← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

الباقية؛ ليتقرَّرَ سوءُ حالهم وسماجةُ فعلهم في أنفسهم، ثم يتفطَّنوا ويتيقَّظوا (١) لقبحِ ما هم فيه بتشبُّههم واقتفاءِ آثارهم. والاستمتاع: طلب المتعة، وهي فعلُ ما فيه اللذةُ من المآكل والمشارب والمناكح. ﴿وَخُضْتُمْ﴾؛ أي: دخلتُم في الباطل ﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾، أي: كالذين خاضوا. (الذي): اسمٌ ناقصٌ يُعبَّرُ به عن الواحد والجمع. ﴿أُولَئِكَ﴾ الذين رضوا من آخرتهم بدنياهم ﴿حَبِطَتْ﴾: بَطَلت ﴿أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أمَّا في الآخرة فلأنَّه لا ثواب لهم ولا نجاة من العذاب، وأمَّا في الدُّنيا فلأنهم قصدوا بذلك توهينَ الإسلام وقهرَ أهله وعلوَّ أنفسهم، فأبطل الله تعالى كيدَهم وخيَّبَ أملَهم. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ذهبَ أموالهم فيما ضرَّهم ولم ينفعْهم، ولو ذهب فيما لا يضرُّهم ولا ينفعهم كان خسرانًا، فكيف وقد ذهب فيما يضرُّهم ولا ينفعهم؟! أشارَ إلى الأوَّلينَ المستمتِعينَ؛ ليَعلَمَ المشبَّهون بهم أنَّ استمتاعَهم وتَلهِّيهِم سببٌ لحَبْط أعمالهم في الدُّنيا والآخرة وخسرانهم المطلَقِ، فيَرتدِعوا. (٧٠) - ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.

стр. 1857

﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الاستفهام للتَّقرير والتَّحذير. والنَّبأُ: الخبرُ الذي له شأن. ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ أُغرِقوا بالطُّوفان ﴿وَعَادٍ﴾ أُهلِكوا بالرِّيح ﴿وَثَمُودَ﴾ أُهلِكوا بالرَّجفة. ﴿وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ﴾ هلك نمرود ببعوضٍ وكذا أصحابُه. ﴿وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ﴾ أُهلكوا بالرَّجفة على ما صرَّح في سورة الأعراف، والذين أُهلكوا بالنَّار يومَ الظُّلة هم أصحاب الأيكة من قوم شعيبٍ ﵇، ولم يقل: وقومِ شعيب؛ لأن كثيرًا منهم آمَنوا له ﵇، ولمثلِ هذا عدل فيما سبق من (قوم هود وقوم صالح ﵉ إلى: (عادٍ وثمود). ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ الائتفاك: الانقلاب، والمرادُ: كلُّ مَنْ أُهْلِكَ مِنَ المكذِّبين المتمرِّدين، كما يُقالُ: انقلبَتْ عليه الدُّنيا، ويدخل فيهم دخولًا أوَّليًّا قوم لوط، ولو أريد بها قومه ﵇ خاصَّة لكان حقَّها أن يُذكَر قبل أصحاب مدين. ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ الضَّمير لكلِّ ما تقدَّم ذكره من الأمم. ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾؛ أي: لم يكن من عادته العقوبة بلا جُرم، ولمَّا تبيَّن هذا مما تقدَّم صَدَّره بأداة التَّفريع (١)، وهو كما يكون باعتبارِ الوجود يكون باعتبار (٢) الظهور. ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بإيقاعها فيما يوجب العقوبة، وتقديم المفعول يفيد التَّخصيص.

стр. 1858

(٧١) - ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ذكر في مقابلة المنافقين والمنافقات، والمراد: المخلِصون والمخلِصات، وفي العبارة المذكورة إشارةٌ إلى أنَّ حقَّ الإيمان الإخلاص، وأنَّ المنافقين ليسوا (١) من جنس المؤمنين. والمعنى: أنَّ ذكورَهم وإناثهم يتوالون على الدِّين ويتناصرون ويتعاونون، حتى إنَّ الرَّجلَ يخرجُ إلى الجهاد وامرأتَه تهيِّئ أسبابه، ويخرج النِّساء مع الرِّجال أيضًا، فيداوْينَ الجرحى، ويعالجْنَ المرضى، ويُصلحْنَ الطَّعام، ويحملْنَ الماء، وغير ذلك من المهمَّات. واختيار كلمة التَّبعيض ثمَّة لشدَّةِ الارتباط فيما بينهم، وقوَّةِ اتِّفاقهم على الكفر والنِّفاق (٢)، وإيثارُ عبارة الولاية هنا للإشارة إلى أن حقَّ الأخوَّة الإيمانيَّة الموالاةُ في المصالح الدِّينية وإنْ كان بينهم (٣) معاداةٌ في المصالح الدُّنيويَّة. ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ التَّعريف في الموضعين للجنس. ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ فهم يذكرون الله تعالى. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ فلا يقبضون أيديَهم، والتعريفان (٤) هنا للعهد، ولو

стр. 1859

حُمِلَ على الجنس نظرًا إلى أن المدح بالنَّوافل أبلغ، أو مَن يقيم النَّافلة أحرى بإقامة الفرض، لكانَ له وجهٌ. ﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في الأوامر والنَّواهي. ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ السِّين مؤكِّدةٌ للوعد، مُفيدةٌ لوقوع الرَّحمة لا محالة. هذا ما بحسب جليل النَّظر، والذي هو بحسب دقيقه أنها مدخلةٌ في الوعد مهلةً لتكون النُّفوس تتنَّعم برجائه، وفضلُه تعالى زعيمٌ بالإنجاز (١). ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾؛ أي: قويٌّ غالبٌ قادرٌ على قهر أعدائه وإعزاز أوليائه بجميع الوجوه. ﴿حَكِيمٌ﴾: يضع الأشياء مواضعها، فيخصُّ النِّقمة بالمنافقين والكفَّار، والرَّحمة بأعدائهم على حَسَب استحقا قاتهم، فليتعذَّبوا بكِلَا الأمرين، فهو من تتمَّة وعيد المنافقين على وجهٍ يتضمَّن وعد المؤمنين. * * * (٧٢) - ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ففيه انتقالٌ من التَّضمين والإشارة إلى التَّصريح؛ اهتمامًا لأمر البِشارة. ﴿جَنَّاتٍ﴾؛ أي: السُّكونَ والقرارَ فيها. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ لمَّا كان الموعود قرارهم فيها صحَّ أن يكون قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حالًا عنه بلا تأويلٍ.

стр. 1860

﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ تستطيبُها النَّفس، أو يطيبُ فيها العيش، وفي الحديث أنها قصور من اللُّؤلؤ والزَّبرجد والياقوت الأحمر (١). ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ مقامٌ معيَّن؛ لِمَا روى أبو الدرداء ﵁ عن رسول الله ﷺ : "عدنٌ دارُ الله التي لم ترها عينٌ ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها غير ثلاثة: النَّبيُّون والصِّدِّيقون والشُّهداء" (٢). وهذا لا ينافي تعميم الوعد لسائر المؤمنين، فإنَّ الموعود لهم ما (٣) حوله من الجنَّات. قال ابنُ مسعود ﵁: عَدْنٌ هي بُطْنانُ الجنَّةِ وسُرَّتُها (٤). ولا يجوز أنْ يُراد به معناه اللُّغوي، وهو الإقامة والخلود؛ لِمَا فيه من التكرار في اعتبار معنًى واحد.

