← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ سبقَ مثلُه في سورة الأنعامِ والفاءُ في ﴿فَسَوْفَ﴾ [الأنعام: ١٣٥] ثمةَ للتصريحِ بأن الإصرارَ والتمكُّن فيما هُم عليهِ سببٌ لذلكَ، وحذِفَ هاهنا للاستئنافِ؛ كأنه قيل: فماذا يكون إذا عمِلنا على مكانتنا وعملتَ أنتَ؟ فقال: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وهو أبلَغُ من الوصل بالفاءِ. ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ قياسُ الكلامِ: ومَن هو صادقٌ، بدل قولِه: ﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ ليكونا قسمَين ينصرِفُ الأولُ إليهِم، والثاني إليهِ، لكنهم لما كانوا يدَّعُونه كاذباً أجرى الكلامَ على مقتضى زعمِهم فقالَ: ﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾؛ أي: على زعمِكُم ودعواكم، وأراد (١): سوفَ تعلمونَ مَن المعذَّبُ ومَن الكاذِبُ مني ومنكم؛ لأنهم كذَّبوه وأوعَدُوه. ﴿وَارْتَقِبُوا﴾: وانتظروا ما أقولُ ﴿إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾: منتظرٌ، فعيلٌ بمعنى الفاعلِ كالصريحِ، أو المراقبِ كالعشيرِ، أو المرتقِب (٢) كالرفيعِ. * * * (٩٤) - ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾. ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ إنما (٣) ذَكرَ ساقَتي (٤)

стр. 2137

قصةِ عادٍ وقصة مدينَ بالواو، وساقَتي (١) قصةِ ثمودَ ولوطٍ بالفاءِ؛ لأنَّه لم يسبِق فيهما وعدٌ يقتضي التسبيبَ فحقُّهما أن يُعطَفا بحرف الجمعِ عطفَ قصةٍ على قصةٍ، وأما في قصةِ ثمودَ ولوطٍ فقد سبقَ وعدٌ يقتضِي التسبيبَ وهو قولُه في الأولى: ﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ وفي الثانية: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ فجيءَ بهما، كما تقولُ: وعدتُه فلما جاء الميعادُ كان كيتَ وكيتَ. ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ صاحَ بهم جبريلُ ﵇ صيحةً. ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ فهلكُوا بحيث لم يبرَحْ. * * * (٩٥) - ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾. ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ كأن لم يقيموا في ديارِهم متردِّدين في تصرفاتهم. ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ إنما شبَّهَهم بثمود في هلاكِهم لأنهم أيضاً أهلكوا بالصيحةِ، إلا أن صيحَتهم كانت من تحتِهم، وصيحة مدينَ كانت من فوقِهم. وقرئ: (بَعُدَتْ) بالضمِّ على الأصلِ (٢)، فإن الكسرَ تغييرٌ لتخصيصِ معنى البعدِ بما يكونُ بسببِ الهلاكِ، والبُعْدُ مصدرٌ لهما (٣)، والبَعَد مصدرُ المكسورِ. * * *

стр. 2138

(٩٦ - ٩٧) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ له على صدقِ نبوَّتهِ. يجوزُ أن يكون المرادُ بالآياتِ: المعجزاتُ، و (سلطان مبين) هو العصا، وإفرادُها (١) بالذكرِ لأنها أبهرُها. ويجوزُ أن يُرادَ بهما واحدٌ؛ أي: ولقد أرسلناه بالجامعِ بين كونها آياتٍ، وكونها سلطاناً له على صحَّةِ دعواهُ. والفرقُ بينهما: أنَّ الآياتِ تعمُّ الأماراتِ والدلائلَ القاطعةَ، والسلطانُ يختصُّ بالقاطع (٢)، والمبينُ: ما فيه جلاءٌ. ومَن وهَم أن المرادَ من الآيات التوراةُ فقد وَهِم، وما فَهِم أنَّ قولَه: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ يأباهُ؛ لأنَّ التوراة نزولُها إنما كان بعدَ هلاك فرعونَ وملئهِ. ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ بالكفرِ بموسى، أو: فما اتَّبعوا موسى الهادي إلى الحقِّ المؤيَّدِ بالمعجزات الباهرةِ، واتبعوا طريقةَ فرعونَ البيِّنِ الضلالِ والطغيانِ لفرطِ جهلِهم وغَباوتهم، فإنه ادَّعى ما لا يخفَى على مَن له أدنى تمييزٍ وفطنةٍ إحالتُه (٣)، وهو الإلهيةُ مع كونه بشراً حادثاً مثلَهم. ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾: بمرشِدٍ، أو: بذي رَشَدٍ، إنما هو على صريح ضلالٍ لا رشدَ فيهِ.

стр. 2139

(٩٨) - ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾. ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: يتقدَّمُهم إلى النارِ كما كان تقدَّمهم (١) في الدنيا إلى الضلالِ؛ يقالُ: قَدَمهُ، بمعنى: تقدَّمهُ، ومنهُ قادِمةُ الرحلِ، كما يُقالُ: قَدَّمهُ، بمعنى: تقدَّمهُ (٢)، ومنهُ مقدِّمةُ الجيشِ. تفسيرٌ وبيانٌ لعدمِ كونِ أمر فرعونَ (٣) بصوابٍ حميدِ العاقبةِ، وعُدلَ إلى الماضي فيما عُطفَ عليهِ فقيل: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ مبالغةًّ فَي تحقُّقِ وقوعِه، وشبِّه في جرِّهم إلى النارِ بالفارطِ الذي يتقدَّمُ الواردة، وأتباعُه بالواردةِ الحِراص على الماءِ. ونزَّلَ (٤) النارَ لهم منزلةَ الماء فسمَّى إتيانها مورداً، ثم قالَ: ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾؛ أي: بئسَ المورودُ الذي وردُوه، فإنهُ يرادُ لتبريدِ الاكبادِ وتسكِين العطشِ والنارِ بالضدِّ (٥). * * * (٩٩) - ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾. ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ﴾؛ أي: في هذه الدُّنيا ﴿لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: يُلعنونَ في الدنيا والآخرةِ. ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ المخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ؛ أي: رِفدُهم، والرفدُ

стр. 2140

هو العطيةُ، وأصلُه: الذي يعينُ بهِ على المطلوبِ، قال قتادةُ: تزايدَتْ عليهم لعنتانِ من الله تعالى: لعنةٌ في الدنيا، ولعنةٌ في الآخرةِ (١). وكلُّ شيء جعلتَه عوناً لشيءٍ فقد رفدتَه به. * * * (١٠٠) - ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى﴾ خبرُه؛ أي: ذلك النبأُ بعض أنباءِ القرى المهلَكة. ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خبرٌ بعد خبرٍ؛ أي: مقصوصٌ عليك (٢). ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ لا محلَّ لها؛ أي: بعضُها باقٍ على أمكنَتِها كالزرعِ القائمِ على ساقٍ، وبعضها باقي الأثرِ كالزرعِ الحصيدِ. * * * (١٠١) - ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾. ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ بإهلاكِنا إياهُم ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بارتكابِ الشركِ والمعاصي التي أُهلِكوا بها. ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾: فما قدرَت أن تدفعَ عنهم بأسَ الله تعالى آلهتُهم ﴿الَّتِي يَدْعُونَ﴾ حكايةُ حالٍ ماضيةٍ؛ أي: التي كانوا يعبُدونها ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: أصنامُهم التي اعتقدُوها آلهةً معبودةً.

