(٢٢) - ﴿جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾.
﴿لَا جَرَمَ﴾ مذهبُ الخليلِ وسيبويهِ أنهُ رُكِّبَ من (لا) و (جرم) وبُنيَ، والمعنى: حقَّ، وما بعدَه رفع على الفاعليَّةِ (١).
وقال الكسائيُّ: معناهُ: لا صدَّ ولا منعَ، فيكونُ (جرم) اسمَ (لا) وهو مبنيٌّ على الفتحِ (٢).
﴿أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ لما كانَ خُسرانُ النفسِ أعظمَ الخُسرانِ حكمَ عليهم بأنهم الزائدونَ في الخسرانِ على كلِّ خاسرٍ مِن سواهم.
* * *
(٢٣) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾: اطمأنوا إليهِ بالخشوعِ، من الخبتِ: وهو الأرضُ المطمئنَّةُ.
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: دائمونَ.
* * *
(٢٤) - ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.
﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ﴾: الكافرِ والمؤمنِ، وقدِّمَ الكافرُ اعتبارًا للسياق.
стр. 2067
﴿كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ شبَّهَ فريق الكافرين في عدمِ انتفاعهم بالمشاعرِ بالأعمى والأصمِّ، وفريق المؤمنينَ بالسميعِ والبصيرِ، والتشبيهُ بحسبِ جليل النظرِ من قبيلِ المفرد، وبحسب دقيقِه من قَبيلِ المركَّبِ؛ لأنَّه أبلغُ، والتعييرُ بالمثل أنسَبُ، وذلك أن المقامَ يتحملُ تشبيه الفريقين بالجامعِ بين العمى والصمَمِ، والجامعِ بين السمع والبصرِ.
على أن (الواوَ) في ﴿وَالْأَصَمِّ﴾ ﴿وَالْبَصِيرِ﴾ للجمعِ بين الصفتَينِ، كما في قوله: الصالح (١) والغانم والآيب، وتشبيهِ أحدِهما بكلِّ واحدٍ من الأعمى والأصمِّ، والآخرِ بكلِّ واحدٍ من السميع والبصيرِ، فيكون لكلٍّ منهُما تشبيهان كما في قولِه:
كأنَّ قلوبَ الطَّيرِ رَطبًا ويابِسًا … لدى وكْرِها العنابُ والحشَفُ البالي (٢)
وهو من بابِ اللفِّ والطِّباقِ، والوجه هو الأولُ؛ لأن (٣) تقسيم الكفارِ إلى مشبَّهٍ بالأولِ ومشبَّهٍ بالثاني وكذلك المؤمنون غيرُ مقصودٍ في الآية؛ بخلافِ البيت المذكورِ.
بل المرادُ تشبيهُ حالِ هؤلاء الكفرةِ الغاوينَ الموصوفين بالتصامِّ عن آياتِ اللهِ بحالِ من خُلِقَ أعمى وأصمَّ لا تنفعُه إشارةٌ ولا عبارةٌ.
وحالِ هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ فانتفعوا بأسماعِهم وأبصارِهم
стр. 2068
اهتداءً إلى الجنة، وانكفاءً (١) عما كانوا خابطِين فيه من ضلالِ الكفر والدُّجُنةِ (٢) بحالِ مَن هو بصيرٌ سميعٌ يستضيءُ بالأنوارِ في الظلامِ، ويستفيء بمغانمَ (٣) الإنذارِ والإبشارِ فوزًا بالمرام.
﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾؛ أي (٤): الفريقان، لاستفهامُ إنكاريٌّ.
﴿مَثَلًا﴾: صفةً أو تشبيهًا.
﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ بالتأمل فيما ضربناهُ من المثلِ، فالفاءُ لترتيبِ الاستفهام التقريريِّ على ما تقدَّمَ، وتأخُّرُها لفظًا لرعايةِ ما للاستفهام من حقِّ الصدارة في الكلامِ.
* * *
(٢٥) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ﴾: قرئ: ﴿إِنِّي﴾ بالكسرِ على إرادة القولِ، أو قائلًا: إني، وبالفتحِ (٥)، فتقديرُه: بأني؛ أي: أرسلناه ملتبِسًا بهذا الكلامِ، فلما اتصلَ به الباء فُتح - والمعنى على الكسرِ - كما فُتحَ (إنَّ) في قولكَ: إنَّ زيداً كالأسدِ، إذا اتصلَ به الكافُ؛ فقيل: كأنَّ زيدًا الأسدُ، والمعنى بحاله.
﴿مُبِينٌ﴾: أبيِّنُ لكم مُوجِباتِ العذاب ووجهَ الخلاص عنه.
* * *
стр. 2069
(٢٦) - ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾.
﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ بدلٌ من ﴿إِنِّي لَكُمْ﴾ على قراءة الفتحِ، وعلى قراءة الكسرِ (أنْ) مفسِّرةٌ متعلقةٌ بـ ﴿نَذِيرٌ﴾ أو بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾.
ويجوزُ أن يكون المعنى: بأنْ لا تعبُدوا إلا الله (١)، على أن الباءَ صلةُ: ﴿أَرْسَلْنَا﴾؛ كأنه قيلَ: أرسلناهُ ينهاهُم عن الإشراكِ قائلًا: إني نذيرٌ.
﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ وصفُ اليومِ بأليم من الإسنادِ المجازي لوقوعِ الألم فيهِ؛ كقولِه: نهارُه صائمٌ.
* * *
(٢٧) - ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾.
﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ أرادوا بهِ نفي رسالتِه بطريقِ البرهانِ، على زعمِهم أن الرسولَ يجبُ أن يكون ملَكاً (٢)، فقوله: ﴿مِثْلَنَا﴾ لتحقيقِ البشريةِ، وقولُه:
﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾: استدلالٌ بأنهم ضعفاءُ العقولِ لا تمييز (٣) لهم، فجوَّزوا أن لا يكونَ الرسولُ بشرًا، والأراذل: جمع الأَرْذلِ (٤)،
стр. 2070
وهو (١) بمعنى الأخسِّ؛ فإنه بالغلبةِ صار كالاسمِ؛ كالأكبرِ، والأَرْذُل: جمعُ رَذْلٍ.
﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾: قرئ بالهمزةِ من بدأ يبدأ بَدْءًا: إذا ابتدأ؛ أي: أولَ الرأيِ، وبغير الهمز (٢) من بدا يبدو: إذا ظهر؛ أي: ظاهرَ الرأي.
نصبٌ على الظرفِ، والعاملُ: ﴿اتَّبَعَكَ﴾؛ أي: اتَّبعوك وقت حدوثِ أولِ رأيهِم، أو وقتَ حدوث ظاهرِ رأيهم، فحُذِفَ المضافُ وأُقيمَ المضاف إليه مُقامهُ.
وإنما استرذلوهم لذلك أو لفقرِهم؛ فإنهم لمَّا لم يعلموا إلا ظاهرًا من الحياة الدنيا كان الأحظُّ بها أشرفَ، والمحرومُ منها (٣) أرذلَ.
﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ﴾؛ أي: لك ولمتَّبِعيك، فغلَّب المخاطب على الغائبينَ.
﴿عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ التنكيرُ للتقليلِ، فهذا القولُ منهم تسجيلٌ بأن دعوى النبوة باطلةٌ لإدخالِه ﵇ والأرذلَ (٤) في سلكٍ على أسلوبٍ يدلُّ على أنهم أنقصُ البشرِ فضلًا عن الارتقاء (٥) إلى درجةِ التفضيلِ.
﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾: إياكَ في دعوى النبوةِ، وإياهم في دعوى العلمِ بصدقكَ، وكأنهم أظهروا الاحترازَ عن الجُزاف (٦)، والاقتصارَ على قَدْرِ
стр. 2071
الحاجةِ، ولهذا عدَلوا عن دعوى اليقينِ إلى دعوى الظنِّ الكافي في إيجاب العاقلِ لموجَبِه.
* * *
(٢٨) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ﴾: أخبروني ﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي: حجةٍ شاهدةٍ بصحةِ دعواي ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً﴾ هي النبوةُ.
﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾: فخَفِيَتْ (١) عليكم البيِّنةُ؛ لأن خفاءَها يوجبُ خفاء النبوةِ؛ إذ النبوَّةُ بعد ظهورِ البيِّنةِ، أو كلُّ واحدةٍ منهما، أو قدِّر ﴿فَعُمِّيَتْ﴾ بعد البينةِ فحذفَ للاختصارِ والاكتفاءِ بذكره مرةً كقولِه:
بينَ ذراعَي وجبهَةِ الأسدِ (٢)
ويجوزُ أن يُرادَ بالبينةِ الرحمةُ مع النبوةِ.
وقرئ: ﴿فَعُمِّيَتْ﴾ بالتشديد (٣)؛ أي: أُخفِيَت.
وقرئ: (فعَمَّاها) (٤) على أن الفعل للهِ تعالى.
стр. 2072
﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾: أنُكْرِهُكم على الاهتداءِ بها؟ جوابُ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ سادٌّ مسدَّ جوابِ (١) الشرطِ، وإذا اجتمعَ ضميران وليسَ أحدُهما مرفوعًا، وقدِّمَ الأعرفُ، جازَ في الثاني الاتصالُ كما وقع هاهنا، والانفصالُ كما لو قيلَ: أنلزِمُكم إياها.
﴿وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾: لا تختارونها ولا تتأمَّلُون فيها.
* * *
(٢٩) - ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾.
﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾: الضميرُ راجعٌ إلى قوله لهم: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢٥ - ٢٦]، وهذا -أي: الرجوعُ إلى القول- أولى من الرجوعِ إلى المدلول؛ لأن الأجرَ في مقابلة الشغلِ، فالقولُ المشتمِلُ على الإنذار هو المقابَلُ بالأجرِ.
﴿مَالًا﴾: جُعلًا حتى تتفاوتَ الحالُ بسببِ كون المستجيبِ فقيرًا أو غنيًا؛ ففيهِ الجوابُ عن قولهم: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾.
﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾: بالتزامِه تفضُّلًا لا بالإيجابِ شرعًا أو عقلًا.
﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: جوابٌ لهم حين سألوه طردَهم ليؤمِنوا بهِ آنفةً من أن يكونوا معهم، ولما لوَّحَ إليهم ما شكَّكهم في أمرِهم وتردَّدوا في علَّتِه قال:
﴿إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾؛ أي: فائزونَ بلقاءِ ربهم وقُربهِ، فكيفَ أطرُدُهم؟
ويجوزُ أن يكون جوابًا عن قولهم: اتَّبعوك بادي الرأي، أي: فعَليَّ العملِ
стр. 2073
بظاهر ما أرى، فاكتفى بظاهرِ إيمانهم، ووكَل (١) باطنهم إلى اللهِ تعالى فإنهم ملاقوه فيجازِيهم على سرائرِهم.
﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾: استدراكٌ عما تقدَّمَ من قولهم: ﴿مَا نَرَاكَ … ﴿وَمَا نَرَاكَ﴾؛ أي: لا حقيقَة لما رأيتُم، فكأنَّكُم ما رأيتُم فينا شيئًا، ولكني أراكم قومًا تجهَلُون ما لا ينبَغي أن يخفَى على الرجالِ من أن الناسَ لا يتفاضلون بالأحسابِ والأنسابِ والأموالِ، بل بأسبابِ الكمال من الأعمالِ والأحوالِ، وبما قرَّرناه (٢) تبيَّن وجهُ إدراجِ قولِه: ﴿قَوْمًا﴾ في الكلامِ، وإدماجُ دقيقةٍ أنيقةٍ في أثناءِ تقرير (٣) المرامِ.
* * *
(٣٠) - ﴿وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.
﴿وَيَاقَوْمِ﴾: تلطَّفَ نوحٌ ﵇ بندائه إيَّاهُم بقولِه: (يا قوم … يا قوم) (٤) استدراجًا لهم في قَبولِ كلامِه، كما تلطَّفَ مؤمنُ آل فرعونَ بقولِه: (يا قوم … يا قوم).
﴿مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ بدفعِ انتقامِه ﴿إِنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ وهُم بتلك المثابةِ من القربِ والكرامةِ عندَ اللهِ تعالى.
﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ لتعرفوا أن توقيفَ الإيمان على طردِهم ليس بصوابٍ.
* * *
стр. 2074
(٣١) - ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾: خزائنُ رزقِه ونعَمِه؛ أي: كما لا أسألُكم مالًا فكذلك لا أدَّعي أني أملِكُ مالًا (١) أدفعُه لأتْباعي، فلا غرضَ لي في المالِ لا أخذًا ولا دفعًا.
﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ حتى أصلَ إلى ما أريدُه لنفسي ولأتباعي (٢)، عطفٌ على إلا أقول) لا على ﴿عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾، وإنما لم يأتِ فيه بنفي القولِ للفرقِ الدقيقِ بينَهُ وبينَ ما أتى فيهِ لنفسِهِ، وقد مرَّ بيانُه في تفسير سورة الأنعامِ (٣)، وأما فائدةُ تكرارِ (لا) أنكَ إذا أكَّدتَ بهِ لإزالَة (٤) احتمالِ المعيةِ في النفيِ فقد آذنتَ أنك في الكلامِ محق بانٍ (٥) على اليقينِ بعيدٌ عن السهوِ والتجوُّزِ.
﴿وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ بعبارَته جوابٌ عن قولِهم: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [الشعراء: ١٥٤]، وبإشارته جوابٌ عن طعنِهم فيهِ ﵇ لمخالطَتِه للفقراءِ؛ أي: لا أتعاظَمُ بذلكَ عليكُم، بل طريقي الخضوعُ والتواضعُ، ومَن كانَ شأنه وطريقُه (٦) كذلك لا يستنكِفُ عن مخالطَةِ الفقراءِ والمساكين، ولا يطلُبُ مجالسة الأغنياءِ والسلاطين، فلمَّا كانت طريقَتي توجِبُ مخالطةَ الفقراءِ لي فكيفَ جعلتُم ذلك عيبًا عليَّ؟ ثم أكَّدَ هذا بقولِه:
стр. 2075
﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ﴾؛ أي: في شأنِ مَن استرذلتُموهم (١) لفقرِهم.
الازدراءُ: افتعالٌ من زرَى عليهِ: إذا عاب، وأزرى به قصَّرَ بهِ (٢)، وازدريتُه؛ أي: احتقرتُه، وإسناد الازدراءِ إلى الأعينِ مجازٌ للمبالغةِ والتنبيهِ على أنهم استخسُّوهم بادِئ الرؤيةِ من غير رويَّةٍ، بل بما عاينوا من رثاثةِ حالهم وقلةِ منالِهم، من غير تأمُّلٍ في معتقداتهم وكمالاتهم.
﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ عسى أن يكون ما أعدَّ اللهُ لهم في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة، خيرًا مما آتاكم من الغِنى.
﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ من الإيقان وعدَمِه.
﴿إِنِّي إِذًا﴾: إن فعلتُ أو قلتُ شيئًا من ذلك ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أنفُسَهم بطردِ من أُمرتُ بقَبولِه.
* * *
(٣٢) - ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا﴾؛ أي: خاصَمْتَنا؛ يقالُ: جادلَه: إذا خاصَمه ليُرِجعه عما عليهِ، وأصله الجدْلُ، وهو الفتلُ.
﴿فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾: فأطلتَهُ، أو: أتيتَ بأنواعه.
﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ من العذابِ المعجَّلِ ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في الوعيد، فإن مناظرَتكَ لا تؤثِّرُ فينا ولا تفيدُ.
стр. 2076
(٣٣) - ﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾.
﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ﴾؛ أي: ليسَ الإتيانُ به إليَّ إنْ هو إلا إلى الذي عصيتُموه وكفرتُم بهِ، فيفعلُه (١) إن شاءَ كما شاءَ عاجلًا أو آجلًا.
﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: بدفعِ العذابِ، أو الهربِ عنه (٢).
* * *
(٣٤) - ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي﴾ النصحُ: إمحاضُ إرادة الخيرِ في الدلالةِ، ونقيضُه الغشُّ.
