﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: عن إشراكِهم، أو: عن الشركاءِ الذين يشركونهم به (١).
* * *
(١٩) - ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: موحِّدينَ على الفطرةِ من غير اختلافٍ بينَهم، وذلكَ في عهد آدمَ ﵇، إلى أن قتَلَ قابيلُ هابيلَ.
وقيل: بعد طوفان نوح (٢) حينَ لم يذَر من الكافرين ديَّارا. ومَبْنَى هذا على عمومِ آفَةِ الطوفانِ، وتمامُه موقوفٌ على أن يكونَ نوحٌ ﵇ مبعوثًا لكافة الأنام، حتى يلزَم الكفرُ لمن لم يتَّبعهُ، ولا يخفَى ما فيه من الكلام.
﴿فَاخْتَلَفُوا﴾ باتِّباعِ الهوى، فبعثَ الله تعالى النبيين مبشِّرينَ ومنذِرين، على ما مرَّ في سورة البقرةِ، فمن وهَم أن اختلافهم ببعثةِ الرسلِ فما فهِم أنه مخالفٌ لنصِّ القرآن.
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾: قضاءٌ جرى في الأزلِ بتأخيرِ الفصلِ والحُكمِ بينَهم إلى يومِ القيامةِ لمجال الردى (٣) والعملِ في دارِ التكلِيفِ.
﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ عاجلًا ﴿فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ بتمييزِ الحقِّ عن الباطلِ بإبقاء المحقِّ وإهلاك المبطِلِ.
стр. 1962
(٢٠) - ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾.
﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ (١) أرادوا بهِ آيةً من الآياتِ التي كانوا يقترحونها (٢)، غيرَ مكترِثين بما نزل عليه ﵇ من الآيات العظام المتكاثرة التي لم ينزل مثلُها على أحد من الأنبياء ﵈ قبله، خصوصًا القرآنُ المعجز الباقي على وجه الدهر، وغيرَ مقتدين (٣) به عنادًا ومكابرة، بل جعلوا نزوله كلَا نزولٍ، وكأنه لم ينزل عليه آية قط، حتى قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ بتنكير ﴿آيَةٌ﴾ للتحقير؛ أي: آيةٌ ما واحدةٌ وشيءٌ من جنس الآية، وذلك لفرط عنادهم، وتماديهم في التمرد، وانهماكهم في الغَيّ.
﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾؛ أي: إني لا أعلم المانعَ من إنزالها؛ فإنها غيبٌ ولا يعلَمُ الغيبَ إلا اللهُ.
وما قيلَ: فلعله يعلَمُ في إنزالها من مفاسدَ تَصرِفُ عنهُ (٤). لا ينتَظِمُ مع قولِه:
﴿فَانْتَظِرُوا﴾: نزولَ ما اقترحتُموه ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾: ما يَفعلُ اللهُ بكم من العذابِ بجحودِكم الآياتِ العظامَ، واقتراحِكم غيرَها تعنُّتًا.
* * *
стр. 1963
(٢١) - ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾.
﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾: كخصبٍ وأمنٍ وصحة ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ﴾: من القحطِ والشدةِ والمرض ﴿مَسَّتْهُمْ﴾: خالطتهم حتى أحسُّوا بسوء أثرِها.
﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾ قد سبق في تفسيرِ سورةِ الأعرافِ بيانُ معنى (١) المكرِ، وما بهِ يفارقُ الكيدَ، و ﴿إِذَا﴾ الأولى شرطيةٌ، والثانيةُ للمفاجأةِ وقعَت جوابًا للشرطِ.
قيلَ: سلَّطَ اللهُ تعالى القحطَ على أهل مكةَ سبعَ سنينَ حتى كادوا يهلِكُون، ثم رحمِهم بالحيا، فطفِقوا يقدَحون في آياتِ الله تعالى، ويمكُرون برسوله (٢) ﵇.
﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ إنما قالَ: ﴿أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ يعني: منكُم؛ لأنَّ معنى المفاجأةِ قد دلَّ على السرعةِ ففضّل عليها (٣)؛ أي: فاجَؤوا في وقتِ إذاقةِ الرحمة المكرَ، وسارعوا إليهِ قبلَ أن ينفضُوا من رؤوسهم غبارَ الضرَّاءِ، ومعناه: قد دبَّرَ عذابكم وهو مُوقِعه بكم قبلَ أن تدبِّروا كيدكَم في إطفاءِ نور الإسلامِ.
والمكر من الله تعالى: جزاءُ مكرِهم، وأخذُهم (٤) بغتةً بعد الاستدراجِ.
﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ إعلامٌ بأنَّ ما دبَّروا في إخفائه من مقدماتِ
стр. 1964
المكرِ لم يَخْفَ على الحفظةِ فضلًا عن أن يخفى على اللهِ تعالى، وإيعادًا بالانتقامِ وتحقيقٌ لهُ، وقرئ: ﴿يمكرون﴾ (١) ليوافقَ ما قبله.
* * *
(٢٢) - ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.
﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ﴾ يمكنكم من السيرِ فيه بأن جعلَ لكُم الأرضَ ذَلولًا تمشُون في مناكبها، وقرئ: ﴿ويَنْشُرُكم﴾ (٢) من النشرِ.
﴿وَالْبَحْرِ﴾ ولمَّا كان السيرُ فيه أغرَبَ، وإلى ظهورِ آثار القدرةِ والرحمةِ أقربَ، خصَّهُ بالتفصيلِ فقالَ:
﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ في السفنِ، و ﴿حَتَّى﴾ على القراءةِ الثانية لبيانِ أن غاية السيرِ مضمونُ الجملةِ الشرطيةِ (٣)، والالتفاتُ في:
﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾؛ أي: بمن فيها؛ [وهو التفاتٌ] (٤) للمبالغةِ في جريِ الفلكِ بمرادهم، كأن ركوبها ووقوعَهم في الغيبة مع لسرعةِ الجري، وفي تقبيحِ حالهم
стр. 1965
بمنزلةِ ما إذا أعرَضَ المتكلِّمُ عن المخاطبِ، وحكَى لغيرِه سوءَ صنيعِه وقلةَ حيائهِ، كأنهُ يذكِّرُ بغيرِهم حالَهم ليُقبِّحَهم منها، ويستدعي منهم الإنكارَ والتقبيحَ.
ولك أن تقولَ في وجهِ الالتفاتِ: إن قولَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْر﴾ خطابٌ فيهِ امتنانٌ، وإظهارُ نعمةٍ للمخاطَبين، والسائرونَ في البر والبحر مؤمنون وكفارٌ، والخطابُ شاملٌ؛ فحسُنَ خطابهم بذلكَ ليستديمَ الصالحُ الشكرَ، ولعل الطالحَ يتذكَّرُ هذه النعمةَ فيرجِعَ، فلما ذكرَتْ حالَهُ اَلَ الأمرُ في آخرِها إلى أن الملتبِسَ بها هو باغٍ (١) في الأرضِ بغيرِ الحقِّ عدَلَ عن الخطابِ إلى الغيبةِ، حتى لا يكونَ المؤمنون يخاطَبون بصدورِ مثل هذه الحالةِ.
﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ ليِّنةِ الهبوبِ ﴿وَفَرِحُوا بِهَا﴾ بتلكَ الريحِ.
﴿جَاءَتْهَا﴾ جوابُ: ﴿إِذَا﴾ والضميرُ للريحِ الطيبةِ بمعنى: تلقَّتْها ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾: ذاتُ عصفٍ، شديدةُ الهبوبِ.