стр. 1861

وَعَدهم أوَّلًا بالرَّحمة المطلقة إجمالًا، ثمَّ فصَّلها وفسَّرها بما هو أبهى الأماكنِ التي يعرفونها من جنَّاتٍ تجري من تحتها الأنهار، ونكَّرها للتَّعظيم لتميلَ إليها طباعهم أوَّلَ ما تقرعُ أسماعَهم، ثمَّ زادَ عليها دفعَ وهم ما يُنَغَّصُ (١) به العيش، وهو زوال تلك النِّعمة، ثمَّ وصفَه بأنَّه محفوفٌ بطِيب العيش، معرًّى عن شوائب الكُدُورات التي لا يخلو شيء منها أماكن الدنيا. وأمَّا زيادة قوله: ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ فلدفع وهم أن تكونَ تلك المساكن خارجةً عن الجنَّات، ويكونَ سكون المؤمنين فيها قبل الدخول في الجنة (٢). ثمَّ وعدهم بما هو أكبر ممَّا تقدَّم ذِكْرُه فقالَ: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أفرده بالذِّكْرِ ونوَّنه تعظيمًا في شأنه؛ أي: وشيءٌ من رضوان الله تعالى أكبر من ذلك كلِّه؛ لأن رضاه تعالى سببُ كلِّ فوزٍ وسعادةٍ، ومُوجِب كلِّ قُرْبٍ وكرامة. روي أن الله تعالى يقول لأهل (٣) الجنَّة: هل رضيتم؟ فيقولون: ما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعطِ أحدًا من خلقِكَ؟ فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: وأيُّ شيءٍ أفضل من ذلك؟ قال: أُحِلُّ عليكم رضواني، فلا أسخطُ عليكم أبدًا (٤). ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى جميع ما وعدهم، وقيل: إلى الرِّضوان خاصَّة لتعظيمه، وفيه

стр. 1862

إخراج ما عدا الرِّضوانَ المذكورَ عن حدِّ الفوز العظيم، ويأباه ما يأتي من قوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ فإنه صريحٌ في دخوله في حدِّ الفوزِ المذكور (١). ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ لا ما يَعُدُّه النَّاس في الدُّنيا فوزًا؛ لأنَّه يَفنى ويتغيَّر دونه، وينقص ويتكدَّر بخلافه. * * * (٧٣) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾ المجاهرين بالقتل والسَّبي ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ بإلزام الحجَّة وإقامة الحدود، وتقديم الكفَّار لأنَّ جهادَهم أهمُّ وأتمُّ؛ لكونه باللِّسان أوَّلًا، وبالسِّنَان ثانيًا، وجهاد المنافقين بالثاني فقط. ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ في الجهادين. قال عطاء: نَسَخَتْ هذه الآيةُ كلَّ شيءٍ من العفو والصَّفح (٢). ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ عطفه بالواو؛ دلالةً على أنَّ المذكورَ بعضُ ما أُعِدَّ لهم، فأضمرَ بعضَه ثمَّ عطف عليه ما ذكرَ، ولا يخفى ما فيه من التَّهويل. ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ هو.

стр. 1863

(٧٤) - ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ روي أنَّه أقام رسول الله ﷺ في غزوة تبوك (١) شهرين ينزل عليه القرآن وَيعيب المتخلِّفين، فقال الجُلَاس بن سُوَيْدٍ: لئن كان ما يقول محمَّدٌ لإخواننا حقًّا لنحن شرٌّ من الحمير، فبلغ رسولَ الله ﷺ فاستحضره، فحلف بالله ما قاله، فنزلت (٢)، فتاب الجُلَاس وحسُنَتْ توبتُه (٣). ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ هي كلُّ لفظةٍ ترجع إلى الطَّعن في الدِّين أو في الرَّسول ﷺ . ﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾؛ أي: أظهروا الكفر بعدما أظهروا الإسلام. ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ وهو الفَتْكُ برسولِ الله ﷺ ، وذلك عند مرجعه من تبوك. ﴿وَمَا نَقَمُوا﴾: وما أنكروا، أو: ما وجدوا ما يورِثُ نقمَتهم ﴿إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ﴾ استثناء مفرَّغ من أعم المفاعيل والعلل، وعلى الأخير يكون الكلام على طريقة قولِ النَّابغة: ولا عيْبَ فيهِمْ غيْرَ أنَّ سيوفَهم … بهنَّ فُلُولٌ مِنْ قِراعِ الكتائِبِ (٤)

стр. 1864

أو: ما نقموا إلَّا وحقُّه أن يُشْكَر، وذلك أنهم كانوا حين قدم رسول الله ﷺ المدينة في ضنكٍ من العيش، لا يركبون الخيل، ولا يحوزون الغنيمة، فأَثْرَوا بالغنائم. ﴿وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الضمير لله تعالى، وتوسيط ذِكْرِ الرَّسول ﷺ لأنَّه الواسطة في وصول الفضلِ المذكور منه تعالى إليهم. ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ والضمير في ﴿يَكُ﴾ للتَّوب، وهذا إحسان منه تعالى ورفقٌ بهم؛ حيث فتح لهم باب التَّوبة بعد ارتكاب تلك الجرائم العظيمة، وهذا هو الذي حمل الجُلَاس على التَّوبة. ﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا﴾ بالإصرار على النِّفاق ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا﴾ بالقتل وفي ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ بالنَّار ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ ينجيهم من العذاب باللُّطف أو بالعنف. وإنَّما أفرد الأرض بالذِّكْرِ تخصيصًا لِمَا هو المحتمل بالنَّفي، وهذا أبلغ من ذكر السَّماء معها، والتَّصريح بنفي الولي والنَّصير فيه أيضًا (١). * * * (٧٥) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. ﴿وَمِنْهُمْ﴾؛ أي: ومن المنافقين ﴿مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ قال الضحاك: هم نَبْتَلُ بن الحارث، وجَدُّ بن قيس، ومُعَتِّب بن قشير، وثَعْلَبة بن حاطب، وفيهم نزلَتِ الآية (٢).

стр. 1865

روي أنه قال: يا رسول الله ادعُ اللهَ أن يرزقني مالًا، فقال ﵇: "يا ثعلبةُ، قليل تؤدِّي شكرَه خيرٌ من كثيرٍ لا تطيقُه" فراجعَه، وقال: والذي بعثك بالحقِّ لئن رزقني مالًا لأعطينَّ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه. فدعا له، فاتَّخذ غنمًا، فنمَتْ كما ينمو الدُّود، حتى ضاقَتْ بها المدينة، فنزل واديًا وانقطع عن الجماعة والجُمُعة. فسأل عنه رسولُ الله ﷺ ، فقيل: كثر مالُه حتى لا يسعه وادٍ، فقال: "يا ويحَ ثعلبة"، فبعث رسول الله ﷺ مصدِّقَين لأخذ الصَّدقات، فاستقبلهما النَّاس بصدقاتهم، ومرَّا بثعلبة فسألاه الصَّدقة، وأقرأاه كتابَ رسولِ الله ﷺ الذي فيه الفرائض، فقال: ما هذه إلَّا جزية، ما هذه إلَّا أخت الجزية، وقال: ارجعا منِّي حتى أراني، فلما رجعا قال لهما رسول الله ﷺ قبل أن يكلماه: "يا ويحَ ثعلبةَ" مرتين فنزلَتْ، فجاء ثعلبة بالصَّدقة، فقال ﵇: "إنَّ الله منعني أنْ أقبلَ منك"، فجعل يحثو التُّراب على رأسه، فقال ﵇: "هذا عملُك، قد أمرتُك فلم تُطِعني"، فقُبض رسول الله ﷺ فجاء بها إلى أبي بكر ﵁ فلم يَقبلها، ثم جاء بها إلى عمر ﵁ فلم يَقبلها، ثم جاء بها إلى عثمان ﵁ فلم يَقبلها، وهلَك في زمن خلافته (١). ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال ابن عباس ﵄: يريد الحجَّ (٢)؛ ليلائم

