﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾؛ أي: يفضِّلهما في المحبة علينا والحالُ أنا جماعةٌ أَكفاءُ أقوياءُ نقوم بمصالحه ومنافعه وهما صغيران لا كفاية ولا منفعة، فنحن أحق بزيادة المحبة منهما، والعُصبة (١): العشرة فصاعدًا، سُمُّوا بذلك لأنهم جماعةٌ تُعْصَب بهم الأمور وتُسْتَكْفَى النوائب.
﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: لفي ذهابٍ عن وجه الصواب في رأيه هذا بإيثارِ اثنين من الضعفاء على عشرةٍ من الأقوياء مع استوائهم في الأنساب (٢)، بالَغوا في الإسناد بزيادة حرفي التأكيد، وفي المسندِ بوصف الضلال بالظهور، وجَعْلِه ظرفًا له ﵇، وذلك لزيادة تأثُّرهم عن التفضيل المذكور.
روي أنه كان ﵇ أحبَّ إلى أبيه لِمَا يرى فيه من المحامد، وكان إخوته يحسدونه، فلما رأى الرؤيا تضاعف له المحبة بحيث لم يصبر عنه، فتبالغ (٣) حسدُهم حتى (٤) حملهم على التعرُّض له.
* * *
(٩) - ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾.
﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ من جملة المحكيِّ بعد قوله (٥): ﴿إِذْ قَالُوا﴾، كأنهم اتفقوا على ذلك الأمر، إلا مَن قال: ﴿لَا تَقْتُلُوا﴾.
стр. 2172
﴿اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ منكورةً مجهولةً بعيدةً عن العمران، وهو معنى تنكيرها، ولإبهامها (١) نُصبتْ نَصْبَ الظروف المبهَمة، والمعتبَرُ فيها أن لا يكون محدودًا بالحدود ومحصورًا بالأقطار، ولا ينافيه التقييدُ بنوع من القيود.
﴿يَخْلُ﴾ جزمٌ لأنَّه جواب الأمر، ومعناه: يَخْلُصْ وَيصْفو.
﴿لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ فيُقبلْ عليكم بكلِّيَّته، لا يلتفتْ عنكم إلى غيركم، وذِكْرُ الوجه لتصوير إقباله عليهم؛ لأن مَن أقبل على الشيء يكون وجهه في جانبه.
ويجوز أن يكون المراد بالوجه: الذاتُ، كما في قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]؛ لأنَّه إذا صفَتْ محبتُه لهم يكون لهم وحده غيرَ مشترَكٍ فيه.
﴿وَتَكُونُوا﴾ جزمٌ عطفًا على ﴿يَخْلُ﴾، أو نصبٌ بإضمار (إنْ)، والواو بمعنى: مع.
﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: مِن بعدِ يوسف، أو: مِن بعدِ قتلهِ أو طرحهِ أو الفراغِ من أمره.
﴿قَوْمًا صَالِحِينَ﴾: تائبين إلى الله تعالى عما جنَيتم عليه، أو: ذي صلاحٍ في أمر دنياكم؛ لانتظامه بخلوِّ وجه أبيكم لكم، أو بصلاحِ ما بينكم وبينَ أبيكم بعذرٍ تمهدونه له.
* * *
(١٠) - ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾.
стр. 2173
﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ أبهمه سترًا على القائلين بقتله ﵇؛ حذرًا عن سوء الظنِّ من السامعين بخصوصهم، وهم أنبياء ﵈، ومَن لم يَنتبِه لهذا قال: يعني: يهوذا، كان هذا القائلُ أحسنهم رأيًا، حيث أنكر كلًّا من الأمرين اللذَين عزموا على أن يفعلوا واحدًا منهما، لمَّا رأى في أحدهما إفراطًا وفي الآخر تفريطًا نظرًا إلى غرضهم؛ لعدم قدرتهم في يوم واحد على تبعيد يوسف ﵇ عن ديارهم.
﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ فإن القتل عظيمٌ والغرضُ يحصل بدونه. ولم يصرِّح بالنهي عن المنكر الآخر إحالةً له على دلالةِ ما اختاره عليه، كأنه قال: مقدوركم الذي يتم به غرضكم هو هذا.
﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ الغيابة: ما غاب عن عين الناظر وأظلم.
الجب: البئر الذي لم يُطْوَ، إنما سمي جبًّا لأنَّه ليس فيه غيرُ جَبِّ الأرض؛ أي: قطعها، وغَيَابَتُه أسفلُه الذي يَغيب ما وقع فيه وقعرُه.
وقرئ: ﴿غَيَابَتِ﴾ على الجمع (١)، كأنه لتلك الجبِّ غياباتٌ.
﴿يَلْتَقِطْهُ﴾ الالتقاط: أخذ الشيء من حيث لا يُحتسَبُ، لا الأخذُ مطلقًا، ولهذا حَسُنَ موقعه هاهنا وفي قولهِ تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص: ٨].
﴿بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ أي: بعض المسافرين، فيذهبُ به إلى ناحية بعيدة فتستريحوا منه.
والسيارة: جمع سائرة، وهو كثيرُ السير في الأرض، وإنما اختار صيغةَ المبالغة لأنها المناسبُ لِمَا قصده من الإذهاب إلى ديارٍ بعيدة، وفيما ذُكر قرينةٌ على أنه أِشار بقوله: ﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ أي: بئرٍ عرَفوها في ديارهم، ولذلك عرَّفها.
стр. 2174
وقرئ: ﴿تلتقطه﴾ بالتاء الفوقانية (١) على المعنى؛ لأن بعض السيارة سائرة.
﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ ما يفرِّق بينه وبين أبيه فهذا هو الرأي؛ لأن هذا القَدْر يكفي فيه، ولمَّا كان أول كلام هذا القائل على نظر الشفقة أتى في آخره ما يناسبه حيث قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾.
* * *
(١١) - ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾.
﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾: لمَ تخافُنا عليه؟
﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾: ونحن له ناصحون (٢)، ونحن نشفقُ عليه ونريد له الخير، وما وُجد منا في حقه إلا النصح والمحبةُ، أرادوا استنزاله عن رأيه في حفظه منهم لمَّا أحسَّ بالحسد (٣).
* * *
(١٢) - ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا﴾ في الصحراء، وفي لفظة ﴿أَرْسِلْهُ﴾ دليل على أن يعقوب ﵇ كان يمسك يوسف ﵇ ويصحبُه دائمًا.
﴿يَرْتَعْ﴾ الرَّتْع: الاتساع في الملاذِّ بالذهاب في جهاتٍ من اليمين والشمال.
وقيل: أصل الرتع: التصرُّفُ في الشهوات، يقال: رتع فلان في ماله: إذا أنفقه في شهواته.
стр. 2175
﴿وَيَلْعَبْ﴾ المراد من اللعب ها هنا هو الاستباق والانتضال، ويتدربون (١) بذلك لقتال العدو، وإنما سمَّوه لعبًا لأنَّه بصورة اللعب، ولم (٢) يريدوا به اللهو بدليل قولهم: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ ولو كان مرادهم اللهو لمَا أقرهم عليه يعقوب ﵇.
وقرئ: ﴿نَرْتَعِ﴾ بالنون وكسر (٣) العين من ارتَعى يرتعي (٤).
وقرئ بالكسر، والياء فيه وفي ﴿يلعبْ﴾ (٥).
وقرئ: ﴿وَيَلْعَبْ﴾ بالياء والسكون (٦) على إسناد الفعل إلى يوسف ﵇ لصغره، وما يعبَّر عنه باللعب يناسب إسنادُه إلى الصغير (٧).