وجوِّزَ أن يكونَ الضميرُ للفلكِ، ولا يلائمه قولُه: ﴿وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ﴾ لِمَا فيهِ من تخصيصِ مجيء الريحِ بالسفينة، ومجيءِ الموجِ بمن فيها بلا نكتةٍ تقتضِيها، بل معنى مجيء الموجِ من جهاتٍ متقابلةٍ يستدعي أن يكون الضميرُ للريح الطيبةِ حتى يفيدَ معنى التقابلِ والتدافعِ بين الريحين فتحصلَ المبالغةُ في اللجاجِ (٢) البحرِ واضطرابِ أمواجِها المقصودةِ من قولِه:
﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ فإنَّ عبارةَ ﴿كُلِّ﴾ في مثل هذا المقامِ للمبالغةِ والتفخيمِ، لا للإحاطة والتعميمِ، ومن غفلَ عنه قيَّدَ المكانَ بقوله: يجيءُ الموجُ منهُ.
стр. 1966
﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ سُدَّت عليهم مسالكُ الخلاصِ، كمن أحاط به العدوَّ، مَثَلٌ في الهلاكِ فاستُعملَ مكانَهُ.
﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ بدلٌ مِن ﴿مُخْلِصِينَ﴾ بدلَ الاشتمالِ؛ لأن دعاءَهم من لوازمِ ظنَهم.
﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾: موحِّدين بلا إشراكٍ، لصفاءِ الفطرةِ بزوال المانعِ من شدة الخوفِ.
﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ مفعولُ ﴿دَعَوُا﴾ لأنهُ من جملةِ القولِ فلا حاجةَ إلى تقديرِه، واللامُ في ﴿لَئِنْ﴾ موطِّئةٌ للقسمِ.
* * *
(٢٣) - ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ﴾ إجابةً لدعائهم.
﴿إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ﴾: فاجؤوا الفسادَ فيها وسارَعوا إلى ما كانوا عليه.
﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: احترازٌ من البغي بالحقِّ؛ كتخريبِ المسلمين ديارَ الكفارِ، وقلعِ أشجارِهم، وإحراقِ زروعِهم، فإنه إفسادٌ بحقٍّ.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾: تلوينٌ للخطاب في أثناء الكلامِ، والتفاتٌ آخَرُ لشدةِ الاعتناءِ بترك البغيِ، والمبالغةِ في النهيِ، والتنفيرِ عنهُ.
﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾: ﴿بَغْيُكُمْ﴾ مبتدأٌ ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ صلته (١) ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ خبره؛ أي: بغيُكم على مَن هو من جنسكم ومثلُكم، يعني: بغيُ
стр. 1967
بعضِكم على بعضٍ منفعةُ الحياة الدنيا لا تبقَى ويبقى عقابُها.
أو ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ خبرٌ، أي: إنما بغيُكم وبالٌ على أنفسِكُم، و ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هو متاعُ الحياة الدنيا.
وقرئ ﴿مَتَاعَ﴾ بالنصب (١) على أنه مصدرٌ مؤكِّدٌ، و ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ خبرٌ؛ أي: إنما بغيُكم وبالٌ على أنفسكُم تتمتَّعون متاعَ الحياة الدنيا.
﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ﴾ في القيامةِ ﴿فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وقد (٢) سبق تفسيرُه في سورةِ التوبةِ.
* * *
(٢٤) - ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: حالُها العجيبةُ في سرعةِ تقضِّيها وذهابِ نعيمِها (٣) بعدَ إقبالها واغترارِ الناس بها.
﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾: فاشتبَك بسببِه حتى خالطَ بعضُه بعضًا لتكاثُفه.
﴿مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ﴾: من الزروعِ والبقولِ والحشيش.
стр. 1968
﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾: استعيرَ لتلكَ البهجةِ (١) والنضارةِ والألوان المختلفةِ لفظةُ الزخرفِ وهو الذهبُ (٢)، لمَّا كان من الأشياءِ البهيَّةِ المنظرِ السار للنفوسِ.
﴿وَازَّيَّنَتْ﴾: بأصنافِ النباتِ وأشكالها وألوانِها المختلفة، و (ازَّينت) أصلُهُ: (تزينَت) فأُدغِم، وقد قرئ على الأصلِ (٣)، و: (أَزينَتْ) على أفعلَت (٤) من غير إعلالٍ (٥) - كأَغْيَلت - أي: صارَت ذات زينةٍ، و: (ازيانَّتْ) كابياضَّتْ (٦).
﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾: متمكِّنون من حصدِها وتحصيلِ ريعِها والانتفاع بها.
﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا﴾: بإتلاف زرعِها وإفساده ببعض العاهاتِ بعدَ أمنهم من آفاتها.
﴿لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا﴾؛ أي: فجعلنا زرعَها، على تقديرِ حذف المضافِ للمبالغة.
﴿حَصِيدًا﴾: مقطوعًا مُستأصلًا شبيهًا بالحصيدِ.
﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾؛ أي: كأن لم ينبُت ذلك الزرعُ، ولا حاجةَ هنا إلى تقديرِ
стр. 1969
المضافِ، وقرئ بالياء على الأصل (١)، يُقالُ: غَنِيَ بالمكانِ غَنًى - مثل: عَمِيَ عَمًى - وتغنَّى: إذا أقامَ.
وقرئ: (لم تَتَغنَّ) (٢).
﴿بِالْأَمْسِ﴾: فيما قُبيلَهُ (٣)، مَثَلٌ في الوقت القريب الماضي، كأنه قيلَ: كأنْ لم تَغْنَ آنفًا" لمَّا قَرَّرَ أن البغي متاعُ الحياِة الدنيا عقَّبه بتمثيلِ الحياة الدنيا في سرعةِ تقضِّيها وانقراضِ نعيمها مع بهجته وزينتِهِ، بحالِ نبات الأرض النابتِ بماء المطرِ في سرعةِ جفافِهِ وذهابِهِ حطامًا بعد اخضرارِهِ وغضاضَتِهِ قبلَ انتفاعِ الناسِ بهِ، لتنفيرِ العقلاء عنهُ.
والممثَّلُ بهِ مضمون الحكايةِ لا الماء (٤) وإن وليَه حرفُ التشبيهِ؛ لأنَّه من التشبيه المركَّبِ، وقولُه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ مبالغةٌ في تزيينِ الأرض وبهجَتِها في أثناءِ التمثيلِ بتشبِيهها في جعلِها اَخذةً زخرُفها بالعروسِ إذا أخذت الثيابَ الفاخرةَ من كل لونٍ فاكتسَتْها وتزيَّنَتْ بأنواعِ الزينة والحليِّ على طريق الاستعارةِ بالكنايةِ.
стр. 1970
﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾: نبيِّنها (١) ونميِّزُ بعضها عن بعضٍ.
﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾: إنما خصَّها بهم لأنهم المنتفِعون بها.
* * *
(٢٥) - ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾: الجنةُ، أضافَها إلى اسمِه تعالى تعظِيمًا لها، أو: دارِ السلامةِ من النقصِ والآفةِ، لسلامةِ أهلِها من كلِّ مكررهٍ.
وقيلَ: دارُ السلام لفشوِّ (٢) السلامِ بينهُم، أو تسليمِ الملائكة عليهم.
﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾: هدايتَه بالتوفيق ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: طريقِها؛ وهو الإسلامُ والتقوى.
ولمَّا كانَ الدعاءُ عامًا لم يقيَّد بالمشيئةِ، بخلافِ الهداية فإنها خاصَّة فتقيَّدَت بها، وفيه إيذانٌ بأن الأمر غيرُ الإرادة، وأن المقَرَّ على الضلالة لم يُرِدِ الله تعالى أن يرشده (٣).
* * *
(٢٦) - ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
стр. 1971
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾: المثوبةُ الحسنى ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ عليها؛ وهي تفضلٌ لقولِه تعالى: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ١٧٣].
وقيلَ: ﴿الْحُسْنَى﴾ مثل حسناتهم، والزيادةُ عشرُ أمثالها إلى سبعِ مئةِ ضعفٍ وأكثرَ.
وقيلَ: الزيادةُ الرضوانُ.
وقيلَ: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾: الجنةُ، والزيادةُ هو اللقاءُ.
