← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

وإنَّما قال: ﴿بِهِ﴾ مع ذكر أشياء جمعًا؛ لأنَّه لَمَّا أدخل بينَ كلِّ شيئين منها ﴿لَا﴾ مكرّرًا، صار كلُّ واحد منها مفردًا بالذِّكر مقصودًا بالوعد، ولهذا قالوا: مَن حلف لا يأكل خبزًا ولا لحمًا حنثَ بكلِّ واحدٍ منهما، ولو قال: لا يأكل خبزًا ولحمًا، لا يحنث إلَّا بهما جميعًا. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ على إحسانهم، فيه إيذانٌ بأنَّ الجهاد إحسانٌ، وأنَّ الإحسانَ مُوجِب للأجر، فيكون تعليلًا لـ ﴿كُتِبَ﴾. أمَّا كونه إحسانًا بالنسبة إلى المؤمنين فلِمَا فيه من صيانة حوزة الإسلام عن استيلاء الكفَّار، وأمَّا بالنِّسبة إلى الكفَّار فلأنَه سعيٌ في إصلاحهم وإرشادهم بأقصى ما يمكن، كضرب المداوي للمجنون ليشرب الدَّواء النَّافع. * * * (١٢١) - ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً﴾ ولو تمرةً أو عِلَاقةَ سوط ﴿وَلَا كَبِيرَةً﴾ مثل ما أنفق عثمان ﵁ في جيش العسرة. وتقديم النَّفقة الصغيرة مع أنَّ حقَها التَّأخير للاهتمام بشأنها؛ لأنها مظنَّة التَّحقير وعدم الالتفات بها. ﴿وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا﴾ في ذهابهم ومجيئهم، والوادي: كلُّ مُنفرجٍ (١) ينفذ فيه السَّيل، اسم فاعل من وَدَى: إذا سالَ، فشاع في معنى الأرض. ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾: أثْبِتَ لهم ذلك ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ به ﴿أَحْسَنَ مَا كَانُوا

стр. 1927

يَعْمَلُونَ﴾: أحسنَ عملِهم، مصدر (١)، أو مفعول ثانٍ؛ أي: جزاء أحسنِ أعمالهم، أو أحسنَ جزاءِ أعمالهم (٢)، فيُلحق ما دونه به؛ شكرًا لسعيهم وتوفيرًا لأجرهم. * * * (١٢٢) - ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ اللام لتأكيد النَّفي؛ أي: وما استقام لهم أن ينفروا جميعًا لنحوِ غزوٍ أو طلب علمٍ، كما لا يستقيم لهم أن يتثبَّطوا جميعًا؛ فإنَّه مخلٌّ بأمر المعاش، وهو تمهيدٌ لوجوب النَّفر في طلب العلم؛ لأنَّه فهم منه أنَّه لو أَمْكن نَفْرُ الكلِّ ولم يؤدِّ إلى مَفسدةٍ لوجب (٣)، وهذا لوجوب التَّفقُّه (٤) على كلِّ مسلمٍ؛ لقوله ﵇: "طلبُ العلم فريضةٌ على كلِّ مسلم" (٥). ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾؛ أي: فإذا لم يمكن (٦) نفرُ الكل لمنافاته المصلحة، فهلَّا نفرَ مِنْ كلِّ فرقة كثيرةٍ منهم كقبيلةٍ وأهلِ بلدةٍ طائفةٌ قليلة. ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾؛ أي:

стр. 1928

ليتكلَّفوا الفقاهة، ويتجشَّموا مشاقَّ تحصيلها، وليجعلوا غرضهم في ذلك ونهاية سعيهم إنذارَ قومهم وإرشادهم إرادة أن يحذروا الله تعالى في اجتناب معاصيه وامتثال أوامره. وتخصيص الإنذار بالذِّكر، وجعلُه وحده غرضَ التَّفقُّه وإن كان العمل به أقدمَ وأهمَّ؛ لأنَّه أشرف وأعلى؛ لأنَّ التَّفقُّه (١) لا يكون تفقُّهًا إلَّا عند العمل به، فمَن لم يعمل بما عَلِم فليس بفقيه، ولا شكَّ أنَّ التكميل بعد الكمال، فكان العمل داخلًا في التَّفقُّه، وبعد الكمال بالعلم والعمل لا يكون الغرض منه إلَّا التَّكميل. وفيه دليل على أن التَّفقُّه في الدِّين والتَّذكير من فروض الكفاية، وأن خبر الآحاد حجَّة لعموم ﴿كُلِّ فِرْقَةٍ﴾، فلو كانت فرقة في قرية لوجب خروج بعضهم للتَّفقُّه وإنذارهم، ولوجب عمل الباقين بإخبارهم وإن لم يتواتر، فإنه غير ممكنٍ فيه. وفي الآية وجهٌ آخر، وهو أنَّ المؤمنين بعدما سمعوا ما أنزل الله تعالى في المتخلِّفين عن غزوة تبوك تسابقوا في الجهاد، فكان إذا بعثَ رسول اللّه ﷺ جيشًا نفروا عن آخرهم وانقطعوا جميعًا عن استماع الوحي والتَّفقُّه، فأُمِروا أن ينفر من كلِّ فرقةٍ طائفةٌ ليتفقَّه الباقون في الدِّين، فلا ينقطع التَّفقُّه الذي هو الغرض من البعثة والجهاد الأكبر، فإنَّ الجدال (٢) بالحجَّة أعظم أثرًا من الجدال بالسَّيف، ولينذروا قومهم النَّافرين إلى الجهاد إذا رجعوا إليهم. وعلى هذا الوجه فالضمير في ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾ و ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ و ﴿إِلَيْهِمْ﴾ للفرقة الباقين، وفي ﴿رَجَعُوا﴾ و ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ للطَّائفة النَّافرين، وفيه تشتيتُ الضمائر،

стр. 1929

وهو وإن لم يكن مخلًّا بالفصاحة عند انتظام المعنى وانسياق الذِّهن إليه، لكن عدمه أولى، فالراجح هو الوجه الأول. * * * (١٢٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ﴾: يَقْربون منكم ﴿مِنَ الْكُفَّارِ﴾ أُمِروا بقتال الأقرب منهم (١) فالأقرب. قيل: كان النَّبي ﷺ إذا غزا ربَّما يجاوز كفَّارًا ويقاتل الأبعد؛ ليكون آيةً لنبوَّته أنَّه لا يبالي ولا يخافُ مَن تركه، فنزلت الآية تعليمًا للمؤمنين أمرَ الحرب كما علَّمهم ذلك في آياتٍ أُخَر؛ من الأمر بأخذ الحذر، وإعداد ما استطاعوا من قوة. وقيل: إن الذين يلونهم من الأعداء يوم نزول هذه الآية هم الرُّوم الذين بهم ختم رسول اللّه ﷺ غزوةَ تبوك، فكان الكلام متَّصلًا بما تقدَّم من غزوة تبوك. ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾: خشونةً وشدَّة وصبرًا على القتال. وقرئ: (غلظة) بالحركات الثَّلاث (٢). ﴿وَاعْلَمُوا﴾ قد مرَّ وجه زيادة (اعلموا) في مثل هذا المقام. ﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ ينصر مَنِ اتَّقاه، فهو تبشير لهم بالنَّصر. * * *

стр. 1930

(١٢٤) - ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ﴾: فمن المنافقين ﴿مَنْ يَقُولُ﴾ لبعضهم: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ﴾ السُّورة ﴿إِيمَانًا﴾ إنكارًا واستهزاءً بالمؤمنين. وقرئ: (أيَّكم) بالنَّصب (١)، على إضمارِ فعلٍ يفسره ﴿زَادَتْهُ﴾. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: فأمَّا (٢) المخلِصون، والفاء لترتيب الإخبار عنهم وعن مقابِليهم على التنويع والتفصيل على ما تقدَّم (٣). ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ بزيادة اليفين الحاصل من تدبُّر السُّورة، وانضمامِ الإيمان بها وبما فيها إلى إيمانهم. ﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ وهم يفرحون بنزولها لزيادة أعمالهم وارتفاع درجاتهم، حتى يتبين ذلك في وجوههم وبشرتهم. * * * (١٢٥) - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: كفر ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾: كفرًا مضمومًا إلى الكفر بغيرها ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ واستحكم ذلك فيهم حتى ماتوا عليه. إنزالُ القرآنِ لقومٍ شفاءٌ ولقومٍ شَقاءٌ.

