← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

فلم يطيقُوا إظهارَ الجزعِ والبكاءِ للدهَشِ والحيرةِ (١)، لا للتجلُّدِ إذ ليسَ هناكَ، فامتلأتْ قلوبهم ندَمًا. وقيلَ: أسرَّ رؤساهم الندامةَ من أَتْباعهم الذينَ أضلُّوهم حياءً منهم، وخوفًا من توبيخِهم. وقيلَ: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾: أخلَصُوها وجعَلُوها سرَّهم، أي: ملؤوا (٢) بطونهم بحيثُ لم يكن فيها شيءٌ آخرُ، من قولهم: سِرُّ الشيءِ، لخاصَّتهِ (٣)؛ لأنها تُخفَى ويُضَنُّ بها، وعلى هذا يكونُ فيه تهكُّمٌ بهم. وقيلَ: أظهروها، من قولهم: أسرَّ الشيءَ: إذا أظهرَهُ، وهو من الأضدادِ. ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾؛ أي: بين الظالمينَ والمظلومين؛ لدلالةِ ذكر الظلم. ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: ليس تكريرًا؛ لأن الأوَّلَ قضاءُ حكومة، والثاني مجازاتُهم على الشركِ وسائر المعاصي. * * * (٥٥) - ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: تقرير لقدرته تعالى على الإثابةِ والعقابِ. ﴿أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: ما وعدَهُ من الثوابِ والعقابِ كائنٌ (٤) لا خُلفَ فيه.

стр. 1997

أتى بكلِمَتي التنبيهِ والتحقيقِ، وجمعَ بينهُما في جملتَي الاختصاِص بالملكِ وإنجازِ الوعدِ؛ تقريرًا لِمَا وُعِدُوه، وتنبيهًا على أن ما ذكرَه (١) حقّ واجبُ الوقوع لا محالة. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ لانهماكِهم في الغفلةِ. * * * (٥٦) - ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ في الدنيا، فهو يقدِرُ عليهما في العُقبى أيضًا؛ لأن القادرَ لذاتِه لا تزولُ قدرَتُه، والمادةُ القابلَةُ بالذات للحياةِ والموتِ قابلةٌ لهما أيضًا. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بالبعثِ بعد الموتِ، تحذيرٌ وترهيبٌ، وإطماعٌ وترغيبٌ (٢)؛ ليُخافَ ويُرجى. * * * (٥٧) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: كتابٌ جامع لهذه الفوائدِ من الحِكَمِ (٣) العمليَّةِ المبيِّنةِ لمحاسنِ الأعمالِ وقبائحها، والتحريضِ على الأُولى، والتحذير عن الثانيةِ، والحكمةِ النظريةِ من المعارفِ والحقائقِ التي هي شفاءٌ لما في الصدورِ من الأمراضِ

стр. 1998

القلبيةِ كالجهلِ والشكِّ والنفاقِ والشركِ، والهدايةِ إلى الحقِّ والتوحيدِ، والرحمةِ لمن آمنَ بهِ من إنزالهِ عليهِم ما يُنجِيهم من ظلمات الضلال والكُفرِ إلى نور الهدى والإيمانِ، ومن دَرَكاتِ النيران إلى درجات الجنانِ، وتنكيرُ ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ و وما عُطِفَ عليها للتعظيمِ. * * * (٥٨) - ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾: متعلقٌ بفعلٍ محذوفٍ يفسرُه ما بعدَه، تقديرُه: بفضلِ اللهِ وبرحمتِه - يعني: بإنزالِ القرآن والهدايةِ إلى الإيمان - فليفرَحوا ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾، يعني: نوعَهُ وما يناسبُه؛ نحو: بفضلِ اللهِ وبرحمَتِه فلْيَعْتنوا، فحذفَ الأولَ لدلالةِ الثاني عليه. و (ذلكَ) إشارةٌ إلى الفضلِ والرحمةِ بتأويل ما ذُكرَ، وتقديمُه للتأكيدِ والبيانِ بعد الإبهامِ، وإيجابِ اختصاصِ الفضلِ والرحمةِ بالفرحِ دونَ ما عداهما من فوائد الدنيا، وكذا تكريرُ الفاءِ للتأكيدِ؛ وهو جوابُ شرطٍ مقدَّر (١)، تقديره: إن كانوا يفرحُون بشيءٍ فليخصُّوهما بالفرح، فإنه لا مفروحَ به أحقُّ منهما. ويجوزُ أن تكونَ الفاء للربطِ بما قبلها، والدلالةِ على أنَّ مجيء الكتابِ الجامعِ بين هذه الصفاتِ موجبٌ للفرحِ. ويجوز أن يتعلَّقَ ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ بقوله: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ﴾؛ أي: قد جاءتكُم موعظةٌ بفضل الله وبرحمتِه، و (ذلك) إشارةٌ إلى مصدرِ: جاءَ، فبمجيئها فليفرحُوا.

стр. 1999

وقرئ بالتاء: ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ (١) على الأصل المرفوض، وهو القياسُ، وروِيَ عن رسول اللهِ مرفوعًا (٢)، وإنما (٣) آثرهُ ﵇ لأنَّه أدلُّ على الأمرِ بالفرحِ، وأشد تصريحًا به. ﴿هُوَ﴾ راجعٌ إلى (ذلكَ) ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾: من حطامِ الدنيا السريعِ الزوال، وقرئ: ﴿وتجمعون﴾ بالتاء (٤) على الخطابِ. ومَن لم يذُق حُسنَ هذا الاستئناف في مقام التعليلِ، ولم يَدْرِ أنه أقوى الوصلَين، قالَ: على معنى: فبذلك فليفرحِ المؤمنون فهو خيرٌ مما يجمعون. فأوهمَ أن حقَ المقام الوصلُ بالفاءِ التعليليةِ، ولا يخفَى ما فيه من سوءِ الأدب. * * * (٥٩) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ٥٩)﴾.

стр. 2000

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾: جعلَ الرزق مُنزَلًا؛ لأنَّه مقدَّرٌ في السماء مسبَّبٌ بأسباب منها: من (١) المطرِ والشمسِ والقمرِ، في الإنباتِ والإنضاجِ والتلوينِ. و ﴿مَا﴾ في محلِّ النصب بـ ﴿أَنْزَلَ﴾، أو بـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾؛ لأنهُ بمعنى: أخبِروني. و ﴿لَكُمْ﴾ دلَّ على أن المرادَ بالرزقِ ما حلَّ (٢)، ولذلك وبخَهم على التبعيضِ بقولِه: ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾: من البَحيرةِ والسائبةِ والوَصِيلَةِ والحامِي، وما جعَلُوا للهِ من الحرثِ والأنعامِ. وإنما قدَّم ﴿حَرَامًا﴾ لأنَّه مصبُّ الإنكارِ، وفي (٣) إسنادِ التحريمِ والتحليل إليهم إشارةٌ إلى أنهُم هم المبعِّضونَ توبيخًا وتمهِيدًا لإثباتِ القِسم الثاني من المنفصِلةِ في قوله: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾؛ أي: أخبِروني اَللهُ أذِنَ لكم في لتحريم والتحليلِ، فتفعلونَ ذلك بإذنِهِ، أم تكذِبون على اللهِ في نسبتِهِ إليه؟ على أنَّ ﴿أَمْ﴾ متصلةٌ، وتكريرُ ﴿قُلْ﴾ بينَ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ وما يتعلَّقُ به للتأكيدِ، والاستفهامُ للتبكيتِ، والإشارةِ إلى أن نسبةَ ذلكَ إلى الله تعالى تقليدٌ، وقولٌ بلا حجةٍ، فلزمَ الافتراق (٤).

