← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

(٩٧) - ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. ﴿الْأَعْرَابُ﴾: سكان البوادي ﴿أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ من أهل الحضر؛ لأنَّهم كانوا في البوادي، ولا محالةَ أنَّ خوفَهم هنالك أقلُّ من خوف منافقي المدينة، فألسنتُهم لذلك أطلق، ونفاقُهم أشقُّ إزالةً؛ لقساوة قلوبهم. ﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ﴾ وأحقُّ بأن لا يعلموا؛ لبعدهم عن رسول الله ﷺ ، وغيبتهم عن مجالسته، وقلَّة ما يَرِدُ عليهم من مواعظ (١) القرآن. ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ من الأوامر والنَّواهي؛ لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: يعلمُ حالَ كلِّ واحدٍ مِنْ أهلِ الوَبَر والمَدَر. ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يصيب به مسيئهم ومحسنهم عقابًا وثوابًا. ذِكْرُ العِلم بعد العملِ أبلغُ وعدٍ ووعيدٍ، وأكملُ بشارةٍ وتهديدٍ. * * * (٩٨) - ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ﴾: يصرفُه في سبيل الله ويتصدَّق به (٢). ﴿مَغْرَمًا﴾: غرامةً وخسرانًا؛ أي: يجعلُه مقصدَه، ولا يرى فيه غير ذلك؛ إذ لا يحتسبُه عند الله، ولا يرجو عليه ثوابًا، وإنَّما ينفقُ رياءً أو تَقيَّة.

стр. 1892

وأصل الغُرْمِ: الدَّين، ومنه تعوّذ رسول الله ﷺ من المغرَمِ والمأثم (١)، ولكنْ كثر استعمالُه فيما يؤديه (٢) الإنسان مما لا يلزمُه بحقٍّ، وفي لفظه معنى اللُّزوم، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥]. ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ الدَّائرة في الأصل: مصدرٌ سُمِّيَ به كالعاقبة، أو اسمُ فاعل من دار يدور، سُمِّيَ به عُقبةُ الزَّمان التي لا مخلَص عنها، فهي تحيط الشَّيء كما تحيط الدَّائرة. ويحتمل أن يؤخذ من دور الزَّمان؛ أي: ينتظِر بكم ما تأتي به الأيَّام وتدور به من النَّوائب؛ لينقلبَ الأمر عليكم فيتخلَّصوا من الإنفاق (٣). ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ دعاءٌ عليهم بنحو ما تربَّصوا به، معترِضٌ كقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤]. ﴿السَّوْءِ﴾ بالفتح، وهو ذمٌّ للدائرة أضيف إليه (٤)، كقولك: رجلُ سَوءٍ؛ لأنَّ مَن (٥) دارت إليه ذمَّها بالسوء. وقرئ بضم السِّين (٦)، قيل: بالفتح المصدر، وبالضَّم الاسم. وقال أبو علي: معنى الدَّائرة يقتضي معنى السوء، فإنما هي إضافة بيانٍ وتأكيدٍ، كما قالوا: شمس النَّهار، ولَحْيَا رأسه، ولا يقال: رجل سَوءٍ، إلَّا بفتح السين، ولهذا

стр. 1893

لم تختلف القرَّاء في فتح السين في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ [مريم: ٢٨] (١). ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِمَا يُظهرونه عند الإنفاق ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يضمرونه من النِّفاق. * * * (٩٩) - ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ لمَّا ذكر مَن يتَّخذ ما ينفق مغرمًا ذكرَ مُقابِلَه، وهو مَن يتَّخذ ما ينفق مَغنمًا، وذكر هاهنا الأصل الذي يترتَّب عليه إنفاق المال في القُرُبات، وهو الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر؛ إذ (٢) جزاء ما ينفق إنما يَظهر ثوابه الدَّائم في الآخرة، وقد اكتفى ثمَّة بذكر سجيَّة الكفر، وهو اتِّخاذ ما ينفق مَغرمًا والتَّربُّصُ بالمؤمنين الدَّوائر. ﴿وَيَتَّخِذُ﴾؛ أي: يجعل مقصدًا ﴿مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾ سببَ قُرباتٍ، وهو ثاني مفعولي (يتخذ)، (وعند الله) صفتُها، أو ظرفٌ لـ (يتخذ). ﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾: سببَ صلواته؛ لأنَّه ﵇ كان يدعو للمتصدِّقين، ويستغفر لهم، ولذلك سُنَّ للمتصدَّق عليه أن يدعوَ للمتصدِّق عند أخذ صدقته، لكن ليس له أن يصلِّي عليه كما قال ﵇: "اللهمَّ صلِّ على آل أبي أوفى" (٣)؛ لأنَّه منصبُه، فله أن يتفضَّلَ به على غيره.

стр. 1894

أقيم المسبَّب مقام السَّبب في الموضعين لقوَّة الاستلزام، وشدَّة التَّشوُّق إلى اللَّازم. ﴿أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ شهادةٌ من الله تعالى للمتصدِّقين بصحَّة ما اعتقدوه على أبلغ الوجوه؛ من التَّأكيد بالاستئناف و (ألا) و (إنَّ) المفيدين للتَّحقيق وثبات الأمر وتمكُّنه. وتنكير ﴿قُرْبَةٌ﴾ للتَّعظيم، والضَّمير لنفقتهم. ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ تصديقًا (١) لرجائهم؛ لِمَا في السِّين من تحقيق الوعد بإحاطة الرَّحمة عليهم. وما أقوى دلالة هذا الكلام على رضى الله تعالى على (٢) المتصدِّقين، وأنَّ الصَّدقة من الله تعالى بمكانٍ إذا خَلَصت النيَّة من صاحبها. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ استئنافٌ لتقرير ما وعد لهم. * * * (١٠٠) - ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ﴾: هم الذين صلَّوا إلى القبلَتَيْن، وقيل: هم الذين شهدوا بدرًا ﴿وَالْأَنْصَارِ﴾: أهلِ بيعة العقبة الأولى، وكانوا سبعةَ نفر، وأهلِ العقبة الثَّانية، وكانوا سبعين، والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن عُمَير.