стр. 1931

(١٢٦) - ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾. ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ﴾ يعني: المنافقين، وإنَّما فُتحَتِ الواو لأنها عاطفة دخل عليها ألف الاستفهام للتَّوبيخ، فالكلام مستأنفٌ من وجهٍ، متَّصلٌ من وجهٍ. وقرئ بناء الخطاب (١)؛ يعني: المؤمنين، والاستفهام حينئذ للتَّعجُّب؛ أي: عَجبًا منهم كيف قسَتْ قلوبُهم وعميت أبصارُهم عمَّا يتتابع عليهم من أنواع المحن وأصناف الفتن. ﴿أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ﴾: يُبتلَون بأنواع البليَّات، أو بالجهاد مع رسول الله ﷺ ، فيعاينون بما يظهر عليه من الآيات. ﴿فِي كُلِّ عَامٍ﴾ العام هنا ليس على عمومه، بل مُخصَّص بقرينة المقام. ﴿مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قيل: هذه الفتنة تَهتكُ أستارهم وتُظهر (٢) أسرارهم. ﴿ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ﴾ من نفاقهم (٣) ﴿وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾: ولا يتَّعظون بما يصيبهم حتى ينتهون عمَّا هم عليه. وزيادة ﴿هُمْ﴾ لأنَّ غيرهم يتَّعظون باختبارهم أنَّ سنَّة الله تعالى أنْ لا يُخْليَ أرباب التَّكليف من دلائل التَّعريف والتَّحريكِ لهم في كلِّ وقتٍ بنوعٍ من البيان، والتَّعريكِ في كلِّ أوان بضربٍ من الامتحان، فمنهم من لا يزداد بإيضاح البرهان إلا زيادة الخذلان، والحجبة عن قرائر البيان.

стр. 1932

(١٢٧) - ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾. ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ ذكر فيما سبق ما يَحدث منهم من القول على سبيل الاستهزاء، وذكر هاهنا ما يحدث منهم من الفعل استهزاءً. ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾: تغامزوا بالعيون؛ إنكارًا لها وسخرية، أو غيظًا (١) لِمَا فيها من عيوبهم. ﴿هَلْ يَرَاكُمْ﴾ قائلين: هل يراكم ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ من المسلمين، يريدون الانصراف سرًّا، لانتفاء صبرهم على الاستماع (٢) لغلبة الضحك، أو ترامقوا يتشاورون في تدبير الخروج والانسلال؛ لغلبة الغيظ، فإن لم يرهم أحدٌ قاموا (٣)، وإن رآهم أقاموا (٤) نفاقًا. ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ عن حضرته ﵇ مخافةَ الفضيحة على التَّقديرَيْن. ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ الظَّاهر أنَّه خبر، ﴿بِأَنَّهُمْ﴾: بسبب أنهم ﴿قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ لسوء فهمهم، أو عدم تدبُّرهم. لَمَّا كان الكلام في معرض ذِكْرِ الذَّنب بدأ بالفعل المنسوب إليهم بقوله: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾، ثم ذكر فعله بهم على سبيل المجازاة (٥) لهم في فعلهم، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥].

стр. 1933

ومن بلاغة القرآن وبديعِ نَظْمه: أنه إذا كان القول في تعداد الذَّنب بدأ في ترتيبه من الجهة التي هي عن المذنب، كما في المثالَيْن المذكورين؛ ليكون هذا أشدَّ تقريرًا للذَّنب عليهم، وإذا كان في تعداد نِعَمه تعالى بدأ في ترتيبه بالجهة التي هي عنه تعالى، كما في قوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ ليكون ذلك منبِّهًا على تلقاء النِّعمة من عنده. * * * (١٢٨) - ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ مخاطبة للعرب على جهة تعديد النِّعمة عليهم في ذلك؛ إذ نشأ من مكانهم، وجاء بلسانهم، وبما يفهمونه من الأغراض والفصاحة، وتشرفوا به غابر الأيام على سائر الأنام. وقرئ: (مِنْ أَنْفَسِكُمْ) (١)؛ أي: أَشْرَفِكم. ثم ذكر ما يتبع المجانسة والمناسبة بقوله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾ أي: شديدٌ وشاقٌّ عليه عنَتُكم ولقاؤكم المكروهَ من سوء العاقبة والوقوع في العذاب. ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾: على إيمانكم وصلاح شأنكم. ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ خاصَّة - ففيه تعميم من وجهٍ، وتخصيصٌ من وجهٍ - ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ الرَّأفة: أشدُّ الرَّحمة. والرَّحمةُ أعمُّ منها؛ لأنَّ الرَّحمة تُستَعمل

стр. 1934

في كلِّ نفعٍ من المطر والسَّعة والعافية وغيرها، فكان المعنى في الرؤوف: الشَّفيق العطوف، وفي الرَّحيم: النَّافع المفضِّل، فلكلٍّ منهما وجهُ تقدُّمٍ على الآخر. وقيل: قدَّم الرَّأفة على الرَّحمة لأنَّ الرَّأفةَ إنَّما تكون باعتبار الحفظِ والصِّيانةِ عن الآفات والنَّقائص التي يُستحقُّ بها العقاب، والرَّحمةَ باعتبار إفاضة الكمالات والسَّعادات التي يُستحقُّ بها الثواب، فالأُولى من باب التَّزكية، والثَّانية من باب التَّحلية، ولا تكون التَّحلية إلَّا بعد التَّزكية، ونسبتها إلى الأولى نسبةَ ﴿حَرِيصٌ﴾ إلى ﴿عَزِيزٌ﴾. * * * (١٢٩) - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ﴾ أي: فإن أعرضوا عن الإيمان بك فقل لهم، وفيه تلوين الخطاب، ووجهُ التَّفريع: أنَّ مقتضى الرَّحمة والرَّأفة أنْ لا يدعو عليهم ولا يجازَيهم بالفعل الذي يؤذيهِم، أي: فاقتصِرْ على القول الجامع للتَّرغيب والتَّرهيب. ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ أي (١): فاستعِنْ بالله تعالى، وفوِّض إليه أمرك، فإنَّه يكفيك مَعرَّتهم ويُعينك عليهم. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ كالدَّليل على التَّسليم والتَّوكُّل.

стр. 1935

﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فلا أرجو ولا أخاف إلا منه. ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾: المُلك العظيم، أو الجسم الأعظم المحيط الذي تنزل منه الأحكام والمقادير. وعن أُبَيِّ ﵁: آخر ما نزل هاتان الآيتان (١). وقال البراء بن عازب ﵁: آخر سورة أُنزِلَتْ كاملةً براءة (٢). ومَن قال (٣): وعن النبي ﷺ : "ما نزل القرآن إلا آيةً آيةً وحرفًا (٤) حرفًا ما خلا سورةَ براءة وقل هو الله أحد، فإنَّهما نزلَتَا عليَّ ومعهما سبعون ألف صفٍّ من الملائكة" (٥)، فكأنه نسي ما قدَّمه من قوله عن رسول الله ﷺ : "أُنزِلَتْ عليَّ سورة الأنعام جملةً واحدةً معها سبعون ألف ملك" الحديث (٦)، والله أعلم بالصواب (٧). * * *

стр. 1936

سُورَةُ يُونُسَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) - ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾. ﴿الر﴾: قرِئ بفتح الراءِ على التفخيمِ، وبكسرِها على الإمالةِ (١)، وقرئ بينَ الفتحِ والكسرِ (٢)، والأصلُ تركُ الإمالةِ؛ لأنَّ ألِفَها ليسَتْ مُنقلِبةً من الياءِ، ومَن أمالَهُ (٣) قصَدَ التنبيهَ على أنها اسمٌ لا حرفٌ. ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ ﴿تِلْكَ﴾ إشارةٌ إلى ما تضمَّنهُ السورة أو القرآنُ، والمراد من ﴿الْكِتَابِ﴾ أحدُهما، والأول أبلغُ من حيثُ إن البعض إذا استقلَّ بوصفِ الكمالِ فالكلُّ أولى. والحكيمُ: ذو الحكمةِ؛ وصِفَ به لاشتماله عليها، ويجوزُ أن يكونَ من قَبيل (٤) توصيفِ الكلامِ بصفة المتكلمِ؛ كـ (شعرٌ شاعِرٌ) للمبالغةِ؛ كأنهُ في نفسهِ حكيمٌ لكثرة حِكَمهِ، وأن يكونَ على تشبيه الكتابِ بالحكيمِ الناطق بحكمتِه، فيكون استعارةً مَكْنيةً، وإثباتُ الحكمةِ قرينةٌ.

