وإنَّما وُصف عذابُ المختومِ على قلوبهم بالعِظَم؛ لأنَّهم حُرموا عن جدوى المشاعرِ، وحُجِبوا عن عالَم النُّور، وحُبِسوا في سجون الظُّلماتِ، فما أعظَم عذابَهم وإن لم يُحسُّوا بإيلامهم كعُضوِ الميِّت والمفلوجِ! وعذابُ المنافقينَ بشدَّة الإيلامِ؛ لأنَّ مشاعرَهم غيرُ مؤوفة (١)؛ لعدَم انطفاءِ نورِ فطرتِهم، والألمُ بقدْر إدراكِ المؤلمِ، فلمنافاة نورِ استعدادِهم لِمَا رسخَ فيهم من الرذائل والملَكات الرَّديَّة والصِّفاتِ الظُّلمانيَّة يتألَّمون، وكان إدراكُهم لذلك أشدَّ إيلامًا، وعذابُهم أقوى وأنكى، وإنْ كان عذابُ الأوَّلينَ - لشدَّة حِجابِهم وغايةِ بُعدِهم من النُّور - أعظمَ؛ لعدَم منافاةِ ذواتِهم لصفاتهم، وضعفِ إدراكِهم لذلكَ، فلم يُحسُّوا بالألم بخلاف هؤلاء.
﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ بسبب ثباتِهم واستمرارِهم على الكذب، وزيادةُ (كان) للثَّبات، وصيغةُ الفعل للاستمرار التَّجَدُّدِي.
وفيه دلالةٌ على أنَّ العذابَ الأليمَ لاحقٌ بهم من أجْل كذبِهم الذي هو أدنى حالِهم في الكفر والنِّفاقِ، فكيفَ سائرُ الأحوال؟
ولا دلالةَ فيه على أنَّ الكذبَ - وهو الإخبار بالشَّيء على خلاف الواقعِ - يُستحَقُّ به العذابُ مطلقًا، كيفَ وقد صُرِّح في كتب الفقهِ أنَّ الكذبَ لإحياء الحقِّ مباحٌ؟
قال الإمامُ الغزاليُّ: إذا اختفى مسلمٌ من ظالم وسألَ عنه وجبَ الكذبُ بإخفائه (٢).
стр. 247
(١١) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ عطفٌ على (يقولُ) فلا محلَّ له من الإعراب، ولا بأسَ بالتخلُّل بين أجزاء الصِّلة بالبيان والاستئنافِ؛ لأنَّه ليس بأجنبيٍّ، فالآياتُ على سَنن تعديد قبائحِهم وتوصيفِهم بالأوصاف المذكورة قصدًا واستقلالًا.
ويحتملُ أنْ تكونَ مستأنفةً؛ إذ هذه الجملةُ والجملتانِ بعدَها من تفاصيل الكذبِ ونتائجِ النِّفاقِ.
ألَا ترى قولَهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١]، وقولَهم: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣]، وقولَهم عند لقاءِ المؤمنينَ: ﴿آمَنَّا﴾ [البقرة: ٨] كذبٌ محضٌ، فناسَب جعْلُ ذلك جُملًا مستقلَّةً ذُكرتْ لإظهار كذبِهم ونفاقِهم.
والإفسادُ: جعْلُ الشَّيءِ فاسدًا خارجًا عمَّا ينبغي أنْ يكونَ عليه، وعن كونِه منتفَعًا به، وكان (١) من إفسادِهم في الأرض (٢) هَيْجُهم الحروبَ والفِتنَ؛ لمُخادعة المسلِمينَ، وممالأةِ الكفَّارِ عليهم، بإفشاءِ الأسرارِ إليهم.
والظَّاهرُ أنَّ القائلَ مَن شافَهَهُم من الرَّسول والصَّحابة، والثاني أقرب.
﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ لمَّا كان نهيُهم عن الإفساد مُشعِرًا بأنَّ فيه إفسادًا نَفَوا ذلك عن أنفسِهم بادِّعاءِ أنَّهم مقصورونَ على الاصلاحِ من غير شائبةِ إفسادٍ، وآثروا (إنَّما) دلالةً على أنَّ ذلكَ الدعوى ظاهرٌ بيِّنٌ لا ينبغي أنْ يُشكَّ فيه.
