبرارِ بأنواع الحقيقةِ،
стр. 203
ولقد أحسنَ مَن قال: إنَّه تعالى يملِك عباداً غيرَك كما قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] وأنتَ ليس لك ربٌّ سواه، ثمَّ إنكَ تتساهل في خدمته كأنَّ لكَ ربًّا غيرُه، وهو يعتَني في تربيتكَ كأنْ ليس له عبدٌ سِواكَ، يحفظكَ بالنَّهار عن الآفاتِ بلا عِوَضٍ، ويحرسُك باللَّيل عن المخافاتِ من غيرِ غرضٍ، فما أحسنَ هذه التريبةَ!
وإطلاقُ الربِّ على غيره تعالى لا يجوزُ شرعاً، لا مُطلقاً ولا مقيَّداً (١)؛ لِمَا رواه الشيخان عن أبي هريرةَ ﵁ مرفوعاً: "لا يَقلْ أحدُكم: أطْعِمْ رَبَّكَ وضِّئْ ربَّكَ اسْقِ ربَّك، ولا يَقُلْ أحدُكم: ربِّي وليَقُلْ سيِّدِي" (٢).
وأمَّا قولُ يوسفَ ﵇: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠] و: ﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾ [يوسف: ٢٣] فمحمولٌ على الحكاية مِن الله تعالى؛ لأنَّه ﵇ كان يتكلَّم بالعِبْرِيَّة، فلا حاجةَ إلى ما قيل: إنَّه ملحَقٌ بقوله تعالى: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠] في الاختصاص بزمانِهِ؛ بل لا وجهَ له كما لا يخفَى.
ويجوزُ لغةً ولو مطلَقاً كما وقع في شِعر الحارث بنِ حِلِّزة - من شعراء الجاهليَّة - يَمدحُ مَلِكاً:
وهو الرَّبُّ والشهيدُ على يَو … مِ الحِيَارَينِ والبَلاءُ بَلاءُ (٣)
стр. 204
و ﴿الْعَالَمِينَ﴾: جمْعُ عالَم، وهو في لسان العرب: اسمٌ لنوعٍ من المخلوقِينَ فيه علامةٌ يمتازُ بها عن خلافه من الأنواعِ كالمَلَك والإنْسِ والجِنِّ، فتقول العربُ: عالَم البَرِّ وعالَم البَحرِ وعالَم الأرضِ وعالَم السَّماء، على ما نقله أئمةُ اللِّسان، وهو جمعٌ لا واحدَ له من لفظه كالأنام والرَّهْطِ والجيش.
وهو مأخوذٌ من العَلَم والعَلامة، فجُعل اسماً لما يُعلَم به الصانعُ، فإنَّ فاعَلاً كثيراً ما يجيءُ في اسم الآلةِ التي يُفعل بها الشيءُ كالخاتَم والقالَب والطَّابَع، فجُعل بناؤه على هذه الصيغةِ لكونه كالآلة في الدَّلالة على صانعٍ.
وأمَّا جمْعهُ فلأنَّه لو أُفرِد لربَّما يَتبادر إلى الفهم أنَّه إشارةٌ إلى هذا العالَم المُشاهَد بشهادة العُرْف، أو إلى الجنْس والحقيقة على ما هو الظاهرُ عندَ عدم العَهْدِ، فجُمع ليشملَ كلَّ جنسٍ سُمِّي بالعالَم لعدم العَهدِ.
وفي الجَمع دلالةٌ على أنَّ القصدَ إلى الإفراد دونَ نفسِ الحقيقةِ والجنسِ، وإنَّما جُمِعَ جَمعَ قِلَّةٍ والظاهرُ يستدعي الإتيانَ بجَمْع الكَثرةِ - قال وهبٌ: للهِ ثمانيةَ عشرَ ألفَ عالَمٍ، والدُّنيا عالَمٌ منها - تنْبيهاً على أنَّهم وإنْ كَثُروا قليلونَ في جَنْب عظَمتِهِ وكبريائهِ. وأمَّا جمعُه بالياء والنُّون فلِتَغليبِ العُقلاءِ منْهم.