стр. 1937

(٢) - ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾. ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾: الهمزةُ لإنكار تعجُّبِ الكفارِ من الإيحاءِ، ولتعجُّب السامعين من تعجُّبهم لكونهِ في غير المحلِّ. و ﴿عَجَبًا﴾ خبرُ (كان) قدِّمَ على اسمِه، وهو: ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ لكونِ الإنكارِ والتعجُّبِ (١) راجعَين إليه. وقرئ: (عجبٌ) (٢) فجعِلَ اسمًا مع كونهِ نكرةً لتخصُّصهِ بتقدمِ ﴿لِلنَّاسِ﴾ عليهِ؛ لأنَّه في المعنى صفةٌ له انقلبَت حالًا بالتقدمِ، والاستفهامُ - خصوصًا الإنكاريُّ - في حكمِ النفيِ، و ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ خبرًا، على عكسِ ما تقدم لا على القلبِ، لا لأنَّه خلافُ الأصلِ؛ لأنَّه لا يخِلُّ بالبلاغةِ، بل لأن القلبَ المقبولَ هو المشتمِلُ على لطيفةٍ، أو اعتبرَ ﴿كَانَ﴾ تامةً، و (عجبٌ) فاعلٌ لها، والمعنى: أحدَثَ للناس عجبٌ لأن أوحينا. وأما ما قيل: ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ بدلٌ من (عجبٌ) (٣)، فلا يساعده سدادُ المعنى. اللام في ﴿لِلنَّاسِ﴾ متعلقةٌ بـ ﴿عَجَبًا﴾ على طريق البيانِ؛ بمعنى: أن هذا العجبَ لهم كما في: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] بمعنى: هذا الخطابُ لكَ؛ أي: أنهم جعلُوه أعجوبةً يتعجَّبون مِنها، ونصبوه لهم علمًا في إنكارِهم واستهزائهم بهِ، ولو قيلَ: (عند الناس) لم يُفد هذا المعنى.

стр. 1938

والتعبيرُ عنهم باسمِ الجنس للتحقيرِ كما في قولهم: ومن الناس مَن يقولُ كذا؛ فكأنهُ قصدَ مقابلَتهم فيما قصدُوه بقولهم: ﴿إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ تعجَّبوا من أن يُوحَى إلى رجلٍ من أفناءِ رجالهم، دون عظيمٍ من عظمائهم، فقد كانوا يقولونَ: العجبُ أن اللّه لم يجد رسولًا يرسلُه إلى الناسِ إلا يتيمَ أبي طالبٍ؛ وذلك من فَرْطِ حماقتِهم وقصورِ نظرِهم عن معرفةِ الأوصاف التي بها اختارَه اللّهُ تعالى للرسالةِ، فإنَّ رسولَ اللّه ﷺ لم يكُن ليقصر من عظمائهم في النسبِ والحسبِ والشرفِ وكلِّ ما يُعتبَرُ في الرياسةِ من أكرم (١) الخصالِ، إلا المالِ، وخفَّةُ الحال أعوَنُ شيءٍ في هذا الباب، ولذلك كان أكثرُ الأنبياءِ ﵈ قبلَهُ كذلكَ. وقيل: تعجَّبوا من أنه تعالى بعثَ بشرًا رسولًا كما سبقَ ذكرُه في سورة الأنعامِ، فمَن خلطَ بينَ الوجهَين لم يصِبْ كما لا يخفَى على ذوي الأفهامِ (٢). ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ ﴿أَنْ﴾ هي المفسِّرةُ؛ لأن في الإيحاءِ معنى القول، وجُوِّزَ أن تكونَ مخفَّفةً من الثقيلةِ على أن الأصلَ: أنه أنذِر، والمعنى: أنَّ الشأنَ قولُنا: أنذرِ الناسَ، وموقعه النصبُ بـ ﴿أَوْحَيْنَا﴾. وفيهِ حذفُ الاسمِ والخبرِ، وفي الأول خلافُ الكوفيينَ، فالأَولى أن تكون مصدريةً تقديره: بإنذار الناس (٣). وذُكرَ اسم الجنسِ للتعميمِ للفريقين، كأنهُ قالَ: أن أنذرِ الناسَ مؤمنًا كان أو كافرًا.

стр. 1939

﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: خاصةً؛ لأن المبشَّرَ به مشروطٌ بالإيمانِ، فالبشارةُ به تنقلِبُ إنذارًا في حقِّ الكفارِ، لا للاستغراقِ؛ كما ذهبَ إليه مَن قال: عمَّم الإنذارَ إذ قلَّما مِن أحدٍ ليس فيه ما ينبغِي أن يُنذَر منهُ (١)؛ لأنَّ تبليغَ الإنذارِ ولو بإرسالِ الخبرِ إلى كلِّ مَن في عصرِه ليسَ في وسعِه ﵇ (٢). وإطلاقُ المؤمنين للتعميمِ لمن آمَن من الثقلَين، وبذلكَ يَنجبرُ (٣) القصورُ السابقُ إلى الوهمِ من تخصيص الإنذارِ بأحدهما لأصالَتهِ في أمرِ البعثةِ؛ لأن المفهومَ إنما يُعتَبرُ إذا لم يعارِضهُ المنطوقُ، وهذا الشرطُ مفقودٌ هاهنا؛ لأن العبارةَ وإن كانت ساكتةً عن العمومِ لكن الدلالةَ ناطقةٌ بهِ بقرينَةِ ما في قرينهِ من التعميمِ، وإنما قدَّمَ الإنذارَ على التبشيرِ لأنَّه أهمّ، ولأن التحليةَ بعد التخليةِ أتمّ. ﴿أَنَّ لَهُمْ﴾ في محلِّ النصبِ بـ (بشِّر) على حذف الباءِ. ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ سمِّيتِ السابقةُ والمسعاةُ الجميلةُ قدمًا لأنَّ السعيَ والسبق إنما يكونُ بالقدَمِ؛ كما سمِّيَتِ النعمةُ يدًا لأنها تُعطَى باليد، وإضافتُها إلى الصدقِ للدلالة على زيادة فضلٍ، وأنها متحقِّقةٌ، لو أنَّ صاحبَها قد نالها بصدقِ القول والنية.

стр. 1940

ويجوزُ أن يُرادَ به المنزلةُ الرفيعة معنويةً أو صوريةً، فيكونَ كقوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] وَيعضدُه قولُه: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، ومَن قالَ: أي: سابقةً وفضلًا ومنزلةً ورفعةً، لم يُصِب في الجمعِ بين وجهَي المجازِ، بل بينَ وجوهِه (١). ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا﴾: فيه دلالة على أنهم يقولونَه عند حضرته ﵇. ﴿لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾: وقرئ: ﴿لَسَاحِرٌ﴾ (٢)، والإشارةُ إلى القرآنِ وسائرِ ما أتى به من الخوارقِ للعاداتِ، وكيف ما كان ففيهِ اعترافٌ بعجزِهم عن المعارضةِ، وتسليمٌ لإعجازهِ معنًى، وإن كانوا يطلِقون عليه لفظَ السحرِ عنادًا ومكابرةً؛ لأن التعجُّبَ أولًا ثم التكلمَ بما هو معلومُ الانتفاءِ قطعًا حتى عندَ نفسِ المعارِضِ دأبُ العاجزِ. * * * (٣) - ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: دلَّ بهِ على عظمةِ شأنِه وكمالِ سُلطانِه بالقدرة على خلق أصولِ الممكنات كلِّها معَ سعتها وبسطِها في وقتٍ يسيرٍ، وعلى عِظمِ ملكِه بالاستواءِ على العرش، ثم قرَّرها وأكَّدَها بقولِه:

стр. 1941

﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ لأنَّ تدبيرَ أمر الخلائق كلِّها بتهيئةِ أسبابها وترتيبِها على النظامِ الحكمي مما يبينُ أمرَ العظمةِ ويقرِّرُه. والتدبيرُ: النظرُ (١) في أدبارِ الأمورِ لتقعَ على ما ينبَغِي من الوجهِ الأتمِّ الأصوبِ. ثم زادَ في تقريرِ معنى العظمةِ والكبرياءِ والعزةِ والجلالِ بقولِه: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ كقولهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبأ: ٣٨] وفيهِ إثباتُ الشفاعة لمن أَذِنَ له، وأما الردُّ على مَن زعمَ أن آلهتهم تشفَعُ لهم عندَ اللّه تعالى فلا يتمُّ؛ لأنهم يدَّعونَ أن اللّهَ تعالى يأذَنُ لهم في الشفاعةِ، ولا دلالةَ في الآية على عدمِ الإذن لهم (٢). ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ إشارةٌ إلى المعلومِ الموصوف بتلكَ العظمةِ والكبرياءِ الموجبةِ لاستحقاقِ العبادةِ؛ أي: ذلكُم الموصوفُ بما وُصِفَ هو: ﴿رَبُّكُمُ﴾ لا غيرُ؛ إذ لا يشاركُه أحدٌ في شيءٍ من ذلكَ. ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ وحدَهُ ولا تشركُوا به شيئًا من أشرفِ الموجوداتِ فضلًا عن الجمادِ.

