← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وأُخْرَوَّيةٍ: وهي مختصَّةٌ بالمؤمن. ونحن نقولُ: إنَّ النِّعمةَ الأُخرويَّة على قِسْمينِ: نعمةِ نفْعٍ وهي المختصَّةُ بالمؤمن، ونعمةِ دفْعٍ (١) ولا شُبْهةَ في عمومِها للكافر أيْضاً؛ لأنَّه تعالى لا يُعذِّب كافراً من الكفَّار بنوعٍ من العذاب إلَّا وهو قادرٌ على أنْ يُعذِّبه بأشدَّ منه، وترْكُ ذلك نعمةُ تخفيفٍ منه تعالى عليهِ. ﴿غَيْرِ﴾ صفةٌ مقيِّدة؛ أي: جَمعوا بينَ النِّعمة والسَّلامةِ منهما، وإنَّما وصَفَ المعرفةَ بـ (غير) تنزيلاً للموصول منْزلةَ النَّكرةِ إذْ (٢) لم يقصدْ به مَعهوداً (٣)، أو رفعاً لـ (غير) إلى درجة المعرفةِ؛ لِزوالِ إبهامهِ بالإضافة إلى ما لَهُ ضِدٌّ واحدٌ (٤). اعلَمْ (٥) أنَّ (غيراً) لها ثلاثةُ مواضعَ: أحدها: أنَّ تقعَ موقِعاً لا تكونُ فيه إلا نكِرةً، وذلكَ إذا أُريد بها النَّفيُ السَّاذجُ في نحو: مررتُ برجلٍ غيرِ زيدٍ. الثاني: أنْ تقعَ موقعاً لا تكونُ فيه إلا معرفةً، وذلك إذا أُريد بها شيءٌ قد عُرِفَ بمضادَّة المضافِ إليه في معنًى لا يُضادُّه فيه إلَّا هو، كما إذا قلت: مررتُ بغيرِك؛

стр. 212

أي: المعروفِ بمُضادَّتِك، إلَّا أنَّها في هذا لا تَجري صفةً، فتُذكَر غير جارية على الموصوف (١). الثالث: أنْ تقعَ موقِعاً تكونُ فيه نكرةً تارةً ومعرفةً أُخرى؛ كما إذا قلتَ: مررتُ برجلٍ كريمٍ غيرِ لئيمٍ، وعاقلٍ غيرِ جاهلٍ، والرجلُ الكريمُ غيرُ اللئيم، كذا قال صدر الأفاضل (٢). وقدْ تَبيَّنَ منه أنَّ مَن قال: إنَّ (غير) لا تتعرَّفُ أصلاً وإنْ أُضيفَ إلى المعارف لم يُصِبْ، وأنَّ مَن زعَم أنَّه بالإضافة إلى ما لَهُ ضدٌّ واحد تَعيَّنَ (٣) تعيُّنَ الحركةِ مِن غيرِ السُّكون فقدْ أخطَأَ من وجوهٍ: أمَّا الأوَّل: فِلأنَّهُ وإنْ أُضيْفَ إلى ما لَه ضِدٌّ واحدٌ، لكنَّه لم يُعرف ما أُريد به بمضادَّة المضافِ إليه في معنىً لا يُضادُّه فيه إلّا هو، ولهذا لم يكنْ مِن قبيلِ الثاني، فلَمْ يتعيَّنْ تعيُّنَ الحركةِ من غيرِ السُّكونِ. وأما ثانياً: فلأنَّه حيْنئذٍ (٤) يكونُ معرفةً بالحقيقة على ما مرَّ، لا بالتأويل كما ظنَّه ذلكَ الزاعمُ. وأمَّا ثالثاً: فلأنَّه حينئذٍ لا يَجري صفةً، وإنما يُذْكر غيرَ جارٍ على الموصوف،

стр. 213

وهو في صدَدِ توجيهِ كونه صفةً لِمَا قَبْله، وقيل: هو بدلٌ مِن (الذين)، ولا يُعجبني ذلكَ؛ لأنَّ (غيراً) أصلُ وضْعِه للوَصْف، والبدلُ بالوصفِ ضعيفٌ. والغضبُ: تغيُّرٌ يحصلُ عندَ غليانِ دمِ القلبِ لإرادة الانتِقام، والقانونُ في أمثال هذا: أنَّ جميعَ الأعراض النَّفسانيَّةِ - مثل: الرَّحمةِ والفرَحِ والسُّرورِ والغضب والحياءِ والتَّكبُّر والاستِهزاء - لها أوائلُ ولها نهاياتٌ، ويتبيَّنُ ذلكَ في الغضب؛ فإنَّ له غليانَ الدَّمِ، وغايتُهُ إرادةُ إيصالِ الضَّررِ إلى المغضوب عليهِ، فلفظ (الغضب) في حقِّ الله تعالى لا يُحملُ على أوَّله الذي هو مِن خواصِّ الجسمِ، بل يُحمل على غايته، وهذه قاعدةٌ شريفةٌ. بقي هاهنا نكتةٌ لطيفة، وهي: أنَّه صرَّحَ بالخِطاب لمَّا ذَكَر النِّعمة، ثمَّ لوَّنه (١) حيث قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، ولمْ يقلْ: غيرِ الذينَ غَضِبتَ عليهم، عَطفاً على الأوَّل، فجاءَ باللَّفظ مُنْحرِفاً بهِ عن ذِكْر الغاضبِ، فأَسنَد النِّعمةَ إليه لفْظاً، وزَوَى عنه لفظَ الغضبِ تحَسُّناً ولُطفاً. قيل: يعني بالأوَّل: اليهودَ؛ لقوله تعالى في قِصَّتهم: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]، وبالثاني: النَّصارى؛ لقوله تعالى في حقِّهم: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [المائدة: ٧٧]. وهذا على وَفْقِ ما رُوِيَ عنه ﵇: من أنَّ رَجلاً سأله وهو بوادي القُرى: مَن المغضوب عليهم؟ فقال: "اليهودُ"، ومَنْ الضَّالين؟ فقال: "النَّصارى" (٢).

стр. 214

فإن قلتَ: كيفَ فسَّر ذلك وكِلا الفريْقَينِ ضالٌّ ومغْضوبٌ عليهم (١)؟ قلتُ: خصَّ كلَّ فريقٍ منهم بصِفةٍ كانتْ أغلبَ عليهم، وإنْ شاركوا غيرَهم في صفات ذمٍّ. و ﴿عَلَيْهِمْ﴾ هاهنا في محلِّ الرفعِ؛ لأنَّه نائبٌ منابَ الفاعل، بخلافهِ في ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فإنَّه في محلِّ النَّصب على المفعوليَّة. و (لا) مزيدةٌ لِتأكيد ما في (غيرِ) مِن معْنى النَّفي، فكأنَّه قيل: لا المغضوبِ عليهم ولا الضَّالين، وعَيَّن دخولَها العطفُ على قوله: (المغضوبِ عليهم)، لمُناسبة (غير)؛ لئلا يُتوهَّم في أوَّل الوهلةِ بتركها عطفَ (الضَّالِّين) على (الذينَ). والضَّلال: فقدانُ الطريق السَّويِّ، سواءٌ سبقه وُجدانٌ أو لا؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]. وإنما عدَلْنا عن تفسيرهِ بـ: العُدول عن الطَّريق السَّويِّ عَمداً أو خطأً؛ لأنَّ مَن طلبَ الطريقَ السويَّ ولم يجدْه، أو قصَّر (٢) عن الطلب، ضالٌّ (٣)، ولا عدولَ ثمَّة لا عمداً (٤) ولا خطأً. (آمينَ) مبنيٌّ على الفتحة (٥) كـ (أينَ) لالتقاءِ السَّاكنينِ، وجاء مَدُّ ألِفه وقصرُها، والأصلُ فيه القصرُ، وإنَّما مُدَّ ليرتفع الصوتُ بالدُّعاء، كذا قال ابنُ خالوَيْه في "إعراب القرآن".

стр. 215

وذَكَر ابنُ دَرَسْتَوَيْه أنَّ القصْرَ ليسَ بمعروف، وإنَّما قصَرَه الشاعرُ في قوله: أمِينَ فزادَ اللهُ ما بيْنَنا بُعْداً (١) للضَّرورةِ، وذلكَ وهمٌ إذْ لا ضرورةَ، فإنَّه لو قدَّم الفاءَ فقال: فَآمينَ زادَ اللهُ ما بيْنَنا بُعداً انْدفعَ الضَّرورةُ (٢). ولا يُشدَّد ميْمُه فإنَّه لحْنٌ، والعامَّة ربَّما فَعلوا ذلكَ، وأمَّا في قوله تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] فالميمُ مشدَّدةٌ لأنَّه من أمَمْتُ؛ أي: قَصَدْتُ. معناه على قول ابنِ عبَّاسٍ ﵄: كذلكَ يكونُ (٣). وقيل: اسمُ فعلٍ؛ أي: استَجِبْ. ورُوي عن كعبِ الأحبار أنَّه قال: آمين خاتَم ربِّ العالمينَ، يَختمُ دعاءَ عبدِهِ المؤمنِ (٤). وليسَ من القرآن إجماعاً، وقراءتُه سُنَّةٌ في الصَّلاة وخارجَ الصَّلاة بعد الفاتحة مفصولةً عنها. * * *

стр. 216

سُورَةُ البَقَرَةِ عن سهْلِ بنِ سعدٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ : "إنَّ لكلِّ شيءٍ سَناماً، وسنامُ القرآنِ سورةُ البقرةِ" (١). ولا حُجَّةَ فيه على مَن استَكرَهَ أنْ يُقال: سورةُ البقرةِ، وقال: ينبغي أنْ يُقال: السُّورةُ التي يُذكر فيها البَّقرةُ، كما قال ﵇: "السُّورة التي يُذكر فيها البقرةُ فُسطاطُ القرآنِ" (٢)؛ لأنَّ ما يُكره من الأمة قد لا يُكره منه ﵇، ألَا ترى أنَّه قال: "لا يُؤمنُ أحدُكم حتَّى يكونَ اللهُ ورسولُه أحبَّ إليهِ ممَّا سِواهما" (٣)، وقد أَنْكرَ قولَ الأعرابيِّ: ومَن عصاهُما فقَدْ غَوى، وقال: "بِئْسَ خطِيبُ القومِ أنتَ" (٤).

