﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ كلامٌ مستأنفٌ بالوعيدِ لهم، أي: ويهلِكُكم ويأتي بقومٍ آخرينَ يخلفُكم في ديارِكم وأموالِكم.
﴿تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ من الضررِ بتولِّيكم؛ لاستحالةِ ذلك عليهِ.
وقرئ: (ويَسْتخلِفْ) بالجزم (١)، وكذلكِ: (ولا تَضرُّوه) بحذف النون (٢) عطفاً على محلِّ: ﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ﴾؛ أي: إنْ تتولوا يَعْذَرْني ويستخلفْ قوماً غيرَكم ولا تضرُّوا إلا أنفُسَكم.
﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾: رقيبٌ مهيمنٌ يحفَظُ أعمالكُم ويؤاخِذُكم بها، أو: حافظ على الأشياء كلِّها، والكل محتاجٌ إلى حفظه من الضررِ، ومَن كان كذلكَ لا يمكنُ أن يضرَّهُ شيءٌ.
* * *
(٥٨) - ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.
﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ في التعبيرِ بمجيء الأمرِ عن نزول عذابِ الاستئصال على عادٍ ما لا يخفى من الدلالة على العظمةِ والجلال في جانب الأمرِ، وسرعةِ الامتثالِ في جانبِ المأمور.
﴿نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ قيل: كانوا أربعةَ آلافٍ.
﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾: من شؤمِ معاصي العاصينَ، فإنه (٣) لو لم تدرِكهم الرحمةُ من
стр. 2102
الرحمنِ لَمَا نجَوا من العذابِ النازلِ، على ما دلَّ عليهِ قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥].
﴿وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ الغلظُ كنايةٌ عن الشدةِ.
والتنكيرُ في ﴿عَذَابٍ﴾ و (رحمةٍ) للتعظيمِ، أخبرَ أولاً بأن الإيمان الذي وفِّقوا له صارَ سببَ إنجائهم، ثم أخبرَ بأن ذلك الإنجاءَ كان من عذابٍ أيِّ عذابٍ؛ دلالةً على كمال الامتنانِ، وتحريضاً على الإيمانِ.
أو هما متغايران: فالأولُ إنجاء الدُّنيا، والثاني إنجاءُ الآخرةِ.
والأولُ أوفقُ لمقتضى المقامِ، وعلى الوجهِ الأول أيضاً لا تكريرَ، ومَن غفَلَ عن هذا قالَ: تكرير لبيانِ ما نجَّاهم عنهُ.
* * *
(٥٩) - ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾.
﴿وَتِلْكَ عَادٌ﴾ الإشارةُ إلى مصارعِهم وآثارهم؛ حثًّا على الاعتبارِ بهم، وإحضاراً لهم كأنهم مشاهَدُون بما يعايَن من الآثارِ، وفي الإتيان باسم الإشارةِ وبما يدل على البعدِ تهويلٌ وتفخيمٌ لما نزلَ بهم، لا تعظيمٌ لشأنهم أو تحقيرٌ.
﴿جَحَدُوا بِآيَاتِ﴾ استئنافٌ لبيان الوصفِ الذي استوجَبوا به العذابَ، وإنما قال:
﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ ولم يرسِل إليهم غيرَ هودٍ ﵇؛ لأن الأنبياءَ كلَّهم دعوا إلى التوحيدِ والإسلام متوافقين، وصدَّقَ بعضهم بعضاً، فإذا عصوا واحداً منهم فقد عصَوا كلَّهم.
стр. 2103
﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾؛ أي: رؤسائهم وكبرائهم الطاغينَ، و ﴿عَنِيدٍ﴾ من عَنَدَ عَنداً وعُنوداً: إذا طغى، واتِّباعُ أمرِهم: طاعتُهم؛ أي: عصَوا مَن دعاهم إلى الإيمانِ وما ينجِيهم، وأطاعوا مَن دعاهم إلى الكُفر وما يُرديهم.
* * *
(٦٠) - ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾.
﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: لما اتَّبعُوا الجبابرة الطغاةَ جُعِلت اللعنةُ تابعةً لهم في الدارينِ تَكبُّهم (١) على وجوههم في عذاب اللهِ.
﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾: جحدوه، أو: كفروا نعمهُ، أو: كفروا به، وإنما عدِّي بالذات حملاً لهُ على نقيضِه (٢).
﴿أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ﴾: دعاءٌ عليهِم بالهلاك، والمراد به الدلالةُ على أنهم كانوا مستَوجِبين لِمَا نزلَ عليهِم بسبب ما حكَى عنهم، وتكريرُ حرف التنبيهِ مع اسمِهم في الموضعَين، وإيرادُ حرف التحقيقِ معَ وصفِهم الموجِب للهلاكِ والعذاب، تهويلٌ وتفظيع لأمرِهم، وحثٌّ على الحذر من مثلِ حالهِم، والاعتبارِ بهم، وإيماءٌ إلى أنهم في اليقينِ والاستحقاق لِمَا نزل بهم بسببِ كفرِهم كالعلَم حتى صاروا مَثلاً مشهوراً.
﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ عطفُ بيانٍ لـ (عادٍ)، وفائدَتُه: التمييزُ بينهُم وبين عاب الثانيةِ، وإيماءٌ إلى أن استئصالهم بغايةِ البعد بالهلاكِ بسبب ما جرى بينَهم وبين هودٍ ﵇.
стр. 2104
(٦١) - ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾.
﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ قد مرَّ تفسيرُه.
﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾؛ أي: لم ينشِئكم منها إلا هو، وذلك الإنشاءُ بخلق آدمَ ﵇، أو بخلقِ موادِّ النُّطَفِ التي خُلِقوا منها من التراب.
﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾: وعمَّركم فيها واستبقاكم من العمرِ، أو: أقدَركم على عِمارتها (١) وأمركَم بها، وقيلَ: هو من العُمرى بمعنى: أعمرَكم فيها، ويرِثُها منكم بعد انصرامِ أعماركم.
أو: جعلكُم معمِّرين دياركم تسكنُونها مدةَ عُمرِكم، ثم تتركُونها لغيركم.
﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ قد مرَّ تفسيره، فالفاءُ فصيحةٌ عاطفةٌ على مقدَّرٍ معناه: وقابلتُم العصيان بالإحسان.
﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾؛ أي: إلى الرحمةِ ﴿مُجِيبٌ﴾ لداعيهِ؛ استئنافٌ للترغيبِ في الامتثال بما أمرَ بهِ.
* * *
(٦٢) - ﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾.
﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا﴾: فيما بيننا ﴿مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾؛ أي: كنا نشاهِدُ منك مخائل الرشدِ، وأماراتِ الصلاحِ، فرجونا أن تكون فينا سيداً ومُستشاراً،
стр. 2105
ومُرشِداً (١) ومُسترشَداً في التدابيرِ، أو مقدَّماً في ديننا، فلما تكلَّمت بهذا القول انقطعَ رجاؤنا عنك.
﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ حكايةُ حالٍ ماضية.
﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ من التوحيدِ والتبرُّؤ من الأوثانِ.
﴿مُرِيبٍ﴾: اسم فاعلٍ من متعدٍّ، يقالُ: أرابَهُ: إذا أوقعَهُ في ريبةٍ وهي قلقُ النفسِ وانتفاءُ الطمأنينةِ، أو من لازمٍ؛ يقالُ: أراب الرجلُ: إذا كان ذا ريبةٍ، والإسناد إلى الشكِّ مجازيٌّ على كلا الوجهَين (٢).
* * *
(٦٣) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ﴾: أتى بحرف الشكِّ باعتبارِ المخاطَبين الجاحدين؛ أي: قدِّروا أني على برهانٍ ﴿مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾: نبوةً ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾: فمن يمنعُني من عذاب اللهِ، والعدولُ من الضميرِ إلى الاسم الظاهرِ للتفخيمِ.
﴿إِنْ عَصَيْتُهُ﴾: في تبليغِ الرسالة والمنعِ من الإشراك بهِ على هذا التقديرِ.
﴿فَمَا تَزِيدُونَنِي﴾ إذاً باستتباعِكُم إيايَ ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾: غيرَ أن تخسِّروني (٣)
стр. 2106
بإبطالِ أعمالي، والتعرُّض لعذابِه، أو: فما تزيدُونني بما تقولون لي غيرَ أن أُخسِّركم فأَنسُبكم إلى الخُسرانِ.
* * *
(٦٤) - ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾.
﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ الإضافة للتعظيم.