стр. 1942

﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾: أبَعْدَ النظرِ في تفرُّدِه تعالى في هذهِ الأوصافِ، الموجِبِ لتخصيصِهِ بالعبادةِ، لا تتذكَّرونَ فتتنَبَّهون بأدنى تفكُرٍ على خطأ ما أنتُم فيهِ؟! * * * (٤) - ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾. ﴿إِلَيْهِ﴾ لا إلى غيرِه ﴿مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ بالبعثِ من القبورِ يوم النشورِ، ظاهرُهُ إخبارٌ عن المالِ، وباطنُهُ إنذارٌ بما فيه من سوءِ الحالِ، وأمرٌ على وجهِ الإرشادِ بالاستعدادِ ليوم التنادِ. ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ مصدَرٌ مؤكِّدٌ لنفسِهِ؛ لأن قوله: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ وعدٌ من اللّه تعالى. ﴿حَقًّا﴾ مصدرٌ آخرُ مؤكِّدٌ لغيرِه، وهو ما دلَّ عليهِ ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾. ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: بعدَ بدئه وإهلاكِه، استئنافٌ كالدليلِ لِمَا تقدَّم؛ وذلكَ أنه تعالى لمَّا أخبَر عن وقوع الحشرِ والنشرِ ذكرَ بعده ما يدلُّ على كونِه ممكنَ الوقوعِ في نفسِه بقولِه: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾؛ لأن إمكانَ الوجود أولًا يدُلُّ على إمكانِه ثانيًا، ثم ذكَرَ ما يدلُّ على وقوعِهِ بقولِهِ: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾. وقيلَ: هو كالتعليلِ لقوله: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ لأنهُ لمَّا كان المقصودُ من الإبداِء والإعادة مجازاةَ اللّه المكلَّفين على أعمالهم، وجَبَ أن يكون مرجِعُ الجميعِ إليه، ويؤيدُه قراءةُ ﴿إِنَّهُ﴾ بالفتح (١)؛ أي: لأنَّه، وبعدَ حذف اللامِ يكون منصوبًا بالظرفِ أعني ﴿إِلَيْهِ﴾.

стр. 1943

ويجوزُ أن يكون من غيرِ اعتبارِ اللامِ منصوبًا بـ (وَعَدَ) المحذوفِ (١)، مفعولًا به باعتبارِ المعطوفِ؛ أعني: ثم يعيدُه؛ لأن الموعودَ هو الإعادةُ لا البدءُ، أو مرفوعًا بـ[ما نَصَب] ﴿حَقًّا﴾ المحذوفِ (٢). وقد (٣) قرئ: (وعَدَ اللّهُ) على لفظ الفعل (٤)، و: (حقٌّ أنهُ يبدأ الخلقَ) (٥)؛ كقولك: حقٌّ أن زيدًا منطلِقٌ (٦)، وقرئ: (يُبدئ الخلق) من الإبداء (٧). ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾ متعلِّق بـ (يجزي)؛ أي: بعدلِه، أو: بعدالتهم، أو: بما عدَلوا بإيمانهم وعملِهم، ولم يظلِموا بالشركِ؛ لأنَّ الشرك ظلمٌ عظيمٌ، وهو الأوجَهُ لمقابلتِهِ قولَهُ: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾: من ماءٍ حارٍّ مغليٍّ قد انتهى حرُّه، وهو في جهنَّمَ.

стр. 1944

﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: عذابٌ (١) يخلصُ وجعُه إلى قلوبهم. ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾: غيَّرَ النظمَ، ولم يقُلْ: ويجزي الذين كفروا بشرابٍ من حميمٍ وعذابٍ أليمٍ بسبب كُفرِهم كما قالَ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾؛ للمبالغةِ في استحقاقِهم للعقابِ ولصوقِ (٢) العذابِ بهم. وجعَلَ ثوابَ الإيمان والعملِ الصالحِ غرَضًا دونَ عقابِ الكُفر للتنبيهِ على أن المقصودَ بالذاتِ من الإبداءِ والإعادةِ هو الإثابةُ، وأن اللّه تعالى هو الذي يتولَّى إثابة المؤمنين بما يَليق بلطفِه وكرمِه ولذلك لم يعيِّنهُ، وأما العقابُ فإنه واقع بالعَرَضِ كأنه داءٌ ساقَهُ إلى الكفرةِ سوءُ اعتقادِهم وشؤمُ أعمالِهم. * * * (٥) - ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً﴾ إن كان ﴿جَعَلَ﴾ بمعنى: (صيَّرَ) يكونُ ﴿ضِيَاءً﴾ مفعولًا ثانيًا، وإن كانَ بمعنى (خَلَق) يكونُ حالًا، والضياء مصدر، أو جمعُ ضوءٍ كسياطٍ وسَوط، والياءُ فيهِ (٣) منقلبةٌ عن الواوِ. وقرئ بهمزَتين (٤) على القلبِ بتقديم اللامِ على العينِ.

стр. 1945

﴿وَالْقَمَرَ نُورًا﴾: جعلَ نفس الشمس ضياءً وعينَ القمرِ نورًا للمبالغة (١). ولما كانت الشمسُ أعظَمَ جِرمًا خُصَّت بالضياءِ؛ لأنَّه هو الذي لهُ سطوعٌ ولمعانٌ وهو أقوى من النورِ. وقيلَ: ما هو بالذات ضوءٌ؛ وما هو بالعرَضِ نورٌ؛ فكأنهُ قصَدَ بما ذكر التنبيهَ على أن نور الشمسِ ذاتيٌّ، ونور القمرِ عرضيٌّ مستفادٌ منها. ﴿وَقَدَّرَهُ﴾: قدَّرَ القمرَ. ﴿مَنَازِلَ﴾؛ أي: مسيرةَ منازِلَ، أو: قدَّره ذا منازلَ كقولهِ: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩] والمرادُ بالمنازلِ: البروجُ؛ إذ بها وبقطعِها عددُ الشهورِ والسنينَ، وخصَّصَ القمر بها لأن المعتبرَ في الشرع السنةُ القمريةُ والشهر الهلاليُّ، وبهما يتعلق أحكامُ الشرعِ، ولذلك علَّلهُ بقولِه: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾؛ أي: حسابَ الأوقاتِ من الأشهُرِ والأيام والليالي في معاملاتكم وعباداتكم. ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذُكِرَ ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ حالٌ مستثناةٌ من أعمِّ الأحوال؛ أي: ما خلقَهُ بحالٍ إلا مُلْتبِسًا بالحق مراعيًا فيهِ مقتضى الحكمةِ البالغة إلى الصوابِ. ﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾: نبيِّنُ العلامات التي يُستدلُّ بها على الحقِّ. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ خصَّهم بالذكر (٢) بذلك لأنهم هم (٣) المنتفعُون بها. * * *

стр. 1946

(٦) - ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾. ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ اختلافُهما: تعاقُبهما (١) وكونُ أحدِهما يخلُفُ الآخرَ، وتفاوتُهما وكونُ أحدِهما يزيدُ بنقصان الآخرِ. ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من أنواعِ الكائنات. ﴿لَآيَاتٍ﴾ على وجود الصانعِ ووحدَتِه، وكمالِ علمِه وقُدرته. ﴿لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ خصَّهم بذلك لأن الباعثَ على النظرِ والتدبرِ لا يكون إلا تقوى اللّه والحذرَ عن العاقبةِ، فهم الذين يعلمونها آياتٍ، وينتَفِعون بها دون غيرِهم. * * * (٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾: لا يخافُونه، لا لإنكارِهم البعثَ؛ لأنهُ لا ينتظِمُ مع تعليلِ قرينهِ، بل لاعتمادِهم على شفعائهم. واستعمالُ الرجاء في معنى الخوفِ شائعٌ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣] وقالَ الهُذَلي: إذا لسعَتهُ نحلةٌ لم يرجُ لَسْعَها (٢)