خاف يعقوب على يوسف ﵉ الضيعةَ من جهة الجوع، فأمَّنوه عن ذلك بقولهم ﴿نرتع﴾ أي: نتسع في أكل الفواكه ونحوها، وخاف عليه أن يكلفوه أمرًا يَشُقُّ عليه ويشد، فأمَّنوه أيضًا عن ذلك بقولهم: ﴿وَيَلْعَبْ﴾؛ لأنَّه
стр. 2176
ليس في اللعب مشقة ولا شدة، وخاف عليه الضيعة بتركهم حفظه، فأمنوه عن ذلك أيضًا بقولهم:
﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾: أن يناله مكروه.
* * *
(١٣) - ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾.
﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾: ذهابُكم به؛ لقلة صبري عليه (١) وشدة مفارقته عليَّ.
﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾: وأخاف عليه عَدْوَةَ الذئب، وكانت الأرض مذأبةً.
الحزن: ألمُ القلب لفوت المحبوب، والخوف: انزعاج النفس عند نزول المكروه، كأنه يقول: لا أصبر عن رؤيته، ولا طاقة لي بفُرقته (٢)، هذا إذا كانت الحالُ حالَ (٣) السلامة، فكيف ومع هذا المخاف أن يأكله الذئب؟
وقيل: رأى في المنام أن الذئب قد شدَّ على يوسف ﵇، فكان يَحْذَره [عليه] (٤)، فقال ذلك وقد لقَّنهم العلة (٥).
стр. 2177
وقرئ: ﴿الذِّئْبُ﴾ بالهمزة على الأصل (١)، وقيل: اشتقاقه من تذاءبت الريح: إذا هبت من كلِّ جهة؛ لأنَّه يحيط (٢) به في مشيه ويضطرب.
وقال الأصمعي: إن اشتقاق تذاءبت من الذئب؛ لأن الذئب يفعله في عَدْوه، وهذا أظهر لفظًا ومعنًى.
﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ لاشتغالكم بالرتع واللعب وقلةِ اهتمامكم بحفظه.
* * *
(١٤) - ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾.
﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ اعتذر لهم يعقوب ﵇ بشيئين:
أحدهما عاجل في الحال: وهو ما يلحقه من الحزن بمفارقته وكان لا يصبر عليه.
والثاني: خوفه ﵇ من الذئب أن يغفلوا عنه برَتْعهم ولَعِبهم.
وعدَل إخوة يوسف عن الأول لقِصَر مدة الحزن وإيهامهم أنهم يرجعون به إليه من قريب، وأجابوا عن الثاني لأنَّه السبب القوي في منعه عن الذهاب بهم (٣)، واللام موطِّئة للقسم، والقسمُ محذوف تقديره: والله لئن أكله الذئب.
والواو في: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ - أي: فرقةٌ مجتمعة (٤) مقتدِرةٌ على الدفع - للحال.
стр. 2178
﴿إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ جوابٌ للقسم مجزئٌ عن جزاء الشرط: مغبونون (١) ضعفاءُ لا غَناءَ بهم (٢). أو: مستحِقُّون أن يُدْعَى عليهم بالخسار والدمار ويقالَ: خسَّرهم الله حين أَكل بعضَهم الذئبُ وهم حاضرون.
وقيل: إن لم نقدر على حفظ بعضنا فقد هلكت مواشينا إذا وخسرناها.
* * *
(١٥) - ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ متَّصل بمحذوف تقديرُه: فأذن له وأرسله معهم، فالفاء فصيحة.
﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ﴾ أي: عزموا عليه، ولا يقال: أجمع، إلا إذا قَرُبتِ الدواعي إلى الفعل من غير صارفٍ، ومنه الإجماع، فكأنه مأخوذ من اجتماع الدواعي، ولمَّا لم يكن مرادهم من إلقائه في البئر إهلاكَه كان التعبير عنه بالجعل أفصحَ.
﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ قيل: هو بئر على ثلاثة فراسخَ من منزل يعقوب ﵇، ولا يخالفه القول بأنها أرضُ الأردنِّ؛ لأن كنعان ناحيةٌ من نواحي الأردنِّ، ومنزلُه ﵇ كان فيها، وكذا القول بأنها كانت (٣) بين مصر ومدين؛ لأن مدين أيضًا كان من أرض الأردن في جوار كنعان.
стр. 2179
وأما القول بأنها بئر بيت المقدس فلا صحة له؛ لأنهم جاؤوا إلى منزلهم عشاءً ذلك اليوم، وبينه وبين بيت المقدس مراحلُ.
وقرئ: ﴿غَيَابَتِ﴾ (١)، وهي لا توجد في التي تُطوَى، ومنه ظهر وجهُ إيثارِ الجبِّ على البئر.
وجوابُ (لمَّا) محذوف للمبالغة مع الإيجاز؛ أي: فعلوا به من الأذى والإهانة ما لا يمكن وصفه أو لا يُحتمل سماعه، وتفصيلُه مذكور في كتب التفاسير.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ يعني: في البئر، فهو معطوف على محذوفٍ تقديره: وأَلقَوه في غيابةِ الجبِّ، فالواو فصيحةٌ.
قيل: أوحي إليه في الصغر كما أوحي إلى عيسى ويحيى ﵈.
وقيل: كان إذ ذاك مُدرِكًا.
﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾ بالتوبيخ (٢)، وذلك قوله ﵇ لهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٩] وفيه تبشير بحُسن حاله في المآل، وبما يَؤُول إليه من علوِّ شأنٍ ورفعةِ مكانٍ؛ إيناسًا له وتطييبًا لتسلِّيه (٣).
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنك يوسف؛ لطول العهد المغيِّر للهيئات والأشكال، وبُعْدِ الحال عن أوهامهم على ما دل عليه قوله: ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾
стр. 2180
[يوسف: ٥٨]، ومَن وَهَم أنه إشارة إلى هذا القول فقد وَهِمَ (١)، وما فهم ما فيه من التوبيخ، فالقول ما قالته حَذَامِ، وهو المناسب للمقام كما لا يخفى على ذوي الأفهام، ويؤيده الإشارة إلى الأمر المذكور بـ ﴿هَذَا﴾ لتضمُّنها الدلالة على ما فيه من الدلالة الفاحشة.
وقرئ (٢) (لننبِّئهم) بالنون على أنه وعيد لهم (٣)، تقول العرب لمن تتوعده (٤) لمجازاة سوءِ فعله: لأنبِّئنك ولأعرِّفنَّك، يعني: لأجازِيَنَّك، وهذا شائع في سائر الألسنة أيضًا. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ على هذه القراءة متعلِّق بـ (أوحينا)؛ أي: آنسناه بالوحي وهم لا يشعرون ذلك.
* * *
(١٦) - ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾.
﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً﴾ وقرئ: (عُشَيًّا) وهو تصغيرُ ﴿عِشَاءً﴾ (٥).
و: (عُشًى) بالضم والقصر: جمع أَعْشى (٦)؛ أي: عَشُوا من البكاء، وفيه ضعف؛ لأن قَدْرَ ما يكون في ذلك اليوم لا يَعْشُو منه الإنسان.
стр. 2181
والعِشاء: آخر النهار إلى نصف الليل، ومنه اشتُقَّ الأعشى لأنَّه يَستضيءُ ببصرٍ ضعيف؛ أي: جاؤوا ليلًا، وذلك ليكونوا أقدَر على الاعتذار في الظُّلمة، ولهذا قيل: لا تطلب الحاجة بالليل فإن الحياء في العينين، ولا تَعتذر بالنهار من ذنبٍ فتتلَجْلجَ في الاعتذار.