ومن غلاةِ (١) أصحابِ الضلالِ مَن قال: زعمَت المشبِّهةُ والمجبِرةُ أن الزيادةَ النظرُ إلى وجه اللهِ تعالى، وجاءت بحديثٍ مرقوع (٢): "إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ نودوا: أن يا أهلَ الجنةِ! فيُكشفُ الحجابُ فينظُرون إليهِ، فواللّه ما أعطاهم اللهُ شيئًا هو أحبَّ إليهم منهُ ".
قوله: مرقوعٌ، صحَّ بالقاف عندَهُ، ومعناهُ: مرقوع مُفترًى، وأما عند أهل الحقِّ فقد صحَّ بالفاءِ، رواهُ أبو بكر الصديقُ، وأبو موسى الأشعريُّ، وحذيفةُ، وابن عباسٍ، وعكرمةُ، وقتادَةُ والضحَّاكُ، وابن أبي ليلى، ومقاتل (٣).
стр. 1972
أورده مسلمٌ في "صحيحه" عن صهيبٍ ﵁ عنِ النبي ﷺ ، وأوردَه البخاري في "صحيحه" بلا إسنادٍ، وصححهُ أحمد بن حنبلٍ، والترمذِيُّ، وابن ماجَه (١).
فالحديثُ متفق على صحتِهِ، وذلك المتعصِّبُ طعن في الحديثِ الصحيحِ، والخبرِ الحقِّ الصريح ترويجًا لاعتقادِه الفاسد، وتصحيحًا لمذهبه الباطلِ، وصحَّفَ المرفوعَ فجعله مرقوعًا ليرقِّعَ به مذهبَهُ المخروقَ، هيهاتِ اتَّسع الخرقُ على الراقع، والحقُّ الواقعُ ﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور: ٨].
﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ﴾: ولا يغشاها ﴿قَتَرٌ﴾: غبرةٌ فيها سوادٌ ﴿وَلَا ذِلَّةٌ﴾: هوانٌ، يعني: لا يرهَقُهم ما يرهقُ أهل النارِ، أو: لا يلحَقُهم ما يوجِبُ ذلك؛ من حزنٍ، وسوءِ حالٍ، وكسوف بالٍ.
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: دائمون لا زوالَ فيها ولا انقطاعَ لنعيمِها، بخلافِ الدنيا وزخارِفها.
* * *
(٢٧) - ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧)﴾.
﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ﴾: عطفٌ على ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾، كقولهم: في الدار زيدٌ، والحجرةِ عمرٌو، وجازَ العطفُ على عاملين مختلِفَين لتقدُّمِ المجرورِ.
стр. 1973
أو مبتدأٌ خبرُه: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ على تقديرِ: وجزاءُ الذين كسبوا السيئاتِ أن يجازى سيئةً بسيئةٍ واحدةٍ مثلِها.
وفيه دليل على أن الزيادةَ هي (١) الفضلُ؛ لأن جزاءَ السيئة بمثلِها هو العدلُ.
﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ إذكارٌ لهم بما يتقدم (٢) منهُ برحمتِه.
﴿مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾؛ أي: من سخطِ الله تعالى وعقابِه، أو: من جهةِ اللهِ ومن عندِه كما يكون للمؤمنين.
﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾: حالٌ من ﴿اللَّيْلِ﴾، ولفرطِ سوادِها وظلمَتِها، والعاملُ فيها ﴿أُغْشِيَتْ﴾ لأنهُ العاملُ في ﴿قِطَعًا﴾، و ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ صفةٌ لهُ، والعاملُ في الموصوفِ عاملٌ في الصفةِ، أو معنى الفعلِ في ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾.
وقرئ ﴿قِطَعًا﴾ بالسكون (٣)، من قوله: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١] فيكونُ ﴿مُظْلِمًا﴾ صفةً لـ ﴿قِطَعًا﴾، أو حالًا منهُ لاختصاصِه بالوصفِ، ويعضدُه قراءةُ: (كأنما يَغْشَى وجوهَهم قِطَعٌ من الليل مُظْلِمٌ) (٤).
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: ولا متمسَّكَ فيهِ للوعيدِ به؛ لأن سياقَ الكلامِ في الكفارِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢﴾ [عبس: ٤٥ - ٤٢]، وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦].
стр. 1974
وأما التعليل (١) باشتمالِ ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ على الشركِ والكفرِ ففيهِ تخصيصُ الحكمِ المذكورِ بالمشركينَ، ولا وجهَ له، والتعليلُ بتناول (الذين أحسَنُوا) أصحابَ الكبيرةِ من المؤمنين فلا يتناولهم قسيمُهُ؛ فليسَ بقويٍّ؛ لأن كونَهم من المحسنينَ على الإطلاقِ غيرُ ظاهرٍ.
* * *
(٢٨) - ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾.
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ يعني: الفريقين جميعًا.
﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ﴾؛ أي: الْزَموا مكانكُم حتى تنظروا ما يُفعَل بكم.
﴿أَنْتُمْ﴾: تأكيدٌ للضمير المرفوعِ المنتقلِ إلى ﴿مَكَانَكُمْ﴾ من عاملِه لسدِّ مسَدِّ: الزمُوا.
стр. 1975
﴿وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾ عطفٌ عليهِ، وقرئ: (شركاءكم) (١) بالنصبِ على المفعولِ معه.
﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾: ففرَّقنا بينَهم، وقطَعنا الوُصَلَ التي كانت بينهم في الدنيا (٢).
قيلَ: فباعَدنا بينهُم بعد الجمعِ في المحشرِ، وتبرُّؤِ شركائهم منهُم ومن عبادَتِهم؛ لقوله: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ [غافر: ٧٣ - ٧٤] ويأباه ترتيب (٣) قوله:
﴿وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ بالفاء الواصلةِ بلا تراخٍ على ما تقدَّمَ، و ﴿مَا﴾ مجازٌ عن براءةِ ما عبدُوه (٤) من عبادَتهم، فإنهم إنما عبَدُوا (٥) في الحقيقةِ أهواءهم؛ لأنها الآمرة بالإشراك (٦) لا ما أشركوا بهِ.
والمرادُ من الشركاء: الملائكةُ، وعُزَيرٌ، والمسيحُ، ومَن عبدُوهم مِن أولي العقلِ.
وقيلَ: الأصنامُ يُنطِقُها اللهُ تعالى فتكلِّمُهم بذلكَ مكانَ الشفاعةِ التي يتوقعون منها.
وقيلَ: الشيطانُ والشياطينُ، ويردُّه:
* * *
стр. 1976
(٢٩) - ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾.
﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾: العالمِ بكنهِ الحالِ.
﴿إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾: لأن عبادتهم كانت بإغوائهم، (إنْ) هي المخفَّفةُ من الثقيلةِ، واللام هي الفارقةُ.
* * *
(٣٠) - ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
﴿هُنَالِكَ﴾ في ذلك المكانِ.
﴿تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾: تختبرُ ما قدَّمت من العملِ؛ أي: تُعاين (١) ضرَّهُ ونفعَهُ.
وقرئ: ﴿تتلوا﴾ منَ التلاوةِ (٢)، أي: تقرأ في صحيفَتِها ما قدَّمت من الخيرِ والشرِّ، أو من التُّلُوِّ، أي: تتبَعُ؛ لأن عملَها هو الذي يقودُها إلى الجنة أو النارِ.
وقرئ: (نبلو) بالنونِ، ونصبِ (كلَّ) (٣)، أي: نُصيبُ كلَّ نفسٍ بالبلاءِ وهو العذابُ بسببِ ما قدَّمت من الشرِّ، فيكونُ (ما) ناصبًا (٤) بانتزاعِ الخافضِ، أو: نختبرها باختبارِ ما أسلفَت، أي: نفعَلُ بعملِها فعلَ المختبرِ بحالها المتعرِّف لسعادَتها وشقاوتها بمعرفة عمِلها في الصلاحِ والفسادِ، والقَبول والردِّ، فيكون (ما) بدلًا من (كلَّ نفس) بدلَ الاشتمالِ.