стр. 1947

والمرادُ من لقاءِ اللّه تعالى: سوءُ الحساب عندَهُ تعالى، وما يترتَّبُ عليه من إصابةِ المكروهِ، وهذا صريحٌ في عدمِ تأثير التحذيرِ والترهيبِ فيهم. ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ من الآخرةِ؛ لغفلَتِهم عنها، ولا تمشيةَ لهذا التعليل في حق المنكرينَ لها؛ ضرورةَ أن الإنكارَ لأمرٍ لا يجامِعُ الغفلة عنهُ. ووصفُهم هذا كنايةٌ عن أن الترغيبَ لا يجدِي نفعًا في حقِّهم. ولما احتُملَ أن يُقالَ: لمَ لا يجوزُ أن يُزالَ غفلَتُهم بالتنبيهِ والاستدلالِ، دفعَهُ بقولِه: ﴿وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾؛ أي: سكَنوا فيها سكونَ مَن لا يُزعَجُ عنها، فانظُر إلى حسن انتظامِ هذا المقالِ، فمَن قالَ في تفسيرِ الوصفِ الأولِ: لا يتوقَّعونَه لإنكارِهم البعثَ وذهولِهم بالمحسوساتِ عما وراءَها. فكما أخطأ في التعليلِ لم يصِب في المعلَّل؛ لأنَّه أخلَّ بشقِّ الترهيبِ. ثم إن قولَه: وذهولِهم بالمحسوساتِ عما وراءها، إنما يناسِبُ تفسيرَ الرجاء بالأملِ على ما هو حقيقَتُه، وحملُ اللقاءِ على نيل الثوابِ على أن عبارةَ الذهولِ لاقتضائه سبق العلم (١) لا يُناسِبُ المقامَ. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾ لا يتفكَّرون فيها لانهماكِهم فيما يضادُّها (٢). والواو بين الموصولينِ للجمعِ بين الوصفَين المتغايرينِ، والتنبيهِ على أن الوعيدَ لهُ، أو الذاتَين وهما (٣) الفرقةُ الفارغةُ عن أحوال الآخرةِ وأهوالِها الراضيةُ بالحياة الدنيا، والتي ألهاهم حبُّ العاجلِ عن التأمُّلِ في الآجلِ والإعدادِ له.

стр. 1948

(٨) - ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ بما واظَبُوا عليهِ وتمرَّنوا به من المعاصي. * * * (٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾: بسببِ إيمانهم، إلى سلوكِ السبيل المؤدِّي إلى الجنةِ؛ ولذلكَ جعَلَ: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ بيانًا وتفسيرًا له، أو: يهدِيهم في الآخرَةِ بسببِ نورِ إيمانهم إلى الجنةِ؛ كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الحديد: ١٢]، أو لِمَا يريدونَهُ في الجنةِ، وعلى هذا يكونُ ﴿تَجْرِي﴾ خبرًا ثانيًا لـ ﴿إِنَّ﴾، أو حالًا من الضميرِ المنصوبِ في ﴿يَهْدِيهِمْ﴾، وجعَلَ التمسكَ بسببِ السعادةِ نفسَ الوصولِ إليها، كأنَّ هدايتَهم إلى الطريقِ هدايتُهم إلى المقصِدِ بسرعَةِ الأداءِ إليه. ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ متعلقٌ بـ ﴿تَجْرِي﴾، أو بـ ﴿يَهْدِي﴾، أو خبر، أو حالٌ آخرُ من الضميرِ المذكورِ، أو من الأنهارِ. ولا يخفَى على مَن أنصَف، وبالتجنُّبِ عن التعسُّفِ اتَّصف، أن الجمعَ بين الإيمانِ والعمل الصالحِ ظاهرٌ في أنه السببُ، لا سيما في مقامِ الترغيبِ في اكتسابِ أسبابِ حسنِ اللقاءِ، واجتناب أسبابِ سوءِ الجزاءِ. ثم التصريحُ بسببيةِ الإيمان المضافِ إلى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ كالتنصيصِ على أنهُ ذلكَ الإيمانُ المقرونُ بالعملِ الصالحِ، لا

стр. 1949

مُطلَقُ الإيمانِ، غايةُ الأمرِ أنه ذُكرَ لأصالَتِهِ وزيادةِ شرفِهِ، فلا يكونُ ذكرُه مستدركًا ولا دالًّا على استقلالِ الإيمانِ. وبهذا التفصيل اندفَعَ ما قيلَ: ومفهومُ الترتيبِ وإن دلَّ على أن سبَبَ الهدايةِ هو الإيمانُ والعملُ الصالح، لكنْ دل منطوق قوله تعالى: ﴿بِإِيمَانِهِمْ﴾ على استقلال الإيمان بالسببية، وأن العمل الصالح كالتتمةِ والرديفِ (١). قيلَ: ولا مخالِفَ لما ذُكرَ من أهل السنةِ والجماعةِ؛ لأن العصاةَ غيرُ مَهديين، وأما أنَّ كلَّ مَن لم يكن مهتديًا فهو خالدٌ في النار فهو ممنوعٌ، ودعوى ذلك غايةُ المكابرةِ (٢). ولا وجهَ له؛ لأن الكلامَ في الهدايةِ بسبب الإيمانِ إلى سلوك السبيلِ المؤدِّي إلى الجنةِ، وعصاةُ المؤمنين مهديُّون (٣) بهذه الهدايةِ، ولا خلافَ في أنَّ مَن لا يكونُ مهتديًا بهذه الهدايةِ لا يدخُلُ الجنةَ. فالصوابُ في الجوابِ عن تمسُّكِ المخالفِ بهذه الآية: أنها مُعارَضةٌ بمثل قوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١] فإنَّ فيه دلالةً على أن الإيمان وحدَه كافٍ في استحقاقِ ما أُعِدَّ لهُ. والأصلُ في النصوصِ التوقيفُ، وهو هاهنا بحملِ النعيمِ على ما هو اسمٌ خاصٌّ لإحدى الجنانِ السبعِ على ما مرَّ تفصيلُه في تفسيرِ سورةِ البقرةِ، والمرادُ من الجناتِ المضافةِ إليهِ: ما فيه من البساتينِ، ونظيرُه قولُه تعالى: ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ

стр. 1950

الْمَأْوَى﴾ [السجدة: ١٩] فيجوزُ أن تكونَ الهدايةُ إلى جنةِ النعيم مشروطةً بالعمل الصالحِ لكون (١) الإيمانِ وحدَه كافيًا في الهدايةِ إلى مُطلَقِ الجنةِ. * * * (١٠) - ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا﴾ أي: دعاؤهم: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ أي: اللهُمَّ إنَّا نسبِّحك تسبيحًا. ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا﴾ أي: تحيةُ بعضِهم لبعضٍ، أو: تحيةُ الملائكة إياهم. ﴿سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾ خاتمةُ دعائهم: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: أنْ يقولوا ذلكَ، و (أنْ) هي المخفَّفةُ من الثقيلةِ؛ أصلُهُ: أنَّه الحمدُ للّهِ، والضميرُ للشأنِ. وقرئ: (أنَّ الحمْدَ للّهِ) بالتشديدِ ونصب (الحمد) (٢)، يعني: أن أهلَ الجنة مستغنون عن طلب النوالِ؛ لحضورِ كلِّ ما يشهِّيهم في الحالِ، آمنونَ عن احتمال الانقطاعِ والزوالِ، فلا جرَمَ دعاؤهم أولًا وآخرًا مقصورٌ على التمجيدِ والتحميدِ. * * * (١١) - ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.