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ذكرَهما عَقِيْبَ الحمْدِ لذاتهِ على صفاتهِ؛ كما قال ﵇ فيما رُوي عنه: "يقول العبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يقولُ اللهُ: حَمِدَنِي عبْدِي، ويقولُ العبدُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، يقولُ اللهُ: أَثْنَى عَليَّ عَبْدِي" (١)، فذكرَهما في البَسْملة لاستِمالة قلوبِ العِباد على العُبوديَّة بالرَّحمة والغُفران، وفي الفاتحة للثَّناء على الله تعالى بالجَمال والجَلال للقُربَة والرِّضوانِ.
стр. 205
﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ المِلْك: تمامُ القُدرة.
وقُرِئ: ﴿مَلِكِ﴾ (١) مِن المُلك: وهو التَّسلُّطُ العامُّ والاستعلاءُ التَّامُّ، وهو أشدُّ مناسَبةً للهِ تعالى، والإضافةِ إلى ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾؛ فإنَّ مَدار الجزاءِ على الأعمال - مِن الثَّواب والعِقاب، وأخْذِ حقِّ الضعيفِ من القويِّ - على الاستعلاء والسَّلطَنةِ.
وإضافةُ المُلك والسَّلطنةِ إلى الوقت شائعٌ دونَ إضافة المِلك.
وقيلَ في ترجيح قراءة (مالِك): إنَّ فيه زيادةَ حرفٍ، وبه زيادةُ ثوابٍ؛ لقوله ﵇: "مَن قرأَ القرآنَ كُتِبَتْ له بكلِّ حرفٍ عشرُ حسناتٍ، ومُحيَت عنه عشرُ سيئاتٍ، ورُفعتْ له عشرُ درجاتٍ" (٢).
وإضافتُه إلى اليوم إضافةُ اسمِ الفاعلِ إلى الظَّرف المُجرى مُجرى المفعولِ اتِّساعاً، وإنَّما ساغَ وقوعُه صفةً للمعرفة لأنَّ إضافةَ اسم الفاعل إنَّما تكونُ غيرَ حقيقيَّةٍ إذا أُريدَ به الحالُ والاستقبال؛ لكونه في تقدير الانفِصال، والمرادُ هنا الزمانُ المستمرُّ أو الماضي؛ لقراءةِ (مَلَكَ) على الماضي (٣).
واليومُ: مدَّةُ كون الشَّمس فوقَ الأرض عُرفاً، وعبارتُه عن وقت استطارةِ الفجر الثَّاني إلى غروب الشَّمس شرْعاً، وهو الوقتُ المطلَقُ لغةً؛ ليلاً كان أو نهاراً، طويلاً كان أو قصيراً، وهو المراد في الآية لعدم الطُّلوع والغروبِ ثمَّة.
стр. 206
و (الدِّين): الجزاءُ، خيراً كان المَجزيُّ به أو شراً؛ كما يقال: "كما تَدينُ تُدان" (١).
وإنَّما خصَّ إضافةَ (مَلِك) إليه لأنَّ الأملاك يومئذٍ زائلةٌ، قال الله تعالى: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩]، فكأنَّه يقول: خلقتكَ أولاً فأنا إلهٌ، ثمَّ ربَّيتكَ بوجوه النِّعمة فأنا ربٌّ، ثمَّ عصيتَ فسترتُ عليكَ فأنا رحمن، ثم تُبتَ فغفرتُ لكَ فأنا رحيمٌ، ثمَّ لا بدَّ من إيصال الجزاءِ إليك فأنا مالكُ يوم الدِّينِ.
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لأنَّك مالكٌ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأنَّ ما سِواك هالكٌ.