стр. 2141

﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: غناءً قليلاً. ﴿لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾: حين جاءَ عذاُبه ونِقمتُه ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ تخسيرٍ. * * * (١٠٢) - ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. ﴿وَكَذَلِكَ﴾: ومثلَ ذلكَ الأخذِ ﴿أَخْذُ رَبِّكَ﴾ وقرئ: (أخَذَ ربُّكَ) بالفعلِ (١) ويكونُ محلُّ الكافِ النصبَ على المصدرِ. ﴿إِذَا أَخَذَ الْقُرَى﴾؛ أي: أهلَها، وقرئ: (إذ) (٢) لأن المعنى على الماضي. ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ حالٌ من القُرى، وهي في الحقيقةِ لأهلِها، لكنها لما أقيمت مُقامها أُجريَت عليها، وفائدتها الإشعارُ بأنهم أُخِذوا بظلمِهم، وإنذارُ كلِّ ظالمٍ ظلمَ نفسَهُ أو غيرَه من وخامةِ العاقبةِ. ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ من بابِ الإسنادِ المجازيِّ؛ لأنَّ الأخذ مؤلمٌ؛ كقولِه: ضربٌ وجيعٌ، ومعناهُ: صعبٌ على المأخوذِ حتى كان الآخذ تألَّمَ (٣) مِن صعوبَتِه، ولا يخفى ما فيهِ من المبالغةِ في التهديدِ والتحذيرِ. * * * (١٠٣) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾.

стр. 2142

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: فيما نزلَ بالأممِ الهالكةِ، أو فيما قصَّهُ اللهُ تعالى ﴿لَآيَةً﴾ لعبرةً ﴿لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾ لأنهُ ينظُرُ إلى ما نزَلَ بهم بسببِ ذنوبِهم فيعتَبرُ بهِ حالَ الآخرة، ويَعلم من شدَّتهِ شدةَ العذابِ الموعودِ وعظَمهِ فينزَجرُ، وأما الذي ينكِرُ الآخرةَ، أو لا يخطُرُ بباله أهوالها، فلا حظَّ لهُ من ذلك الاعتبارِ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى يوم القيامةِ لدلالة عذابِ الآخرةِ عليهِ. ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾ للحسابِ والجزاءِ، و ﴿النَّاسُ﴾ فاعلٌ مجموعٌ؛ كأنهُ قيلَ: يومٌ يجمَعُ له الناسُ، والعدولُ من لفظ الفعلِ إلى لفظِ اسمِ (١) المفعولِ للدلالة على ثباتِ معنى الجمعِ لليومِ، وأنهُ موصوفٌ به صفةً لازمةً لا محالةَ، وأنَّه أثبتُ لإسناد الجمعِ إلى الناسِ؛ لأنَّه يفيدُ أنهم لا ينفكُّون عن الموصوفِ الذي هو ظرفٌ لهم، فهو أبلَغُ من قولِه: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩]. ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾؛ أي: مشهودٌ فيه، فاتُّسعَ في الظرفِ بإجرائه مجرى المفعولِ بهِ؛ أي: تَشهَدُ فيه الخلائقُ الموقفَ، لا يغيبُ عنه أحدٌ، والمرادُ بالمشهودِ: الذي كثُرَ شاهدوه، كما يقالُ: لفلانٍ مجلسٌ مشهودٌ، وطعامٌ محضورٌ، يريدون الكثرةَ. ولو جعِلَ اليومُ مشهوداً في نفسِهِ لفاتَ الغرَضُ: وهو التعظيمُ لليومِ وتميُّزُه فإن سائرَ الأيام كذلكَ، والتهويلُ الحاصلُ من عدَمِ ذكر المشهودِ. * * * (١٠٤) - ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾.

стр. 2143

﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ﴾؛ أي: اليومَ ﴿إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾: إلا لانتهاءِ مدةٍ معهودةٍ (١) قليلةٍ، على حذفِ المضافِ، وإرادةِ مدَّة التأجيلِ كلِّها بالأجَلٍ، لا منتهاها فإنه غيرُ معدودٍ. * * * (١٠٥) - ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾. ﴿يَوْمَ يَأْتي﴾ وقرئ بكسرِ التاءِ والاكتفاءِ بالكسرة عن الياءِ (٢)، والفاعلُ هو الله تعالى؛ كقوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، ويؤيده قراءةُ: (وما يؤخِّره) بالياءِ (٣) وقولُهُ: ﴿بِإِذْنِهِ﴾، أو اليوم كقولِه: ﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾ (٤) [يوسف: ١٠٧]، والمرادُ من إتيانِ اليومِ: إتيانُ أهوالِه (٥) وشدائدِه، فلا يلزَمُ أن يكونَ الزمانُ ظرفاً لنفسِه. والعاملُ في الظرفِ: ﴿لَا تَكَلَّمُ﴾ أو الانتهاء المحذوف؛ أي: ينتهي الأجلُ يومَ تأتي، فلا حاجةِ إلى تقديرِ: اذكُر. ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾: لا تتكلمُ بما ينفَعُ وينجي من جوابٍ أو شفاعةٍ. ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾: إلا بإذنِ الله تعالى؛ كقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبأ: ٣٨] وهذا في موقفٍ، وقولُه: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥، ٣٦] في

стр. 2144

موقفٍ آخرَ، وقولُه: ﴿تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ (١) في موقفٍ آخرَ، وقوله: ﴿نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ [يس: ٦٥] في موقفٍ آخرَ. ولما كان القولُ بتعدُّدِ المواقفِ مما لا بدَّ منه توفيقاً بين الآيات المذكورةِ فلا حاجةَ إلى تخصيصِ الممنوعِ عنه بالأعذارِ الباطلةِ، والمأذونِ فيه بالجواباتِ الحقة، بل لا وجه لهُ؛ لأن الشفاعةَ أيضاً مأذونٌ فيها، وليسَت من جنس الجوابِ. ﴿فَمِنْهُمْ﴾ الضميرُ للناسِ المذكورِ، أو لأهلِ الموقفِ المدلولِ بقولِه: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾. ﴿شَقِيٌّ﴾ وجبَت له النارُ بمقتضَى الوعيدِ؛ تفصيلٌ لما فهِمَ من قوله: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ انقسامُهم إلى قسمين إجمالاً، وتقديمُ الشقيِّ على السعيدِ لأنَّه المفهومُ أولاً في مرتبة الإجمالِ. ﴿وَسَعِيدٌ﴾: وجبَت له الجنةُ بمقتضَى الوعدِ، والأصلُ: ومنهم سعيدٌ، فحذِفَ (منهم) اختصاراً، والتنكيرُ فيها للنوعيةِ. * * * (١٠٦) - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ شروع في تفصيلِ أحوالِ الصنفَينِ المذكورَين بعدَ تفصيلِهما. ﴿لَهُمْ فِيهَا﴾ تقديم الظرفَين (٢) للتخصيصِ ﴿زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ الزفيرُ: إخراج النفَسِ،

стр. 2145

والشهيقُ: ردُّهُ، واستعمالهما في أولِ الشهيقِ وآخرِه، وهما من أصواتِ المكروبين، ففيهِ تشبيهُ حالهم بحالِ مَن استولتِ الحرارةُ على قلبهِ، وانحصَر فيهِ روحُه؛ للدلالةِ على شدَّةِ كربهم وغمِّهم. * * * (١٠٧) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ انتصابُ ﴿خَالِدِينَ﴾ على أنها حالٌ مقدَّرةٌ، و ﴿مَا﴾ مصدريَّةٌ ظرفيةٌ؛ أي: مدةَ دوام السماواتِ والأرضِ. والمراد بهذا التوقيتِ التأبيدُ، على طريقةِ العربِ في قولهم: ما أقام ثبيرٌ، وما لاح كوكَبٌ، وغير ذلكَ مما يذكرُونَه في مقام المبالغةِ في نفي الانقطاعِ، ولا يسبِقُ إلى الفهمِ منها إلا التأبيدُ، لا تعليقُ مدَّتها بمدةِ بقائها. ويجوزُ أن يرادَ التعليقُ، على أن المرادَ من السماوات والأرضِ: سماواتُ الآخرةِ وأرضُها، فإنه لا بدَّ لأهلِها من مُقِلَّةٍ ومُظِلَّةٍ، ولا يلزَمُ في (١) التعليق بهما علمُنا بكيفياتهِما، بل يكفي تعقُّلُ أبديَّتِهم بين مُقِلَّةٍ ومُظِلَّةٍ، وهو معلومٌ من النصوصِ، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وقولِه تعالى: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] وليسَ فيه تشبيهُ ما يُعرَفُ بما لا يعرفُ كما توهِّمَ. ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ استثناءٌ من الخلودِ في عذاب النارِ؛ لأن الكفارَ يُنقلونَ من حرِّ النار إلى بردِ الزمهريرِ، والردُّ بأن النارَ عبارةٌ عن دارِ العقابِ غيرُ واردٍ؛