стр. 1866

المعطوفَ عليه، أعني: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ إشارة إلى الزَّكاة، فيَحْسُن ترتيبُها على إيتاء المال المشار إليه بـ (١) ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾، ومن هنا قالوا: الصَّلاح في المال بعد النَّفقة (٢) في الحجِّ والغزو. * * * (٧٦) - ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾: منعوا حقَّ الله تعالى منه ﴿وَتَوَلَّوْا﴾ عن طاعة الله تعالى ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾: وهم قوم عادتُهم الإعراض عنها. * * * (٧٧) - ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. ﴿فَأَعْقَبَهُمْ﴾؛ أي: فعلُهم ذلك من البخل والتَّولي ﴿نِفَاقًا﴾ متمكِّنًا ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ لأنَّه كان سببًا فيه، والظاهر أنَّ الضَّمير لله تعالى، أي: فجعل عاقبة فعلهم ذلك نفاقًا ثابتًا في قلوبهم. ﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ دلَّ على موتهم على النِّفاق، ولذلك لم يقبل الخلفاء زكاة ثعلبة. والضَّميرُ للهِ تعالى، ويومُ لقائه: وقتُ (٣) الجزاء، وابتداؤه من وقت الموت.

стр. 1867

أو لفعلِهم، والأعمال تتجسَّم حينئذ، وتحصل الملاقاة حقيقةً، على ما ورد في الأحاديث الصحيحة وإنَّما لم يقل: إلى أن يموتوا؛ تنبيهًا على أن يوم الجزاء ابتداؤه من وقت الموت، ولهذا قال النبي ﷺ : "مَنْ ماتَ فقد قامَتْ قيامَتُه" (١). ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ بسبب إخلافهم ما وعدوا الله تعالى من التَّصدُّق والصَّلاح. ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾: وبكونهم كاذبين فيه، فإنَّ خُلْفَ الوعد أختُ الكذبِ، يجوز استعارة اسمه له. فيه وعيدٌ بالعذاب، وتهديدٌ بالعقاب. ثم عقبه تأكيدًا للوعيد بقوله: (٧٨) - ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾. ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾؛ أي: المنافقون، وقرئ بالتَّاء الفوقانيَّة على الالتفات (٢). ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ ما أسرُّوه من النِّفاق والعزمِ على إخلاف الوعد، وما يتناجون به فيما بينهم من المطاعن في الدِّين، وتسميةِ الصَّدقة جزيةً، وتدبيرِ منعها. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ فلا يخفى عليه شيء من ذلك.

стр. 1868

(٧٩) - ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ محلُّه النَّصب، أو الرَّفع على المدح، أو الجرُّ على البدل من الضَّمير في ﴿سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾. واللَّمزُ قد مرَّ تفسيره. ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾: المتطوعين ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ روي أنَّ رسول الله ﷺ حثَّ على الصَّدقة، فجاء عبد الرَّحمن بن عوف ﵁ بأربعة آلاف درهم، وأمسك مثلَها، فبارك له الرَّسول ﷺ فيما أعطاه وفيما أمسك، وتصدق عاصم بن عدي بمئة وسق تمر، وجاء أبو عقيل الأنصاريُّ بصاعِ تمرٍ، فأمره رسول الله ﷺ أن ينثره على الصَّدقات، فلمزهم المنافقون وقالوا: ما أعطى عبد الرَّحمن وعاصم إلَّا رياء، وما تصدَّق أبو عقيل إلا ليُذْكَر مع الأكابر، أو ليذكِّرَه بنفسه لِيُعْطَى من الصَّدقات، والله غنيٌّ عن صاعه، فنزلَتْ (١). ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ وقرئ بالضَّم (٢)، وهو مصدر جَهِدَ في

стр. 1869

الأمر: إذا بالغ فيه وحمل على نفسه (١) المشقَّة فيه، وقيل: هو بالضَّمِّ: الطَّاقة، وبالفتح: المشقَّة. ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾؛ أي: يهزؤون بهم. ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ قد مرَّ بيانه في تفسير: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] من سورة البقرة. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ تنكير العذاب للتَّعظيم، ومعلوم أن العذاب لا يخلو عن ألم، فالتَّوصيف إنما يفيد إذا قصد به المبالغة، وتقديم الجار والمجرور لمحافظة الفاصلة. * * * (٨٠) - ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أراد الخبر عن تسوية الاستغفار وتركه في امتناع الغفران، كما نصَّ عليه في قوله تعالى: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. وفائدة الأمر به وبتركه أن يُمتحن فيعلم يقينًا أنه لا يتفاوتُ في الحالَيْن عدمُ الغفران. ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ روي أنه سأل عبدُ الله أبنَ عبدِ الله، ابن أُبيٍّ رسولَ الله ﷺ - وكان رجلًا مخلصًا - أن يستغفر لأبيه في مرضه، ففعل، فنزلت، فقال ﵇: لأزيدن على السَّبعين، فنزلت: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] (٢).

стр. 1870

وذلك لأنَّه ﵇ فهم من السَّبعين العددَ المخصوص؛ لأنَّه الأصل، فجوَّز أن يكون (١) حدًّا يخالفه حكم ما وراءه، فبيِّن له أن المراد به التكثير (٢) دون التَّحديد، وقد شاع استعمال السبعة والسبعين والسبع مئة ونحوها في التَّكثير؛ لاشتمال السبعة على جملةِ ما هو الأصول من كسور العدد، فكأنها العدد بأسره. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى امتناع الغفران، وعدمِ تأثير الاستغفار في حقِّهم. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ يعني: أنَّ ذلك لعدم قَبولهم له بسبب كفرهم وتمرُّدهم في الفسق والعصيان، ولا لمنعي (٣) ولا لتقصيرك. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي﴾ قد مرَّ أنَّه من قَبيل تنزيل الموجود منزلةَ المعدوم لعدم أثره ﴿الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ المتمرِّدين في كفرهم. وهذا كالدَّليل على الحكم السَّابق؛ فإنَّ مغفرة الكافر بالإقلاع عن الكفر