стр. 1951

﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ أصلُهُ: ولو يعجِّلُ اللّهُ للناس الشرَّ تعجِيلَه لهم الخير حين (١) استعجلُوهُ بالخيرِ، فوضَع ﴿اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ موضعَ: تعجيله الخيرَ، وحذف ما حذف منه لدلالة الباقي عليهِ إيجازًا، وذلك الوضعُ للإشعار بسرعةِ إجابته تعالى لهم في الخيرِ، حتى كان استعجالُهم به نفسَ تعجيله له، وبأنَّ المراد بالشرِّ: الشرُّ الذي استعجلُوه كقولهم: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢]. ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾؛ أي: ولو يعجِّلُ اللّهُ لأهل مكة الشرَّ الذي دعَوا به واستعجلُوه كما يعجِّلُ لهم الخيرَ، ويجيبُهم إليهِ لَمَا قاموا لعذابنا، بل أهلِكُوا (٢) وأُميتوا؛ لأن تركيبهم (٣) في الدنيا لا يحتمِلُ ذلكَ. وقرئ: ﴿لَقُضِيَ﴾ على البناء للفاعلِ (٤) وهو اللّه تعالى، ويؤيده قراءةُ: (لقَضَينا) (٥). وهذه الآيةُ متصلةٌ بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ دلالةً على استحقاقِهم العذابَ، واللّهُ تعالى إنما يمهلُهم استدراجًا، وجيءَ بـ (الناسِ) بدل ضميرِهم تفظيعًا للأمرِ، ثم قيلَ: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ مصرَّحًا باسمهم، وذكرُ

стр. 1952

المؤمنين إنما وقعَ في البينِ تتميمًا ومقابلةً فليس بأجنبيٍّ، ومن هنا ظهرَ أنه لا حاجةَ إلى أن يجعَلَ ﴿فَنَذَرُ﴾ جوابَ شرطٍ محذوفٍ. * * * (١٢) - ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا﴾ لإزالتِه في جميع أحوالِه لا يَفتُرُ عنه في حالٍ من أحوالِه. ﴿لِجَنْبِهِ﴾: مُلْقًى لجنبِهِ (١)، في موضع الحالِ لعطفِ الحالين عليهِ، أي: دعانا مضطجعًا ﴿أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ فالترديدُ للتعميمِ لجميع أحوال أصنافِ - أو لجميع أصناف أحوال (٢) - الضررِ مُلْقًى لجنبِه عاجزًا عن القعودِ، أو قاعدًا لا يقدِرُ على القيامِ، أو قائمًا لا يقدِرُ على النقلةِ، أي: لا يستغني عن الدعاءِ في نوعٍ من أنواعِه. ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ﴾: مضى على طريقهِ الأولى في الذهولِ والغفلةِ عنَّا ونسي الجهدَ، أو: مرَّ عن موقفِ الدعاءِ لا يرجِعُ إليه. ﴿كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا﴾ أصلُه: كأنَّهُ لم يدعُنا، فخفَّف وحذفَ ضمير الشأنِ كما في قوله: ونَحْرٍ مُشْرِقُ اللَّونِ كأنْ ثَدْيَاهُ حُقَّانِ (٣)

стр. 1953

﴿إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾؛ أي: كشفِ ضرٍّ. ﴿كَذَلِكَ﴾ مثلَ ذلك التزيين ﴿زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عملُهم من الإعراضِ عن الذكرِ والدعاءِ، والانهماك في الشهواتِ. * * * (١٣) - ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣)﴾. ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الخطابُ لأهل مكةَ ﴿لَمَّا ظَلَمُوا﴾: حينَ ظلَموا بالتكذيبِ ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ الواو للحالِ، ولا حاجةَ إلى تقديرِ (قد) لأنها لم تدخُل على: ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ وحدَهُ، بل على جملَةِ ذلك القولِ والتي تليها، كأنهُ قيلَ: لما ظلَموا وقصَّتُهم هذِه، وقد مرَّ نظيرُ هذا في أوائلِ سورة البقرة في تفسير قوله تعالى ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ الآية (١). أو عطفٌ على ﴿ظَلَمُوا﴾؛ لأن معناهُ: إحداثُ التكذيبِ، وهذا معنى الإصرارِ عليه بحيثُ لا فائدة في إمهالِهم. ﴿وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾: وما استقامَ لهم أن يؤمنوا لفسادِ استعدادِهم، واللامُ لتأكيد النفيِ، وأما علمُه تعالى بأنهم يموتونَ على الكفرِ فلا تأثيرَ له في عدمِ إيمانهم؛ لأنَّ العلمَ تابعٌ للمعلُومِ فلا يؤثِّرُ فيهِ. ويجوزُ أن يكونَ عطفًا على ﴿ظَلَمُوا﴾، ويكونُ ﴿ظَلَمُوا﴾ مؤخَرًا عن

стр. 1954

﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ معنًى، وإن قدِّمَ عليهِ لفظًا للاهتمامِ كما قدِّمَ: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ على ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠] لذلكَ، والمعنى: أنَّ السبب في إهلاكِهم تكذيبُهم الرسلَ، وعدمُ الفائدةِ في إمهالهم بعدَ أن أُلزِموا الحجةَ ببعثِهِ الرسلَ. ويجوزُ أن يكونَ ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ اعتراضًا لتقريرِ ما تخلَّلَ هو بينَهُ. ﴿كَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلكَ الجزاءِ بالإهلاك على وجهِ الاستئصالِ ﴿نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ أرادَ المجرمينَ بالجُرم المعهودِ، وهو تكذيب الرسلِ والإصرارُ عليه. وإنما قال: ﴿نَجْزِي الْقَوْمَ﴾ لأن الكلامَ في عذاب الاستئصالِ، ولم يتنبَّه له مَن قالَ في تفسيره: نجزي كلَّ مجرمٍ، والمقصودُ وعيدٌ لأهل مكةَ، وتهديدٌ لهم، ومبناهُ على اندراجِهم فيه اندراجًا أوليًا، وهذا أبلَغُ من الخطابِ لهم، ومَن لم يتنبَّه له جوَّزَ أن يكونَ المعنى: نجزيكم، على وضعِ المُظهَرِ موضِعَ المُضمَرِ. * * * (١٤) - ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾. ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: من بعد القرونِ التي أهلكناهم، جَعْلَ مختبِرٍ. ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ أتعملونَ (١) خيرًا أم شرًا؟ فيعامِلَكم على حسبِ أعمالكُم، استُعيرَ ﴿ثُمَّ﴾ للتراخي في الرتبةِ فلا يُغني عنهُ قولُهُ: ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. و ﴿كَيْفَ﴾ في محلِّ النصبِ بـ ﴿تَعْمَلُونَ﴾ مستعارًا لمعنى: أيَّ شيءٌ؟

стр. 1955

فيكونُ نصبُه على المفعوليةِ، ويجوزُ أن يكون نصبُه على الحاليةِ؛ أي: لننظُرَ على أيِّ حالٍ تعمَلون: على حالِ الخير أم على (١) حالِ الشرِّ، ولا يجوزُ انتصابُه بـ ﴿لِنَنْظُرَ﴾ لأنَّ الاستفهام لا يتقدمُ عليهِ عاملُهُ، وفائدتُهُ: التنبيهُ على أن المعتبرَ في الجزاءِ ماهياتُ (٢) الأفعالِ وكيفيَّاتها، لا هِيَ من حيثُ ذاتُها، ولهذا يحسُنُ الفعلُ تارةً ويقبُحُ أُخرى. والنظرُ على حقيقتِهِ لأن الكلامَ على طريقةِ الاستعارةِ التمثيليَّةِ؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا﴾ [الفرقان: ٢٣] على ما نبَّهتُ عليه آنفًا. ومَن لم يتنبَّه لذلك قالَ: هوَ مستعارٌ للعلم المحقَّقِ الذي هو العلمُ بالشيء موجودًا. ويلزَمهُ الالتزامُ بأن يكون علمُه تعالى بالحوادثِ حادثًا، ولا صحةَ له؛ لأنَّه صفةُ كمالٍ، لا يجوزُ خلوُّهُ تعالى عنهُ، ومنشؤه الغفولُ عن أنَّ مَن ليسَ بزمانيٍّ لا يتوقَّفُ عِلمُه بالحوادثِ على مرور الزمانِ، وحصولِ تلكَ الحوادثِ في أوقاتها، كما هو شأنُ علمٍ هو زمانيٌّ. * * * (١٥) - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.