стр. 1977
﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾: إلى جزائه (١) إيَّاهم بما أسلَفُوا.
﴿مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾: ربِّهم، أو المتولي أمورِهم الحقِّ، لا الباطلِ الذي اتخذُوه مولى، أو مولاهُم على الحقيقةِ، لا الذي ليس لولايتِه حقيقةٌ، أو العدلِ الذي لا يظلِمُ أحدًا.
وقرئ: (الحق) (٢) بالنصبِ على المدحِ، كقولكَ: الحمدُ لله أهلَ الحمدِ، أو على المصدرِ المؤكِّدِ، كقولكَ: الحمدُ للهِ هذا عبدُ الله الحقَّ لا الباطلَ.
﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: مِن أنهم آلهتُهم تشفَعُ لهم، أو: ما كانوا يَدَّعون [أنها] (٣) آلهة.
* * *
(٣١) - ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾.
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾: منها جميعًا، فإنَّ الأرزاق إنما تحصُلُ من الأسبابِ (٤) سماويةً وأرضيةً مع، أو من كلِّ واحدةٍ توسعةً عليكم.
وقيلَ: ﴿مِّنَ﴾ لبيان ﴿مَنْ﴾ على حذفِ المضافِ؛ أي: مِن أهل السماءِ والأرض.
﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾، أي: مَن يستطيعُ خلقَهما وتصويرَهما، أو حفظَهما
стр. 1978
وكَلاءتهما (١) من الآفاتِ مع كثرتِهما وسرعةِ تأذِّيهما وبطلانِهما من أدنى شيءٍ.
ولما كان الوصولُ إلى الرزق بواسطَتِهما كان خلقُهما وحفظُهما من تمامِ الترزيقِ؛ ولهذا قالَ: ﴿أَمَّنْ﴾ ولم يقل: (ومَن)، كما قالَ:
﴿الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾؛ أي: ينشئُ الحيوان (٢) من النطفةِ، والنطفةَ منه (٣).
﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: ومَن يلي تدبيرَ أمر العالمِ؟ تعميمٌ بعد التخصيصِ تنبيهًا على أنَّ تفاصيل المننِ والنعمِ والأسبابِ؛ الإيجادِ والربوبيةِ أكثرُ من أن تُحصى؛ كأنهُ قالَ: وبالجملةِ مَن يدبِّرُ أمر العالم كلَّهُ.
﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾: إذ لا يقدرونَ نسبةَ (٤) ذلكَ إلى غيرهِ مكابرةً؛ لفرطِ وضوحِه.
فالسينُ للتأكيدِ، والفاءُ جزائيةٌ للترتيبِ على شرط محذوفٍ تقديرُه: إن سألتَهم عن ذلكَ ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ البتة.
﴿فَقُلْ﴾: تفريعٌ على الشرطية المذكورةِ.
﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ اللهَ في إشراككم بهِ ما لا يشارِكُه في شيءٍ من ذلكَ؟! الهمزةُ للاستفهامِ الإنكاريِّ، والفاءُ لترتيب الإنكار على الاعترافِ المذكورِ، فهي مُقدَّمةٌ معنًى وإن أُخِّرت لفظًا؛ حفظًا لصدارةِ الهمزةِ.
стр. 1979
(٣٢) - ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾.
﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ إشارةٌ إلى أنَّ مَن هذه أفعالهُ وقُدرته ﴿رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ الثابتُ ربوبيتُه، الواجب وجودُه؛ لأنَّه الذي أنشأكم وأحياكم، ورزقكم ودبَّرَ أموركم.
﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ استفهام إنكارٍ؛ أي: ليسَ بعد الحقِّ الذي هو التوحيدُ وتخصيصُ العبادة به تعالى إلا الضلالُ.
﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ من الحقِّ إلى الضلالِ، ومن التوحيدِ إلى الشركِ.
* * *
(٣٣) - ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿كَذَلِكَ﴾ مثلَ ذلك الحقِّ؛ أي: كما حقَّتِ الربوبية للهِ تعالى، أو كما حقَّ وثبتَ أن الحقَّ بعده الضلالُ، أو أنهم مصروفون عن الحقِّ ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾: حكمُه ﴿عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾: وتمردوا في الكفرِ، وخرجوا عن حدِّ الاستصلاح.
﴿أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: مفعولُ ﴿كَلِمَتُ﴾ لأنها في معنى الحكمِ؛ أي: حكمهم (١) بأنهم لا يؤمنون، أو بدلٌ منها؛ أي: حقَّ وثبت أنهم لا يؤمنون، أو تعليلٌ على أن الكلمةَ كلمةُ العذابِ وعِدَتُه، أي: لأنهم لا يؤمنون.
* * *
(٣٤) - ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾.
﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: ألزمَهم بإبداء الخلقِ وإعادَتهِ وإن
стр. 1980
لم يكونوا معترِفين بها، تنبِيهًا على وضوحِ برهانها، ودلالةً على أن مَن أنكرها كان مكابرًا رادًّا للظاهرِ البيِّنِ الذي اعترفَ بصحته العقلاءُ، وكان عندَهم من المسلَّماتِ.
وقد أُومئ إلى لجاجِهم وعنادِهم وشدةِ مكابرتهم، بأمرِ النبيّ ﷺ بأن ينوب عنهُم في الجواب في قولِه:
﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾؛ أي: لا تدَعُهم لجاجتُهم أن ينطِقوا بكلمة الحقِّ فكلِّمْ عنهم.
﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾: تُصرَفون عن قصد السبيلِ.
* * *
(٣٥) - ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾.
﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾: بنصبِ الحُججِ، وإرسال الرسلِ، والتمكينِ، والإقرار على النظرِ، والتوفيق للتفكُّرِ والتدبُّرِ، وإلهام الحقِّ والصوابِ.
و (هَدَى) كما يُعدَّى بـ (إلى) لتضمُّنه معنى الانتهاءِ، يُعدَّى باللام للدلالةِ على أن المنتهى غايةُ الهدايةِ، وأنها لم تتوجَّه نحوه على سبيل الاتِّفاقِ (١)، ولذلك عُدِّيَ بها ما أُسنِدَ إلى اللهِ تعالى في قوله:
﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾، أي: اللهُ تعالى وحدَه هو الذي يهدِي للحقِّ دون غيرِه.
﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي﴾ أفمَن يهدي هذه الهدايةَ
стр. 1981
أحقُّ بالاتِّباع أم الذي لا يهتدي بنفسِه إلا أن يهدِيَه الله تعالى؟ وهذا حال أشرفِ شركائهم كالملائكةِ، والمسيحِ وعزيرٍ ﵉.
وقيل: مَن لا يَهتدي (١) من الأوثانِ إلى مكانٍ (٢) فينتَقِلَ إليهِ ﴿إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾: إلا أن ينقِلَ (٣).
وقرئ: ﴿لَا يَهِدِّي﴾ بفتح الياءِ وكسرها وتشديد الدالِ (٤)، والأصلُ: يَهتَدِي؛ فأُدغِمَ.
وقرئ: (إلا أن يُهَدَّى) (٥) من هدَّاه للمبالغةِ، ومنهُ جاءَ: تَهَدَّى، بمطاوعَتِها (٦) كقولهم: قطَّعتُه فتقَطَّعَ.
﴿فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بالباطلِ؛ إذ تزعمون أنهم أندادُ اللهِ تعالى.
* * *
(٣٦) - ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾.
стр. 1982
﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ﴾: في معتقداتهم ﴿إِلَّا ظَنًّا﴾ غيرَ مستندٍ إلى برهانٍ، بل مستندٌ إلى خيالاتٍ وأقيسةٍ فاسدةٍ؛ كقياسِ الغائبِ على الشاهدِ، والخالقِ على المخلوقِ بأدنى مشاركةٍ موهومة، والمرادُ بالأكثر: مَن ينتمي منهُم إلى تمييزٍ ونظرٍ، ولا يرضَى بالتقليدِ الصرفِ.
﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ﴾: في معرفةِ الله تعالى من الحقِّ إلى العلم والاعتقادِ.
﴿شَيْئًا﴾ مفعولٌ به و ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾ حالٌ منهُ، أو نصبٌ على المصدرِ؛ أي: لا يغني بدلَ الحقِّ شيئًا من الإغناء.
وقيلَ: وما يتَّبعُ أكثرهم في اتخاذِ الأصنامِ آلهةً وأنها شفعاء إلا ظنًا.
وفيه (١) دليل على أن تحصيلَ العلم في الأصولِ واجبٌ، والتقليدَ والاستغناءَ (٢) بالظنِّ غير جائزٍ.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾: وعيدٌ لهم على ما يفعلونَ من اتباع الظنِّ، وتقليد الآباء دونَ البرهان.
* * *
(٣٧) - ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: وما صحَّ أن يكونَ مثلُ هذا القرآن في الإعجازِ افتراءً من الخلقِ.
стр. 1983
﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: ولكن كانَ تصديقَ ما تقدَّمه من الكتبِ المنزلةِ الصادقةِ، وتصديقُ الصادقِ صادقٌ، وهو لكونِه معجزًا دليل على صدقِها، وشاهدٌ لصحَّتها.
﴿تَصْدِيقَ﴾ خبرُ (كان) المقدَّرِ، أو علةٌ لفعل محذوفٍ تقديرُه: لكن أنزلَ اللهُ تصديقَ الذي، وقرِئ بالرفع (١) على تقديرِ: ولكن هو تصديقُ الذي.
﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾: وتبيينَ ما كُتبَ وما فُرضَ من الأحكام والشرائعِ؛ من قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
وقرئ: (وتفصيلُ) (٢) بالرفع عطفًا على (تصديقُ) على قراءة الرفعِ.
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: خبرٌ ثالثٌ داخلٌ في حكم الاستدراكِ؛ أي: منفيًّا عنهُ الريبُ كائنًا: ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ويجوزُ أن يكونَ ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ متعلِّقا بـ ﴿تَصْدِيقَ﴾ و ﴿وَتَفْصِيلَ﴾، ويكون ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ اعتراضًا؛ كقولكَ: زيدٌ لا شك فيهِ كريمٌ، أو بالفعلِ المعلَّلِ بهما، أو حالًا من الكتابِ، أو الضميرِ في ﴿فِيهِ﴾ (٣) لأنهُ مفعولٌ في المعنى، وسياقُ الآيةِ بعد المنعِ عن اتباع الظنِّ لبيانِ ما يجبُ اتِّباعُه، والبرهانِ على كونِه من عند الله.
* * *
(٣٨) - ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
стр. 1984
﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾: بل أيقولون: ﴿افْتَرَاهُ﴾ محمدٌ، ومعنى الهمزةِ إنكارٌ لقولهم، واستبعادٌ لدعوى الافتراءِ، مع كونه حجةً عليهم بالإعجاز.
﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾؛ أي: إن كان افتراءً كما زعمتُم فأتوا أنتم بسورةٍ مفتراةٍ مِثْلِه في البلاغةِ وحسن النظمِ، فأنتم مثلي في البلاغةِ والفصاحةِ، بل أشدُّ تمرنًا بها مني.
﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾: ومع ذلكَ فاستعينوا بمن أَمكنكُم أن تستعينوا (١) به.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من خلقِه؛ أي: لا تدعوا اللهَ فإنه وحدَهُ قادرٌ على ذلك، وادعوا غيرَهُ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنه افتراهُ.
* * *
(٣٩) - ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿بَلْ كَذَّبُوا﴾: بل سارعوا إلى التكذيبِ بالقرآن ﴿بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾: بالقرآن في أولِ وهلةِ سماعه (٢) قبل أن يفهموه، ويعلمُوا معانيَهِ، أو: بما جهِلُوه ولم يحيطوا به علمًا من ذكرِ البعثِ والجزاءِ، وما يخالفُ دينَهم؛ لفَرْطِ (٣) أُنسِهم بما ألِفُوه وتعوَّدوه (٤) من دينهم، ونفورِهم عما يخالِفُه.
﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾: ولم يقفوا بعدُ على تأويلِه، ولم يبلُغ أذهانَهم معانيهِ، أو: لم
стр. 1985
يأتهم بعدُ تأويلُ ما فيه من الإخبارِ بالغيوبِ حتى يتبيَّنَ لهم أنهُ صدقٌ أم كذبٌ، يعني: إن القرآن معجزٌ من جهة (١) اللفظِ والمعنى، ثم إنهم فاجَؤوا تكذيبَه قبل أن يتدبَّروا نظمَهُ، ويتفحَّصوا معناه.
ومعنى التوقُّعِ في المَّا) أنه قد ظهرَ لهم بالآخرةِ إعجازُه لما كرَّرَ عليهم التحدِّي، فرازوا (٢) قواهم في معارضَتهِ فتضاءلتْ دونَها، أو لما شاهَدُوا وقوعَ ما أَخبر (٣) به طِبقًا لإخبارِه مرارًا فلَم يُقلعوا (٤) عن التكذيبِ تمرُّدًا وعِنادًا.
﴿كَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك التكذيبِ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أنبياءَهُم قبلَ النظرِ في معجزاتهم تقليدًا، وبعدَه عنادًا أو حسدًا.
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾: وعيدٌ لهم بمثلِ ما عوقِبَ به مَن قبلَهم.
* * *
(٤٠) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾: يصدِّق به نفسه ولكِن يعانِدُ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾: مَن يشُكُّ فيهِ ولا يصدِّقُ، أو: منهُم مَن سيؤمِنُ، ومنهم مَن سيصِرُّ ولا يؤمنُ به.
﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾: بالمعاندِين والمصرِّين.
* * *
стр. 1986
(٤١) - ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾؛ أي: أصرُّوا وواظبُوا على تكذِيبكَ بعد إلزامِ الحجة.
﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾: فتبرَّأ مِنهم وخلِّهِم فقَد أَعْذَرتَ، وقُل: لي جزاءُ عملِي، ولكُم جزاءُ عملِكُم؛ حقًّا كانَ أو باطلًا.
﴿أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾: لا تؤاخَذُونَ بعملِي، ولا أواخَذ بعملِكم.
قيلَ: ولمَا فيهِ من إيهامِ الإعراضِ عنهُم، وتخليةِ سبيلِهم، قيلَ: إنه منسوخٌ بآيةِ السيفِ.
ولا وجهَ له؛ لأن النسخَ إنما يُصارُ إليهِ عندَ قيامِ التعارضِ قطعًا، والإيهام بمعزلٍ عنه.
* * *
(٤٢) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ إذا قرأتَ القرآنَ، وعلَّمتَ الشرائعَ، ولكِن لا يقبَلُون ولا يُصغونَ؛ كالأصمِّ الذي لا يسمَعُ أصلًا.
﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾: أبعدَ التبليغِ تقدِرُ على إسماعِ الصمِّ.
﴿وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾: ولو انضَمَّ إلى صمَمِهم عدَمُ تعقُّلِهم.
* * *
(٤٣) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾.
стр. 1987
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ ويعايِنُ دلائلَ صدقِكَ ونبوَّتِك، ولكن لا يصدِّقُ.
﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾: أ أنت بعدَ إظهارِ المعجزاتِ ودلائل النبوَّةِ تقدِرُ على هدايتِهم ﴿وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾: ولو انضمَّ على عماهُم عدَمُ بصيرَتِهم.
﴿أَفَأَنْتَ﴾ إنكارُ أن يكونَ هو الذي يقدِرُ على إسماعِ الأصمِّ الذي لا يعقِلُ، وهدايةِ الأعمى الذي لا بصيرةَ لهُ.