стр. 1871

والإرشاد إلى الحقِّ، والمنهمِكُ في كفره المطبوعُ عليه لا ينقلع ولا يهتدي، والتَّنبيه على عذر النَّبي ﵇ في استغفاره وهو عدم يأسه ﵇ عن إيمانهم ما لم يعلم أنهم مطبوعون على الضَّلالة، والممنوعُ هو الاستغفار بعد العلم؛ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]. * * * (٨١) - ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾. ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ﴾: الذين لم يخرجوا مع رسول الله ﷺ إلى غزوة تبوك. المخلَّفُ: المتروكُ خلفَ مَن مضى. والفرحُ: انشراحُ الصَّدر بلذَّةٍ عاجلةٍ. ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾؛ أي: بقعودهم عن الغزو في المدينة عند خروجه ﵇. ﴿خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ نصبٌ على الظَّرف؛ أي: خلفَه، يُقال: أقام خلاف الحيِّ؛ أي: بعد ارتحالهم، ويعضده قراءة أبي حيوة: (خلف رسول الله) (١) ﷺ على المصدر، أي: خالفوا رسول الله خلافًا، نحو قوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]؛ أي: اضربوا الرِّقاب ضربًا. وقيل: هو بمعنى المخالفة؛ لأنهم خالفوه ﵇، وحينئذ يكون حالًا أو مفعولًا له؛ أي: مخالِفِين له، أو: للمخالفة. ﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ﴾ إيثارًا للموجود الفاني على الموجود الباقي

стр. 1872

﴿وَأَنْفُسِهِمْ﴾ ترجيحًا للدَّعة على طاعة الله تعالى ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: في طريق الغُزاة (١). والإضافة إلى الله تعالى للتَّشريف والتَّنبيهِ على أن الغزو (٢) المحمود ما كان خالصًا لله تعالى. وفي ذكر حالهم هذه في معرض القدح تعريضٌ لحال الباذلين أموالَهم وأنفسَهم في سبيل الله تعالى، المتحمِّلين للمشاقِّ لوجه الله تعالى بالمدح. ﴿وَقَالُوا﴾ حُذف المقول له للتَّعميم؛ أي: قالوا لكلِّ مَنْ لاقَوه وقدروا على إغوائه وإضلاله: ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ في وقته؛ أي: لا تخرجوا للغزو؛ فإنه وقع في شدَّة (٣) الحرِّ، لا يؤمَن معها قلَّةُ المياه، وهلاكُ الظَّهر، والضَّعفُ عن المشي. فعاب الله هذا من قولهم، وهدَّدهم عليه بالنَّار بقوله: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ أُقيمت عليهم الحجَّة بأن قيل لهم: فإذا كنتم تجزعون من حرِّ القيظ فنار جهنَّم أشدُّ حرًّا، فأحرى أن تجزعوا منها. وذِكْرُه في سياق الوعيد لهم يتضمَّن الدلالة على أن حالتهم هذه موجبة للتَّعذيب بنار جهنَّم. ﴿لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ الفقهُ: الفهم بالفطنة؛ أي: لو كان لهم فهمٌ وفطنةٌ لَمَا رغبوا

стр. 1873

عن طاعة الله تعالى لِمَا فيها من التَّعب، وهو سببُ الرغبة فيها (١)؛ لأن الأجرة للعمل بقَدْر المشقَّة فيه، قال ﵇: "أفضل الأعمال أحمزُها (٢) " (٣). وأما ما قيل: استجهالٌ لهم؛ لأن مَن تصوَّن عن مشقَّة ساعةً فوقع بسبب ذلك التصوُّنِ في مشقَّةِ الأبد كان أجهلَ مِنْ كلِّ جاهل = فلا يناسبه إيثار ﴿يَفْقَهُونَ﴾ على: يعلمون. * * * (٨٢) - ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ الفاء للتَّسبب. والضَّحكُ: حالُ تفتُّحٍ (٤) وانبساطٍ يظهر في وجه الإنسان عن تعجُّب مع فرحٍ. والبكاءُ: حالٌ يَظهر في الوجه عن غمٍّ مع جَرْي الدُّموع على الخدِّ.

стр. 1874

والأمر في الموضعين للتَّكوين، ومجيئه على صيغة المضارع لأن كون تلك الحال في الاستقبال. وقيل (١): إخبار عمَّا يَؤُول إليه حالهم في الدُّنيا والآخرة، أخرجه على صيغة الأمر للدَّلالة على أنه حتمٌ واجبٌ. ومبناه على أن يكون الإخراج المذكور أقوى من إبقاء الإخبار على صيغته، ولا يخفى ضعفُه، كيف وما عليه الجمهور - وهو المشهور - أن إخراج الأمر على صيغة الإخبار أقوى من إبقائه على حاله؟! ويجوز أن يكون المراد من الضحك والبكاء: فرطَ (٢) السُّرور والغمِّ، ومن القلَّة: العَدَم، ومن الكثرة: الأبد. ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من أنواع المعاصي، ويندرج فيه معصيتهم السَّالفُ ذكرُها اندراجًا أوَّليًّا، ففيه تقريرٌ وتعيين لِمَا دلَّ عليه الفاء السَّببيَّة. والكسب: اجتلاب لفظ بما هُيِّئ له من الأسباب، فلا ينتظِم تركَ الواجب، والمفهوم إنَّما يُعتبر إذا لم يعارضه منطوقُ نصٍّ آخر. والجمع بين (كان) وصيغةِ المضارع للدلالة على الاستمرار التجدُّدي، واعتباره (٣) يناسب الإخبار عن الجزاء الدائم.

стр. 1875

(٨٣) - ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾. ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ﴾ الفاء للتفريع على ما تقدَّم، ورجع متعدٍّ من الرَّجع بمعنى الرَّد، والطَّائفة: الجماعة التي من شأنها أن تطوف، ولهذا لا يقال في جماعة الحجارة: طائفة. والمراد: الجماعة المتخلِّفون، وإنَّما قال: ﴿مِنْهُمْ﴾ لأنَّ كلَّهم لم يكونوا منافقين، أو لأنَّ فيهم من تاب ومات، كان يقول الرسول ﷺ إلى الطيبة بطيب (١) الخاطر وحسن الاختيار، وأما وصوله إلى زمرة المنافقين فقد كان بكراهة واضطرار، فأُوثر صيغةُ المتعدِّي على اللازم للإشعار بهذه الدَّقيقة الأنيقة. ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ﴾ الاستئذان: طلب الإذن، وهو رفع التَّبعة في الفعل أو التَّرك، وأصله أن يكون بقولٍ يُسمَع بالأذن. والفاء فصيحة عاطفةٌ على مقدَّر، تقديره: فمن أراد الخروج إلى غزوة أخرى. ﴿لِلْخُرُوجِ﴾؛ أي: معك. والخروج في الأصل: الانتقال عن محيط. ﴿فَقُلْ﴾ جواب شرط: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ﴾ نهيٌّ عن خروجهم معه ﵇ إلى الغزاة، أخرجه على صيغة الإخبار للدلالة على وقوع الامتثال عنهم بالاضطرار، وعدمِ قدرتهم على المخالفة. ﴿أَبَدًا﴾ الأبدُ: الزَّمان المستقبل من غير انتهاء إلى حدٍّ، ونظيره في الماضي: (قطّ).