стр. 248
وفيه تنبيهٌ على أنَّهم يتصورونَ إفسادَهم بصورة الإصلاحِ لِمَا في قلوبِهم من المرض؛ كما قال اللهُ تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨]. وقوله: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾. فردَّ الله تعالى ذلكَ بقوله:
* * *
(١٢) - ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ قصْرُ قلبٍ؛ أي: هم مقصورون على الإفساد لا ينتظِمونَ في جملة المصلِحينَ أصلًا، مع المبالغةِ على أبلغ الوجوهِ وآكدِها؛ من الاستئنافِ المقصودِ به تمكُّنُ الحكمِ في ذهن السَّامعِ فضْلَ تمكُّنٍ؛ لحصوله بعد التشويقِ الحاصلِ من ذِكْر ادِّعائِهم الإصلاحَ على وجهٍ أبلغَ مع توغُّلهم في الإفساد، فإنَّه يُشوِّق السامعَ أنْ يعرفَ (١) ما حَكَم اللهُ عليهم، والشَّيءُ إذا وُجِد بعد الطَّلبِ يكونُ أعزَّ ممَّا فوجِئَ (٢) به من غيرِ النَّصَب.
وتصديرِ (٣) الجملةِ بـ (ألَا) و (إنَّ) للتنبيهِ والتَّحقيقِ، وذلكَ أنَّ (ألَا) مركَّبةٌ مِن همزةِ الاستفهامِ وحرفِ النَّفي لإعطاء معْنَى التنْبيهِ على تحقّقِ ما بعدها، والاستفهامُ إذا دخلَ النَّفيَ أفاد التَّقريرَ والتَّحقيقَ؛ كقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِر﴾ [القيامة:٤٠]، وتكونُ همزة الاستفهام بهذه المثابةِ من التَّحقيق تُتَلقَّى بما يُتلقَّى به القسَمُ، وأختُها (٤)
стр. 249
التي هي (أمَا) من مقدِّمات القسَمِ وطلائعهِ، وتوسيطِ (هم)، وتعريفِ الخَبرِ، والاستدراكِ (١) بقوله:
﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُون﴾ وهذا أَولى من نفي العِلم مُطْلقًا، المستلزمِ لنفْيِ العِلم الخاصِّ؛ لأنَّ مَن لا يشعرُ بالضَّروريات لا سيَّما المحسوساتُ منها أَولى أنْ لا يعلمَ غيرَها، وهذا من هذا الوجه؛ لأنَّه نفيٌ مع دليلٍ، ولأنَّه يُنادي عليهم بانحطاطِ رُتبتهم عن رُتبة البهائمِ، ويُؤذِن بأنَّ معلومَه من أجلِّ المعلوماتِ، ولا كذلك: لا يعلمون، وهذا الأخير هو الأصل والباقي مؤيِّد.
(١٣) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا﴾ نُهوا عن الإفساد ثُمَّ أُمروا بالسُّلوك إلى (٢) سبيل الرَّشادِ، وبدأ بالمنهيِّ عنه لأنَّه الأهمُّ وهو ترْكٌ، والتركُ أسهلُ عن إتيان المأمورِ به، فكان في ذلكَ تدريجٌ لهم.
﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ (كما آمن) في محلِّ النَّصبِ على المصدرَّيةِ، وهو في الحقيقة
стр. 250
صفةُ مصدرٍ محذوفٍ؛ أي: إيمانًا مثلَ إيمانِ النَّاسِ، واللَّامُ في (النَّاس) للجنْس، إمَّا لأنَّهم الكاملون في الإنسانيَّةِ من بابِ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، وإمَّا لأنَّ غيرَهم ليس بناسٍ حقيقةً؛ لقُصُورهم وانحطاطِهم عن رُتبةِ الإنسانيَّةِ، بل رتبةِ البهيميَّةِ، وفي الأول نظرٌ إلى كمال المؤمنينَ، وفي الثاني إلى قُصور غيرِهم على نحو:
إِذِ النَّاسُ ناسٌ والزَّمانُ زمانُ (١)
وهذا أبلغُ في هذا المقامِ، ولا دلالةَ فيه على قَبول توبةِ الزِّنديقِ؛ لأنَّ النِّفاق غيرُ الزَّنْدقةِ، كيفَ ويُقتلُ الزِّنديقُ دونَ المنافقِ؟ ولم يقلْ أحدٌ: إنَّ في عدمِ قتْله ﵇ المنافقَ (٢) دلالةٌ على عدم قتْلِ الزِّنديق.