وقيلَ: هو إعلامُ موضعِ الغَيِّ (٣) ليُتَّقى، والرُّشدِ ليُبتغَى.
﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾: شرطٌ ودليلٌ وجوابٌ له، والجملةُ دليلُ جوابِ قوله:
﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ وتقديرُ الكلامِ: إن كانَ الله يريدُ أن يُغويكم إن أردتُ (٤) أن أنصَحَ لكُم لا ينفعُكم نصحِي، وهو جوابٌ لما أَوهَموا من أنَّ جِداله كلامٌ بلا طائلٍ.
وإنما قالَ: ﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ﴾ مع وقوعِ النصح استظهارًا في الحجةِ؛ لأنهم ذهبوا إلى أنه ليسَ بنصحٍ فقال: لو كان نصحًا ما نفعَ مَن لا يقبلُهُ.
стр. 2077
وفيهِ دلالة على أن إرادةَ اللهِ تعالى يصحُّ تعلُّقها بالإغواءِ، وأنَّ خلافَ مراده تعالى غيرُ واقعٍ (١).
﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾: خالقُكم ومبقِيكم في الدنيا إلى وقتِ إهلاككُم.
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيجازيكُم على أعمالكُم.
* * *
(٣٥) - ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾.
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ قال مقاتلٌ: هذا الكلامُ في شأنِ محمد ﷺ ، اعترضَ في قصة نوحٍ ﵇ (٢). وهذا أظهرُ وأنسبُ بالسياق؛ لأنَّه كالتقريرِ لقولِه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ دلالةً على كمالِ العنادِ، وأن مثلَهُ بعد الإتيانِ بالقصةِ على هذا الأسلوبِ المعجزِ لا ينبغي أن يُنسَب إلى افترائهِ، فجاءَ زيادةَ إنكارٍ على إنكارٍ، كأنه قيلَ: بل أمَعَ هذا البيان أيضًا يقولون: افتراهُ؟! وهو نظيرُ اعتراضِ قولِهِ: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٨] بيَّنَ قصةَ إبراهيمَ ﵇ على أحد الوجهَين.
﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾؛ أي: إن ثبتَ افترائي فعليَّ عقوبةُ إجرامي، وكان حقِّي حينئذٍ أن تُعرِضوا عني وتعادُوني.
﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾؛ أي: ولم يثبُت ذلك، بل هو فرضُ محالٍ، وأنا بريءٌ من افترائكم؛ أي: نسبتِكم إيايَ إلى الافتراءِ.
стр. 2078
وإنما عدَلَ إلى المنزَلِ على طريقة المشاكلةِ إدماجًا لكونهم مجرِمين، وأن المسألة معكوسةٌ.
* * *
(٣٦) - ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾.
﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ﴾ هذا الاستثناءُ على طريقةِ ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] على ما قيلَ: إنه استثناءٌ من اللفظِ للمبالغةِ في التحريمِ.
﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أقنطَهُ الله تعالى في إيمانِهم على وجهٍ أبلغَ، ثم نهاهُ أن يغتمَّ بما استمرُّوا عليه من تجديدِ التكذيبِ والاستهزاءِ.
والابتئاسُ: حزنٌ في استكانة.
* * *
(٣٧) - ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾.
﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾: ملتبِسًا بأعيننا، ولما كان العينُ هي الجارحةَ التي بها يُحفَظُ الشيءُ عبَر بكثرَتها عن المبالغةِ في الحفظِ والرعايةِ عن الاختلالِ والزيغِ عن صنعَتهِ، وعن مُزاحمة العدوِّ له وكيدِه في المنعِ ومن عملِه، على طريقة التمثيلِ.
﴿وَوَحْيِنَا﴾ إليكَ كيف تصنَعُها.
﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ نهى عن التكلُّمِ فيهم مبالغةً في النهي عن الدعاءِ في استدفاعِ العذاب عنهُم.
стр. 2079
﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ محكومٌ عليهم بالإغراقِ، فلا سبيلَ إلى كفِّهِ.
* * *
(٣٨) - ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾.
﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾ حكايةُ حالٍ ماضيةٍ.
﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ من عملِ السفينةِ، وكان يعمَلُها في بريَّةٍ بعيدةٍ من الماءِ أوانَ عزَّته، فكانوا يتضاحكُون منهُ ويقولون: يا نوحُ! صرتَ نجاراً بعد ما كنتَ نبيًّا؟! والسخريةُ (١): الاستجهالُ مع الاستهزاءِ، ومصدَرُه: سُخرِيٌّ بضمِّ السينِ، والمصدرُ من السُّخرةِ سِخريٌّ بكسرِها.
﴿قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا﴾ فيهِ تنزيلُ المحقَّقِ منزلةَ المشكوكِ تمهيدًا لما قصدُوه من تجهيلِهم فيما فعلُوه.
﴿فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ المرادُ من سخريَتِه ﵇ مجرَّدُ الاستجهالِ، وإطلاقُ السخريةِ عليه (٢) بطريقِ المشاكلَةِ، أي: إنا نستجهلُكم (٣) في استجهالكم (٤) إيانا بناءً على ظاهر الحالِ جهلًا بحقيقةِ الأمرِ كما هو عادةُ الجهَّالِ، والسخرية بهذا المعنى منهُ ﵇ في الحالِ.
ومَن قالَ: إذا أخذكم الغرقُ في الدُّنيا، والحرقُ في الآخرةِ، فقد حملَها على الحقيقةِ، وكأنه لم يدرِ أن الاستهزاءَ لا يناسِبُه ﵇.
стр. 2080
(٣٩) - ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: تهديدٌ بليغٌ.
﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ يعني بـ ﴿مَنْ يَأْتِيهِ﴾: إياهم، وبـ ﴿عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾: الغرقُ في الدنيا.
﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ﴾ حلولَ الدَّينِ اللازم الذي لا انفكاكَ له عنه في الآخِرةِ.
﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ دائمٌ هو عذابُ النارِ.
* * *
(٤٠) - ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ غايةٌ لقولِه: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾ وما ينهما حالٌ من الضميرِ فيهِ، أو (حتى) هي التي يُبتدأ بعدها الكلامُ.
﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ كما يفورُ القِدرُ بالغليانِ؛ أي: نبعَ الماءُ وارتفعَ من الأرض لشدَّةِ الاندفاعِ، والتنورُ: تنور الخبز، ابتدأ منه ينبوعٌ على خرقِ العادة.
﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا﴾: الضميرُ للسفينةِ وكانت ذاتَ بطونٍ، والمحمولون كانوا في بطونها على طبقاتِهم، ولهذا قالَ: ﴿فِيهَا﴾ دونَ: عليها.
﴿مِنْ كُلٍّ﴾: من كلِّ نوعٍ لابدَّ منهُ.
﴿زَوْجَيْنِ﴾: الزوجُ واحدٌ له شكلٌ، فالذكر زوج والأنثى زوجٌ، وقد يُطلَقُ الزوج على مجموعِهما ولدفعِ هذا الاحتمال قالَ: ﴿اثْنَيْنِ﴾.
وإنما لم يقُل: من كلِّ نوعٍ اثنينِ، إخراجًا لمِثْلِ البغلِ عن حيِّزِ الأمر بالحملِ؛ لعدم الحاجةِ إليه.
стр. 2081
وقرئ: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ (١) بالإضافة على معنى: احمل اثنين من كلِّ زوجَين.
﴿وَأَهْلَكَ﴾ عطفٌ على ﴿زَوْجَيْنِ﴾ أو ﴿اثْنَيْنِ﴾، والمرادُ: امرأتُه وبنوهُ ونساؤهم.
﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ بأنه من المغرَقين، ولما كان القولُ السابق ضارًّا لهم قالَ: ﴿عَلَيْهِ﴾ دونَ: فيه، استثناءً من المعنى اللازم للأمرِ، وكأنهُ قيلَ: إنهم لا يغرقون إلا مَن سبقَ عليهِ القولُ؛ يعني: ابنَه كنعانَ وامرأتَه واعلةَ فإنهما كانا كافِرَين.