стр. 217

(١ - ٢) - ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الم﴾ في الفواتح المقطَّعة أوجُهٌ، والأوجَهُ أنَّها أسماءُ السُّورة، وعليه الأكثر، ومحلُّها رفعٌ على الابتداء، وقيل: نصبٌ أو جرٌّ على حذْف حرفِ الجرِّ وإضمارهِ. والمرويُّ عن الصدر الأوَّل في التهجِّي أنَّها أسرارٌ بينَ الله تعالى ونبيِّه. وقال بعضُ الكُمَّلِ: قد يجري بينَ المحرمينِ كلماتٌ مُعمَّاةٌ تُشير إلى سرٍّ بينَهما (١). والمقطَّعاتُ في أوائل السُّورِ من هذا القَبيلِ، فإنَّه تعالى قد وضَعَها مع نبيِّه ﵇ في وقتٍ لا يسعُهُ فيه ملَكٌ مقرَّب ولا نبيٌّ مرسَل، ليَتكلَّم بها معه على لسان جِبْرائيلَ ﵇ بأسرارٍ وحقائقَ لا يطَّلعُ عليْها جبرائيل ﵇. ويدلُّ على هذا ما رُوي في الأخبار أنَّ جبرائيل ﵇ لمَّا نَزلَ بقوله تعالى: ﴿كهيعص﴾، فلما قال: كاف، قال النبيُّ ﷺ : "علمتُ"، فقال: ها، قال:

стр. 218

"علمتُ"، فقال: يا، قال: "علمتُ"، فقال: عين قال: "علمتُ"، فقال: صاد، قال: "علمتُ"، فقال جبرائيلُ ﵇: كيفَ علمتَ ما لم أعلمْ (١)؟ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ أصلُ (ذلك): (ذا) اسمٌ مبهَم للإشارة، واللامُ عِوضٌ عن (ها) التي للتنْبيهِ، ولهذا لا يُجمع بينَهما، والكافُ للخطاب، فلا دلالةَ في أصل وضْعِه للبُعد (٢)، وإنَّما ذلكَ بحَسَبِ العُرفِ الطَّارئِ، فالإشارةُ به هاهنا إلى الحاضر: إمَّا على الوضْع اللُّغويِّ، أو لأنَّ ما لا يُحسُّ بالبصرِ فالإشارةُ إليه بلفظ (ذلك) و (هذا) سواءٌ؛ لأَنَّه من حيثُ إنَّه لا يُحسُّ بالبَصر أشبهَ المحسوسَ الغائبَ، ومن حيثُ إنَّه مُدرَكٌ بالعقل أو السَّمعِ أشبهَ المحسوسَ الحاضرَ، فصحَّ فيه استعمال اللفظين، ولهذا قال جمعٌ من أئمة التَّفسيرِ والعربيَّة: إنَّ معنى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾: هذا الكتابُ، وتذكيرُه لأنَّ المُشار إليه المسمَّى - وهو ذلكَ البعضُ من القرآن - ليسَ بمؤنَّثٍ، وكذا اسمُهُ المذكورُ وهو ﴿الم﴾ ليس بمؤنَّث. نَعَم له اسمٌ آخرُ مؤنَّثٌ وهو السُّورة، لكنَّ الإشارةَ ليستْ باعتبارها، فلا حاجةَ إلى التَّأويل في تذكيره. وهو مبتدأٌ ثانٍ، و (الكتابُ) خبرُه، والجملةُ خبرُ المبتدأ الأوَّل، والمعنى: إنَّ ذلك هو الكتابُ الكامل. أو خبرُ المبتدأ و (الكتابُ) صفتُه، ومعناه: هو (٣) ذلك الكتابُ الموعود، مصدرٌ بمعنى المفعول.

стр. 219

قال الراغبُ: الكَتْبُ: ضمُّ أَديمٍ إلى أديْمٍ بالخياطة، وفي المُتعارف: ضمُّ الحروفِ بعضِها إلى بعض [بالخطِّ، وقد يقالُ ذلك للمضمومِ بعضِها إلى بعضٍ] في اللَّفظ، ولهذا سُمِّيَ كتابُ الله (١) - وإنْ لم يُكتَبْ - كتاباً (٢). فمَن قال (٣): أُطلق على المنْظوم عبارةً (٤) قبلَ أنْ يُكتبَ؛ لأنَّه مما يُكتب (٥)، فكأنَّه لم يُفرِّقْ بين الخطِّ والكتابةِ. ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ في محلِّ الحال، والعاملُ فيه معنى الإشارةِ، وفيه إشارةٌ إلى كماله في نفسه. وقوله: ﴿هُدًى﴾ إشارةٌ إلى كونه مُكمِّلاً لغيره، فيكونُ وصفاً له بالتكمِيْل بعدَ وصْفِه بالكمال. قال الراغبُ في الفرْق بينَ الشكِّ والمِريةِ والرَّيْب: إنَّ الشكَّ: وقوفُ النَّفْس بينَ شيئينِ متقابلينِ بحيثُ لا يترجَّح أحدُهما على الآخر بأَمارة. والمِريةُ: التردُّد في المتقابلَينِ، وطلبُ الأمارةِ، مأخوذٌ من مَرَى الضَّرع؛ أي: مسَحَه ليدُرَّ، فكأنَّه يحصلُ مع الشكِّ تردُّدٌ في طلب ما يَقتضي غلبةَ الظنِّ.

стр. 220

والرَّيبُ: أنْ يُتوهَّمَ في الشَّيء أمرٌ (١) ما، ثُمَّ يَنكشفَ عمَّا تُوهِّم (٢) فيه (٣). ولمَّا كان الرَّيبُ أضعفَ كان نفيُه أبلغَ. ثمَّ إنَّ المَنفيَّ عنه مَنشأُ الرَّيب لا نفسُه؛ لأنَّه حالةٌ قائمة بالمُرتاب لا يَحتمِلُ أنْ توجدَ في جنس الكلامِ، فلا حاجةَ إلى نفْيِها؛ بل لا وَجهَ لهُ في مقامِ المدحِ، فتَأخيرُ الظَّرف لا (٤) لأنَّ الحصر المستفادَ من تقديمه باطلٌ؛ لأنَّ باقيَ الكتبِ السَّماوية ليسَ بمعجِز فلا قاطعَ لعِرْقِ الرَّيب فيه، بل لتجريدِ الكلام لمَا سيْقَ له، فإنَّ المفهومَ من الحصر المذكورِ فضلةٌ في المقام (٥)، واختيارِ ما هو أحسنُ نظماً، وتوسيعِ دائرة القراءة (٦) على ما ستَقِفُ عليه بإذن الله تعالى. وقُرئ: (لا ريبٌ) بالتَّنوينِ والرَّفع (٧)، والفرْقُ بينَها وبين المشهورةِ: أنَّ المشهورةَ تُوجب الاستغراقَ وهذه تُجوِّزُه. ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: المشارِفينَ للتَّقوى الصائِرينَ إليه، ففيه مجازٌ وإيجازٌ وهما من أقوى أسبابِ الإعجازِ، ونكتةُ المجازِ: التنْبيهُ على قوَّة ترتُّبِ اهتدائهم على هدايتِه بحيثُ لا يتخلَّلُ بينهما زمانٌ، فكأنَّ هدايتَه بالذينَ يهتدون به هدايةٌ بالمهتدِينَ. وإنَّما لم يقل: هدًى للطالبينَ؛ لئلا يَندرجَ تحتَ عمومه المطبوعُ على قلوبهم.

стр. 221

(هدى) مبتدأٌ خبرُه (فيه) قُدِّم عليه محقَّقاً على قراءةِ مَن وقفَ على: (لا ريب)، ومقدَّراً على قراءةِ مَن وَقفَ على (فيه)؛ للعناية والاهتمام، تنبيهاً على أنَّ المقصودَ بالإخبار كونُ الكتاب متضمِّناً لهدايتهِم لا كونُهم مُهتدينَ به، وللمُحافظة على الفاصلة. وإيثارُ الظَّرف على الضَّمير المُنفصِل للإشارة إلى أنَّ الهدايةَ من بعضِ الفوائد التي تضمَّنَها. وتنكيرُه للتَّعظيم، والهدى في الأصل مصدرٌ على (فُعَل) كالسُّرَى، وقد مرَّ تفسير الهداية وما يَتعلَّقُ به. والتَّقوى على ما قال عليٌّ ﵁: ترْكُ الإصرارِ على المعصية، والاغترارِ بالطَّاعةِ (١). والمتَّقي: اسمُ فاعلٍ من قولهم: وَقَى فاتَّقى (٢)، والوِقاية: فرْطُ العِنايةِ. وقيل: التَّقيُّ (٣) مَنْ سلَكَ سبيلَ المُصطفى، ونبذَ الدُّنيا (٤) وراءَ القَفا، وكلَّفَ نفسَه الإخلاصَ والوفا، واجتنبَ الحرامَ والجَفا. ولو لم يكنْ فضلٌ إلَّا ما فُهِم من هنا فكَفى، فإنَّه تعالى بيَّنَ في غيرِ موضعٍ أنَّ القرآنَ هدىً للنَّاس، وقال هنا: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ فكأنَّه يقول: إنَّ المتَّقينَ هم كلُّ النَّاسِ فمَنْ لا يكونُ متَّقِياً ليس منهم. ولمَّا كان معنى قولِه: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾: للَّذين يتقون (٥)، صحَّ أنْ يكونَ قولُه: * * *