وفيهِ تنبيهٌ على أن حقيقَةَ الاستماعِ هو فهمُ المعنى، وحقيقةَ الإبصارِ هو الاستبصارُ والاعتبارُ، وهما إنما يكونانِ بالعقلِ والبصيرةِ، لا بالحاسَّتين، ولذلك لا يُوصَفُ بالأولِ البهائمُ، ويحدُسُ الأعمى المستبصِرُ، ويتفطَّنُ بما لا يدرِكُه البصيرُ الأحمَقُ، وأنَّه لا يقدِرُ على موهبةِ العقلِ والبصيرَةِ والتوفيقِ للفهمِ والاستبصارِ إلا اللهُ تعالى وحدَهُ، فإذا لم يهَبْ ولم يوفِّقْ فمحالٌ أن يقدرَ على ذلك.
وفي تشبيهِهم بالصمِّ والعمي: أن فائدةَ السمعِ والبصرِ الفهمُ والاستبصارُ، فإذا لم يحصُلا فكأنَّهما لم يكونا.
وفي ضمِّ سلبِ العقلِ والبصيرةِ إلى الصمم والعمَى أنهم على اليأسِ من أن يفهَمُوا أو يستبصِروا.
وأما سلبُ العقلِ في (١) الأولِ، وسلبُ البصرِ في الثاني؛ فلأنَّ بالبصرِ بدونِ العقلِ يوصِلُ إلى اهتداءِ الطرُقِ والسلوكِ فيها، ألا ترى أن البهائمَ تبصِرُ الطرقَ وتسلُكُ فيها، وتتَّقي بها المهالِكَ ولا عقلَ لها؛ بخلاف السمعِ فإنهُ لا يُنتفَعُ بها بدونِ
стр. 1988
العقلِ، فبظاهر (١) البصرِ بدون العقلِ تُبصَرُ الأشياءُ، وبظاهر (٢) السمعِ بدون العقلِ لا تُعرَفُ الأشياءُ، والآيةُ كالتعليلِ للأمر بالتبرُّؤ والإعراضِ عنهُم.
* * *
(٤٤) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾: بإخلال شيءٍ من الأسبابِ: كمالِهم، ووسائِل اهتدائهم، كنقصِ حواسِّهم، وسلبِ عقولهِم وبصائرِهم، وإهمالهم سُدًى بلا تنبيهٍ ببعثة الرسل وإنزال الكتبِ.
﴿وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: بترك استعمالِ مشاعِرهم، وعدمِ التفكّرِ والتفهُّمِ بعقولِهم، والنظرِ والاعتبار ببصائرِهم، والذهولِ عن الوحيِ والإنذارِ بالانهماك في شهَواتهم.
أو: لا يظلِمُهم بالتعذيبِ بكبرِهم وعنادِهم يوم القيامةِ فإنه عدلٌ، ولكنَّ الناس أنفُسَهم يظلِمون باقترافِ أسبابِه واستيجابِه.
فعلَى هذا الوجه هو وعيدٌ لهم، وعلى الأولِ تنبيهٌ على أن كونهم بمنزلَةِ الصمِّ والعُمي مِن عدمِ استعمالهم لآياتِ الاهتداءِ فيما خُلِقت له، لا لأن أسبابَ الهداية مفقودةٌ، وعلى الوجهَين تذييلٌ لسابقِه.
* * *
(٤٥) - ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.
стр. 1989
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً﴾: استقصارٌ منهم لمدةِ لُبثِهم في الدنيا، أو في البرزَخِ؛ لهول ما يرونَ، وفي بيانها بقولِه:
﴿مِنَ النَّهَارِ﴾: تأكيد للاستقصارِ؛ لأنَّ النهارَ لكونِه زمانَ الاشتغالِ بالأشغالِ لا يُدرَكُ طولُ ساعاتِه، بخلافِ الليلِ.
والجملةُ التشبيهيَّةُ في موقع الحالِ، أي: نحشُرُهم مشبَّهين بمن لم يلبَث إلا ساعةً، أو صفةٌ لـ (يوم)، والعائد محذوفٌ، أي: يومًا كأنْ لم يلبثُوا قبلَهُ، أو المصدَرِ محذوفٌ، أي: حشرًا كأن لم يلبثُوا قبلَهُ.
﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾: يعرِفُ بعضُهم بعضًا كأنْ لم يتعارَفُوا إلا قليلًا، وذلك أولَ ما حُشِروا، ثم ينقطِعُ التعارفُ بينهُم لشدةِ الأمرِ عليهم، فهو بيانٌ لقولِه: ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ لأنَّ طول مدةِ اللَّبثِ يوجِبُ التناكُرَ، والتعارُفُ إنما يبقى مع قلَّتها.
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾: استئنافٌ للشهادةِ من اللهِ تعالى بخُسرانهم في تجارَتهم وبيعِهم الإيمانَ بالكفرِ.
﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ أي: إلى طريقِ التجارةِ (١)، وفيهِ معنى التعجُّبِ؛ كأنهُ قيلَ: ما أخسَرهُم، ووضعَ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ موضعَ ضميرِهم إشعارًا بأنَّ سببَ الخسرانِ إنما هو تكذيبُهم لقاءَ الله تعالى، وعدمُ اهتدائهم لاستعمالِ ما أوتوا منَ المشاعر والعقولِ والبصائرِ في تحصيل المعارفِ، واكتسابهم بها عقائدَ فاسدةً، وجها لاتٍ تؤدّيهم إلى الحسابِ والهلاكِ والعذاب.
* * *
стр. 1990
(٤٦) - ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾.
﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾: نبصِّرنك ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ من العذابِ في حياتكَ، كما أراه يومَ بدرٍ ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل أن نُريكَ.
﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾: فنريكَهُ في الآخرَةِ، قيلَ: فهو جوابُ ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾، وجوابُ ﴿نُرِيَنَّكَ﴾ محذوفٌ، مثل: فذاكَ.
ولا حاجةَ إلى تقديرِ الجوابِ المذكورِ؛ لأنَّ قولَه: ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ صالحٌ أن يكونَ جوابًا للشرطِ وما عطِفَ عليهِ، وعلى هذا يكونُ المعنى: فعلَى كِلَا التقديريَنِ نُعذِّبُهم في الآخرةِ، والذي نُريكَهُ في الدنيا لا يكونُ سببًا لتخفيفِ عذابِهم (١) في الآخرةِ، وهذا هو المناِسبُ للمقامِ، فلا وجه للعدولِ عنه بها، لارتكابِ المحذوف في الكلامِ.
﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾، أي: بعدَ رجوعِهم إلينا اللهُ معاقِبُهم على أفعالهم.
أو الله مؤدٍّ شهادتَهُ على أفعالهم حينَ تنطِقُ جلودُهم وألسنَتُهم وأيديهِم وأرجلُهم شاهدةً عليهم، والمرادُ من الشهادةِ: مقتضاها ونتيجَتُها؛ أي: العقابُ؛ لأن شهادةَ الذي أحاطَ علمُه بجميعِ أفعالهم السيئةِ الخفيَّةِ والظاهرةِ توجِبُ العقابَ الشديدَ لأنهُ مُحصٍ كلَّ ما نسُوهُ.
والالتفاتُ من التكلُّم إلى الغيبةِ، وإظهارُ اسم الله تعالى، وإيقاعُ ﴿ثُمَّ﴾، وإيرادُ الجملة الاسميةِ: للتنبيهِ على أن المعاقب (٢) هو اللهُ تعالى الذي لا يخفَى عليهِ ما فيهِ، وتربيةِ المهابةِ، والتهديدِ والتهويلِ بأن مضمونَ الوعيد في غايةِ
стр. 1991
البعد من تصوُّرِهم عند الرجوعِ ودوامِ العقابِ، وفيهِ أنواعٌ من المبالغاتِ في تشديد الوعيدِ وتأكيدِه.
وقرئ: (ثَمّ) بالفتحِ (١)؛ أي: هناك.