стр. 2001

وكان الأصلُ: اَللهُ أذنَ أم غيرُهُ؟ فعدَلَ إلى المنزَلِ دلالةً على أن الثابتَ هو الشقُّ الثاني، وهم (١) نسبوه إلى اللهِ تعالى، فهم مفترونَ عليه لا على غيرِه، وفيه زجز وتهديدٌ عظيم. وإنْ جُعلَت ﴿أَمْ﴾ منقطعةً بمعنى (بل) و (الهمزة) فالاستفهامُ للإنكارِ، ومعنى (بل) إضراب عن أن يكونَ ذلك (٢) بإذنِ الله تعالى، ومعنى الهمزة تقريرُ الافتراءِ، وتوبيخٌ عليهِ، وتقديمُه على اللهِ تقبيحٌ لتخصيصِهِ تعالى بالافتراء عليه؛ فإنه نهايةٌ في قبح الكذبِ، وفي العدولِ عن الضميرِ إلى الاسم المُظهَرِ تفخيمًا زيادةُ إظهارٍ لقبح الافتراء. (٦٠) - ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾. ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾: في إبهامِ متعلَّقِ الظنِّ بحذفِهِ والسؤالِ عنهُ وعيد (٣) بليغٌ، وتهديدٌ عظيمٌ؛ أي: أيُّ شيءٍ ظنُّهم ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وهو يوم الجزاءِ، يحسبونَ أنهم لا يجازَون على الافتراءِ. وقرئ: (ظَنَّ) على لفظ الفعل، على جعل المحقَقِ الوقوع واقعًا، ونصبِ (م) على المصدر (٤)؛ أي: أيَّ (٥) ظنٍّ ظنوا فيه.

стр. 2002

﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾: على كلِّهم بما أنعَمَ عليهم من العقلِ والحواسِّ، وساقَ إليهم الرزقَ، وهداهُم إلى الحقِّ بإرسالِ الرسلِ، وإنزال الكتبِ، وأخَّرَ عنهم العذابَ من غير سابقةِ صُنعٍ منهُم يستوجِبون به ذلك. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ هذه النعمَ العظيمة بجهلهِم (١) بمواقعها. (٦١) - ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ الشأنُ: الأمرُ، وأصلُه: القصدُ، وعينُه الهمزة، مِن شأنتُ شأنهُ: إذا قصدتَ فخفّفت، والضميرُ في قولِه: ﴿وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ﴾: راجعٌ إلى الشأنِ؛ لأن تلاوةَ القرآنِ شأنٌ معظَّمٌ من شؤونِ النبيِّ ﷺ ، أو لأن القراءة تكونُ بشأنٍ، فيكونُ التقديرُ: من أجلِه، ومفعولُ ﴿تَتْلُواْ﴾: ﴿مِنْ قُرْآنٍ﴾ على أن ﴿مِن﴾ تبعيضيةٌ، أو مزيدةٌ لتأكيدِ النفيِ. أو للقرآنِ (٢)، وإضمارُه قبلَ الذكرِ ثم بيانُه تفخيمٌ له، أو للهِ. ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾: ﴿مِن﴾ لتأكيدِ النفيِ؛ أي: أيِّ عملٍ كانَ، و (لا تعملون) تعميمٌ للخطابِ بعد تخصيصِهِ بمَن هو رأسُهم ومقدَّمهم، وحيثُ خصَّ ذَكَرَ ما

стр. 2003

فيه فخامةٌ، وحيثُ عمَّ ذكر (١) ما يتناولُ الخطيرَ والحقيرَ للمناسبةِ. ﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾: رقباءَ مطَّلعين (٢) عليهِ، استثناءٌ مفرَّغٌ من أعمِّ الأحوالِ على تقديرِ: قد كنا، أو أعمِّ الأوقاتِ؛ أي: وقتَ كُنَّا. ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾: وقتَ اندفاعِكُم فيهِ، ظرفٌ لـ ﴿شُهُودًا﴾، وعلى الثاني جازَ كونُه بدلاً من الوقت المقدَّرِ. ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾: قرِئ: ﴿يَعْزُبُ﴾ بكسر الزاي وضمِّها (٣)، والعزوبُ معناه: البعدُ والغيبةُ، يقالُ: عزبَ، إذا انفردَ عن أهلِهِ. ﴿مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾: مُوازِنِ نملةٍ (٤) صغيرةٍ، أو هباءٍ. ﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾: عبَّرَ بقُطرَي العالمِ عن كلِّهِ، والمرادُ: إحاطةُ علمِه بجميعِ ما في الوجودِ، فعبَرَ عنه بما ذُكرَ على معتقد العامةِ، فإن التنزيلَ واردٌ على لسانهم، وهم ينكِرُونَ وجودَ ممكنٍ ليس بخيرٍ. وقدَّمَ الأرضَ على السماء هاهُنا بخلافِ ما في سورة سبأ؛ لأنَّ الكلامَ هنا (٥) في شأنِ أهل الأرضِ، وشهادَتهُ عليها رعايةٌ للملاءمةِ، وإلا فالواو في الجمعِ بينَهُما كالتثنيةِ. ﴿وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾: جملةٌ برأسِها، و (لا) لنفي الجنسِ،

стр. 2004

و ﴿أَصْغَر﴾ مبني على الفتحِ اسمُها، و ﴿فِي كِتَابٍ﴾ خبرُها، و ﴿وَلَا أَكْبَر﴾ عطفٌ عليهِ بالنصبِ، و ﴿وَلَا﴾ مزيدةٌ للتأكيدِ، أو مفتوحٌ مثلُهُ. وقرئا مرفوعين (١) على أن الأولَ مبتدأٌ خبرُهُ ﴿فِي كِتَابٍ﴾، والثاني عطفٌ عليهِ (٢). ومَن جعَلَ رفعَهما عطفًا على محلِّ ﴿مِنْ مِثْقَالِ﴾ وفتحَهما على لفظِ ﴿مِثْقَالِ﴾ لكونهما غيرَ منصرِفَين مفتوحَين في موضعِ الجرِّ، جعَلَ ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ استثناءً منقطعًا بمعنى: لكنْ في كتابٍ مبين. والمرادُ من الكتابِ: اللوحُ المحفوظُ، فيصيرُ مؤكَدًا لقولِه: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ كأنهُ قيلَ: كيفَ يعزُبُ وهو في كتابٍ مبينٍ؟ على أنَّ الاتصال لهُ أيضًا وجهٌ، لا سيَّما إذا فسِّرَ الكتابُ المبينُ بعلمِ الله تعالى كما مرَّ في سورة الأنعامِ، ويكونُ المعنى: لا يغيبُ عنه إلا في عِلمِه، ومعلومٌ أنَّ غيبةَ الشيءِ في العلمِ عينُ كشفِهِ فهو من باب ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]، وإن فسِّرَ باللوحِ فلا بأسَ به أيضًا؛ لأنهُ محلُّ صورِ معلوماته تعالى. وكانَ مقتضى البلاغةِ بحسب جليلِ النظرِ تقديمُ الأكبر على الأصغرِ ليكون الكلامُ على طريقة الترقِّي، وإنما عكَسَ الترتيب سوقًا له على مُقتضَى ما بحسبِ دقيق النظرِ؛ ليكونَ في كلِّ واحدٍ من جزئي الكلامِ نوعٌ من الاهتمامِ، وذلك أنه حينئذٍ يكون في الجزءِ الأول منهُ اهتمامُ التقديمِ، وفي الثاني اهتمامُ التصريحِ بعد العلم بالالتزام.

стр. 2005

(٦٢) - ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾: الذين يتولَّونهُ بالطاعة ويتو لَّاهم بالكرامةِ. ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾: في الحالِ من لحوق محذورٍ. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: من وقوعِ مكروهٍ من فوات نافعٍ وحصول ضارٍّ. (٦٣) - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾: نصبٌ أو رفعٌ على المدحِ، أو على وصف الأولياءِ فيكونُ بيانًا لتولِّيهم ربهم، أو رفعٌ على الابتداء والخبرُ: (٦٤) - ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾: بيانٌ لتوليه تعالى إيَّاهُم، والبشرى في الدنيا ما بشَّرَ اللهُ تعالى به المؤمنين المتقين في غير موضعٍ من كتابِه، وعلى لسان نبيِّهِ ﵇، وما يُريهم في الرؤيا الصادقةِ، وما يسنَحُ لهم بالمكاشفةِ وبشرى الملائكةِ عند النزعِ، وأما البُشرى في الآخرةِ فتلقِّي الملائكةِ إياهم مسلِّمين مبشِّرين بالفوز والكرامة. ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾: لا تغييرَ لأقوالِه وأحكامِه، ولا إخلافَ لمواعيدِه. ﴿ذَلِكَ﴾: إشارة إلى تخصيص البشارةِ بهم في الدارين. ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: لأنَّه نيلُ جميعِ ما يُرجَى، والأمنُ من كل ما يُخشَى. هذه الجملة والتي قبلَها اعتراضٌ لتحقيقِ المبشَّرِ به وتعظيمِ شأنه، وليسَ من شرطه أن يقَعَ بعدَهُ كلامٌ متَّصلٌ بما قبلَهُ.