стр. 1895

وقرئ بالرَّفع عطفًا على (السابقون) (١). ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ﴾ اللَّاحقون بالسَّابقين من القبيلين، والذين اتَّبعوهم بالإيمان والطَّاعة إلى يوم القيامة. ﴿بِإِحْسَانٍ﴾ بإخلاصٍ، قال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة: ١١٢]. ﴿﵃﴾ لطاعتهم وأعمالهم ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ لإفاضته عليهم نعمه الدِّينية والدُّنيويَّة. ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ وقرئ: ﴿مِنْ تَحْتَهَا﴾ (٢). ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ قد مرَّ تفسيره. * * * (١٠١) - ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾. ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ﴾؛ أي: حول بلدتكم وهي المدينة ﴿مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾ وهي جُهَينةُ ومُزينةُ وأَسْلَمُ وأَشْجَعُ وغِفَارٌ. ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ عطفٌ على (ممن حولكم)، أو خبرٌ لمحذوف صفته: ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾؛ أي: دربوا فيه، ومَرَدوا عليه (٣)، ولجُّوا فيه، وهو يستعمل في الشَّرِّ لا في الخير، ونظيره في حذف الموصوف وإقامةِ الصِّفة مقامه، قوله:

стр. 1896

أنا ابنُ جَلا وطلَّاع الثَّنايا (١) وعلى الأوَّل صفة للمنافقين فُصلَ بينها وبينه بالمعطوف على الخبر، أو كلامٌ مبتدأ لبيان تمرُّنهم وتمهُّرهم في النفاق. ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾: لا تعرفُهم بأعيانهم، بيانٌ لقوله: ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾؛ أي: بلغوا من مهارتهم فيه إلى أنْ خَفِيَ حالهم عليك مع كمال فطنتك وصدقِ فِراستك؛ لتنوُّقهم (٢) في توقِّي مواقع التُّهم. ﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ تأكيدٌ للبيان؛ لإفادة تقديم الضَّميرِ التَّخصيصَ؛ أي: لا يعلمهم إلَّا الله وحده، ولا يطَّلع على سرِّهم غيرُه لشدَّة إبطانهم الكفر وإظهارهم (٣) الإخلاص. وحملُ ﴿مَرَدُوا﴾ على الاستئناف أبلغُ وأنسبُ لهذه المبالغة. ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ﴾ فيه تحقيق لعذابهم بموجب علمه. ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ بالفضيحة والقتل، أو بأحدهما وعذابِ القبر، أو بأخذِ الزكاة ونهكِ الأبدان، ويحتمل أن لا يراد بها شَفْعُ الواحد، بل يكون المعنى على التَّكثير، كقوله: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ [الملك: ٤]؛ أي: مرَّةً بعد مرَّةٍ. ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ إلى عذاب النَّار في دار القَرار.

стр. 1897

(١٠٢) - ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾؛ أي: لم يعتذروا بالمعاذير الكاذبة من تخلُّفهم واعترفوا بتقصيرهم ومخالفتهم نادمين. وهم طائفة من المتخلِّفين أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد لَمَّا بلغهم ما نزل في المتخلِّفين، فقدم رسول الله ﷺ فدخل المسجد على عادته، فصلَّى ركعتين، فرآهم فسأل عنهم، فذكر أنهم أقسموا أن لا يحلُّوا أنفسهم حتَّى تحلَّهم، فقال: وأنا أقسم أنْ لا أحلَّهم حتى أؤمر فيهم، فنزلت فأطلقهم (١). ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا﴾ هو إظهار النَّدم والاعتراف بالذَّنب. ﴿وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ هو التَّخلُّف وموافقة أهل النِّفاق. والواو في الخلط أبلغ من الباء؛ لدلالتها على كون كلٍّ منهما مخلوطًا ومخلوطًا به، بخلاف الباء لإفادتها أن يكون أحدهما مخلوطًا والآخر مخلوطًا به. ويجوز أن تكون بمعنى الباء، والمفعول محذوف، و ﴿عَمَلًا﴾ بدل منه، من قولهم: بعْتُ الشَّاة شاةً ودرهمًا. ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: يقبلَ توبتَهم، وهي مدلولٌ عليها بقوله: ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾. قال الكلبي: (عسى) من الله تعالى واجب (٢)؛ أي: هو إطماعٌ، وإطماع الكريم إيجاب.

стр. 1898

﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يتجاوز عن التَّائب ويتفضَّل عليه. قال بعض العلماء: المسيء منَّا إلى مخلوق إذا خافه لم يخلصه من ذلك إلا شيئان: الإنكار والفِرَار، والمسيء في حقِّ الله تعالى لا ينجيه إلَّا شيئان: الإقرار والقَرار. قال قائلهم: أَقْرِرْ بذنبكَ ثمَّ اطلبْ تجاوُزَه … واعلمْ بأنَّ جحودَ الذَّنْبِ ذَنبانِ (١) * * * (١٠٣) - ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ روي أنهم لما أُطْلِقوا قالوا: يا رسول الله، هذه أموالنا التي خلَّفَتْنا عنك فتصدَّق بها وطهِّرنا، فقال ﵇: "ما أُمِرْتُ أنْ آخذَ مِنْ أموالِكم شيئًا"، فنزلَتْ (٢). ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ عن الذُّنوب، أو حبِّ المال المؤدي لهم إلى مثله، صفةٌ لـ ﴿صَدَقَةً﴾، والتاء للخطاب أو لغيبة المؤنث. وقرئ: (تُطْهِرُهُمْ) (٣) من أَطَهَره بمعنى طَهَّره، وقرئ: (تُطَهِّرْهم) بالجزم جوابًا للأمر (٤).

стр. 1899

ولم يُقرأ: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾ إلا بإثبات الياء. والتَّزكيةُ: مبالغةٌ في التَّطهير، وزيادةٌ فيه، أو (١) الإنماء والبركة في المال. ﴿بِهَا﴾؛ أي: بالصَّدقة ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾: واعطف عليهم وترحَّم بالدُّعاء والاستغفار لهم. ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾: تسكنُ إليها نفوسُهم، وتطمئنُّ قلوبُهم بأنَّ الله تعالى قَبِلَ توبتَهم. وجمعها لتعدُّد المدعوِّ لهم. ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ يسمع اعترافهم بذنوبهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بما في ضمائرهم من الغمِّ والنَّدم وصدق التَّوبة. * * * (١٠٤) - ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ الضمير إمَّا للمَتوب عليهم، والمراد: أنْ يُمكَّن في قلوبِهم قَبولُ توبتهم، والاعتداد بصدقاتهم، أو لغيرهم والمراد التَّحضيض عليهما. ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ إذا صحَّت، لا رسولُه ولا غيرُه. ﴿عَنْ عِبَادِهِ﴾ تعدية ﴿يَقْبَلُ﴾ بـ ﴿عَنْ﴾ لتضمُّنه معنى التَّجاوز. ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ إذا صدرَتْ عن خلوص النِّيَّة. وأخذها مجاز عن قَبولها، وقَبولُها كناية عن إعطاء الثَّواب في مقابَلته، كما هو شأن الكريم.