﴿لَكُمْ آيَةً﴾ حالٌ، والعاملُ فيها ما في اسمِ الإشارة من معنى الفعلِ، ﴿لَكُمْ﴾ حالٌ من ﴿آيَةً﴾ لتقدُّمها عليها، ولو تأخَّرت عنها كانت صفةً لها.
﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾: تَرْعَ نباتها، وتشرَبْ ماءها، وإنما أضافَ الأرضَ إليه تعالى إظهاراً لوجهِ التفريعِ، يعني: أن الأرض أرضُ اللهِ والناقةَ ناقتُه، فذروها تأكُل في أرض صاحبِها.
﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾: عاجلٌ لا يتراخى عن مسِّكم لها بالسوءِ إلا يسيراً وهو ثلاثةُ أيامٍ.
* * *
(٦٥) - ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾.
﴿فَعَقَرُوهَا﴾ العقرُ: قطع العضوِ الذي له تأثيرٌ في النفسِ.
﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا﴾؛ أي: تلذَّذوا بما تريدونَ من أسباب العيشِ.
﴿فِي دَارِكُمْ﴾: في بلدِكم، تقولُ العربُ الذين (١) حوالي مكةَ: نحنُ من عربِ الدارِ؛ أي: من عربِ البلدِ، وقيل: في دُنياكم.
стр. 2107
﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ قيلَ: عقروها يوم الأربعاء وهلكوا يوم السبت.
﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾؛ أي: غيرُ مكذوبٍ فيهِ، واتُّسع في الظرف بحذفِ حرف الجرِّ وإجرائه مجرى المفعول بهِ؛ كقولِه: يومٌ مشهودٌ. أو: وعدٌ غيرُ كذبٍ، على أن المكذوبَ مصدرٌ كالمجلودِ والمعقولِ، و (١) كالمصدوقِ بمعنى: الصدقِ.
ويجوزُ أن يكون من بابِ الإسناد المجازيِّ، كأنهُ قيلَ للوعدِ: يوفَى بك، فإذا أُوفي بهِ فقد صُدِقَ ولم يُكْذَب.
* * *
(٦٦) - ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾.
﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ قد مر تفسيره.
﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ (مِن) متعلِّقٌ بمحذوفٍ؛ أي: ونجيناهم من خزي، على وفق ما تقدَّمَ في قصةِ هودٍ ﵇، والمراد من الخزي: هلاكُهم بالذلِّ والفضيحةِ.
وقرئ: (ومن خِزيٍ) بالتنوينِ، وبنصبِ (يومَئذٍ) على الظرفِ معمولاً بـ ﴿خِزْيِ﴾ (٢).
وقرئ بالإضافة وفتح الميم (٣).
والتنوينُ في (إذٍ) عوضٌ من الجملةِ المحذوفة المتقدمةِ الذكرِ؛ أي: ومن فضيحةِ يومِ إذ جاءَ الأمرُ وحلَّ بهم.
стр. 2108
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾: القادرُ على كل شيءٍ، الغالبُ عليهِ.
* * *
(٦٧) - ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.
﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ قد سبقَ تفسيرُه في سورةِ الأعراف.
* * *
(٦٨) - ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾.
﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾؛ أي: كأنهم لم يوجَدوا، والمَغْنَى: المقام (١) الذي يقيمُ به الحيُّ.
﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ قرئ: ﴿ثَمُودَا﴾ بفتح الدالِ من غير تنوينٍ، وقرئ بالتنوينِ وبخفضِ الدالِ في قوله: ﴿أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ (٢)؛ أي: نسباً إلى الحيِّ، أو للأبِ الأكبر.
* * *
(٦٩) - ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾.
﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ﴾ اللامُ لتأكيد الخبرِ، و (قد) للتوقُّعِ؛ لأن السامعَ بقصص الأنبياء ﵈ يتوقَّعُ قصةً بعد قصةٍ.
стр. 2109
﴿رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ﴾؛ أي: الملائكةُ ﴿بِالْبُشْرَى﴾؛ أي: بالبشارة بالولدِ.
وقيلَ: بهلاك قوم لوطٍ. ويأباهُ ما في الذاريات من قولِه: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] ثم بعدَه: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [الذاريات: ٣١].
﴿قَالُوا سَلَامًا﴾: سلَّمنا عليك سلاماً، ويجوزُ نصبُه بما في ﴿قَالُوا﴾ من معنى: ذَكروا.
﴿قَالُوا سَلَامًا﴾؛ أي: عليكم سلامٌ، أو: سلامٌ عليكم، حيَّاهُم بأحسَن من تحيَّتِهم، والتنكيرُ لدلالَتهِ على التعظيم أبلغُ من التنوينِ.
وقرئ: ﴿سِلْمٌ﴾ (١) بمعنى السلامِ؛ كحِرْمٍ وحرامٍ، وقيلَ: المرادُ به الصلحُ.
﴿فَمَا لَبِثَ﴾: فما مكثَ؛ إذ كان عندَهُ طعامٌ معدٌّ للأضيافِ كلَّ يومٍ، والفاءُ للتفريعِ على ما ظهرَ من المسالمةِ أنهم جاؤوا بالخيرِ دون الشرِّ.
﴿أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ﴾: (ما) في محلِّ الجرِّ على تقديرِ: فما لبثَ في المجيء به، أو: فما تأخَّرَ عن المجيءِ به، أو النصبِ على حذف حرف الجرِّ، أو الرفعِ على الفاعليةِ؛ أي: فما لبث مجيئُه.
والعجلُ: ولدُ البقرة، سمِّي بهِ لتعجيل (٢) أمرِه بقرب ميلادِه، ولا يخفى لطفُ موقعِه بعد ما فُهمَ من قولِه: ﴿فَمَا لَبِثَ﴾ من معنى العجلةِ.
﴿حَنِيذٍ﴾: والحنيذُ هو الذي يَقطُر دسمه، مِن حَنَذْتُ الفرسَ، إذا ألقيتُ عليه الجلَّ حتى يقطُرَ عَرَقاً، ويدل عليه قولُه تعالى في موضعٍ آخرَ: ﴿بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٦].
стр. 2110
وقيلَ: المشويُّ بالرَّضْفِ (١) في أخدودٍ.
وفيهِ: أن اعتبارَ قيدٍ لا يهمُّ إظهاره في المقام مما يعَدُّ هُجنةً في الكلام.
* * *
(٧٠) - ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾.
﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾ روي أنهم كانوا يَنْكُتون بأعوادٍ (٢) كانت في أيديهِم في اللحمِ ولا تصِلُ أيديهم إليهِ (٣)، وعلى هذا يظهرُ وجهُ الإتيان بالفاء الفصيحةِ، والعدولِ عن: لا يمدون إليه (٤) أيديهم.
ومن وَهَم أن المذكورَ كنايةٌ عن المتروكِ فقد وَهِمَ.
﴿نَكِرَهُمْ﴾: هذا صريحٌ في أن إنكارَه ﵇ إياهُم كان بعدَما رأى أنهم لم يمدُّوا أيديَهم إلى الطعامِ، والظاهرُ من قولِه: ﴿قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] أنهُ كان قبلَ ذلكَ في سورة الحجر (٥).
стр. 2111
والتوفيقُ: أنه نكرَهم بعينِه حينَ رآهُم، ونكرَهم بقلبِه بعدما رأى منهم أمارةَ الخلافِ، قالَ أبو العاليةِ: يُقالُ: نكرَهُ بقلبِه وأنكرَهُ بعينِه.
﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ الإيجاسُ: الإحساسُ، وذلك لأنهم كانوا إذا نزَلَ بهم ضيفٌ ولم يأكُل من طعامِهم ظنُّوا أنه لم يجِئ بخيرٍ.
قيلَ: (أوجسَ) بمعنى: أضمَرَ (١). ويردُّه قولُه تعالى في سورة الحجر: ﴿قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢].
وكذا يردُّ (٢) ما قيلَ: وإنما قالوا: ﴿لَا تَخَفْ﴾ لأنهم رأوا أثرَ الخوفِ والتغييرِ في وجهه، أو عرَفوه بتعريفِ اللهِ، أو علِموا لأنَّ علمَه بأنهم ملائكةٌ موجبٌ للخوفِ؛ لأنهم كانوا لا ينزِلون إلا بعذابٍ، فإن مبنى هذا أيضاً الغفولُ عن أنه ﵇ أفصَحَ عن خوفِه بأوضحِ عبارةٍ.