стр. 2006

(٦٥) - ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾: تكذيبُهم وتهديدُهم وتشاورُهم في تدبيرِ هلاكك، وقرئ: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ﴾ (١) من أَحْزَنَه. ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾: استئنافٌ للتعليلِ؛ كأنه قيلَ: ما لي لا أحزَنُ؟ فقيل: إنَّ العزةَ للهِ .. إلخ؛ أي: الغلبةَ والقدرةَ كلَّها لله تعالى، ولا (٢) يملِكُ أحدٌ غيرُه شيئًا منها، فهو يغلِبُهم وينصُرك عليهِم. وقرئ: (أن العزةَ) بالفتح (٣)؛ أي: لأن العزة، تصريحًا بالتعليلِ، وفيه إخبارٌ عن أهل العزةِ تسليةً لأهل العزة. ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بعزماتهم فيكافئُهم عليها. (٦٦) - ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾. ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾: تمهيدٌ لِمَا بعدَه من امتناعِ أن يكونَ الجمادُ له نذًا؛ لأنَّه تخصيصٌ للعقلاءِ بملكيته بتقديمِ ﴿لِلَّهِ﴾، وإيرادِ ﴿مَن﴾ دون (ما) مع التأكيدِ بتصديرِ الجملةِ بحرفي التنبيهِ والتحقيقِ، فالعقلاءُ من الملائكة والثقلَين إذا كانوا تحتَ يدِه عبيدًا مملوكينَ مع كونهم

стр. 2007

أشرفَ المخلوقات، ولا يصحُّ كونُهم شركاءَ، فكيف يصحُّ أن يكونَ الجمادُ له ندًا؟ فهو كالدليلِ على بطلان اعتقادِ المشركين. ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ﴾: ﴿وَمَا﴾ نافيةٌ، و ﴿شُرَكَاءَ﴾ مفعولُ ﴿يَتَّبِعُ﴾، ومفعولُ ﴿يَدْعُونَ﴾ محذوفٌ؛ أي: ما يتَّبعُ الذين يدعونَ من دون اللهِ شركاءَ شركاءَ حقيقةً (١) وإن سمَّوها شركاء (٢)، فحذِفَ أحدُهما لدلالةِ الباقي (٣) عليهِ. ويجوزُ أن يكونَ ﴿شُرَكَاءَ﴾ مفعولَ يدعون ومفعولُ ﴿يَتَّبِعُ﴾ محذوفًا دلَّ عليهِ: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾؛ أي: ما يتَّبعون ﴿إِلَّا الظَّنَّ﴾ يقينًا، وإنما يتَّبعونَ ظنَّهُم أنهم شركاءُ. وإن جُعلَت (ما) استفهاميةً فهي مفعولُ ﴿يَتَّبِعُ﴾، و ﴿شُرَكَاءَ﴾ مفعولُ ﴿يَدْعُونَ﴾، وإن جُعِلت موصولةً فمنصوبةُ المحلِّ عطفًا على ﴿وَمَن﴾. وقرئ: (تَدعُون) بالتاء (٤)، والمعنى: وأيُّ شيءٍ يتَّبعُ الذين تدعونهم شركاءَ من الملائكةِ والنبيينَ؟ أي: إنهم لا يتَّبِعون إلا اللهَ، ولا يعبُدون غيرَه، فما لكُم لا تتَّبِعونهم فيهِ؟ كقولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] فيكونُ إلزامًا بعدَ برهانٍ، وما بعدَهُ مصروف (٥) عن خطابهم لبيانِ سندِهم ومنشأ رأيهم.

стр. 2008

﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾؛ أي: يكذِبون فيما ينسبون إلى اللهِ تعالى، أو يحزِرون ويقدِّرون أنها شركاءُ تقديرًا باطلًا. (٦٧) - ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾. ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾: تنبيهٌ على أنه تعالى هو المنفرِدُ بكمالِ قدرتِهِ وعظيمِ نعمتِهِ التي لا يمكِنُهم أن يعيشوا بدُونها؛ ليدُلَّهم على أنه المتوحِّدُ باستحقاق العبادةِ فيخصُّوهُ بها، و ﴿جَعَلَ﴾ متعدٍّ إلى مفعول واحد بمعنى: خلق، و ﴿مُبْصِرًا﴾ حال، ويجوزُ أن يكونَ متعدِّيًا إلى مفعولين، والثاني ﴿لَكُمُ﴾ أو ﴿لِتَسْكُنُوا﴾؛ أي: جعلَهُ محلًّا لسكونكِم، وقيلَ: مظلِمًا، ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ (١) عطفٌ على المفعولَينِ. ذكَرَ علَّةَ خلق الليل لتسكُنوا فيه وتسترِيحوا من تعب التردُّدِ في طلب المعاش، وما يكدَحون منه في النهارِ، وحذَفها من النهار، وذكَرَ وصفَ النهارِ وحذفَهُ من الليلٌّ، وكلٌّ من المحذوفَين يدلُّ عليه المذكورُ في مقابِله، والتقديرُ: جعلَ لكم الليلَ مظلمًا لتسكُنوا فيهِ والنهارَ مُبصرًا لتتحركوا (٢) فيه في مكاسبِكم، وتهتَدُوا إلى مآربكم. وإسنادُ الإبصار إلى النهارِ مجازيٌّ على طريقَةِ: ليلُهُ قائمٌ ونهارُه صائمٌ، وإنما

стр. 2009

عدَلَ عن قولِهِ: لتُبصروا فيهِ، مناسبًا لـ (تسكُنوا فيهِ) لدلالته (١) على أنه مع كويهِ ظرفًا للإبصارِ سببٌ له بخلافِ سائر الظروفِ. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾: سماعَ اعتبارٍ وادِّكارٍ (٢). (٦٨) - ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾؛ أي: تبنَّاه ﴿سُبْحَانَهُ﴾: تنزيهٌ له تعالى عنِ التبنِّي، وتعجِيبٌ مِن كلماتِهم الحمقاء (٣). ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ علةٌ لتنزُّههِ عنهُ؛ فإنه مسبَّبٌ عن الحاجةِ. ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ تقريرٌ لغِناه. ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ نفيٌ لمعارِض البرهانِ الذي أقامَهُ تحقيقًا لبطلانِ قولهِم، ومبالغةً في تجهيلِهم؛ أي: ما عندَكُم من حجةٍ بهذا القول (٤)، مع أن الحجةَ دالةٌ على خلافِه، والباءُ في ﴿بِهَذَا﴾ متعلقٌ بـ ﴿سُلْطَانٍ﴾، أو بقولِه: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ﴾ بمعنى الظرفيةِ؛ أي: ما عندَكُم في القول حجةٌ؛ كقولكَ: ما عندَكُم بأرضِكم موزٌ. ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: لما نفَى البرهان عنهُم جعلَهم جاهلينَ،

стр. 2010

وفيهِ دليل على أن كلَّ قولٍ لا دليلَ عليه فهو جهلٌ، وأن العقائدَ لا بد أن تكونَ بُرهانيَّةً لا تقليديَّةً، والهمزةُ للتوبيخِ والتقريعِ لهم على اختلافِهم وجهلِهم. (٦٩) - ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾. ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾: بنسبةِ الولدِ والشريكِ إليه تعالى. ﴿لَا يُفْلِحُونَ﴾: لا ينجُونَ من النار (١)، ولا يفوزون بالجنةِ. (٧٠) - ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾. ﴿مَتَاعٌ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ، والتنكيرُ للتقليل تقديرُهُ: افتراؤهم متاعٌ ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾؛ أي: متعةٌ (٢) يسيرةٌ ﴿فِي الدُّنْيَا﴾؛ أي: يقيمونَ به في الدنيا رئاستَهم في الكفرِ. أو: حياتُهم وتقلُّبَهم فيها متاعٌ، أو مبتدأٌ خبرُهُ محذوفٌ؛ أي: لهم تمتُّعٌ في الدنيا. ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾: بالبعثِ بعد الموتِ فيلقَون الشقاء المؤبَّدَ. ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ﴾ في جهنَّم ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾: بسببِ استمرارِهم على الكفرِ.

