← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

(٩٣) - ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا﴾: نزَّلنا ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾: منزلًا صالحًا مرضيًّا وهو مصرُ والشامُ. ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: من أسبابِ المعيشة المستطابةِ. ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا﴾؛ أي: كانوا على ملةٍ واحدةٍ وطريقةٍ مع موسى ﵇ في أول حالِه ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ بنزولِ التوراةِ فاختلفُوا، وهذا ذمٌّ لهم من جهةِ أن العلمَ سببُ الاتفاقِ فصارَ عندَهم سببَ الاختلافِ، حتى تشعَّبوا شُعَبًا بعدما قرؤوا التوراةَ. وفي ترتيبِ ذلك الاختلافِ الذي لا يخلو عن نوعِ كفرانٍ على إنعامِهِ تعالى عليهم المنازلَ البهيَّةَ، والمطاعمَ الشهيَّةَ، والعلمَ بالأحكام، تأكيدٌ للذمِّ لتنزيلِهم الكفرَ منزلة الشكرِ. وقيلَ: المرادُ من اختلافِهم: الاختلافُ في أمر محمدٍ ﷺ بعدَ (١) ما علمُوا صدقَه بنعوتِهِ وظاهرِ معجزاته. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: فيميزُ المحقَّ من المبطِلِ، ويجزي كلًّا منهم على استحقاقهِ، وينزِّله منزلةَ استيجابِه على حكمِ وعدِه ووعيدِه.

стр. 2032

(٩٤ - ٩٥) - ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ كلامٌ مبنيٌّ على الفَرْضِ والتقديرِ مؤكَّدٌ بما هو واردٌ على سبيلِ التهييجِ وزيادة التثبيتِ، فلا يستلزمُ وجود الريبِ والافتراءِ والتكذيبِ، ولا إمكانَها؛ إذ كلُّ ذلك (١) من بابِ فرضِ المحالِ وبقاءِ الكلام عليهِ؛ أي: مَن هو [أقوى] (٢) الناسِ يقينًا وأشرفُهم رتبةً (٣) وأعزُّ خلقِ الله تعالى عليه مِثْلَك لو كان موصوفًا بهذه الصفاتِ الخبيثة التي وُصِفوا بها لوقعَ في الخسرانِ المطلقِ، وكما دلَّ على زيادةِ التثبيتِ والعصمةِ له دلَّ على سوءِ حالِ الشاكِّين فيه مِن بني إسرائيلَ. ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: من بني إسرائيلَ الذين آتيناهم الكتابَ من قبلِكَ؛ فإنه محقَقٌ عندَهم ثابتٌ في كتبِهم على نحو ما أنزلنا (٤) إليكَ. والمرادُ: إثباتُ نبوتِهِ ﵇ بشهادةِ الأحبار، وذلكَ أنه لمَّا ذكَرَ بني إسرائيل ووصفَهم بالعلمِ، أراد أن يقررَ عليهم صحة نبوَّتِه ﵇ وصدقَ القرآن بشهادةِ علمائهم وكِتَابِهم، أو وصفُ الأحبارِ بالرسوخِ في العلم بصحةِ

стр. 2033

نبوتهِ ﵇ وما أنزلَ اللهُ تعالى إليهِ، لا إثباتُ الشكِّ وإمكانه لرسولِ الله ﷺ ، ولذلكَ قال ﵇: "لا أشكُّ ولا أسألُ، أشهدُ أنه الحقُّ" (١). وبهذا التقريرِ تبيَّنَ وجه تصديرِ الكلامِ بأداة الترتيبِ على ما قبلَهُ. وقيلَ: الخطابُ لكلِّ مَن يسمَعُ؛ أي: إن كنتَ في شكِّ أيها السامعُ مما أنزلنا على لسانِ نبيِّنا إليكَ، وفيهِ تنبيهٌ على أن كلَّ من خالطتْهُ (٢) شبهةٌ فعليهِ بمراجعة العلماءِ. ﴿لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي: ثبتَ عندك بالبراهين القاطعةِ، والمعجزاتِ الواضحةِ أن الذي جاءك هو الحقُّ الذي لا تدخُلُ الشبهة فيه. ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: فاثبُت على ما أنتَ عليه من الجزمِ (٣) واليقينِ، وانتفاءِ المرية والتكذيب، وقد مرَّ أنهُ من باب التهييجِ والإلهابِ؛ كقولهِ: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ [القصص: ٨٦]. (٩٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ﴾: ثبتَتْ عليهم ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ حكمُه (٤) بأنهم يموتون على الكفرِ، ويخلُدون في العذابِ ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: إذ لا يُكذَّبُ كلامُه، ولا يُنقَضُ قضاؤه.

стр. 2034

(٩٧) - ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾: لانتفاءِ تعلُّقِ إرادته تعالى بإيمانهم، فإنهُ لا بدَّ منه في وجودِ كلِّ ممكنٍ. ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾: وحينئذٍ لا ينفعُهم كما لم ينفع لفرعونَ. (٩٨) - ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾. ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾: فهلَّا كانت قريةٌ واحدةٌ من القرى التي أهلكناها آمنَت قبلَ معاينةِ العذاب وضيق الخناقِ، ولم تُؤخِّر إليه كما أَخَّرَ فرعون. ﴿فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾: بأنْ يقبَلَها الله تعالى منها لوقوعِه في وقت الاختيارِ، ويكشفَ عنها العذاب. ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾: استثناءٌ من القرى لأنَّ المرادَ أهاليها (١)، وهو متَّصلٌ، والجملةُ في معنى النفي لتضمُّنِ [حرف] التحضيض (٢) معناهُ؛ كأنه قيلَ: ما آمنت قريةٌ من القرى الهالكةِ فنفعَها إيمانُها إلا قوم يونسَ، وانتصابُه على الاستثناءِ، والدليلُ عليه قراءته بالرفعِ على البدلِ (٣). أو منقطعٌ، أي: لكنَّ قومَ يونُسَ ﵇:

стр. 2035

﴿لَمَّا آمَنُوا﴾: أوَّلَ ما رأوا أماراتِ العذابِ، ولم يؤخِّروه إلى حلولِه آمنُوا. ﴿كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ والخزيُ: الهوانُ الذي يَفضَحُ صاحبَهُ. ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾: إلى وقتِ انقضاء آجالهم. (٩٩) - ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾. ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ﴾: حتى لا يشذَّ منهم أحدٌ. ﴿جَمِيعًا﴾: مجتمِعينَ على الإيمانِ لا يختلفُون فيهِ، وفيه دلالةٌ على أن مَن شاء اللهُ إيمانَهُ يؤمن لا محالةَ. ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ﴾ على ما لم يشأ اللهِ منهم؛ يعني: إنما يقدِرُ على إكراهِهم واضطرارِهم إلى الإيمانِ هو لا أنتَ، وإيلاءُ الاسم حرفَ الاستفهام للإعلامِ بأن الإكراه ممكنٌ مقدورٌ عليهِ، وإنما الشأنُ في المكرِه مَن هو؟ وما هو إلا الله وحدَهُ لا يشاركُه فيهِ (١) أحدٌ؛ لأنهُ هو القادرُ على أن يفعلَ في قلوبهم ما يُضْطَرُّون عنده إلى الإيمانِ، وذلك غيرُ مستطاعٍ للبشرِ، وبهذا المساقِ تمسَّكَ مَن حملَ المشيئة المذكورةَ على المشيئةِ الملجئةِ. ﴿حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾: ترتيبُ الإكراه على المشيئةِ بالفاءِ، وإيلاؤها حرفَ الاستفهامِ للإنكارِ؛ للدلالة على أن خلافَ المشيئةِ مستحيلٌ؛ يعني: إذا (٢) لم يشأ الله تعالى إيمانَهم لم تقدر عليه أنت ولا غيرُكَ بالإكراهِ فضلًا عن مجرد الحثِّ والتحريضِ.