﴿يَبْكُونَ﴾ حال معناه: متباكينَ، دون: باكينَ؛ لأن البكاء جريانُ الدمع من العين عند حال الحزن، ولا حزن بهم، إلا أنهم أظهروا صورةَ البكاء ليُوهِموا أنهم صادقون.
روي أنه ﵇ لمَّا سمع صوت تباكيهم فزع وقال: ما لكم يا بَنيَّ وأين يوسف؟
* * *
(١٧) - ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾.
﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ أي: نتسابق في العَدْوِ والرمي، والافتِعال والتفاعُل يشتركان كالانْتِضال والتناضُل، والارتماء والتَّرامِي (١).
﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾؛ أي: تركناه عند الرحل ليحفظَه.
﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ الفاء للتعقيب بلا تراخٍ، ولا بد من اعتباره في الاعتذار عند عدم التدارُك.
﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ قد مرَّ أن الإيمان إذا كان بمعنى التسليم يتعدَّى باللام،
стр. 2182
وإذا كان بمعنى التصديق يتعدَّى بالذات أو الباء، وتقديمُ ﴿أَنْتَ﴾ وإيلاؤه حرف النفي لادِّعائهم أن غيرَك مصدِّق لنا لأنَّا مشتهِرون بالصدق موثوقٌ بقولنا عند الكلِّ، وأمَّا أنت فلسوء ظنك بنا وفَرْط محبَّتَك ليوسف فلا تسلِّم لنا، ولذلك أكَّدوه بزيادة الباء، والتقييدِ بقوله:
﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾؛ أي: ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة، فكيف وأنت سيِّئُ الظن بنا، غيرُ واثقٍ بقولنا؟
وإنما حُذف الظرف لأن ذكره مقدَّمًا يُفسِد المعنى؛ لإفادته الاختصاص الذي لا يناسب المقام، وذكرَه مؤخَّرًا يُفسِد اللفظ؛ لأنَّه حينئذ تفوتُ محافظةُ رؤوس الآي، وتضيع رعايةُ الفواصل، وهي من شرائط حُسْنِ نظام الكلام وفصل (١) الفصل.
* * *
(١٨) - ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾.
﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ﴾ ﴿عَلَى قَمِيصِهِ﴾ في محل النصب من (الدم)، ومُنع تقدُّمُها على صاحبها المجرور في غير الظرف (٢).
وجُوِّز نصبه بمعنى: فوق (٣). وأُورِدَ عليه: بأن العامل فيه حينئذ (جاؤوا)، وليس (فوقَ القميص) ظرفًا لهم، بخلافِ (فوقَ الجِمال) في قولك: جاء على
стр. 2183
جماله بأحمال، ومبناه على (١) أن تكون الباءُ للمصاحَبة كما في: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]، وأما إذا كانت للتعدية كما في: ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] فلا يلزم المحذورُ المذكور، ولا وجه للحمل على الأول لسَبْق الإخبار عن مجيئهم.
﴿كَذِبٍ﴾ وصفٌ بالمصدر مبالغةً، أو مصدرٌ أريد به المفعولُ؛ أي: مكذوبٍ فيه، كالثقة يراد بها: الموثوقُ به (٢)، وتقدير (ذي) في مثل هذا المقام يُنزل الكلامَ عن منزلة البلاغة.
وقرئ بالنصب على الحال من الواو؛ أي: جاؤوا كاذبين (٣).
و: (كَدِبٍ) بالدال الغير المعجمة (٤)؛ أي: كَدِرٍ، أو طريٍّ.
روي أنه ﵇ لمَّا رأى قميصه غيرَ ممزَّق قال: ما رأيت ذئبًا أحلمَ من هذا، أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه! ولذلك ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ﴾.
كذا قالوا، والذي عندي: أن أمارة الكذب قلةُ الدم المفهومةُ من التنكير، ومن التعبير بكونه على القميص، ولو كانت الأمارة عدمَ تمزُّق القميص لكان هو بالتعرُّض أحقَّ، بل إضرابٌ عن مقدَّرٍ يقتضيه المقام، وَيدل عليه سياق الكلام، وبه (٥) تمامُ الانتظام، فهو كالفاء الفصيحة.
стр. 2184
والتسويل: تحسين الشيء وتزيينُه، وتحبيبُه إلى الإنسان ليفعله أو يقوله.
﴿أَمْرًا﴾؛ أي: أمرًا منكَرًا لا يحتمِل التعريفَ والتوصيف.
﴿فَصَبْرٌ﴾؛ أي: فحقِّي صبرٌ؛ كقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ أي: فعليه.
﴿جَمِيلٌ﴾ في الحديث المرفوع: "الصبرُ الجميلُ: الذي لا شكوَى فيه" (١)، ولا حاجة إلى تخصيص الشكوى بالتي تكون إلى غير الله تعالى؛ إذ ليس في كلامه ﵇ وعدٌ بالصبر الجميل.
﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾؛ أي: المطلوبُ منه العونُ على كشفِ ما الْتبَس من أمركم، هذا هو المناسب لقوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ لا ما قيل: على احتمال ما تصفونه من هلاك يوسف ﵇، كما لا يخفى.
وهذه الجريمة قبل استنبائهم إن صح.
* * *
(١٩) - ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾: رفقةٌ يسيرون، وفي صيغة المبالغة دلالة على أنهم جاءوا من بعيد، والمراد مجيئُهم إلى قرب البئر (٢) بدلالة السِّباق واللَّحاق، والظاهر من
стр. 2185
قولهم: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ أنها كانت قريبةً من الطريق العام، قيل: كان ذلك بعد ثلاثٍ من إلقائه فيها.
﴿فَأَرْسَلُوا﴾ أي: إلى البئر ﴿وَارِدَهُمْ﴾: هو الذي يسير إلى الماء ليستقي منه.
﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ تقول: أدليت الدلو، إذا أرسلتَها لتملأ دلوها، فتدلى بها يوسف، فلما خرج فإذا هو غلامٌ أحسنُ ما يكون.
﴿قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ بشَّر أصحابه بأنه وجد عبدًا، ومعنى النداء: التنبيه؛ أي: انتبهوا لفرحي وسروري، قيل: نادى رجلًا اسمه بشرى، ويردُّه قراءة: ﴿بُشْراىَ﴾ (١)؛ فإنه لو كان اسمًا لم يكن مضافًا إلى ضمير المتكلم.
﴿وَأَسَرُّوهُ﴾؛ أي: الواردُ وأصحابه عن سائر الرفقة.
﴿بِضَاعَةً﴾ نصب على الحال؛ أي: أخفَوْه متاعًا للتجارة، والبضاعةُ: ما بُضِع من المال؛ أي: قُطِعَ منه للتجارة.
وعن ابن عباس ﵄: أن الضمير لأخوة يوسف ﵇، وأنهم قالوا للرفقة: هذا غلامنا أَبَق منَّا، فاشترَوْه منهم، وسكت يوسف ﵇ مخافةَ أن يقتلوه.
ولا يخفى ما فيه من الاختلال لحُسن نظم المقال، والإشكالِ من جهة أن التعبير المذكورَ لا يناسب الحال.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ وعيدٌ لهم حيث استَغصَبوا ما ليس لهم.
* * *
стр. 2186
(٢٠) - ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾.