стр. 2146

لأنَّا لا ننكِرُ استعمال النارِ فيها تغليباً، أما دَعوى الغلبةِ حتى يُهجَر الأصلُ فكلَّا، ألا يُرى إلى قولِه تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] وكم كم (١)؟ وأمَّا ما قيلَ: لأن بعضَهم وهو فسَّاقُ الموحِّدين يخرُجون منها، وذلك كافٍ لصحَّةِ الاستثناء؛ لأنَّ زوالَ الحكمِ عن الكلِّ يكفيهِ زوالُه عن البعضِ، وهم المرادُ بالاستثناءِ الثاني فإنهم مفارِقون عن الجنَّةِ أيامَ عذابِهم، فإن التأبيدَ من مبدأ معيَّنٍ ينتقِضُ باعتبارِ الابتداء كما ينتقِضُ باعتبارِ الانتهاء. ففيه: أنَّ موجِبَ ذلك اندراجُ الفسَّاقِ في القسمَينِ فيفوتُ ما قُصِدَ بالتنكيرِ من التنويعِ والتميزِ بينهُما بحيث لا يندرِجُ أحدُهما في حكمِ الآخرِ، والتقابلُ المتعارَفُ بينهُما المفهومُ (٢) من قولهِ ﵊: "السعيدُ سعيدٌ في بطنِ أمِّهِ، والشقيُّ شقيٌّ في بطنِ أُمِّه" (٣) يأبى عن الجمعِ بينهُما بالاعتبارَينِ. ثم إن الزفيرَ والشهيقَ من خواصِّ الكفارِ، وعلى ما ذكِرَ يلزَمُ تشريكُ الفساقِ معهم فيها (٤). وأما ما ذكرَهُ ثانياً ففيهِ: أنه لا دلالةَ في اللفظِ على المبدأ المعيَّنِ، ولو سلِّمَ فالاستثناءُ يقتضي إخراجاً عن حكمِ الخلودِ، وهو لا محالةَ بعد الدخولِ، ولا يجوزُ

стр. 2147

أن يكون الاستثناءُ من قولِه: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ لأنَّ حق النظمِ حينئذٍ أن يقدَّمَ قولُه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ على قولِهِ: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾. ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ فلا يتَّجهُ الاعتراضُ عليهِ في تخصيصِه بعضَ أوقات الشقاءِ بأحدِ نوعَي العذابِ، وبعضَها بنوعِه الآخَرِ. * * * (١٠٨) - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ وقرئ: ﴿سُعِدُواْ﴾ على البناء للمفعول (١) من: سَعَده اللهُ، بمعنى: أسعدَهُ. ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ قال الزجَّاجُ: هذا من باب: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] و ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] (٢). وقيل: أهل الجنةُ ينعَّمونَ بما هو أعلى من الجنةِ؛ كالاتِّصالِ بجناب القدسِ، والفوزِ برضوان اللهِ تعالى ولقائه. ورُدَّ بأن ما ذُكرَ يحصُلُ وهم في الجنةِ، فيأبى الاستثناء. ﴿عَطَاءً﴾ نصبٌ على المصدرِ المؤكِّدِ؛ أي: أُعطوا عطاءً، أو الحالِ من الجنةِ. ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾: غير مقطوعٍ، وهو تصريحٌ بأن الثوابَ لا ينقطِعُ، وتنبيهٌ على أن المرادَ من الاستثناءِ هاهنا ليس الانقطاعَ، وقولُه في الأشقياءِ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا

стр. 2148

يُرِيدُ﴾ في مقابلةِ هذا القولِ في السعداءِ يرجِّحُ نقل الأشقياءِ إلى ما هو أغلَظُ من عذاب النارِ من عقوباتٍ يقتَضِيها سخَطُ اللهِ تعالى، وما يعلمها إلا هو. * * * (١٠٩) - ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾. ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ﴾ المريةُ: التردُّدُ الحاصِلُ مع الشكِّ، لما قصَّ ﵇ قصصَ عبدةِ الأوثانِ وما حلَّ بهم من أنواعِ العذابِ والنقَمِ أقبلَ عليه مسلِّياً (١) بقولِه هذا؛ أي: لا تكُن في تردُّدٍ بعدما أُنزِلَ إليكَ من (٢) سوءِ عاقبة قومِكَ، ووبالِ عبادتهم الأوثانَ. ﴿مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾: من عبادةِ هؤلاء المشركينَ في أنها ضلالٌ مؤدٍّ إلى مثل ما حلَّ بمن قبلَهم ممن قصَصْتُ عليكَ سوءَ عاقبةِ عبادَتِهم، أو من حالِ ما يعبدون في أنه يضرُّ ولا ينفَعُ. ﴿مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ استئنافٌ لتعليل النهي من المريةِ؛ أي: إن حالهم في الشركِ مثلُ حالِ آبائهم من غيرِ تفاوتٍ، وقد بينَّا لك ما نزلَ بآبائهم بسببِه، فينزِل (٣) عليهم مثلُه؛ لأن التماثُلَ في الأسبابِ يقتضي التماثلَ في المسبَّباتِ. ومعنى ﴿كَمَا يَعْبُدُ﴾: كما كان يعبد، فحذِفَ لدلالةِ ﴿قَبْلُ﴾ عليهِ.

стр. 2149

﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾: حظَّهم من العذابِ كما وفَّينا آباءهم أنصباءَهم، أو من الرزق فيكونُ عذرًا لتأخيرِ العذابِ عنهم (١) مع قيامِ مُوجِبِه. ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ نصب حالًا عن النصيبِ تقييدًا له؛ لدفعِ احتمالِ أن يكونَ منقوصًا في حدِّ نفسِه عما يستحقُّونَه، وتَوفِّيه لا يدفَعُ هذا الاحتمالَ، ومَن لم يتنبَّه لهذا قالَ: إنهُ لتقييدِ التوفيةِ؛ فإنك تقولُ: وفيتُه حقَّهُ، وتريدُ به وفاءَ بعضِه ولو مجازًا. وأمَّا مَن قالَ (٢): يجوزُ أن يوفَّى وهو ناقصٌ، ويوفَّى وهو كاملُ، ألا تراكَ تقولُ: وفيتُه شطرَ حقِّهِ، وثلُثَ حقِّه، وحقَّهُ كاملًا وناقصًا= فلم يُصِب في التنويرِ؛ لأن أوَّلهُ بمعزِلٍ عما فيه الكلامُ، وآخرَه ليس بتمام؛ كما لا يخفى على ذوي الأفهام. * * * (١١٠) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ فآمَن به قومٌ، وكفر به قومٌ، كما اختلَف هؤلاء في القرآن. ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي: قضاءٌ سبقَ بتأخيرِهم إلى يوم القيامةِ. ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾: بينَ قوم موسى ﵇، أو: بينَ قومِكَ، وميّزَ بين المحقِّ والمبطِل. ﴿وَإِنَّهُمْ﴾: وإن كفَّارَ قومِكَ ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾: من القرآنِ ﴿مُرِيبٍ﴾: موقعٍ في الريبةِ والقلَقِ، وهذه الآيةُ من جملة التسليةِ له ﵇.