стр. 1876

﴿وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ الأوَّل لإسقاطهم عن ديوان الغزاة خاصَّة، وهذا لإسقاطهم عن ديوان المجاهدين مطلقًا. ﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ﴾ تعليلٌ للنَّهي المذكور، وكان إسقاطهم عن الدِّيوانَيْن المذكورَيْن آنفًا عقوبةً لهم عن التَّخلف بالاختيار بلا كره واضطرار (١)، لا على التَّخلُّف مطلقًا، وللإشارة إلى هذا أتى بعبارة الرِّضا. ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ هي الخَرْجة إلى غزوة تبوك. ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ من النِّساء والصِّبيان، وسائرِ مَن لا يليق بالجهاد من أصحاب الأعذار. * * * (٨٤) - ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾. ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ﴾ هذه فضيحة لهم بعد الوفاة، وما ذُكر قبلها خزيٌ لهم في حال الحياة. قال قتادة: دخل رسول الله ﷺ على عبد الله بن أبيٍّ ابنِ سلولَ في مرض موته، وكان دعاه، فسأله أن يصلِّي عليه، ويقوم على قبره، ويكفِّنه في قميصه، ففعل ذلك، فنزلَتِ الآية (٢). وعن عمر ﵁ أنَّه قال: لَمَّا توفِّي عبدُ الله بنُ أبيٍّ ابنُ سلولَ ووضعناه لنصلِّي عليه قام رسول الله ﷺ ، فقلْتُ: أتصلِّي على عدوِّ الله، القائل يوم كذا: كذا،

стр. 1877

والقائل يوم كذا: كذا (١)، وعددتُ أيامه الخبيثة، فتبسَّم رسول الله ﷺ وصلى عليه، ثم مشى معه، وقام على حفرته حتى دفن وانصرف، فوالله ما لبث إلا يسيرًا حتى نزل: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ الآية، فما صلى رسول الله ﷺ بعدها على منافق ولا قام على قبره (٢). وإنما (٣) قال: ﴿مَاتَ﴾ والمراد الاستقبال؛ لأنَّه كائن لا محالة. وقوله: ﴿أَبَدًا﴾ منصوب بـ ﴿تُصَلِّ﴾، وبه صارت الآية محكَمة، لا بـ ﴿مَاتَ﴾ كما توهَّمه مَن قال: فإنَّ إحياء الكافر للتعذيب له دون التمتُّع، فكأنه لم يَحْيَ (٤). ولم يَدْرِ أنه على التقدير المذكور أيضًا لا حاجة إلى التوجيه المزبور، بل لا وجه له؛ لأن الحياة في البرزخ لا تنافي استمرار الموت الواقع في الدُّنيا. ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ القبرُ: حفرةٌ يُدفَنُ فيها الميت، والمراد من القيام عليه معناه الحقيقيُّ، وهو نوع إكرام، وقيل: أراد به المباشرة بأسباب دفنه ومواراته، وعلى هذا يراد بالقبر معناه المصدريُّ، ويندرج فيه التَكفين، فلا يتمشَّى ما قيل: إنما لم ينهَ عن التَّكفين في قميصه، ونهى عن الصلاة عليه؛ لأن الضِّنة بالقميص كانت مُخلَّة (٥) بالكرم، ولأنه كان (٦) مكافأةً لإلباسه العبَّاس ﵁ قميصَه حين أُسِرَ ببدر (٧).

стр. 1878

على أن ما ذكره لا يصلُح تعليلًا لعدم النَّهي عنه، لِمَا عرفتَ أنَّ نزول الآية المذكورة بعد الصَّلاة والتَّكفين، فيكون النَّهي على تقدير وروده عن العود إلى مثله. وفي المرويات (١) قيل له ﵇: أَتُلْبِسُ عدوَّ اللهِ قميصَك؟ قالَ: "إنِّي لأرجو أنْ يُسلمَ بقميصي ألفٌ من بني الخزرج" (٢)، وكان كذلك (٣). ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ تعليلُ النَّهي على سبيل الاستئناف. ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾، أي: كفروا وأصرُّوا عليه حتى ماتوا على الفسق؛ أي: الخروج عن الطَّاعة. قال الإمام أبو منصور: سمَّى الله تعالى الكفَّار والمنافقين فاسقين في آيات وإن كان اسم الكافر والمنافق أبلغ في الذَّمِّ من اسم الفاسق؛ لأنَّ اسم الفاسق يأنف منه كل ذي دِينٍ، فإنَّه خروج عما تديَّن به، فأخبر الله تعالى أنهم مع تديُّنهم بالباطل فاسقون في معاملاتهم، خارجون عن دياناتهم، مستوجبون للمذمَّة بتلك الجهة أيضًا (٤).

стр. 1879

(٨٥) - ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾. ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ﴾ قد مرَّ تفسيره (١)، ومعنى التَّكرير: المبالغةُ في التَّأكيد والتَّقرير، والأمر حقيق به؛ فإن الأبصار طامحة إلى الأموال والأولاد، والقلوب مرتبطة بهما، والنفوس منقبضة (٢) عليهما. وإنَّما عطفت هاهنا بالواو دون الفاء لعدم صحَّة التفريع على ما تقدَّم، بخلاف ما سبق فإنَّ للتَّفريع ثمة (٣) جهةً على ما بُيِّنَ هناك. ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا﴾ لا تحسبنَّ أنَّ تمكينَ أهل النِّفاق من تنفيذ مرادهم وتكثيرِ (٤) أموالهم وأولادهم إسداءُ معروفٍ مِنَ الله تعالى إليهم، أو إسباغُ إنعامٍ من لدنه عليهم، إنما ذلك مَكْرٌ بهم، واستدراجٌ لهم، وإمهالٌ لا إهمالٌ، والله قديرٌ مُتَعالٍ. ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ فيَعذَّبون بالنَّار في دار القرار أبدًا. * * * (٨٦) - ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾. ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ بتمامها على الحقيقة، أو بعضُها على المجاز؛ لأنَّه عَلَمٌ

стр. 1880

للمجموع المعيَّن، بخلاف القرآن والكتاب فإنَّه يقع كلٌّ منهما على الكلِّ والبعض على الحقيقة. ﴿أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ ﴿أَنْ﴾ هي المفسِّرة. ﴿وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ﴾؛ أي: جاهدوا الكفار متابِعينَ لرسول الله ﷺ . ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾: ذوو الفضل والسَّعة، مِنْ طال عليه طَولًا. ﴿وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾: الذين قعدوا عن الجهاد بعذرٍ. * * * (٨٧) - ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾. ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ من النِّساء، جمعُ خالفة، وقيل: معناه: مع الخِسَاس (١)، من قولهم: فلان خالفةُ قومه: إذا كان دونهم في أسباب الفضل، وهذا تعييرٌ لهم وذمٌّ. ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: خُتِمَ عليها. إنَّما عطفه على ما تقدَّم بالواو دون الفاء؛ تنبيهًا على أنَّ الطَّبع المذكور ليس أثرَ الرضا المذكور، بل الأمرُ بالعكس. ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ فضلَ ما في الجهاد من السَّعادة الآجلة على ما في تركه من الرَّاحة العاجلة، ورجحانَ ما في التَّخلف من الشَّقاوة الباقية على ما في عدمه من المشقَّة الزَّائلة. وعلى هذا يظهر وجه إيثار ﴿لَا يَفْقَهُونَ﴾ على (لا يعلمون).