﴿وَشَرَوْهُ﴾: باعوه ﴿بِثَمَنٍ﴾ التنكير للتقليل ﴿بَخْسٍ﴾: زيفٍ ناقصِ العِيَار.
﴿دَرَاهِمَ﴾ بدلٌ من (ثمن) ﴿مَعْدُودَةٍ﴾: قليلة، فإنهم كانوا يَزِنون ما بلغ الأوقية ويَعُدُّون ما دونها، وفيه تصريح بما قُصد بالتنكير، وتنبيه على أنه لم يُقصد به المبالغة.
﴿وَكَانُوا فِيهِ﴾: في يوسف ﵇ ﴿مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ الزهد: خلافُ الرغبة، يقال: زَهِدَ في الشيء وعن الشيء، وذلك لأنهم كانوا التقَطوه، والملتقِطُ للشيء متهاوِنٌ به خائفٌ، عن انتزاعه من يده، مستعجِل في بيعه.
و ﴿فِيهِ﴾ متعلق بمحذوف يبيِّنه ﴿الزَّاهِدِينَ﴾؛ لأن متعلَّق الصلة لا يتقدَّم على الموصول، وأنَّ ما بعد الجارِّ لا يعمل فيما قبله (١)، وكأنه قيل: وكانوا زهدوا فيه، فحذف لدلالة ﴿مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ عليه.
* * *
(٢١) - ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
стр. 2187
﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ﴾ منهم، وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر، وكان الملك يومئذ ريان بن الوليد العمليقي (١)، وقد آمن بيوسف ﵇ ومات في حياته.
روي: أنه اشتراه العزيز وهو ابن سبعة عشر سنةً، ولبث في منزله ثلاث عشرةَ سنةً، واستوزره الريان وهو ابن ثلاثين سنةً، وآتاه الله الحُكم والعِلم وهو ابن ثلاثٍ وثلاثين سنة، ومبناه الغفلةُ عن لَبثه في السجن بضعَ سنين، وكونُ السجن في منزل العزيز يأباه قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ [يوسف: ٣٦].
وإنما قال: ﴿مِنْ مِصْرَ﴾ وتنبيهًا على أنه غير المشتري الأول.
﴿لِامْرَأَتِهِ﴾ راعيل أو زليخا، واللام متعلقة بـ (قال) لا بـ ﴿اشْتَرَاهُ﴾.
﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ أي: اجعلي مكان إقامته حسنًا يرضاه، والإكرام: الإحسان على جهة الإعظام، ويلزمه (٢) الإرضاء، وإنما أضاف إلى ﴿مَثْوَاهُ﴾ دون نفسه مبالغةً في إحسان تعهُّده؛ لأن مَن أَكرم غيره لأجله كان أعظمَ منزلةً ممن يُكرَم في نفسه.
﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ نفعَ مملوكٍ مُقبِلٍ لمالكه.
﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ فينتفعَ بنا، قد تفرَّسَ فيه الرشدَ فقال ذلك، ولا دلالة فيه على أنه كان عقيمًا لا يولد له.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك التمكين من قلبِ العزيز حين عطف عليه وأمر امرأته بإكرام مثواه ﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾: مكنا له في أرض مصر؛ أي: جعلنا له منزلةً فيها، كناية عن حكومته فيها.
стр. 2188
﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ عطفٌ على علةٍ محذوفة؛ أي: مكنَّا له في الأرض ليتصرَّف فيها بالعدل والحكمةِ ولنعلِّمه بعضَ تأويل الأحاديث، وهو تأويل الرؤيا فيَعْبُرها، ويعرف الحوادث قبل وقوعها فيُنبئُ بتدبير الأمور عليها كما دبر الأمر لبني مصر.
أو علةٌ معلَّلُها محذوف؛ أي: ولنعلِّمه فعلنا ذلك.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ لا يمنعه مانعٌ، ولا ينازعُه مُنازع فيما يقضي ويريد، هذا على عمومه، ويدخل فيه أمر يوسف ﵇ دخولًا أوَّليًّا، فإن أخوته أرادوا ما أرادوا ولم يكن إلا ما أراده تعالى.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن الأمر كلَّه بيديه، أو: حُسن كلائه وعصمته، وخفايا لطفه وعنايته.
* * *
(٢٢) - ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ الأشُدُّ: منتهى اشتدادِ الجسم والقوة وكمالِ البنية، وهو سنُّ الوقوف (١) ما بين الثلاثين إلى الأربعين، يؤيِّده قوله تعالى ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ [القصص: ١٤] وبلغ أربعين سنة.
﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾: حكمة وهو العلم المؤيد بالعمل ﴿وَعِلْمًا﴾ بتأويل الأحاديث، أو: حُكمًا بين الناس وفقهًا.
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ تنبيهٌ على أن الله تعالى آتاه الحكم والعلم لاستحقاقه إياه بإحسانه في العمل واتِّقائه في عنفوان الأمر.
стр. 2189
(٢٣) - ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾.
﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ المراودةُ: المطالبة، من رادَ يَرُودُ: إذا ذهب وجاء لطلب الشيء، ومنه: الرائد.
ويجوز أن يكون من الرُّوَيد وهو التمحُّل والرفق، فالمراودة: هي المطالبة على الرفق والتمحُّل، وهي مفاعَلة من راده يَرُوده، نحو: راديتُ (١) المريض، وتَعدِيَتُه بـ ﴿عَنْ﴾ لتضمين معنى المخادعة؛ أي: فعلتْ ما يفعلُ المخادِع بصاحبه من الاحتيال في إخراج ما في يده، وهو يحفظه ويكره إخراجه، فـ ﴿عَنْ﴾ للمجاوزة؛ أي: راودته أن يجاوز خداعَها نفْسُه، لا أن يقف عندها بأنْ لا يطاوعَها.
وإنما قال: ﴿الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ ولم يصرح باسمها ولا بامرأة العزيز سترًا على الحُرم، والعرب تضيف البيوت إلى النساء فتقول:
ربَّة البيت، قال: يا ربَّةَ البيت قُومي غيرَ صاغرةٍ (٢)
وفي ذكرها بالموصول توصُّلٌ إلى زيادة تقريرِ معنى الخبر ليفيد براءةَ يوسف ﵇، فإن كونها في بيته يقرِّر معنى المراودة.
﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ قيل: كانت سبعةً، والتغليق: الإطباق بما يَعْسُر فتحه،
стр. 2190
والتشديد للتعدية؛ لأن: غَلَقْتُ البابَ غَلْقًا، لغةٌ رديَّةٌ متروكة، ذكره الجوهري (١)، فمَن وَهَم أنه للتكثير أو للمبالغة في الاشتقاق فقد وَهِم.
﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ اسم فعل معناه: بادِرْ وأَقْبِلْ، واللام للبيان؛ أي: لك أقول هذا.
وقرئ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ (٢) على لفظ الفعل بمعنى تهيَّأْتُ، وعلى هذا فاللام صلة.
﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ مصدر؛ أي: أعوذ بالله معاذًا.
﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾؛ أي: الشأن سيدي ومالكي ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ حين أمركِ بالإحسان إليَّ، فكيف أخونُه في أهله، نوعٌ من الإيجاز البليغ حيث اكتفَى بذكر المقتضي، والتقديرُ في مثل هذا أو الذهاب إلى نوعٍ من المجاز من ضيق العَطَن (٣)، كما لا يخفى على أرباب الفِطَن.
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ويدخل فيهم الذي يجازي الحسَنَ بالسَّيئ دخولًا أوليًّا. وإيثار صيغة الجمع لبيان أنَّ جمعهم لا يُغْني.