﴿قَالُوا﴾ له ﵇: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ يعني: بالعذابِ، على ما أفصَحَ عنه في موضعٍ آخرَ بقولِه: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً﴾ [الذاريات: ٣٣].
قيلَ: وإنما يُقالُ هذا لمَن عرفَهم، ولم يعرِفهم فيمَ أُرسِلُوا. مبناهُ أيضاً الغفولُ عن التفصيلِ الواقعِ في سورة الحجرِ، فإن هذا القولَ منهم بعدَ البشارةِ له ﵇ بالغلامِ، واستفسارِه بقولِه: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١)﴾ [الذاريات: ٣١].
وكذا مبنى ما قيلَ هنا: إنَّا ملائكة مرسلةٌ إليهم بالعذابِ، وإنما لم نمدَّ إليه أيدينا لأنَّا لا نأكُلُ، مبناهُ الغفولُ عما ذكر.
стр. 2112
(٧١) - ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾.
﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ﴾ يعني: في الخدمةِ، وكانت بمسمَعٍ منهم لا على رؤوسِهم كما قيلَ؛ لأنَّه مردودٌ بقولِه في موضع آخرَ: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩].
﴿فَضَحِكَتْ﴾ سروراً بالأمنِ وبهلاك أهلِ الفسادِ.
وقيلَ: بإصابةِ رأيها؛ فإنها كانَتْ تقولُ لإبراهيمَ: اضمم إليك لوطاً؛ فإني أعلَمُ أن العذابَ نزلَ بهذا القومِ.
ويردُ عليه: أنه حينئذٍ - أي: على تقديرِ أن يكونَ المعنى: فضحِكَت من إصابة رأيها - يخرجُ الكلام مخرج الألغازِ.
وأما ما قيلَ: إنَّ (ضحِكَت) بمعنى: حاضَت. رُدَّ بأن التعجُّبَ بعدَه يبعِدُه، إذ لا يعجَبُ من الولادةِ في زمن الحيضِ، وإدخالُه في سياقِ التعجُّبِ يأباه اللفظُ.
﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾: هذِه البشارةُ أيضاً على لسانِ الملائكة، والفاءُ للتعقيبِ؛ أي: بشَّرناها بالولدِ وبولد الولدِ عقِيبَ ما أوجبَ سرورَها، والاسمان يحتَملُ وقوعُهما في البشارةِ كيحيى، ويحتَملُ وقوعُهما في الحكايةِ (١).
﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ رفعٌ بالابتداءِ خبرُه الظرفُ؛ أي: من وراءِ إسحاقَ يعقوبُ مولودٌ، قرئ بالنصبِ (٢) بفعلٍ دلَّ عليهِ (بشرناها)؛ أي: ووهبنا له من وراءِ إسحاق يعقوبَ.
стр. 2113
(٧٢ - ٧٣) - ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾.
﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى﴾: يا عجباً، وأصلُه في الشرِّ، ثم أطلِقَ في كلِّ أمرٍ فظيعٍ، والألفُ فيها مبدلَةٌ من ياء الإضافةِ، وقرئ بالياء على الأصلِ (١).
﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾؛ أي: مسنَّةٌ، قيلَ: كانَت في تسعٍ وتسعينَ، ولم تدخُلها الهاءُ لأنها وضِعت للأنثى خاصةً.
﴿وَهَذَا بَعْلِي﴾ زوجي، وأصلُه: القائم بالأمرِ.
﴿شَيْخًا﴾ حالٌ، والعاملُ فيهِ معنى الإشارةِ في ﴿وَهَذَا﴾، وقرئ: (شيخٌ) (٢) على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: هذا بعلي هو شيخٌ، أو خبرُ مبتدأ لـ (هذا)، و ﴿بَعْلِي﴾ بدلٌ منهُ، أو خبر بعدَ خبرٍ.
﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ يعني الولَدُ من هرِمَين، وهو استبعادٌ من حيث العادةُ، وإنما أنكرَتِ الملائكةُ تعجِيبَها بقولهم: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ لأنها كانَت في بيتِ الآياتِ والمعجزاتِ، وخوارق العاداتِ، فكانَ حقَّها أنْ لا تنبو (٣) بل تستقرَّ وتشكُرَ نعمةَ اللهِ تعالى وتحمدَهُ وتمجِّدَه، ولا تتعجَّب منه لاعتيادِها بأمثالها، ولهذا قالت الملائكةُ:
﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ كلامٌ مستأنَفٌ علِّلَ به إنكارُ التعجُّبِ، كأنَّه
стр. 2114
قيلَ: ليسَ هذا بمكان التعجُّبِ، فإن الله خصَّكم من بين الناسِ بأمثال هذه الكراماتِ، وأكرمَكُم بها أهلَ بيت النبوةِ، ونصبُه على المدحِ أو على النداءِ لقصدِ التخصيصِ.
وقيلَ: الرحمةُ: النبوةُ، والبركاتُ: الأسباطُ من بني إسرائيلَ؛ لأن الأنبياءَ كانوا فيه كثيراً.
﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾: فاعلٌ ما يستوجِبُ به الحمدَ.
﴿مَجِيدٌ﴾: كريمٌ يستحقُّ التمجُّدَ والثناءَ بكثرةِ الإحسان والإنعام على عبادِه.
* * *
(٧٤) - ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾.
﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾: الإفزاعُ بما أوجسَ من الخيفةِ، واطمأنَّ قلبُه بعرفانهم وعرفانِ سبب مجيئهم، والفاءُ لترتيبِ بعض ما يتعلَّقُ بإبراهيمَ ﵇ من الكلامِ على بعضٍ، وقد تخلَّلَ بينهما ما يتعلَّقُ بامرأته، وله أيضاً مدخلٌ في ذهابِ روعِه ﵇.
﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ بدلَ الروعِ.
﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾: يجادِلُ رسلَنا في شأنهم، ومجادلتُه إيَّاهُم قولُه: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ وجوابُ: (لما) محذوفٌ، و ﴿يُجَادِلُنَا﴾ كلامٌ مستأنَفٌ، وقيلَ: دالٌّ عليهِ تقديرُه: اجترأ على خطابنا، أو: فرغ لمجادلتنا، ونحو ذلكَ.
وقيلَ: الجوابُ ﴿يُجَادِلُنَا﴾ على حكاية الحالِ الماضيةِ.
وقيلَ: (لمَّا) يردُّ المضارعَ إلى معنى الماضي، كما يردُّ الماضي إلى المستقبلِ معنًى.
وقيلَ: معناه: أخذَ يجادِلُنا، أو: أقبل يجادلنا، أو ما في معناهما.
стр. 2115
(٧٥) - ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾.
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾: متحمِّلٌ جهلَ السفهاءِ، غيرُ عجولٍ على الانتقامِ ممَّن أساء إليهِ.
﴿أَوَّاهٌ﴾: كثيرُ التأوُّه من الذنوبِ، والتأسُّفِ على الناسِ.
﴿مُنِيبٌ﴾: رجاعٌ إلى اللهِ تعالى بما يحِبُّ ويرضى.
والمقصود من ذلك: بيانُ الحاملِ لهُ على المجادلةِ، وهو الرأفةُ والرحمةُ والرقَّةُ على أبناء الجنسِ.
* * *
(٧٦) - ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾.
﴿يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ على إرادةِ القول؛ أي: قالت الملائكةُ له: يا إبراهِيمُ ﴿أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ الجدالِ، وإن كانتِ الرحمةُ دعتكَ إليهِم فربُّهم أعلَمُ بهم وبما يستوجِبونَه.
﴿إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾؛ أي: قضاؤه وحُكمه ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ مصروفٍ بجدالٍ ولا دعاءٍ ولا غيرِ ذلكَ؛ لإبرامه عندَ اللهِ تعالى، فلا فائدةَ في جدالِكَ.
* * *
(٧٧) - ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾.
﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾: أسِفَ واغتمَّ لمجيئهم؛ لأنهم جاؤوا في صورةِ غلمانٍ حسانٍ فحسِبَهم إنساً، فخافَ عليهم خُبثَ قومِه وعجزَه عن مدافعتهم (١).
стр. 2116
﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ كنايةٌ عن شدةِ الانقباضِ عن موافقةِ المكروه، كأنه ضاقَ بمكانهم صدرُه.
﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾: شديدٌ؛ من قولكَ: عصَبه: إذا شدَّهُ.
* * *
(٧٨) - ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾.
﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ﴾: يسرِعون ﴿إِلَيْهِ﴾ كأنهم يُدفَعون دفعاً لطلبِ الفاحشةِ من أضيافه.
﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾: ومن قبلِ ذلك الوقتِ ﴿كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾: الفواحشَ فتمرَّنُوا عليها، ولم يَسْتَحْيوا منها؛ فلذلكَ جاؤوا يُهرَعون إليه مجاهِرين.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ فتزوجُّوهنَّ، فدَى بهنَّ أضيافَهُ كرماً وفتوَّةً وحمِيَّةً، وكان إذ ذاك تزويجُ المسلماتِ من الكفارِ جائزاً.
ومَن زاد على هذا قولَه: يطلبونهن قبَل ذلك ولا يجيبُهم إليهِنَّ لخبثِهم وعدمِ كفايَتِهم، فكأنَّهُ لم يتأمَّل في قولهم: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ فإنه ظاهرٌ في عدمِ رغبَتِهم فيهنَّ.
وقيلَ: المراد بالبناتِ نساؤهم، فإنَّ كل نبيٍّ أبو أمَّتِه من حيثُ الشفقةُ والتربيةُ، وفي مصحف ابنِ مسعودٍ ﵁: (وأزواجُه أمهاتُهم وهو أبٌ لهم) (١). فيأباه قولُه: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾.
стр. 2117
وأما ما قيلَ: قالَهُ ﵇ مبالغةً في تناهي خُبثِ ما يُريدونه حتى إن ذاك أهوَنُ منه، أو إظهاراً لشدَّةِ استقباحِه (١)، فلا يلائمه قولُه:
﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ أراد المبالغةَ في الطهارةِ، لا تفضيلَهُنَّ فيها على مَن ما راموا بهِ، كقولِه ﵇: "اللهُ أعلى وأجلُّ" (٢) في مقابلةِ قول أبي سفيانَ: اعلُ هبَل.
وقرئ: (أطهَرَ) بالنصبِ (٣) على تقديرِ: خذوا هؤلاء أطهرَ لكم، وقولُه: ﴿بَنَاتِي هُنَّ﴾ جملةٌ معترِضةٌ تعليلاً للأمرِ وكونهنَّ أولى قدِّمت للإسماعِ، كأنهُ قيلَ: خذوا هؤلاء العفائفَ أطهرَ لكم إن بناتي هن وأنتُم تعلمون طهارَتي وطهارَةِ بناتي.
ويجوزُ أن يكون ﴿هَؤُلَاءِ﴾ مبتدأً و ﴿بَنَاتِي﴾ خبراً، و ﴿هُنَّ﴾ تأكيدٌ للمستكنِّ في ﴿بَنَاتِي﴾ لأنهُ وصفٌ مشتَقٌّ، و (أطهرَ) حالٌ.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في ركوبِ الفاحشةِ.
﴿وَلَا تُخْزُونِ﴾ من الخزيِ وهو الهوانُ، أو من الخزايَةِ وهو الخجالةُ.
﴿فِي ضَيْفِي﴾: بسبَبِهم، فإن التعدِّيَ لضيفِ الرجلِ إخزاءٌ له، وترتَّبَ على المحذوفِ لا على المذكورِ، على ما أفصَحَ عنه في موضعٍ آخرَ، حيثُ قالَ: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ﴾ [الحجر: ٦٨، ٦٩]، وقد عُلمَ منه أن المرادَ من الخزي معنًى آخرُ غيرُ الفضاحَةِ.
стр. 2118
﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ يهتدي إلى الحقِّ ويرعوي عن القبيحِ، فيرشِدُ أصحابَه إليه ويمنَعُهم عنه، والمراد هذا، ولذلك قالَ: ﴿مِنْكُمْ﴾ دونَ: فيكم؛ لعمومِه الأجنبيَّ، وكلامه لا يؤثِّرُ تأثيرَ كلامِ الذي منهُم.
* * *
(٧٩) - ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾.
﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾: من حاجةٍ، بالغوا في المنفيِّ بتنكيرِ ﴿حَقٍّ﴾ وزيادةِ ﴿مِنْ﴾ كما بالغُوا في النفي بإثبات علمِه له على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه.
﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ من إتيانِ الذُّكرانِ.
* * *
(٨٠ - ٨١) - ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾.
﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ لما كان فيه معنى الفعل عطف عليه قوله: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾؛ أي: لو قويتُ عليكم بنفسي، أو آويتُ إلى قويٍّ أستنِدُ إليه وأتمنَّعِ به فيحمي (١) منكُم.
شبَّهَ القويَّ العزيزَ الذي يجيء مَن يأوي إليهِ ويحميه بالركنِ من الجبلِ في شدَّته ومنعتِه، وجوابُ ﴿لَوْ﴾ محذوفٌ تقديرُه: لدفعتكم.
стр. 2119
وقرئ: (أو آوِيَ) بالنصب (١) بإضمارِ (أنْ)، كأنهُ قالَ: لو أن لي بكم قوةً أو أُوِيًّا.
فلمَّا رأى (٢) الملائكةُ ما يملأ لوطاً ﵇ من الكربِ ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ فلن يصلوا إلينا.
ولمَّا احتمَل أن يضرُّوه ﵇ لعدَمِ حصولِ بغيَتِهم دفعَه بقولِه: ﴿لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ فهو استئنافٌ في غاية الجزالة، ومن لم يتنبَّه له قالَ: لن يصلوا إلى إضرارك بإضرارِنا، ثم إنه لم يَدْرِ أن حق الكلامِ حينئذٍ الوصلُ بالفاء دون الفصلِ.
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ بالقَطعِ من الإسراء، وقرئ بالوصلِ من السُّرَى (٣)، ترتُّبُه على المحذوفِ المذكورِ في موضعٍ آخرَ بقوله: ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الحجر: ٦٤].
﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: بطائفةٍ منهُ.
﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ ولا يتخلَّف، أو لا ينظُر إلى ورائهِ، والنهيُ عامٌّ له ﵇ ولأهلِه، والمخصوصُ به إنما هو تبليغُه إليهم.
ومَن وهَم أنه في اللفظِ لـ ﴿أَحَدٌ﴾ وفي المعنى للوطٍ ﵇ فقد وهِمَ.
﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ بالنصبِ، استثناءٌ من قوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ ويدلُّ عليه قراءة: (فأسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتَكَ) (٤).
стр. 2120
قيل: وذلك إنما يصحُّ على تأويل الالتفاتِ بالتخلفِ لا بالنظرِ إلى الخلفِ؛ لئلا يناقضَ قراءة من قرأ بالرفع (١) بدلاً من ﴿أَحَدٌ﴾ وإلا لزمَ على القراءَتين أن يكونَ امرأته مُسْرًى بها وغيرَ مُسْرًى بها.
وفيه نظرٌ؛ لأن الاستثناءَ من الأهلِ يقتضِي أن لا يكون لوطٌ ﵇ مأموراً بالإسراءِ، ولا يمنَع أنها سرَت بنفسِها، ويكفي لصحةِ الاستثناءِ من هذا المقدارِ، كيف ولم يُنهَ عن إخراجِها، ولكنه أُمرَ بإخراجِ غيرِها.
وبهذا اندفع (٢) أيضاً ما قيلَ: إنه إما أن أُسري بها، فالاستثناءُ من قولِه: ﴿أَحَدٌ﴾ متعينٌ، أو لا، فيتعيَّن من قولِه ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾، والقصةُ واحدةٌ فأحدُ التأويلين باطلٌ قطعاً، والقراءتان الثابتتان قطعاً لا يجِبُ حملُهما على ما يوجِبُ بطلانَ مقتضى أحدِهما.
وأما ما قيلَ: وفي إخراجها معَ أهلهِ روايتان: روي أنه أخرَجها معهُم وأمرَ أن لا يلتفِتَ منهم أحدٌ إلا هي، فلما سمعَت هدَّة (٣) العذابَ التفتَت له وقالَت: يا قوماه! فأدرَكها حجرٌ فقتلَها، وروي أنه أُمِرَ بأن يخلِّفَها مع قومِها فإن هواها إليهم، فلم يَسْرِ بها (٤). واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين.
стр. 2121
فاعترِضَ عليه: بأنه لا يجوزُ؛ لأن القواطِع [لا يجوز] (١) حملُها على المعاني المتناقضةِ.