стр. 1881

وأيضًا فيه تنبيا على أنَّ أثرَ الطَّبع إزالةُ الفطنة، لا إزالةُ (١) الفهم رأسًا حتى ينافيَ بقاء التَّكليف. * * * (٨٨) - ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ﴾ استدراك عمَّا تقدَّم من جهة المعنى، فإنَّ قوله تعالى: ﴿رَضُوا﴾ إلخ، في معنى: لم يجاهدوا أصلًا. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: المخلِصين من المؤمنين، وإنما قال: ﴿مَعَهُ﴾ إفادةً لمعنى التَّبعيَّة له ﵇. ﴿جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ إنْ تخلَّفَ هؤلاء ولم يجاهدوا فقد جاهد مَنْ هو خيرٌ منهم وأخلصُ نيَّةً، كقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨]. صرَّح هاهنا بما قدَّمه تعريضًا. ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾ إنما أتى بالواو عطفًا على مُضمَر، كأنَّه قيل: فأولئك لهم النُّصرة والغَلَبة. والمراد من الخيرات: أنواع الغنائم، فإنها جمع خَيْرَةٍ، تخفيف خَيِّرَةٍ، وهو المستحسن من كلِّ شيء، وكثر استعمالها في النِّساء، ومنه ما في قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠]، ولهذا قيل: أريد هاهنا الحور. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الذين أدركوا بُغيتهم في الآخرة.

стр. 1882

والحصر في المواضع الثَّلاثة إضافيٌّ. * * * (٨٩) - ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ بيانُ وجهِ إدراكهم (١) البُغية. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ قد مرَّ ما يتعلق به من التَّفسير. * * * (٩٠) - ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ يقال: أَعْذَرْتُ إلى فلان؛ أي: تكلَّمْتُ بالعذر فعَذَرني، أي: قبلَ عُذْري. واعتَذَرْتُ إليه، أي: أَقَمْتُ العذرَ الصَّحيح على أمري، وعذَّرتُ (٢) بالتَّشديد؛ أي: أتيتُ بما هو في صورة العذر، ولا عذر لي فيه حقيقةً. والآية قرئت بالتَّخفيف، وهو قراءة ابن عباس ﵄ (٣)، وبالتَّشديد وهو قراءة سائر الناس. فبالتَّخفيف مِن أَعْذَرَ، وبالتَّشديد من اعْتَذَر، على إدغام التَّاء في الذَّال ونقل حركتها إلى العين (٤).

стр. 1883

إخبارٌ عن قومٍ أَتَوا بالعذر الصَّحيح فعُذِّروا - بالتَّشديد - من عذَّر (١)، [أو] (٢) إخبارٌ عن أعراب تكلَّموا بالعذر ولا عذر لهم، فلم يُعذروا، وفي الآية ذمٌّ لهم. وجملته: أنَّ نزول السُّورة في الجهاد صار النَّاس على أصناف: منافقو أهل المدينة: وقد ذكرهم (٣) في قوله: ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٦]. والمخلصون: وذكرهم في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾ الآية [الأنفال: ٧٤]. وأعراب أهل البادية ممَّن لهم عذرٌ حقيقةً أو لا عذر لهم: وذكرهم الله تعالى في هذه الآية على القراءتين. وآخرون من الأعراب تخلَّفوا من غير استئذان: وذكرهم في قوله: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في ادِّعاء الإيمان، وفى ليله قراءة أُبَيٍّ ﵁: (كذَّبوا اللهَ) بالتَّشديد (٤).

стр. 1884

﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾: من الأعراب، وإنما قال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾ لأن منهم مَن اعتذرَ للسَّامة (١)، لا للكفر. ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الدُّنيا بالقتل، وفي الآخرة بالنَّار. وقوم آخرون من ضعفاء المسلمين لم يكن لهم عُدَّةٌ، فجاؤوا واستعانوا، وذكرهم في قوله: * * * (٩١) - ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ الذين لا قوَّة لهم بسبب كبر سنٍّ أو زَمانةٍ أو عرجٍ أو عمًى أو غير ذلك ﴿وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ الذين بهم علَّة يرجى زوالها، إلَّا أنَّه لا طاقةَ به في الحال ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ﴾ لفقرهم ﴿حَرَجٌ﴾: إثمٌ في التَّأخير. ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ النُّصح لله تعالى ولرسوله ﵇: الإيمان بهما، وطاعتُهما في السِّرِّ والعلن، والقيامُ بما يعود إلى الإسلام والمسلمين بالصَّلاح قولًا وفعلًا كما يفعله النَّاصح لمن ينصحه، ويندرجُ فيه اندراجًا أوَّليًّا ما قيل؛ أي: لم يثبِّطوا غيرهم من الموسرين والأصحَّاء عن الخروج، ولم يُوْهموهم أن قعودهم كان لجواز التَّخلُّف لكلِّ مَن أراده، بل بيَّنوا سببَ تخلُّفهم، ووضعوا القادرين عليه، وقاموا بأسبابهم عند خروجهم وأسبابِ مَن خلَّفوهم بالمعونة. ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾؛ أي: ليس عليهم جُناح، ولا إلى معاتبهم

стр. 1885

سبيل. وأمَّا وضع الظَّاهر موضعَ الضَّمير فللدَّلالة على أنَّهم موصوفون بصفةٍ تنافي العِتاب فيفيد المدح والتَّعليل. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ للمسيء، فكيف للمحسن؟! * * * (٩٢) - ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾. ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ عطفٌ على ﴿الضُّعَفَاءِ﴾؛ أي: ولا حرج أيضًا على الأصحَّاء الذين لا يستطيعون المشي ويحتاجون إلى المركب وجاؤوك ليسألوك (١) مراكبَ تحملُهم عليها. يقال: حمل الأمير فلانًا: إذا أعطاه مركبًا. ﴿قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ حالٌ من الكاف في ﴿أَتَوْكَ﴾ بإضمار (قد)، كقوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠]، أي: إذا ما أتوك قائلًا: لا أجد ﴿تَوَلَّوْا﴾ جوابُ ﴿إِذَا﴾، ويجوز أن يكون جوابًا لسؤالٍ مقدَّر كأنَّه قيل: فما حالُهم إذا أجابهم الرَّسول؟ قيل: تولوا، ويكون جوابُ ﴿إِذَا﴾ قولَه: ﴿قُلْتَ﴾. ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ﴾ الفَيْضُ: هو السَّيلان عن الامتلاء. ﴿مِنَ الدَّمْعِ﴾ ﴿مِنَ﴾ للبيان، كما في قولك: أفديك مِن رجلٍ. قيل: محل الجارِّ والمجرور النَّصب على التَّمييز. ورُدَّ بأنَّ التَّمييز الذي أصله فاعل لا يجوز جرُّه بـ (مِن).

стр. 1886

وأصل (١) الكلام: يفيض دمعُها، فعُدل إلى ما ذُكِرَ ليكون أبلغ، كأنَّ العينَ كلُّها دمع فيَّاض. ﴿حَزَنًا﴾ مفعول له، أو حال، أو مصدر لفعلٍ دلَّ عليه ما قبله. ﴿أَلَّا يَجِدُوا﴾؛ أي: لئلا يجدوا، متعلِّق بـ ﴿حَزَنًا﴾، أو بـ ﴿تَفِيضُ﴾. ﴿مَا يُنْفِقُونَ﴾ في مغزاهم. فيه دلالة على أنَّهم مندرجون تحت قوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾، ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ﴾ معطوفًا على ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ عطفَ الخاصِّ على العام، ويحسِّن هذا قولُه: (٩٣) - ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾ معرَّفًا بالألف واللَّام؛ إذ عاد على النَّكرة. وكلمة ﴿إِنَّمَا﴾ ليست للحصر، بل هي للمبالغة فيما يريد تقريره، كما في قولِكَ: إنَّما الشُّجاع عنترة. ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾ السَّبيل قد يوصَل بـ (على) وبـ (إلى)، غير أنَّ وصلَها بـ (على) يقتضي ضعف (٢) المتوصَّل إليه وقلَّة منعته، فلذلك حَسُنت في هذه الآية. ﴿يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾: واجدون الأُهْبةَ. ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ استئنافٌ، كأنَّه قيل: ما بالُهم