стр. 2150

(١١١) - ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. ﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾: التنوينُ عوَضٌ عن المضاف إليهِ؛ أي: جميعُ المختلفينَ فيهِ المؤمنينَ والكافرينَ، وقرئ بالتخفيف (١) على إعمالِ المخفَّفةِ اعتبارًا للأصلِ. ﴿لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾: اللام الأُولى موطِّئةٌ للقسَمِ والثانية للتأكيدِ، أو بالعكس، و (ما) مزيدةٌ بينَهُما للفصلِ. وقرئ: ﴿لَمَّا﴾ بالتشديد (٢) على أن أصلَهُ: (لَمِن ما) فقلبَتِ النونُ ميمًا للإدغامِ، فاجتمعَتْ ثلاثُ ميماتٍ، فحذفَت أولاهن، والمعنى: لَمِن الذين يوفينَّهم ربُّكَ جزاءَ أعمالهم. وقرئ: ﴿لَمَّا﴾ بالتنوين (٣)؛ أي: جمعًا، وقرئ: (وإنْ كلٌّ لمَّا) على أنَّ (إنْ) نافية و (لمَّا) بمعنى: إلا (٤)، وقد قُرئ به (٥). ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فلا يفوتُ شيءٌ منهُ وإن خَفِي. * * * (١١٢) - ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ لمَّا بيَّنَ أمرَ المختلِفِين في التوحيدِ والنبوةِ، وبالغَ في الوعد والوعيدِ، أمر نبيَّهُ ﵇ بالاستقامةِ كما أُمرَ به في العقائدِ والأعمالِ من

стр. 2151

وظائفِ العباداتِ، والتبليغِ كما أُنزِلَ إليهِ، وبيانِ الشرائعِ جامعًا بين التنزيهِ والتشبيهِ في التوحيد (١)، محترِزًا عن الإفراطِ والتفريط في الأعمالِ، محتاطًا في التبليغِ والتشريعِ، والفاءُ للسببيةِ؛ أي: إذا كان جزاءُ الكلِّ عليهِ لا عليكَ، فاستقِم أنت فيما أُمِرت بهِ، والكافُ في محلِّ النصبِ صفةٌ للمصدرِ؛ أي: استقامةً مثل الاستقامةِ التي أُمِرت بها. ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾: عطفٌ على المستترِ في ﴿فَاسْتَقِمْ﴾ وحسُنَ من غيرِ تأكيدٍ للفصلِ؛ أي: فليستقِم مَن تاب معكَ من الكفرِ، وآمَن في اتِّباعه في العقائدِ والأعمالِ سالكًا سبيلَ الأمرَينِ دونَ ما هوَ مخصوصٌ بهِ ﵇. ولِمَا في هذه الضَّميمَةِ من تبليغِ ذلكَ الأمرِ العسير إلى غايةِ العسرِ (٢) قالَ النبيُّ ﵇: "شيَّبتْني سورةُ هودٍ" (٣)؛ أي: خصَّ هذه السورةَ بالذكرِ، وإلا فالأمرُ بالاستقامة واردٌ في سورة الشعراءِ. ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾: ولا تخرجُوا عما حدَّ لكم فتعتَدوا. ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فهو مجازِيكم به، وهو في معنى التعليلِ للأمرِ والنهيِ.

стр. 2152

وفي الآيةِ دليل على وجوب اتباعِ النصوصِ من غيرِ تصرُّفٍ وانحرافٍ بمجرَّدِ الرأي، وأما التصرُّفُ بمقتضى الاجتهادِ فيما يُحتاج إليهِ فليسَ بمنهيٍّ عنهُ، بل مأمورٌ به على ما وردَ به النصوصُ، والتصرُّفُ بالقياسِ والاستحسانِ من المجتهدينَ من هذا القبيلِ. * * * (١١٣) - ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾. ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الركونُ: الميل اليسيرُ؛ أي: ولا تميلوا ميلًا مّا إلى مَن وجِدَ منه ظلمٌ، ولم يقل: إلى الظالمينَ للمبالغةِ في النهيِ، كأنه قيلَ: لا يوجد منكُم أدنى ميلةٍ إلى مَن صدرَ منهُ وقتًا مّا ظلم مّا فضلًا عن الميلِ الكثيرِ إلى الذين عادتُهم الظلمُ، فكيفَ بالظلمِ؟ ويتناوَلُ مصاحبَتهم، ومداهنتَهم في أعمالِهم، والانحطاطَ إلى هواهُم، والتزيِّيَ بزيِّهم، ومدَّ العين إلى زمرتِهم، وتعظيمَهم (١)، وإنما قالَ: ﴿إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ دون: إلى الذي ظلَمَ؛ لأن كونَهم جماعةً مظِنَّةُ الرخصةِ في مداهَنتِهم، فالنهيُ عن ركونِهم أبلَغُ، والآيةُ أبلغُ ما يتصوَّرُ في النهي عن الظلم والتهديدِ عليهِ. ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ بالركونِ إليهم، وخطابُ الرسولِ ﷺ للتثبيتِ على الاستقامةِ التي هي العدلُ، وإيعادُهم بالنار مع سلبِ الولاية والنصرة عنهُم عند أدنى انحرافٍ منهم عن جادَّةِ العدلِ إلى مَن وجِدَ منهُ ضدُّهُ، مع كونِه ﵇ أحبَّ الخلائق

стр. 2153

إليهِ، زيادةُ تأكيدٍ في المبالغةِ، فإن الميل إلى أحدُ طرفي الإفراطِ والتفريطِ ظلمٌ في نفسِه سواءٌ كان على نفسِ الظالم أو غيره. ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾: من أنصارٍ يمنعونَكُم مِن عذابهِ، حالٌ من قولِه: ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، وإنما أتى بصيغَةِ الجمعِ لمكان ﴿لَكُمْ﴾ وإلا فنفيُ المفرَدِ أبلغُ. ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ هو أيضًا إذا سبقَ حكمُهُ بتعذيبِكُم فلا يبقى عليكُم، ومعنى ﴿ثُمَّ﴾ استبعادُ نصرَتِه لهم بعدَ الحُكمِ باستيجابِهم العذابَ. * * * (١١٤) - ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾: غدوةً وعشيةً، وانتصابُه على الظرفيةِ لإضافتِه إلى الوقتِ. ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾: وساعاتٍ منه قريبةٍ من النهارِ، فإنه مِن أزلفَه إذا قرَّبهُ، وهو جمع زلفةٍ، عطفٌ على طرفي النهارِ، وإن فسر بـ: قُرَب (١)، فالوجهُ أن يعطفَ على ﴿الصَّلَاةَ﴾ (٢)؛ أي: وأقم صلواتٍ تتقرَّبُ بها إلى اللهِ تعالى في بعض الليلِ، وصلاةُ الغدوة: الفجرُ، وصلاة العشية: الظهرُ والعصرُ؛ لأن ما بعد الزوالِ عشيٌّ، وصلاة الزُّلَفِ: المغربُ والعشاءُ.

стр. 2154

وقرئ: (زُلْفَى) بمعنى: زُلفَة (١)؛ كقُربى وقُربةٍ. ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾: يكفِّرنها، وفي الحديثِ: "إن الصلاةَ إلى الصلاةِ كفارةٌ لما بينهُما ما اجتنبتِ الكبائرُ" (٢)، أو ينفينَ السيِّئاتِ بمعنى: يُزِلن استعدادَ ارتكابِها كقولِه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى قولهِ: ﴿فَاسْتَقِمْ﴾ وما بعدَه ﴿ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾: عظةٌ للمتَّقينَ. * * * (١١٥) - ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. ﴿وَاصْبِرْ﴾ كرَّرَ التذكيرَ بالصبرِ بعد ما جاءَ بما هو خاتمةٌ للتذكيرِ؛ للدلالةِ على فضيلة الصبرِ وزينتِه (٣)، والتنبيهِ على علوِّ شأنِه ومكانتِه، كأنهُ قالَ: وعليكَ بما هو أهمُّ بما ذكِّرت بهِ، وأخَصُّ بالتوصيةِ في بابه، وهو الصبرُ على امتثالِ ما أُمِرتَ بهِ، والانتهاءِ عما نهيتَ عنهُ، فلا يتمُّ شيءٌ إلا به. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: تعميمٌ كالتعليلِ بالبرهانِ للأوامرِ والنواهي المذكورةِ من قولِهِ: ﴿فَاسْتَقِمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَاصْبِرْ﴾، وإنما عدلَ عن الضميرِ إيماءً إلى أن الصلاةَ والصبرَ إحسانٌ إلا أنه لا يُعتدُّ بهما دونَ الإخلاصِ به. * * *