(إيَّا) ضميرٌ منفصل منصوب، وكافُه للخِطاب مثل كافِ (ذلكَ)، وهو: (أي يا) وهما حرفا التنبيه والنداء، فأُدغم الياء وكُسرت الألفُ لجِوار الياء.
والعبوديَّة: التذلُّلُ، والعبادة أبلغُ منها؛ لأنَّها غايةُ التَّذللِ، ولهذا اختَصَّتْ بالربِّ.
عدَلَ عن الغَيْبة إلى الخِطاب وهو صنعةُ (٢) الالتفاتِ، وقد اقتضاهُ المقام، وذلكَ من أوَّل السورة إلى هناك ثناءٌ، والثناءُ في الغَيبة أَولى، ومن هاهنا إلى آخره دعاءٌ، والدُّعاء في الحضور أَوْلى.
والمعنى: نخصُّكَ يا مَن لا تسوغُ العِبادةُ إلَّا لهُ؛ لاتِّصافه بما ذُكر من إضافة النِّعم الدُنيويَّة والأُخرويَّةِ، ولا تجوزُ الاستعانةُ إلَّا به؛ لكمال قُدرته، وإحاطةِ ملكوته بكلِّ شيءٍ، بغاية التَّذللِ في طلب المعونةِ، لا نعبدُ غيرك ولا نستعين بِسواكَ، قُدِّم الضميرُ
стр. 207
المنفصل للتخصيص والتَّوحيدِ، وقطْعاً لاحتمال تعلُّق العِبادة لغيرهِ من أوَّل الأمر؛ لأَنَّه كفرٌ لا بدَّ من الاحتياط عن ذَهاب الوهمِ إليهِ.
ولمْ يُسلكْ في (الحمد لله) ذلكَ المَسلكَ؛ إذ لا بأسَ في تعلُّق الحمد بغيرهِ تعالى.
وآثَرَ الضميرَ المستكنَّ الشامل للقارئ ولِسائر الموحِّدينَ للتَّعميم والتَّشريكِ، ودَرْجاً لعبادته في تضاعيفِ عبادتِهم وخلْطاً لحاجته بحاجتِهم، لعلَّها تُقبَلُ ببركتها ويُجاب إليْها، ولهذا شُرعت الجماعةُ وكان في ذلك إيفاءٌ لكلِّ مقام حقَّه؛ فكأنَّه يقول: أنتَ منفردٌ في المعبوديَّة ونحنُ شركاء في العُبوديَّة.
ولكَ أنْ تقول: إنَّ في (أعبدُ) معنى التَّوحيدِ المُشعرِ عن التَّكبُّر، وفي (نعبدُ) معنى التَّواضعِ المناسب لمقام العبادةِ والتَّذلل، فكأنَّه يقول: إني واحدٌ من عبيدِكَ.
وقدَّم العبادةَ على الاستعانة تعليماً للعِباد، وجَرياً على ما انطبعَ في الغرائزِ من تقديم الوسيلةِ على الحاجة؛ لأَنَّه أنجحُ لحصول المَطلبِ، وأسرعُ لوقوع الإجابَةِ.
وأَطلقَ الاستعانة ليَعمَّ كلَّ مستعانٍ عليه، ثمَّ خصَّصَها بقوله: (اهدنا) ليتكرَّر إجمالاً وتفْصيلاً، فيدلَّ على أنَّ أهمَّ المهمات الاستعانةُ به وبتوفيقه في طلبِ الهداية والسَّعادة الأُخرَوَّيةِ الباقية.
وكرَّر الضَّمير المنفصلَ للتنصيص على التخصيص في كلٍّ من العبادة والاستعانةِ، ولولا ذلك لكان التَّخصيص في مجموعهما، ولا يلزمُ من ذلكَ التَّخصيصُ في كلٍّ منهما.
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: الدِّينَ القويمَ، وما يدلُّ عليه القرآنُ العظيم.