وأُجيبَ بأن معناه: اختلافُ القراءتينِ (٢) جالبٌ وسببٌ لاختلافِ الروايتَين، كما تقولُ: السلاحُ للغزوِ (٣)؛ أي: أداةٌ وصالحٌ له. ولم يُرِدْ أن اختلافَ القراءتين لأجلِ اختلاف الروايتين قد حصَلَ.
وَيرِدُ عليهِ: أنه حينئذٍ تنقلِبُ الروايةُ درايةً لاتِّخاذِها (٤) من ظاهر القراءةِ، وأيضاً فيه التزامٌ باستلزامِ اختلافِ القراءتين أمراً محذوراً وهو الجمعُ بين المتنافِيين.
والأولى جعلُ الاستثناءِ في القراءَتين من قولِه: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ﴾ كما في قوله: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٦٦] و: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٥)، ولا بُعدَ أن يكونَ أكثرُ القراء على غير الأفصحِ، فإن النصب أخفُّ، وإن كان البدلُ أفصَحَ.
﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ استئنافٌ علِّلَ بهِ استثناؤها من أهلِه، ولا يلزَم من ذلك أمرُها بالالتفاتِ، بل عدَمُ نهيها عنه استصلاحاً، ولا يَحسُن جعل الاستثناءِ منقطعاً على قراءة الرفعِ.
﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ كأنهُ علةُ الأمرِ بالإسراء.
стр. 2122
﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ جوابٌ لاستعجال لوطٍ ﵇ واستبطائه العذابَ، وإنما جعِلَ الصبحُ ميقاتاً لهلاكِهم؛ لأن النفوسَ فيهِ أودَعُ، والراحةَ فيه أجمَعُ، فيكون العذابُ فيه أفظعَ.
* * *
(٨٢) - ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾.
﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾: وقتُ أمرِنا، وأما الأمر نفسُه فقد وردَ قبلَ هذا، وأما المأمورُ به فنفسُ ما ذكِرَ في قولِه:
﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ جوابُ (لمَّا)، وإنما عدلَ عن الظاهرِ وهو: جعلوا؛ أي: الملائكة المأمورون به (١) وأَسندَ إلى نفسِه من حيثُ إنه المسبِّبُ تعظيماً للأمرِ.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا﴾: على المدنِ ﴿حِجَارَةً﴾، رويَ أن جبريلَ ﵇ أدخَلَ جناحه تحت مدائنهم ورفعَها إلى السماءِ، ثمَّ قلبَها عليهم، وأُتبِعوا الحجارة من فوقِهم (٢).
والتنكيرُ في ﴿حِجَارَةً﴾ للتعظيمِ.
﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾: من طينٍ متحجِّرٍ؛ لقولِه: ﴿حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] كلمةٌ معربةٌ من سَنْك كَلْ.
стр. 2123
وقيلَ: هو من أسجَله إذا أرسلَه؛ لأنها تُرسَلُ على الظالمين؛ لقوله: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً﴾ [الذاريات: ٣٣].
وقيلَ: مما كتبَ الله أن يعذِّب فيه من السِّجلِّ، وسجل لفلان.
﴿مَنْضُودٍ﴾ في الإرسالِ يرسلُ بعضُها إثرَ بعضٍ كقطارِ الأمطارِ، أو نُضدَ بعضُه على بعضٍ وألصِق بهِ، أو نُضدَ معدًّا لعذابِهم.
* * *
(٨٣) - ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾.
﴿مُسَوَّمَةً﴾: معلَّمةً للعذابِ، أو بسِيْما تتميَّزُ به منْ حجارةِ الأرض، أو باسمِ مَن يُرمى به.
﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾: في خزائنه التي لا يتصرَّفُ فيها إلا هوَ.
﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ لاستحقاقِهم لذلكَ، وفيه وعيدٌ لأهلِ مكَّةَ، وعن رسولِ اللهِ ﷺ أنه سألَ جبريلَ ﵇ عن هذا، فقالَ: يعني مِن ظالمي أُمَّتك (١).
وقيل: الضميرُ للقرى؛ أي: هي قريبةٌ من ظالمي أُمتكَ يمرُّون بها في سيرِهم.
قوله: ﴿بِبَعِيدٍ﴾: بشيءٍ بعيدٍ، أو: بمكان بعيدٍ، كذا قيلَ، ولا حاجة إلى التأويلِ؛ لأنَّه على زنةِ المصدرِ كالزفيرِ (٢) والصهيلِ، والمصادرُ يستوي في الوصفِ بها المؤنَّثُ والمذكَّرُ.
стр. 2124
(٨٤) - ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾.
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ قد مرَّ نظائره، ومديَنُ مدينةٌ بناها مدينُ بن إبراهيمَ ﵇ فسمِّيَت باسمِه، والمرادُ: أهلُها وأولاده.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ قد سبقَ تفسيرُه.
﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ أمرَهم بالتوحيدِ أولاً لأنَّه ملاكُ الأمرِ، ثم نهاهُم عما اعتادُوه من البَخْسِ المنافي للعدلِ المخلِّ بحكمةِ التعاوُضِ.
﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾: بسعةٍ وثروةٍ تغنيكُم عن التطفيفِ، أو: بنعمةٍ حقُّها أن تُقابلَ (١) بالشكرِ، لا بما تفعلون، أو: بخيرٍ فلا تزيلوه عنكم بما تفعلونَ، وهو على كلِّ الوجوهِ علَّةٌ للنهيِ.
﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾: لا يشذُّ منه أحدٌ، أو: مهلك، من قولِه: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢].
والمرادُ: عذابُ يوم القيامةِ، أو عذابُ الاستئصالِ، وتوصيفُ اليوم بالإحاطةِ من باب الإسنادِ المجازيِّ، وهو أبلغ من وصفِ العذابِ بها؛ لأنَّه مشتمِلٌ على حوادثَ مع اشتمالِه على العذابِ، فإذا كان مهلِكاً فما اشتملَ عليه الحوادثُ كان مجتمعاً على المعذَّبِ في إهلاكِه.
* * *
стр. 2125
(٨٥) - ﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ أمرَ بالإيفاء بعد النهيِ عن ضدِّه قصداً إلى تقبيحِ المنهيِّ وتعييبِه؛ لأن التصريحَ بالمنهيِّ عنهُ توبيخٌ للمنهيِّ وتعييرٌ لهُ يبتكر ويرجوا إلى القبولِ، فإذا وردَ الأمرُ بعدَه مصرَّحاً به كان أوقَع في نفسِه، وأسرعَ إلى القَبول والامتثالِ؛ لأنَّه ترغيبٌ وحثٌّ بعد ترهيبٍ وزجرٍ عن ضدِّه فكانَ أبلغَ.
﴿بِالْقِسْطِ﴾: بالعدلِ والتسويةِ من غير زيادةٍ ونقصانٍ، وإنما قيَّدَهما به قصراً على ما هو الواجبُ، وتنبِيهاً على أن المطلوبَ من الإيفاءِ القسطُ، ولهذا قد يكونُ الفضلُ محرَّماً كما في الربوياتِ.
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ تعميمٌ بعد تخصيصٍ؛ لأنَّ نقصَ الحقوقِ مُطلقاً أعمُّ من النقصِ في الكيلِ والوزنِ.
وكذا: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ لأنَّه التمادي في أنواعِ الفسادِ، ودرجهم في النهي مما غلبَ عليهم إلى سائرِ القبائحِ.
ويجوزُ أن يرادَ بالعثي: البخسُ؛ مبالغةً وتعريضاً بأنه شرُّ أنواع الفسادِ.
وإنما قالَ: ﴿مُفْسِدِينَ﴾ إخراجاً لمَا يقصَدُ به الإصلاحُ كما فعله الخضِرُ.
* * *
(٨٦) - ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾.
﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ﴾: ما يبقي عليكُم من الحلال بعدَ التنزُّه عما حرَّمَ عليكم ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مما تجمعُونَ بالتطفيفِ ونقصِ الحقوقِ.
стр. 2126
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: بشرطِ أن تؤمنوا، وإنما قيَّدَ به لظهورِ فائدتها معهُ، وإن كان معَ الكفرِ نجاةٌ عن تبِعَتها، وذلك لأن حصولَ الثواب بها مشروطٌ بالإيمانِ، ولا يظهَرُ على الكافر أثرُ النجاةِ من تبعة البخسِ لانغماسه (١) في غمراتِ الكفرِ، وفي ذلك تعظيمٌ للإيمان وتنبيهٌ على جلالة قدرِه، وإيماءٌ إلى أنْ لا فائدةَ للحسنات بدونِه.