فاندفعَ السؤالُ بأنه: لا يخلو من أن يكونَ المستثنى (٢) معلومًا لنوحٍ ﵇، فلا حاجةَ لقولِه: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود: ٤٥] أو لا، فيلزَمُ استثناء المجهولِ من الذين أمرَ ﵇ بحملِهم على السفينةِ، ولا وجه له.
﴿وَمَنْ آمَنَ﴾؛ أي: والذين آمنوا مِن غيرِهم، وأفردهم بالذكرِ مع أنهم من الذين آمنوا لمصلحةِ الاستثناءِ المذكور المتضمِّنِ للإشارة إلى أن الانتسابَ إليه ﵇ لا يُجدِي نفعًا في دفعِ العذابِ المذكورِ، إنما المنجِّي عنه هو الاتِّباعُ له ﵇.
﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ اختلَفُوا في عدَدِه ولا فائدةَ في تعيينِه، وكلمةُ (مع) هنا كالتي في قولِه: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٤٤].
* * *
стр. 2082
(٤١) - ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿وَقَالَ﴾؛ أي: قال نوحٌ ﵇ لمن آمَنَ معه: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا﴾ والركوب: العلوُّ على ظهر الشيءِ، وهو يتعدَّى بنفسِه فيُقالُ: ركبتُ السفينةَ، وزيادةُ (في) لأنَّه ﵇ أمرَهم أن يكونوا في جوفِها لا على فوقِها.
﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ متعلقٌ بـ ﴿ارْكَبُوا﴾ حالٌ من ضميرِ الفاعلِ؛ أي: اركبوا مسمِّينَ الله تعالى، أو قائلينَ: بسم الله.
﴿مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾: نصبٌ على الظرفِ؛ أي: وقتَ إرسائها وإجرائها؛ لأنهما اسما زمانٍ، أو مصدرانِ كالإجراء والإرساءِ بحذفِ الوقتِ؛ كقولهم: [آتيكَ] (١) خفوقَ النجمِ، ويجوزُ أن يكونا اسمي مكانٍ، وانتصابُهما بما في ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ من معنى الفعل، أو إرادةِ القولِ.
ويجوزُ أن تكون ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ جملةً من مبتدأ وخبرٍ في موضعِ الحالِ من ضميرِ الفلكِ؛ أي: اركبوا فيه مُجراهُ ومُرساه بسم الله، بمعنى التقديرِ؛ كقولِهِ: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾.
أو جملةً مقتضبةً (٢) على أن نوحًا ﵇ أمرَهم بالركوبِ فيها ثم أخبرَهم بأن إجراءها وإرساءها باسمِ اللهِ تعالى؛ فيكونان كلامَين لهُ ﵇.
стр. 2083
يروى: أنه إذا أراد أن تجري قالَ: (بسم الله) فجرَتْ، وإن (١) أرادَ أن ترسوَ قال: (بسم اللهِ) فرست (٢).
ويجوزُ أن يكونَ الاسمُ مُقحمًا كقولِهِ:
ثمَّ اسمُ السَّلامِ عَلَيكُما (٣)
ويرادُ: بالله إجراؤها وإرساؤها؛ أي: بقد رَتهِ وأمرِهِ.
وقرئ: ﴿مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ بفتحِ الميم (٤)، من جرى ورسى مصدرَين، أو زمانَين، أو مكانَين.
وقرئ: (مُجرِيها ومُرسِيها) بلفظِ اسم الفاعلِ مجرورَي المحلِّ صفتَين لله تعالى (٥).
﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: لو لا مغفرَته لفرَطاتكم ورحمتُه إياكم لمَا نجَّاكم.
* * *
стр. 2084
(٤٢) - ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾: متعلِّق بمحذوفٍ دلَّ عليهِ: ﴿ارْكَبُوا﴾؛ أي: فركِبُوا مسمِّين وهي تجري بهم، والباء في ﴿بِهِمْ﴾ كالتي في قولِكَ: دخلت عليه بثيابِ السفرِ، والجريُ: مرٌّ سريعٌ، والعدولُ إلى صيغةِ المضارع لاستحضارِ تلك الحالة العجيبةِ.
﴿فِي مَوْجٍ﴾: جمعُ موجةٍ، وهي قطعةٌ عظيمةٌ ترتفِعُ عن جملة الماءِ الكثيرِ عند اضطرابِه.
﴿كَالْجِبَالِ﴾: شبَّهَ كلَّ موجةٍ بجبل في تراكُمِها وارتفاعِها، وفي قوله: ﴿فِي مَوْجٍ﴾ ردٌّ لما قيلَ: إن الماء طبَّقَ ما بين السماءِ والأرضِ، وكانت السفينةُ تجري في جوفِه، إذ حينئذٍ لا مجال للموجِ، والحملُ على أنه في ابتداءِ الحال يأباهُ المقامُ؛ لأنَّه مقامُ المبالغةِ في بيانِ تلك الأهوالِ، فلا حاجَةَ للاكتفاءِ بذكر أوائلِها.
﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ كنعانَ، وقرئ: (ابنها)، و (ابنهَ) (١) بفتحِ الهاءِ اكتفاءً بالفتحة عن الألفِ، والضميرُ لامرأته على أنه كانَ ربيبَهُ.
وقرئ: (ابنَاهُ) على الندبةِ (٢)، ولكونها حكايةً سوِّغَ حذفُ الحرفِ.
﴿وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾ المعزلُ موضع منقطعٌ عن غيرِه، وكان كنعانُ في ناحيةٍ منفصلةٍ عن موضعه ﵇.
стр. 2085
﴿يَابُنَيَّ﴾: قرئ بكسرِ الياء (١) اقتصارًا عليه من ياء الإضافةِ، وبالفتحِ اقتصارًا عليهِ بالألف المبدلةِ من ياء الإضافةِ في قولكَ: [يا بنيَّا] (٢)، أو سقطَتِ (٣) الألفُ والياءُ لالتقاء الساكنين؛ لأن الراءَ بعدَهما ساكنةٌ.
﴿ارْكَبْ﴾؛ أي: اركبِ السفينة ﴿مَعَنَا﴾ فنَجُوزَ، وقرئ بإدغامِ الباء في الميمِ لتقارُبهما (٤).
﴿وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ فتهلِكَ.
وحالُه كانت ملتبسةً عليهِ ﵇ لأنَّه كان يُنافقُه، ولهذا سعى في خلاصِهِ بعد العلمِ بأن الكفارَ كلَّهم مُغرقونَ، وأما السؤالُ بأنه: كيف ساغَ له الأمرُ بركوبِه في السفينة بعد العلمِ بأنهُ من جملةِ المستثنى من أهلِهِ المأمورِ بحملِهم؛ فقد مرَّ وجهُ اندفاعِه.
* * *
(٤٣) - ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾.
﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ﴾ عظيمٍ ﴿يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ يعني: بارتفاعِه.
стр. 2086
﴿قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ إنما قالَ: ﴿الْيَوْمَ﴾ لأنَّ في سائر الأيامِ يوجدُ عاصمٌ من أمرِ الله على ما نطَقَ بهِ قولُه تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] والمرادُ من ﴿أَمْرِ اللَّهِ﴾: الآفاتُ الواقعةُ على خلاف العادةِ.
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ أي: إلا الله (١) الذي قد رحمَنا بما آمننا من الغرقِ، وفي العدولِ من الضميرِ إلى الموصولِ زيادةُ تفخيمٍ وتحقيقٍ لرحمته، وأن رحمته هي المُعتَصمُ لا الجبلُ.
وقيلَ: ﴿لَا عَاصِمَ﴾ بمعنى: لا ذا عصمةٍ إلا مَن رحمَ اللهُ (٢).
﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ﴾: بينَ نوحٍ ﵇ وابنِه، لا بينَ ابنه والجبلِ؛ لمكان التفريعِ في قولِه: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ إذ لا دخلَ للحيلولةِ بينَهُ وبينَ الجبلِ في صيرورَته من المهلكينَ بالماءِ، لما مرَّ أنه ليسَ بعاصمٍ.
* * *
(٤٤) - ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾: البلعُ: الازدرادُ، والمرادُ بهِ: نشفُ الماءِ على طريقةِ الاستعارة، لا غورُ الماء في الأرضِ؛ لأن فعلَ الأرض هو النشفُ دون الغَورِ، فإنه فعلُ الماء بطبعِهِ.