стр. 1956

﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ﴾ لا يخافون ﴿لِقَاءَنَا﴾ يعني: المستهزئين من المشرِكينَ؛ ذكرَه ابن عباسٍ ﵄ (١). ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾: بكتابٍ آخرَ ليس فيه ما يَغيظُنا من ذمِّ آلهتِنا والوعيدِ على عبادَتِها نتَّبِعْكَ. ﴿أَوْ بَدِّلْهُ﴾: بأنْ تجعلَ مكانَ آيةٍ تفيد ذلك آيةً أُخرى، وإنما اقترَحوا ذلك مكرًا وطمَعًا في إجابته إليهِ، فيُلزِموه ويستهزئوا منهُ. ولمَّا كانَ الإتيان بقرآنٍ غيرِ هذا ليس مقدورًا للإنسانِ، لم يَحتَجْ إلى نفيِه، ونَفَى ما هو مقدورٌ له وإن كان غيرَ جائزٍ في حقه (٢) ﵇، فقيل لهُ: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي﴾: ما يصحُّ (٣) لي ﴿أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ مصدرٌ استُعمِلَ ظرفًا. هذا بحسب جليل النظر، والذي هو بحسب دقيقِه: أن نفي الثاني نفيٌ للأولِ دلالةً، فلا اقتصارَ في النفي ولا اكتفاءَ ببعضِ الجوابِ، واللّهُ تعالى أعلَمُ بالصوابِ. ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ تعليلٌ لقوله: ﴿مَا يَكُونُ لِي﴾؛ لأنَّ المتَّبِعَ لغيره في أمرٍ سيَّما الوحي لا يستبِقُ بالتصرفِ فيه بوجهٍ، وجوابٌ للنقصِ بنسخِه بقرآنٍ آخرَ، ورَدٌّ لِمَا عرَّضوا به في هذا السؤالِ من أنَّ القرآنَ كلامُه ﵇ ومفتراهُ، ولذلكَ قيَّدَ التبديلَ في الجوابِ بقوله: ﴿مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ وسماهُ عصيانًا بقولِه:

стр. 1957

﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾؛ أي: بالتبديلِ ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: فيهِ إيماءٌ بأنهم استوجبوا العذاب بهذا الإخراج. * * * (١٦) - ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ غيرَ ذلكَ. ﴿مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾: ولا أَعلَمَكم به على لساني؛ أي: إن تلاوتَهُ ليسَت إلا بمشيئةِ اللهِ تعالى لا بمشيئتي حتَّى أجعلَهُ على نحو ما تشتهونَهُ. وقرئ: ﴿أَدْرَاكُمْ﴾ بلام التأكيدِ (١)، أي: لو شاءَ اللهُ ما تلوتُه عليكُم، ولأعلمكم اللهُ به على لسانِ غيري، والمعنى: إنهُ الحقُّ الذي لا محيصَ عنهُ، لو لم أُرسَل به لأُرسِلَ به غيري. وقرى: (ولا أدراتُكم) (٢) على لغةِ مَن يقولُ: أعطاته وأرضاته (٣)، في: أعطيتُه وأرضيتُه، ويعضدُه قراءةُ ابن عباسٍ ﵄: (ولا أنذرتكم) (٤).

стр. 1958

وقرئ: (ولا أَدْرَأكم به)، [(ولا أَدْرَاعْيهم)] بالهمزةِ (١) على لغةِ مَن يقلب الألفَ المبدلةَ من الياءِ همزةً لأنهما من وادٍ واحدٍ، أو على أنهُ من دَرَأْتُه: إذا دفعتَهُ، وأَدْرَأْتُه: جعلتُه داريًا؛ أي: ولا جعلتكم بتلاوته خُصماءَ تدرؤونني بالجدالِ وتكذِّبونني. ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا﴾ طويلًا مقدارَ أربعين سنةً. ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبلِ هذا القرآنِ؛ أي (٢): لا أتلوهُ ولا أعلَمُ شيئًا، وهو تقريرٌ (٣) لكونه مِن إعلام اللهِ تعالى وبمشيئته، فإنَّ مَن نشأ بهم وعاش فيهم هذه المدَّةَ لم يتعلَّم شيئًا، ولم يجالس قطُّ عالمًا، ولم يمارِس علمًا، ولم ينشِئ خطبةً ولا قريضاً، ثم أتى بكلامٍ بذَّت فصاحتُه فصاحةَ كلِّ بليغٍ، وعلا نظمُهُ كلَّ منظومٍ ومنثورٍ، خارقًا للعادةِ، أعجزَ عن معارضتِهِ البلغاءَ عن آخرِهم، محتوٍ على فنون العلومِ والحِكَمِ، ناطقٍ بغيوبٍ لا يعلَمُها إلا اللهُ، مشتمِلٍ على أصولِ الأحكامِ وفروعِها، معربٍ عن أقاصيصِ الأولينَ وأحاديثِ الآخرينَ على ما هي عليهِ، عُلِمَ أنه معلَّمٌ به (٤) من عندِ الله تعالى. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أفلا تستعملون عُقولكم بالتأمُّلِ فيهِ فتعلَمون أنهُ ليسَ إلا من اللهِ تعالى لا من مِثلي، فلا تتَّهموني بالافتراءِ على الله تعالى.

стр. 1959

(١٧) - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾. ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾: كنايةٌ منه ﵇ ومنهم؛ أي: أظلَمُ مني إن افتريتُ على اللهِ كذبًا بتبديلِ ما أنزَلَ اللهُ تعالى عليَّ، ومنكم بتكذيبِكم بآياتِ الله تعالى، وقد سبقَ في تفسير سورة البقرة وجهُ هذه الطريقةِ الاستفهاميةِ في مقام المبالغةِ. وأما ما قيلَ: تظليمٌ للمشركين بافترائهم على اللهِ تعالى في قولهم: إنهُ ذو شريكٍ، وذو ولدٍ. فيأباهُ التصديرُ بالفاء الدالَّةِ على ترتيبِ الكلامِ على ما سبقَ. وإنما زاد قولَهُ: ﴿كَذَّبَ﴾ مع أنَّ الافتراءَ لا يكونُ إلا كذلكَ؛ إظهارًا لِمَا فيه من جِهَتي القبحِ. ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ لا يظفرونَ بمطلوبٍ، ولا يَصِلُون إلى مأمولٍ، ولا يأمنون من محذورٍ. * * * (١٨) - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾؛ أي: الأوثانَ؛ لأنها جماداتٌ لا تضرُّهم إن تركوا عبادَتها، ولا تنفَعُهم إن عبدُوها، ومن خواصِّ المعبودِ أن يكونَ قادرًا على النفعِ والضرِّ، مُثيبًا على الطاعةِ، معاقبًا على المعصيةِ.

стр. 1960

﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ﴾ الأوثانُ ﴿شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ تشفَعُ لنا في الآخرةِ، وعن النضر بنِ الحارث: إذا كان يومُ القيامةِ شفعَت لي اللاتُ والعزَّى. ومَن زادَ على هذا قولَه: إنْ نكن نُبعَثُ، وكأنهُم كانوا شاكِّين فيهِ - فقد أتى بشيءٍ عُجاب، كما لا يخفى على ذوي الألباب (١). ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ﴾: أتخبرونَهُ (٢) ﴿بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾؛ أي: بما لا وجودَ له أصلًا، وهو أن لَهُ شريكًا. إنباؤهم للهِ تعالى تهكُّمٌ بهم وتقريعٌ لهم بإخبارِهم علَّامَ الغيوبِ بما ادَّعَوه من المحالِ الذي هو وجودُ الشركاءِ، وشفاعتُهم عند الله تعالى، وإعلامٌ ببطلانِه واستحالتِه بأنَّ ما لا يتعلَّقُ علمه بهِ لم يكُن شيئًا أصلًا؛ لأن علمَهُ تعالى محيطٌ بجميع الأشياءِ (٣)، ولا حاجةَ في تمشيةِ هذا الكلامِ إلى تفسيرِ الشيء بما يُعلَمُ ويخبر عنه. ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾: حالٌ من العائدِ المحذوفِ مؤكِّدةٌ للنفيِ، لا لأن ما لم يوجد فيهِما فهو منتفٍ لعدمِ صحَّتهِ، بل لِمَا جرى بهِ العُرفُ من أنه يقالُ عندَ تأكيد النفيِ: ليس هذا (٤) في السماءِ ولا في الأرضِ؛ لاعتقادِ العامَّةِ أن كلَّ ما يوجد فهو إما في السماءِ وإما في الأرضِ؛ فلا حاجةَ إلى التزامِ أن يكون الكلامُ إلزاميًا، ودعوى أن الأمرَ كذلك في اعتقاد (٥) دعوى المخاطَبين.