стр. 222

(٣) - ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ موصولةً بالمتَّقينَ (١) على أنَّه صفةٌ مجرورة، أو مدحٌ منصوبٌ بتقدير: أعني أو أمدحُ، أو مرفوعٌ بتقديرِ: هم. وأمَّا فصْلُه عنه على أنَّه مرفوعٌ بالابتداء مخبَرٌ (٢) عنه بـ ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى﴾ فضعيفٌ (٣)؛ لانفلاته ممَّا قبلَه، والذَّهابِ به مذهبَ الاستئنافِ، مع وضوح اتِّصاله بما قبلَه وتعلُّقِه به، ومبْنى الاستئنافِ على تقدير أن يُسألَ: ما بالُ المتَّقينِ مخْصوصينَ بذلكَ؟ فلا يتِمُّ الجواب إلَّا بمجموعِ القصَّتينِ، فيكونُ القطْعُ بينَهما لكمال الاتِّحاد، والظَّاهرُ أنَّه لكمال الانفصالِ في الغَرضِ والأسلوب، على ما شهِد لذلك تصديرُ القصَّة الثَّانية بـ (إنَّ) المشعرةِ بالأخذ في فنٍّ آخرَ. والإيمان: إفْعالٌ من الأمْن، يقال: أمِنْتُه، وآمَنَنيه غيري، ثم نُقل إلى التصديق فقيل: آمَنَه [إذا صدَّقه، وحقيقتُه: آمَنه] (٤) التكذيبَ والمخالفة، ثم ضُمَن معنى أقرَّ واعترفَ فعُدِّي بالباء. ﴿بِالْغَيْبِ﴾؛ أي: بما غاب عن الحسِّ والعقل غيبةً كاملة حيثُ لا يُدركه واحدٌ منهما لا بالبديْهة ولا بالاستدلال، يعني: أحوالَ البعثِ والجنَّة والنار؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المعارج: ٢٢ - ٢٦].

стр. 223

ولقوَّة غَيْبَتِه - حيثُ غاب عن مَظهَري الحسِّ والعقل - عبَّر عنه بالمصدر؛ كما يقال لمَن بلغ الغايةَ في العدالة: عَدْلٌ. ولكماله في معنى الغَيبة - حيثُ لم يُمكنِ استحضارُه لا بالبديهة ولا بالنظر - عُرِّفَ بتعريف الجنس، كأنَّ معنى الغَيبة إنما تمَّ فيه، وباقي الغائبينَ بمنزلة الشاهد نظراً إليه. ففيه إشارةٌ إلى قوَّة تصديقهم برسول الله ﷺ ، ووفورِ اعتقادِهم بنبوَّته، حيثُ صدَّقوه في أخبارٍ لا طريق إلى العلم بصِدْقها لا بالحسِّ ولا بالعقل، لا بالبديهة ولا بالكسب. وعدمُ التعرُّض للتَّصديق بالمبدأ للتنبيه على أنَّ شأنَه تعالى أظهرُ الأمور، بحيثُ كان التصديقُ به تصديقاً بأجلى المعلومات، فلا يناسب ذكره في مقام المدح بالتَّصديق بأخفى المجهولات. وفيه نعيٌ على الدَّهْرية على أبلغ وجهٍ. ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾: إقامةُ الشيء: جعْلُه قائماً، والقيامُ: انتصابُ القامة، ولمَّا كانت هيئةُ الانتصاب أكملَ هيئاتِ مَن له القامةُ وأحسنَها استُعيرت الإقامةُ للتكميل والتَّحسين، ومنه: أقام الأمرَ: إذا أتمَّه، وجاء به معطًى حقوقَه. وأيضاً لمَّا كان استعمالُ مَن له القامةُ بإقامتها، استُعيرت الإقامةُ للاستعمال أيضاً، ومنه: أقام القومُ سيوفَهم: إذا استعمَلوها ولم يُعطِّلوها. فالمعنى على الأول: يُعدِّلون أركانها ويُكمِّلون حدودها. وعلى الثاني: يحافظونَ عليها في مواقيتِها ولا يُعطِّلونها. والصَّلاةُ: الأذكار المعروفةُ، والأفعالُ المشهورة، وأصلها: الدُّعاء، قال الله

стр. 224

تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]؛ أي: ادعُ لهم، وفيما نقلَها الشَّرع إليه اشتمالٌ على الدُّعاء. وفائدةُ الإطنابِ بزيادة الإقامة: التنبيهُ على أنَّه لم يُرِدْ إيقاعَها فقط، ولهذا لم يأمرْ بالصَّلاة ولم يمدحْ بها إلَّا بلفظ الإقامة، نحو: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [الإسراء: ٧٨] و ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]، ولم يقلْ: والمصلين، إلا في المنافقين حينَ قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤، ٥]. ومنْ ثمَّة قيل: المصلُّون كثير، والمقيمونَ لها قليلٌ، كما قال [ابن] عمر ﵁: الحاجُّ قليلٌ والرَّكبُ كثيرٌ (١). وكثيرٌ من الأفعال التي حَثَّ الله تعالى على تَوفية حقِّه ذَكَره بلفظِ الإقامة؛ نحو: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٦]. و ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ [الرحمن: ٩]. ولمَّا كان المعنى: يَعبدون الله تعالى بكلٍّ من نوعي العِبادة البَدنيَّة والماليَّة، عقَّبه بقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ وقدَّم ما هو الأشقُّ، وبالتقديم أحقُّ؛ لأنَّه أمُّ العبادات وعِمادُ الدِّين. ولم يقلْ: ويؤتون الزكاة، لئلا يختصَّ المدحُ بالأغنياء.

стр. 225

وأيضاً لمَّا ذَكَر البدنيّةَ مطلقةً شاملةً للواجبة منها وغيرِ الواجبة، ناسَبَ أنْ يَذكرَ الماليةَ أيضاً على وجهِ الإطلاق. والرِّزقُ: اسمٌ لكلِّ ما يَنْتفِعُ به الحيوانُ، وأصله: الحظُّ والنَّصيب مِن أَيِّ نوعٍ كانَ، ثمَّ شاع إطلاقُه (١) على ما أعطى اللهُ تعالى عبْدَه ومكَّنه من التَّصرُّف فيه حلالاً كان أو حراماً؛ لقوله ﵇: "لقد رَزَقكَ اللهُ طيِّباً، فاخترتَ ما حَرَّم اللهُ عليكَ مِن رِزقه مكانَ ما أحلَّ اللهُ لكَ مِن حلالهِ" (٢). وأمَّا ما قيلَ: لو لمْ يكنْ الحرامُ (٣) رِزقاً لم يكنْ المُغذَّى به طولَ عُمُره مَرزوقاً، وليسَ كذلكَ؛ لقولهِ تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]. فيَرِدُ عليهِ: أنَّ الملازمةَ مسلَّمةٌ، وكذلكَ بُطلانُ التَّالي مسلَّمٌ إنَّما الشَّأن في وقوع المقدَّم فافْهَم. نَعمْ هو محمولٌ هاهنا على المُباح دونَ المحظورِ، بقرينة إضافتهِ إلى الله تعالى، فإنَّ ما يُضاف إليهِ تعالى بخصوصه مُفصَّلاً حقُّه أنْ يكونَ خالياً عن الكراهة فضْلاً عن الحُرمةِ، وإنْ كان قد تُضاف إليه الأفعالُ كلُّها على سبيل العمومِ والإجمال.

стр. 226

وأمَّا الحثُّ على الإنْفاق والمدحُ للمُنفِق وكونُه من المتَّقينَ، فإنَّما يَصلُح قرينةً لكون المنفَقِ مُباحاً، ولا دلالةَ فيه على عدم كونِ الرِّزق الذي ذلك المنفقُ بعضٌ منه مشتمِلاً على الحرام. وزيادةُ حرْف التبْعيض للحثِّ على الاقتصاد المحمود؛ لأنَّه الجودُ الذي هو وسطٌ بينَ الإسراف والإقتارِ، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]، ففيه إخبارٌ صريحٌ في حقِّ الغابرينَ (١) ونهيٌ ضِمناً في حقِّ الحاضرِينَ. وأمَّا التبذيرُ فلا حاجةَ للاحتراز عنهُ إلى أداة التَّبْعيض؛ لأنَّه بمعْزِلٍ عن مَظنَّة المدحِ به، كيفَ وهو حرامٌ منهيٌّ عنه بأبلغِ وجهٍ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧]؟ بخلافِ الإسرافِ، فإنَّه قد شاعَ أنَّه لا إسراف في الخير، فكانَ مظِنَّة أنْ يُمدحَ به. ولمَّا كان المدحُ باعتبار تخصيصِهم الإنفاقَ بالبعض الحلالِ من رِزْقِهم لا بالإنفاق مُطلقاً، كان ذِكرُ المفعولِ وتعيينُه أهم (٢) من الإخبار عن نفْس الفعلِ، فقدَّمه عليه إظهاراً للاهتمام به والاعتناءِ بشِأْنه، ومحافظةً على الفاصلة. والإنْفاقُ: صرْفُ المالِ إلى ذي الحاجة، لا إنفاقهُ وإذهابه مطلقاً، فالإحراقُ مثلاً ليس بإنفاق. * * *