стр. 2087
والإقلاع: إذهابُ الشيءِ من أصلِه حتى لا يبقى له أثرٌ، يقالُ: أقلعتِ السماءُ، إذا ذهبَ مطرُها حتى لا يبقى شيءٌ منها.
شُبِّهت السماءُ والأرضُ في سرعةِ انقيادِهما لأمرِ ربِّهما وانفعاِلهما بفعلِه فيهما بلا توقُّفٍ، وقبولِ ما يريدُ منهما مع تعلُّقِ الإرادةِ بهِ (١) من غير امتناعٍ، بالمأمورِ المطيع للآمرِ المطاع القادرِ على ما شاءَ، الذي إذا أُمِرَ سارعَ إلى الامتثال من غير ريبٍ، وبادرَ إلى الطاعة بلا لَبثٍ؛ خشيةً وهيبةً من عظمتِهِ وجلالِهِ، فنوديتا بما يُنادى به العاقلُ المميَز المطلوبُ إقبالُه، وأُمِرتا بما يؤمَرُ به المدرِكُ المتفطِّنُ لما أُمِرَ به، تنبيهًا على كمالِ قُدرته، ونفاذِ أمرِه ومشيئته في الكلِّ.
﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ مِن غاضَهُ: إذا نقصَهُ.
﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾: وأنجِزَ ما وُعِدَ من إهلاك الكافرين وإنجاءِ المؤمنين.
﴿وَاسْتَوَتْ﴾ استقرَّت السفينَةُ ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾ جبلٌ بالموصلِ.
﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ هلاكًا لهم، يقالُ: بَعُدَ بعدًا: إذا صارَ بعيدًا بحيثُ لا يُرجَى عودُه، ثم استُعيرَ للهلاكِ، وخُصَّ بدعاءِ السوء.
وإيرادُ الإخبارِ على الفعل المبنيِّ للمفعولِ للدلالةِ على عظمةِ الفاعلِ، وجلالَةِ قدرِه، وعلوِّ شأنِهِ (٢)، وأنَّه لا يمكنُ أن تكون تلكَ الأفعالُ والآثارُ إلا لله الواحدِ القهَّار، القادرِ على ما يشاءُ ويختار، وأنَّه متعيِّنٌ عند العقلِ بدليلٍ أبينَ من اللفظِ، إذ يستحيل أن يشارِكَهُ (٣) فيها غيرُه، ولا يذهب الوهمُ إلى أن يقولَ غيرُه: ﴿يَاأَرْضُ ابْلَعِي
стр. 2088
مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾، ولا أن يقضِيَ ذلك الأمرَ العظيم الهائلَ سواهُ، ولا أن تستقِرَّ السفينة بعد اضطرابها إلا بأمرِه وتقديرِه، ولا أن يهلكَ الظلمةُ ذلك الهلاكَ الفظيعَ إلا بقهرِه وتدميرِه.
وقد جمعتِ الآية من فخامةِ المعنى، وجزالةِ اللفظِ، وحسنِ النظمِ، ورصافةِ التركيبِ، ووضوحِ الدلالةِ على كُنْهِ الحال، معَ الإيجاز الخالي من الإخلال (١)، ما تاهتِ الأفهامُ في مجازيه (٢)، واستقلَّتِ الألبابُ من كثرةِ النكاتِ ولطائفِ المعاني التي تحويه، بدائعُ الطباقِ والجناسِ التي فيه؛ لأنها وإن كانت تحسِّنُ ظاهرَ الكلام، وتزيِّنُ ديباجةَ النظام، لكنها بالنسبةِ إلى اللطائفِ المعنوية كالقشرِ من اللُّباب، وكالدُّرْدِيِّ من صَفْو الشرابِ.
* * *
(٤٥) - ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾.
﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ أُريدَ النداءُ في نفسهِ، ولا دلالةَ في عطفِ قوله:
﴿فَقَالَ﴾ على تقديرِ الإرادةِ، فإنهُ من قَبيلِ عطفِ المفصَّلِ على المجمَلِ، بل نقولُ: لا وجه لتقديرِها؛ لأن الإخبارَ عنها خِلْوٌ عن فائدةِ الخبرِ ولازِمها.
﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ الذي وعدتَني أنجاءَهم بالركوبِ في السفينةِ، هذا الوعدُ غيرُ مذكورٍ في القرآن صريحًا، بل يُفهَمُ من الأمرِ بحملِهم في السفينةِ.
﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾: وإن كلَّ وعدٌ تعِدُه لا يَتطرَّقُ إليه الخُلفُ.
стр. 2089
﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ لأنك أعلمُهم وأعدلُهم، فلا يشوبُ حكمَكَ ذلك دَخَلٌ (١) فترجعَ، وهذا ابني قد حُرِمَ عن الركوبِ في السفينةِ، وعرِّفني السبب فيه حتى أكونَ على علمٍ فيسكُنَ قلبي، ومبنى هذا على زعمِهِ (٢) أن ابنَهُ ليس بكافرٍ؛ لِمَا أنه كانَ يُنافِقُه على ما تقدَّمَ بيانُه.
وهذا النداءُ منهُ ﵇ وإن كانَ بعد مكالمتِه مع ابنِه، لكنَّ قولَه: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ … ﴾ إلخ لا يدلُّ على كفرِه؛ لجوازِ أن يكونَ قد ظن أن الصعودَ على الجبل الشامخِ يجري مجرى ركوبِ السفينةِ، وأنَّه يصونُه عن الغرَقِ، وبعد إخبارِ أبيهِ أنه لا عاصِمَ اليوم من أمرِ اللهِ حالَ الموجُ بينه وبين ابنه فلم يبقَ له مجالُ الركوبِ.
وإنما قلنا: إنه بعد المكالمةِ؛ لأنَّه لو كان قبلَه لمَا ساغَ له ﵇ أن يقولَ: ﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ إذ حينئذٍ يكون معلومًا له ﵇ أنه من الذينَ نهِيَ عن حملِهم في السفينةِ.
* * *
стр. 2090
(٤٦) ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ لانقطاعِ الولاية بين المؤمنينَ والكافرينَ، وأشارَ إليه بقولِه:
﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ فإنه تعليلٌ لنفي كونِه من أهلِه.
وأبدلَ (فاسدٌ) بـ ﴿غَيْرُ صَالِحٍ﴾ تصريحًا بالمنافاةِ بين وصفَيهِما، الموجبةِ لانتفاءِ القرابةِ بينَهُما، ونفيًا لِمَا أوجبَ النجاة لمن نجا من أهلِه، وإيماءً إلى أن مَن نجا من أهلِه إنما نجا بالصلاحِ لا بقرابتِه.
وجَعَل ذاتَه نفسَ العمل للمبالغة في ذمه، وأصله: ذو عملٍ فاسدٍ، فحذف (ذو) (١).
وقرئ: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ (٢) أيْ عمِلَ عملًا غيرَ صالحٍ.
﴿فَلَا تَسْأَلْنِ﴾ قرئ بكسر النون من غير ياءٍ (٣)، وبالنون الثقيلة بياء وبغير ياء (٤).
﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾؛ أي: لا تطلُب مني ما لا تعلَمُ أصواب هو أم ليسَ بصوابٍ حتى يتبيَّن لك وجهُ كونه صوابًا.
стр. 2091
وإنما نهاه عن ذلكَ ليضمنَ كلامَهُ بتذكيرِ الوعد بنجاةِ أهله استجارةً في حقِّ ولدِه، وهذا لأنَّه ﵇ لم يكُن حينئذٍ عالمًا بهلاك ابنِه، ولا دلالةَ على هلاكِه في حيلولةِ الموج بينهُما، وأما ظاهرُ كلامِه ﵇، وهو سؤال استفسارٍ عن المانعِ لكونه محمولاً في السفينةِ معَ كونه من أهلِه الذين وردَ البِشارةُ في حقِّهم بذلكَ، فلا يُناسبُه النهيُ عنه خصوصًا معَ التقييدِ بقولِه: ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ فإنه باعثٌ للاستفسارِ دون الانتهاءِ عنه.