стр. 1900

﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: وأنَّ مِنْ شأنه قَبولُ توبةِ التَّائبين مرَّةً بعدَ أخرى، والتَّفضُّلُ عليهم بالتَّجاوز عمَّا وقع بين التَّوبتَيْن، والواو للعطف على مُقدَّر، كأنَّه قيل: إن الله هو البَرُّ الكريم، تعليل للكناية المذكورة، وحذفُ أداة التَّعليل لأنَّه قياسيٌّ (١)، وتقديمُه على ما ذكر في تعليل قَبول التَّوبة للتَّقريب بين التَّعليل والمعلَّل مهما أَمْكَن، فتأمَّل. * * * (١٠٥) - ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾ ما شئتم، ظاهرُه أمرٌ وباطنُه وعدٌ ووعيدٌ، والخطاب للجميع. ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ خيرًا كان أو شرًا، وقد مرَّ بيانُه. ﴿وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ وفي الخبر: لو أنَّ رجلًا عمل في صخرة لا بابَ لها ولا كوَّة، يخرج عمله إلى النَّاس كائنًا ما كان (٢). ﴿وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ قد مَرَّ بيانُه، وإنَّما أتى هنا بدل (ثم) حرفُ

стр. 1901

التَّقريب (١)؛ لأنَّ كلَّ آتٍ قريبٌ؛ ولأنَّ الرَّدَّ عند الموت، وهو محتملٌ في كلِّ آنٍ، والمقام مقام التَّحذير، فلا يناسبه أداة التَّسويف. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وعدٌ في حقِّ المحسن، ووعيدٌ في حقِّ المسيء. * * * (١٠٦) - ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. ﴿وَآخَرُونَ﴾ من المتخلِّفين ﴿مُرْجَوْنَ﴾ قرئ بالهمزة من أرجأه، وبغير الهمزة من أرجيته (٢)، ومعناه: مؤخَّرون؛ أي: موقوفٌ أمرُهم. ﴿لِأَمْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: إلى أمر الله تعالى في شأنهم. ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ﴾؛ أي (٣): إن أصرُّوا ولم يتوبوا ﴿وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ إنْ تابوا. والتَّرديد لنا، ولدفع وهم أن يكون له تعالى قال: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بأعمالهم ونيَّاتهم ﴿حَكِيمٌ﴾ بما (٤) يَفعل بهم، ويدخل فيه أمر التَّأخير دخولًا أوَّليًّا. وقرئ: (غفورٌ رحيمٌ) (٥). والمراد بهؤلاء كعبُ بن مالك وهِلالُ بن أميَّة ومُرارةُ بن الرَّبيع، أمرَ

стр. 1902

رسولُ اللهِ ﷺ أصحابَه ﵃ أن لا يسلِّموا عليهم ولا يكلِّموهم، فلمَّا رأوا ذلك أخلصوا نيَّاتهم، ونصحت توبتهم، فرحمهم الله تعالى (١). * * * (١٠٧) - ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا﴾ عطف على ﴿وَآخَرُونَ﴾، أو نصب على الذَّم، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: وهم الذين، أو مبتدأ خبره محذوف؛ أي: وفيمن وصفنا الذين اتخذوا. والواو عاطفة الجملة على الجملة (٢). وقرئ بغير الواو (٣)، فاحتَمَل أن يكون بدلًا من قوله: ﴿وَآخَرُونَ﴾، وأن يكون خبرَ مبتدأ محذوفٍ، أو مبتدأً محذوفَ الخبر. و ﴿تَّخَذُوا﴾ هنا تعدَّى إلى واحد (٤) كما في قوله: ﴿اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ١٤]؛ أي: عَمِلته. ﴿ضِرَارًا﴾؛ أي: مُضارَّة، مفعولٌ لأجله، لمَّا ذكر طرائق ذميمة لأصناف المنافقين

стр. 1903

أقوالًا وأفعالًا، ذكر أنَّ منهم مَن بالغ في الشَّرِّ حتى ابتنى مجمعًا للمنافقين يرتِّبون ما شاؤوا فيه من الشَّرِّ، وسمَّوه مسجدًا. ﴿وَكُفْرًا﴾: وتقويةً للكفر الذي يُضْمِرونه. رُوي أن بني عمرو بن عوف لمَّا بنوا مسجد قُبَاء سألوا رسول الله ﷺ أن يأتيهم، فأتاهم فصلَّى فيه، فحسدهم إخوانهم بنو غنم بن عوف، فبنوا مسجدًا على قصد أن يؤمَّهم فيه ابن عامر الرَّاهب إذا قدم من الشَّام (١). ﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المجتمعين على الصَّلاة في مسجد قباء؛ لأنهم أرادوا أن يتفرَّقوا عنه وتختلفَ كلمتهم. ﴿وَإِرْصَادًا﴾: وترقبًا ﴿لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ﴾: لأَجْل مَن حارب الله (٢) يعني: الرَّاهب، فإنَّه قال لرسول الله ﷺ يومَ أُحُد: لا أجد قومًا يقاتلونك إلا قاتلتُك معهم، فلم يزل يقاتله ﵇ إلى يوم حنين، انهزم مع هوازن، وهرب (٣) إلى الشَّام، ليأتيَ من قيصر بجنود يحارب بهم رسول الله ﷺ ، ومات بقِنَّسْرين وحيدًا (٤).

стр. 1904

﴿وَرَسُولَهُ﴾ ذِكْرُ اللهِ تعالى تمهيدٌ لتعظيم أمر محاربته ﵇. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ متعلِّق بـ ﴿حَارَبَ﴾، أو بـ ﴿اتَّخَذُوا﴾؛ أي: اتخذوا مسجدًا من قبل أن ينافق هؤلاء بالتَّخلف؛ لِمَا رُوي أنه بُنِيَ قُبيلَ غزوة تبوك، فسألوا رسول الله ﷺ أن يأتيه فقال: "أنا على جَناح سفر، وإذا قدمنا إن شاء الله صلَّينا فيه"، فلما قفلَ كُرِّر عليه، فنزلَتْ، فدعا بجماعة منهم الوحشيُّ، فقال لهم: "انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهلُه فاهدِموه وأَحْرقوه، ففُعِلَ، واتُّخِذَ مكانه كناسةً (١). ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾: ما أردنا ببنائه إلا الخصلة الحسنى، أو: الإرادة الحسنى، وهي الصَّلاة والزَّكاة والتَّوسعة على المصلِّين، فإنَّهم قد قالوا لَمَّا أتوا رسول الله ﷺ بعدما أتمُّوا بناءه: إنَّا قد بنيناه مسجدًا لذي الحاجة والعلَّة واللَّيلة المطيرة والشَّاتية (٢). ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في حَلِفهم. * * * (١٠٨) - ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾. ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ﴾ أراد القيام للصَّلاة، كما في قوله ﵇: "مَنْ صامَ رمضانَ وقامَه" (٣).