стр. 2011

(٧١) - ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾. ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾: خبرَهُ مع قومِه. ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ﴾: شقَّ وثقُلَ، ومنهُ قولُه تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]. ﴿مَقَامِي﴾: مكاني؛ أي: كوني ووجودِي، ومنهُ: فعلتُ كذا لمكان (١) فلانٍ. أو: إقامتي ومُكثي بين أظهُركم مدةً طويلةً. أو: قيامِي على الدعوةِ، لا على (٢) التذكيرِ؛ لأن قولَه: ﴿وَتَذْكِيرِي﴾ يُغني عنهُ، والتأسيسُ خيرٌ من التأكيدِ. ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾، أي: خصَصتُ الله تعالى بالتوكُّلِ عليهِ والوثوقِ به، فإنه جوابُ الشرطِ، أي: فلا أبالي. وقيلَ (٣): جوابُ الشرطِ ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ وما تقدَّمَ اعتراضٌ بين الشرطِ وجوابِه، كما تقولُ: إن كنتَ أنكرتَ عليَّ شيئًا فإنَّ الله حسبي فاعمَل ما تريدُ. و (أَجْمِعوا) قرئ بالوصل من الجمع (٤)، وبالقطع من الإجماع (٥)، وهو العزم،

стр. 2012

وفي (١) إسناد الجمع والإجماع على الشركاء تهكُّم بهم وبشركائهم؛ كما في قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥]. ﴿وشُرَكَاءَكُمْ﴾: معطوفٌ على ﴿أَمْرَكُمْ﴾ على حذفِ مضافٍ تقديرُه: وأمرَ شركائكُم، أو منصوبٌ بفعلِ محذوفٍ تقديرُه: وادعوا شركاءكم (٢)، وقدْ قُرِئ به (٣). وقيلَ: (اجمَعُوا) بمعنى: أَعِدُّوا، فيقَعُ على المعطوفَين جميعًا. وقال الزجَّاجُ: هو مفعولٌ معَهُ، والواو بمعنى معَ؛ أي: مع شركائكم (٤). ولا يساعِدُه قراءةُ الوصلِ، كما قال الحريريُّ في "درة الغوَّاصِ": لا يُقال: اجتمعَ فلانٌ مع فلان، وإنما يُقال: اجتمَعَ فلانٌ وفلان (٥). وقرئ بالرفعِ (٦) عطفًا على الضمير المتصل، وجاز بلا تأكيد للفصل (٧). ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ﴾ في قصدِي ﴿عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾: مستورًا عليكم، وليكُن مكشُوفًا مجاهرًا بهِ، مِن غمَّهُ: إذا سترَهُ.

стр. 2013

أو: لا يكُن أمرُكم - أي: ما تكونونَ فيه من شدَّةِ الحالِ والكراهةِ (١)، وثقلِ مُقامي فيكُم ومشقَّتِه عليكُم - غمًّا وكربًا عليكم. الغمُّ والغُمَّةُ كالكَربِ والكُربةِ معنًى وصِيغةً، أي: لا تتوقَّفوا في إهلاكي وتدبِيره لئلا يكون عيشُكم بسببِ مصاحبَتي وحالكُم معي غُمةً عليكُم. ﴿ثُمَّ اقْضُوا﴾: أدُّوا ﴿إلَىَّ﴾ ذلك الأمرَ الذي تريدون بي؛ يعني: أدُّوا قطعَه وتصحيحَهُ إليَّ، كقوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْر﴾ [الحجر: ٦٦]، أو: أدوا إليَّ ما هو حقٌّ عليكم من وجوبِ إهلاكي، كما يقضي الرجلُ غريمَه. وقرئ: (ثم أفضوا) بالفاء (٢)؛ أي: ثم انتهُوا إلي بشرِّكم. وقيل: هو مِن أفضَى الرجلُ: إذا خرجَ إلى الفضاءِ؛ أي: اصحَروا بهِ إليَّ وابرُزوا بهِ لي. ﴿وَلَا تُنْظِرُونِ﴾: ولا تمهِلون. (٧٢) - ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾؛ أي: أعرضتُم عن تذكِيري ﴿فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾ يوجبُ إعراضَكم عني لثقَلِه عليكم، واتهامكُم إياي لأجلِه من طمعٍ في أموالكم. ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ في نصيحتِكم ووعظكم ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ هو الذي يثيبُني عليه؛ أي: ما نصحتُكم إلا لوجه الله تعالى، لا لغرض من أغراضِ الدُّنيا.

стр. 2014

﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: المنقادِينَ لأمر اللهِ، وقضيةُ الإسلامِ أن لا يُطلَبَ على تعليم الدِّينِ شيءٌ (١)، ولا يُبتغى بالدعوةِ والموعظةِ إلا وجهُ اللهُ تعالى، رضيَ الله عن أبي حنِيفةَ ما أمعَن النظَرَ إذ لم يرَ الإجازة في الإجارةِ على الطاعاتِ. والمرادُ: إلزام (٢) الحجةِ لهم، وتبرئةُ ساحتِه عما يوجبُ الإعراض. (٧٣) - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾. ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾: فأصرُّوا على تكذيبِه تمرُّدًا وعنادًا (٣) بعد طولِ مدةِ الدعوةِ وإلزامِ الحُجَّةِ. ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾ يعني: من الغرَقِ؛ دلَّ عليهِ قوله: ﴿وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ﴾: من الإنسان والحيوانِ، وإنما قال: ﴿وَمَنْ﴾ دونَ (ما) تغلِيبًا للعقلاءِ على غيرِهم؛ للتنبيهِ على أن نجاةَ غيرِهم كان تبَعًا لهم. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ﴾ من الهالكين ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: بالطوفانِ، والجعلُ مؤخَّرٌ عن الإغراقِ، وإن قُدِّمَ لفظًا للاهتمام به. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾: تعظيمٌ لما نزَلَ بهم من العذابِ، وتهديدٌ لمن كذَّبَ رسول اللهِ ﷺ ، وتسليةٌ لهُ (٤).

стр. 2015

والعدولُ عن مقتضَى ظاهرِ السياقِ - وهو: المكذِّبينَ - إلى ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ للتنبيهِ على أن التكذيبَ إنما يستوجِبُ (١) نزولَ العذابِ إذا كان بعدَ الإنذارِ، فاعتبِر هذا اللطفَ، وذُق لطفَ هذا الاعتبارِ. (٧٤) - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾. ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا﴾: البعثُ أعمُّ من الإرسال؛ فإن كل شيءٍ أرسلتَه فقد بعثتَه، ومنهُ قولُه تعالى: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢]، والذي أُمِرَ بتبليغ الرسالةِ إلى قوم وهو فيهم إنما يناسبُه عبارةُ البعث دونَ الإرسال. ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: من بعدِ نوحٍ ﵇ ﴿رُسُلًا﴾ التنكيرُ للتكثيرِ ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾: إلى أقوامِهم كلُّ رسولٍ إلى قومه، وإنما لم يُجمَع لأنَّه في الأصلِ مصدرٌ. ﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالحججِ الواضحة المثبِتةِ لدعواهم. ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾: عبارةُ (كان) الدالَّة على الاستمرار مقدَّمةٌ على أداة النفي في الاعتبارِ؛ أي: لم يؤمنوا بهم (٢) وأصرُّوا على الإنكار، وفي زيادةِ لامِ الجحود تأكيدٌ لهذا المعنى، ودلالةٌ على أن إيمانهم في حيِّزِ الامتناع. ﴿بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾: بسبب تعوُّدِهم بتكذيبِ الحقِّ وتمرُّنهم عليه من قبل بعثة الرسلِ؛ أي: ما تفاوت في حالهم قبلَ البعثة وبعدَه؛ لاعتيادِهم بالعنادِ وإنكار الحقِّ.