ثُمَّ إنَّ دلالةَ التقييدِ على أنَّ في أفراد الإيمانِ تفاوتًا بالكمال والنُّقصانِ، لا على أنَّ الإقرارَ باللِّسان وحدَه إيمانٌ.
﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ﴾ الاستفهامُ للإنكارِ.
﴿كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ لمَّا كان المأمورُ به مشبَّهًا آتَوا بإنكارهم مشبَّهًا (٣)، واللَّامُ للعهد والإشارةِ إلى الناس، والسَّفهُ: خِفَّةٌ في البَدَنِ أو في المقال يقْتَضِيْها نقصانُ العقلِ، والحِلْم: رَزانةٌ في البَدنِ يقتَضيْها وفورُ العقلِ.
نَصحُوهم بأمرين (٤): تقبيحِ ما هُم (٥) فيه لأدائهِ إلى الفساد والفِتنةِ، وتبصيرِهِم
стр. 251
طريقَ الهدى والصَّلاحِ، فما كان جوابُهم إلَّا أنْ سفَّهوهم وادَّعوا الصلاح فيما كانوا عليهِ بجهلِهم المركَّبِ، وتماديْهِم في غيِّهم، وإفراطِهم في السَّفه، واعتقادِهم أنَّ ما هم عليه هو الحقُّ، وأنَّ ما عليه المؤمنون هو الباطلُ، فكانوا عندَهم سفهاءَ.
﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ردٌّ على وجه المبالغةِ في تجهيْلِهم، فإنَّ الجاهلَ الجازمَ على خلافِ ما هو الواقعُ أتمُّ جهالةً وأعظمُ ضلالةً من المتوقِّف المعترِفِ بجهلِه، فإنَّه ربَّما يُعذرُ (١) وتنفعُه الآياتُ والنُّذرُ.
والتفصيلُ بـ (لا يعلمون) (٢)؛ لأنَّ تسفيْهَهم العلماءَ الأعلامَ لا يكونُ إلا لغاية السَّفهِ والجهل المركَّبِ، ومعرفةُ الحقِّ والإيمانُ به، وكونُ المؤمنينَ على الحقِّ، وكونُهم على الباطل، أمرٌ نظريٌّ لا يتعلق بالحسِّ، بخلافِ الفسادِ في الأرض، ولأنَّ ذِكْرَ العِلم مع السَّفهِ - وهو جهْلٌ - أحسنُ طباقًا.
(١٤) - ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾.
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تقول: لَقيْتُه ولاقَيْتُه: إذا استقبَلْتَه قريبًا منه، بيانٌ لمعاملَتِهم مع المؤمنينَ والكفارِ، وما سبَقَ سيْقَ لبيانِ مذهبِهم وتمهيدِ نفاقِهم، فلا تكرير، على أنَّ المعنى: من النَّاس مَن يتفوَّه (٣) بالإيمان نِفاقًا للخداع، وذلكَ
стр. 252
عندَ لقاءِ المؤمنينَ، وفيهِ زيادةُ بيان أنَّهم ضَمُّوا إلى الخداع الاستهزاءَ، ولا يتفوَّهون بالكلمة إلَّا عند الحاجةِ.
﴿قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا﴾ تقول: خلَوْتُ به وإليه: إذا انفَرَدْتُ معه.
﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ الشيطان: فيْعالٌ مِن شَطَنَ: إذا بَعُدَ؛ لِبُعدِه عن الحقِّ، أو فَعْلانُ من شاطَ: إذا بطَل، ومن أسمائه: الباطلُ.
وقال الرَّاغبُ: مِن شاطَ: إذا احترقَ غضَبًا (١).
والمراد: متَمرِّدوهُم وشُطَّارُهُم.
﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ خاطَبوا المؤمنينَ بالجملة الفعليَّةِ ادِّعاءً لإحداث الإيمانِ، إذ لا يَروجُ عنهم دعوى التَّحقيقِ (٢)، أو (٣) لا تساعدهم أنفسُهم على ذلك، إذْ ليسَ لهم صِدْقُ رغبةٍ ولا قوَّةُ داعٍ. وشياطينَهم بالاسميَّة مع التأكيدِ؛ لوجود الأمرينِ، ونفْيِ الشكِّ والتردُّدِ عنهم في كذب قولهم: (آمنَّا)، واستمرارِهم على دينهم وموافقتِهم.
ولكَ أنْ تقولَ: إنَّ مقتضَى المقامِ في الأوَّل تجريدُ الكلامِ عن جنْس المؤكِّد؛ لأنَّ التأكيدَ والتقويةَ فيه لا يخلو عن تذكيرٍ لنفاقهم، من حيثُ باعتبارِ أنَّ فيه دلالةً على إنكار المخاطَبِ وسوءِ ظنِّه، وهمْ في صدد التجنُّبِ فيه، والاحترازِ عن مظانِّه.
ومقتضَى المقامِ في الثاني تحليةٌ به؛ لأنَّ إظهارَهم الإيمانَ وموافقتَهم المسلمينَ في ظاهر الأحكامِ كان مظنّةً لإنكارِ المخاطَبينَ ثباتَهم على اليهوديَّةِ (٤).
стр. 253
﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ الهُزءُ: السُّخرية من شيء يحقُّ عند صاحبهِ ولا يحقُّ عندَ الهازئِ.
استئنافٌ، كأنَّهم اعترَضوا عليهم حين قالوا: (إنَّا معكم)، فقالوا: فما بالُكُمْ توافقونَ؟ فقالوا: (إنَّما نحنُ مستَهزئونَ).
ويجوز أنْ يكونَ تأكيدًا لقوله: (إنا معكم)؛ لأنَّه لمَّا كان معنى قوله: (إنَّا معكم) هو: إنَّا معكم قُلوبًا، وتوهَّم أصحابُ محمدٍ الإيمانَ، وقَع قولهُ: (إنما نحن مستهزئون) مقرِّرًا له؛ لأنَّ الاستخفافَ بالشَّيء إنكارٌ له، ودفع للاعتداد به، ودفعُ نقيضِ الشَّيء تأكيدٌ لثُبوته.
أو أنْ يكونَ بدلًا؛ لأنَّ مَن حقَّر الإسلامَ فقدْ عظَّم الكفرَ.
والأولُ أوجهُ؛ لزيادة الفائدةِ، وكونِ المحرِّكِ للسؤال - أعني قوله: (إنا معكم) - في غاية الظُّهورِ.
(١٥) - ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ﴾ يقال: هَزِئْتُ واستَهْزَأتُ، نحو: أجَبْتُ واستَجَبْتُ، والصحيحُ أنَّ الاستهزاءَ: ارتيادُ الهُزءِ، وإنْ كان قد يُعبَّر به عنهُ، وكذا الاستجابةُ في الأصل معناها مخالفٌ للإجابةِ، وإنْ كان قدْ يجري مجراها، كذا قال الراغب (١).
لمَّا ذَكرَ استِهزاءَهم بالمؤمنينَ استأنفَ الكلام إظهارًا للسُّخط، وإنَّما قال: ﴿يَسْتَهْزِئُ﴾ ليدلَّ على دوامِ تجدُّد الاستهزاءِ وقتًا فوَقتًا، وفي الجملة الاسميَّةِ والخبر
стр. 254
الفعليِّ مع المعنى المذكورِ تقوِّي الإسنادِ؛ لتكرُّره والتخصيصِ؛ أي: هو الذي يتولَّى الاستهزاءَ بهم - خاصةً - الاستهزاءَ الأبلغَ الأقوى الذي يكونُ استهزاؤُهم بالنِّسبة إليه كلَا استهزاءٍ، ولا يُحْوجُ المؤمنينَ إلى معارضتهم.