стр. 1905

﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ يعني: مسجدَ رسول الله ﷺ أُسِّسَ لإحياء دين الله تعالى وإظهار شريعته التي لا يقوم بها إلَّا مَنِ اتَّقى اللهَ تعالى. قال أبو سعيد الخدري وأبيُّ بن كعب ﵁: قال النَّبي ﵇: "هو مسجدي هذا" (١). ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ من أيَّام وجوده. وقيل: هو مسجد قُباء؛ لأنَّه (٢) أوفق للقصَّة. والأوَّل هو الوجه؛ لأنَّه لا نظر مع الحديث (٣)؛ ولأنه أوفق لقوله: ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ﴾ أولى بأن تصلِّي فيه. ﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾ التَّنكير للتَّعظيم ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ من المعاصي والخصال المذمومة؛ طلبًا لمرضاة الله تعالى، وقيل: من الجنابة فلا ينامون عليها. استئنافٌ تعليليٌّ يتضمَّن الإشارة إلى أن صلاح جماعة من أسباب ترجيح الصلاة في مسجدهم. ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ يرضى عنهم ويُدْنيهم من جَنابه إدناءَ المحبِّ حبيبَه. روي أنَّه ﵇ قال: "يا معشر الأنصار، رأيت الله قد (٤) أثنى عليكم

стр. 1906

بالطُّهور، فماذا تفعلون عند الغائط؟ " فقالوا (١): نُتبع الغائط الأحجار الثلاثة، ثم نُتبع الأحجار الماء فتلا: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ (٢). * * * (١٠٩) - ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ﴾؛ أي (٣): بنيانَ دينِه. ﴿عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ﴾: على قاعدةٍ محكَمة هي التَّقوى من الله تعالى وطلبُ مرضاته بالطَّاعة. ﴿خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ على قاعدةٍ هي أضعف القواعد وأرخاها. الشَّفا: الحَرْف والشَّفير.

стр. 1907

وجُرُفُ الوادي: جانبه الذي جَرَف أصلَه السُّيولُ وتحفَّر بالمياه فبقي واهيًا، من الجَرْف، وهو انقلاع الشَّيء من أصله. والهاري (١): الهائر، وهو المتصدِّع الذي أَشْفَى على الهدم والسقوط. لَمَّا استعار الجُرُف الهائر لمقابل التَّقوى من الباطل الذي هو الفجور والنِّفاق والضِّرار على أنه (٢) شبَّه الحق الذي هو التَّقوى بقاعدة محكمة قويَّة على طريق الاستعارة بالكناية، ولهذا نكَّر التَّقوى للتَّعظيم، ووصفها بكونها من الله تعالى، ثمَّ رشَّح الاستعارة بقوله: ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ فإنَّ الجُرُف الهائر سهل الانهيار لخَوَره وقلَّة ثباته واستمساكه، وهو تصويرٌ لسرعة أداء الباطل إلى هُوِيِّ صاحبه في قعر جهنَّم كأنه بني على جُرُفِ وادٍ من أودية جهنم (٣) جرفَ أصلَه السيلُ. ويُفهم منه أنَّ تأسيس الذي يقابله على أمر يحفظه عن النَّار ويوصله إلى الرِّضوان الذي أدنى مقتضياته الجنَّة، ولذلك عُطف الرِّضوانُ على التَّقوى، وجُعِلا كأنهما أمران متلازمان ونكِّرت التقوى (٤)؛ إشعارًا بأن تلازمهما بحيث كلُّ ما يلزم أحدهما يلزم الآخر. ولا نرى أبلغ من هذا الكلام ولا أدلَّ على المقصود من المقام منه. وإنما لم يقل: (فوقع في نار جهنم)؛ لأنَّه ما دام حيًّا أمكنه أن يخلص فيتخلَّص ولا يقع فيها.

стр. 1908

﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: لا يهديهم من حيث هم ظالمون إلى ما فيه صلاح ونجاة، وقد مَرَّ أنَّ نفي الهداية في مثل هذا على طريقة تنزيل ما لا أثر له منزلةَ العدم، وإلَّا فالله هادي الكلِّ إلى مصالحهم. * * * (١١٠) - ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا﴾: بناؤهم الذي بنوه، مصدرٌ أُريدَ به المفعول، وقيل: هو جمع واحدُه: بنيانةٌ، وحينئذ يكون ﴿الَّذِي﴾ بمعنى: الذين. والإخبار بقوله: ﴿رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ عن المضاف المحذوف؛ أي: بناء بنيانهم الذي بنوها سببَ ريبة؛ فإنَّه حملهم على ذلك، ثمَّ لَمَّا هدمَه رسولُ اللّه - صلى اللّه تعالى عليه وسلم - رسخَ ذلك في قلوبهم، وازدادوا نفاقًا بحيث لا يزول وَسْمه من قلوبهم. ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ قِطَعًا، بحيث لا يبقى لها قابليةُ الإدراك والإضمار (١)، فالتقطيع تصوير لامتناع زوال السّكر (٢) عن القلوب مع بقائها، وأن زواله (٣) لا يكون إلا بزوالها (٤)، وهو في غاية المبالغة. والاستثناء من أعمِّ الأزمنة؛ أي: وقتَ أن تقطَّع. وهو في محل النَّصب على الظَّرف.

стр. 1909

ويجوز أن يكون المراد حقيقةَ التَّقطيع بالقتل، أو في القبور، أو في النَّار. وقيل: معناه: إلَّا أن يتوبوا توبةً تتقطَّع بها قلوبهم ندمًا وأسفًا على تفريطهم. وقرئ بحرف الانتهاء (١)، و ﴿تَقَطَّعَ﴾ بمعنى تَتَقطَّع (٢). وقرئ: (يُقَطَعَ) بالياء، و (تُقْطَعَ) بالتَّخفيف، و (تُقَطِّعَ) على خطاب الرَّسول ﷺ أو كلِّ مخاطب (٣). وقرئ: (ولو قطعت) على البناءين (٤). ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بضمائر العباد ﴿حَكِيمٌ﴾ في التَّمييز بين أهل الصَّلاح وأهل الفساد. فيدخل في الأول بناؤهم وفي الثانية الأمرُ الوارد في حقِّهم دخولًا أوَّليًّا. * * * (١١١) - ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ

стр. 1910

وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ استعار الاشتراء لإثابتهم الجنة على بذل الأموال والأنفس في سبيل الله تعالى. ولم يقل: (بالجنَّة)؛ مدحًا لهم باعتبار أنهم بذلوا أنفسهم وأموالهم (١) بمجرد الوعد، وفيه كمال ثقتهم بوعده تعالى، وأيضًا تمامُ الاستعارة المذكورة به؛ إذ لا بُدَّ لها من قرينةٍ مانعةٍ عن إرادة الحقيقة، ولو قيل: (بالجنة) لم تُوْجَد تلك القرينة؛ لأنَّ الجنَّة صالحةٌ لأنْ تكون أَحَدَ العِوَضَيْن، بخلاف الوعد بها. ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ استئناف لبيان الاشتراء، لا لبيان ما لِأَجْلِه الشِّراء. وقيل: خبر بمعنى الأمر، كقوله: ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١١] إظهارًا لاهتمامهم بالمأمور به، كأنهم سارَعوا إلى الامتثال، فأخبر عنه، فعلى هذا يكون الاشتراء تمهيدًا له. ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ تفصيل لمقاتَلتهم (٢)، وبيانٌ لإحرازهم فضيلتي الجهاد. وقرئ بتقديم المبني للمفعول (٣)، ومبناه على إسنادِ فعل البعض إلى الكلِّ، وفيه دلالة على ثبات قلوبهم وجرأتهم (٤) على العدوِّ، حيث لم ينكسروا بأن قُتِلَ بعضهم، كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا﴾ (٥).