стр. 2036

روي أنه ﵇ كان شديد الحرص على إيمان قومه فنزلت (١)، ولذلك قرَّره بقولِه: (١٠٠) - ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾. ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: بإرادَته وتوفيقِه وتيسيرِه، فلا تُجهِدْ نفسَك في هُداها فإنهُ إلى اللهِ. ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾: العذابَ، وقرئ: (الرِّجْزَ) بالزاي (٢). ﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾: لا يستعملون عقولهم بالنظرِ في الحججِ والبيِّناتِ فيؤمنوا، وَرَدَ (٣) في مقابلةِ الإيمان عدمُ العقلِ، وفي مقابلةِ الإذنِ الرجسُ؛ لأن الإيمانَ إنما يكونُ بصحةِ العقلِ، والنظرِ في الدلائلِ العقلية والسمعيةِ، والإصرارُ على الكفرِ المقابلِ للإيمانِ مسبَّبٌ عن عدمِهِ كقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]. فأومئ (٤) إلى أن العاقلَ هو المؤمنُ، ومَن لم يوفِّقه اللهُ تعالى للإيمانِ لعدمِ عقلِه لزمَ كفرُه الموجبُ للعذابِ، فرتَّبَ لازم الكفرِ الذي هو الرجسُ على ملزومه الذي هو عدمُ العقلِ للجمعِ بين التهديد والتوبيخِ.

стр. 2037

(١٠١) - ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿قُلِ انْظُرُوا﴾: تفكَّروا ﴿مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من عجائب الصانعِ الدالَّةِ على توحيدِه وكمالِ قدرته وحكمَتهِ (١)، و ﴿مَاذَا﴾ استفهامٌ علَّقَ فعلَ النظرِ عن العملِ. و (ما) في: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ﴾ نافيةٌ أو استفهاميةٌ في محل النصبِ بـ ﴿تُغْنِى﴾. ﴿وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ في علمِ اللهِ وحُكمه. (١٠٢) - ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾. ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: مثلَ وقائعِهم، ونزول بأس الله تعالى بهم؛ إذ لا يستحِقُّون غيرَهُ؛ من قولهم: أيامُ العرب، لوقائعها. ﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ لذلكَ، أو: فانتظروا الإهلاكَ إني معكم من المنتظرينَ لهلاككُم (٢). (١٠٣) - ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا﴾ عطفٌ على محذوفٍ دلَّ عليه ﴿إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ كأنهُ قيلَ: فهلكَ الأممُ، ثم ننجِّي رسُلَنا. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ معهم على حكايةِ الحال الماضيةِ.

стр. 2038

﴿كَذَلِك﴾: مِثْلَ ذلك الإنجاءِ ﴿حَقًّا عَلَيْنَا﴾: اعتراضٌ؛ أي: حقَ ذلكَ حقًا علينا، أو بدلٌ من ﴿كَذَلِك﴾. ﴿نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ منكم، ونهلِكُ المشركين. (١٠٤) - ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ خطابٌ لأهل مكةَ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ وصحَّته. ﴿فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ فهذا ديني اعتقادًا وعملًا فاعرِضوه على العقلِ الصحيحِ، وانظروا فيه بعين الإنصافِ؛ لتعلَموا صحَّتَها، وهو أني (١) لا أعبدُ ما تخلقُونه وتعبدُونه، ولكن أعبُدُ خالِقَكم الذي يوجِدُكم ثم يتوفَّاكم. وإنما خصَّ التوفيَ بالذكرِ للتهديدِ، وأنَّه حقيقٌ بأن يُخافَ ويُتَّقى فيُعبدَ، لا الجماد الذي لا يقدِرُ على شيءٍ. ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: بما دلَّ عليه العقلُ، ونطق به الوحيُ، وحذفُ الجارِّ من ﴿أَنْ﴾ اجتمعَ فيهِ الوجهان: القياسُ وهو أن حذفَهُ مع (أنْ) و (أنَّ) يطَّرِدَ في سائر الأفعالِ، والسماعُ وهو حذفُه بعد فعلِ الأمرِ. (١٠٥ - ١٠٦) - ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.

стр. 2039

﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾: استقِم عليهِ، ولا تلتفِت إلى غيره، عطفٌ على ﴿أَنْ أَكوُنَ﴾ وجازَ مع كون الفعلِ إنشاءً لأن حقَّ (أنْ) هذه أن تكونَ معَ الفعل في تأويل المصدرِ، والأمرُ والخبرُ في تضمُّنِ المصدر سواءٌ. ﴿حَنِيفًا﴾ حالٌ من الدِّينِ أو الوجهِ. ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾؛ أي: لا يقدِرُ على نفعٍ ولا ضرٍّ. ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾؛ أي: فإن دعوتَ من دونِ الله ما لا ينفعُك ولا يضرُّكَ، فكُنِّي عنه بالفعلِ مجازًا (١). ﴿فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ لأنَّ الشركَ من أعظم الظلمِ؛ لقولِه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. (١٠٧) - ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ لمَّا أشارَ إلى علةِ النهي بإيرادِ (ما) (٢) التي لغيرِ العقلاء، وسلبِ النفع والضرِّ عن أصنامهم، وإثباتِ الظلم لمن عبدَها، أتبعَهُ بإيراد العلةِ الموجبةِ لتخصيصِ العبادة باللهِ تعالى؛ وهي أنه هو الضارُّ النافعُ الذي إن أصابَك بضرٍّ لم يقدِر على كشفِه إلا هو وحدَه دونَ كلِّ قادرٍ غيرِه فضلًا عن الجمادِ الذي لا حياةَ لهُ، وإن أرادك بخيرٍ لم

стр. 2040

يَرُدَّ أحدٌ ما أرادَهُ بك من فضلِه وإحسانِه، فكيفَ بالأوثان؟ ليدلَّ على أنه هو الحقيقُ بالعبادةِ دون ما عداهُ. وفي ذكرِ المسِّ مع الضرِّ والإرادةِ مع الخيرِ مع تلازُمِها إيماءٌ إلى أن المرادَ بالذاتِ هو الخيرُ، ولهذا لا يخلو أحدٌ منهُ، وأن الضرَّ إنما مسَّهم لا بالقصدِ الأولِ. وفي وضع الفضلِ موضِعَ الضميرِ دلالةٌ على أنه من بابِ الامتنانِ والتفضُّلِ، لا باستحقاقٍ منا (١) واستيجابٍ كالشرِّ، وأكَّدَ ذلك بقولِه: ﴿يُصِيبُ بِهِ﴾ بالخيرِ ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ وتقديمُ الضميرِ للتهديدِ، والإيماءِ إلى أن عبادةَ الغير توجِبُ المسَّ بالضر، وتعَّرضُ للعقابِ لكونه ظلمًا. ورَجَحَ (٢) جانبُ الترغيب فيه على جانب الترهيبِ؛ لأن المقصودَ الحثُّ على لجاء (٣) اللهِ تعالى وحدَهُ، والاعتصامِ به. ولا شكَّ أن داعيَ اللطفِ أيسرُ، والنفوسَ الكريمة إليه أميَلُ، فأوثرَ في الأول لفظُ المسِّ الدالِّ على ملاصقةِ الظاهرِ دون نفوذٍ، ثم في عدمِ التصريحِ بالإرادة زيادةُ لطفٍ، وكذلكَ في قولِه: ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ وكافيه من أنهُ يكشِفُه لا محالةَ إن لُذتَ بهِ (٤). وفي الثاني لفظُ الإرادةِ، فجعَلَ المخاطَبَ مرادًا، والخيرَ تابعًا لهُ، وفيه أبلَغُ اللطف.