стр. 208
قال عليٌّ وأُبَيُّ بنُ كعبٍ ﵄: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾: ثبِّتنا عليه (١)، كما يقالُ للقائم: قُمْ حتى أعودَ (٢) إليك؛ أي: دُمْ على ما أنتَ عليه.
قيل: وقُرئ: (ثبِّتنا) (٣)، وفي التعبير عنه بـ (اهدنا) إشارةٌ إلى أنَّ المطلوبَ هو الثباتُ في ضِمن التَّجدُّد، يعني: ثبِّتنا على أصل الهِداية وزِدْنا فيها في كلِّ وقتٍ.
والهداية: دلالةٌ بلُطف، ومنه الهديَّةُ. وخُصَّ ما كان دلالةً بـ (فعلتُ) نحو: هديتُه الطَّريق، وما كان من الإعطاء بـ (أفعلتُ) نحو: أهديتُ الهديَّة، واستعمالُها في الشرِّ كما في قوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] فعلى طريق التَّهكُّم كالبِشارة في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١].
والفعل منه (هَدَى) يتعدَّى إلى ثاني مَفْعولَيْهِ باللَّام تارةً وبـ (إلى) أُخرى، ففي حذفِ أداةِ التَّعدية على طريقة: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] إخراجٌ له مُخرجَ المتعدِّي إلى المفعولين بالذَّات.
ولا بُعْدَ في أنْ يُقصد بذلكَ الإشارةُ إلى قوَّة الهِداية المطلوبةِ، فكأنَّه قيل: اهدِنا هدايةً كاملة لا نحتاجُ إلى الواسطة.
وإنَّما قال: (اهدِنا) دونَ: اهدِني (٤)، رعايةً للمناسَبة مع (نعبدُ) و (نستعين)، ولأنَّ الدُّعاء مهما كان أعمَّ كان إلى الإجابة أقربَ؛ كان بعضُ العلماء يقول لِتلامِذتهِ: إذا
стр. 209
قرَأتُم في خُطبة السبق (١): (ورضي اللهُ عنْكم وعن جماعة المسلمينَ) إنْ ذكَرتني (٢) في قولك: (رضي الله .. ) فحَسَنٌ، وإلا فلا حرج، ولكنْ إياك وأنْ تنساني في قولك: (وعن جماعة المسلمين)؛ [لأنَّ قوله: (رضي الله عنك) تخصيصٌ بالدعاء فيجوز أن لا يُقبل، وأمَّا قولُه: (وعن جماعة المسلمين)] فلا بدَّ وأنْ يكونَ في المسلمينَ مَن يستحقُّ الإجابةَ، وإذا أجاب الله تعالى الدُّعاءَ في البعض فهو أكرمُ من أنْ يردَّه في الباقي، ولهذا السببِ قالوا: السُّنَّة إذا أراد أحدٌ أن يذكر دعاءً أنْ يُصلي أولاً على النَّبيِّ ﷺ ، ثمَّ يَذكر ذلك الدعاءَ، ثم يصلي على النبيِّ ﷺ ثانياً؛ فإنه إذا أجيب في طرفي دعائه امتَنَع أن يُردَّ في وسطه.
وقد قال ﷺ : "ادعُوا اللهَ بألسِنَةٍ ما عَصيْتُموهُ بها"، قالوا: يا رسولَ الله! فمِن أينَ لنا بتلك الألسِنةِ؟ قال: "يَدعو بعضُكم لبعضٍ؛ لأنَّك ما عصيتَ بلسانهِ، وهو ما عَصى بلسانِكَ" (٣).