стр. 1961

﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: عن إشراكِهم، أو: عن الشركاءِ الذين يشركونهم به (١). * * * (١٩) - ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: موحِّدينَ على الفطرةِ من غير اختلافٍ بينَهم، وذلكَ في عهد آدمَ ﵇، إلى أن قتَلَ قابيلُ هابيلَ. وقيل: بعد طوفان نوح (٢) حينَ لم يذَر من الكافرين ديَّارا. ومَبْنَى هذا على عمومِ آفَةِ الطوفانِ، وتمامُه موقوفٌ على أن يكونَ نوحٌ ﵇ مبعوثًا لكافة الأنام، حتى يلزَم الكفرُ لمن لم يتَّبعهُ، ولا يخفَى ما فيه من الكلام. ﴿فَاخْتَلَفُوا﴾ باتِّباعِ الهوى، فبعثَ الله تعالى النبيين مبشِّرينَ ومنذِرين، على ما مرَّ في سورة البقرةِ، فمن وهَم أن اختلافهم ببعثةِ الرسلِ فما فهِم أنه مخالفٌ لنصِّ القرآن. ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾: قضاءٌ جرى في الأزلِ بتأخيرِ الفصلِ والحُكمِ بينَهم إلى يومِ القيامةِ لمجال الردى (٣) والعملِ في دارِ التكلِيفِ. ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ عاجلًا ﴿فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ بتمييزِ الحقِّ عن الباطلِ بإبقاء المحقِّ وإهلاك المبطِلِ.

стр. 1962

(٢٠) - ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾. ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ (١) أرادوا بهِ آيةً من الآياتِ التي كانوا يقترحونها (٢)، غيرَ مكترِثين بما نزل عليه ﵇ من الآيات العظام المتكاثرة التي لم ينزل مثلُها على أحد من الأنبياء ﵈ قبله، خصوصًا القرآنُ المعجز الباقي على وجه الدهر، وغيرَ مقتدين (٣) به عنادًا ومكابرة، بل جعلوا نزوله كلَا نزولٍ، وكأنه لم ينزل عليه آية قط، حتى قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ بتنكير ﴿آيَةٌ﴾ للتحقير؛ أي: آيةٌ ما واحدةٌ وشيءٌ من جنس الآية، وذلك لفرط عنادهم، وتماديهم في التمرد، وانهماكهم في الغَيّ. ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾؛ أي: إني لا أعلم المانعَ من إنزالها؛ فإنها غيبٌ ولا يعلَمُ الغيبَ إلا اللهُ. وما قيلَ: فلعله يعلَمُ في إنزالها من مفاسدَ تَصرِفُ عنهُ (٤). لا ينتَظِمُ مع قولِه: ﴿فَانْتَظِرُوا﴾: نزولَ ما اقترحتُموه ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾: ما يَفعلُ اللهُ بكم من العذابِ بجحودِكم الآياتِ العظامَ، واقتراحِكم غيرَها تعنُّتًا. * * *

стр. 1963

(٢١) - ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾. ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾: كخصبٍ وأمنٍ وصحة ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ﴾: من القحطِ والشدةِ والمرض ﴿مَسَّتْهُمْ﴾: خالطتهم حتى أحسُّوا بسوء أثرِها. ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾ قد سبق في تفسيرِ سورةِ الأعرافِ بيانُ معنى (١) المكرِ، وما بهِ يفارقُ الكيدَ، و ﴿إِذَا﴾ الأولى شرطيةٌ، والثانيةُ للمفاجأةِ وقعَت جوابًا للشرطِ. قيلَ: سلَّطَ اللهُ تعالى القحطَ على أهل مكةَ سبعَ سنينَ حتى كادوا يهلِكُون، ثم رحمِهم بالحيا، فطفِقوا يقدَحون في آياتِ الله تعالى، ويمكُرون برسوله (٢) ﵇. ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ إنما قالَ: ﴿أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ يعني: منكُم؛ لأنَّ معنى المفاجأةِ قد دلَّ على السرعةِ ففضّل عليها (٣)؛ أي: فاجَؤوا في وقتِ إذاقةِ الرحمة المكرَ، وسارعوا إليهِ قبلَ أن ينفضُوا من رؤوسهم غبارَ الضرَّاءِ، ومعناه: قد دبَّرَ عذابكم وهو مُوقِعه بكم قبلَ أن تدبِّروا كيدكَم في إطفاءِ نور الإسلامِ. والمكر من الله تعالى: جزاءُ مكرِهم، وأخذُهم (٤) بغتةً بعد الاستدراجِ. ﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ إعلامٌ بأنَّ ما دبَّروا في إخفائه من مقدماتِ

стр. 1964

المكرِ لم يَخْفَ على الحفظةِ فضلًا عن أن يخفى على اللهِ تعالى، وإيعادًا بالانتقامِ وتحقيقٌ لهُ، وقرئ: ﴿يمكرون﴾ (١) ليوافقَ ما قبله. * * * (٢٢) - ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ﴾ يمكنكم من السيرِ فيه بأن جعلَ لكُم الأرضَ ذَلولًا تمشُون في مناكبها، وقرئ: ﴿ويَنْشُرُكم﴾ (٢) من النشرِ. ﴿وَالْبَحْرِ﴾ ولمَّا كان السيرُ فيه أغرَبَ، وإلى ظهورِ آثار القدرةِ والرحمةِ أقربَ، خصَّهُ بالتفصيلِ فقالَ: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ في السفنِ، و ﴿حَتَّى﴾ على القراءةِ الثانية لبيانِ أن غاية السيرِ مضمونُ الجملةِ الشرطيةِ (٣)، والالتفاتُ في: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾؛ أي: بمن فيها؛ [وهو التفاتٌ] (٤) للمبالغةِ في جريِ الفلكِ بمرادهم، كأن ركوبها ووقوعَهم في الغيبة مع لسرعةِ الجري، وفي تقبيحِ حالهم

стр. 1965

بمنزلةِ ما إذا أعرَضَ المتكلِّمُ عن المخاطبِ، وحكَى لغيرِه سوءَ صنيعِه وقلةَ حيائهِ، كأنهُ يذكِّرُ بغيرِهم حالَهم ليُقبِّحَهم منها، ويستدعي منهم الإنكارَ والتقبيحَ. ولك أن تقولَ في وجهِ الالتفاتِ: إن قولَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْر﴾ خطابٌ فيهِ امتنانٌ، وإظهارُ نعمةٍ للمخاطَبين، والسائرونَ في البر والبحر مؤمنون وكفارٌ، والخطابُ شاملٌ؛ فحسُنَ خطابهم بذلكَ ليستديمَ الصالحُ الشكرَ، ولعل الطالحَ يتذكَّرُ هذه النعمةَ فيرجِعَ، فلما ذكرَتْ حالَهُ اَلَ الأمرُ في آخرِها إلى أن الملتبِسَ بها هو باغٍ (١) في الأرضِ بغيرِ الحقِّ عدَلَ عن الخطابِ إلى الغيبةِ، حتى لا يكونَ المؤمنون يخاطَبون بصدورِ مثل هذه الحالةِ. ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ ليِّنةِ الهبوبِ ﴿وَفَرِحُوا بِهَا﴾ بتلكَ الريحِ. ﴿جَاءَتْهَا﴾ جوابُ: ﴿إِذَا﴾ والضميرُ للريحِ الطيبةِ بمعنى: تلقَّتْها ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾: ذاتُ عصفٍ، شديدةُ الهبوبِ. وجوِّزَ أن يكونَ الضميرُ للفلكِ، ولا يلائمه قولُه: ﴿وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ﴾ لِمَا فيهِ من تخصيصِ مجيء الريحِ بالسفينة، ومجيءِ الموجِ بمن فيها بلا نكتةٍ تقتضِيها، بل معنى مجيء الموجِ من جهاتٍ متقابلةٍ يستدعي أن يكون الضميرُ للريح الطيبةِ حتى يفيدَ معنى التقابلِ والتدافعِ بين الريحين فتحصلَ المبالغةُ في اللجاجِ (٢) البحرِ واضطرابِ أمواجِها المقصودةِ من قولِه: ﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ فإنَّ عبارةَ ﴿كُلِّ﴾ في مثل هذا المقامِ للمبالغةِ والتفخيمِ، لا للإحاطة والتعميمِ، ومن غفلَ عنه قيَّدَ المكانَ بقوله: يجيءُ الموجُ منهُ.
следующие страницы →