* * *
(٤٧) - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾: من الأممِ الماضيةِ ﴿رَسُولٌ﴾: بعِثَ إليهم ليدعُوَهم إلى الحقِّ.
﴿فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ﴾ بالبيِّناتِ فكذَّبوه ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾: بالعدلِ، فأُنجي الرسولُ ومَن اَمنَ بهِ، وأُهلك المكذِّبون (٢)، وذلكَ لإلزام الحجةِ؛ كقولهِ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: بالعقابِ في الآخرةِ بعد العذابِ في الدنيا لأنهُ جزاءُ سيئاتهم، والتعذيبُ في الدنيا لا يكُون مكفِّرًا في حقِّ الكافرِ، وعلى هذا هو تأسيسٌ لا تأكيدٌ لِمَا قبلَهُ؛ فالعاطفُ أصابَ المحزَّ.
بخلافِ ما قيلَ: معناه: لكلِّ أمةٍ يوم القيامةِ رسولٌ تنسَبُ إليهِ، فإذا جاءَ رسولهم الموقفَ ليشهَدَ عليهم بالكفرِ والإيمانِ قُضي بينهُم بإنجاء المؤمنِ وعقابِ الكافرِ؛ كقوله (٣): ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الزمر: ٦٩]- فإنهُ حينئذٍ يتعينُ التأكيدُ، فالعاطفُ يكون واقعًا بينَ الشجرِ ولحائه.
* * *
стр. 1992
(٤٨) - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾: استعجالٌ من المكذِّبين لِمَا وُعِدوا من العذابِ استبعادًا وإنكارًا واستهزاء.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: خطابٌ للرسولِ ﵇ والمؤمنينَ به.
* * *
(٤٩) - ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾: فكيف أملِكُ لكم فأعجِّلَ لكم العذابَ؛ وتقديمُ الضرِّ لأن ما فيه الكلامُ من جنسِهِ.
﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾: استثناءٌ متصلٌ؛ أي: إلا ما شاءَ اللهُ أن أملكَهُ، أو منقطعٌ؛ أي: ولكنْ ما شاءَ الله من ذلكَ كائنٌ.
﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾: مضروبٌ لهلاكِهم عند اللهِ تعالى، وحدٌّ محدودٌ من الزمانِ.
﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾: إذا جاء وقتُهُ، وقد سبقَ ما يتعلَّقُ به في تفسيرِ سورة الأعرافِ.
* * *
(٥٠) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ﴾ الذي تستعجلون به ﴿بَيَاتًا﴾: نصبٌ على الظرفِ؛ أي: وقتَ بياتِكم وغفلَتِكم بالنومِ ﴿أَوْ نَهَارًا﴾؛ أي: وقتَ اشتغالكُم بطلب المعاشِ والكسبِ، أو اللهوِ، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ؛ أي: ندمتُم على الاستعجالِ، أو عرفتُم الخطأ فيهِ، وقولُه:
стр. 1993
﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ متعلق بـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أي: أخبروني ماذا يستعجِلُون منهُ؟ والشرطيةُ اعتراضٌ، والأَولى أن يكونَ ﴿مَاذَا﴾ جوابَ الشرطِ كقولِكَ: إن أتيتُكَ ماذا تطعِمُني؟ والشرطيةُ متعلقة بـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾، وفحواها: أن العذابَ كلَّهُ مكروهٌ مُوجِبٌ للنفارِ، يجبُ أن يُستعاذَ منه لا أن يُستعجلَ، فأيَّ شيءٍ تستعجلونَ منهُ؟ على أن الضميرَ في ﴿مِنْهُ﴾ للعذابِ، وقيلَ: للهِ تعالى.
ويجوزُ أن يكونَ معنى الاستفهامِ في ﴿مَاذَا﴾ هو التعجُّبُ من العذابِ مع الإنكارِ، أي: أيُّ شيءٍ هائلٍ شديدٍ يستعجلُون منهُ؟ و (مِن) في هذا الوجهِ يجوزُ أن يكونَ للبيانِ، وضِعَ المجرمون موضِعَ ضميرِ المخاطبِينَ على طريقة الالتفاتِ تقويةً لِمَا في الاستفهامِ من معنى الإنكارِ والتعجُّبِ، ودلالةً على موجبِ ترك الاستعجالِ الذي هو الإجرامِ، فإن المجرِمَ مَن حقُّهُ أن يخاف التعذيبَ، ويستعيذَ منهُ - وإن أبطأ - فضلًا عن أن يستعجِلَهُ.
* * *
(٥١) - ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾.
ويجوزُ أن يكون: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ جوابَ الشرطِ، ﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ﴾ اعتراضًا، أي: أخبروني إن أتاكُم عذابُه آمنتُم به بعد وقوعِه حين لا ينفَعُكم الإيمانُ.
ودخولُ الهمزةِ على (ثم) لإنكارِ تأخير الإيمانِ إلى وقتٍ لا ينفعُ، وهو وقت العذابِ، وإدخالُها على المعطوفِ لأنَّه مَصبُّ (١) الإنكار والاستبعادِ.
وإنما جيءَ بحرف التراخي بدلَ الواو دلالةً على الاستبعادِ، ثم زِيدَ أداةُ الشرطِ دلالةً على استقلالِه بالاستبعادِ، وعلى أن الأولَ كالتمهيدِ لهُ، وجيءَ بـ ﴿إِذَا﴾ مركَّبًا
стр. 1994
بـ ﴿مَا﴾ ترشِيحًا لمعنى الوقوعِ والتحقيقِ وزيادةِ التجهيل، وأنهم لم يؤمنوا إلا بعدَ أن لم ينفَعهُم البتة.
﴿آلْآنَ﴾ على إراد القولِ؛ أي: قيلَ لهم إذا آمنوا بعدَ وقوع العذابِ: الآن آمنتُم به؟
﴿وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ تكذيبًا وإنكارًا.
* * *
(٥٢) - ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾.
﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ عطفٌ على (قيل) المقدَّرِ قبلَ الآن: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ المؤلمِ على الدوامِ.
﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ من الكفرِ والمعاصي.
* * *
(٥٣) - ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾.
﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾: ويستخبِرُونك ﴿أَحَقٌّ هُوَ﴾ الضمير للعذابِ الموعودِ، ﴿أَحَقٌّ﴾ خبر والضميرُ مبتدأٌ، أو المبتدأ والضميرُ مرتفِعٌ بهِ سادٌّ مسدَّ الخبرِ؛ كقولهم: أقائمٌ زيدٌ، والجملةُ في محلِّ النصبِ بـ (يستنبئونك) (١)، والهمزةُ للاستفهامِ على سبيل الإنكارِ والاستهزاءِ.
وقرئ: (آلحَقُّ هو) (٢) على أن اللامَ للجنسِ؛ كأنه قيلَ: أهو الحقُّ لا الباطلُ،
стр. 1995
أو: أهو (١) الذي سميتُموه الحقَّ، وهو أقوى في الاستهزاءِ لتضمُّنه معنى التعريضِ بأنه باطلٌ.
﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾: إنَّ (٢) العذابُ لكائنٌ، و (إي) من حروفِ الإيجابِ بمعنى: نعم، وتختصُّ بالقسم كما أن (هل) بمعنى (قد) تختصُّ بالاستفهامِ، فيقولون: إي والله، ولا ينطِقُون به وحدَهُ.
﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: فائتين العذابَ؛ أي: هو لاحقٌ بكم لا محالةَ.
* * *
(٥٤) - ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾ بفعلِ ما يُستحَقُّ به العذابُ.
﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾، أي: ما في الدنيا اليومَ مِن خزائنها وأموالِها وجميعِ منافعِها.
﴿لَافْتَدَتْ بِهِ﴾: بجعلتهُ فديةً لها من العذابِ؛ من قولهم: افتداهُ، بمعنى: فداهُ، ولفظةُ (كل) لتعميمِ الحكمِ لكلِّ واحدة من النفوسِ الظالمة.
﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾: حينَ رؤيتهم العذابَ؛ لأنهم بُهِتُوا بما عايَنوه مما لم يخطر ببالهم، ولم يحتسِبوه (٣)، وسلَبَت شدَّتُه وفظاعتُه قِواهُم،
стр. 1996
فلم يطيقُوا إظهارَ الجزعِ والبكاءِ للدهَشِ والحيرةِ (١)، لا للتجلُّدِ إذ ليسَ هناكَ، فامتلأتْ قلوبهم ندَمًا.
وقيلَ: أسرَّ رؤساهم الندامةَ من أَتْباعهم الذينَ أضلُّوهم حياءً منهم، وخوفًا من توبيخِهم.
وقيلَ: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾: أخلَصُوها وجعَلُوها سرَّهم، أي: ملؤوا (٢) بطونهم بحيثُ لم يكن فيها شيءٌ آخرُ، من قولهم: سِرُّ الشيءِ، لخاصَّتهِ (٣)؛ لأنها تُخفَى ويُضَنُّ بها، وعلى هذا يكونُ فيه تهكُّمٌ بهم.
وقيلَ: أظهروها، من قولهم: أسرَّ الشيءَ: إذا أظهرَهُ، وهو من الأضدادِ.
﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾؛ أي: بين الظالمينَ والمظلومين؛ لدلالةِ ذكر الظلم.
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: ليس تكريرًا؛ لأن الأوَّلَ قضاءُ حكومة، والثاني مجازاتُهم على الشركِ وسائر المعاصي.
* * *
(٥٥) - ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: تقرير لقدرته تعالى على الإثابةِ والعقابِ.
﴿أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: ما وعدَهُ من الثوابِ والعقابِ كائنٌ (٤) لا خُلفَ فيه.
стр. 1997
أتى بكلِمَتي التنبيهِ والتحقيقِ، وجمعَ بينهُما في جملتَي الاختصاِص بالملكِ وإنجازِ الوعدِ؛ تقريرًا لِمَا وُعِدُوه، وتنبيهًا على أن ما ذكرَه (١) حقّ واجبُ الوقوع لا محالة.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ لانهماكِهم في الغفلةِ.
* * *
(٥٦) - ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ في الدنيا، فهو يقدِرُ عليهما في العُقبى أيضًا؛ لأن القادرَ لذاتِه لا تزولُ قدرَتُه، والمادةُ القابلَةُ بالذات للحياةِ والموتِ قابلةٌ لهما أيضًا.
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بالبعثِ بعد الموتِ، تحذيرٌ وترهيبٌ، وإطماعٌ وترغيبٌ (٢)؛ ليُخافَ ويُرجى.
* * *
(٥٧) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: كتابٌ جامع لهذه الفوائدِ من الحِكَمِ (٣) العمليَّةِ المبيِّنةِ لمحاسنِ الأعمالِ وقبائحها، والتحريضِ على الأُولى، والتحذير عن الثانيةِ، والحكمةِ النظريةِ من المعارفِ والحقائقِ التي هي شفاءٌ لما في الصدورِ من الأمراضِ
стр. 1998
القلبيةِ كالجهلِ والشكِّ والنفاقِ والشركِ، والهدايةِ إلى الحقِّ والتوحيدِ، والرحمةِ لمن آمنَ بهِ من إنزالهِ عليهِم ما يُنجِيهم من ظلمات الضلال والكُفرِ إلى نور الهدى والإيمانِ، ومن دَرَكاتِ النيران إلى درجات الجنانِ، وتنكيرُ ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ و وما عُطِفَ عليها للتعظيمِ.
* * *
(٥٨) - ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾: متعلقٌ بفعلٍ محذوفٍ يفسرُه ما بعدَه، تقديرُه: بفضلِ اللهِ وبرحمتِه - يعني: بإنزالِ القرآن والهدايةِ إلى الإيمان - فليفرَحوا ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾، يعني: نوعَهُ وما يناسبُه؛ نحو: بفضلِ اللهِ وبرحمَتِه فلْيَعْتنوا، فحذفَ الأولَ لدلالةِ الثاني عليه.
و (ذلكَ) إشارةٌ إلى الفضلِ والرحمةِ بتأويل ما ذُكرَ، وتقديمُه للتأكيدِ والبيانِ بعد الإبهامِ، وإيجابِ اختصاصِ الفضلِ والرحمةِ بالفرحِ دونَ ما عداهما من فوائد الدنيا، وكذا تكريرُ الفاءِ للتأكيدِ؛ وهو جوابُ شرطٍ مقدَّر (١)، تقديره: إن كانوا يفرحُون بشيءٍ فليخصُّوهما بالفرح، فإنه لا مفروحَ به أحقُّ منهما.
ويجوزُ أن تكونَ الفاء للربطِ بما قبلها، والدلالةِ على أنَّ مجيء الكتابِ الجامعِ بين هذه الصفاتِ موجبٌ للفرحِ.
ويجوز أن يتعلَّقَ ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ بقوله: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ﴾؛ أي: قد جاءتكُم موعظةٌ بفضل الله وبرحمتِه، و (ذلك) إشارةٌ إلى مصدرِ: جاءَ، فبمجيئها فليفرحُوا.
стр. 1999
وقرئ بالتاء: ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ (١) على الأصل المرفوض، وهو القياسُ، وروِيَ عن رسول اللهِ مرفوعًا (٢)، وإنما (٣) آثرهُ ﵇ لأنَّه أدلُّ على الأمرِ بالفرحِ، وأشد تصريحًا به.
﴿هُوَ﴾ راجعٌ إلى (ذلكَ) ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾: من حطامِ الدنيا السريعِ الزوال، وقرئ: ﴿وتجمعون﴾ بالتاء (٤) على الخطابِ.
ومَن لم يذُق حُسنَ هذا الاستئناف في مقام التعليلِ، ولم يَدْرِ أنه أقوى الوصلَين، قالَ: على معنى: فبذلك فليفرحِ المؤمنون فهو خيرٌ مما يجمعون. فأوهمَ أن حقَ المقام الوصلُ بالفاءِ التعليليةِ، ولا يخفَى ما فيه من سوءِ الأدب.
* * *
(٥٩) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ٥٩)﴾.
стр. 2000
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾: جعلَ الرزق مُنزَلًا؛ لأنَّه مقدَّرٌ في السماء مسبَّبٌ بأسباب منها: من (١) المطرِ والشمسِ والقمرِ، في الإنباتِ والإنضاجِ والتلوينِ.
و ﴿مَا﴾ في محلِّ النصب بـ ﴿أَنْزَلَ﴾، أو بـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾؛ لأنهُ بمعنى: أخبِروني.
و ﴿لَكُمْ﴾ دلَّ على أن المرادَ بالرزقِ ما حلَّ (٢)، ولذلك وبخَهم على التبعيضِ بقولِه:
﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾: من البَحيرةِ والسائبةِ والوَصِيلَةِ والحامِي، وما جعَلُوا للهِ من الحرثِ والأنعامِ.
وإنما قدَّم ﴿حَرَامًا﴾ لأنَّه مصبُّ الإنكارِ، وفي (٣) إسنادِ التحريمِ والتحليل إليهم إشارةٌ إلى أنهُم هم المبعِّضونَ توبيخًا وتمهِيدًا لإثباتِ القِسم الثاني من المنفصِلةِ في قوله:
﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾؛ أي: أخبِروني اَللهُ أذِنَ لكم في لتحريم والتحليلِ، فتفعلونَ ذلك بإذنِهِ، أم تكذِبون على اللهِ في نسبتِهِ إليه؟
على أنَّ ﴿أَمْ﴾ متصلةٌ، وتكريرُ ﴿قُلْ﴾ بينَ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ وما يتعلَّقُ به للتأكيدِ، والاستفهامُ للتبكيتِ، والإشارةِ إلى أن نسبةَ ذلكَ إلى الله تعالى تقليدٌ، وقولٌ بلا حجةٍ، فلزمَ الافتراق (٤).