* * *
(٢٤) - ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾.
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾؛ أي: بمخالطته؛ لأن الهمَّ لا يتعلق بالأعيان ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾؛ أي: بمخالطتِها، ولو قيل: ولقد همَّا بالمخالطة لكان أخصَرَ وكان إنباؤه عن الجواب
стр. 2191
المقدَّر أظهرَ، إلا أنه فصَل بين (١) الهمَّين بذكر كلٍّ على حِيَاله دلالةً على افتراقهما حكمًا ثم مدحًا وذمًّا، فالجمع بينهما إبطال لِمَا هو المقصود من الكلام، وهو التنبيه على أنهما وإنْ كانا مشترِكين في الميل المخصوص، إلا أن أحدهما ميلٌ عن شهوةٍ تبعها العقل فازدادت (٢) تسلُّطًا وصارت عزيمةً قاهرة، والثاني ميل عن شهوة قاصرة ردَعها العقل فاضمحلَّت في الآخرة، وإذا كانا كذلك فاللفُّ بينهما عن طباقِ المقام بمراحل.
ولا خلاف في أنَّ همَّها كانت معصيةً لأنها كانت مُصرَّة، وأما همُّه فمن قَبيل ما يَخطر في النفس ولا يَثبت في الصدر، وهو الذي رفع الله تعالى فيه المؤاخَذة عن الخلق، إذ لا قدرة للمكلف على دفعه فلا زلَّةَ فيه، مع أن الزلةَ للأنبياء ﵈ حُكمًا زيادةُ الوَجَل، وشدةُ الحياء بالخجل، والتخلِّي عن عُجب العمل، والتلذُّذُ بنعمة العفو بعد الأمل، وكونُهم أئمةٌ في الرجاء لأهل الزَّلل.
﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ ﴿أَنْ رَأَى﴾ في موضع رفع، والجواب محذوف لعلم السامع به؛ أي لولا رؤيةُ برهان ربه لأمضَى ما همَّ به، ولا يجوز أن يجعل ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ جوابَ ﴿لَوْلَا﴾، فإنها في حكم أدوات الشرط، فلا يتقدم عليها جوابها.
وظاهره يدل على أنه شاهد أمرًا صرفه عما قصده، حتى قيل: إنه رأى جبريل ﵇، وقيل: تمثَّل له يعقوب ﵇ عاضًّا على أنامله، وقيل نحوُ ذلك، وهذا الذي ذكروه غيرُ صحيح؛ لأن ذلك يقتضي الإلجاءَ وزوال التكليف، ولو كان ذلك لمَا استَحق يوسف ﵇ مدحًا وثوابًا
стр. 2192
على امتناعه عما همَّ به، وقد مدحه بقوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ فالوجه أن تكون الرؤيةُ بمعنى العلم، والبرهانُ: ما دلَّ الله ليوسف ﵇ على تحريم ما همَّ به.
﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثلَ ذلك التثبيت ثبَّتناه، أو: الأمرُ مثلُ ذلك.
﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ﴾: خيانةَ السيد ﴿وَالْفَحْشَاءَ﴾: الزنا.
﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾: الذين أخلصهم الله تعالى لطاعته، وقرئ بالكسر (١)؛ أي: الذين أخلَصوا دينهم لله تعالى.
* * *
(٢٥) - ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾؛ أي: تسابَقَا إليه، هو للخروج والهرب منها وهي لمنعه منه، وأصل (استَبَق) أن يتعدَّى بـ (إلى)، فحُذف الجارُّ وأُوصل الفعل، ولقد حسُن موقعه حيث كان في التعبير عن (٢) المراد أيضًا سابقةٌ إلى المقصود، وإنما وحَّد الباب ها هنا لأن بيان تعدُّده فَضلةٌ في هذا المقام بخلاف ما سبق، والاستباق إلى الباب ينتظِم الاستباقَ إلى الكلِّ.
وقيل: تعديتُه بالذات باعتبار تضمين التسابُق معنى تبادُر الباب طالبَينِ السبقَ، فسبقها يوسف ﵇ على ما دل عليه قوله:
стр. 2193
﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ عطفٌ على محذوفٍ مقدَّر؛ أي (١): فأدركته وقدَّت، والقدُّ: الشقُّ طويلًا، قيل: أدركته قبل أن يخرج، فقبضته في أعلى قميصه فتخرَّق القميص عند لحوقه ونزل التخريق إلى أسفل القميص، ففي قوله: (قدَّت) دون: خرقت، بيانُ أنها جذبته من أعلى القميصِ دون أسفله، ولولا ذلك لكان المتبادِر إلى الفهم خلافَ ما هو الواقع، وهو الجذب من الذيل، فالقيد المعتبَر (٢) في القَدِّ أصاب المحز.
﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا﴾ أي: صادفا بعلها، تقول المرأة لبعلها: سيدي.
﴿لَدَى الْبَابِ﴾ (لدى) مخصوصٌ بالحضور، ولا يتضمن معنى الاستحفاظ، بخلافِ (عند) فإنه قد يتضمنه ويستعمل في الغَيبة، ولهذا ذكر (عند) في قوله: ﴿عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ [يوسف: ١٧] دون (لدى)، فكلٌّ منهما صادف محزَّه (٣).
﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ﴿مَا﴾ نافية؛ أي: ليس جزاؤه إلا السَّجْنَ أو التعذيب، أو استفهاميةٌ؛ أي: أيُّ شيء جزاؤه إلا السَّجنُ أو التعذيب؛ كقولك: مَن في الدار إلا زيدٌ.
ما عيَّنتْ يوسفَ ﵇ بل عمَّت حيث قالت: ﴿مَنْ أَرَادَ﴾؛ أي: كلُّ مَن أراد بأهلك سوءًا فما جزاؤه إلا السَّجنُ أو التعذيب؛ ليكون أبلغَ فيما هو مرادُها من تخويف يوسف ﵇، وإنما كان أبلغ لأنَّه كالدليل على استيجابه للعقاب.
стр. 2194
قالت لبعلها لمَّا رآها على تلك الهيئة المُريبة إيهامًا أنها فرَّت منه؛ تبرئةً لساحتها وإغراءً له بيوسف ﵇، وهي مغتاظة عليه إذ لم يوافقها (١)، فأرادت تخويفه عسى أن يقضي (٢) وطرها خوفًا من مكرها حين لم يقضِ حاجتها حبًّا لها، كقولها: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ﴾ [يوسف: ٣٢]، فجمعت بين كيدين.
وقيل: العذاب الأليم: الضربُ بالسياط، والترديدُ (٣) بينه وبين السجن يدل على عظم موقع السجن من ذوي الإعزاز (٤) حيث قرنته بالعذاب الأليم.
(٢٦) - ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
ولمَّا أغْرت بيوسف ﵇ وأظهرت تُهمته، احتاج إلى إزالة التهمة عن نفسه ولذلك: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾: طالبتني بالمواتاة، أتى بضمير الغيبة إذ كان غلب عليه الحياء أن يشير إليها ويعيِّنَها بالإشارة؛ لأن في المواجهة بالقبيح ما ليس في الغيبة.
ولمَّا تعارَضَ قولاهما (٥) عند العزيز، وكان رجلًا فيه أناةٌ ونَصَفةٌ، طلب الشاهد، فالواو في قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ عاطفةٌ على مقدَّر.