стр. 2155

(١١٦) - ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾. ﴿فَلَوْلَا كَانَ﴾ (لولا) هنا للتحضيضِ، ضمَّنَها معنى التوجُّعِ والتأسُّفِ الذي ينبغِي أن يقعَ من البشرِ على هذه الأممِ الذي لم تهتَدِ. ﴿مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ﴾: أولو فضلٍ وصبرٍ، وإنما سمِّي بقيةً لأن الرجل يستبقِي مما يخرجِهُ (١) أجودَه وأفضلَهُ، فصارَ مثلًا في الجودة والفضلِ، ومنه قولهم: في الزوايا خبايا، وفي الرجالِ بقايا، وقوله ﵇ في العباس ﵁: "هذا بقيَّةُ آبائي" (٢). ويجوزُ أن يكونَ مصدرًا كالتقيَّة (٣)؛ أي: ذوو إبقاءٍ على أنفُسِهم وصيانةٍ لها من العذابِ، ويؤيدهُ أن قرئ: (بَقْيَةٍ) (٤)، وهي المرةُ مصدرُ بَقَاه يَبْقِيهِ: إذا راقبه. ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾؛ أي: ولكنَّ قليلًا ممن أنجينا من القرونِ نهوا عن الفساد وأكثرُهم تاركون للنهيِ، على أن (مِن) للبيانِ لا

стр. 2156

للتبعيضِ؛ لأن النجاةَ إنما هي للناهينَ وحدَهم؛ لقولِه: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف: ١٦٥]. ولا يجوزُ أن يكون الاستثناءُ متَّصلًا على الظاهر؛ لفسادِ المعنى؛ لأنَّه يكونُ تحضيضًا لأولي البقية على النهيِ عن الفسادِ إلا للقليلَ من الناجينَ منهم (١)، ولكن إن استثني من النفي اللازمِ للتحضيض جازَ كونُه متصلًا؛ كأنه قيلَ: ما كان من القرونِ أولو بقيةٍ ينهَون عن الفسادِ إلا قليلًا، وإن كان الأفصَحُ أن يُرفَعَ على البدلِ. ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: تركوا النهيَ عن المنكراتِ ﴿مَا أُتْرِفُوا﴾ ما أُنعِموا ﴿فِيهِ﴾ منَ الشهواتِ، واهتمُّوا بتحصيلِ أسبابها، وأعرَضُوا عما وراء ذلكَ. ﴿وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ كافرينَ، كأنه أرادَ أن يبينَ ما كان السببَ لاستئصالِ الأممِ السالفةِ، وهو فشوُّ الظلمِ فيهم (٢)، واتِّباعُهم للهوى مع الكفرِ. و ﴿وَاتَّبَعَ﴾ عطفٌ على مضمرٍ دلَّ عليه الكلامُ، إذ المعنى: فلم ينهوا عن الفسادِ واتبعَ الذين ظلَموا … ﴿وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ عطفٌ على ﴿أُتْرِفُوا﴾؛ أي: اتَّبعوا ما أترِفوا فيهِ وعادتُهم التمادي في الإجرامِ، أو على ﴿اتَّبِعْ﴾، أو اعتراضٌ (٣).

стр. 2157

وقرئ: (وأُتبعَ) (١)؛ أي: وأتبِعوا جزاءَ ما أُترِفوا، فيكونُ الواو للحالِ، ويجوز أن يفسَّرَ به المشهورةُ، ويعضدُه تقدُّمُ الإنجاء. * * * (١١٧) - ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾. ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى﴾ اللامُ لتأكيدِ النفي ﴿بِظُلْمٍ﴾ حالٌ من الفاعلِ، والتنكيُر للتعظيمِ، والإشارةِ إلى أن إهلاكَ المصلِحينَ ظلمٌ عظيمٌ، ولذلكَ أكدَ النفيَ باللامِ، وكذا إن فسِّرَ الظلمُ بالشركِ، والباء للسببيةِ؛ أي: لا يهلِكُكم بسببِ ظلمٍ أعظمَ منهُ. ﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾: حالَ كونِهم مصلِحين ما بينَهم بالعدالةِ؛ لكمالِ رأفَتِه ورحمَتِه بالعبادِ ومساهلَتِه في حقِّهِ، ومن ثمةَ قدَّمَ الفقهاءُ عند تزاحُمِ الحقوقِ حقوقَ العبادِ؛ أي: وما صحَّ أن يهلِكَ ربُّكَ القرى ظالمًا لها تنزيهًا لذاتِه من الظلمِ، أو بسببِ شركِ أهلِها ما لم يضمُّوا إلى الشركِ إفسادًا فيما بينهُم، ولذلك قيلَ: المُلك يبقَى مع الكفرِ، ولا يبقَى مع الظلمِ. * * * (١١٨) - ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾. ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على ملةِ الإسلام كُلِّهم، وهو دليل على أن الأمرَ لا يستلزِمُ الإرادةَ، وأنَّه تعالى قادرٌ على إيقاعِ ما أرادَهُ في الخصوصِ المذكورِ، وأمَّا أنَّ كلَّ ما أرادَهُ يجِبُ وقوعُه فلا دلالةَ فيما ذُكِر عليهِ.

стр. 2158

﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾: بعضُهم على الحقِّ، وبعضُهم على الباطلِ كما ترى (١). * * * (١١٩) - ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾: إلا قومًا هداهم الله تعالى مِن فضله فاتَّفقوا على دين الحقِّ وملةِ التوحيدِ. ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ الضميرُ للقومِ، والإشارةُ إلى الاختلافِ، واللامُ للعاقبةِ؛ أي: ولِمَا هم عليه من الاختلافِ خلقَهم؛ ليتميَّز المحِقُّ من المبطِل، ويترتَّبَ الثوابُ والعقابُ على العقائدِ والأعمال. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾: وعيدُه، أو قولُه للملائكةِ: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾؛ أي: مِن عصاتِهما ﴿أَجْمَعِينَ﴾: لا مِن أحدهما؛ ففيه دفعُ (٢) احتمالِ أن يكونَ الإملاءُ من أحدِهما، ويضافَ إليهما؛ كما في قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] والمرادُ استيعابُ الصِّنفَين لا استيعابُ أفرادِهما. * * * (١٢٠) - ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.

стр. 2159

﴿وَكُلًّا﴾ مفعولُ ﴿نَقُصُّ﴾ في: ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ والتنوينُ بدلٌ من المضافِ إليهِ؛ أي: نبأ. وقولُهُ: ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ﴾ بيانُ ﴿وَكُلًّا﴾ (١)؛ أي: نخبرُك به ﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ بدل منهُ (٢). أو ﴿وَكُلًّا﴾ مصدرٌ، أي: وكلَّ اقتصاصٍ نقصُّ، على معنى: وكلَّ نوعٍ وأسلوبٍ من أنواع القَصصِ وأساليبِه نقصُّ عليكَ، و ﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ﴾ مفعولُ ﴿نَقُصُّ﴾. ومعنى تثبيت فؤادِه ﵇: طمأنينةُ قلبهِ، وزيادةُ يقينهِ، والتأسِّي بهم في الثباتِ والصبرِ على تبليغ الرسالةِ وتحمُّلِ الأذى؛ كقولِه: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وذلكَ لأنَّ المشاركة في الأمورِ الصعبةِ تهوِّنُ ما يلقى الإنسان من الأذى، والإعلامُ بما جرى على المكذِّبين من العقوباتِ المستأصِلةِ بأنواعِ العذابِ مِن غرقٍ وريحٍ ورجفةٍ وخسفٍ (٣) فيهِ طمأنينة النفسِ (٤) وتثبيتٌ. ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ﴾ السورةِ، أو: الأنباءِ المقتصَّةِ عليكَ ﴿الْحَقُّ﴾: ما هو الحقُّ ﴿وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى﴾ إشارةٌ إلى سائرِ فوائده العامَّةِ، وإنما قالَ: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ إذ لا ينتَفِعُ بها إلا المؤمن. * * *