стр. 2041

ثم في (١) إطلاقِ الإرادة وما فيهِ من شمولِ الظاهرِ والباطن زيادةُ تقويةٍ لهُ، ثم إنه طيَّبَ مسامعَهُ أولًا بكونه خيرًا مؤثرًا، وثانيًا بكونِه فضلًا، ولهذا لم يكدِّرِ الرجاءَ بالتعقيب بالاستثناءِ، وصفَّى موردَه عن شوائب الأهواءِ (٢). وما قيلَ: ولم يستثنِ - يعني: في الثانيةِ (٣) - لأنَّ مرادَ الله تعالى لا يمكنُ ردُّهُ. إنما يصلُحُ وجهًا لعدمِ الاستثناء فيه على طريقةِ ما في قرينه، وطريقُه غير منحصرٍ في ذلك الوجهِ. ومن لم يتنبَّه لكون كلِّ واحدٍ من لفظي المسِّ والإرادةِ أمسَّ بمقامِه من الآخرِ قالَ: كأنه أراد أن يذكُر الأمرين جميعًا؛ الإرادةَ والإصابةَ في كلِّ واحدٍ من الضرِّ والخيرِ، وأنَّه لا رادَّ لما يريدُ منهُما، ولا مرسل لما يصيبُ به منهُما، فأوجزَ الكلام بأنْ ذكر المسَّ وهو الإصابةُ (٤) في أحدِهما والإرادةَ في الآخرِ ليدلَّ بما ذكرَ على ما تركَ. ثم إنه لم يُصب في عدمِ الفرق بين المسِّ والإصابةِ. وقد أوضحنا الفرق بينهما في تفسيرِ سورة البقرة. ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تحريض وحثٌّ (٥) على التوبة من الشركِ؛ أي: لا تيأسوا من غفرانِه وتوبوا إليه (٦) من عصيانِه، وتعرَّضوا لرحمتِه بتوحيدِه وتخصيصِه بالعبادةِ.

стр. 2042

(١٠٨) - ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾. ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ﴾؛ أي: الرسولُ بالدِّين المتينِ، والقرآنِ المبين. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فلم يبقَ لكم عذرٌ، ولا على اللهِ تعالى الحجةُ. ﴿اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾: فمن اختارَ الهدى واتِّباعَ الحقِّ فما ينفع إلا نفسَه. ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾: ومَن آثرَ الضلالَ فما وبالُ ذلك إلا عليها، وفيه حثٌّ على إيثارِ الهدى والإعراض عن الضلالِ. ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾: بحفيظٍ موكولٍ إليَّ أمركم، وإنما أنا بشيرٌ ونذيرٌ. (١٠٩) - ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾. ﴿وَاتَّبِعْ﴾: ودُم على ما أنتَ عليه من اتِّباع ﴿يُوحَى إِلَيْكَ﴾ بالامتثالِ والتبليغِ. ﴿وَاصْبِرْ﴾: على مشقَّةِ دعوتهم واحتمالِ أذاهُم. ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ لك بالنصرةِ عليهم والغلبةِ. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾: إذ لا يمكن الخطأ في حُكمهِ لاطَّلاعهِ على السرائر اطلاعَهُ على الظواهرِ.

стр. 2043

سُورَةُ هودٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) - ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾. ﴿الر كِتَابٌ﴾: خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أو خبر ﴿الر﴾ (١). ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ صفةٌ له؛ أي: أُحكِمَت من جهة اللفظِ والمعنى والنظمِ عن تطرُّقِ الخللِ، فصارَت في غاية الإحكامِ ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾؛ أي: مُيِّزَت بعضُها عن بعضٍ في النزولِ (٢)؛ كيلا يختل أمرُ الاستدلالِ على الأحكامِ، فالتراخي على الحقيقةِ. وقيلَ: المرادُ: آياتُ السورِ (٣)؛ إذ ليسَ فيها منسوخٌ، فمعنى إحكامها: منعُها من النسخِ. أو: أُحكِمت بالحججِ والدلائلِ. أو: جعلَتْ حكيمةً، منقولةٌ من: حَكُمَ، إذا صارَ حكيمًا؛ لأنها مشتملةٌ على أُمهاتِ الحِكَمِ النظريةِ والعمليةِ.

стр. 2044

ومعنى ﴿فُصِّلَتْ﴾: أنها فُصِّلَت بالفوائدِ، كما تُفصَّلُ القلائدُ بالفرائدِ؛ من العقائدِ والأحكام والمواعظ والأخبار، أو جعِلَت فصولًا فصولًا، آيةً آيةً، أو فصِّلَ فيها (١) ما يحتاجُ العبادُ، أي: بُيِّن ولخِّص، فالتراخي رُتْبيٌّ. وقرئ: (فَصَلَتْ) من الثلاثي المجرَّدِ (٢)؛ أي: فرَّقت بين الحق والباطلِ. وقرئ: (أَحْكَمْتُ آياتهِ ثمَّ فصَّلْتُ) على البناء للمتكلِّمِ (٣). ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِير﴾ في تعلُّقه بـ (أحكمت ثم فصلت) طباق حسنٌ؛ لأن معناه: أحكَمها حكيمٌ، وفصَّلها وبيَّنها (٤) خبيرٌ بالأشياءِ وأحوالِها، فصارَ على أكمل ما ينبغي باعتبارِ ما ظهرَ أمرُه وما خفِي. (٢) - ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِير﴾. ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ مفعولٌ له؛ أي: لأنْ لا تعبدوا، أو نهيٌ و ﴿أَنْ﴾ مفسِّرة؛ لأنَّ في تفصيل الآياِت معنى القولِ، أو أمرٌ لأن فيه معنى الأمرِ؛ أي: أُمِرتم أن لا تعبدوا إلا اللهَ. ويجوزُ أن يكون كلامًا مبتدأً منقطِعًا عما قبلُ على لسانِ النبيِّ ﵇ بتقديرِ: قل؛ إغراءً منهُ على تخصيصِ الله تعالى بالعبادةِ، أو أمرًا بهِ، ويدلُّ عليه

стр. 2045

قوله (١): ﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ﴾: مِن جهتِه ﴿نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾؛ أي: هلَّا تعبدوا إلا اللهَ، أو: التزموا تركَ عبادةِ غير الله تعالى، على أنَّ (أنْ) مصدريةٌ، و (لا) نافيةٌ. وإنما قدّمَ ﴿نَذِير﴾ على ﴿بَشِيرٌ﴾ (٢) لأن الإنذارَ أعمُّ وأهمُّ. (٣) - ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾. ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ عطفٌ على ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ (٣). ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾؛ أي: استغفِروا من الكفرِ والمعصيةِ، ثم توبوا إلى اللهِ تعالى بالطاعةِ، فالتراخي على الحقيقةِ، ويجوزُ أن يرادَ التراخي في الرتبةِ؛ لأنَّ التخليةَ أفضلُ من التحليةِ (٤). والاستغفارُ ينتظِمُ الندمَ على ما سلَفَ، وإحسانَ العملِ في المؤتنَف، حتى يكونَ راجعًا بعملِه إلى ربهِ، ولهذا قدَّمَ ذِكر الاستغفارِ على التوبةِ؛ أي: اطلُبوا مغفرةَ ربِّكُم بالإسلام، والندمِ على سالفِ الإجرام، والثباتِ على الطاعةِ في باقي الأيام، وارجعوا إلى اللهِ تعالى بالإخلاصِ والاستسلام، على الثباتِ والدوام.