﴿إِنِّي أَعِظُكَ﴾ الوعظُ: الزجرُ عن القبيحِ بما يدعو إلى (١) الجهلِ على وجهِ الترغيب والترهيب.
﴿أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ إنما سمَّاهُ جهلًا ونهاه عنه؛ لأنَّه لمَّا استثنى عندَ الموعد بقولِه: ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ فقد نبَّهه أنَّ من أهلِكَ مَن يهلِكُ، فكان الواجبُ عليه أن يوطِّنَ نفسه على أن مِن أهلِه من يستوجِبُ العذابَ، وقد دلَّ ظاهرُ حال ابنِه أنه منهم؛ فلا رخصَة في حقِّه بسؤالِ الاستنجاز لتبيُّنَ (٢) حاله، فعوتبَ على ذلك.
وأما سؤالُ الاستفسار وإن كان ينتظِمه أيضًا هذا القول (٣)، لكن القيدَ المقدَّمَ ذكرُه لا يتحمَّله على ما نبهتُ عليهِ آنفًا.
وأما ما قيلَ: إنَّ استثناءَ مَن (٤) سبقَ عليه القولُ من أهله قد دلَّه على الحالِ، واستغناه عن السؤالِ، لكنْ شغلَهُ حبُّ الولدِ عنه حتى اشتبَه عليه
стр. 2092
الأمرُ، فمبناهُ على أن يكونَ الاستثناءُ المذكورُ من لفظِ أهله، وقد عرفتَ ما فيه من الإشكالِ؛ فإنه بعدَ علمِه ﵇ أن ابنَه مستثنًى من الذينَ أُمِرَ بحملِهم في السفينة يكون قولُه: ﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ عصيانًا، والاعتذارُ بما ذُكر لا يجدي نفعًا.
* * *
(٤٧) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ﴾ العياذُ: الاعتصامُ بما يمنَعُ من الشرِّ.
﴿أَنْ أَسْأَلَكَ﴾؛ أي: أطلُبَ منك ﴿مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾: بحالِه (١)؛ لاحتمال الخطأ، وهذا توبةٌ منه ﵇ عن أن يعودَ إلى مثلِه في المستقبلِ تأدُّبًا بتأديبِ اللهِ تعالى.
﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي﴾ ما فرَطَ مني ﴿وَتَرْحَمْنِي﴾ بالتفضُّلِ عليَّ بقَبول توبتي ﴿أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أعمالًا.
طلبُ المغفرة والرحمة بهذهِ الطريقة الكنائية أبلَغُ وآكدُ من قولِه: اللهمَّ اغفِر لي وارحمني؛ لما فيه من قطعِ الرجاء مِن غيره تعالى، وإخبارِ أنهُ لا يملِكُ أحدٌ ذلكَ غيرُه، بخلافِ ما صرَّحَ فيهِ بالطلبِ.
* * *
(٤٨) - ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
стр. 2093
﴿قِيلَ يَانُوحُ﴾؛ أي: انزِل من الجبَلِ إلى قرارِ الأرضِ، فالهبوطُ نزولٌ من أعلى مكانٍ إلى ما (١) دونَهُ.
﴿بِسَلَامٍ مِنَّا﴾؛ أي: تحيةٍ؛ كما قالَ: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩].
وقيلَ: أي: سلامةٍ من الآفاتِ.
﴿وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ﴾ جمعُ بركةٍ وهو ثبوتُ الخيرِ بتمامِه؛ وهي في حقِّهِ ﵇ بتكثيرِ ذُرِّيته وأتباعِه وسائرِ المنافعِ.
لما كانَ الطوفانُ عامًّا، فعندَما خرجَ نوحٌ ﵇ من السفينةِ علِمَ أنه ليسَ في الأرض ما يُنتفَعُ به من النباتِ والحيوانِ، فكان كالخائفِ في أنهُ كيفَ يعيشُ، وكيفَ يدفَعُ جميعَ الحاجاتِ عن نفسِه من المأكولِ والمشروبِ، فأزالَ اللهُ تعالى ذلك الخوفَ عنهُ بالبشارةِ بحصولِ السلامةِ عن العاهاتِ (٢)، وسعةِ الرزقِ والمهماتِ.
﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ (من) لابتداءِ الغاية؛ أي: أممٍ ناشئةٍ ممن معكَ في السفينةِ إلى آخر الدهرِ، ويجوزُ أن يكونَ للبيانِ، ويُرادَ الأممُ الذين كانوا معَهُ في السفينةِ؛ لأنهم كانوا جماعاتٍ، أو (٣) لأن الأممَ تتشعَّبُ منه.
﴿وَأُمَمٌ﴾ مبتدأ ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ صفةٌ لهُ، والخبر المحذوفُ دلَّ عليهِ ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾؛ أي: وممَّن معكَ أممٌ سنمتِّعُهم، ولما خصَّ أممًا ناشئةً ممن معهُ بالسلامِ
стр. 2094
والبركاتِ وهم المؤمنونَ، أشارَ إلى أنَّ مِنهم أممًا ممتَّعين (١) في الدُّنيا، معذَّبين في الآخرةِ، وهم الكافرونَ.
وقيلَ: هم قومُ هودٍ وصالحٍ ولوطٍ وشُعيبٍ ﵈، والعذابُ المذكور في قوله:
﴿ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ما نزلَ بهم.
* * *
(٤٩) - ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
﴿تِلْكَ﴾ إشارةٌ إلى قصةِ نوحٍ ﵇، ومحلُّها الرفعُ بالابتداءِ وخبرُه: ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾؛ أي: بعضُها.
﴿نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾ خبرٌ ثانٍ، والضميرُ لها؛ أي: موحاةٌ إليك (٢)، أو حالٌ من الأنباءِ، أو هو الخبرُ، و ﴿مِنْ أَنْبَاءِ﴾ متعلق بهِ، أو حالٌ من الهاء.
﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ﴾ خبر آخرُ؛ أي: مجهولة عندَك وعندَ قومِكَ ﴿مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾: مِن قبل إيحائنا إليكَ، أو حالٌ من الهاءِ في ﴿نُوحِيهَا﴾، أو الكافِ في ﴿إِلَيْكَ﴾؛ أي: جاهلًا أنتَ وقومُكَ بها.
والفائدة في قوله: ﴿وَلَا قَوْمُكَ﴾: أن قومَك مع كثرتهم ليسوا عن علم القصصِ والأخبارِ، وأنت أحدُهم فلم يمكِن تعلُّمك منهُم، ولم تخالِط غيرَهم فما علمتَ إلا بالوحي.
стр. 2095
﴿فَاصْبِرْ﴾ على أداءِ الرسالة وأذى قومِكَ كما صبرَ نوحٌ ﵇، وتوقَّع في العاقبةِ لك ولمَن تبعِكَ ما قيّضَ له ولقومِه.
﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ﴾ بالظفَرِ في الدُّنيا والفوزِ في الآخرةِ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ عن الكُفرِ والمعاصي.
* * *
(٥٠) - ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾.
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ﴾: واحدًا منهم، عطفٌ على ﴿نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾.
﴿هُودًا﴾ عطفُ بيانٍ.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أي: لا تعبدُوا غيرَهُ، دلَّ عليهِ تعقيبُهُ بقولِه:
﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وذلك يدلُّ على أن المقصودَ من هذا منعُهم عن عبادة الأصنامِ، و ﴿غَيْرُهُ﴾ صفةٌ لـ ﴿إِلَهٍ﴾، قرئَ بالرفع حملًا على محلِّهِ وبالجرِّ على لفظِه (١).
﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ على اللهِ تعالى في قولِكُم: إنه أمرَ بعبادة الأصنامِ.
وأما ما قيلَ: باتخاذ الأوثانِ شركاءَ وجعلِها شفعاءَ، فمبناه عدمُ الفرقِ بين الكذب والافتراءِ.