стр. 2016

﴿كَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك الطبعِ المحكَمِ ﴿نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾؛ لأنَّ الاعتداء والإفراطَ في التجافي عن الحقِّ يوجِبُ الخذلانَ حتى يصيرَ رَينًا وطبعًا؛ فالكلامُ على الحقيقةِ دون الكنايةِ. (٧٥) - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾. ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: من بعدِ (١) هؤلاء الرسلِ ﴿مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾: خصَّ أشرافَهم بالذكرِ اكتفاءً بذكرِ الجزء عن الكُلِّ. ﴿بِآيَاتِنَا﴾: بالآياتِ التسع، أضافَها إلى نفسِه تنبيهًا على خروجِها عن حيِّزِ استطاعة العبدِ، وتعلُّقِ كسبِه بها، وكونها من خوارق العاداتِ. ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾: عن قَبول الحقِّ، واتِّباعِ مَن أُرسِلَ إليهم. والاستكبارُ: طلبُ الكِبرِ من غيرِ استحقاقٍ، وأعظَمُ الكِبر: استهانةُ العبدِ برسالةِ ربِّهِ بعدَ تنبيهِه بالبيِّناتِ. ﴿وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾: معتادِين بالآثامِ العظامِ، فلذلكَ استكبَرُوا عنها، واجترؤوا على ردِّها، أما توصيفُ الآثامِ بالعظامِ فلأن الجُرمَ يؤذِنُ عن ذنبٍ له عِظَمٌ، ثم إنَّ سبيلَ الكلامِ سبيلُ الاعتراض التذييلي، ويدلُّ على تمرُّنِهم واعتيادِهم له، فجمَعَهُ لذلكَ. على أن الكافرَ إذا وصِفَ بالجُرمِ والفسقِ دل على أَشَدِّه، وأما السببية (٢) فمن نفسِ الاعتراضِ، والحملُ على العطف الساذجِ لا يلائمُ بلاغة القرآنِ.

стр. 2017

(٧٦) - ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾: فلما عرفوا أنه الحقُّ، وأنَّه من عندِ اللهِ تعالى لا من قِبَلِ موسى وهارونَ ﵉ ﴿قَالُوا﴾ من فرطِ تمرُّدِهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ظاهرٌ، أو: فائقٌ في فنِّهِ واضحٌ من بين فنونِهِ. والدليلُ على العرفانَينِ المذكورَين من النظمِ: إيقاعُ ﴿الْحَقُّ﴾ موضعَ ضميرِ الآياتِ، وإسنادُ المجيء إليهِ، وقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ كما مرَّ في صدر السورة من دلالَتهِ على الاعتراف وتناهي العجز. (٧٧) - ﴿قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾. ﴿قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ﴾: أتَعِيبُونه وتطعنونَ (١) فيهِ؟ من قولهم: فلان يخافُ القالةَ (٢)، كقوله: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٠] فيستغني عن المفعولِ. وقيلَ: حُذِفَ مقولُ القول لدلالةِ ما قبلَه عليهِ، وهو: إنه لسحرٌ، والهمزةُ للتوبيخِ أو التقرير، ولا يجوزُ أن يكونَ: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾؛ لأنهم بتُّوا القولَ، بل هو استئنافٌ بإنكارِ ما قالوه، إلا أن يكونَ الاستفهامُ فيه للتقرير، والمحكيُّ مفهومُ قولِهم، وهذا على الوجه الأولِ إشارة إلى وضوحِ حقيقتِهِ، وكونِه ممتازًا في الحسِّ من (٣) الباطلِ، معلومُ الحقيقةِ بحيث لا يُشكُّ فيهِ مشارًا إليه في ذلكَ، وعلى الثاني تحقيرٌ واستبعادٌ لكونهِ موجِبًا للفلاح.

стр. 2018

﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾: من تمامِ كلام موسى ﵇؛ للدلالةِ على أنه ليسَ بسحرٍ، فإنهُ لو كان سحرًا لاضمحلَّ، ولم يُبطِل سحرَ السحرةِ، ولأن العالِم بأنهُ لا يفلِحُ الساحرُ لا يُسحَرُ. أو من تمام قولهم إن جعِلَ: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾ محكِيًّا؛ كأنهم قالوا: أجئتَنا بالسحرِ تطلُبُ به الفلاحَ ولا يفلِحُ الساحرون؟ ويأباه قولُه: ﴿ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ لأنهُ مظِنَّةُ طلبِ الفوزِ بهم، وصيغةُ الجمعِ للدلالة على أن اجتماعَهم لا يُجدي نفعًا في طلبِ الفوزِ. (٧٨) - ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا﴾: لتصرِفنا، واللفتُ والفتلُ أَخَوان. ﴿عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ من عبادةِ الأصنامِ. ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾: الملكُ فيها، فإن الملوكَ يوصفون بالكبرِ، ويجوزُ أن يُقصدَ به ذمُّهما بأنهُما (١) يريدانِ أن يتكبَّرا أو يتجبَّرا في أرِض مصرَ باستتباعِ الناسِ. ﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾: بمصدِّقين ما جئتما به. (٧٩) - ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾.

стр. 2019

﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ وقرئ: ﴿بِكُلِّ سَاحِرٍ﴾ (١)، ﴿عَلِيمٍ﴾: حاذقٍ فيه. (٨٠) - ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾. ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا﴾ استطالةً عليهم، وعدمَ مبالاةٍ بهم، وفي إبهامِ: ﴿مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ تحقيرٌ لهم وتعليلٌ، وإعلامٌ بأنه لا شيءَ يُلتفتُ إليهِ. (٨١ - ٨٣) - ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢) فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾. ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾: ﴿مَا﴾ موصولةٌ مبتدأٌ خبرُهُ: ﴿السِّحْرُ﴾؛ أي: الذي جئتم بهِ هو السحرُ، لا الذي جئنا به من آياتِ اللهِ تعالى. وقرئ: ﴿آلسِّحْرُ﴾ على الاستفهام (٢)؛ أي: على أن ﴿ومَا﴾ استفهاميةٌ (٣) مبتدأةٌ، تقديرُه: أيُّ شيءٍ، و ﴿جِئْتُمْ بِهِ﴾ الخبرُ، و ﴿السِّحْرُ﴾ بدلٌ من ﴿مَا﴾، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ تقديره: أهو السحرُ، أو مبتدأٌ خبره محذوفٌ تقديرُه: السحرُ

стр. 2020

هوَ، ويجوزُ أن ينتصِبَ ﴿مَا﴾ بفعلٍ يفسِّرُه ما بعده تقديرُه: أيُّ شيءٍ أتيتم، السحرُ إفسادٌ وتمويهٌ لا حقيقَةَ له. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾: ويثبِّتُه ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾: بأوامرِه. ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢) فَمَا آمَنَ لِمُوسَى﴾ في أوَّلِ أمرِه ﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾: إلا طائفةٌ من ذرارِي قومه؛ أي: أولادٌ من بني إسرائيل دعا أباءهم فلم يجيبوهُ خوفًا من فرعونَ وقومه، وأجابَهُ (١) طائفة من أبنائهم وبناتهم. وقيلَ: الضميرُ في ﴿قَوْمِهِ﴾ لفرعونَ، والذريةُ: طائفةٌ من شبان قومِهِ، أو من آل فرعونَ، وآسيةُ امرأتُهُ، وخازنُهُ، وامرأةُ الخازِنِ، وما شطَتُهُ. ولا يناسبُه قولُه: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ﴾: فإن حقَّ الكلام حينئذٍ إظهارُ اسم فرعونَ ثمَّةَ، وإضمارُه هاهنا. ﴿وَمَلَئِهِمْ﴾: الضميرُ يرجع إلى فرعونَ؛ بمعنى: آلِ فرعونَ؛ كما يقالُ: مُضَرُ ورَبِيعَةُ، أو لأنَّه ذو أصحابٍ يأتمِرون لهُ، فعلى هذا يكونُ من باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]. ولا يجوزُ أن يكون جمعُهُ على ما هو المعتادُ في ضمير العظماءِ؛ لأنَّه يكونُ عند قصدِ التعظيمِ، ولا يساعدُهُ المقامُ (٢). أو إلى الذريةِ، أو ﴿قَوْمِهِ﴾ أي: على خوفٍ من فرعونَ، ومن أشرافِ بني إسرائيل؛ لأنهم كانوا يمنَعون أعقابهم خوفًا من فرعون عليهِم وعلى أنفسهم، بدليلِ