стр. 1911

وقيل في توجيهه: إنَّ الواو لا توجب التَّرتيب. ولا (١) يجدي؛ لأنَّ تقديمَ ما حقُّه التَّأخير لا يكون بسلامة الأمر (٢). ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ﴾ مصدر مؤكِّد لما دلَّ عليه قوله: ﴿بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾. ﴿حَقًّا﴾ صفته ﴿فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ أي: أوحى به إلى أنبيائه ﵈، وأثبته في كتبه. ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ مبالغة في إنجاز الوعد، وتقريرٌ لكونه حقًّا. ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ فافرحوا به غاية الفرح؛ فإنَكم تبيعون فانيًا بباقٍ، وتأخذون ثمنًا من مشترٍ (٣) بمبيع هو (٤) ملكه وحقُّه. خاطبهم على سبيل الالتفات؛ تشريفًا لهم. واستبشر: فِعْل جاء فيه استَفْعَلَ بمعنى أفْعَلَ، وليس هذا من معنى الطلب في شيءٍ؛ كعَجِبَ واستَعْجَب (٥). ﴿وَذَلِكَ﴾ البيع ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾؛ لأنَّه الوصول إلى الحظِّ الأغبط من حَطِّ الذُّنوب ودخول الجنَّة بلا حساب.

стр. 1912

(١١٢) - ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿التَّائِبُونَ﴾ رفعٌ على المدح؛ أي: هم التَّائبون، والمراد بهم المؤمنون المذكورون، والدليل عليه قراءة: (التائبين) إلى قوله: ﴿وَالْحَافِظُونَ﴾ نصبًا على المدح، أو جرًّا صفةً للمؤمنين (١). ويجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف؛ أي: التائبون الموصوفون بهذه الصِّفات من أهل الجنَّة وإن لم يجاهدوا؛ لقوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾، أو خبره. ﴿الْعَابِدُونَ﴾ وما بعده خبرٌ بعد خبرٍ، أي: التائبون من الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه الصِّفات، ﴿الْعَابِدُونَ﴾: الذين عبدوا الله تعالى وحده مخلصين له الدِّين. ﴿الْحَامِدُونَ﴾ لنَعمائه، أو لِمَا نالهم من السَّرَّاء والضَّرَّاء. ﴿السَّائِحُونَ﴾؛ أي: الصَّائمون؛ لقوله ﵇: "سياحةُ أمتي الصيام" (٢)، شُبِّهَ بها من حيث إنَّه يعوِّق عن الشَّهوات، أو لأنَّه رياضة نفسانيَّة يُتوصَّل بها إلى الاطِّلاع على خفايا المُلك والملكوت. أو: السَّائرون للجهاد، أو طلب العلم.

стр. 1913

﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ في الصَّلاة. ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بالإيمان والطاعة ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ عن الشرك والمعاصي. والعاطف فيه (١) للدلالة على أنهما بمنزلةِ خصلةٍ واحدة، كأنه قال: والجامعون بينهما. وفي (٢) قوله: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾؛ أي: فيما بيَّنه وعيَّنه من الحقائق والشَّرائع؛ لأنَّه من تمام تلك الخصلة، فإنَّ مَنْ لم يصدِّق فعلُه قولَه (٣)، ولم يوافق حالُه مقالَه، لا يجدي أمرُه نفعًا، ولا يفيد نهيُه رَدْعًا. ومَنْ لم يتنبَّه لهذا قال: إنه للتَّنبيه على أن ما قبله مفصَّل الفضائل وهذا مجمَلُها، وليت شعري ما وجه الدلالة في العاطف على هذا؟! وقيل: إنه للإيذان بأنَّ التَّعداد قد تمَّ بالسَّامع، من حيث إنَّ السَّبعة هو العدد التَّام، والثَّامن ابتداءُ تعداد آخر معطوفٍ عليه، ولذلك تُسمَّى واوَ الثَّمانية. وتقف بإذن اللّه تعالى على ما فيه في موضعه. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني بهم: هؤلاء الموصوفين بتلك الفضائل (٤). ووضعُ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ موضعَ ضميرهم إشعار بأنَّ الإيمان هو الباعث على هذه الخِصال، وأن الكامل في الإيمان مَن كان على الصِّفات المذكورة، وحُذف المبشَّر

стр. 1914

به للتَّعظيم؛ كأنَّه قيل: وبشرهم لما (١) يجلُّ عن الوصف وإحاطةِ الإفهام والتَّعبيرِ عنه بالكلام. * * * (١١٣) - ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ فائدة دخول ﴿كَانَ﴾ المبالغةُ (٢) في نفي الفعل الدَّاخلةِ هي عليه بتعديد جهة نعته، عمومًا باعتبار الكون، وخصوصًا باعتبار الاستغفار مثلًا. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾: أن (٣) يطلبوا المغفرة لهم. ﴿وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ روي أنَّه ﵇ قال لأبي طالب لَمَّا حضره الوفاة: "قل كلمةً أحاجُّ بها عند اللّه"، فأبى، فقال ﵇: "لا أزال أستغفر لك ما لم أُنْهَ عنه" فنزلت (٤). وفيه: أنَّ موتَ أبي طالب كان قبل الهجرة، وهذا آخر ما نزلت بالمدينة. لا يقال: ما ذكر إنَّما يتمُّ أن (٥) لو كان نزول الآية عقيب موت أبي طالب، وليس بلازم؛ لجواز أن يكون النبي ﵇ يستغفر له إلى وقت نزول الآية=

стр. 1915

لأنَّا نقول: الظاهر من قوله (١): (فنزلت) إنَّما هو التَّعقيب بلا تراخٍ (٢). وإنما قال: ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾ دون: الكافرين؛ لأنَّ منهم مَن هو معذور؛ كالذي لم تبلغه الدَّعوة، فلا نهي عن الاستغفار لهم. وذكر الكلبي: أنَّ النَّبيَّ ﷺ زارَ قبر أمِّه في ألف فارس وهو يريد أن يستغفرَ لها، فلمَّا قام عند قبرها فإذا هو بجبريل ﵇، فوضع يده على صدره، وتلا هذه الآية، فبكى النبي ﷺ وبكى المسلمون، فما رؤي يومًا (٣) أشد باكيّا من يومئذ (٤). ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ لا بموتهم على الشِّرك خاصَّة، بل به وبنزول الوحي فيه، فلا يختصُّ النَّهي بالذين ماتوا على الشرك، وإنما قال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ﴾ لعدم المنع عن الاستغفار قبل ذلك؛ لأنَّه طلب التَّوفيق للإيمان اقتضاء، ومَن قال بحجيَّة المفهوم اتخذه دليلًا على جواز الاستغفار للأحياء من الكفار مطلقًا.