стр. 227

(٤) - ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ هم مؤمِنو أهلِ الكتابِ كعبدِ الله بن سَلامٍ وأضرابِه، معطوفون (١) على ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، داخلونَ معهم في جُملة المتَّقينَ دخولَ أخصَّ (٢) تحتَ أعمَّ؛ إذْ المرادُ بأولئك: الذينَ آمنوا وليْسوا بأهل الكتابِ، وبهؤلاء مُقابِلوهُم، فكانتْ الآيتانِ الكريمتان تفْصيلاً للمتَّقين. وانَّما قدَّم غيرَ الكتابيِّ لأنَّ تصديقَهم بتلك المغيَّباتِ أغربُ، إذْ هم لم يسمعوا شيئاً منها إلى أنْ أَخبر به النبيُّ ﷺ ، فهُم بالمدح بذلك الوصفِ أحقُّ، ومن ذلك تبيَّن وجهُ تخصيصِ التَّعبيرِ بالغيبِ عن المصدَّقِ به في حقِّهم، مع أنَّ مُتعلَّق التَّصديق لكلا الفريقينِ واحدٌ، وظهر أنَّ ما فُصِّل بقوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ الآيةَ هو بعَيْنه ما عُبِّر عنه إجمالاً بقوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾. ﴿إِلَيْكَ﴾ أصله: إلَاكَ، قُلِبَ فرْقاً بينَ الإضافة إلى المُكنى وغيرِه. والإنزال: نقْلُ الشَّيءِ من أعلى إلى أسفلَ، وهو إنَّما يَلحق المعانيَ بتوسُّطِ لُحوقه الذَّواتِ الحاملةَ لها؛ كما في إنزال القرآنِ، فإنَّه أُنزل جملةً من اللَّوح إلى سماء الدُّنيا، ثمَّ نُزِّل منها على لسان جبريلَ مُنجَّماً على الرَّسول ﵇، أو للنُّقوش الدالةِ عليها؛ كما في إنزال التَّوراةِ، فإنَّها قد أُنزلت على موسى ﵇ مكتوبةً على الألواح، فإنْ كان المرادُ جميعَ ما أُنزل عليه ﵇ إلى حينِ نُزول هذه الآية كما هو الظاهر، فالأمرُ هيِّنٌ، فإن الإيمان (٣) بالمُترقَّب غيرُ واجبٍ وذلك بيِّنٌ،

стр. 228

وإنْ كان المرادُ مجموعَ القرآن والشريعةِ فمَبْناه على تنزيلِ المترقَّبِ منزلةَ النّازلِ؛ لتحقُّق وقوعهِ، أو لارتباطِ بعضهِ ببعضٍ كالشَّيء الواحد، ونظيرهُ قولكَ: كلُّ ما خطَب به فلانٌ فهو فصيحٌ، ولا تريدُ به الماضيَ فقطْ بل الآتي أيضاً، أو تغليبِ (١) النَّازلِ على ما لم ينزلْ. وفي ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ إشارةٌ إلى أنَّ القرآنَ غيرُ متفاوِتِ الأبعاضِ في البلوغِ إلى حدِّ الإعجازِ، فمَن آمنَ ببعضِه يؤمِنُ بكلِّه لا محالةَ. والعدولُ عن صيغة الماضي إلى المستقبل لِمَا فيهِ مِن الحدوث والتَّجدُّدِ المتضمِّنِ للإشارة إلى أنَّ إيمانَهم بما أُنزل إليه ﵇ يَتجدَّدُ بحسب تجدُّدِ نزولِ الآيات والأحكامِ، وإلى أنَّ إيمانَهم بما أُنزل مِن قبلِه إيمانٌ حادثٌ لا إيمانٌ ثابتٌ؛ لأنَّ إيمانَهم السابقَ إنكارٌ له في الحقيقة لا تصديقٌ به. وقدَّم الإيمان بما أُنزل إليه لأصالَتهِ، حيثُ كان صحةُ إيمانهم بما أُنزل من قَبله في ضِمن الإيمان بما أُنزل إليه وسببِه، ولهذه النُّكتةِ لم يُكرَّر الباءُ في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كما كرِّر في: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٨] والمراد بذلك: ما أنزل على الأنبياء الذينَ كانوا قبلَ محمَّدٍ عليه وعليهم السَّلام، والإيمانُ به واجبٌ إجمالاً؛ لأنَّ الله تعالى ما تعبَّدَنا الآنَ به حتى يُلزمَنا معرفَته تفْصيلاً. نَعم إنْ عرفنا شيئاً من تفاصيلهِ فهناكَ يجب علينا الإيمانُ بتلك التفاصيلِ. ﴿وَبِالْآخِرَةِ﴾ تأنيثُ الآخِرِ، صفةٌ للدَّارِ كما في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ [القصص: ٨٣]، أو النَّشأةِ كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠]، سمِّيت بذلك لأنَّها متأخِّرةٌ عن الدُّنيا أو النَّشأةِ الأُولى زماناً.

стр. 229

وقيل: الدُّنيا دُنيا لأنَّها أَدنى من الآخرة رُتبةً. ﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾ تقديمُ الظَّرف للقَصر عليه؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٨]. وتقديمُ المسندِ إليهِ وهو ضميرٌ مع بناء الفعلِ عليه أيضاً للقَصر عليه؛ كما في قولك: أنا سعيتُ في حاجتِكَ، والقَصران إضافيانِ كما هو الغالِبُ في استعمالاتِ البُلغاء. والمعنى المستفادُ من القَصر الأوَّل: أنَّ (١) إيقانَهم مقصورٌ على حقيقة الآخرة لا يتعدَّاها إلى ما هو على خلافِ حقيقتِها، وتعريضٌ (٢) بسائر أهلِ الكتاب وبما هُم عليه من أمر الآخرةِ. والمعنى المستفادُ من القَصر الثاني: أنَّ الإيقانَ المذكورَ لا يتعدَّاهُم إلى غيرهِم، وهذا تصريحٌ بأنَّهم على جهالةٍ في أمرِ الآخرةِ، والإيقانُ إيقانُ العِلم بإزالة الشكِّ والشُّبهة عنه، فاليقينُ: هو العِلم بالشَّيء بعدَ أنْ كان صاحبُه شاكًّا فيه، ولذلك لا يُطلق على عِلمه تعالى. قال الإمام: ويقالُ ذلكَ في العِلم الحادث بالأمورِ، سواءٌ كان ذلكَ العِلم ضرورّياً أو استدلاليًّا، فيقولُ القائل: تيقَّنتُ ما أردتُه بهذا الكلامِ، وإنْ كان قد عَلِم مرادَه بالاضطرار، ويقول: تيقَّنتُ أنَّ الإلهَ واحدٌ، وإنْ كان قد عَلمه اكتساباً (٣). * * *

стр. 230

(٥) - ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أي: أهلُ هذه الصِّفاتِ، فيُبتنَى الحكمُ على الوصفِ فيَنتفي بانتفائِه، وهذا معنى الاختصاصِ. و (أولاءِ): كلمةٌ معناها الكِنايةُ عن الجماعة نحو: (هم)؛ جمعٌ لا واحدَ له من لفظه، بُني على الكسر، والكافُ للخطاب، والجملةُ استئنافٌ لا محل لها، فكأنَّه نتيجةُ الأحكامِ والصفات المتقدِّمةِ. ﴿عَلَى هُدًى﴾ مَثَلٌ لتَمْكُّنهم مِن الهدى، شُبِّهتْ حالُهم بحالِ مَن اعْتلى الشَّيءَ ورَكِبَهْ، ونكَّر (هدًى) ليُفيد ضربًا مُبْهماً لا يُبلَغُ كُنْهُه؛ نحوَ: لقد وقعتُ على لحمٍ. ومعنى كونِهم على الهدى: تمسُّكُهم بمُوجَبِ الدَّلائل؛ لأنَّ الواجبَ على المتمسِّك بالدَّليل (١) أنْ يدومَ على ذلكَ، فكأنَّه تعالى لمَّا مدَحَهُم بالإيمان بما أَنزل اللهُ عليه أولاً، مدَحَهم بالإقامة على ذلكَ ثانياً. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ بنَفْي (٢) الكسْبِ، وإثباتِ كونهِ لمحضِ العِناية والعطاءِ كالشَّيء الذَّاتيِّ المقارِنِ لوجودِهم في أوَّل الكونِ، وفيه زيادةُ تعظيمٍ لتلك الهدايةِ. وإضافةُ الربِّ إليهم للتَّشريف، فكما تُفيد إضافةُ العبد إليهِ تعالى تشريفَه، فكذلك إضافتُه تعالى إليه تفيدُه، بلْ ذلك أقوى إفادةً له. ﴿وَأُولَئِكَ﴾ أعاد اسمَ الإشارةِ تنْبيهاً على أنَّ المقتَضِيَ للفلاح أيضاً هو اتِّصافُهُم بتلكَ الصِّفاتِ، وأنَّ كلَّ واحدةٍ من الأثرتينِ لهم بالاستقلال والانفرادِ،

стр. 231

لا بتبَعيَّةِ إحداهما للأُخرى، ولو انفردتْ إحداهما لكفَتْ في تفوُّقهم بالكمال وإنافتِهم على غيرهم. وتوسيطُ العاطفِ لتناسُبِهِما في الوجود حيثُ كان أحدُهما علةً للآخَرِ، وتغايُرِهما في المعنى المقصودِ، فإنَّ الهدى حاصل في الدُّنيا والفلاحَ في الآخرة، فالجملتانِ متوسِّطتانِ بين كمال الاتِّصال وكمالِ الانقطاعِ، بخلافِ ﴿كَالْأَنْعَامِ﴾ و ﴿الْغَافِلُونَ﴾ فإنَّهما شيءٌ واحدٌ بحسب المقصودِ والمآلِ، وإنْ تعدَّدا بحسب اللَّفظ والمفهومِ (١). ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (هم) فصلٌ يفصِلُ الخبرَ عن الصِّفة، وُيؤكِّد النِّسبة، ويُفيد اختصاصَ المسنَدِ بالمسنَد إليهِ، أو مبتدأٌ و (المفلِحون) خبرُهُ، والجملةُ خبرُ (أولئك). والمفلحُ: الظافرُ بمطلوبه، والفلاحُ: الخيرُ المقطوع، ومنه يقال: الفلَّاحُ، للمُكاري والأكَّارِ؛ لقَطْعِهما الأرضَ في الكِراءِ والكرابِ (٢). وفي المثَلِ: (الحديدُ بالحديد يُفْلَحُ) (٣)؛ أي: يُقْطَعُ ويُصْلَحُ. والتعريفُ للدَّلالة على أنَّ المتَّقينَ هم الناسُ الذين بلغكَ أنَّهم المفلِحونَ في الآخرة، أو الإشارةِ إلى ما يَعرفُه كلُّ أحدٍ من حقيقة المُفلِحينَ وخصوصيَّاتِهم.