* * *
(٥١) - ﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
стр. 2096
﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾: ما (١) من رسولٍ إلا خاطَبَ قومَه بهذا القولِ، إزاحةً (٢) للتهمةِ، وتمحِيضًا للنصيحةِ" فإنها ما دامَت مشوبةً بالمطامعِ لا تنجَعُ.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ فتميِّزون بين الحقِّ والباطلِ، وتعلمونَ أن مَن لا غرَضَ له في النصيحةِ لا تُردُّ نصيحَتُه.
* * *
(٥٢) - ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾.
﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ إنما قدَّمَ الاستغفار على التوبةِ لأنَّه طلبُ (٣) المغفرةِ التي هي (٤) الغرضُ، ثم بيَّنَ ما به يُتوصَّلُ إليها من التوبةِ، فعبارةُ ﴿ثُمَّ﴾ هاهنا كالتي في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر: ٦].
﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ المدرارُ: كثيرُ الدَّرِّ (٥) والمرادُ من السماءِ المطرُ.
﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾: ويضاعِف قوَّتَكم، وإنما رغَّبَهم بذلك لأنهم
стр. 2097
كانوا أصحابَ زروعٍ وعماراتٍ، قيلَ: حُبِسَ عنهم القطرُ وعقمَت نساؤهم ثلاثَ سنين، فالمرادُ بالقوةِ كثرة الأولادِ.
﴿وَلَا تَتَوَلَّوْا﴾ ولا تعرِضُوا عما أدعوكم إليه ﴿مُجْرِمِينَ﴾ مصرِّين على إجرامِكُم.
* * *
(٥٣) - ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾: بحجةٍ تدلُّ على صحةِ دعواكَ، قالوا ذلك عِنادًا وجحودًا (١) معَ كثرةِ مُعجزاتهِ؛ كقولِ قريشٍ لرسولِ اللهِ ﷺ : ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] معَ فوتِ آياتهِ الحصر.
﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ حال من الضميرِ في (تاركي)؛ أي: صادرين عن قولك. الجملةُ الاسمية، وسبكُ اسمِ الفاعلِ من (ترك)، وزيادةُ الباء في الخبرِ في قولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: ما يصحُّ من أمثالنا مع وفورِ العقل والكياسةِ أن يُصدِّقوا مثلكَ= إقناطٌ له ﵇ من الإجابةِ والتصديقِ على وجه المبالغةِ والتأكيدِ.
* * *
(٥٤) - ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾.
﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ﴾ ﴿اعْتَرَاكَ﴾ مقولُ القولِ، و ﴿إِلَّا﴾ لغو؛ لأن الاستثناء
стр. 2098
مفرغٌ، أي: ما نقولُ إلا قولَنا: اعتراك، هو من اعتراهُ؛ أي: قصدَ عُراه، وهو الفضاءُ والساحة، والمراد الإصابةُ بطريق الكناية.
﴿بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾: بجنونٍ، بسبِّك إياها وصدِّكَ عنها، ومن ذلك تهذي وتتكلم بالخرافاتِ، والقومُ كانوا جفاةً ثابتين (١).
﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (ما) مصدريةٌ أو موصولةٌ، وإشهاده تعالى كلامٌ جارٍ على أصله جيءَ ليؤكِّدَ به ما ذكرَه من البراءة عن شركِهم وشركائهم، وأما إشهاده إياهُم على البراءةِ فلا؛ إذ لا يقولُ أحدٌ لمن يعاديه: أشهِدُك أني منك بريءٌ، إلا وهو يريدُ عدم المبالاةِ والاستهانةَ بعداوته، وإذا كان كذلك لزِمَ التخالف بين الصيغتين (٢): خبرًا ثانيًا (٣) إبانةً، وطلبًا جازمًا استهانةً.
* * *
(٥٥) - ﴿مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾.
﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: أنتم تجعلونها شركاءَ، ولم يجعلها هو شركاءه، ولم ينزِّل بذلك سلطانًا.
لمَّا واجهوه بكلمتهم الحمقاء، وبَهَتوه بتخييلِ الآلهة، وسمَّوا التوحيدَ الذي دعاهم إليهِ والإرشادَ الذي نصحَهم به خبتاً وخبطاً، ولم يعتدُّوا ببيناتٍ، وخوَّفُوه من آلهتهم، وآيسوه من الإيمان بما جاء بهِ - أجابَهم بالبراءة عن آلهتهم، وقابلَهم بعدم المبالاة بهمِ وآلهَتِهم ثقةً باللهِ، وأكَّدَ البراءة ووثَّقها بشهادة اللهِ، وبشهادة العبادِ
стр. 2099
على مجرى العادةِ، وبالغ في ذلكَ أن قالَ: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾، وخالف بين إشهادِ الله وإشهادِهم بأن بتَّ في الأولِ، وأكَّدَ إخباره تثبيتاً (١) للتوحيدِ، وإحكاماً لمعاقدِه، وعدلَ عن الخبر إلى الأمرِ في الثاني قلَّةَ مبالاةٍ بهم وبدينِهم وآلهتهم، واستهانةً بما زعموا واعتقدوا من عقوبتِهم؛ ثقة باللهِ، وقوةَ اعتمادٍ عليهِ وصحةَ توكُّلٍ، وزاد على ذلك أن أمرَهم بالاجتماعِ على الكيد في إهلاكِه والاجتهاد (٢) فيهِ، وعدم الإنظار والتوقُّف بقولِه:
﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ كقول نوحٍ ﵇: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١] وذلك من أعظمِ المعجزاتِ، فإنه كان رجلاً واحداً بين الجمِّ الغفيرِ، والعدوِّ الوتير (٣) من الأقوياءِ الغلاظ الشدادِ، وخاطبهم بما يخاطِبُ، وحقَّرهم وآلهتَهم بما حقَّرَ، وشجعهم على نفسِه، فلم يقدروا على إضرِاره، ولم يَجسُروا على بطشه، وما ذاك إلا بعصمةِ الله تعالى إيَّاهُ وحُسنِ كلاءَته، ولذلك عقَّبه بقولِه:
(٥٦) - ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ تقريراً له؛ أي: إنكم إن اجتمعتُم وتعاونتُم أنتم وآلهتكم عليَّ، وبذلتم وسعَكم في قصدي بالسوءِ، لم تضرُّوني، ولم تقدروا على إهلاكي، فإني توكَّلت على اللهِ مالكِي ومالكِكم، لم يمكِنكُم إصابتي بما لم يُرِدهُ، ثم برهَن على ذلكَ بقولِه:
стр. 2100
﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾؛ أي: إلا هو مالكُها ومصرِّفُها على مُقتضَى مشيئتِه، وهي في قبضتِه ومِلْكته (١) وتحتَ قهره وسلطنتِه، والأخذُ بالنواصي تمثيلٌ لذلك، حتى صار الأخذُ بالناصية عُرفاً في القدرة على التصرفِ، وكانت العرب تجزُّ ناصيةَ الأسير الممنونِ عليه علامةَ أنه قد قُدِرَ عليه، وقُبضَ على (٢) ناصيَته.
﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ على طريق الحقِّ والعدلِ في ربوبيته، لا يسلِّطُ على مَن توكل عليهِ ظالماً، ولا يَضيعُ عندَه معتصِمٌ بهِ، ولا يَغلبُ أحدٌ أحداً إلا بإذنه.
وفي قولِه: ﴿إِنَّ رَبِّي﴾ من غيرِ إعادة (ربكم) - كما في الأول - نكتةٌ سَرِيةٌ بعد الاختصارِ المُغْني عن الحشوِ فيه، ما يدلُّ على زيادة اختصاصهِ به (٣)، وأنَّه ربُّ الكلِّ استحقاقاً، وربُّه دونَهم تشريفاً.
* * *
(٥٧) - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾؛ أي: فإن تتولَّوا، وجوابُ الشرطِ ماضٍ صريحٌ، فلذلكَ جاءَ بالفاءِ و (قد).
﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾؛ أي: فإن تُعرِضوا والحجةُ عليكُم لم أعاتَب، فإني ما فرَّطتُ في الإبلاغِ، وأداءِ ما أُرسِلت به إليكُم، وأنتم ما أردتُم إلا تكذيبَ الرسالةِ، ومكافأةَ الرسولِ بالعداوةِ.