стр. 2046

﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾: في خفضِ عيشٍ وسعة، وأمنٍ ودَعَة. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: معيَّنٍ (١) عند اللهِ تعالى، فهو آخرُ أعماركم المقدَّرةِ؟ إذ لا يهلِكُكم بعذاب الاستئصالِ. ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ﴾ في العمل والطاعةِ ﴿فَضْلَهُ﴾: جزاءَ فضلِه في الآخرةِ. أو: كلَّ ذي فضلٍ في الدينِ فضلَه في الثوابِ والدرجاتِ (٢)، فإن الدرجاتِ تتفاضلُ في الجنة بحسبِ تفاضُلِ الأعمالِ. ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: وإن تتولَّوا، وقرئ: (تُوَلُّوا) من ولَّى (٣). ﴿فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾؛ أي: يومَ القيامةِ، وصِفَ بالكبرِ كما وصفَ بالعظمِ والثقلِ. (٤) - ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾. ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ جميعًا (٤): رجُوعُكم في ذلك اليومِ. ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: بيانٌ لوجهِ كبرِ ذلك اليومِ بأنَّ مرجِعَهم إلى مَن هو قادرٌ على كلِّ شيءٍ لا إلى غيرِه، فهو قادرٌ على أشد ما يريدُه من العذابِ، ولا يمكنُهم التَّفَصِّي عنه.

стр. 2047

(٥) - ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾: يزوَرُّون عن الحقِّ، وينحرفون عنهُ؛ لأن مَن ازورَّ عن الشيء ثنى عنهُ صدرَهُ، وطَوَى عنهُ كشحَهُ، كما أن مَن توجَّه إليه استقبلَه بصدرِه، أو يعطفُون صدورَهم على الكفرِ وعداوةِ رسولِ اللهِ ﷺ ؛ أي: يضمرونهما (١). وقرئ: (تَثْنَوْني صدورُهم) بالتاءِ والياءِ (٢)، من اثنَوْنَى: افعَوْعَل من الثَّنْيِ، كاحْلَوْلى من الحلاوة، وهي مبالغةٌ. وقرئ: (تَثْنَوِنُّ) بالتاء والياءِ، وأصلُه: تَثْنَوْنِنُ، تَفْعَوْعِلُ من الثِّنِّ، وهو ما هشَّ وضَعُفَ من الكلأ أي: تُطاوعُ صدورهم للثَّني كما ينثني الهشُّ من النباتِ، أو تَضعفُ قلوبهم وإيمانهم. و: (تَثْنَئِنُّ) من اثْنَأنَّ: افْعَالَّ منهُ ثم هُمِزَ، كابيأضَّ في ابيَاضَّ. و: (تَثْنَوِي) بوزنِ تَرْعَوِي (٣). ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾؛ أي: يريدون ليستخفُوا من اللّهِ تعالى فلا يُطْلِعَ رسولَه والمؤمنين على ازْوِرارهم؛ لأن ثَنْيَ الصدورِ بمعنى الإعراضِ إظهارٌ للنفاقِ، فلا

стр. 2048

يصحُّ تعليلُهُ بالاستخفاءِ، ونظيرُ إضمارِ (يريدون) لقَوْدِ (١) المعنى إلى إضمارِه [الإضمارُ] في قولِه تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٧٣]؛ أي: فضرَبوه فحَيِيَ كذلك يُحيي اللهُ الموتى. فالمعنى: يظهِرون النفاقَ، ويريدون مع ذلك أن يستخفُوه، هذا على الوجه الأولِ من التفسيرِ، وأما على الثاني فلا حاجةَ إلى الإضمارِ. ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾: يتغطَّونها يريدونَ الاستخفاءَ أيضًا كراهةً لاستماعِ كلام اللهِ تعالى؛ كقولِ نوحٍ ﵇: ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ [نوح: ٧]، أي: ألا حينَ يَزيدون في إظهارِ نفاقِهم، ويفعلون ما هو أدلُّ عليه من ثَنْي الصدورِ. قالَ ابنُ عباسٍ ﵄: إنها نزلت في أخنسِ بن شريقٍ، وكان يُظهِرُ لرسولِ اللهِ ﷺ المحبَّةَ، وله منطِقٌ حلو وحسنُ سياقٍ للحديثِ بحيثُ كان يتعجبُ رسول الله ﷺ من مجالسَتِه ومحادثَتِه، وهو (٢) يضمِرُ خلافَ ما يظهِرُ (٣). وقيلَ: نزلَت في المنافقين جميعًا (٤)، وكونُ النفاقِ في المدينةِ غيرُ مسلَّمٍ، بل ظهورُهُ والامتيازُ بثلاثِ طوائفَ كان فيها. ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ في قلوبهم ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ بأفواهِهم، أرادَ التسويةَ بينهما،

стр. 2049

ولهذا عدَلَ عن أسلوبِ الترقِّي الظاهرِ في خلافِهِ؛ أي: يستوي في علمِه سرُّهم وعلنُهم، فكيفَ يخفَى عليه ما يُظهرُونه (١). ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: بسرائرِها وضمائرِها، تعليل على سبيلِ الاستئنافِ للتلويحِ المذكورِ في قولِه: ﴿يَعْلَمُ﴾ إلخ، و (ألَا) و (إنَّ) للتنبيهِ على جهلِهم، وفسادِ اعتقادِهم، والاستغشاءِ (٢)، وثني الصدورِ. * * * (٦) - ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾: أسبابُ معاشِها، لتكفُّله إياهُ تفضلًا ورحمةً، وإنما أتى بلفظِ الوجوبِ تحقيقًا لوصولِه، وحملًا (٣) على التوكُّلِ فيه. ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾: أماكنَها في الحياةِ والمماتِ، أو الأصلابِ والأرحامِ. أو: مساكِنَها في الأرضِ حينَ وُجِدَت بالفعلِ، ومودَعَها من الموادِّ والمقارِّ (٤) حين كانَتْ بعدُ بالقوةِ.

стр. 2050

﴿كُلٌّ﴾: كلُّ واحدٍ من الدوابِّ وأحوالها ﴿فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾: مُثْبَتٍ في اللوح المحفوظِ. بيان وتقريرٌ لكونِه تعالى عالمًا بجميعِ المعلوماتِ، والآيةُ التي بعدها بيان لكونه قادرًا على كل شيءٍ، وتقرير لِمَا سبقَ من التوحيدِ والوعدِ والوعيدِ. * * * (٧) - ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ مرَّ تفسيرُه في سورةِ الأعرافِ، ووجهُ الجمعِ في الأولى والإفرادِ في الثانيةِ مرَّ في سورة الأنعام. ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ عرشُه عبارةٌ عن قيُّوميَّتهِ تعالى، والماءُ إشارةٌ إلى حقيقة (١) الحياةِ؛ إذ من الماءِ كلُّ شيءٍ حيٍّ، وفي ﴿عَلَى﴾ بناءُ الأولى (٢) على الثانيةِ، أي: وكان حيًّا قيُّومًا، فلا دلالة فيه على إمكانِ الخلاءِ، ولا على أن الماء أولُ حادثٍ بعد العرش من أجرامِ هذا العالم، وليتَ شعري من أينَ الدلالة على تأخُّرِ خلق الماءِ من خلق العرشِ؟ ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾: علةٌ للخلقِ؛ أي: خلقَ ذلك ليعاملَكم (٣) معاملةَ المبتلي لأحوالكُم كيفَ تعملُونَ، فإنَّ جملَة ذلك أسبابٌ وموادُّ لوجودكُم ومعاشِكم،

стр. 2051

وما تحتاجُ إليهِ أعمالُكم، ودلائلُ وأماراتٌ تستدلُّونَ بها، وتستنبِطون منها (١). ولما كان الابتلاءُ - أي: الاختبارُ - أحدَ طرفي العلمِ وأشهرَها وأعملَها استُعيرَ للعلمِ لأنهُ مُلابِسٌ له؛ كالنظرِ في قولهِ (٢): ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨]. وإنما قالَ: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلً﴾ وهم المتَّقون (٣) - وفي المخاطَبِين مَن عملُهُ قبيحٌ وأقبحُ - لأمرين: أحدُهما: أن المقصودَ من الخلقِ بالقصد الأولِ وبالذاتِ هو الإيمانُ والعملُ الصالحُ، ونظرُه تعالى إلى ما هو (٤) أحسنُ من ذلكَ، لا إلى القبيحِ والأقبحِ. والثاني: التحريضُ والحثُّ على حسن العملِ والترغيب فيهِ، وهو أعمُّ من الأعمالِ البدنية كالطاعاتِ والخيراتِ، والقلبيةِ كالاعتقاداتِ والنيَّاتِ، فكأنُه قالَ: ليظهَر مَن هو أكملُ علمًا وعملًا، ويتميّزَ ممن هو على خلافِه، ولهذا قالَ النبي ﵇: "ليبلوكم أيُّكم أحسن عقلًا، وأورعُ عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله" (٥) وفيه تعظيمٌ للمحبِّينَ المتَّقينَ وتشريفٌ (٦) لهم، وإشارةٌ إلى أنهم من اللهِ تعالى بمكان.