стр. 2021

قوله تعالى: ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾: أن يعذِّبهم فرعونُ، وهو بدلٌ منهُ، أو مفعولُ: ﴿خَوْفٍ﴾، وعلى الوجهِ الأولِ إفرادُه بالضمير يحتاجُ إلى التأويلِ بأن يُقالَ: الخوف من الملأ كان بسببه. وإنما قالَ: ﴿عَلَى خَوْفٍ﴾ للدلالةِ على شدَّةِ خوفِهم، ولا يفيدُ (مع) ما أفاده (على)؛ لأن المصحوبَ ليس كالمركوب. ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ﴾: لغالبٌ قاهر فيها، استئنافٌ لبيان السببِ في كون أولئك المؤمنين خائفينَ، فالمناسبُ أن يكون المرادُ من الإسرافِ في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾: تجاوزُه عن الحدِّ المعتادِ في التعذيب والقتل لمن يخالفُه في أمرٍ من الأمور (١). (٨٤) - ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾. ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ لمَّا رأى تخوُّفَ المؤمنين منه: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾: صدَّقتم به تعالى وبآياتِه، وفي إيراد ﴿إِن﴾ إيماءٌ إلى أن حالهم ليسَت حالَ المصدِّقِ باللهِ، الصادقِ في الإيمان، الواثقِ به تعالى. ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾: فخصِّصوه بالتفويضِ إليه، أو: ثقوا به (٢) في العصمةِ من فرعونَ، ثم شرَطَ في حصولِ التوكُّل وصحته (٣) الإسلامَ بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾: كما شَرطَ في وجوبه الإيمانَ؛ لأن من قضية الإيمانِ

стр. 2022

وجوبُ التوكُّلِ على الله تعالى، ولا يصِحُّ التوكل إلا مع تسليمِ نفوسِهم له تعالى خالصةً سالمةً، ليس لغيرِه فيها حظٌّ ولا تخليطٌ فيه، فهو (١) كقولكَ: إن أتاكَ زيدٌ فأحسِنْ إليه إن قدَرت. (٨٥) - ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾؛ لأنهم كانوا مخلِصين، ولذلك قبِلَ توكُّلَهم، وأجاب دعاءَهم، ونجَّاهم، وأهلك مَن كانوا لا (٢) يخافون عذابَه وبلاءَه، وجعلَهم خلفاء في أرضِه. ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: موضعَ فتنةٍ لهم؛ أي: عذابٍ يعذِّبوننا بهِ، أو يفتِنوننا عن دينِنا، أو فتنةً لهم يُفتنون عنا يقولونَ: لو كان هؤلاءِ على الحقِّ لمَا أُصيبوا. (٨٦) - ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: من مجاهدةِ استعبادِهم (٣) وسوء مشاهدَتهم، وإنما قدَّموا التوكلَ على الدعاءِ لأن الداعي ينبَغي أن يَتوكَّلَ أولًا لتُجاب دعوتُه (٤).

стр. 2023

(٨٧) - ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ﴾: أن اتَّخِذا مباءةً؛ أي: مرجِعًا يرجَعُ إليه. ﴿لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾: تسكُنون فيها وترجِعون (١) إليها للعبادة. ﴿وَاجْعَلُوا﴾ أنتُما وقومُكما ﴿بُيُوتَكُمْ﴾: تلك البيوتَ ﴿قِبْلَةً﴾: مُصلًّى. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: فيها؛ قالَ ابن عباسٍ ﵄: إن فرعونَ لما أتاه موسى ﵇ بالرسالة أمرَ لمساجدِ بني إسرائيلَ فكسِّرت كلُّها، وكانت مساجِدُهم ظاهرةً فأمرهما (٢) الله تعالى أن يجعلا لقومِهما مساجدَ في جوفِ البيوت ولا يظهِرُوها (٣). ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: بالنصرة في الدنيا والجنةِ في العُقبى. وإنما ثنَى الضميرَ أولًا لأن التبوُّء للقومِ، واتخاذَ المقابرِ مما يتعاطاه رؤوس القومِ بتشاورٍ، ثم جمعَ لأن جعلَ البيوتِ مساجدَ والصلاةَ مما ينبغي أن يفعلَهُ كلُّ أحدٍ، ثم وحَّدَ لأن البشارةَ في الأصل وظيفةُ صاحب الشرعِ. (٨٨) - ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.

стр. 2024

﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً﴾: ما يُتزيَّنُ به من لباسٍ وحليٍّ وفرشٍ وغير ذلك. ﴿وَأَمْوَالًا﴾: صنوفًا من الأموالِ. ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ عن ابن عباسٍ ﵄: كانت لهم من أرضِ مصرَ فسطاطٌ إلى أرضِ الحبشةِ جبالٌ فيها معادِنُ ذهبٍ وفضةٍ وزبرجَدٍ وياقوتٍ (١). ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ دعاءٌ عليهم بما هم فيهِ بلفظ الأمرِ (٢)؛ للإياسِ عن قَبولهم الدعوةَ والهدايةَ، وتحقُّقِ (٣) إصرارِهم على الكفرِ؛ كقولك: لعنَ اللهُ إبليسَ. وقيلَ: إنَّ اللام للعاقبة، وهي متعلِّقةٌ بـ ﴿آتَيْتَ﴾. وَيحتمِلُ أن تكونَ للعلةِ؛ لأن إيتاءَ النعمِ على الكفر استدراجٌ وتثبيتٌ على الضلالِ، ولأنهم لما جعلُوها سببًا للضلالِ فكأنهم أوتوها للضلالِ، فيكُون تكرارًا (٤) للأول (٥)، وتنبيهًا على أن المقصودَ من عرضِ الآياتِ ضلالُهم وكفرانُهم تقدمةً لقولِه: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾: أهلِكْها (٦)، والطمسُ: المَحْقُ، قالَ ابن عباسٍ

стр. 2025

﵄: بلغَنا أن الدراهم والدنانير صارت حجارةً منقوشة كهيئة الدراهم والدنانير (١). ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: الشدُّ على القلوبِ: الاستيثاقُ منها، وقبضُها حتى لا يدخُلَها الإيمانُ؛ أي: واطبَع عليها حتى لا تنشَرِح لقَبول الحقِّ. ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾: جوابُ الدعاءِ (٢) الذي هو ﴿وَاشْدُدْ﴾ (٣)، أو دعاءٌ بلفظ النهيِ. وقيلَ: إن جعلتَ اللامَ في ﴿لِيُضِلُّوا﴾ للعاقبةِ أو التعليلِ فهو عطفٌ عليهِ، وقولُهُ: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ﴾ ﴿وَاشْدُدْ﴾ دعاءٌ معترِضٌ بين المعطوفِ والمعطوفِ عليهِ. واعترِضَ عليه بأن الاعتراضَ بالدعاءِ لا يكونُ له حسنُ موقعٍ، ولهذا عِيبَ على النابغةِ (٤) في قولِه: لعَلَّ زِبادًا لا أبا لكَ غافِلُ (٥) ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾؛ أي: يروا ذلكَ، ويحتمِلُ الغايةَ؛ أي: إلى أن يروا العذابَ الأليمَ، وكان ذلك فإنهم لم يؤمنوا إلى الغرقِ. (٨٩) - ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

стр. 2026

﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ يعني: موسى وهارونَ ﵉ لأنَّه كانَ يُؤمِّنُ. ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾: فاثبُتا على ما أنتُما عليه من الدعوةِ وإلزام الحجةِ، ولا تستعجِلا؛ فإنَّ ما طلبتُما كائنٌ في وقتهِ، روي: أنهُ مكَثَ بعد الدعاء أربعين سنةً (١). ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: طريقَ الجهلة في الاستعجالِ؛ فإن الأمورَ مقدَّرةٌ معلَّقةٌ بأوقاتها، أو عدمِ الوثوق بعهد الله تعالى. قال الزجَّاج: قولُه: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ﴾ موضعُه (٢) جزمٌ؛ والتقديرُ: ولا تتَّبعا، إلا أن النونَ المشدَّدةَ دخلَت على النهي مؤكِّدةً، وكسرَت لسكونها وسكونِ النون التي قبلَها؛ فاختيرَ لها الكسرَةُ؛ لأنها بعد الألفِ تشبه نون التثنيةِ. واستضعفه ابن الحاجبِ، وحملَ على أنه نفيٌ بمعنى النهيِ؛ فجازَ العطفُ، أو الواو للحالِ، وفعل المضارعِ المنفيّ لا يمنعُ من دخول الواو عليهِ؛ أي: استقيما غير متبِعَين، وهذا أشدُّ ملاءمةً. وقرئ: ﴿ولا تتَّبعانِ﴾ بتخفيف النون (٣)، (ولا تَتْبعانِ) من تَبعَ (٤).