стр. 1916

ولَمَّا ورد النَّهي عن الاستغفار للمشركين قال النَّاس: إن إبراهيم ﵇ استغفر لأبيه المشرك (١)، فنزلت هذه الآية (٢). * * * (١١٤) - ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾. ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ يعني: بعد موته على الشرك؛ لأن الاستغفار له قبل الموت لا يصلح متمسَّكًا للقائل المذكور - وذلك ظاهر - فلا ينطبق سببُ النزول. ﴿إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ وقرئ: (أباه) (٣)؛ أي: وعدها إبراهيم ﵇ بقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧]، فأنجز وعده؛ فإن إنجاز الوعد واجب، ولم يكن موته على الشرك ظاهرًا حينئذ (٤) عنده ﵇، كما هو الظاهر من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾ وهذا التَّبيين عنده ﵇ كان يومَ الجزاء على ما ورد في الحديث الصحيح (٥).

стр. 1917

﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ ولم يطلب مغفرته بعد ذلك. ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ استئناف لبيان ما حمله ﵇ على الاستغفار لأبيه. ﴿لَأَوَّاهٌ﴾ فعَّالٌ (١) من أَوَّهَ، وهو الذي يُكثر التَّأوُّه؛ أي: الترحُّم والتعطُّف، ولكثرة تأوُّهِهِ كان يتعطَّف لأبيه المشرك. ﴿حَلِيمٌ﴾: صبورٌ على الأذى، ولذلك كان يحلم عن أبيه ويتحمَّل أذاه ويستغفر له مع شكاسة خلقه. * * * (١١٥) - ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ﴾ قد مرَّ وجه زيادة ﴿كَانَ﴾ في مثل هذا المقام. ﴿لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾: ليَخْلقَ فيهم الضَّلالة، ومَن قال: يسمِّيهم ضلَّالًا، فقد دسَّ فيه مذهب الاعتزال. ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ للإِسْلَامِ ﴿حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ بالنَّهي عبارةً أو دلالةً ﴿مَا يَتَّقُونَ﴾: ما يجب اتِّقاؤه؛ أي: ليس من شأنه تعالى تكليفُ الغافل، فالمهتدي للإسلام إذا أقدم على بعض محظورات الشرع إنما يكون ضالًا إذا كان إقدامه

стр. 1918

عليه بعد بيان حظره (١)، وكأنه عذر الرسول ﷺ في الإقدام (٢) على استغفار أمِّه. وفيه دليل على أن تكليف الغافل غير واقع في شرائع الأنبياء ﵈. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فيعلم حاجة الغافل إلى البيان فيَعذره، وهو تتميمٌ للبيان المذكور. * * * (١١٦) - ﴿إِنّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ﴾ خاصَّة ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لا شريك له ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾: يَهدي ويُضل ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. لمَّا منعهم من الاستغفار للمشركين ولو كانوا أولي قربى، وأشار بقوله: ﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ إلى وجوب التَّبرِّي منهم بعد ما تبيَّن حالهم، بيَّنَ أن المُلك والحول والقوة كلَّها لله تعالى، وأنَّه الهادي والمضل، ولا ولاية ولا نصرة لهم إلَّا منه؛ ليتولَّوه ويتوجَّهوا إليه بشراشرهم (٣)، ويتبرؤوا عمَّا عداه، حتى لا يبقى لهم مقصود فيما يأتون ويذرون سواه. * * *

стр. 1919

(١١٧) - ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾ قال ابن عباس ﵁: هو (١) العفو عن إذنه للمنافقين بالتَّخلُّف عنه (٢). ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ قيل: هو في حقِّ زلَّات سبقَتْ منهم يوم أُحُد وحُنين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥]. ففيه بعث للمؤمنين على التَّوبة. والمعنى: ما من أحدٍ إلا وهو محتاجٌ إلى التَّوبة حتى النبيُّ ﵇ والمهاجرون (٣) والأنصار ﵃؛ لقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾، إذ لا أحد إلا وله حالٌ سينتقِص ما هو فيه بالنسبة إليها، فالتَّرقي منه إليها توبة (٤) من تلك النقيصة. وفيه بيانٌ لفضلها وشرفها بأنها مقام الأنبياء ﵈ والصَّالحين رحمهم اللّه تعالى.

стр. 1920

قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: كانت السُّورة تدعى الفاضحة، فلما نزلت هذه الآية سُمِّيَتْ بها: سورةَ التَّوبة. ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ أي: اتَبعوا أمره ﵇. ﴿فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ في وقتها؛ فإن السَّاعة في اللغة بمعنى مطلق الزَّمان، والعسرة: الضِّيق والشِّدة والعدم، وهي حالهم في غزوة تبوك، كانوا في عسرة الظَّهر يَعتقِب العشرة على بعير واحد، والزَّادِ حتى قيل: إن الرجلين كانا يقتسمان تمرة، والماءِ حتى نحروا الإبل واعتصروا فُروثها، في شدَّة زمانٍ في حرارة القيظ. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ﴾؛ أي: بعدما قاربوا من الميل عن اتِّباع الرَّسول ﷺ في تلك الغزوة، وإنما أسند زيغهم إلى القلب إظهارًا لكونه بمعنى الميل القلبي لا بمعنى الانحراف القالبي. ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من المتَّبعين له ﵇. وفي ﴿كَادَ﴾ ضمير الشَّأن، أو ضمير القوم، والعائد عليه الضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾. لم يقل: زاغت، بل قال: ﴿كَادَ يَزِيغُ﴾، ولم يقل: قلوبهم، بل قال: ﴿قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾؛ تنبيهًا على شركة كلهم في القرار على عدم الثبات في مثل (١) تلك الحال، وامتيازِ جلِّهم عن الباقين بقوة الثبات. وفيه إشارة إلى جهة استحقاقهم لِأَنْ يتوبَ الله تعالى عليهم. وما في قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ من الإبهام؛ لإيهام أنهم ليسوا من المهاجرين والأنصار

стр. 1921

لعدم انحصار المتَّبعين له ﵇ فيهما، ما لا يخفى من التَّعظيم لشأنهما، والترفيع لمكانهما عن مَظِنة التَّشنيع. ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ على الفريق الذي كاد يزيغ قلوبهم لكيدودتهم، وعلى قراءة عبد الله: (من بعد ما زاغَتْ) (١) لزيغهم، وما تقدَّم في حقِّ زلَّاتٍ سبقت من المهاجرين والأنصار في يوم أُحُد وحُنين لا يغني عن هذا، فلا تكرير. وفي عبارة التراخي إشارةٌ إلى تأخُّر عفوهم [لا] (٢) إلى تخلُّل الكفر بينه وبين جريمتهم. ﴿إِنَّهُ بِهِمْ﴾ استئناف تعليلي ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ والجمع بين الاسمين للمبالغة والتأكيد. * * * (١١٨) - ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ﴾ هم الذين تقدم فيهم: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾، معطوفٌ على قوله: ﴿وَالْأَنْصَارِ﴾. ﴿خُلِّفُوا﴾: أُخِّروا وتُرِك أمرهم، لم تقبل منهم معذرة ولا رُدَّت عليهم، فكأنَّهم خُلِّفوا عن المعتذرين ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾: برُحْبها؛