و (الصراط) كالطريق في التَّذكير والتَّأنيثِ، أمَّا في المعنى فبينَهما فَرْقٌ لطيفٌ، وهو أنَّ الطريقَ: كلُّ ما يَطرقُه طارقٌ معتاداً كان أو غيرَ معتادٍ، والسبيلُ من الطُّرق: ما هو معتادُ السُّلوكِ، والصِّراطُ من السُّبُل: ما لا الْتِواءَ فيه ولا اعوِجاجَ، بل يكونُ على جهةِ القصد، فهو أخصُّ الثَّلاثةِ (٤).
وفائدةُ وصْفِه بالمستقيم: أنَّ الصِّراطَ يُطلق على ما فيه صُعودٌ أو هُبوطٌ،
стр. 210
والمستَقيمُ: ما لا مَيلَ فيه إلى جهةٍ من الجهات الأربعة، وأصلُ الاستقامة في قِيام الشَّخصِ: أنْ لا يكون مُنحَنياً ولا مُنْثَنياً (١)، ولا مائلاً إلى يمينٍ أو يسارٍ.
﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بدَلٌ من ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، وفائدتهُ: التَّوكيدُ - للتَّكرير - والتَّفصيلُ بعدَ الإجمالِ.
وأُطلق الإنعامُ ليَنتظمَ كلَّ نِعَمٍ.
شُدِّدت اللامُ في (الَّذينَ) لأنَّها لامانِ، والأصلُ: (لَذٍ) مثلُ: (عَمٍ) (٢)، ثمَّ دخلت الألفُ واللَّام للتعريف، والتَّشديدُ من أجل ذلكَ.
والإنعامُ: نفْعُ العالي مَنْ دُونَه بأمرِ عظيمٍ خالياً عن العِوَض والتَّبِعَة.
ولمَّا كان الكفَّارُ من جُملة الذينَ أنعمَ اللهُ عليهم - على ما صرَّح بهِ في (٣) قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]- خصَّهم بقوله:
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ في دار الدُّنيا ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ في دار الآخرة، والمشهورُ أنَّ نِعمةَ اللهِ تعالى على نوعين:
دُنْيويَّةٍ: وهي أوفَرُ في حقِّ الكافر، لقوله ﵇: "الدُّنْيا سِجنُ المؤمنِ وجَنَّةُ الكافرِ" (٤).
стр. 211
وأُخْرَوَّيةٍ: وهي مختصَّةٌ بالمؤمن.
ونحن نقولُ: إنَّ النِّعمةَ الأُخرويَّة على قِسْمينِ: نعمةِ نفْعٍ وهي المختصَّةُ بالمؤمن، ونعمةِ دفْعٍ (١) ولا شُبْهةَ في عمومِها للكافر أيْضاً؛ لأنَّه تعالى لا يُعذِّب كافراً من الكفَّار بنوعٍ من العذاب إلَّا وهو قادرٌ على أنْ يُعذِّبه بأشدَّ منه، وترْكُ ذلك نعمةُ تخفيفٍ منه تعالى عليهِ.
﴿غَيْرِ﴾ صفةٌ مقيِّدة؛ أي: جَمعوا بينَ النِّعمة والسَّلامةِ منهما، وإنَّما وصَفَ المعرفةَ بـ (غير) تنزيلاً للموصول منْزلةَ النَّكرةِ إذْ (٢) لم يقصدْ به مَعهوداً (٣)، أو رفعاً لـ (غير) إلى درجة المعرفةِ؛ لِزوالِ إبهامهِ بالإضافة إلى ما لَهُ ضِدٌّ واحدٌ (٤).
اعلَمْ (٥) أنَّ (غيراً) لها ثلاثةُ مواضعَ:
أحدها: أنَّ تقعَ موقِعاً لا تكونُ فيه إلا نكِرةً، وذلكَ إذا أُريد بها النَّفيُ السَّاذجُ في نحو: مررتُ برجلٍ غيرِ زيدٍ.