стр. 2195
قيل: كان ابنَ عم أو خالٍ لها صبيًّا في المهد، وما قيل: إنه كان رجلًا حكيمًا، يردُّه ما روي عن النبيِّ ﷺ أنه: "تكلَّم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى" رواه الحاكم من حديث أبي هريرة وقال: صحيح على شرط الشيخين (١).
وإنما ألقى الله الشهادة على لسان أهلها ليكون ألزمَ للحجة عليها.
﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ من قَبيل المسامحة في أحد شقَّي الكلام لتعيُّن الآخر عند القائل بتنزيلِ المحتمل منزلةَ الظاهر (٢)، لأن الشَّقَّ بالجذب في هذا الشقِّ أيضًا محتمَل، ومَن غفل عن هذا قال: لأنَّه يدل على أنه قصَدها فدفعت عن نفسها فقدَّت قميصه، أو أنه أسرع خلفها فتعثَّر بذيله فانقدَّ من قدَّامه (٣).
* * *
(٢٧) - ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ لأنَّه يدل على أنها تبعته
стр. 2196
فاجتذبت قميصه فقدَّته، حُكيت الشرطية بعد فعل الشهادة لأنها نوعٌ من القول، فلا حاجة إلى إرادة القول من الخارج.
قيل: استعارة الشهادة للشرطية المذكورة لأدائها مؤدَّى الشهادة في إثبات قول يوسف ﵇ وإبطالِ قولها.
ومبناه الغفولُ عن أن القول المذكور معطوفٌ على مقدَّر به ينتظِم الكلام، وهو أمر الشهادة على الحقيقة.
وجواب الشرط: ﴿فَصَدَقَتْ﴾ ﴿فَكَذَبَتْ﴾، وهو على إضمار (قد).
والجمع بين الاستقبال والماضي المحقَّق في الشرط والجزاء على تأويل: إنْ يُعلم أنه كان قميصه قدَّ، كقولك لمن منَّ عليك بإحسانه: إنْ أحسنتَ إليَّ فقد أحسنت إليك من قبل؛ أي: إن تمنُن عليَّ بإحسانك أمنُنْ عليك بإحساني السابق.
وقرئ: (من قُبُلُ) و (من دُبُرُ) (١) لأنهما قُطعا عن الإضافة كقَبْلُ وبَعْدُ، وبالفتحة كأنهما جُعلا علَمين للجهتين فمُنعا الصرف (٢)، وبسكون العين (٣).
* * *
стр. 2197
(٢٨) - ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾.
﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ وعَلِم صدقَه وكذبَها ﴿قَالَ إِنَّهُ﴾؛ أي: إنَّ قولَكِ: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ [يوسف: ٢٥] أو: إن هذا الأمر ﴿مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾: من حيلتكُنَّ أيتها (١) النسوان، فالخطاب لها ولجواريها، أو لها ولسائر النساء فإنهن قد اشتهَرن بشدة الحيَل.
﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ لأن كيد النساء ألطف وأعلقُ بالقلب، وأشدُّ تأثيرًا في النفس، وعن بعض العلماء: إني أخاف من النساء أكثر مما أخاف من الشيطان، وهذا لأنهن يواجهن الرجال، والشيطانُ يوسوس به مسارَقةً.
* * *
(٢٩) - ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾.
﴿يُوسُفُ﴾ حذف حرف النداء لقربه وكمال فطنته، وسرعة فهمه للحديث لذكائه.
وقيل: فيه تقريب له وتلطيف لمحلِّه.
وفيه نظر؛ لأن الاسم الظاهر على ما بيِّن في كتب المعاني طريقُ الغيبة.
﴿أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾؛ أي: عن هذا الأمر، أراد بالإعراض عنه كتمَه وعدمَ التحدث به.
ثم أقبلَ عليها فقال: ﴿وَاسْتَغْفِرِي﴾ أنت، ثم ذكر سبب الاستغفار بقوله:
﴿لِذَنْبِكِ﴾ ثم أكَّد ذلك بقوله: ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾: من جملة القوم
стр. 2198
المتعمِّدين للذنب، يقال: خَطِئَ: إذا أذنب متعمِّدًا، والتذكير تغليبًا لتأكيد التعمُّد (١) فإن النسيان في النسوان غالب.
* * *
(٣٠) - ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ النسوة: اسمٌ مفردٌ لجمع المرأة، وتأنيثُه غيرُ حقيقي كتأنيث اللُّمَّة (٢)، ولذلك لم يلحق فعلَه (٣) تاءُ التأنيث، وضمُّ النون لغةٌ فيه.
﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾ ظرفٌ لـ (قال)؛ أي: أشَعْنَ الحكاية في مصر، ويفهم منه كونُهن فيها، بخلاف ما إذا كان صفةً لـ ﴿نِسْوَةٌ﴾ فإنه لا يفهم منه معنى الإشاعة فيها، والوجهُ كونُه ظرفًا دون صفة.
﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ تطلبُ مواقعةَ غلامِها إياها، والعزيز بلسان العرب: الملك، والفتى: الغلام، وعُرفُه في المملوك، وفي الحديث: "لا يقل أحدكم عبدي ولا أمتي، وليقل (٤): فتاتي وفتاي" (٥)، وأصله: فَتَي؛ لقولهم: فَتَيَانِ، والفُتوَّة شاذَّةٌ.
стр. 2199
بمعنى: أنهن أشَعْن هذا الأمرَ مِن حبِّ راعيل ليوسف ﵇، وصرَّحن بإضافتها إلى العزيز مبالغةً في التشنيع؛ لأن النفوس أميلُ لسماع أخبار ذوي الأخطار وما يجري لهم.
واخترن صيغة المضارع لدلالتها على أنه صار ذلك سجيَّةً لها تخادعُه دائمًا عن نفسه.
ثم نبَّهوا على علة ديمومة المراودة - وهي كونها والهةً في حبه - بقولهن:
﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾؛ أي: خرق حبُّه الشَّغَافَ - وهو حجاب القلب - حتَّى وصل الفؤاد، وانتصب ﴿حُبًّا﴾ على التَّمييز المنقول من الفاعل.
وفيه مبالغةٌ بليغة (١) في التعشُّق بذكر الشَّغاف والإبهامِ والتبيينِ، كأنه من استيلاء حبه على قلبها قد شقَّ شَغَاف قلبها وتمكَّن في حبَّة (٢) قلبها وسُويدائه.
وقرئ: (شَعَفَها) من شَعَف البعيرَ (٣): إذا هنَأه فأحرقه بالقَطِران.
ثم نقَمْن ذلك عليها فقلن: ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ﴾ عن الرُّشد وبُعدٍ عن الصواب ﴿مُبِينٍ﴾: واضحٍ للناس.
* * *
стр. 2200
(٣١) - ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾.
﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ باغتيابهن، وإنما سماه مكرًا لا لأنهن أخفينه كما يُخفي الماكر مكرَه؛ لِمَا عرفتَ أن سياق الكلام يُفصح عن الإشاعة (١)، بل لأنهن قلن ذلك ليَرَيْن يوسف ﵇.
﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ تدعوهن ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾؛ أي: سوَّت وهيَّات لهن ما يتَّكئن عليه من النَّمارق والوسائد.
وقيل: ﴿مُتَّكَأً﴾: مجلسَ طعام وشراب؛ لأنهم كانوا يتكئون للطعام والشراب كعادة المترفِّهين، ولذلك نُهي أن يأكل الرجل متَّكئًا.