стр. 1922

لإعراض النَّاس عنهم (١) بالكليَّة، وهو مَثَلٌ لشدة الحيرة. ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾: قلوبهم من فرط حيرة الوحشة والغَمِّ، بحيث لا يسعها أُنْسٌ ولا سرورٌ. ﴿وَظَنُّوا﴾: وعلموا ﴿أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ﴾ من سخطه ﴿إِلَّا إِلَيْهِ﴾ بالتوبة والاستغفار. جاءت هذه الجملة في كنف (٢) ﴿إِذَا﴾ في غاية الحسن والتَّرتيب؛ حيث ذكرَ أوْلًا ما هو كنايةٌ عن ضيق المحل، وثانيًا ما هو كنايةٌ عن ضيق الحال، والأوَّل لا يغني عن الثَّاني لأنَّه قد يضيق المحل (٣) وتكون النَّفس منشرحة، وثالثًا ما هو كنايةٌ عن اليأس عن النَّاس، والانقطاع إلى الله تعالى. و ﴿حَتَّى إِذَا﴾ كلمةُ غايةٍ، تقديره: وخلِّفوا إلى هذه الغاية. ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾: وفَّقهم للتوبة ﴿لِيَتُوبُوا﴾ أو: أنزل قَبول توبتهم - بقرينة الاستئناف - ليصيروا من جملة التَّوابين، أو: رجع عليهم بالقَبول والرَّحمة مرَّة بعدَ أخرى ليستقيموا على توبتهم بقرينة الاستئناف (٤)، للتَّعليل بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ لمن تاب ولو عاد في يوم ألفَ مرة.

стр. 1923

﴿الرَّحِيمُ﴾ المتفضِّل عليهم بأصناف النِّعم، وهم (١) المستحقُّون بأنواع النِّعم (٢). * * * (١١٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ فيما لا يرضاه. ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ الذين صدقوا في دين الله تعالى نيَّةً وقولًا وعملًا، أو في إيمانهم ومعاهدتهم الله تعالى ورسوله ﵇ على الطَّاعة، أو في توبتهم وإنابتهم، فيكون المراد هؤلاء الثلاثةَ وأضرابهم. وقرئ: (مِنَ الصَّادقِيْنَ) (٣)، ونسبة القراءتين (٤) إلى المعاني المذكورة على السَّواء. * * * (١٢٠) - ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾؛ أي: ما صحَّ وما جاز لهم.

стр. 1924

﴿وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ كمُزينة وأشجعَ وجُهينة وغِفار. ﴿أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ معاتبةٌ للمؤمنين من أهل يثرب وقبائل العرب المجاورة لها على التَّخلف عن رسول اللّه ﷺ في غزوه، ويُفهَم منها الأمر على أبلغ وجه بملازمته ﵇ أينما توجَّه غازيًا، وبذل النُّفوس دونه. ﴿وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾؛ أي: ولا أن يرغبوا، عطفًا على الأول. و (رغب) إذا تعدَّى بـ (في) أو الباء يفيد معنى الطَّلب، وإذا تعدَّى بـ (عن) يفيد معنى التَّرك والإعراض. ومآل المعنى: ولا يرضوا أن يكونوا في خفضِ عيشٍ (١) ودَعَةٍ ورسولُ اللّه ﷺ في شدَّةٍ ونَصَب. روي أن أبا خيثمة بلغ بستانه، وكانت له امرأة حسناء، فرشَّت له في الظِّل، وبسطت له الحصير، وقرَّبت إليه (٢) الرُّطب والماء البارد، فقال: ظلٌّ ظليل، ورُطَبٌ يانع، وامرأة حسناء، ورسول الله ﷺ في الضَّحِ والرِّيح (٣)! ما هذا بخير. فقام فرحَل ناقته، وأخذ سيفه ورمحه، ومرَّ كالرِّيح، فمدَّ رسولُ اللّه ﷺ طرفه إلى الطَّريق فإذا براكب يزهاه السَّراب، فقال: "كن أبا خيثمة" (٤)، فكأنه، ففرح به رسول الله ﷺ واستغفر له.

стр. 1925

وفي ﴿وَلَا يَرْغَبُوا﴾ يجوز النصب والجزم. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى وجوب متابعته ﵇ المدلول عليه بقوله: ما كان لهم أن يتخلَّفوا. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾: بسبب أنهم ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾: عطش ﴿وَلَا نَصَبٌ﴾: تعب ﴿وَلَا مَخْمَصَةٌ﴾: مجاعة، مَفْعَلة من خموص البطن، وهو ضمرُه، وكني بذلك عن حالة الجوع لأنَّه ملازم لها. والتَّنكير في الثَّلاثة للتَّقليل. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في طريق الجهاد. ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا﴾ بأقدامهم، أو أرجل خيولهم، والموطئُ يجوز أن يكون مصدرًا، وأن يكون موضعًا كالمرجع (١). ﴿يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾ وطؤهم إيَّاه ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ﴾ لم يقل: منهم؛ إخراجًا للمسالمين (٢) منهم، والغيظُ - وهو انقباض الطَّبع بما يرى ممَّا يسوءه - يَنتظِمهم. ﴿نَيْلًا﴾ شيئًا مَنْ قتلٍ أو جرحٍ أو ضربٍ أو أسرٍ أو تشريدٍ أو أخذِ مالٍ. ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾؛ أي: حصل لهم بكلِّ واحدٍ من هذه الآثار حسنةٌ مقبولةٌ، فإنَّ كتابته كناية عن حصوله، وذلك مما يوجب المشايَعة.

стр. 1926

وإنَّما قال: ﴿بِهِ﴾ مع ذكر أشياء جمعًا؛ لأنَّه لَمَّا أدخل بينَ كلِّ شيئين منها ﴿لَا﴾ مكرّرًا، صار كلُّ واحد منها مفردًا بالذِّكر مقصودًا بالوعد، ولهذا قالوا: مَن حلف لا يأكل خبزًا ولا لحمًا حنثَ بكلِّ واحدٍ منهما، ولو قال: لا يأكل خبزًا ولحمًا، لا يحنث إلَّا بهما جميعًا. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ على إحسانهم، فيه إيذانٌ بأنَّ الجهاد إحسانٌ، وأنَّ الإحسانَ مُوجِب للأجر، فيكون تعليلًا لـ ﴿كُتِبَ﴾. أمَّا كونه إحسانًا بالنسبة إلى المؤمنين فلِمَا فيه من صيانة حوزة الإسلام عن استيلاء الكفَّار، وأمَّا بالنِّسبة إلى الكفَّار فلأنَه سعيٌ في إصلاحهم وإرشادهم بأقصى ما يمكن، كضرب المداوي للمجنون ليشرب الدَّواء النَّافع. * * * (١٢١) - ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً﴾ ولو تمرةً أو عِلَاقةَ سوط ﴿وَلَا كَبِيرَةً﴾ مثل ما أنفق عثمان ﵁ في جيش العسرة. وتقديم النَّفقة الصغيرة مع أنَّ حقَها التَّأخير للاهتمام بشأنها؛ لأنها مظنَّة التَّحقير وعدم الالتفات بها. ﴿وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا﴾ في ذهابهم ومجيئهم، والوادي: كلُّ مُنفرجٍ (١) ينفذ فيه السَّيل، اسم فاعل من وَدَى: إذا سالَ، فشاع في معنى الأرض. ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾: أثْبِتَ لهم ذلك ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ به ﴿أَحْسَنَ مَا كَانُوا