стр. 2052

﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ﴾ للجزاءِ على ما انكشَف منكم بالابتلاء. ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ إشارةٌ إلى القول بالبعثِ؛ أي: إنه باطل كالسحرِ الظاهرِ البطلانِ في الخديعة (١)، أو إلى القرآنِ لأنهُ ناطق بالبعثِ، فإذا جعلوه ظاهرَ البطلان كالسحرِ لزمَ بطلانُ ما فيه من البعثِ، وغيرِه من الوعدِ والوعيدِ. وقرئ ﴿إِلَّا سِحْرٌ﴾ (٢) إشارةً إلى الرسول ﷺ ؛ أي: كاذب مبطِل كالساحرِ. وقرئ: (أنكم) بفتحِ الهمزةِ (٣) على تضمينِ ﴿قُلْتَ﴾ معنى: ذكرتَ، أو على أنَّ (أنَّ) بمعنى: لعل؛ أي: ولئن قلتَ: لعلَّكُم مبعوثون، بمعنى: توقعوا بعثَكُم، ولا تجزموا بإنكاره يَعُدُّوهُ من قبيل ما لا حقيقةَ له مبالغةً في إنكارِه. واللامُ في ﴿وَلَئِنْ﴾ موطئةٌ للقسمِ في الآيات الأربعِ، والجوابُ له سادٌّ مسدَّ جواب الشرطِ. * * * (٨) - ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.

стр. 2053

﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ﴾ الموعودَ ﴿إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾: إلى (١) جملةٍ من الأوقاتِ قليلةٍ. ﴿لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾: ما يمنعُه من الوقوعِ. ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ كيوم بدرٍ ﴿لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾: ليسَ العذاب مدفوعًا عنهم، و ﴿يَوْمَ﴾ منصوبٌ بخبرِ ﴿لَيْسَ﴾ مقدمٌ عليهِ، قيلَ: هو دليل على جوازِ تقدُّمِ خبرِها عليها؛ إذ المعمولُ لا يقعُ إلا حيث يقعُ العاملُ. وابنُ الحاجبِ يمنعُ دلالةَ جواز تقدُّمِ المعمولِ على جوازِ تقدُّمِ العاملِ، وأيضاً الظرفُ والمجرورُ يُتوسَّعُ فيهما ما لا يُتوسَّعُ في غيرهما، ويقعان حيثُ لا يقعُ العامل فيهِ. وكان ما ذُكرَ استعجالًا منهم للتعذُّرِ على وجهِ التكذيب والاستهزاءِ، ولذلك قال: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾؛ أي: أحاطَ بهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ و واضعًا ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (٢) موضعَ: يستعجلون، كأنه محضُ الاستهزاءِ، ولكون عذابهم محقَّقَ الوقوعِ عما قريبٍ أوردَ ﴿وَحَاقَ﴾ موضعَ يحيقُ - على عادةِ كلام الله تعالى - كأنه قد وقعَ مبالغةً في التهديدِ. * * * (٩) - ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾.

стр. 2054

﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾: نعمةً من صحةٍ وأمنٍ، وخصبٍ وجِدةٍ، بحيثُ يجِدُ ذوقها ولذَّتها. ﴿ثُمَّ نَزَعْنَاهَا﴾: سلبناها ﴿مِنْهُ﴾ وفي عبارة النزعِ إشارةٌ إلى ما في السلبِ المذكور من شدة الألمِ. ﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾: شديد الياسِ من عَودِ مثلِها إليه، قاطعٌ رجاءَه من فضلِ الله تعالى وسعةِ رحمتِه، غيرُ صابرٍ ولا مسترجِعٍ، ولا مسلِّمٍ لقضائه. ﴿كَفُورٌ﴾: عظيمُ الكفرانِ بما سلفَ له من (١) النعمةِ. * * * (١٠) - ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾. ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾: كصحةٍ بعد سَقَمٍ، وغنًى بعد عَدَمٍ، وفي ذكر الإذاقةِ مع النعماءِ والمسِّ بعد الضراءِ إشارةٌ إلى أن النعمةَ أدومُ حتى يجد الإنسانُ ذوقَها ويتلذَّذُ بها، بخلاف الضرِّ، فإن المسَّ مبدأُ الوصول، ففيهِ دلالةٌ على قلةِ صبرِهم كأنهم بمجرَّدِ أثره جزعوا وكفروا النعمةَ الطويلة الزمانِ. ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾؛ أي: البلياتُ التي ساءتني. ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ﴾: أشرٌ بطرٌ ﴿فَخُورٌ﴾ على الناسِ بما أذاقَه اللهُ تعالى من نعمائه، قد شغَلَه الفخرُ والفرح عن الشكر. * * *

стр. 2055

(١١) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على الضراءِ ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ شكرًا لآلائه سابقِها ولاحقِها، فإن في قوله: ﴿صَبَرُوا﴾ دلالةً على (١) هذا؛ لأن الإيمانَ نصفانِ: نصفٌ صبرٌ ونصفٌ شكرٌ، أي: المؤمنين الذين عادتهم الصبرُ عند زوالِ النعمةِ ووقوع الضرَّاءِ، والشكرُ عند النعماءِ. استثناءٌ من ﴿الْإِنْسَانَ﴾، واللامُ لاستغراق الجنسِ؛ كما في قولِه: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] ومن خصَّ الإنسانَ بالكافرِ بسبق ذكرِهم جعلَ الاستثناء منقطعًا. ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾: ثوابٌ عظيمُ. * * * (١٢) - ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾. ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ هذا على النهيِ؛ أي: لا تترُك بعضَ ما يوحى إليك - وهوَ ما يخالِفُ رأي المشركينَ - مخافةَ ردِّهم واستهزائهم (٢)، وهو كما يقولُ الرجلُ لآخرَ: لعلَّك تريدُ أن تفعلَ كذا، وهو ينهاه (٣) عنهُ، ولما كان مبنَى هذا النهيِ على الصبرِ على أذى المشركِينَ واستهزائهم صحَّ ترتيبُه على كلامٍ تضمَّنَ الحثَّ والتحريضَ على الصبرِ، ومن وهَم أن (لعلَّ) للتوقُّعِ فقد وَهِم.