стр. 2160

(١٢١) - ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ﴾. ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ﴾ قد سبقَ تفسيرُه في سورة الأنعامِ. * * * (١٢٢) - ﴿وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾. ﴿وَانْتَظِرُوا﴾ بنا الدوائرِ ﴿إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ أن ينزِلَ بكُم ما نزَلَ على أمثالِكُم. * * * (١٢٣) - ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خاصةً دونَ غيرِه، ولا يخفى عليه خافيةٌ فيهِما فلا يخفى عليهِ أعمالُكم. ﴿وَإِلَيْهِ﴾ خاصَّةً لا إلى غيرِه ﴿يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ فلا بدَّ أن يرجِعَ إليه أمرُكَ وأمرُهم، فينتقِم لك منهم. ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ فإنه كافيكَ، وتقديمُ العبادةِ على التوكلِ للتنبيه على أن التوكلَ إنما لا (١) يصحُّ إلا بعد تخصيصِه بالعبادةِ، والانسلاخِ عن أفعال النفسِ إلى المأمورِ به. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أنتَ وهم، فيجازيكَ بما تستحقُّ من الثوابِ، ويجازيهم بما يستحقُّون من العقابِ، والله أعلَمُ بالصوابِ. * * *

стр. 2161

سُورَةُ يُوسُفَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) - ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. ﴿الر تِلْكَ﴾ إشارةٌ إلى السورة ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾: القرآن. ﴿الْمُبِينِ﴾: الظاهرِ، مِن أبانَ بمعنى: بان، والمراد: ظهور إعجازه، وهو ها هنا بمنزلة قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ في قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]. ويجوز أن يكون من أبان بمعنى بيَّن؛ أي: المبينِ لِمَا سأله اليهود عن سبب انتقال آل يعقوب ﵈ من الشام إلى مصر، وعلى هذا تكون ﴿تِلْكَ﴾ إشارةً إلى آيات السورة، وهو المراد بالكتاب. * * * (٢) - ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ أراد تعظيم الكتاب المذكور بإسناد إنزاله إلى نفسه. ﴿قُرْآنًا﴾ أي: حالَ كونه مقروءًا، وليس فيه إطلاق اسم (١) الكلِّ على الجزء؛ لأن مبناه على كون القرآن عَلَمًا بالغلَبة وذلك بعد النزول فلا وجه لاعتباره عنده.

стр. 2162

﴿عَرَبِيًّا﴾؛ أي: كسوناه للقَرَأة (١) كسوةَ العربية، وهو كالتعليل لكونه مبنيًّا على المعنى الأول. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: إرادةَ أن تفهموا حقائق معانيه ودقائقَ مبانيه، وما في عبارته من الأسرار والإشارات؛ إذ هي لغتكم كما أَنزل التوراةَ على أهلها بلغة العبريِّ، والإنجيل بلغة السُّريانيِّ لذلك. وفيه إشارة إلى أن حقيقة كلام الله تعالى منزَّهة في كلاميتها عن كسوة الحروف واللغات، ولكنَّ الخلق محتاجون في تعقُّل معانيها إليه. * * * (٣) - ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾. ﴿نَحْنُ﴾ زيادةُ تأكيد لـ (إنَّ). ﴿نَقُصُّ﴾ دالٌّ على معنى الجمع. ﴿عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾؛ أي: قَصَصًا أحسنَ القَصَص، وهو مصدر بمعنى الاقتصاص، ويجوز أن يراد به المفعول (٢)، أو مفعول لـ ﴿نَقُصُّ﴾. وهو في الأصل: تتبُّع الشيء، ومنه: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١]؛ أي: تتَبَّعي أثره، والقاصُّ يتتبَّع الآثار فيُخبر بها.

стр. 2163

والحُسن عائد إلى القصَص، يقال: فلان حَسَنُ الاقتصاص للحديث؛ أي: السِّيَاقة له، أو إلى القصة فإنها أتمُّ القِصص المذكورة في القرآن وأشملُها لأنواع العبر وأصنافِ الحِكَم. ويجوز أن يكون المعنى: لعلكم تعقلون أنه منزلٌ من عند (١) الله تعالى، وذلك أن الدليل عليه إعجازه؛ لغاية بلاغته ونهاية فصاحته، وبلوغُه إليها لكونه على لسان العرب لأنَّه أفصح الألسنة وأبلغها، وعلى هذا يكون تمهيدًا لِمَا ذكر بقوله: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا﴾ أي: بإيحائنا ﴿إِلَيْكَ﴾ بواسطة جبريل ﵇، وإنما أسقط الواسطة تشريفًا للموحَى والموحَى إليه. ﴿هَذَا﴾ يجوز أن يكون مفعولَ ﴿نَقُصُّ﴾ على أن ﴿أَحْسَنَ﴾ نصبٌ على المصدر، والإشارة المتضمِّنة للتقريب بذكر المقصود المذكور. ﴿الْقُرْآنَ﴾ نعتٌ لـ ﴿هَذَا﴾، أو بدل منه أو عطفُ بيان، وأجاز الزجَّاج الرفع على إضمار مبتدأ، كأن سائلًا سأل عما أُوحي فقيل: هو هذا القرآن (٢). وأجاز الفرَّاء الخفض على التكرير (٣). وهو عند البصريين على البدل من (ما). وعلى هذين التقديرين يجوز أن تكون (ما) موصولةً والعائدُ محذوف والباء بمعنى (في)، وعلى هذا يجوز أن يكون نصبُ ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾ على الاختصاص أو بيانًا للمحذوف، والمراد بالقرآن: السورة.

стр. 2164

﴿وَإِنْ كُنْتَ﴾ (إنْ) هي المخفَّفة من الثقيلة، واللام هي الفارقة. ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ الضمير راجع إلى (ما أوحينا)، والمعنى: وإن الشأن كنتَ من قبل (١) إيحائنا إليك ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ عن هذه القصة، لم تخطر ببالك، وهو تعليل لكونه موحًى، كنى بالغفلة عن عدم العلم بالكلية إجلالًا لشأنه ﵇، فإن في التصريح بكونه من الجاهلين ما لا يخفى، ومن الغافلين عمَّا في هذا الكلام من الاحترام مَن قال في تفسيره: أي: من الجاهلين. * * * (٤) - ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾. ﴿إِذْ قَالَ﴾ بدلٌ من ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ بدلَ الاشتمال على أنه مفعول، أو نصبٌ بإضمار اذكر. ﴿يُوسُفُ﴾ اسم عبراني؛ إذ لو كان عربيًّا لصُرف؛ لخلوِّه عن سببٍ آخر سوى التعريف. وقرئ بفتح السين وكسرها (٢) على التلعُّب (٣) به، لا على أنه مضارعٌ بُني للمفعول أو الفاعل من أَسِفَ؛ لأن القراءة المشهورة شهدت بعَجميته (٤).

стр. 2165

﴿لِأَبِيهِ﴾ يعقوبَ ﵇: ﴿يَاأَبَتِ﴾ أصله: يا أبي، عوِّض تاءُ التأنيث عن الياء لتَناسُبهما في الزيادة، ولذلك قُلبت في الوقف هاءً (١)، وقرئ بالفتح (٢) لأنها حركةُ أصلِها (٣)، ولم تسكَّن كأصلها لأنها حرفٌ صحيح نزِّل منزلة الاسم فوجب تحريكها ككاف الخطاب، أو لأنَّه كان: يا أبتا، فحذفت الألف (٤) واكتُفي بالفتحة. وإنما جاز: يا أبتا، ولم يجُز: يا أبتي؛ لأنَّه جمعٌ بين العِوَض والمعوَّض عنه. وقرئ بالضم (٥) إجراءً لها مجرى الأسماء المؤنَّثة بالتاء من غير اعتبارِ التعويض، كقولك: يا ثُبة (٦). ﴿إِنِّي رَأَيْتُ﴾ من الرؤيا لا من الرؤية، لا لأنَّه لو كانت في اليقظة لكانت آيةً عظيمةً ليعقوب ﵇، ولَمَا (٧) خَفِيَت عليه وعلى الناس؛ لأنَّه يجوز أن يكون إرهاصًا ليوسف، والكرامةُ لا يلزمها أن يطَّلع عليها صاحبها، وأما اطِّلاع الناس عليه فإنما يَلزم أنْ لو كان سجودهنَّ مجتمعينَ في الأرض، ولا دلالة عليه فيما ذُكر= بل لأن قوله: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ﴾ وقولَه: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ﴾ صريحان فيه.