الثاني: أنْ تقعَ موقعاً لا تكونُ فيه إلا معرفةً، وذلك إذا أُريد بها شيءٌ قد عُرِفَ بمضادَّة المضافِ إليه في معنًى لا يُضادُّه فيه إلَّا هو، كما إذا قلت: مررتُ بغيرِك؛
стр. 212
أي: المعروفِ بمُضادَّتِك، إلَّا أنَّها في هذا لا تَجري صفةً، فتُذكَر غير جارية على الموصوف (١).
الثالث: أنْ تقعَ موقِعاً تكونُ فيه نكرةً تارةً ومعرفةً أُخرى؛ كما إذا قلتَ: مررتُ برجلٍ كريمٍ غيرِ لئيمٍ، وعاقلٍ غيرِ جاهلٍ، والرجلُ الكريمُ غيرُ اللئيم، كذا قال صدر الأفاضل (٢).
وقدْ تَبيَّنَ منه أنَّ مَن قال: إنَّ (غير) لا تتعرَّفُ أصلاً وإنْ أُضيفَ إلى المعارف لم يُصِبْ، وأنَّ مَن زعَم أنَّه بالإضافة إلى ما لَهُ ضدٌّ واحد تَعيَّنَ (٣) تعيُّنَ الحركةِ مِن غيرِ السُّكون فقدْ أخطَأَ من وجوهٍ:
أمَّا الأوَّل: فِلأنَّهُ وإنْ أُضيْفَ إلى ما لَه ضِدٌّ واحدٌ، لكنَّه لم يُعرف ما أُريد به بمضادَّة المضافِ إليه في معنىً لا يُضادُّه فيه إلّا هو، ولهذا لم يكنْ مِن قبيلِ الثاني، فلَمْ يتعيَّنْ تعيُّنَ الحركةِ من غيرِ السُّكونِ.
وأما ثانياً: فلأنَّه حيْنئذٍ (٤) يكونُ معرفةً بالحقيقة على ما مرَّ، لا بالتأويل كما ظنَّه ذلكَ الزاعمُ.
وأمَّا ثالثاً: فلأنَّه حينئذٍ لا يَجري صفةً، وإنما يُذْكر غيرَ جارٍ على الموصوف،
стр. 213
وهو في صدَدِ توجيهِ كونه صفةً لِمَا قَبْله، وقيل: هو بدلٌ مِن (الذين)، ولا يُعجبني ذلكَ؛ لأنَّ (غيراً) أصلُ وضْعِه للوَصْف، والبدلُ بالوصفِ ضعيفٌ.
والغضبُ: تغيُّرٌ يحصلُ عندَ غليانِ دمِ القلبِ لإرادة الانتِقام، والقانونُ في أمثال هذا: أنَّ جميعَ الأعراض النَّفسانيَّةِ - مثل: الرَّحمةِ والفرَحِ والسُّرورِ والغضب والحياءِ والتَّكبُّر والاستِهزاء - لها أوائلُ ولها نهاياتٌ، ويتبيَّنُ ذلكَ في الغضب؛ فإنَّ له غليانَ الدَّمِ، وغايتُهُ إرادةُ إيصالِ الضَّررِ إلى المغضوب عليهِ، فلفظ (الغضب) في حقِّ الله تعالى لا يُحملُ على أوَّله الذي هو مِن خواصِّ الجسمِ، بل يُحمل على غايته، وهذه قاعدةٌ شريفةٌ.
بقي هاهنا نكتةٌ لطيفة، وهي: أنَّه صرَّحَ بالخِطاب لمَّا ذَكَر النِّعمة، ثمَّ لوَّنه (١) حيث قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، ولمْ يقلْ: غيرِ الذينَ غَضِبتَ عليهم، عَطفاً على الأوَّل، فجاءَ باللَّفظ مُنْحرِفاً بهِ عن ذِكْر الغاضبِ، فأَسنَد النِّعمةَ إليه لفْظاً، وزَوَى عنه لفظَ الغضبِ تحَسُّناً ولُطفاً.