стр. 2027

(٩٠) - ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ حتى بلغوا الشطَّ حافظين لهم، وقرئ: ﴿جَوَّزْنا﴾ (١) وهو مِن فعَّلَ المرادفِ لفاعَلَ؛ كضعَّفَ وضاعَفَ. ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ﴾؛ أي: طلبُوا لحاقَهم، فقربوا منهم، وأمَّا الإدراكُ فلم يحصُل. ﴿بَغْيًا وَعَدْوًا﴾: باغين وعادِين، أو: للبغي والعَدْوِ. ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾: الغَرَقُ بالفتحِ: القُرب من الهلاكِ بغمرةِ الماء، والغَرْق بتسكِينها: الهلاكُ فيها. ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ﴾: قرئ بالفتح على حذف الباءِ التي هي صلةُ الإيمانِ، وبالكسر على الاستئنافِ (٢) بدلًا مِن ﴿آمَنَتْ﴾ وتفسيرًا (٣) له. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: على الأول تكريرٌ للمعنى الواحدِ بعبارَتين مختلفتَين، وعلى الثاني بثلاث عباراتٍ شغفًا على القبولِ، لكنْ لمَّا لم يبقَ وقتُ التكليفِ لم يُقبَلْ، ولو بقِي وقته لكفَت مرةٌ واحدةٌ، وكان مؤمنًا ضرورةَ حصولِ التصديقِ القلبيِّ، ولم يكن مسلمًا؛ لأن الإسلامَ تسليمُ النفسِ إلى الله تعالى، فإذا آمَن في وقتٍ خرجَت نفسُه من يدِه لم يصِر مسلِّمًا نفسَهُ إليه

стр. 2028

تعالى؛ إذ ليس نفسُهُ في يده حينئذٍ فيسلِّمَها (١)؛ لذلك وبخه بالعصيانِ المقابل للإذعانِ، دون الكفر المقابلِ للتصديقِ حيث قالَ: (٩١) - ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. ﴿آلْآنَ﴾؛ أي: أتؤمنُ الآن وقد أيِست مِن نفسِكَ، ولم يبقَ لك اختيارٌ. ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾: قبلَ ذلك مدَّةَ عمركَ. ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾: الضالِّين المضلِّين عن الإيمانِ. روى الترمذيُّ عن ابن عباسٍ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لما أغرَقَ اللهُ فرعونَ قال: ﴿آمَنْتُ﴾ إلى قوله ﴿بَنُو إِسْرَائِيل﴾ قال جبريلُ: فلو رأيتَني يا محمدُ! وأنا آخذُ من حال البحرِ فأدسُّه في فيهِ مخافةَ أن تدرِكَه الرحمةُ" (٢). أراد إدراكَ الرحمةِ في الدنيا كما أدرك قومَ يونُسَ فنجَوا من العذابِ؛ فليسَ فيه ما يدلُّ على كراهةِ إيمان الكافرِ والرضا بكُفرِه؛ فإن الرضا بالشيء لا يستلزِمُ الرضا بسببِه؛ ألا يرى أن المريضَ يشربُ الدواء للشفاءِ (٣) كارهًا إياهُ راضيًا بما (٤) يترتَّبُ عليهِ من منفعةِ الشِّفاءِ، فمَن وهَم أن في قوله: "مخافَة أن تدركَه الرحمةُ" جهالتين: إحداهما أن الإيمان يصحُّ بالقلبِ كإيمانِ الأخرسِ فحالُ البحرِ لا يمنعُهُ، والأُخرى أن مَن كرِهَ إيمانَ الكافرِ وأحبَّ بقاءه على الكفرِ فهو كافرٌ؛ لأن الرضا بالكفرِ كفرٌ. وزَعَمَ بناءً على ذلكَ أنه من زياداتِ الباهتِين للهِ تعالى وملائكتِه فقد وهِمَ، ثم إنهُ على تقديرِ زيادته لا بهتَ فيه لله تعالى.

стр. 2029

(٩٢) - ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾. ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾ نبعدُك مما وقعَ فيه قومُكَ من قعر البحرِ ونجعلُك ناجيًا، أو: نلقيكَ على نجوةٍ من الأرضِ ليراك بنو إسرائيلَ. ﴿بِبَدَنِكَ﴾ في موقعِ الحال؛ أي: بدرعِكَ، وكانت له درعٌ من ذهبٍ يعرَفُ بها. وقرئ: (بأبدانك) (١)؛ أي: بدروعكَ، كأنه كانَ مُظاهِرًا بينها. وخروجُه من الماءِ أو ظهورُه على وجهِه مع ما عليهِ من جسمٍ ثقيلٍ آيةٌ أُخرى. وقيلَ: أي: ببدنك عاريًا عن الروح، أو كاملًا سويًّا، أو عريانًا من غير لباسٍ. يأباه الباءُ؛ لأنها تقتضي وجود شيء آخرَ غير البدن، ولم ينجُ غير جسدِه، على أنه فرْقٌ بين البدن والجسدِ؛ فإن الأطرافَ خارجٌ عن الأولِ داخلٌ في الثاني؛ فحق المقام حينئذٍ أن يُذكرَ الجسد بدل البدنِ. ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾: لمن بقي بعدَك من السِّبْطي والقِبْطي علامةً؛ إذ كان في نفوسهِم من عظمته ما خَيَّلَ إليهم أنه لا يموتُ، حتى رويَ أن بني إسرائيل لم يصدِّقوا موسى ﵇ في إخباره بغرقِهِ حتى عاينوه مطروحًا على ممرِّهم من الساحلِ. أو: لمن يأتي بعدَكَ من القرونِ إذا سمعوا [مآلَ أمرِكَ] ممن شاهدكَ عبرةً (٢)

стр. 2030

ونكالًا من الطغيانِ، أو حجةً تدلُّهم على أن الإنسانَ على ما كان عليهِ من عظم الشأنِ وكبرياءِ الملكِ والسلطانِ مملوكٌ مقهورٌ (١) بعيدٌ عن مكانِ الربوبيةِ. وقرئ ﴿نُنْجِّيكَ﴾ (٢) من أَنْجَى. وقرئ: (نُنَحِّيكَ) بالحاء من التنحيَة (٣)، وهي (٤) التبعيدُ (بيديكَ) على أنه تثنيةُ اليدِ (٥). (لمَن خَلقَكَ) بالقافِ (٦)؛ أي: نبعدُك عن الرحمةِ بما كسبت يداكَ من الجفوةِ، لتكون من خالقِكَ آيةً لخلقِهِ، فإن إفرادَهُ إياك بالإلقاءِ إلى الساحل دليل على أنه قصَدَ كشفَ (٧) تزويركَ وإماطةَ الشبهةِ عن أمركَ، [وذلك] (٨) دالٌّ على كمالِ قدرتهِ وعلمِهِ وإرادتِهِ، وهذا الوجه محتمل على المشهورةِ أيضًا. ومن قالَ في تفسيرِه على القراءة الأخيرةِ: أي: نلقيك بناحية الساحلِ، فقد غفل عن أنَّ مَن قرأه بالحاءِ قرأ (بيديك) باليائين فوقعَ فيما وقعَ. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ لا يتفكَّرون فيها ولا يعتبِرون (٩) بها.