стр. 2166

﴿أَحَدَ عَشَرَ﴾ وقرئ بسكون الشين لاجتماع ستِّ فتحات (١)، وروي بسكون العين (٢) لطول الاسم وكثرة الحركات. ﴿كَوْكَبًا﴾ نصبٌ على التمييز. ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ إنما أخرجهما عن الكواكب ليَعطفهما عليها؛ بيانًا لفضلهما واستبدادهما بالمزيَّة على سائر الطوالع. ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ استئنافٌ ببيان حالهم التي رآهم (٣) عليها، وإنما أجريت مجرى العقلاء لوصفها بصفاتهم، ويجوز أن يكون الأول لبيان مشاهدتهم في المنام على وجه التفصيل والثاني لبيان مشاهدتهم جملةً مجتمعِينَ في السجود له، فالإعادةُ للإفادة، وتقديمُ الظرف للاهتمام والعنايةِ لما هو الأهمُّ وفي ضِمْنِه رعايةُ الفاصلة. * * * (٥) - ﴿قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. ﴿قَالَ يَابُنَيَّ﴾ تصغيرُ ابن للشفقة، أو لصِغَر السن. ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ﴾ الرؤيا في المنام، والرؤيةُ في العين، والرأي في القلب، والرؤيا كالرؤية غيرَ أن إحداهما مختصةٌ بما يكون في النوم والأخرى بما يكون في اليقظة، وفرِّق بينهما بحرفي التأنيث كالقُرْبَى والقُرْبةِ.

стр. 2167

﴿عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ﴾ منصوبٌ بإضمارِ (أنْ) جوابًا للنهي، والمعنى: إن قصَصْتَها عليهم كادُوكَ لأنهم يعلمون تأويلها فيحتالون في هلاكك، والكيد: الأخذ على خفاءٍ، وإنما أتى باللام، ولم يقل: فيكيدوك، كما قيل: ﴿فَكِيدُونِي﴾ [هود: ٥٥]؛ لأنَّه ضمن معنى فعل يتعدى باللام نحو احتال (١)، ليفيد معنى الفعلين مبالغةً وتأكيدًا في التحذير، ولذلك أكده بالمصدر (٢). ﴿كَيْدًا﴾ منكورًا بعيدًا عن فهمك، وهو معنى تنكيرها وإبهامها، والمقصود زيادة مبالغة في التخويف، ولذلك استأنف قوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ على تقدير سؤال، كأن يوسف استبعد وقوع الكيد في حقه من إخوته، فأزال استبعاده ببيان مَنشئه، يعني: إن الشيطان ظاهرُ العداوة للإنسان كما فعل بآدم وحواء، فهو يحمل على الكيد والمكر وكلِّ شرٍّ ليورِّط مَن يحمل، فلا يؤمَنُ أن يحملهم على مثله. * * * (٦) - ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ محله النصب على المصدر؛ أي: ومِثْلَ ذلك الاجتباءِ الذي اجتباك للرؤيا ﴿يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾: يصطفيك من سائر المخلوقات فضلًا عن أقربائك (٣) لِمَا هو أعظم منها.

стр. 2168

وأصل الاجتباء: الجمع على طريق الاصطفاء، ثم استأنف بقوله: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ﴾ لئلا يكون داخلًا في حكم التشبيه؛ أي: وهو يعلمك ﴿مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾؛ أي: تعبير الرؤيا؛ لأنها أحاديث الملَك إن كانت صادقةً، وأحاديثُ النفس والشيطان إن كانت كاذبةً، وإنما سمَّى التعبير تأويلًا لأنَّه يُؤوِّل ما رآه (١) إلى ما ذكره، وكان يوسف ﵇ أعبرَ الناس للرؤيا وأصحَّهم عبارةً لها. ويجوز أن يراد بـ ﴿تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾: تبيينُ معاني كتب الله تعالى وسُنَنِ الأنبياء ﵈، وما غمُض واشتَبَه على الناس من أغراضها ومقاصدها، وسميت أحاديثَ لأنها يحدَّث بها عن الله تعالى ورسله ﵈، وأحاديث (٢) مبنيٌّ على واحده المستعمَل وهو الحديث، كأنهم جمعوا حديثًا على أَحْدِثةٍ، ثم جمعوا الجمعَ على أحاديثَ، كقطيعٍ وأقطعةٍ وأقاطيعَ. والقول بأنه اسم جمع للحديث مردودٌ بأنه لم يأت اسمُ جمع على هذا الوزن، وأما أباطيل فجمعٌ لا واحد له كعباديدَ وشماطيطَ. ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بالنبوَّة أو بوصلِ نعمة الدنيا بنعمة الآخرة. ﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾: سائرِ بَنيه، قيل: استَدل على شرفهم ونبوَّتهم بضوء الكواكب. أو: نسلِه (٣). ﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ تذكيرٌ لكونه من حَفَدة الأنبياء الكرام

стр. 2169

﵈، وتلويحٌ إلى معنى: الولدُ سرُّ أبيه؛ ليطمئن قلبه بما أخبر به، ومن ها هنا ظهر وجهُ رجحان إضافة الأبوين إليه دون يعقوب ﵉. وأيضًا: في إضافتهما إلى يعقوب ﵇ تغليب إسحاق على إبراهيم ﵉، بخلافِ ما إذا أضيفا إلى يوسف ﵇. والمراد بالأبوين: الجدُّ وأبُ الجدِّ؛ لأنهما في الأصالة في حكم الأب، ومن ثَمةَ يقولون: ابن فلان، لمن بينه وبين فلان عدَّة آباءٍ. وإتمام النعمة في حقِّهما: بالنبوة ورفع الدرجات في الآخرة، وقيل: على إبراهيم ﵇ بالخلَّة والإنجاء من النار، وعلى إسحاق ﵇ بالإنجاء من الذبح والفداءِ بذبح عظيم (١). ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾: يَعلم مَن يستحقُّ الاجتباء. ﴿حَكِيمٌ﴾: يفعل الأشياء على ما ينبغي، فلا يُتمُّ نعمتَه إلا على مَن يستحقُّه. * * * (٧) - ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾. ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ﴾؛ أي: في قصتهم ﴿آيَاتٌ﴾: دلائل على قدرة الله تعالى وحكمته ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾: للطالبين لها. أو: دلائل على نبوته ﵇ للذين سألوا من اليهود عنهم فأخبرهم

стр. 2170

بالصحة من غير سماعٍ من أحد ولا قراءةِ كتاب، وإنما جمع لتعدُّد جهة الإعجاز لفظًا ومعنًى. والمراد بأخوته: بنو عَلَّاته (١) العشرة. * * * (٨) - ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾ بنيامينُ، وتخصيصه بالإضافة بالأخوَّة من الطرفين، وأشاروا بهذه الإضافة إلى أن سبب فضيلته عند أبيهم اختصاصُه بيوسف ﵇، فذكرُهم زيادةَ محبة أبيه له ليس حسدًا منهم عليه بل حسدًا على يوسف ﵇؛ لأنَّه حينئذ يرجع إلى زيادة محبته (٢) له، ولهذا خصُّوا التعرُّض (٣) له. وفائدة لام الابتداء في (يوسف) تحقيقُ مضمون الجملة وتأكيدُه؛ أي (٤): أن زيادة محبته لهما أمر محقَّق لا شبهة فيه. ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ إنما وحَّد ﴿أَحَبُّ﴾ مع كونهما اثنين؛ لأن (أفعلَ من كذا) لا يغيَّر عن صيغة الواحد المذكَّر؛ لأن تمامه بـ (مِن)، ولا يثنَّى الاسم ولا يُجمع ولا يؤنث قبل تمامه، ولا بد في المعرف باللام من المطابقة، وفي المضاف جاز الأمران.