стр. 1887

استأذنوا وهم أغنياء؟ فقيل: رضوا بالضَّعَة والدَّناءة والانتظامِ في سلك الخوالف؛ إيثارًا للدَّعة. وفائدتُه: بيانُ سبب الاستئذان مع الغنى، وهو أمران: رضاؤهم بالدَّناءة، والطَّبعُ على قلوبهم بالخذلان حتى غفلوا وجهلوا وَخَامَة (١) عاقبتهم. ﴿فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ مغبَّته (٢). قد حُصِرَ المعذِّرون في التَّخلُّف في ثلاثة أقسام: الذين فقدوا الاستطاعة البدنيَّة، والذين عدموا الاستطاعة الماليَّة، والذين استحملوه فلم يجدوا ما يحملُهم عليه. * * * (٩٤) - ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾ في التَّخلُّف، خطابٌ للصَّحابة ﵃ ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ مِنْ هذا السَّفر. ﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا﴾ بالمعاذير الكاذبة ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ علَّةٌ للنَّهي عن الاعتذار؛ لأنَّ غرضَ المعتذِرِ أنْ يُصَدَّقَ فيما يعتذِرُ به فلا يعاتَبَ، فإذا لم يُصَدَّقْ يَترك الاعتذار. ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ علَّة لانتفاء التَّصديق؛ أي: أَعْلَمنا بالوحي إلى نبيِّه ﵇ بعضَ أخباركم، وهو ما في ضمائركم من الشَّرِّ والفساد.

стр. 1888

﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ رؤيةُ العمل في مثل هذا المقام يكون كنايةً عن فعل الرَّائي ما يستحقُّه العاملُ بسببه؛ أي: سيرى الله تعالى أتُنيبون إليه وتتوبون، أم تَثْبتون على الكفر وتُصرُّون عليه. ففيه وعيدٌ بالإساءة في الدُّنيا، ووعدٌ بالإحسان فيها. وتقديم ﴿عَمَلَكُمْ﴾ على قوله: ﴿وَرَسُولُهُ﴾ للفصلِ بين الرُّؤيتَيْن؛ تنبيهًا على أنَّ الثَّاني على حقيقته، والمراد مُوجَبُها، وهو الفصاحة على تقدير الثَّبات على الكفر، ولا يخفى أنَّه في غاية الإيجاز والفصاحة. ثمَّ إنَّ في عبارة التَّسويف إشارةً إلى الإمهال لتدارك الإنابة، ففي الكلام استتابةٌ (١) على العطف وجيه (٢). وإنَّما قلنا: إن ما ذُكِرَ مِن الوعد والوعيد في الدُّنيا؛ لأنَّ قولَه: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ وعدٌ ووعيدٌ في الآخرة. وفيه تداركٌ لِمَا عسى أنْ يذهبَ إليه الوهم من قوله: ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ﴾ إلى ما لا يليق بشأنه تعالى من الحاجة إلى الرؤية، وسبق علمه ببعض الأشياء بالغفلة عنه، ولهذا وضع ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ موضعَ الضمير؛ أي: لا يخفى عليه خافية ممَّا في قلوبكم، ولا بادرة مما يظهر على ألسنتكم وجوارحكم، فيجازيكم به. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ على رؤوس الأشهاد ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تشهيرًا لحالهم، وتقريرًا لو بالهم، وتذكيرًا لِمَا ذهب عن خيالهم وبالهم، على ما أفصح عنه في موضعٍ آخر بقوله: ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦]، فيتمنَّون عنده المسارعةَ بهم إلى النَّار لِمَا يُحيقهم (٣) به من الخزي والعار.

стр. 1889

(٩٥) - ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ لمَّا ذكر أنَّه يصدر منهم الاعتذار، أخبر ألَهم سيؤكِّدون ذلك الاعتذار الكاذب بالحلف بالله، وأنَّ سببَ الحلف طلبهم أن يعرضوا عنهم إعراضَ صفحٍ فلا يلوموهم ولا يوبِّخوهم. ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾؛ أي: فأجيبوا إلى طَلِبتِهم، وفي تعليل الإعراض عنهم بقوله: ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ دلالة على أنَّه إعراضُ مقتٍ؛ أي: مستقذَرون بما انطَوَوا عليه من النِّفاق، فيجب مباعدتُهم واجتنابهم (١)، كما قال في الآية الأخرى: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]. وهذا أولى مما قيل: لا ينفع فيهم التَّأنيب فإن المقصود منه التَّطهيرُ بالحمل على الإنابة، وهؤلاء أرجاسٌ لا تقبل التَّطهير؛ لأنَّ قوله: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ يفيد هذا المعنى؛ أي: إنَّهم أرجاسٌ من أهل النَّار، لا يجدي فيهم التَّوبيخ، والإفادة خير من الإعادة إليهم. إلَّا أن يُقال: إنَّه تعليل آخر؛ أي: وكَفَتْهم جهنَّم عقابًا وتوبيخًا، فلا تتكلَّفوا في عقابهم. ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مصدرٌ مؤكِّد، أو مفعول له، أو حال من ﴿جَهَنَّمُ﴾.

стр. 1890

(٩٦) - ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ حُذِفَ هاهنا المحلوف به وأُثْبِتَ فيما تقدَّم؛ اكتفاءً بذكره مرَّة، كما في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا﴾ [القلم: ١٧]. وقوله تعالى: ﴿لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾؛ أي: غرضُهم من الحلف بالله طلبُ رضاكم لينفعهم في دنياهم. ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾؛ أي: فإنَّ رضاكم عنهم لا ينفعُهم إذا كان اللهُ تعالى ساخطًا عليهم؛ لأنَّ سخطَ اللهِ تعالى يورثهم عقوبةَ الدُّنيا والآخرة، ورضاكم لا يستلزم رضاه. والعدولُ عن الضَّمير إلى الظَّاهر للتَّسجيل عليهم بالفسق، والدلالة (١) على أنَّ سخطَه تعالى عليهم مسبَّب عن فسقِهم، فلا يحصل رضاه ما داموا فاسقين، وعلى أنَّ الحكم عامٌّ وإنْ كان سببُ الورودِ خاصًّا؛ لأنَّ العبرةَ لعموم اللَّفظ لا لخصوصِ السَّبب. والمرادُ: نهيُهم عن الرِّضا عنهم والاغترارِ بمعاذيرهم. لَمَّا ذكرَ حَلِفهم فيما سبقَ لأجل الإعراض جاءَ الأمرُ بالإعراض هنا؛ لأنَّها تتنوَّع بحسب الإعراض، فيكون المعنى على مقتضى الحكمة ولا كذلك الرِّضا، وقد ذكر هاهنا الحلف لأجل الرِّضا وأبرزَ النَّهي عنه في صورة الشَّرطيَّة إخراجًا له مخرجَ التَّردُّد فيه لأنَّه مِنَ الأمور القلبيَّة، بخلاف الإعراض فإنَّه محسوسٌ مشاهدٌ، وجعلَ جوابه انتفاءَ رضاء الله تعالى عنهم، فصار رضا المؤمنين أبعدَ شيءٍ من الوقوع؛ لأنَّ اللَّائق بهم أن لا يرضَوا عمَّنْ لا يرضي الله عنهم.