стр. 232

ولا دلالةَ في الآية على خلودِ الفُسَّاقِ من أهل القِبلةِ في العذاب؛ لأنَّ الفائزَ بمطلوبهِ في الآخرة مَن زُحْزِحَ عن النَّار وأُدْخِلَ الجنَّةَ، فالمعذَّبُ بالنَّار وإنْ لم يُخلَّدْ فيها غيرُ مفلِحٍ. نَعَم، لو قيل: إنَّ فيها دلالةً على أنَّ الفاسقَ - بل تاركُ الصَّلاة - وإنْ كان تائِباً لا بدَّ له مِن العذاب = لاحْتِيْجَ في جوابه إلى أنْ يقال: إنَّ المرادَ بالمُفْلحِينَ: الكاملون في الفَلاح. * * * (٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لمَّا أنجزَ الكلامَ في تقرير ما سيْقَ له إلى ذِكْر خاصَّةِ عِباده وخُلاصةِ أوليائه بصفاتهم التي أهَّلتُهم للهُدى والفلاح، قفَّى على أثرِهِ بذِكْرِ أضدادِهم، وهُم العُتاةُ المَرَدَةُ من الكفَّار المطبوعِ على قُلوبهم، بحيثُ لا ينجعُ فيهِم الهُدى، ولا يَجري إليهم اللُّطفُ والدَّعوةُ والإنذارُ، وإنَّما فصَل بينهما لتَباينِهِما في الغرض، فإنَّ الأُولى سيْقَت لبيان شأنِ الكتابِ، والثانيةَ سوقُها لشرح تمرُّدهِم وانهماكِهم في الضَّلال. والتأكيدُ بـ (إنَّ) لأنَّ الخبرَ قد بَولِغَ فيهِ، وعُلِّل بما عسى أنْ يُستنكَرَ ويُستَبْعَدَ. والتعريفُ للإشارة إلى أُناس معهودِينَ؛ أَخرجَ ابنُ جريرٍ وغيرُه بسنَدٍ صحيح عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄: أنَّ المرادَ به الكفارُ من اليهود خاصَّةً (١). وهو الظاهرُ بقرينةِ إيلاءِ المؤمنينَ من أهل الكتابِ، ولأنَّ السُّورةَ مدنيَّةٌ وأكثرُ الخِطاب فيها لليهود.

стр. 233

والكُفْر - بالضم والفتح (١) - في اللغة: السَّتْر، ومنه سمِّي الزَّارعُ كافراً، فإنَّه يسترُ البذرَ، ونُقلَ في الشَّرع إلى عدَم قَبُول ما عُلِم مجيءُ الرَّسولِ ﵇ به عقْداً أو قَولا؛ لِمَا فيه مِن سَتْر نورِ الفِطرةِ الأصليَّةِ الذي هو بذْرُ الكمالِ، هذا هو الكفر المقابِلُ للإيمان المُنْجي. وأمَّا الكفرُ المقابلُ للإيمان الشَّرعي الذي لا بُدَّ فيه من الاحتراز عن أمارات عدَمِ قَبول ما ذُكِر، فيَكفي في تحقُّقهِ (٢) وجودُ إحدى تلك الأماراتِ. والإخبارُ بلفظ الماضي نظراً إلى حال المخاطَبِ؛ لأنَّه مقصودٌ بالإفادة، والمتكلِّمُ (٣) ليس بزمانيٍّ، فلا يختلفُ الإخبارُ (٤) - بحسب دلالتِها على الأزمنة الثلاثةِ - نظراً إليه. ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾؛ أي: مستوٍ، عُدِل عنه مبالغةً، وإيثارُ الاسم (٥) على الوصف؛ لتَجرُّده عن معنى الحدوثِ، وتمحُّضهِ للدَّلالة على الثُبوت. والسَّواءُ: الاعتِدالُ في الوسَط، والوسَط: الاعتدال في المقدار، ولكون ذلكَ الاستواءِ ضارًّا (٦) لهم غيرَ نافعٍ، قال: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ ولم يقلْ: سواءٌ لهم. والفعلُ في تأويل المصدَرِ، وإنَّما عُدل عنه لِما في الفِعل من إيهام التَّجدُّد،

стр. 234

وحَسُنَ دخولُ الهمزة و (أَمْ) عليه لتقريرِ معنى الاستواءِ وتأكيدهِ، فإنَّهما جُرِّدتا عن معنى الاستفهامِ لمجرَّد الاستواءِ. والمعنى: سواءٌ عليهمُ الإنذارُ وعدمُه، فالإنذارُ وما عُطف عليه مبتدأٌ في المعنى، و (سواءٌ) الخبرُ، والجملة خبر (إنَّ). وإنَّما قلنا: إنَّ (سواءٌ) هو الخبر؛ لأنَّ موضعَ الفائدة الخبرُ، والشكُّ إنَّما وقَع في استواء الإنذار وعدمهِ لا في نفي الإنذارِ، ومن هاهنا خرجَ وجْه العناية الدَّاعيةِ إلى تقديمه، ولفظُ الاستفهامِ لا يَمنعُ من ذلكَ، إذْ المعنى على اليَقِين (١) والتَّحقيقِ لا على الاستفهام؛ لِمَا عرفتَ من أنَّ الهمزةَ هنا مستعارةٌ للتَّسوية. والإنذارُ: الإعلامُ بالتَخويفِ. وقال ابنُ عطيَّةَ: ولا يكادُ يكونُ إلَّا في تخويفٍ يَسعُ زمانُه الاحترازَ، فإنْ لم يَسعْ زمانُه الاحترازَ كان إشعاراً (٢). والاقتصارُ عليه لأنَّ الكفارَ ليْسوا أهْلاً للبِشارة المُطلَقة (٣)، والبِشارةُ المعلَّقة على الإيمان تنقلبُ في حقِّهم إنذاراً؛ لأنَّهم مُصِرُّون على الكفر مصمِّمونَ. عليه، فيَنتظِم الإنذارُ هذا القسمَ من البِشارة في حقِّهم.

стр. 235

﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ مفسِّرةٌ لإجمال ما قبْلَها، فلا محلَّ لها من الإعراب، أو خبرُ (إنَّ)، وما قبلها اعتراضٌ. ولا دلالةَ في الآية على وقوعِ التَّكليف بما لا يُطاق؛ لأنَّ الإخبارَ بوقوع الشَّيء أو عدمِهِ لا ينفي القدرةَ عليه، واستحالةُ الكذبِ على الله تعالى اللَّازمِ على تقدير وقوعِ ما أَخبر بعدم وقوعِه، إنَّما تدلُّ على عدم وقوعِ الملزومِ، لا على عدم كونِه مَقْدوراً، فإنَّ استحالةَ اللازمِ لا تستلزمُ استحالةَ الملزومِ. وفائدةُ الإنذار بعدَ العِلم بأنَّه لا ينجَعُ: إلزامُ الحُجَّة، وحيازةُ (١) الرسولِ ﵇ فضلَ الإبلاغِ، ولذلكَ حَكَم بالتَّسوية نظراً إليهم دونَ إليه ﵇. * * * (٧) - ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. ولمَّا كان مظنَّةَ أن يُسألَ عن سبب الحُكم السَّابقِ لغَرابته استُؤنفُ الجوابُ عنه بقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ﴾ الختْمُ والطَّبعُ: الأثرُ الحاصلُ عن نقشٍ، ويُتجوَّز بهِ عن الاستيثاق عن الشَّيء والمنعِ منه، نظراً إلى ما يَحصلُ بالختْم على الكُتب والأبواب بالمنْع، وقد يقالُ ذلك وُيعنى به بلوغُ آخرِ الشَّيء نظراً إلى أنَّه آخرُ فصلٍ في إحراز الشَّيء، ومنه: ختمتُ القرآن. ولم يُرِدْ به هنا الختمَ في بَدْءِ الفِطرةِ ليكونَ التَّكليفُ ضائعاً، ويخالفَ ما رُوي عن النبيِّ ﵇ شائعاً مِن أنَّ: "كلّ مولودٍ يُولدُ على الفِطرةِ" (٢)؛ أي: على

стр. 236

الخِلقةِ القابلةِ للإسلامِ، ويُخرجَ النَّعيُ (١) عليهم شناعةَ صفتهم مُخرجَ التَّشنيعِ على فاقد البصرِ بعَدَم الإبصارِ؛ بل أرادَ الخَتْم بعدما أعرَضوا عن الحقِّ وأصرُّوا على ذلكَ على ما وردَ في قوله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]. وأفصَحَ عنه ما رَوى ابنُ عُمرَ ﵁ مرفوعاً قال: "الطَّابعُ (٢) معلَّقٌ بقائمة العَرشِ، فإذا اشتكتِ الرَّحمُ، وعُملَ بالمعاصي، واجتُرئَ على اللهِ تعالى، بعثَ اللهُ الطابعَ فطبَعَ على قلبهِ فلا يعقِلُ بعدَ ذلكَ شيئاً" (٣). فالإسناد إليه تعالى مجازيٌّ، لكنَّ المسنَدَ على حقيْقَتهِ (٤). ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أُريد بالقلب محلُّ القوَّة العاقلةِ مِن الفؤاد. ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ السَّمع: محلُّ القوَّةِ السَّامعةِ مِن الأُذنِ، وكانَ في الأصلِ مصْدراً، ولذلكَ وُحِّدَ في مَواضع الأمنِ عن اللَّبسِ جَرْياً على مُقتضى الأصلِ. وإعادةُ الجارِّ للدَّلالة على أنَّ الختْم على السَّمع بالاستقلال والأصالةِ لا تَبَعاً لختْم القلبِ؛ لأنَّ الختْمَ على السَّمع لا يتبعُ الختْمَ على القلب، بل الأمرُ على العكس، فإنَّ الختمَ على السَّمع يتبعُهُ الختْمُ على القلبِ في الجملة، ولذلكَ تركَ إعادةَ الجارِّ حيثُ قدَّمَ ختْمَ السَّمعِ على ختْم القلبِ في قوله تعالى: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ [الجاثية: ٢٣].