أو: إن كنتم مصدِّقين لي في نصحي إيَّاكُم.
وقيلَ: البقيةُ الطاعةُ؛ أي: ما يبقَى لكم عند اللهِ تعالى من الطاعاتِ خيرٌ مما يَفْنَى (٢)؛ كقولِه: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ [الكهف: ٤٦] وإضافتُها إلى اللهِ تعالى تعظيمٌ لها وتشريفٌ بنسبتِها (٣) إليهِ.
وقرئ: (تَقيَّة) الله بالتاءِ (٤)، وهي تَقْواه التي تَكُفُّ عن المعاصي والقبائحِ.
﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ تقديمُ الظرفِ وإيلاؤه حرفَ النفي وعيدٌ بليغٌ؛ أي: اللهُ حفيظٌ عليكم ومجازيكم بها لا أنا، إنما أنا نذيرٌ مبلِّغٌ، وقد أنذرتُ وبلَّغت ونصحتُ وأعذرتُ.
* * *
(٨٧) - ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾.
стр. 2127
﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ من الأصنامِ، أجابوا بهِ بعد أمرِهم بعبادةِ الله تعالى وترك عبادة الأوثانِ، وبإيفاء الحقوقِ، على طريق السخريةِ والاستهزاءِ حيث أسندوا الأمرَ إلى الصلاةِ إشعاراً بأن المأمورَ مما لا يُؤمَرُ به العقلاءُ؛ لأنَّه أمر وسوسةٍ وجنونٍ، لا أمر فطنةٍ أو (١) عقلٍ.
وأما تخصيصُهم الصلاة بالإسنادِ إليها لأنَّه ﵇ كان يصلي، وكانوا يقولون لهُ: ما تستفيدُ بهذا؟ فيقولُ: إنها تأمرُ بالمحاسنِ وتنهى عن المساوئ، كما عرَّفه اللهُ تعالى عبادَه بقول (٢): ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، فقالوا له على وجه التهكُّمِ به: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ … ﴾ الخ ففيه استهزاءٌ من وجهٍ آخرَ.
وأما جمعُها فلأنه ﵇ كان كثيرَ الصلاةِ، وكانوا إذا رأوه يصلي يتغامزُون ويضحَكُون استبعاداً منهم أن يفعَلَ مثلَ ذلك الأفعالِ؛ ففي إتيانها (٣) على صيغةِ الجمع إشارةٌ إلى نوعٍ آخرَ من الاستهزاء له.
ثم إنهم جعلُوه ﵇ مأموراً بفعل الغيرِ دلالةً على إفراطِه في ذلك كأنَّ نفسها مأمورٌ بهِ، وذلك أن في الأمرِ بنهي الغيرِ يكفي الإبلاغ مرةً أو مرتين، وهو ﵇ قد واظَبَ على ذلك فنزَّلُوه منزلة المأمورِ بإتيان التركِ الواجبِ على الغيرِ، وهذا أيضاً نوع من الاستهزاءِ منهم مبناه على اعتبارٍ دقيقٍ، ولهذا غفلَ عنه الناظرون في هذا المقامِ، حتى ذهبوا إلى تقديرِ المضافِ؛ أي: تأمرُكَ بتكليفِ أن نتركَ، فأذهَبوا حُسنَ الكلام، ولطف الاعتبارِ المناسب للمقام.
стр. 2128
﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ عطفٌ على ﴿مَا﴾؛ أي: أو أن نترُكَ فعلنا ما نشاءُ في أموالنا، والعطفُ بـ ﴿أَوْ﴾ دون الواوِ للإشعار بأن الأمرَ بواحدٍ منهما على سبيل البدَلِ يكفي في التسفيهِ والنسبةِ إلى الضلالِ، فكيفَ إذا أمرَ بهما معاً؟ ولا يخفى ما فيه من الدلالةِ على أنهم كانوا آيةً في الجهالةِ، قد بلغوا غايةَ الضلالةِ.
وقرى بالتاء في (تفعل) و (تشاء) (١) على أنَّ العطفَ على ﴿أَنْ نَتْرُكَ﴾ (٢).
﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ تهكم به (٣) وبفعلِه؛ لأنهم أرادوا وصفَه بغايةِ السفهِ والغَيِّ على ما يقتضيه السباقُ والسياقُ، فعكسُوا تهكُّماً، كقولِ خزنَةِ جهنَّمَ: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩].
وأما ما قيلَ: علَّلوا إنكارَ ما سمعوا منه واستبعادَه بأنه موسومٌ بالحلمِ والرشدِ (٤) المانعَين عن المبادرةِ إلى أمثال ذلكَ، فيأباه ما في سياقِ الكلام من الإقدامِ على السخريةِ والاستهزاءِ من وجوهٍ شتَّى.
* * *
(٨٨) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 2129
﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ إشارةٌ إلى ما آتاهُ من العلمِ والنبوَّةِ.
﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ إشارةٌ إلى ما آتاه من المالِ الحلالِ، والتقييدُ بـ ﴿حَسَنًا﴾ للاحترازِ عن الرزقِ القبيحِ، وفيهِ إشارةٌ إلى أن الحرامَ رزقٌ.
وجوابُ الشرط محذوفٌ تقديرُه: فهل يسعُ لي مع هذا الإنعامِ الجامعِ للسعادات الروحانيةِ والجسمانية أن أخون في وحيِه، وأخالفَهُ عن أمرِه ونهيِه، وهو اعتذارٌ عما أنكروا عليهِ من الإقدامِ على تغيرِ المألوفِ، والنهيِ عن دين الآباءِ، ولا يخفى ما فيهِ من حُسن (١) المراجعةِ، وحسن الاستنزالِ، ورفق الاستدعاءِ، ولذلك قالَ فيهِ ﵇: "ذلكَ خطيبُ الأنبياءِ" (٢).
والضميرُ في ﴿مِنْهُ﴾ للهِ تعالى؛ أي: من عندِه وبإعانته بلا كدٍّ مني في تحصيلِه، فقد أدمجَ فيهِ الجوابَ عن قولهِم: (أو أن تفعل في أموالنا ما تشاء) على القراءةِ بالتاء فيهما.
﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾: وما أُريدُ أن أقصِدَ إلى ما أنهاكم عنهُ من المعاصي والملاذِّ لأستبدَّ بها دونَكُم، فلو كان صواباً لآثرتُه ولم أُعرِض عنهُ فضلاً عن أن أَنهى عنهُ، يُقالُ: خالفَني إلى كذا: إذا قصدَهُ وأنتَ مُولٍّ عنهُ، وخالفَني عنهُ: إذا ولَّى عنهُ وأنتَ قاصِدُه.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾: ما أريدُ إلا أن أصلِحَكم بموعظَتي ونصيحَتي ما أمكنَني، فلو وجدتُ الصلاحَ فيما أنتم عليهِ لمَا نهيتكم عنهُ.
стр. 2130
ولهذه الأجوبةِ الثلاثةِ على هذا النسقِ شأنٌ، وهو التنبيهُ على أن العاقلَ يجبُ عليه أن يراعيَ فيما يباشِرُه أحدَ ثلاثةِ حقوقٍ: أوَّلُها وأعلاها حقُّ اللهِ تعالى، وثانيها حقُّ نفسِه، وثالثها حقُ الناسِ، وكلُّ ذلك يقتضي أن آمرَكُم بما أمرتُكم بهِ، وأنهاكم عما نهيتُكم عنهُ (١).
و ﴿مَا﴾ مصدريةٌ واقعٌ موقعَ الظرفِ؛ أي: مدَّةَ استطاعتي، أو خبريةٌ بدلٌ من ﴿الْإِصْلَاحَ﴾؛ أي: إلا المقدار الذي استطعت منهُ، أو على تقديرِ حذف المضافِ؛ أي: إلا الإصلاحَ إصلاحَ ما استطعتُ.
أو مفعولٌ؛ أي: إلا أن أُصلحَ ما استطعتُ إصلاحه من فاسدِكم. وفيه: أن إعمالَ المصدرِ المعرَّفِ قليلٌ.
﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾؛ أي: وما توفيقي لإصابةِ الحقِّ والصوابِ فيما آتي وما أذرُ إلا بتأييدِ الله تعالى ومعونَتِه.
﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ لا على غيرِه، فإنه القادرُ على ما يشاءُ دون غيرِهِ، فإنَّ مَن عدَاه عاجزٌ ساقطٌ عن درجة الاعتبارِ في الوجود فضلاً عن القدرَةِ.
﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ لا إلى غيرِه.
وفي الآيةِ طلبُ التوفيقِ من الله تعالى لإصابة الحقِّ فيما هو بصددِه على أبلغ وجهٍ، وحسمٌ لإطماعِهم، وعدمُ المبالاة بهم، ومعاداتُهم بتوكُّلِه على الله تعالى، وتهديدُ الكفارِ بإتيانهم إليه تعالى للجزاءِ.
* * *
стр. 2131
(٨٩) - ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾.
﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: لا يُكسبنَّكُم ﴿شِقَاقِي﴾ معاداتي ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ من الغرقِ ﴿أَوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ من الريحِ ﴿أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ من الرجفَةِ.
و ﴿أَنْ﴾ بصلَتِها ثاني مفعولي (جرَم)، فإنه مثلُ كسبَ في معناه وتعدِيتهِ إلى مفعولٍ واحدٍ وإلى مفعولينِ.
وقرئ: (لا يُجْرِمَنَّكمْ) بضم الياءِ (١)، من أَجْرمتُه: إذا جعلتَه جارِماً (٢)، وهو منقولٌ من (جرم) المتعدي إلى مفعولٍ واحدٍ، كما نقل: أكسَبهُ المالَ، من: كسبَ [المال]، والأول أفصَحُ، فإن أجرمَ أقلُّ دوراناً على ألسنة الفصحاءِ.
وقرئ: (مثلَ) بالفتحِ (٣) لإضافته إلى المبنيِّ.
﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ زماناً أو مكاناً، فإنهم أقرَبُ الهالكين منهُم، أو: ليسوا ببعيدٍ منكُم في الكفر والمعاصي، وما يُستَحقُّ بهِ العقابُ، فحالكُم حالهُم، وإفراد البعيدِ قد مرَّ وجهُه (٤)، فتذكَّر.
* * *
(٩٠) - ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾.
стр. 2132
﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ قد سبقَ ما يتعلَّقُ بهِ أيضاً.
﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾: عظيمُ الرحمةِ للتائبينَ ﴿وَدُودٌ﴾ بعبادِه يفعَلُ بهم من اللطفِ والإحسان ما يفعلُ البليغُ المودَّةِ بمن يودُّه، وهو (١) وعد على التوبةِ بعدَ الوعيدِ على الإصرارِ؛ لشمولِ الدعوةِ وأخذِ الحبلِ بطرفَيهِ.
* * *
(٩١) - ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾.
﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ﴾ الفقهُ (٢): فهمُ الكلام على ما تضمَّنَ من المعنى، وفي نفيه دونَ نفي الفهم دلالةٌ على أنهم لم يريدوا قصورَه في أداء الكلامِ، كما سبق إلى بعضِ الأوهام حيث قال في (٣) وجهِ ما ذكِرَ: إنه ﵇ كان ألثغَ.
وإنما قالوا ذلكَ استهانةً بكلامِه حيث كنَوا بعدم فقهِهم ما قاله عن عدمِ دلالته على معنًى صحيحٍ، فنزَّلوه منزلة الهذيانِ والتخليطِ (٤).
وفي التقييدِ بقوله: ﴿كَثِيرًا﴾ إظهارُ التنزُّهِ عن المكابرةِ، وهذا أبلَغُ في المبالغةِ عن الكلام الخالي من ذلكَ القيدِ، ومن هذا القبيل قولُهم في وصف سيف الشجاعِ: يقطُر دماً، دون: يسيلُ.
стр. 2133
قيلَ: كانوا يفهمُونه ولكنَّهم لم يقبلُوه فكأنهم لم يفقَهوهُ، فلا يذهَبْ عليك أن هذا التنزيلَ إنما يناسِبُ اعتباره أن لو كان في الحكايةِ دون المحكيِّ.
﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ لا قوةَ لك ولا عزَّةَ فيما بيننا، وفي قولهِ: ﴿فِينَا﴾ نوعُ تقويةٍ لما أرادوه من إثباتِ العجزِ له عن المدافعةِ، كأنهم يقولونَ: إنك لستَ بخارجٍ عنا حتى لا تَصِلَ إليك أيدينا، ولا قوةَ في نفسكَ، فلا مانِعَ ولا دافِعَ لا من جهةِ شأنكَ، ولا من جهةِ مكانِكَ، ولذلك قلَّلوا قومَه حيثُ جعلوهم رهطاً، والرهط من الثلاثةِ إلى العشرةِ، وقيل: إلى السبعةِ.
وإنما قالوا: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ احتراماً لهم لكونهم على ملَّتِهم، لا خوفاً منهم، ولدفع (١) هذا الوهم عبروا عنه بالرهطِ دون العشيرةِ والقبيلَةِ ونحو ذلكَ.
والرجم: الرمي بالحجارةِ، والمرادُ قتلُهُ به، يعني: قتلناك شرَّ قتلةٍ بأصعبِ وجهٍ، وهذا ديدنُ السفيه المحجوجِ يقابلُ الحججَ والآياتِ بالسبِّ والتهديدِ.
﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾؛ أي: لستَ علينا بممتنِعٍ فلا نقدِرَ على رجمِك، وهذا هو المناسبُ لسياق الكلامِ، وعلى هذا لا مفهومَ فيهِ، ومن فهِمَ منه المفهوم قائلاً: (كأنهُ قيلَ: وما أنت علينا بعزيز بل رهطُكَ هم الأعزةُ علينا)، فقد حمَلَ العزة على الكرامةِ على ما صرَّحَ بهِ حيث قالَ: (أي: لا تعزُّ علينا ولا تكرَمُ حتى نكرِمَك عن الرجمِ)، فقد غفِلَ عن أن المناسِبَ حينئذٍ أن يقولوا: عندَنا، بدلَ: ﴿عَلَيْنَا﴾.
ومنطوقُ قولهم: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ أغنى عن اعتبارِ المفهومِ المذكورِ، لِمَا عرفت أن معناها: ولولا حرمَةُ رهطِكَ وعزتُهم عندنا لرجمناكَ، فاعتبارُه بعد هذا كالاستضاءَةِ بالمصباح بعدَ طلوعِ الصباحِ.
стр. 2134
وإيلاءُ الضمير حرفَ النفي لتقويةِ الحكم وتأكيدِه، كما في قولِه تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، وتقديمُ: ﴿عَلَيْنَا﴾ لمحافظةِ الفاصلةِ، وزيادةُ الباء في ﴿بِعَزِيزٍ﴾ لتأكيد النفيِ، وتنكيرُه للتقليلِ أي: ليسَ لك علينا شيءٌ من جنس العزةِ (١).
وأما ما قيلَ: وقد دلَّ إيلاء الضميرِ حرفَ النفي على أن الكلامَ واقعٌ في الفاعلِ لا في الفعلِ، كأنهُ قيلَ: وما أنت علينا بعزيزٍ بل رهطُكَ هم الأعزَّةُ علينا، ولذلكَ قال في جوابهم: ﴿أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾، ولو قيلَ: وما عزَزتَ علينا لم يصحَّ هذا الجوابُ.
فيرِدُ عليه أنه لا دلالةَ له في مفهومِ قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ على أنَّ رهطَهُ هم الأعزةُ، إنما دلالتُه على أنهم هم العزيزونَ؛ لأن المفهوم تابعٌ للمنطوقِ، والمنفيُّ عنه بطريقِ المنطوقِ إنما هو أصلُ العزةِ لا زيادَتُها.
ثم إن قولَهُ: (ولو قيلَ: وما عززت .. الخ) فقد مرَّ ما به يظهرُ أنه ليس بصوابٍ.
* * *
(٩٢) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ لما كان نبيًّا مبعوثاً من عندِ الله تعالى كانتِ الاستهانة به استهانةً باللهِ؛ لقولِهِ: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] فجعَلَ كونَ رهطِه أعزَّ عليهم منه كونَهم أعزَّ من الله؛ لأنَّ أمرَهُ أمرُ اللهِ.
стр. 2135
ويحتمِلُ الإنكارَ التوبيخيَّ، على أن المعنى: أرهطي أعزُّ عليكم من اللهِ في نظرِكم واعتبارِكم؟
والإنكارَ للإبطال (١)، على أن المعنى: أنهم أعزُّ عليكُم منه تعالى في الواقعِ.
وعلى الأول يدخُلُ قولُه: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ أيضاً في حيِّزِ الاستشهادِ.