стр. 2101
﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ كلامٌ مستأنفٌ بالوعيدِ لهم، أي: ويهلِكُكم ويأتي بقومٍ آخرينَ يخلفُكم في ديارِكم وأموالِكم.
﴿تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ من الضررِ بتولِّيكم؛ لاستحالةِ ذلك عليهِ.
وقرئ: (ويَسْتخلِفْ) بالجزم (١)، وكذلكِ: (ولا تَضرُّوه) بحذف النون (٢) عطفاً على محلِّ: ﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ﴾؛ أي: إنْ تتولوا يَعْذَرْني ويستخلفْ قوماً غيرَكم ولا تضرُّوا إلا أنفُسَكم.
﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾: رقيبٌ مهيمنٌ يحفَظُ أعمالكُم ويؤاخِذُكم بها، أو: حافظ على الأشياء كلِّها، والكل محتاجٌ إلى حفظه من الضررِ، ومَن كان كذلكَ لا يمكنُ أن يضرَّهُ شيءٌ.
* * *
(٥٨) - ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.
﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ في التعبيرِ بمجيء الأمرِ عن نزول عذابِ الاستئصال على عادٍ ما لا يخفى من الدلالة على العظمةِ والجلال في جانب الأمرِ، وسرعةِ الامتثالِ في جانبِ المأمور.
﴿نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ قيل: كانوا أربعةَ آلافٍ.
﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾: من شؤمِ معاصي العاصينَ، فإنه (٣) لو لم تدرِكهم الرحمةُ من
стр. 2102
الرحمنِ لَمَا نجَوا من العذابِ النازلِ، على ما دلَّ عليهِ قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥].
﴿وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ الغلظُ كنايةٌ عن الشدةِ.
والتنكيرُ في ﴿عَذَابٍ﴾ و (رحمةٍ) للتعظيمِ، أخبرَ أولاً بأن الإيمان الذي وفِّقوا له صارَ سببَ إنجائهم، ثم أخبرَ بأن ذلك الإنجاءَ كان من عذابٍ أيِّ عذابٍ؛ دلالةً على كمال الامتنانِ، وتحريضاً على الإيمانِ.
أو هما متغايران: فالأولُ إنجاء الدُّنيا، والثاني إنجاءُ الآخرةِ.
والأولُ أوفقُ لمقتضى المقامِ، وعلى الوجهِ الأول أيضاً لا تكريرَ، ومَن غفَلَ عن هذا قالَ: تكرير لبيانِ ما نجَّاهم عنهُ.
* * *
(٥٩) - ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾.
﴿وَتِلْكَ عَادٌ﴾ الإشارةُ إلى مصارعِهم وآثارهم؛ حثًّا على الاعتبارِ بهم، وإحضاراً لهم كأنهم مشاهَدُون بما يعايَن من الآثارِ، وفي الإتيان باسم الإشارةِ وبما يدل على البعدِ تهويلٌ وتفخيمٌ لما نزلَ بهم، لا تعظيمٌ لشأنهم أو تحقيرٌ.
﴿جَحَدُوا بِآيَاتِ﴾ استئنافٌ لبيان الوصفِ الذي استوجَبوا به العذابَ، وإنما قال:
﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ ولم يرسِل إليهم غيرَ هودٍ ﵇؛ لأن الأنبياءَ كلَّهم دعوا إلى التوحيدِ والإسلام متوافقين، وصدَّقَ بعضهم بعضاً، فإذا عصوا واحداً منهم فقد عصَوا كلَّهم.
стр. 2103
﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾؛ أي: رؤسائهم وكبرائهم الطاغينَ، و ﴿عَنِيدٍ﴾ من عَنَدَ عَنداً وعُنوداً: إذا طغى، واتِّباعُ أمرِهم: طاعتُهم؛ أي: عصَوا مَن دعاهم إلى الإيمانِ وما ينجِيهم، وأطاعوا مَن دعاهم إلى الكُفر وما يُرديهم.
* * *
(٦٠) - ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾.
﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: لما اتَّبعُوا الجبابرة الطغاةَ جُعِلت اللعنةُ تابعةً لهم في الدارينِ تَكبُّهم (١) على وجوههم في عذاب اللهِ.
﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾: جحدوه، أو: كفروا نعمهُ، أو: كفروا به، وإنما عدِّي بالذات حملاً لهُ على نقيضِه (٢).
﴿أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ﴾: دعاءٌ عليهِم بالهلاك، والمراد به الدلالةُ على أنهم كانوا مستَوجِبين لِمَا نزلَ عليهِم بسبب ما حكَى عنهم، وتكريرُ حرف التنبيهِ مع اسمِهم في الموضعَين، وإيرادُ حرف التحقيقِ معَ وصفِهم الموجِب للهلاكِ والعذاب، تهويلٌ وتفظيع لأمرِهم، وحثٌّ على الحذر من مثلِ حالهِم، والاعتبارِ بهم، وإيماءٌ إلى أنهم في اليقينِ والاستحقاق لِمَا نزل بهم بسببِ كفرِهم كالعلَم حتى صاروا مَثلاً مشهوراً.
﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ عطفُ بيانٍ لـ (عادٍ)، وفائدَتُه: التمييزُ بينهُم وبين عاب الثانيةِ، وإيماءٌ إلى أن استئصالهم بغايةِ البعد بالهلاكِ بسبب ما جرى بينَهم وبين هودٍ ﵇.
стр. 2104
(٦١) - ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾.
﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ قد مرَّ تفسيرُه.
﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾؛ أي: لم ينشِئكم منها إلا هو، وذلك الإنشاءُ بخلق آدمَ ﵇، أو بخلقِ موادِّ النُّطَفِ التي خُلِقوا منها من التراب.
﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾: وعمَّركم فيها واستبقاكم من العمرِ، أو: أقدَركم على عِمارتها (١) وأمركَم بها، وقيلَ: هو من العُمرى بمعنى: أعمرَكم فيها، ويرِثُها منكم بعد انصرامِ أعماركم.
أو: جعلكُم معمِّرين دياركم تسكنُونها مدةَ عُمرِكم، ثم تتركُونها لغيركم.
﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ قد مرَّ تفسيره، فالفاءُ فصيحةٌ عاطفةٌ على مقدَّرٍ معناه: وقابلتُم العصيان بالإحسان.
﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾؛ أي: إلى الرحمةِ ﴿مُجِيبٌ﴾ لداعيهِ؛ استئنافٌ للترغيبِ في الامتثال بما أمرَ بهِ.
* * *
(٦٢) - ﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾.
﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا﴾: فيما بيننا ﴿مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾؛ أي: كنا نشاهِدُ منك مخائل الرشدِ، وأماراتِ الصلاحِ، فرجونا أن تكون فينا سيداً ومُستشاراً،
стр. 2105
ومُرشِداً (١) ومُسترشَداً في التدابيرِ، أو مقدَّماً في ديننا، فلما تكلَّمت بهذا القول انقطعَ رجاؤنا عنك.
﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ حكايةُ حالٍ ماضية.
﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ من التوحيدِ والتبرُّؤ من الأوثانِ.
﴿مُرِيبٍ﴾: اسم فاعلٍ من متعدٍّ، يقالُ: أرابَهُ: إذا أوقعَهُ في ريبةٍ وهي قلقُ النفسِ وانتفاءُ الطمأنينةِ، أو من لازمٍ؛ يقالُ: أراب الرجلُ: إذا كان ذا ريبةٍ، والإسناد إلى الشكِّ مجازيٌّ على كلا الوجهَين (٢).
* * *
(٦٣) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ﴾: أتى بحرف الشكِّ باعتبارِ المخاطَبين الجاحدين؛ أي: قدِّروا أني على برهانٍ ﴿مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾: نبوةً ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾: فمن يمنعُني من عذاب اللهِ، والعدولُ من الضميرِ إلى الاسم الظاهرِ للتفخيمِ.
﴿إِنْ عَصَيْتُهُ﴾: في تبليغِ الرسالة والمنعِ من الإشراك بهِ على هذا التقديرِ.
﴿فَمَا تَزِيدُونَنِي﴾ إذاً باستتباعِكُم إيايَ ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾: غيرَ أن تخسِّروني (٣)