стр. 2056

﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾: وعارضٌ لك أحيانًا ضِيقُ صدرِك، وإنما اختار ﴿وَضَائِقٌ﴾ على ضيِّقٌ لأن نهيَهُ أبلغُ، وهو يناسب لفظَ ﴿تَارِكٌ﴾. ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾: بأن يقولوا. وقيلَ: الضميرُ في ﴿بِهِ﴾ مبهَم، و ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ تفسيرُه؛ أي: يضيقُ صدرُكَ بسبب قولهم هذا. ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾: ينفعُه في استتباعِ الناس كالملوك ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ يصدَقه. ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾: ما عليكَ إلا الإنذارُ، وما عليك أن يقبلُوه ولا يردُّوهُ، فلا يضيقُ صدرُكَ بردِّهم وتهاونِهم به. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾: فكِلْ إليه أمرَكَ فإنهُ حافظٌ عليهم ما يقولونَ ويفعلونَ، وفاعلٌ بهم ما يجبُ أن يُفعَلَ من جزائهم. * * * (١٣) - ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾: ﴿أَمْ﴾ منقطعةٌ والضميرُ في ﴿افْتَرَاهُ﴾ لـ ﴿مَا يُوحَى﴾. ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾: في البلاغةِ، نزَلَ أولًا قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤] وهو كُلُّ القرآن في ذلك الوقتِ، فلما ظهرَ عجزُهم عنه تحدَّاهم بعشرِ سور مثلِه (١)، فلما عجَزوا عنه أيضًا سهَّلَ عليهم وتحدَّاهم بسورةٍ واحدةٍ؛ كما هو عادةُ المعارِضين.

стр. 2057

وتوحيدُ المثل لأنَّ المرادَ المماثلةُ من جهةِ البلاغةِ، ولا اختلافَ بين السورِ فيها، فما هو مِثْل لإحداها (١) مِثْلٌ لسائرها، ففيهِ تنبيهٌ على أن المرادَ المماثلةُ في حسنِ البيان لا في بدائعِ المعاني. ﴿مُفْتَرَيَاتٍ﴾: من بابِ (٢) المساهلةِ، وإرخاء العنانِ، لمَّا قالوا: افتراهُ من عندِه، أُمِرَ بأن يعاودهم (٣) على دعواهم ويقولَ: هَبُوا أني افتريتُه، فأتوا أنتم بكلامٍ مثله في حُسن النظمِ والبيانِ مفترً ى من عندِكم، فإنكم فصحاءُ مثلي. ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى المعاونةِ على المعارضةِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في أنه مُفترًى. * * * (١٤) - ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾، أي: لك وللمؤمنين بإتيانِ مثلِه، فإنهم أيضًا كانوا يتحدَّونهم، وكان أمرُ الرسولِ ﵇ مُتناولًا لهم من حيثُ إنه يجبُ عليهم اتباعُه في كل أمرٍ إلا ما خصَّهُ الدليلُ، وللتنبيهِ على أن التحدي مما يوجِبُ رسوخَ إيمانهم وقوةَ تيقُّنِهم فلا يغفلون عنهُ، ولذلك رتَّبَ عليه الأمرَ الآتي ذكرُ. ويجوزُ أن يكون الجمعُ في الخطاب لتعظيمِ الرسولِ ﵇. ويجوزُ أن يكون الخطابُ للمشركينَ، والضميرُ في (لم يستجيبوا) لـ ﴿مَنْ﴾

стр. 2058

في ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾؛ أي: فإن لم يستجِب لكم من تدعُونه من دونِ الله إلى المظاهرةِ عن معارضَتِه لعلمِهم أنهم عاجزونَ عن ذلك. ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ﴾ مُلْتبسًا (١) ﴿بِعِلْمِ اللَّهِ﴾؛ أي: بما لا يعلمُه إلا اللهُ من نظمٍ معجزٍ للخلق. ﴿وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: واعلمُوا عند عجز الكلِّ أن لا إله إلا اللهُ وحدَهُ القادرُ على ما لا يقدِرُ عليه أحدٌ، وأن الشركَ به ظلمٌ، وأن ما تعبدُونه ليس من الألوهيةِ في شيءٍ. ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ بعد هذه الحجةِ القاطعةِ. ويجوزُ أن يكون الخطابُ للمسلمينَ، ومعناه: واثبُتوا على العلم بالتوحيدِ، وزيدوا يقينًا؛ فهل أنتم دائمون على الإسلامِ، مخلصون للهِ تعالى بازديادِ اليقين وثباتِ القدم والطمأنينةِ؟ وفي تفسيرِ مقتضى الاستفهامِ بـ (هل)، والعدولِ عن الفعل إلى الجملَةِ، وسبكِ المسلمون من: يُسلمونَ، إيذانٌ بطلبِ دوام الإسلامِ، وقوةِ الثباتِ في الدين، وأنهم مُطالبون بذلك لزوالِ العُذر ووضوحِ الدليلِ وقوَّتِه. وعلى خطابِ المشركينَ فإشارةٌ إلى أنَّ قوةَ الصارفِ عن الشركِ وقيامَ مُوجِبِ التوحيدِ يقتَضي استحالةَ الشركِ، والمواظبة على الإسلامِ، فما أبعدَ حالَكُم عن ذلكَ! وفيه تهديد بليغٌ، وإقناط من أن يجيرَهم من بأس اللهِ تعالى شركاؤهم؛ لأن دليلَ التوحيدِ دالّ على نفي القدر والألوهيةِ عن الغيرِ، ووجوب الإذعانِ له. * * *

стр. 2059

(١٥) - ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾: بإحسانه وبرِّه، وزيادةُ (كان) للدلالةِ على استمرارِ تلك الحالِ، ولا بد منه في ترتُّبِ ما يأتي ذكرُه. ﴿وَزِينَتَهَا﴾: الزينةُ تختصُّ الشيء وغيرَهُ من لبسِهِ وحِليَته (١) وغير ذلكَ. ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ﴾: وقرئ: (يُوَفِّ) بالياءِ (٢)، أي: يوفِّ اللهُ تعالى، و (تُوَفَّ) للبناءِ على المفعولِ (٣)، و (نُوْفِي) بالتخفيفِ (٤) لأن الشرطَ ماضٍ إليهم. ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾: جزاءَ أعمالهم (٥)، من الصحةِ، والأمنِ، وسعةِ الرزق، وكثرة ا أولادِ، والرياسةِ، والتوفيةُ: تأديةُ الحقِّ على تمامٍ. ﴿فِيهَا﴾: في الحياة الدنيا. ﴿وَهُمْ فِيهَا﴾: أي: في حقِّ الأعمالِ، ولا يجوزُ عودُ الضميرِ إلى ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾؛ لما فيهِ من الإعادةِ دون الإفادةِ. ﴿لَا يُبْخَسُونَ﴾ البخسُ: نقصانُ الحقِّ ظلمًا؛ يعني: لا ظلمَ في إيفاء جزاءِ أعمالهم في هذه الدارِ دون إبقائه إلى دارِ القرارِ، فما ذكره (٦) تأسيسٌ لا تأكيدٌ، والآيةُ عامةٌ في الكفرة وبرِّهم.

стр. 2060

(١٦) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾؛ أي: لو حط فما لهم ما بهِ يقابل، لعلهم يكونُ الكلامُ على طريقةِ: بشِّر قاتِلَ الزبيرِ بالنارِ (١). ﴿إِلَّا النَّارُ﴾: وما فيها من أنواع العذابِ، والاقتصارُ على ذكر النارِ من قَبيلِ الاكتفاءِ عن الشيءِ بذكرِ منبَعِه، وذلك لأنهم استوفوا ما يقتَضِيه صورُ أعمالهم الحسنةِ، وبقيَت عليهِم أوزارُ العزائمِ السيئةِ. ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا﴾: في مصلحةِ الآخرةِ من وجوه البرِّ بنوع من التكليفِ؛ لأنَّه خلافُ مقتضى الطبعِ وهوى النفسِ، ولهذا عبَّرَ عنه بالصنعِ. وإنما قال فيه: ﴿وَحَبِطَ﴾ لأنَّه ليسَ باطلًا في حدِّ نفسِه لقرينه الآتي ذكرُه، إلا أنه لا يجدِي في الآخرةِ؛ لأنَّه لم يقارِن شرطَ القَبول وهو الإيمانُ. ﴿وَبَاطِلٌ﴾ في نفسِه ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: ما اعتادوا عملَه في مصالحِ الحياة الدنيا وأسبابِ زينتِها، وللدلالةِ على الاستمرارِ التجدُّدِي جمعَ بين (كان) وصيغةِ المضارعِ؛ كما في قولِهِ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ ومجموعُ الجملَتين علةٌ لِمَا قبلَها.