والاتخاذُ: أخذ الشيءِ لأمرٍ يستمرُ في المستأنَفِ؛ كاتخاذِ البيتِ، واتخاذ المركوبِ، فدلالتُه على المعنى المقصودِ أولى من دلالةِ الجعلِ عليهِ (٢).
والظِّهريُّ منسوب إلى الظَّهرِ، كالإمسيِّ منسوبٌ إلى الأمسِ، والكسرةُ في مثل هذا من تغييراتِ النَّسبِ، والكنايةُ عن التركِ وعدم الاعتدادِ به قد (٣) تمَّت بقولِه: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ﴾ الإنذار (٤)، وفيه بنسبتِه إلى الظهرِ إتمامٌ (٥) لحقِّ المبالغةِ، وإفادةٌ لمعنى الإعراض عنه بالكليَّةِ.
﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾: قد أحاط بأعمالِكُم علماً، فلا يخفى منها شيءٌ، فهو يجازِيكُم عليها.
* * *
(٩٣) - ﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾.
стр. 2136
﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ سبقَ مثلُه في سورة الأنعامِ والفاءُ في ﴿فَسَوْفَ﴾ [الأنعام: ١٣٥] ثمةَ للتصريحِ بأن الإصرارَ والتمكُّن فيما هُم عليهِ سببٌ لذلكَ، وحذِفَ هاهنا للاستئنافِ؛ كأنه قيل: فماذا يكون إذا عمِلنا على مكانتنا وعملتَ أنتَ؟ فقال: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وهو أبلَغُ من الوصل بالفاءِ.
﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ قياسُ الكلامِ: ومَن هو صادقٌ، بدل قولِه: ﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ ليكونا قسمَين ينصرِفُ الأولُ إليهِم، والثاني إليهِ، لكنهم لما كانوا يدَّعُونه كاذباً أجرى الكلامَ على مقتضى زعمِهم فقالَ: ﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾؛ أي: على زعمِكُم ودعواكم، وأراد (١): سوفَ تعلمونَ مَن المعذَّبُ ومَن الكاذِبُ مني ومنكم؛ لأنهم كذَّبوه وأوعَدُوه.
﴿وَارْتَقِبُوا﴾: وانتظروا ما أقولُ ﴿إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾: منتظرٌ، فعيلٌ بمعنى الفاعلِ كالصريحِ، أو المراقبِ كالعشيرِ، أو المرتقِب (٢) كالرفيعِ.
* * *
(٩٤) - ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.
﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ إنما (٣) ذَكرَ ساقَتي (٤)
стр. 2137
قصةِ عادٍ وقصة مدينَ بالواو، وساقَتي (١) قصةِ ثمودَ ولوطٍ بالفاءِ؛ لأنَّه لم يسبِق فيهما وعدٌ يقتضي التسبيبَ فحقُّهما أن يُعطَفا بحرف الجمعِ عطفَ قصةٍ على قصةٍ، وأما في قصةِ ثمودَ ولوطٍ فقد سبقَ وعدٌ يقتضِي التسبيبَ وهو قولُه في الأولى: ﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ وفي الثانية: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ فجيءَ بهما، كما تقولُ: وعدتُه فلما جاء الميعادُ كان كيتَ وكيتَ.
﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ صاحَ بهم جبريلُ ﵇ صيحةً.
﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ فهلكُوا بحيث لم يبرَحْ.
* * *
(٩٥) - ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾.
﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ كأن لم يقيموا في ديارِهم متردِّدين في تصرفاتهم.
﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ إنما شبَّهَهم بثمود في هلاكِهم لأنهم أيضاً أهلكوا بالصيحةِ، إلا أن صيحَتهم كانت من تحتِهم، وصيحة مدينَ كانت من فوقِهم.
وقرئ: (بَعُدَتْ) بالضمِّ على الأصلِ (٢)، فإن الكسرَ تغييرٌ لتخصيصِ معنى البعدِ بما يكونُ بسببِ الهلاكِ، والبُعْدُ مصدرٌ لهما (٣)، والبَعَد مصدرُ المكسورِ.
* * *
стр. 2138
(٩٦ - ٩٧) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ له على صدقِ نبوَّتهِ.
يجوزُ أن يكون المرادُ بالآياتِ: المعجزاتُ، و (سلطان مبين) هو العصا، وإفرادُها (١) بالذكرِ لأنها أبهرُها.
ويجوزُ أن يُرادَ بهما واحدٌ؛ أي: ولقد أرسلناه بالجامعِ بين كونها آياتٍ، وكونها سلطاناً له على صحَّةِ دعواهُ.
والفرقُ بينهما: أنَّ الآياتِ تعمُّ الأماراتِ والدلائلَ القاطعةَ، والسلطانُ يختصُّ بالقاطع (٢)، والمبينُ: ما فيه جلاءٌ.
ومَن وهَم أن المرادَ من الآيات التوراةُ فقد وَهِم، وما فَهِم أنَّ قولَه: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ يأباهُ؛ لأنَّ التوراة نزولُها إنما كان بعدَ هلاك فرعونَ وملئهِ.
﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ بالكفرِ بموسى، أو: فما اتَّبعوا موسى الهادي إلى الحقِّ المؤيَّدِ بالمعجزات الباهرةِ، واتبعوا طريقةَ فرعونَ البيِّنِ الضلالِ والطغيانِ لفرطِ جهلِهم وغَباوتهم، فإنه ادَّعى ما لا يخفَى على مَن له أدنى تمييزٍ وفطنةٍ إحالتُه (٣)، وهو الإلهيةُ مع كونه بشراً حادثاً مثلَهم.
﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾: بمرشِدٍ، أو: بذي رَشَدٍ، إنما هو على صريح ضلالٍ لا رشدَ فيهِ.
стр. 2139
(٩٨) - ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾.
﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: يتقدَّمُهم إلى النارِ كما كان تقدَّمهم (١) في الدنيا إلى الضلالِ؛ يقالُ: قَدَمهُ، بمعنى: تقدَّمهُ، ومنهُ قادِمةُ الرحلِ، كما يُقالُ: قَدَّمهُ، بمعنى: تقدَّمهُ (٢)، ومنهُ مقدِّمةُ الجيشِ.
تفسيرٌ وبيانٌ لعدمِ كونِ أمر فرعونَ (٣) بصوابٍ حميدِ العاقبةِ، وعُدلَ إلى الماضي فيما عُطفَ عليهِ فقيل: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ مبالغةًّ فَي تحقُّقِ وقوعِه، وشبِّه في جرِّهم إلى النارِ بالفارطِ الذي يتقدَّمُ الواردة، وأتباعُه بالواردةِ الحِراص على الماءِ.
ونزَّلَ (٤) النارَ لهم منزلةَ الماء فسمَّى إتيانها مورداً، ثم قالَ: ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾؛ أي: بئسَ المورودُ الذي وردُوه، فإنهُ يرادُ لتبريدِ الاكبادِ وتسكِين العطشِ والنارِ بالضدِّ (٥).
* * *
(٩٩) - ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾.
﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ﴾؛ أي: في هذه الدُّنيا ﴿لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: يُلعنونَ في الدنيا والآخرةِ.
﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ المخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ؛ أي: رِفدُهم، والرفدُ
стр. 2140
هو العطيةُ، وأصلُه: الذي يعينُ بهِ على المطلوبِ، قال قتادةُ: تزايدَتْ عليهم لعنتانِ من الله تعالى: لعنةٌ في الدنيا، ولعنةٌ في الآخرةِ (١). وكلُّ شيء جعلتَه عوناً لشيءٍ فقد رفدتَه به.
* * *
(١٠٠) - ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى﴾ خبرُه؛ أي: ذلك النبأُ بعض أنباءِ القرى المهلَكة.
﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خبرٌ بعد خبرٍ؛ أي: مقصوصٌ عليك (٢).
﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ لا محلَّ لها؛ أي: بعضُها باقٍ على أمكنَتِها كالزرعِ القائمِ على ساقٍ، وبعضها باقي الأثرِ كالزرعِ الحصيدِ.
* * *
(١٠١) - ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾.
﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ بإهلاكِنا إياهُم ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بارتكابِ الشركِ والمعاصي التي أُهلِكوا بها.
﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾: فما قدرَت أن تدفعَ عنهم بأسَ الله تعالى آلهتُهم ﴿الَّتِي يَدْعُونَ﴾ حكايةُ حالٍ ماضيةٍ؛ أي: التي كانوا يعبُدونها ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: أصنامُهم التي اعتقدُوها آلهةً معبودةً.