والأول يناسب المقام؛ لِمَا فيه من مقابَلة المكر بالمكر، كأنها قصدت بقعودهن متَّكئات والسكاكينُ (٢) في أيديهن أن تقع أيديهن على أيديهن فيقطِّعْنها إذا لَهِيْن وشُغِلْن عن أنفسهن من الدَّهَش والحيرة عند رؤيته؛ لأن المتَّكئ إذا دُهش مال عن متَّكأه فوقعت يده على يده.
وقرئ: (مَتْكأً) مَفْعَلًا مِن تَكِئَ يَتْكأُ: إذا اتَّكا (٣).
و: (مُتْكًا) وهو الأترجُّ (٤)، أو ما يُقطع، من مَتَكَ الشيءَ بمعنى بَتكه: إذا قطَعه.
стр. 2201
﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾؛ أي: وأعطت سكِّينًا يعالَجُ به (١) ما يُحتاج إلى قطعه مما قدِّم من اللحوم والفواكه.
﴿وَقَالَتِ﴾ ليوسف: ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ وذلك في حالِ ما كنَّ يعالجن بالسكِّين.
﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ﴾ عطفٌ على محذوف تقديره: فخرج فلمَّا رَأَيْنهُ، وحذفُه هاهنا كحذفِ: فضرب، في قوله تعالى: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠] وفيه دلالة على سرعة امتثاله لأمرها إذا كان بالمعروف.
﴿أَكْبَرْنَهُ﴾: أعظَمْنه وأُعجبن من ذاك الجمال الباهر للعقول، المدهش للقلوب، وعن النَّبِيّ ﷺ : "رأيت يوسفَ ليلةَ المعراج كالقمر ليلةَ البدر" (٢).
وقيل: كان يُرى تَلألؤُ وجهه على الجدران كما يُرى نور الشمس من الماء عليها.
وقيل: معنى (أَكبرن): حِضْنَ، يقال: أَكبرَتِ المرأة: إذا حاضت، وأصله: دخلتْ في الكِبَر؛ لأنها بالحيض تخرج من حدِّ الصِّغَر إلى حدِّ الكِبَر، والهاءُ هاء السَّكْت، أو ضمير المصدر، أو ضمير يوسف ﵇ على حذف اللَّام وإيصالِ الفعل؛ أي: حِضْنَ له من شدة الشَّبَق، ومنه قول أبي الطيِّب:
خَفِ اللّهَ واستُرْذا الجمالَ ببُرقُعٍ … فإنْ لُحْتَ حاضَتْ في الخدور العواتق (٣)
стр. 2202
﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾؛ أي: جرَّحْنها بالسكاكين لفَرْطِ الدَّهَش، والتضعيفُ للتكثير؛ كأن الجرح وقع مرارًا في اليد الواحدة وصاحبتُها لا تشعر به، لمَّا ذهلت (١) بما راعَها من جمال يوسف ﵇، فكأنها غابت عن حسها.
أثَّرت رؤيته ﵇ فيهن ولم تؤثَّر في امرأة العزيز لطول الصحبة والاعتياد، والتغييرُ صفة أهل البداية.
﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ تنزيهًا له تعالى من صفات العجز، وتعجُّبًا من قدرته على خلقِ مثلِه.
و ﴿حَشَ﴾ أصله: حاشا، فخفِّفت بحذف الألف، وهي كلمة تفيد معنى التبرئةِ والتنزيه، ومَن زاد على هذا قولَه: في باب الاستثناء، فقد خَبط؛ لِمَا عرفتَ أنه يفيد المعنى المذكورَ في غير مقام الاستثناء، وأنَّه في ذلك الباب لا يفيد إلا معنى الاستثناء؛ إذ لا فرقٌ بين قولك: قام القوم إلا زيدًا، وقولِك: قام القوم حاشا زيدًا.
ثم إنه مثَّل بقوله: أساء القوم حاشا زيدٍ (٢)، ولم يدرِ أن معنى التنزيهِ إنما استفيد لدلالة الكلام على براءة زيدٍ من الإساءة؛ لأن (حاشا) في مقام الاستثناء يقتضي ذلك قطعًا، ألا يرى أنه لو ذكر بدلٌ أساء فعلًا آخر لا يفيد المعنى المذكور؟
واللام للبيان كما في قولك: سَقْيًا لك.
стр. 2203
وقرئ: (حاشا اللّهِ) بغير لام بمعنى: براءةُ اللَّه، و: (حاشًا للّه) بالتنوين على تنزيله منزلةَ المصدر (١).
وقيل: (حاشا) فاعَلَ من الحَشَا الذي هو الناحية، وفاعلُه ضمير يوسف ﵇؛ أي: صار في ناحيةِ اللَّه مما يتوهَّم [فيه] (٢).
﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ لأن مثل هذا الجمال غير معهود للبشر، وإعمال (ما) بمعنى ليس لغةُ أهل الحجاز؛ لمشاركتها في نفي الحال.
وقرئ: (بَشَرٌ) على لغةِ تميم (٣).
وأما قراءة: (بِشِرى) (٤)؛ أي: بعبدٍ مشترًى (٥) حاصلٍ بِشِرى، فلا يطابق قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ (٦) لأن هذه الشارة الرائقة (٧) بالحسن والهيئة في
стр. 2204
الجمال لا تكون إلا للمَلَك، وقد رُكز في الطباع أنْ لا أحسن من الملَك ولا أقبح من الشيطان، وشبِّه كلُّ متناهٍ (١) في الحسن والقبح بهما، أو لأن الجمع بين الجمال الرائع والعصمة البالغة لا تكون إلا للملائكة.
* * *
(٣٢) - ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾.
﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾؛ أي: به، واللوم: الوصف بالقبيح على وجه التَّوبيخ والتشنيع، و (ذا) اسم إشارة، واللام لبُعد المشار إليه، و (كُنَّ) خطاب لتلك النسوة، والمعنى: إنَّ هذا الذي صَدَر (٢) منكنَّ الإكبارُ وتقطيعُ الأيدي فيه، ونفيُ البشرية عنه وإثباتُ الملَكية له، ذلك العبدُ الكنعانيُّ [الذي] (٣) لمتنَّني بسبب الافتتان به قبل أن تتصوَّرْنه حقَّ تصوُّره، ولو تصوَّرْتُنَّه بما عايَنْتُنَّ لعَذَرْتُنَّني.
أو: فهذا (٤) الذي لمتنَّني به، وإنما قيل (ذلك) وهو حاضر تعظيمًا (٥) له، ورفعًا لمنزلته في الحُسن، واستبعادًا لمحله، والغرض أن تُثبت له استحقاقَ أن يُحب ويُفتَنن به.
стр. 2205
﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ الإخبارُ عن المراودة المذكورة مؤكَّدًا بـ (قد) واللام يدلُّ على أنه لم يُخبر عنها قبل هذا، فما قيل في تفسير ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾: إنما سماه مكرًا لأنها استكتَمَتْهنَّ سرَّها فأفشَيْنَه عليها، ليس بذاك.
﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾: فامتنع طالبًا للعصمة، أَقرَّت لهن حين عرفتْ أنهن عذَرْنها كي يعاوِنَّها على إلانةِ عريكته.
الاستعصام؛ بناءُ مبالغةٍ يدلُّ على الامتناع البليغ والتحفُّظ الشديد، كأنه في عصمته وهو يجتهد في الاستزادة منها، ونحوُه: استَجْمَع الرأيُ واستَفْحَل (١) الخطبَ.
وهذا بيانٌ لِمَا كان من يوسف ﵇ لا مزيدَ عليه، وبرهانٌ لا شيء أنورُ منه، على غاية عصمته ونهايةِ طهارته.