стр. 2061

وقرئ: (بَطَلَ) على الفعلِ (١)، و: (باطلًا) (٢) على أنه مفعولُ ﴿يَعْمَلُونَ﴾، و (ما) إبهاميةٌ، أو في معنى المصدرِ كقوله: ولا خارِجًا مِن فيَّ زُورُ كلامِ (٣) * * * (١٧) - ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ برهانٌ من اللهِ تعالى على أن دينَ الإسلام حقٌّ وهو القرآنُ، (مَن) مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ تقديرُه: أفمَن كان على بينةٍ من ربِه كمَن كان يريدُ الحياةَ الدنيا في المنزلةِ والرتبةِ؛ يعني: أن بين هؤلاءِ الكاملينَ المحقِّقينَ وبين أولئك الناقصينَ المقصِّرين بونًا بعيدًا وتفاوتًا عظيمًا، فالهمزةُ لإنكارِ المماثلة بينَهُما، والفاء لتفريعِ هذا الإنكارِ وترتيبِه على ما تقدَّمَ من بيانِ مساواةِ حالِ تلك الناقصِينَ، فهي متقدِّمةٌ معنًى، وإن أُخِّرَت عن الهمزةِ لفظًا لاقتضائها الصدارةَ في الكلامِ.

стр. 2062

ومَن ذهبَ إلى أن الفاءَ عاطفةٌ للتعقيبِ (١)، مستدعيةٌ سبقَ ما يعطَفُ عليهِ؛ فالتقديرُ: أمَن كان يريدُ الحياة الدنيا، فمَن كان على بينةٍ من ربهِ. والخبرُ محذوفٌ لدلالةِ الفاءِ عليه؛ أي: يَعقبونهم ويَقْربُونهم (٢)، والاستفهامُ لإنكارِ هذا التعقيبِ، فقد تكلَّفَ. وأما مَن اختارَ التقديرَ الأول (٣)، وزعمَ أن الهمزة لإنكارِ التعقيبِ، فلم يكُن على بصيرةٍ؛ حيثُ خلَّطَ بين الوجهَين فخبَّطَ. ﴿وَيَتْلُوهُ﴾؛ أي: يَتْبعُ ذلك البرهانَ الذي يتضمَّنُ الدليل العقلي لكونه معجزًا. ﴿شَاهِدٌ﴾: هو عيسى ﵇؛ حيثُ بشَّرَ ببعثةِ نبيِّنا ﵇، وهذه البشارةُ منه شهادةٌ بحقيَّةِ (٤) دين الإسلامِ، والتنكيرُ للتعظيمِ، وكذا قولُه: ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من اللهِ تعالى. ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾؛ أي: من قبلِ ذلك الشاهدِ ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ يعني: التوراةَ، فإنه أيضًا يتلوهُ في التصديقِ، وقرئ: (كتابَ) بالنصب (٥) عطفًا على الضمير في ﴿وَيَتْلُوهُ﴾، والضميرُ في ﴿قَبْلِهِ﴾ للقرآن الذي عبَّرَ عنه بالبيِّنةِ، فالمعنى أن الشاهدَ المذكورَ يتبعُ الكتابينِ القرآنَ والتوراةَ.

стр. 2063

﴿إِمَامًا﴾: كتابًا يؤمُّ بهِ في الدين قدوةً (١) منه. ﴿وَرَحْمَةً﴾: تامَّةً عظيمةً على المنزَلِ إليهم؛ لأنَّه الوصلةُ إلى الفوزِ بخير الدارَين. ﴿أُولَئِكَ﴾: إشارةٌ إلى مَن كان على بيِّنةٍ ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾؛ أي: بالقرآنِ. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ من أصنافِ الكُفَّارِ مشركاً كان أو كتابيًّا ﴿فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ يَرِدُها لا محالةَ؛ لأنهُ تعالى لا يُخلِفُ وعدَه. ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾: من القرآنِ، وقيلَ: من الوعدِ، وقولُه: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ ظاهرٌ في الأولِ، وقرئ: (مُريَةٍ) بضم الميم وهما لغتان (٢)، وقد مر في أولِ سورةِ البقرة الفرقُ بينها وبينَ الريب والشكِّ. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بكونِه من عند اللهِ تعالى؛ لقلةِ نظرِهم، وقصورِ تدبيرِهم. * * * (١٨) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بأن أسندَ إليهِ ما لم يُنزِل (٣)، أو نفى عنهُ ما أنزَلَ، وقد مرَّ ما يتعلقُ به في تفسيرِ سورة الأنعامِ.

стр. 2064

﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾: يُحبَسون في الموقفِ، وتُعرَض أعمالُهم. ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾ من الملائكةِ والنبيينَ: جمعُ شاهدٍ أو شهيدٍ، كأصحابٍ وأشرافٍ، وما وَصَفَهم بذلك لأنهم يختصُّون بهذا العَرْضِ؛ لأن العَرْضَ عامٌّ في كل العبادِ؛ كما قال: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨] بل أرادَ أنهم يُعرَضون فيفتَضِحون بقولِ الأشهاد عند عرضِهم: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ بنسبةِ الولدِ والشريك إليهِ، ونفي ما أنزلَ عنه. ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ من قولِ الأشهادِ، أو قول اللهِ تعالى، أي: طُرِدوا ولُعِنوا بسببِ ظلمِهم بالكذبِ على الله تعالى، وفيه تهويلٌ عظيمٌ مما يَحيق بهم. * * * (١٩) - ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عن دينِه ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: يصفونَها بالاعوجاج، أو يبغُون أهلَها أن يعوجُّوا بالارتدادِ، والعِوَجُ: الانحرافُ والميلُ المؤدِّي إلى الفسادِ. تقول: بغيتُكَ خيرًا أو شرًا، أي: طلبتُ لكَ. ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾: والحالُ أنهم كافرون بالآخرةِ، وتكريرُ ﴿هُمْ﴾ لتأكيدِ كفرِهم واختصاصِهم به. * * * (٢٠) - ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾.

стр. 2065

﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ﴾؛ أي: ما كانوا معجِزين اللهَ تعالى في الدنيا أن يعاقِبَهم، ومعنى ﴿مُعْجِزِينَ﴾: مُفْلَتين لا يُقدَر عليهِم، وإنما قالَ: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ لأن تصرُّفَ ابن آدمَ وتمتُّعَه إنما هو فيها وهي قُصاراهُ لا يستطيعُ التجاوزَ منها. ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أُثبتَ ذكرُ الله هنا، وأُسقط فيما سبق، وكان مقتضى الظاهرِ إثباتُه ثمَّةَ، والاكتفاءُ بالضميرِ هنا، وإنما عدلَ إلى ما وقع احترازًا عن إضافةِ العجزِ إليه تعالى صريحًا. ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾: يمنعونهم من العقابِ، ولكن أخَّرهم إلى هذا اليومِ ليتضاعفَ عذابُهم، فقولُه: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾ استئنافٌ في مقام التدارُكِ بالجواب للسؤالِ عن وجهِ تأخيرِ العقابِ، والله أعلم بالصوابِ. ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ لفرطِ تصامِّهم كراهةَ استماع الحقِّ؛ كأنهم لا يقدرُون على استماعِهِ. ﴿وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ لفرطِ تعامِيهم كراهةَ إبصاره، وكأنهُ العلَّةُ لمضاعفةِ العذاب. * * * (٢١) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ باشتراءِ عبادة الأوثان بعبادة الله تعالى. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من الآلهةِ وشفاعَتِها. أو: خسروا بما بذلُوا وضاعَ عنهم ما حصَّلُوا، فلم يبقَ معهم سوى الندامةِ.