стр. 237

وأمَّا ذِكْره في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ﴾ فليسَ بإعادة؛ لأنَّه متعلِّقٌ بما بعدَه، فإنَّ الأبصارَ داخلةٌ في حُكمِ التَّغشيةِ دونَ الختْم بخلافِ الأسماعِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣] وللوفاقِ على الوقف على ﴿سَمْعِهِمْ﴾ دونَ ﴿قُلُوبِهِمْ﴾، ولأنَّ التَّغشيةَ ليستْ بمانعةٍ للسامعةِ عن الإدراك بخلاف الباصِرةِ. ﴿غِشَاوَةً﴾ رفعٌ على الابتداء، وتقديمُ الخبرِ للاهتمامِ، فإنَّ المقصودَ بالإخبارِ كونُها على الأبصارِ، والعدولُ إلى الاسميَّةِ لإفادةِ الدَّوامِ والثبوتِ تقويةً لحُكم التَّغشيةِ، وجبْرًا لِنُقصانهِ عن حُكم الختْمِ. وقُرئ بالنَّصب (١) عَطفًا على المختوم من باب الاستغناءِ بأحدِ (٢) الفِعلينِ عن الآخرِ، فإنَّ العربَ إذا اجتمعَ فعلانِ متقاربانِ في المعنى، ولكلِّ واحدٍ متعلَّقٌ على حِدَةٍ، جوَّزتْ ذِكْرَ أحدِهما وعطفَ متعلَّقِ الآخرِ المتروكِ على المذكور؛ كقوله: متقلِّدًا سيْفًا ورُمحًا (٣) والمصيرُ إلى تقدير فعل أو الحذفِ والإيصالِ في مثل هذا مِن ضِيْق العَطَن.

стр. 238

ولو لا الوفاقُ على الوقف على ﴿سَمْعِهِمْ﴾ لجازَ أنْ يكون (غشاوةً) اسمًا وُضِعَ موضعَ مصدرٍ من معنى ﴿خَتَمَ﴾ (١)؛ لأنَّ معنى (خَتَم): غشَّى وسَتَر، كأنه قيل: تغشيَةً، على سبيل التأكيدِ، وتكونُ قلوبُهم وسمعُهم وأبصارُهم مختومًا عليها مغشَّاةً. ولمَّا كان الختْم والتّغشيةُ مسبَّبًا ممَّا (٢) اقترَفوه، ناسبَ تعقيْبَهُ بوعيدٍ وبيانٍ لِمَا يستحقُّونه، لا على وجْهِ التقْريعِ كيْلا يُتوهَّمَ أنَّ ما سبَق من الختْم والتَّغشيةِ سببٌ لذلكَ فقيلَ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ اللَّامُ الجارَّةُ إذا اتَّصلتْ بالضمير غيرِ الياءِ بُنيتْ على النَّصب، والعذابُ: كلُّ ما يمنعُ من المطلوب، يُقال (٣): عَذِبَ الرجلُ وعَذَبَ: لم يأكل غيرَ صائمٍ. والعِظَمُ: شِدَّةُ القوَّةِ، ومنه العَظْم، أو الزائدُ القَدْرِ، وذلك في الدنيا الإسَار، وفي العُقبى النَّارُ. والمعنى: أنَّ تلكَ الطائفةَ مخصوصةٌ من بينِ الطَّوائف بنوع من العذاب، على أنَّ التَّنوينَ للتنويع كما في (غِشاوة)؛ أي: نوعٌ من العذاب لا يتعارَفُه النَّاسُ، وفائدتُه التَّهويلُ، وتوصيْفُه بالعظيم تأكيدٌ له، وترْكهُ في الغِشاوة تنْبيهًا على الفرق بين مَقامي التَّهويل، فإنَّ الأوَّلَ في أحوال الدُّنيا، والثاني في أحوال الآخرة، وكم بيْنَ الحالين وما فيهِما مِن الهَولَينِ.

стр. 239

(٨) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾. ثُمَّ بعدَ ذِكْرِ المؤمنينَ وأحوالِهم، والكافرينَ وأفعالِهم، ذَكَر المنافقينَ وأقوالَهم وأعمالَهم وخصالَهم بقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ (الناس) أصله: أُناسٌ جمعُ: إنسان، ولذلكَ لا يُستعمل إلَّا في معنى جماعةٍ، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]، وقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٠]، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨٢]، فحُذفت الهمزةُ وعُوِّض عنها حرفُ التَّعريفِ، وهي هنا للعهد. و (مَن) في قوله تعالى: ﴿مَنْ يَقُولُ﴾ موصولةٌ، والقولُ عبارةٌ عن جملةِ ما يتكلَّم به المتكلِّمُ على وجه الحكايةِ، وَحَّدَ (يقول) نظرًا إلى لفظ: (مَن)، وجَمعَ (مَن) نظرًا إلى معناها؛ اعتُبرت جهةُ وحدتِه عند ذِكْر مقالِهم، وجهةُ تعدُّده عند بيانِ أحوالِهم، إشارةً إلى أنَّهم وإنْ كانوا متفرِّقينَ على عقائدَ شتَّى في الكُفر الباطنِ، لكنَّهم مجتمعون على كلمة واحدةٍ في إظهار النِّفاقِ. خَصَّ هذا الصنفَ مِن بينِ الأصناف بمبالَغات وتشديداتٍ، وأبرزَ نظْمَ قصَّتِهم إبرازًا غريبًا حيثُ قدَّم الخبرَ على المبتدأ، وأبهَمهُ غايةَ الإبهام، ووصفَه بصفاتٍ عجيبةٍ؛ ليتشوَّقَ السَّامعُ إلى ذِكْر ما بعدَه مِن قبائِحهم، ونكَّرهم نعْيًا عليهم وتعجيبًا من شأنهم، يعني: انظُروا إلى هؤلاء الخَبَثةِ وقبيحِ ما ارتكبوه، كيفَ اختصُّوا مِن بينِ سائرِ النَّاس بِما لم يرضَ العاقلُ أنْ يَنْتسبَ (١) إليه. ولمَّا كانت فائدةُ الإخبارِ بكونهِم مِن بعض النَّاسِ استعظامَ أنْ يكونَ من جنسهِ مَن اختصَّ بمثلِ هذه الصفاتِ، فإنَّها تُنافي الإنسانيةَ بحيثُ كان ينبغي أنْ لا

стр. 240

يُعدَّ المتَّصفُ بها من جنس الإنسِ، ناسَب تصديرَ الكلامِ به (١) وإنْ كان حقُّه التأخيرَ، وهذا النَّوعُ من الاعتبار اللطيف مدارهُ على دلالةٍ رائعةٍ خطابيةٍ لا يعتبرُها البليغُ إلا بمعونة المقامِ واقتضاءِ الحالِ، فلا يُطالَبُ بالاطِّراد. وهذا الصنفُ أبغضُ الكفرةِ إلى الله تعالى، وأمقتُهم عنده؛ لاستعدادِهم الاهتداءَ وإمكانِ قَبولِهم لذلكَ لعدم انطفاءِ نور الفِطرةِ فيهم، مع بقائهم على الكفر، وخَلْطِهم بالكفر تمويهًا وتلبيسًا واستهزاءً وخداعًا. وقصَّتُهم عن آخرها معطوفة على قصَّة المصرِّينَ، والاقتصارُ في وصفه الكفارَ الصِّرفَ المطبوعَ على قلوبهم على آيتين، والإطنابُ في وصْف المنافقين في ثلاثةَ عشرَ آيةً؛ للإضراب عن أولئكَ صفْحًا؛ إذ لا ينجعُ فيهم الكلامُ، ولا يُجدي لهم الخطابُ، وأمَّا المنافقونَ فقدْ يَنجعُ فيهم التَّوبيخُ والتَّعييرُ، وعسى أنْ يرتدِعوا بالتَّشنيع عليهم وتفظيعِ شأنِهم وسيرتِهم، وتهجينِ عادتِهم، وخُبْثِ نيَّتهم وسريرتِهم، وينتبهوا (٢) بتَقبيْح صورةِ حالِهم، وتفضيحِهم بالتَّمثيل بهم وبطريقتِهم، فتلينُ قلوبُهم، وتنقادُ نفوسُهم، وتتزكَّى (٣) بواطنُهم، وتضمحلُّ رذائلُهم، فيرجعون عمَّا هم عليه، وَيصيرونَ من المستثنَينَ في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦] (٤).

стр. 241

﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر﴾، أي: يومِ البعثِ، وتوصيفُه بالآخِرِ لتأخُّره عن الدُّنيا، والمرادُ: صدَّقنا بالمبدأ والمعادِ، وفيه إحاطةُ الإيمان بقُطريه، وفي تكرير الجارِّ ادعاءُ التعريفِ بكلٍّ منهما على الأصالة. وما قيلَ: فيه إيذان بأنَّهم منافقون فيما يظنُّونَ أنَّهم مخلصونَ فيه، فكيفَ بما يقصدونَ به النفاقَ، فإنَّ القومَ كانوا يهودًا، وكانوا يؤمنون بالله واليوم الآخرِ إيمانًا كلا إيمانٍ، لاعتقادهِم التَّشبيهَ واتخاذَ الولدِ، وأنَّ الجَنَّة لا يدخلُها غيرُهم، وأنَّ النّارَ لم تمسَّهم إلّا أيامًا معدودةً وغيرَها، ويرونَ المؤمنينَ أنَّهم آمنوا مثْلَ إيمانِهم (١) = مبناهُ على أنْ يكونَ التصرُّفُ بتخصيصها بالذِّكر في الحكاية دونَ المحكيِّ، وذلك خلافُ الظَّاهرِ. ثُمَّ إنَّ تَمْشيةَ ما ذُكَر على تقديرِ أنْ لا يكونَ مرادُهم من الإيمان بالله وباليوم الآخرِ التصديقَ بجميع ما لا بدَّ منه في دين الإسلامِ، والظاهرُ خلافه على ما مرَّ الإشارةُ إليه. ثمَّ إنَّ بيانَه بقوله: فإنَّ القومَ كانوا .. ، إنَّما يُفيد أنَّهم مخطئونَ فيما يعتقدونَ أنَّهم مصيْبون فيه، لا أنَّهم منافقونَ فيما يظنُّونَ أنَّهم مُخلِصونَ فيه؛ لأنَّ الخطأَ لا يستلزمُ النِّفاقَ، وذلك ظاهرٌ؛ بل نقولُ: شرْطُ النِّفاق الكتمُ، وهم لا يكتمونَ ذلكَ. ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (ما) نائبةٌ عن (ليس)، ولهذا أُعقبتْ بالباء، والضميرُ للمعهودِينَ، والمعنى: نفيُ ما انتَحلوا إثباتَه، ولأجل التَّأكيدِ والمبالغة في نفْي إيمانِهم

стр. 242

جاءت الجملةُ المنفيَّةُ اسميةً مصدَّرة بـ (هم)، وسُلِّط (١) النَّفي على اسم الفاعلِ الذي ليس مُقيَّدًا بزمانٍ ليشملَ (٢) النَّفيُ جميعَ الأزمان، ويُجرَّد الكلام للدَّلالة على ما سيقَ له، ولم يُؤت بشيءٍ زائدٍ عليه إلَّا ما يشدُّ من عضُدِه كحرف الباء لتأكيد النَّفي. وإطلاقُ الإيمان في سياق النَّفي - وكان مقيَّدًا في الإثبات - لأنَّه غيرُ منجَّزٍ، فمَن أخلَّ ببعضِ ما لا بدَّ منه ليس بمؤمنٍ أصلًا، لا أنَّه مؤمنٌ ببعضٍ دونَ آخر. والآيةُ الكريمةُ لا تنهضُ حُجَّة على الكرَّاميَّة، لا لأنَّهم (٣) يشترطونَ في كون الشَّهادتينِ إيمانًا عدمَ مخالفة القلبِ اللسانَ، أعمَّ من أنْ يكونَ موافقًا له أو فارغًا عنهما؛ لأنَّ احتجاجَهم بأنَّه تواترَ أنَّ الرسول ﵇ والصحابةَ والتَّابعين - رضوانُ الله تعالى عليهم أجمعينَ - كانوا يَقنَعون بالكلمتين ممَّن أتى بهما، ولا يَستَفسرونَ عن علمه وتصديقه القلبيِّ وعملِه، فيَحكمون بإيمانه بمجرَّد الكلِمتينِ، فعلمنا أنَّه الإيمان بلا عِلم وعملٍ، صريحٌ (٤) في عدم الاشتراط بالقيد المذكور، بل لأنَّ كلامَهم - على ما دلَّ سياقُ احتجاجِهم - في الإيمان الشَّرعيِّ المعتبرِ عندنا في إجراء أحكامِ الإسلام في الدُّنيا، لا الإيمانِ الحقيقي المعتبر عند الله تعالى المُنْجي عن (٥) الخلود في النَّار، فلا يندفعُ قولُهم بالإجماع على أنَّ المنافقَ كافرٌ، ولا بالإجماع على أنَّ مَن هَمَّ بالشَّهادتينِ فمنَع مانعٌ من خرَسٍ أو خوفٍ مؤمنٌ.

стр. 243

(٩) - ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ يعني: رسولَه، فالتجوُّزُ في الإسناد تفخيمًا لشأنه ﵇، وتنبيهًا على أنَّ المعاملةَ معه فيما يتعلَّق بالرِّسالة معامَلةٌ مع المرسِل في الحقيقة، وكونُهم من أهل الكتابِ العارفينَ بأنَّه تعالى لا ينخدعُ، فلا يُناسبهم قصدُ خداعهِ، وإنَّما يُناسبهم قصدُ خداعِ الرَّسولِ؛ لأنَّهم يُنكرون نبوَّته، كفى قرينةً (١) للمجاز. والمعنى: يعملون له عملَ المخادعِ. والخِداعُ: إظهارُ ما يخالفُ (٢) الإضمارَ، ويرادُ به التغريرُ، ومنه: الأخْدَعانِ؛ لاستتارِهما تارةً وظهورِهما أُخرى، وأنَّه مفاعلةٌ من واحد نحو: طارقتُ النَّعلَ، وعاقبتُ اللِّصَّ، وما في الصِّيغة من المبالغة للإفصاح عن بلوغهم الغايةَ في وجهَي النِّفاقِ؛ لأنَّه بيانٌ لـ (يقولُ) تابعٌ لصلة (مَن). أو لا محلَّ له من الإعراب في موضع الاستئنافِ بذِكْر ما هو الغرَضُ منه، كأنَّه سئلُ عن أصل دعواهُم، وعن كيفية مبالغتِهم فيه المُنْفهمةِ من ذِكر الإيمان بقُطريه وتكرير الباءِ، فأُجيبَ عنهما معًا: عن الأصْل بالأصلِ، وعن الوصْف بالوصف. وعلى تقديرِ اعتبارِ الخداع من الجانبينِ يزيدُ البيانُ على قَدْر الحاجةِ، وُيفصَل الكلامُ عن مُقتضى المقامِ. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ يجوزُ أنْ يكونَ ذِكرُ اللهِ تعالى توطئةً، والمرادُ مخادعةُ المؤمنين، مِن قولهم: أعجبَني زيدٌ وكرمُه، وفائدةُ هذه الطريقةِ بيانُ قوة اختصاصِهم، وكونِهم من اللهِ تعالى بمكانٍ، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧].

стр. 244

﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ نفْسُ الشَّيءِ: ذاتُه، وهي من النَّفاسة. يقال: خادَعَ إذا لم يبلغْ مرادَه، وخدَعَ: إذا بلَغ مرادَه، فلمَّا لم يَنفُذْ خداعُهم فيما قصدوا كان مخادعةً، ولمَّا وقعَ (١) ضررُ فعلِهم على أنفُسِهم كان في حقِّ أنفُسهم خَدْعًا (٢)؛ أي: لم يرجعْ وبالُ خداعِهم إلَّا إليهِم؛ لأنَّهم لمَّا سلَكوا مسْلَكَ الخِداع نزلوا بقدَمِ النِّفاقِ الدَّرْكَ الأسفلَ مِن النَّار (٣)، فكانتْ مفسدةُ خداعِهم راجعةً إلى أنفُسِهم. والواو عاطفةُ الجملةِ على الجملة، وفي ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ واوُ الحال، أو بالعكس. والشُّعور: هو الإدراكُ الحِسِّيِّ، ومشاعرُ الإنسان: حواسُّه الظاهرةُ والباطنة؛ أي: ما يُحِسُّون أنَّ ضررَ الخِداع لا يلحقُ إلَّا بهِم؛ لِتمادِي غفلتِهم، فإنَّه منْ شِدَّة ظهورِه كالمحسوس المشاهَدِ، فكأنَّه لا حِسَّ لهم أصلًا. وليس نفْيُ الشُّعورِ هنا كنَفيهِ في قوله تعالى: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨]؛ لأنَّه لبيانِ العُذر (٤) من جهتِهم، وهذا لتعظيم الأمرِ على المنافقينَ، وأنَّهم مع جهلهِم يجهلون جهلَهم؛ كما قال: جهلتَ ولم تعلمْ بأنَّكَ جاهلٌ … وذاكَ لَعَمري من تمَام الجهالةِ

стр. 245

(١٠) - ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ آثَر حرفَ الظَّرفِ على أداة الملابَسةِ؛ ليدلَّ على الاستقرار (١) والرُّسوخ. ﴿مَرَضٌ﴾؛ أي: تردُّدٌ واضطرابٌ، استُعيرَ المرضُ للعَرَض النَّفسانيِّ، وتنكيرُه للتنويع؛ أي: نوعُ مرضٍ ليس ما يتعارفُه النَّاسُ، شبَّههم بمرضَى لاضطرابهم في الدِّين؛ لأنَّهم كانوا يُظهرونَ الموافقةَ للمؤمنينَ بالقول، ويُضمِرونَ لهم الخلافَ بالقلب، فكان حالُهم كحالِ المريض إذ هو مشرِفٌ على الموت، ويُرجى الإقبالُ منه ثانيًا. وأمَّا سائرُ الكفَرةِ فإنَّهم لم يضطَرِبوا في الدِّين، بل أظهَروا بالقول ما أضمَروا بالقلب، فسمَّاهم اللهُ تعالى موتى، وسمَّى المؤمنينَ أحياءً؛ لأَنَّهم اطمَأنوا على الإيمان قولًا وعقيدةً. ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ بتكرير الوحي وازديادِ التَّكاليف، ولا تجوُّزَ في الإسناد كما تَوهَّم مَن لا يرى صدورَ القبيحِ عنه تعالى، ولا يدري أنَّ القبيحَ بالنسبةِ إلى الكاسبِ لا بالنِّسبة إلى الفاعل، وأصلُ الكلامِ: فزاد اللهُ مرضَهم. وإنَّما عدَل إلى ما في النَّظم لنكتة سَرِيةَّ، فلا دلالةَ في تنكير المرضِ الثاني على مغايرته للأوَّل حقيقةً، كيفَ وفي تصدير الكلامِ بالفاء دلالةٌ على تفريع الثاني على الأوَّل؟ ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: مؤلِمٌ؛ نحو: سميعٍ وخَصيبٍ، بمعنى: مُسْمِعٍ ومُخْصِبٍ، ذَكَره الرَّاغب (٢)، وُصفَ (٣) به العذابُ للمبالغةِ.