стр. 1927

يَعْمَلُونَ﴾: أحسنَ عملِهم، مصدر (١)، أو مفعول ثانٍ؛ أي: جزاء أحسنِ أعمالهم، أو أحسنَ جزاءِ أعمالهم (٢)، فيُلحق ما دونه به؛ شكرًا لسعيهم وتوفيرًا لأجرهم. * * * (١٢٢) - ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ اللام لتأكيد النَّفي؛ أي: وما استقام لهم أن ينفروا جميعًا لنحوِ غزوٍ أو طلب علمٍ، كما لا يستقيم لهم أن يتثبَّطوا جميعًا؛ فإنَّه مخلٌّ بأمر المعاش، وهو تمهيدٌ لوجوب النَّفر في طلب العلم؛ لأنَّه فهم منه أنَّه لو أَمْكن نَفْرُ الكلِّ ولم يؤدِّ إلى مَفسدةٍ لوجب (٣)، وهذا لوجوب التَّفقُّه (٤) على كلِّ مسلمٍ؛ لقوله ﵇: "طلبُ العلم فريضةٌ على كلِّ مسلم" (٥). ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾؛ أي: فإذا لم يمكن (٦) نفرُ الكل لمنافاته المصلحة، فهلَّا نفرَ مِنْ كلِّ فرقة كثيرةٍ منهم كقبيلةٍ وأهلِ بلدةٍ طائفةٌ قليلة. ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾؛ أي:

стр. 1928

ليتكلَّفوا الفقاهة، ويتجشَّموا مشاقَّ تحصيلها، وليجعلوا غرضهم في ذلك ونهاية سعيهم إنذارَ قومهم وإرشادهم إرادة أن يحذروا الله تعالى في اجتناب معاصيه وامتثال أوامره. وتخصيص الإنذار بالذِّكر، وجعلُه وحده غرضَ التَّفقُّه وإن كان العمل به أقدمَ وأهمَّ؛ لأنَّه أشرف وأعلى؛ لأنَّ التَّفقُّه (١) لا يكون تفقُّهًا إلَّا عند العمل به، فمَن لم يعمل بما عَلِم فليس بفقيه، ولا شكَّ أنَّ التكميل بعد الكمال، فكان العمل داخلًا في التَّفقُّه، وبعد الكمال بالعلم والعمل لا يكون الغرض منه إلَّا التَّكميل. وفيه دليل على أن التَّفقُّه في الدِّين والتَّذكير من فروض الكفاية، وأن خبر الآحاد حجَّة لعموم ﴿كُلِّ فِرْقَةٍ﴾، فلو كانت فرقة في قرية لوجب خروج بعضهم للتَّفقُّه وإنذارهم، ولوجب عمل الباقين بإخبارهم وإن لم يتواتر، فإنه غير ممكنٍ فيه. وفي الآية وجهٌ آخر، وهو أنَّ المؤمنين بعدما سمعوا ما أنزل الله تعالى في المتخلِّفين عن غزوة تبوك تسابقوا في الجهاد، فكان إذا بعثَ رسول اللّه ﷺ جيشًا نفروا عن آخرهم وانقطعوا جميعًا عن استماع الوحي والتَّفقُّه، فأُمِروا أن ينفر من كلِّ فرقةٍ طائفةٌ ليتفقَّه الباقون في الدِّين، فلا ينقطع التَّفقُّه الذي هو الغرض من البعثة والجهاد الأكبر، فإنَّ الجدال (٢) بالحجَّة أعظم أثرًا من الجدال بالسَّيف، ولينذروا قومهم النَّافرين إلى الجهاد إذا رجعوا إليهم. وعلى هذا الوجه فالضمير في ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾ و ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ و ﴿إِلَيْهِمْ﴾ للفرقة الباقين، وفي ﴿رَجَعُوا﴾ و ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ للطَّائفة النَّافرين، وفيه تشتيتُ الضمائر،

стр. 1929

وهو وإن لم يكن مخلًّا بالفصاحة عند انتظام المعنى وانسياق الذِّهن إليه، لكن عدمه أولى، فالراجح هو الوجه الأول. * * * (١٢٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ﴾: يَقْربون منكم ﴿مِنَ الْكُفَّارِ﴾ أُمِروا بقتال الأقرب منهم (١) فالأقرب. قيل: كان النَّبي ﷺ إذا غزا ربَّما يجاوز كفَّارًا ويقاتل الأبعد؛ ليكون آيةً لنبوَّته أنَّه لا يبالي ولا يخافُ مَن تركه، فنزلت الآية تعليمًا للمؤمنين أمرَ الحرب كما علَّمهم ذلك في آياتٍ أُخَر؛ من الأمر بأخذ الحذر، وإعداد ما استطاعوا من قوة. وقيل: إن الذين يلونهم من الأعداء يوم نزول هذه الآية هم الرُّوم الذين بهم ختم رسول اللّه ﷺ غزوةَ تبوك، فكان الكلام متَّصلًا بما تقدَّم من غزوة تبوك. ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾: خشونةً وشدَّة وصبرًا على القتال. وقرئ: (غلظة) بالحركات الثَّلاث (٢). ﴿وَاعْلَمُوا﴾ قد مرَّ وجه زيادة (اعلموا) في مثل هذا المقام. ﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ ينصر مَنِ اتَّقاه، فهو تبشير لهم بالنَّصر. * * *

стр. 1930

(١٢٤) - ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ﴾: فمن المنافقين ﴿مَنْ يَقُولُ﴾ لبعضهم: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ﴾ السُّورة ﴿إِيمَانًا﴾ إنكارًا واستهزاءً بالمؤمنين. وقرئ: (أيَّكم) بالنَّصب (١)، على إضمارِ فعلٍ يفسره ﴿زَادَتْهُ﴾. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: فأمَّا (٢) المخلِصون، والفاء لترتيب الإخبار عنهم وعن مقابِليهم على التنويع والتفصيل على ما تقدَّم (٣). ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ بزيادة اليفين الحاصل من تدبُّر السُّورة، وانضمامِ الإيمان بها وبما فيها إلى إيمانهم. ﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ وهم يفرحون بنزولها لزيادة أعمالهم وارتفاع درجاتهم، حتى يتبين ذلك في وجوههم وبشرتهم. * * * (١٢٥) - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: كفر ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾: كفرًا مضمومًا إلى الكفر بغيرها ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ واستحكم ذلك فيهم حتى ماتوا عليه. إنزالُ القرآنِ لقومٍ شفاءٌ ولقومٍ شَقاءٌ.
следующие страницы →