стр. 2066

(٢٢) - ﴿جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾. ﴿لَا جَرَمَ﴾ مذهبُ الخليلِ وسيبويهِ أنهُ رُكِّبَ من (لا) و (جرم) وبُنيَ، والمعنى: حقَّ، وما بعدَه رفع على الفاعليَّةِ (١). وقال الكسائيُّ: معناهُ: لا صدَّ ولا منعَ، فيكونُ (جرم) اسمَ (لا) وهو مبنيٌّ على الفتحِ (٢). ﴿أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ لما كانَ خُسرانُ النفسِ أعظمَ الخُسرانِ حكمَ عليهم بأنهم الزائدونَ في الخسرانِ على كلِّ خاسرٍ مِن سواهم. * * * (٢٣) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾: اطمأنوا إليهِ بالخشوعِ، من الخبتِ: وهو الأرضُ المطمئنَّةُ. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: دائمونَ. * * * (٢٤) - ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ﴾: الكافرِ والمؤمنِ، وقدِّمَ الكافرُ اعتبارًا للسياق.

стр. 2067

﴿كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ شبَّهَ فريق الكافرين في عدمِ انتفاعهم بالمشاعرِ بالأعمى والأصمِّ، وفريق المؤمنينَ بالسميعِ والبصيرِ، والتشبيهُ بحسبِ جليل النظرِ من قبيلِ المفرد، وبحسب دقيقِه من قَبيلِ المركَّبِ؛ لأنَّه أبلغُ، والتعييرُ بالمثل أنسَبُ، وذلك أن المقامَ يتحملُ تشبيه الفريقين بالجامعِ بين العمى والصمَمِ، والجامعِ بين السمع والبصرِ. على أن (الواوَ) في ﴿وَالْأَصَمِّ﴾ ﴿وَالْبَصِيرِ﴾ للجمعِ بين الصفتَينِ، كما في قوله: الصالح (١) والغانم والآيب، وتشبيهِ أحدِهما بكلِّ واحدٍ من الأعمى والأصمِّ، والآخرِ بكلِّ واحدٍ من السميع والبصيرِ، فيكون لكلٍّ منهُما تشبيهان كما في قولِه: كأنَّ قلوبَ الطَّيرِ رَطبًا ويابِسًا … لدى وكْرِها العنابُ والحشَفُ البالي (٢) وهو من بابِ اللفِّ والطِّباقِ، والوجه هو الأولُ؛ لأن (٣) تقسيم الكفارِ إلى مشبَّهٍ بالأولِ ومشبَّهٍ بالثاني وكذلك المؤمنون غيرُ مقصودٍ في الآية؛ بخلافِ البيت المذكورِ. بل المرادُ تشبيهُ حالِ هؤلاء الكفرةِ الغاوينَ الموصوفين بالتصامِّ عن آياتِ اللهِ بحالِ من خُلِقَ أعمى وأصمَّ لا تنفعُه إشارةٌ ولا عبارةٌ. وحالِ هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ فانتفعوا بأسماعِهم وأبصارِهم

стр. 2068

اهتداءً إلى الجنة، وانكفاءً (١) عما كانوا خابطِين فيه من ضلالِ الكفر والدُّجُنةِ (٢) بحالِ مَن هو بصيرٌ سميعٌ يستضيءُ بالأنوارِ في الظلامِ، ويستفيء بمغانمَ (٣) الإنذارِ والإبشارِ فوزًا بالمرام. ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾؛ أي (٤): الفريقان، لاستفهامُ إنكاريٌّ. ﴿مَثَلًا﴾: صفةً أو تشبيهًا. ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ بالتأمل فيما ضربناهُ من المثلِ، فالفاءُ لترتيبِ الاستفهام التقريريِّ على ما تقدَّمَ، وتأخُّرُها لفظًا لرعايةِ ما للاستفهام من حقِّ الصدارة في الكلامِ. * * * (٢٥) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ﴾: قرئ: ﴿إِنِّي﴾ بالكسرِ على إرادة القولِ، أو قائلًا: إني، وبالفتحِ (٥)، فتقديرُه: بأني؛ أي: أرسلناه ملتبِسًا بهذا الكلامِ، فلما اتصلَ به الباء فُتح - والمعنى على الكسرِ - كما فُتحَ (إنَّ) في قولكَ: إنَّ زيداً كالأسدِ، إذا اتصلَ به الكافُ؛ فقيل: كأنَّ زيدًا الأسدُ، والمعنى بحاله. ﴿مُبِينٌ﴾: أبيِّنُ لكم مُوجِباتِ العذاب ووجهَ الخلاص عنه. * * *

стр. 2069

(٢٦) - ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾. ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ بدلٌ من ﴿إِنِّي لَكُمْ﴾ على قراءة الفتحِ، وعلى قراءة الكسرِ (أنْ) مفسِّرةٌ متعلقةٌ بـ ﴿نَذِيرٌ﴾ أو بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾. ويجوزُ أن يكون المعنى: بأنْ لا تعبُدوا إلا الله (١)، على أن الباءَ صلةُ: ﴿أَرْسَلْنَا﴾؛ كأنه قيلَ: أرسلناهُ ينهاهُم عن الإشراكِ قائلًا: إني نذيرٌ. ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ وصفُ اليومِ بأليم من الإسنادِ المجازي لوقوعِ الألم فيهِ؛ كقولِه: نهارُه صائمٌ. * * * (٢٧) - ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾. ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ أرادوا بهِ نفي رسالتِه بطريقِ البرهانِ، على زعمِهم أن الرسولَ يجبُ أن يكون ملَكاً (٢)، فقوله: ﴿مِثْلَنَا﴾ لتحقيقِ البشريةِ، وقولُه: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾: استدلالٌ بأنهم ضعفاءُ العقولِ لا تمييز (٣) لهم، فجوَّزوا أن لا يكونَ الرسولُ بشرًا، والأراذل: جمع الأَرْذلِ (٤)،

стр. 2070

وهو (١) بمعنى الأخسِّ؛ فإنه بالغلبةِ صار كالاسمِ؛ كالأكبرِ، والأَرْذُل: جمعُ رَذْلٍ. ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾: قرئ بالهمزةِ من بدأ يبدأ بَدْءًا: إذا ابتدأ؛ أي: أولَ الرأيِ، وبغير الهمز (٢) من بدا يبدو: إذا ظهر؛ أي: ظاهرَ الرأي. نصبٌ على الظرفِ، والعاملُ: ﴿اتَّبَعَكَ﴾؛ أي: اتَّبعوك وقت حدوثِ أولِ رأيهِم، أو وقتَ حدوث ظاهرِ رأيهم، فحُذِفَ المضافُ وأُقيمَ المضاف إليه مُقامهُ. وإنما استرذلوهم لذلك أو لفقرِهم؛ فإنهم لمَّا لم يعلموا إلا ظاهرًا من الحياة الدنيا كان الأحظُّ بها أشرفَ، والمحرومُ منها (٣) أرذلَ. ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ﴾؛ أي: لك ولمتَّبِعيك، فغلَّب المخاطب على الغائبينَ. ﴿عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ التنكيرُ للتقليلِ، فهذا القولُ منهم تسجيلٌ بأن دعوى النبوة باطلةٌ لإدخالِه ﵇ والأرذلَ (٤) في سلكٍ على أسلوبٍ يدلُّ على أنهم أنقصُ البشرِ فضلًا عن الارتقاء (٥) إلى درجةِ التفضيلِ. ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾: إياكَ في دعوى النبوةِ، وإياهم في دعوى العلمِ بصدقكَ، وكأنهم أظهروا الاحترازَ عن الجُزاف (٦)، والاقتصارَ على قَدْرِ
следующие страницы →