стр. 246

وإنَّما وُصف عذابُ المختومِ على قلوبهم بالعِظَم؛ لأنَّهم حُرموا عن جدوى المشاعرِ، وحُجِبوا عن عالَم النُّور، وحُبِسوا في سجون الظُّلماتِ، فما أعظَم عذابَهم وإن لم يُحسُّوا بإيلامهم كعُضوِ الميِّت والمفلوجِ! وعذابُ المنافقينَ بشدَّة الإيلامِ؛ لأنَّ مشاعرَهم غيرُ مؤوفة (١)؛ لعدَم انطفاءِ نورِ فطرتِهم، والألمُ بقدْر إدراكِ المؤلمِ، فلمنافاة نورِ استعدادِهم لِمَا رسخَ فيهم من الرذائل والملَكات الرَّديَّة والصِّفاتِ الظُّلمانيَّة يتألَّمون، وكان إدراكُهم لذلك أشدَّ إيلامًا، وعذابُهم أقوى وأنكى، وإنْ كان عذابُ الأوَّلينَ - لشدَّة حِجابِهم وغايةِ بُعدِهم من النُّور - أعظمَ؛ لعدَم منافاةِ ذواتِهم لصفاتهم، وضعفِ إدراكِهم لذلكَ، فلم يُحسُّوا بالألم بخلاف هؤلاء. ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ بسبب ثباتِهم واستمرارِهم على الكذب، وزيادةُ (كان) للثَّبات، وصيغةُ الفعل للاستمرار التَّجَدُّدِي. وفيه دلالةٌ على أنَّ العذابَ الأليمَ لاحقٌ بهم من أجْل كذبِهم الذي هو أدنى حالِهم في الكفر والنِّفاقِ، فكيفَ سائرُ الأحوال؟ ولا دلالةَ فيه على أنَّ الكذبَ - وهو الإخبار بالشَّيء على خلاف الواقعِ - يُستحَقُّ به العذابُ مطلقًا، كيفَ وقد صُرِّح في كتب الفقهِ أنَّ الكذبَ لإحياء الحقِّ مباحٌ؟ قال الإمامُ الغزاليُّ: إذا اختفى مسلمٌ من ظالم وسألَ عنه وجبَ الكذبُ بإخفائه (٢).

стр. 247

(١١) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ عطفٌ على (يقولُ) فلا محلَّ له من الإعراب، ولا بأسَ بالتخلُّل بين أجزاء الصِّلة بالبيان والاستئنافِ؛ لأنَّه ليس بأجنبيٍّ، فالآياتُ على سَنن تعديد قبائحِهم وتوصيفِهم بالأوصاف المذكورة قصدًا واستقلالًا. ويحتملُ أنْ تكونَ مستأنفةً؛ إذ هذه الجملةُ والجملتانِ بعدَها من تفاصيل الكذبِ ونتائجِ النِّفاقِ. ألَا ترى قولَهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١]، وقولَهم: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣]، وقولَهم عند لقاءِ المؤمنينَ: ﴿آمَنَّا﴾ [البقرة: ٨] كذبٌ محضٌ، فناسَب جعْلُ ذلك جُملًا مستقلَّةً ذُكرتْ لإظهار كذبِهم ونفاقِهم. والإفسادُ: جعْلُ الشَّيءِ فاسدًا خارجًا عمَّا ينبغي أنْ يكونَ عليه، وعن كونِه منتفَعًا به، وكان (١) من إفسادِهم في الأرض (٢) هَيْجُهم الحروبَ والفِتنَ؛ لمُخادعة المسلِمينَ، وممالأةِ الكفَّارِ عليهم، بإفشاءِ الأسرارِ إليهم. والظَّاهرُ أنَّ القائلَ مَن شافَهَهُم من الرَّسول والصَّحابة، والثاني أقرب. ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ لمَّا كان نهيُهم عن الإفساد مُشعِرًا بأنَّ فيه إفسادًا نَفَوا ذلك عن أنفسِهم بادِّعاءِ أنَّهم مقصورونَ على الاصلاحِ من غير شائبةِ إفسادٍ، وآثروا (إنَّما) دلالةً على أنَّ ذلكَ الدعوى ظاهرٌ بيِّنٌ لا ينبغي أنْ يُشكَّ فيه.

стр. 248

وفيه تنبيهٌ على أنَّهم يتصورونَ إفسادَهم بصورة الإصلاحِ لِمَا في قلوبِهم من المرض؛ كما قال اللهُ تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨]. وقوله: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾. فردَّ الله تعالى ذلكَ بقوله: * * * (١٢) - ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ قصْرُ قلبٍ؛ أي: هم مقصورون على الإفساد لا ينتظِمونَ في جملة المصلِحينَ أصلًا، مع المبالغةِ على أبلغ الوجوهِ وآكدِها؛ من الاستئنافِ المقصودِ به تمكُّنُ الحكمِ في ذهن السَّامعِ فضْلَ تمكُّنٍ؛ لحصوله بعد التشويقِ الحاصلِ من ذِكْر ادِّعائِهم الإصلاحَ على وجهٍ أبلغَ مع توغُّلهم في الإفساد، فإنَّه يُشوِّق السامعَ أنْ يعرفَ (١) ما حَكَم اللهُ عليهم، والشَّيءُ إذا وُجِد بعد الطَّلبِ يكونُ أعزَّ ممَّا فوجِئَ (٢) به من غيرِ النَّصَب. وتصديرِ (٣) الجملةِ بـ (ألَا) و (إنَّ) للتنبيهِ والتَّحقيقِ، وذلكَ أنَّ (ألَا) مركَّبةٌ مِن همزةِ الاستفهامِ وحرفِ النَّفي لإعطاء معْنَى التنْبيهِ على تحقّقِ ما بعدها، والاستفهامُ إذا دخلَ النَّفيَ أفاد التَّقريرَ والتَّحقيقَ؛ كقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِر﴾ [القيامة:٤٠]، وتكونُ همزة الاستفهام بهذه المثابةِ من التَّحقيق تُتَلقَّى بما يُتلقَّى به القسَمُ، وأختُها (٤)

стр. 249

التي هي (أمَا) من مقدِّمات القسَمِ وطلائعهِ، وتوسيطِ (هم)، وتعريفِ الخَبرِ، والاستدراكِ (١) بقوله: ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُون﴾ وهذا أَولى من نفي العِلم مُطْلقًا، المستلزمِ لنفْيِ العِلم الخاصِّ؛ لأنَّ مَن لا يشعرُ بالضَّروريات لا سيَّما المحسوساتُ منها أَولى أنْ لا يعلمَ غيرَها، وهذا من هذا الوجه؛ لأنَّه نفيٌ مع دليلٍ، ولأنَّه يُنادي عليهم بانحطاطِ رُتبتهم عن رُتبة البهائمِ، ويُؤذِن بأنَّ معلومَه من أجلِّ المعلوماتِ، ولا كذلك: لا يعلمون، وهذا الأخير هو الأصل والباقي مؤيِّد. (١٣) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا﴾ نُهوا عن الإفساد ثُمَّ أُمروا بالسُّلوك إلى (٢) سبيل الرَّشادِ، وبدأ بالمنهيِّ عنه لأنَّه الأهمُّ وهو ترْكٌ، والتركُ أسهلُ عن إتيان المأمورِ به، فكان في ذلكَ تدريجٌ لهم. ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ (كما آمن) في محلِّ النَّصبِ على المصدرَّيةِ، وهو في الحقيقة

стр. 250

صفةُ مصدرٍ محذوفٍ؛ أي: إيمانًا مثلَ إيمانِ النَّاسِ، واللَّامُ في (النَّاس) للجنْس، إمَّا لأنَّهم الكاملون في الإنسانيَّةِ من بابِ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، وإمَّا لأنَّ غيرَهم ليس بناسٍ حقيقةً؛ لقُصُورهم وانحطاطِهم عن رُتبةِ الإنسانيَّةِ، بل رتبةِ البهيميَّةِ، وفي الأول نظرٌ إلى كمال المؤمنينَ، وفي الثاني إلى قُصور غيرِهم على نحو: إِذِ النَّاسُ ناسٌ والزَّمانُ زمانُ (١) وهذا أبلغُ في هذا المقامِ، ولا دلالةَ فيه على قَبول توبةِ الزِّنديقِ؛ لأنَّ النِّفاق غيرُ الزَّنْدقةِ، كيفَ ويُقتلُ الزِّنديقُ دونَ المنافقِ؟ ولم يقلْ أحدٌ: إنَّ في عدمِ قتْله ﵇ المنافقَ (٢) دلالةٌ على عدم قتْلِ الزِّنديق. ثُمَّ إنَّ دلالةَ التقييدِ على أنَّ في أفراد الإيمانِ تفاوتًا بالكمال والنُّقصانِ، لا على أنَّ الإقرارَ باللِّسان وحدَه إيمانٌ. ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ﴾ الاستفهامُ للإنكارِ. ﴿كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ لمَّا كان المأمورُ به مشبَّهًا آتَوا بإنكارهم مشبَّهًا (٣)، واللَّامُ للعهد والإشارةِ إلى الناس، والسَّفهُ: خِفَّةٌ في البَدَنِ أو في المقال يقْتَضِيْها نقصانُ العقلِ، والحِلْم: رَزانةٌ في البَدنِ يقتَضيْها وفورُ العقلِ. نَصحُوهم بأمرين (٤): تقبيحِ ما هُم (٥) فيه لأدائهِ إلى الفساد والفِتنةِ، وتبصيرِهِم
следующие страницы →