стр. 2031

(٩٣) - ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا﴾: نزَّلنا ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾: منزلًا صالحًا مرضيًّا وهو مصرُ والشامُ. ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: من أسبابِ المعيشة المستطابةِ. ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا﴾؛ أي: كانوا على ملةٍ واحدةٍ وطريقةٍ مع موسى ﵇ في أول حالِه ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ بنزولِ التوراةِ فاختلفُوا، وهذا ذمٌّ لهم من جهةِ أن العلمَ سببُ الاتفاقِ فصارَ عندَهم سببَ الاختلافِ، حتى تشعَّبوا شُعَبًا بعدما قرؤوا التوراةَ. وفي ترتيبِ ذلك الاختلافِ الذي لا يخلو عن نوعِ كفرانٍ على إنعامِهِ تعالى عليهم المنازلَ البهيَّةَ، والمطاعمَ الشهيَّةَ، والعلمَ بالأحكام، تأكيدٌ للذمِّ لتنزيلِهم الكفرَ منزلة الشكرِ. وقيلَ: المرادُ من اختلافِهم: الاختلافُ في أمر محمدٍ ﷺ بعدَ (١) ما علمُوا صدقَه بنعوتِهِ وظاهرِ معجزاته. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: فيميزُ المحقَّ من المبطِلِ، ويجزي كلًّا منهم على استحقاقهِ، وينزِّله منزلةَ استيجابِه على حكمِ وعدِه ووعيدِه.

стр. 2032

(٩٤ - ٩٥) - ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ كلامٌ مبنيٌّ على الفَرْضِ والتقديرِ مؤكَّدٌ بما هو واردٌ على سبيلِ التهييجِ وزيادة التثبيتِ، فلا يستلزمُ وجود الريبِ والافتراءِ والتكذيبِ، ولا إمكانَها؛ إذ كلُّ ذلك (١) من بابِ فرضِ المحالِ وبقاءِ الكلام عليهِ؛ أي: مَن هو [أقوى] (٢) الناسِ يقينًا وأشرفُهم رتبةً (٣) وأعزُّ خلقِ الله تعالى عليه مِثْلَك لو كان موصوفًا بهذه الصفاتِ الخبيثة التي وُصِفوا بها لوقعَ في الخسرانِ المطلقِ، وكما دلَّ على زيادةِ التثبيتِ والعصمةِ له دلَّ على سوءِ حالِ الشاكِّين فيه مِن بني إسرائيلَ. ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: من بني إسرائيلَ الذين آتيناهم الكتابَ من قبلِكَ؛ فإنه محقَقٌ عندَهم ثابتٌ في كتبِهم على نحو ما أنزلنا (٤) إليكَ. والمرادُ: إثباتُ نبوتِهِ ﵇ بشهادةِ الأحبار، وذلكَ أنه لمَّا ذكَرَ بني إسرائيل ووصفَهم بالعلمِ، أراد أن يقررَ عليهم صحة نبوَّتِه ﵇ وصدقَ القرآن بشهادةِ علمائهم وكِتَابِهم، أو وصفُ الأحبارِ بالرسوخِ في العلم بصحةِ

стр. 2033

نبوتهِ ﵇ وما أنزلَ اللهُ تعالى إليهِ، لا إثباتُ الشكِّ وإمكانه لرسولِ الله ﷺ ، ولذلكَ قال ﵇: "لا أشكُّ ولا أسألُ، أشهدُ أنه الحقُّ" (١). وبهذا التقريرِ تبيَّنَ وجه تصديرِ الكلامِ بأداة الترتيبِ على ما قبلَهُ. وقيلَ: الخطابُ لكلِّ مَن يسمَعُ؛ أي: إن كنتَ في شكِّ أيها السامعُ مما أنزلنا على لسانِ نبيِّنا إليكَ، وفيهِ تنبيهٌ على أن كلَّ من خالطتْهُ (٢) شبهةٌ فعليهِ بمراجعة العلماءِ. ﴿لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي: ثبتَ عندك بالبراهين القاطعةِ، والمعجزاتِ الواضحةِ أن الذي جاءك هو الحقُّ الذي لا تدخُلُ الشبهة فيه. ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: فاثبُت على ما أنتَ عليه من الجزمِ (٣) واليقينِ، وانتفاءِ المرية والتكذيب، وقد مرَّ أنهُ من باب التهييجِ والإلهابِ؛ كقولهِ: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ [القصص: ٨٦]. (٩٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ﴾: ثبتَتْ عليهم ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ حكمُه (٤) بأنهم يموتون على الكفرِ، ويخلُدون في العذابِ ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: إذ لا يُكذَّبُ كلامُه، ولا يُنقَضُ قضاؤه.

стр. 2034

(٩٧) - ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾: لانتفاءِ تعلُّقِ إرادته تعالى بإيمانهم، فإنهُ لا بدَّ منه في وجودِ كلِّ ممكنٍ. ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾: وحينئذٍ لا ينفعُهم كما لم ينفع لفرعونَ. (٩٨) - ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾. ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾: فهلَّا كانت قريةٌ واحدةٌ من القرى التي أهلكناها آمنَت قبلَ معاينةِ العذاب وضيق الخناقِ، ولم تُؤخِّر إليه كما أَخَّرَ فرعون. ﴿فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾: بأنْ يقبَلَها الله تعالى منها لوقوعِه في وقت الاختيارِ، ويكشفَ عنها العذاب. ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾: استثناءٌ من القرى لأنَّ المرادَ أهاليها (١)، وهو متَّصلٌ، والجملةُ في معنى النفي لتضمُّنِ [حرف] التحضيض (٢) معناهُ؛ كأنه قيلَ: ما آمنت قريةٌ من القرى الهالكةِ فنفعَها إيمانُها إلا قوم يونسَ، وانتصابُه على الاستثناءِ، والدليلُ عليه قراءته بالرفعِ على البدلِ (٣). أو منقطعٌ، أي: لكنَّ قومَ يونُسَ ﵇:

стр. 2035

﴿لَمَّا آمَنُوا﴾: أوَّلَ ما رأوا أماراتِ العذابِ، ولم يؤخِّروه إلى حلولِه آمنُوا. ﴿كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ والخزيُ: الهوانُ الذي يَفضَحُ صاحبَهُ. ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾: إلى وقتِ انقضاء آجالهم. (٩٩) - ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾. ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ﴾: حتى لا يشذَّ منهم أحدٌ. ﴿جَمِيعًا﴾: مجتمِعينَ على الإيمانِ لا يختلفُون فيهِ، وفيه دلالةٌ على أن مَن شاء اللهُ إيمانَهُ يؤمن لا محالةَ. ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ﴾ على ما لم يشأ اللهِ منهم؛ يعني: إنما يقدِرُ على إكراهِهم واضطرارِهم إلى الإيمانِ هو لا أنتَ، وإيلاءُ الاسم حرفَ الاستفهام للإعلامِ بأن الإكراه ممكنٌ مقدورٌ عليهِ، وإنما الشأنُ في المكرِه مَن هو؟ وما هو إلا الله وحدَهُ لا يشاركُه فيهِ (١) أحدٌ؛ لأنهُ هو القادرُ على أن يفعلَ في قلوبهم ما يُضْطَرُّون عنده إلى الإيمانِ، وذلك غيرُ مستطاعٍ للبشرِ، وبهذا المساقِ تمسَّكَ مَن حملَ المشيئة المذكورةَ على المشيئةِ الملجئةِ. ﴿حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾: ترتيبُ الإكراه على المشيئةِ بالفاءِ، وإيلاؤها حرفَ الاستفهامِ للإنكارِ؛ للدلالة على أن خلافَ المشيئةِ مستحيلٌ؛ يعني: إذا (٢) لم يشأ الله تعالى إيمانَهم لم تقدر عليه أنت ولا غيرُكَ بالإكراهِ فضلًا عن مجرد الحثِّ والتحريضِ.
следующие страницы →