стр. 1891

(٩٧) - ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. ﴿الْأَعْرَابُ﴾: سكان البوادي ﴿أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ من أهل الحضر؛ لأنَّهم كانوا في البوادي، ولا محالةَ أنَّ خوفَهم هنالك أقلُّ من خوف منافقي المدينة، فألسنتُهم لذلك أطلق، ونفاقُهم أشقُّ إزالةً؛ لقساوة قلوبهم. ﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ﴾ وأحقُّ بأن لا يعلموا؛ لبعدهم عن رسول الله ﷺ ، وغيبتهم عن مجالسته، وقلَّة ما يَرِدُ عليهم من مواعظ (١) القرآن. ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ من الأوامر والنَّواهي؛ لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: يعلمُ حالَ كلِّ واحدٍ مِنْ أهلِ الوَبَر والمَدَر. ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يصيب به مسيئهم ومحسنهم عقابًا وثوابًا. ذِكْرُ العِلم بعد العملِ أبلغُ وعدٍ ووعيدٍ، وأكملُ بشارةٍ وتهديدٍ. * * * (٩٨) - ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ﴾: يصرفُه في سبيل الله ويتصدَّق به (٢). ﴿مَغْرَمًا﴾: غرامةً وخسرانًا؛ أي: يجعلُه مقصدَه، ولا يرى فيه غير ذلك؛ إذ لا يحتسبُه عند الله، ولا يرجو عليه ثوابًا، وإنَّما ينفقُ رياءً أو تَقيَّة.

стр. 1892

وأصل الغُرْمِ: الدَّين، ومنه تعوّذ رسول الله ﷺ من المغرَمِ والمأثم (١)، ولكنْ كثر استعمالُه فيما يؤديه (٢) الإنسان مما لا يلزمُه بحقٍّ، وفي لفظه معنى اللُّزوم، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥]. ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ الدَّائرة في الأصل: مصدرٌ سُمِّيَ به كالعاقبة، أو اسمُ فاعل من دار يدور، سُمِّيَ به عُقبةُ الزَّمان التي لا مخلَص عنها، فهي تحيط الشَّيء كما تحيط الدَّائرة. ويحتمل أن يؤخذ من دور الزَّمان؛ أي: ينتظِر بكم ما تأتي به الأيَّام وتدور به من النَّوائب؛ لينقلبَ الأمر عليكم فيتخلَّصوا من الإنفاق (٣). ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ دعاءٌ عليهم بنحو ما تربَّصوا به، معترِضٌ كقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤]. ﴿السَّوْءِ﴾ بالفتح، وهو ذمٌّ للدائرة أضيف إليه (٤)، كقولك: رجلُ سَوءٍ؛ لأنَّ مَن (٥) دارت إليه ذمَّها بالسوء. وقرئ بضم السِّين (٦)، قيل: بالفتح المصدر، وبالضَّم الاسم. وقال أبو علي: معنى الدَّائرة يقتضي معنى السوء، فإنما هي إضافة بيانٍ وتأكيدٍ، كما قالوا: شمس النَّهار، ولَحْيَا رأسه، ولا يقال: رجل سَوءٍ، إلَّا بفتح السين، ولهذا

стр. 1893

لم تختلف القرَّاء في فتح السين في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ [مريم: ٢٨] (١). ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِمَا يُظهرونه عند الإنفاق ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يضمرونه من النِّفاق. * * * (٩٩) - ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ لمَّا ذكر مَن يتَّخذ ما ينفق مغرمًا ذكرَ مُقابِلَه، وهو مَن يتَّخذ ما ينفق مَغنمًا، وذكر هاهنا الأصل الذي يترتَّب عليه إنفاق المال في القُرُبات، وهو الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر؛ إذ (٢) جزاء ما ينفق إنما يَظهر ثوابه الدَّائم في الآخرة، وقد اكتفى ثمَّة بذكر سجيَّة الكفر، وهو اتِّخاذ ما ينفق مَغرمًا والتَّربُّصُ بالمؤمنين الدَّوائر. ﴿وَيَتَّخِذُ﴾؛ أي: يجعل مقصدًا ﴿مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾ سببَ قُرباتٍ، وهو ثاني مفعولي (يتخذ)، (وعند الله) صفتُها، أو ظرفٌ لـ (يتخذ). ﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾: سببَ صلواته؛ لأنَّه ﵇ كان يدعو للمتصدِّقين، ويستغفر لهم، ولذلك سُنَّ للمتصدَّق عليه أن يدعوَ للمتصدِّق عند أخذ صدقته، لكن ليس له أن يصلِّي عليه كما قال ﵇: "اللهمَّ صلِّ على آل أبي أوفى" (٣)؛ لأنَّه منصبُه، فله أن يتفضَّلَ به على غيره.

стр. 1894

أقيم المسبَّب مقام السَّبب في الموضعين لقوَّة الاستلزام، وشدَّة التَّشوُّق إلى اللَّازم. ﴿أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ شهادةٌ من الله تعالى للمتصدِّقين بصحَّة ما اعتقدوه على أبلغ الوجوه؛ من التَّأكيد بالاستئناف و (ألا) و (إنَّ) المفيدين للتَّحقيق وثبات الأمر وتمكُّنه. وتنكير ﴿قُرْبَةٌ﴾ للتَّعظيم، والضَّمير لنفقتهم. ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ تصديقًا (١) لرجائهم؛ لِمَا في السِّين من تحقيق الوعد بإحاطة الرَّحمة عليهم. وما أقوى دلالة هذا الكلام على رضى الله تعالى على (٢) المتصدِّقين، وأنَّ الصَّدقة من الله تعالى بمكانٍ إذا خَلَصت النيَّة من صاحبها. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ استئنافٌ لتقرير ما وعد لهم. * * * (١٠٠) - ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ﴾: هم الذين صلَّوا إلى القبلَتَيْن، وقيل: هم الذين شهدوا بدرًا ﴿وَالْأَنْصَارِ﴾: أهلِ بيعة العقبة الأولى، وكانوا سبعةَ نفر، وأهلِ العقبة الثَّانية، وكانوا سبعين، والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن عُمَير.

стр. 1895

وقرئ بالرَّفع عطفًا على (السابقون) (١). ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ﴾ اللَّاحقون بالسَّابقين من القبيلين، والذين اتَّبعوهم بالإيمان والطَّاعة إلى يوم القيامة. ﴿بِإِحْسَانٍ﴾ بإخلاصٍ، قال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة: ١١٢]. ﴿﵃﴾ لطاعتهم وأعمالهم ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ لإفاضته عليهم نعمه الدِّينية والدُّنيويَّة. ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ وقرئ: ﴿مِنْ تَحْتَهَا﴾ (٢). ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ قد مرَّ تفسيره. * * * (١٠١) - ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾. ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ﴾؛ أي: حول بلدتكم وهي المدينة ﴿مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾ وهي جُهَينةُ ومُزينةُ وأَسْلَمُ وأَشْجَعُ وغِفَارٌ. ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ عطفٌ على (ممن حولكم)، أو خبرٌ لمحذوف صفته: ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾؛ أي: دربوا فيه، ومَرَدوا عليه (٣)، ولجُّوا فيه، وهو يستعمل في الشَّرِّ لا في الخير، ونظيره في حذف الموصوف وإقامةِ الصِّفة مقامه، قوله:
следующие страницы →