وفي الفاء التعقيبية دلالةٌ على أنه (٢) ما صدر عن يوسفَ ﵇ بين المراودة والاستعصام فعلٌ يفصله عنها، فمِن هنا تَبيَّن أن الواقع من جانبه ﵇ مجردُ همٍّ غيرِ اختياريٍّ، فما زيدَ على ذلك وذكر في كتب التفاسير والقصص مردودٌ بنصِّ الكتاب، فافهم، واللّه الهادي إلى الصواب.
﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ﴾؛ أي: ما آمر به، فحُذف الجار (٣) كما في قولك: أمرتكَ الخيرَ، أوة أمري إياه، ومعناه: موجَبُ أمري ومقتضاه، فيكون الضمير له ﵇.
стр. 2206
واللام في (لئن) موطِّئة لقسم محذوف وجوابه: ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ وجاءت النون المشدَّدة لأنها آكَدُ من المخفَّفة (١)، ثم عُطف عليها (٢):
﴿وَلَيَكُونًا﴾ بالنون المخففة؛ لأن الصَّغار أخف من السجن، وقرئ بالنون المشددة (٣)، والأول أولى: معنًى لِمَا تقدم، ولفظًا لأن النون كُتبت في المصحف ألفًا على حكم الْوَقْف، وذلك لا يكون إلا في الخفيفة.
﴿مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾: من الأذلَّاء، من صَغِرَ - بكسر الغين - يَصغَر صَغارًا وصَغَرًا، وأما الصغير فمن صَغُر بالضم يَصْغُر صِغَرًا.
* * *
(٣٣) - ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ﴾ وقرئ بالفتح على المصدر (٤).
﴿أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ من ركوب المعصية، وهي محبة الاختيار والإيثار لا محبة النفس، فإنها تهوى ما تدعون (٥) إليه، دليله قولُه: ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾.
ودلت الآية على أن النسوة راوَدْنه عن نفسه، ولذلك قال: ﴿إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٥١] ويجوز أن يكون إسناد الدعوة والمراوَدة إليهن
стр. 2207
لأنهن ينصحْنَ له، وزَّينَّ له مطاوَعتَها، وقلن له: إياك وإلقاءَ نفسك في السِّجن والصَّغار.
وقيل: إنما ابتُلي يوسف ﵇ بالسجن لأنَّهُ تجلَّد على اللَّه تعالى وتصبَّر بقوله: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾، وكان حقَّه أن يَسأل العافية، ولذلك ردَّ رسول اللَّه ﷺ على مَن كان يسأل الصبر (١).
﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي﴾: وإن لم تصرف عني ﴿كَيْدَهُنَّ﴾ في تحبيب ذلك إليَّ وتحسينه عندي بالتثبيت (٢) على العصمة.
﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾: أَمِلْ إلى إجابتهن، أو إلى أنفُسهن بطبعي ومقتضَى شهوتي والصبوة: الميل إلى الهوى، ومنها: الصَّبا؛ لأن النفوس تصبو إليها لطِيب نسيمِها ورَوْحها.
وقرئ: (أَصَبُّ) من الصَّبابة (٣).
﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾: من الذين لا يعملون بما يعلمون؛ لأن مَن لا جدوى لعلمِه فهو ومَن لا يعلم سواءٌ، أو: من السفهاء؛ لأن الحكيم لا يفعل القبيح.
* * *
(٣٤) - ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ فأجاب اللَّه تعالى دعاءه الذي تضمَّنه قوله: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي﴾ فإن فيه معنى طلبِ الصرف والدعاءِ باللطف.
стр. 2208
﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ تثبيتًا (١) على العصمة، تفسيرٌ (٢) للاستجابة.
﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لدعوات الملتجِئين إليه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأحوالهم وما يصلحُهم (٣).
* * *
(٣٥) - ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾.
﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾: ظهر للعزيز وأهله ﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾ هي الشواهد على براءته؛ كشهادة الصبيِّ، وقدِّ القميص، وأما قطعُ النساء أيديَهن فليس منها كما لا يخفى.
وفاعل ﴿بَدَا﴾ مضمَر لدلالة ما يفسِّره عليه، وهو: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾.
والمعنى: بدا لهم بداءٌ؛ أي: ظهر لهم رأي هو ليسجننَّه، وهو جواب قسمٍ محذوفٍ، والقسم وجوابه معمولٌ لقولٍ محذوف تقديرُه: قائلين.
وما كان ذلك إلا باستنزال المرأة لزوجها، وفَتْلِها منه في الذِّروة والغارب (٤)، وكان مِطْواعًا لها حتَّى أنساه ذلك بعدُ ما عاين من الآيات، وعمِل برأيها في سَجنه وإلحاق الصَّغار به كما أوعدته (٥) به، وذلك لما أَيِست من طاعته لها، أو لطمعها في أن يُذلله (٦) السِّجن ويسخِّرَه لها.
стр. 2209
وقرئ: (لتَسْجُننَّه) بالتاء على الخطاب (١)، خاطَب به بعضُهم العزيز ومَن يليه، أو العزيز وحده على وجه التعظيم.
﴿حَتَّى حِينٍ﴾: إلى زمانٍ، كأنها اقترحت أن يُسجَنَ زمانًا حتَّى تُبصرَ ما يكون منه (٢)، أو يحسبَ الناس أنه المجرم فلبث في السجن بضع سنين (٣). وقرئ: (عتى) بلغة هُذيل (٤).
* * *
(٣٦) - ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾؛ أي: عبدان للملك، قال الزجَّاج: كانوا يسمُّون المملوك فتًى شيخًا كان أو شابًّا (٥).
والواو للعطف على محذوفٍ تقديره: أَمْضَوا (٦) رأيهم في سَجنه فسجنوه ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ﴾؛ أي: في صحبته (٧) ﴿السِّجْنَ﴾ فإن (مع) حقيقةٌ فيها، فلا تُصرف عنها إلى المجاز إلا لصارف، كما في قوله: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٤٤].
стр. 2210
والمعنى: أنه ﵇ دخل السجن واتَّفق أن دخل حينئذ آخران من عبيد الملك: شَرَابيَّه وخبَّازه؛ للاتهام بأنهما قصَدا أن يَسُمَّاه.
﴿قَالَ أَحَدُهُمَا﴾ وهو الشرابيُّ: ﴿إِنِّي أَرَانِي﴾؛ أي: أرى في المنام، وهي حكايةُ حالٍ ماضيةٍ استحضارًا للصورة عند السامع؛ إظهارًا للاهتمام بتأويلها.
﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ وفي قراءة ابن مسعود: (عنبًا) (١)، وإطلاق الخمر على العنب مجازٌ من باب تسمية الشيء بما يَؤُول إليه، ونكتة المجاز بيانُ أنَّ عصره كان (٢) للتخمير لا لأمرٍ آخر على وجه الإيجاز.
﴿وَقَالَ الْآخَرُ﴾ وهو الخباز: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ﴾: تنهشُ ﴿مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ شبَّه الإخبار بما (٣) سيقع من الأمور المغيَّبة بتفسير المشكل والإفصاح عن معناه لإبهامه، فسماه التأويلَ، والضمير لِمَا قصَّا عليه جاريًا مجرى اسم الإشارة، كأنه قيل: نبئنا بتأويل ذلك.
﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: الذين يُحْسنون تأويلَ الرؤيا، قالا ذلك لأنهما رأياه يعبر رؤيا بعض أهل السجن، أو: من المحسنين إلى أهل السجن فأَحْسِنْ إلينا بتأويل ما رأينا إنْ كنت تعرفه.
* * *