قيل: يعني بالأوَّل: اليهودَ؛ لقوله تعالى في قِصَّتهم: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]، وبالثاني: النَّصارى؛ لقوله تعالى في حقِّهم: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [المائدة: ٧٧]. وهذا على وَفْقِ ما رُوِيَ عنه ﵇: من أنَّ رَجلاً سأله وهو بوادي القُرى: مَن المغضوب عليهم؟ فقال: "اليهودُ"، ومَنْ الضَّالين؟ فقال: "النَّصارى" (٢).
стр. 214
فإن قلتَ: كيفَ فسَّر ذلك وكِلا الفريْقَينِ ضالٌّ ومغْضوبٌ عليهم (١)؟
قلتُ: خصَّ كلَّ فريقٍ منهم بصِفةٍ كانتْ أغلبَ عليهم، وإنْ شاركوا غيرَهم في صفات ذمٍّ.
و ﴿عَلَيْهِمْ﴾ هاهنا في محلِّ الرفعِ؛ لأنَّه نائبٌ منابَ الفاعل، بخلافهِ في ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فإنَّه في محلِّ النَّصب على المفعوليَّة.
و (لا) مزيدةٌ لِتأكيد ما في (غيرِ) مِن معْنى النَّفي، فكأنَّه قيل: لا المغضوبِ عليهم ولا الضَّالين، وعَيَّن دخولَها العطفُ على قوله: (المغضوبِ عليهم)، لمُناسبة (غير)؛ لئلا يُتوهَّم في أوَّل الوهلةِ بتركها عطفَ (الضَّالِّين) على (الذينَ).
والضَّلال: فقدانُ الطريق السَّويِّ، سواءٌ سبقه وُجدانٌ أو لا؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧].
وإنما عدَلْنا عن تفسيرهِ بـ: العُدول عن الطَّريق السَّويِّ عَمداً أو خطأً؛ لأنَّ مَن طلبَ الطريقَ السويَّ ولم يجدْه، أو قصَّر (٢) عن الطلب، ضالٌّ (٣)، ولا عدولَ ثمَّة لا عمداً (٤) ولا خطأً.
(آمينَ) مبنيٌّ على الفتحة (٥) كـ (أينَ) لالتقاءِ السَّاكنينِ، وجاء مَدُّ ألِفه وقصرُها، والأصلُ فيه القصرُ، وإنَّما مُدَّ ليرتفع الصوتُ بالدُّعاء، كذا قال ابنُ خالوَيْه في "إعراب القرآن".
стр. 215
وذَكَر ابنُ دَرَسْتَوَيْه أنَّ القصْرَ ليسَ بمعروف، وإنَّما قصَرَه الشاعرُ في قوله:
أمِينَ فزادَ اللهُ ما بيْنَنا بُعْداً (١)
للضَّرورةِ، وذلكَ وهمٌ إذْ لا ضرورةَ، فإنَّه لو قدَّم الفاءَ فقال:
فَآمينَ زادَ اللهُ ما بيْنَنا بُعداً
انْدفعَ الضَّرورةُ (٢).
ولا يُشدَّد ميْمُه فإنَّه لحْنٌ، والعامَّة ربَّما فَعلوا ذلكَ، وأمَّا في قوله تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] فالميمُ مشدَّدةٌ لأنَّه من أمَمْتُ؛ أي: قَصَدْتُ.
معناه على قول ابنِ عبَّاسٍ ﵄: كذلكَ يكونُ (٣).
وقيل: اسمُ فعلٍ؛ أي: استَجِبْ.
ورُوي عن كعبِ الأحبار أنَّه قال: آمين خاتَم ربِّ العالمينَ، يَختمُ دعاءَ عبدِهِ المؤمنِ (٤).
وليسَ من القرآن إجماعاً، وقراءتُه سُنَّةٌ في الصَّلاة وخارجَ الصَّلاة بعد الفاتحة مفصولةً عنها.
* * *