стр. 2171

﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾؛ أي: يفضِّلهما في المحبة علينا والحالُ أنا جماعةٌ أَكفاءُ أقوياءُ نقوم بمصالحه ومنافعه وهما صغيران لا كفاية ولا منفعة، فنحن أحق بزيادة المحبة منهما، والعُصبة (١): العشرة فصاعدًا، سُمُّوا بذلك لأنهم جماعةٌ تُعْصَب بهم الأمور وتُسْتَكْفَى النوائب. ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: لفي ذهابٍ عن وجه الصواب في رأيه هذا بإيثارِ اثنين من الضعفاء على عشرةٍ من الأقوياء مع استوائهم في الأنساب (٢)، بالَغوا في الإسناد بزيادة حرفي التأكيد، وفي المسندِ بوصف الضلال بالظهور، وجَعْلِه ظرفًا له ﵇، وذلك لزيادة تأثُّرهم عن التفضيل المذكور. روي أنه كان ﵇ أحبَّ إلى أبيه لِمَا يرى فيه من المحامد، وكان إخوته يحسدونه، فلما رأى الرؤيا تضاعف له المحبة بحيث لم يصبر عنه، فتبالغ (٣) حسدُهم حتى (٤) حملهم على التعرُّض له. * * * (٩) - ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾. ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ من جملة المحكيِّ بعد قوله (٥): ﴿إِذْ قَالُوا﴾، كأنهم اتفقوا على ذلك الأمر، إلا مَن قال: ﴿لَا تَقْتُلُوا﴾.

стр. 2172

﴿اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ منكورةً مجهولةً بعيدةً عن العمران، وهو معنى تنكيرها، ولإبهامها (١) نُصبتْ نَصْبَ الظروف المبهَمة، والمعتبَرُ فيها أن لا يكون محدودًا بالحدود ومحصورًا بالأقطار، ولا ينافيه التقييدُ بنوع من القيود. ﴿يَخْلُ﴾ جزمٌ لأنَّه جواب الأمر، ومعناه: يَخْلُصْ وَيصْفو. ﴿لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ فيُقبلْ عليكم بكلِّيَّته، لا يلتفتْ عنكم إلى غيركم، وذِكْرُ الوجه لتصوير إقباله عليهم؛ لأن مَن أقبل على الشيء يكون وجهه في جانبه. ويجوز أن يكون المراد بالوجه: الذاتُ، كما في قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]؛ لأنَّه إذا صفَتْ محبتُه لهم يكون لهم وحده غيرَ مشترَكٍ فيه. ﴿وَتَكُونُوا﴾ جزمٌ عطفًا على ﴿يَخْلُ﴾، أو نصبٌ بإضمار (إنْ)، والواو بمعنى: مع. ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: مِن بعدِ يوسف، أو: مِن بعدِ قتلهِ أو طرحهِ أو الفراغِ من أمره. ﴿قَوْمًا صَالِحِينَ﴾: تائبين إلى الله تعالى عما جنَيتم عليه، أو: ذي صلاحٍ في أمر دنياكم؛ لانتظامه بخلوِّ وجه أبيكم لكم، أو بصلاحِ ما بينكم وبينَ أبيكم بعذرٍ تمهدونه له. * * * (١٠) - ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾.

стр. 2173

﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ أبهمه سترًا على القائلين بقتله ﵇؛ حذرًا عن سوء الظنِّ من السامعين بخصوصهم، وهم أنبياء ﵈، ومَن لم يَنتبِه لهذا قال: يعني: يهوذا، كان هذا القائلُ أحسنهم رأيًا، حيث أنكر كلًّا من الأمرين اللذَين عزموا على أن يفعلوا واحدًا منهما، لمَّا رأى في أحدهما إفراطًا وفي الآخر تفريطًا نظرًا إلى غرضهم؛ لعدم قدرتهم في يوم واحد على تبعيد يوسف ﵇ عن ديارهم. ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ فإن القتل عظيمٌ والغرضُ يحصل بدونه. ولم يصرِّح بالنهي عن المنكر الآخر إحالةً له على دلالةِ ما اختاره عليه، كأنه قال: مقدوركم الذي يتم به غرضكم هو هذا. ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ الغيابة: ما غاب عن عين الناظر وأظلم. الجب: البئر الذي لم يُطْوَ، إنما سمي جبًّا لأنَّه ليس فيه غيرُ جَبِّ الأرض؛ أي: قطعها، وغَيَابَتُه أسفلُه الذي يَغيب ما وقع فيه وقعرُه. وقرئ: ﴿غَيَابَتِ﴾ على الجمع (١)، كأنه لتلك الجبِّ غياباتٌ. ﴿يَلْتَقِطْهُ﴾ الالتقاط: أخذ الشيء من حيث لا يُحتسَبُ، لا الأخذُ مطلقًا، ولهذا حَسُنَ موقعه هاهنا وفي قولهِ تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص: ٨]. ﴿بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ أي: بعض المسافرين، فيذهبُ به إلى ناحية بعيدة فتستريحوا منه. والسيارة: جمع سائرة، وهو كثيرُ السير في الأرض، وإنما اختار صيغةَ المبالغة لأنها المناسبُ لِمَا قصده من الإذهاب إلى ديارٍ بعيدة، وفيما ذُكر قرينةٌ على أنه أِشار بقوله: ﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ أي: بئرٍ عرَفوها في ديارهم، ولذلك عرَّفها.

стр. 2174

وقرئ: ﴿تلتقطه﴾ بالتاء الفوقانية (١) على المعنى؛ لأن بعض السيارة سائرة. ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ ما يفرِّق بينه وبين أبيه فهذا هو الرأي؛ لأن هذا القَدْر يكفي فيه، ولمَّا كان أول كلام هذا القائل على نظر الشفقة أتى في آخره ما يناسبه حيث قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾. * * * (١١) - ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾. ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾: لمَ تخافُنا عليه؟ ﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾: ونحن له ناصحون (٢)، ونحن نشفقُ عليه ونريد له الخير، وما وُجد منا في حقه إلا النصح والمحبةُ، أرادوا استنزاله عن رأيه في حفظه منهم لمَّا أحسَّ بالحسد (٣). * * * (١٢) - ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا﴾ في الصحراء، وفي لفظة ﴿أَرْسِلْهُ﴾ دليل على أن يعقوب ﵇ كان يمسك يوسف ﵇ ويصحبُه دائمًا. ﴿يَرْتَعْ﴾ الرَّتْع: الاتساع في الملاذِّ بالذهاب في جهاتٍ من اليمين والشمال. وقيل: أصل الرتع: التصرُّفُ في الشهوات، يقال: رتع فلان في ماله: إذا أنفقه في شهواته.

стр. 2175

﴿وَيَلْعَبْ﴾ المراد من اللعب ها هنا هو الاستباق والانتضال، ويتدربون (١) بذلك لقتال العدو، وإنما سمَّوه لعبًا لأنَّه بصورة اللعب، ولم (٢) يريدوا به اللهو بدليل قولهم: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ ولو كان مرادهم اللهو لمَا أقرهم عليه يعقوب ﵇. وقرئ: ﴿نَرْتَعِ﴾ بالنون وكسر (٣) العين من ارتَعى يرتعي (٤). وقرئ بالكسر، والياء فيه وفي ﴿يلعبْ﴾ (٥). وقرئ: ﴿وَيَلْعَبْ﴾ بالياء والسكون (٦) على إسناد الفعل إلى يوسف ﵇ لصغره، وما يعبَّر عنه باللعب يناسب إسنادُه إلى الصغير (٧). خاف يعقوب على يوسف ﵉ الضيعةَ من جهة الجوع، فأمَّنوه عن ذلك بقولهم ﴿نرتع﴾ أي: نتسع في أكل الفواكه ونحوها، وخاف عليه أن يكلفوه أمرًا يَشُقُّ عليه ويشد، فأمَّنوه أيضًا عن ذلك بقولهم: ﴿وَيَلْعَبْ﴾؛ لأنَّه
следующие страницы →