﴿بِهِمْ﴾ ذُكِر هاهنا لعدم الدَّاعي إلى الحذف، بخلافِ ما تقدم، فإنَّ فيه باعثًا لَفظيًّا وهو المحافظةُ على الفاصلة، وداعيًا مَعنويًّا وهو تحرُّجُهم من إبلاع المؤمنينَ، وإبقاءُ اللفظِ محتمَلًا ليكونَ لهم مجالُ التَّوجيهِ عندَ الحاجةِ إليه، والمعنى: أنَّه تعالى عاملَهم في الدُّنيا على وَفقِ معامَلَتِهم، فإنَّهم أظهَروا الإيمانَ وفي باطنهم النِّفاقُ، واللهُ تعالى أظهرَ لهم في الحال الأمانَ، وعاقبتُهم الإحراقُ (١) بالنيران، وعلى هذا يكونُ الكلامُ المذكورُ من قَبيل الاستعارةِ التبعيَّةِ.
وقيل: إنَّ معناه: يُجازيهِم في الآخرة جزاءَ استهزائهم، والعربُ تُسمِّي الجزاءَ باسم الابتداءِ، قال عمرو بن كلثومٍ:
ألَا لا يَجْهلَنَّ أحدٌ علَيْنا … فنَجْهَلَ فوقَ جهْلِ الجاهِليْنا (٢)
وفي القرآن العظيمِ (٣): ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]. وهذا توسُّعٌ مخصوصٌ غير المشاكلةِ.
وقيل: إنَّه تعالى يجعلُ المؤمنينَ يطَّلعونَ على المنافقينَ من الجَنَّة، فيقولون لهم: أتُحبُّون أنْ تخرجوا من النَّار وتدخلونَ الجنَّةَ، فيقولون: نعَم، فيُفتح لهم بابٌ من النَّار، فيَقصِدون إليه فيُغلَق عليهم، ثمَّ يُفتحُ بابٌ آخرَ فتقصدُونه فيُغلَق،
стр. 255
ولا يزالُ يُفعَل بهم كذلكَ والمؤمنونَ يضحكونَ منهم، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩]. إلى أنْ قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤] (١). وعلى هذا يكون التجوُّزُ في إسناد الاستهزاءِ إلى الله تعالى.
﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ مِن مَدَّ الجيشَ وأَمدَّهُ: إذا زادَه وأَلحقَ به ما يقوِّيهِ ويُكثِّرُه، لا مِن المدِّ في العُمُر فإنَّه يُعدَّى باللَّام كـ (أُمْلِي لهُم)، والحذفُ والإيصالُ خلافُ الأصلِ فلا يُصارُ إليه إلَّا بدليل، وهنا دليل على خلافه، وهو قراءةٍ: (ويُمِدُّهم) (٢).
﴿فِي طُغْيَانِهِم﴾ الطغيانُ بالضمِّ والكسْرِ: تجاوُزُ الشَّيء عن مكانه، والمرادُ: غلُوُّهم في الكفرِ وتجاوزُهم الحدَّ في العتوِّ، وإنَّما أُضيفَ إليهم (٣) لأنَّه أُريد الطُّغيانُ الذي عُرفَ لهم، واشتُهِر بصُدوره عنهم، فلا دلالةَ في إضافته إليهِم على أنَّه فعلُهم.
﴿يَعْمَهُونَ﴾ في محلِّ النَّصبِ بالحال مِن مفعول (يَمُدُّهم) أو فاعلِ (طغيانِهم).
العَمَه في البَصيرة، والعَمى في البصر، وهو التحيُّر والتَّردُّد، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل: ٤].
стр. 256
(١٦) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ استئنافٌ جارٍ مجرى التَّعليلِ لاستحقاقهم الاستهزاءَ الأبلغ، والمدِّ في الطُّغيان، ويحتملُ (١) أنْ تُجعلَ مقرِّرةً لقوله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
واستُعيرت (٢) الضَّلالةُ - وهو الجورُ عن القصد - للذَّهاب عن الحقِّ والصوابِ في الدِّين، والهدى - وقد مرَّ بيانُ معناه - للنُّور الفِطريِّ والدِّينِ القيِّم الأصليِّ، والاشتراءُ - وهو إعطاءُ بدلٍ وأخذُ آخرَ - للاستبدال؛ أي: اختاروا الضَّلالةَ واستبْدَلوها بالهُدى.
﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ الرِّبحُ: الفَضلُ على رأس المالِ. والتَّجارةُ: تعاطي الأمتِعةِ بالبيْع والشِّراءِ للرِّبح، وعدمُ الرِّبحِ كِنايةٌ عن الخُسران، ويسْبتهُ إلى التِّجارة على التوسُّع الشائعِ.
قال الرَّاغبُ: والرِّبحُ والخُسرانُ يُنسبانِ مرَّةً إلى صاحب السِّلعةِ، ومرةً إلى السِّلعة، ومرةً إلى الصَّفقة (٣)؛ إذْ لا اشتباهَ فيه (٤).
وحُسْنُ تلكَ الكِنايةِ التي هي ترشيحٌ للاستعارةِ (٥) المذكورة يظهرُ في وجه قوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ أي: لطريق التِّجارةِ؛ فإنَّه كنايةٌ عن إضاعة الطَّلِبةِ الأصليَّةِ وهي سلامةُ رأسِ المال؛ لأنَّ مَن لم يهتدِ لطريق التِّجارةِ تكثرُ الآفاتُ في أمواله، ويعمُّ الحِرمانُ أكثرَ أحوالهِ.
стр. 257
وقد استبانَ من هذا التَّوضيحِ أنَّه يَشدُّ من عَضُد التَّرشيحِ، وزيادةُ (كان) لاستمرار النَّفي، على أنَّ النَّفي اعتُبِرَ أوَّلًا ثمَّ قُيِّدَ، والتَّعويلُ في مثل هذا على القرائنِ.
(١٧) - ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾.
﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ لمَّا بيَّنَ أوصافَهم عقَّبها بضرْب المَثَلِ زيادةً في الكشْفِ والتَّبيينِ، فإنَّه أوقعُ في القلب، وأقمعُ للخصْم الألدِّ؛ لأنَّه يُريكَ المتخيَّلَ محقَّقًا والمعقولَ (١) محسوسًا.
ولشأنِهِ العجيبِ في إبراز الحقائقِ المستورةِ، ورفعِ الأستار عن وجه الخفيَّاتِ، أكْثَرَ اللّهُ تعالى في القرآن وسائرِ كُتبهِ الأمثالَ، وفَشَتْ في كلام رسولِ اللهِ ﷺ وسائرِ الأنْبياءِ.
والمثلُ في الأصل بمعنى: النَّظير، ثُمَّ نُقل في العُرف إلى القول السَّائرِ الممثَّل مَضْرِبُه بموردهِ، ولم يُسيِّروه ولم يجعلوهُ مَثَلًا إلَّا إذا خُصَّ بنوع من الغَرابة، ولهذا لم يُغيِّروه عمَّا وردَ عليه، ثُمَّ استُعير للصِّفة والحالِ والقصَّةِ إذا كانت عجيْبةَ الشَّأنِ وفيها غرابةٌ.
فالمعنى: حالُهم العجيبُ الشَّأنِ كحال المُستوقِد، فلا حاجةَ إلى معنى الجمعِ كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ﴾ [الجمعة: ٥].
стр. 258
واستَوقدَ: من الوُقود، وهو سُطوع النَّار وارتفاعُ لهَبِها، وسينُ الاستفعالِ ليس للطَّلب والسؤال، بل للاهتمام والمبالغةِ في الإيْقاد.
والنَّارُ: جسمٌ لطيفٌ مُحرِقٌ، اشتقاقُها من نارَ ينورُ نَوْرًا: إذا نفَر؛ لأنَّ فيها حركةً واضطرابًا.
﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ الإضاءةُ: فرْطُ الإنارةِ، من الضوء الذي هو النُّور البالِغُ القويُّ، ومصداقُه قوله تعالى: ﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥]. وتأليفُ الحولِ: للدَّورانِ والإطافةِ، وقيل للعامِ: حَوْلٌ؛ لأنَّه يدورُ.
و (أضاءتْ) إمَّا متعدٍّ و (حولَه) مفعولٌ به، و (ما) زائدة. أو (ما) موصولةٌ مفعولٌ به، و (حوله) ظرفٌ صِلتُه؛ أي: جعلتْهُ النَّارُ مُضيْئًا.
وإمَّا لازمٌ مستنِدٌ إلى (ما حوله)، و (ما) موصولةٌ؛ أي: أضاءت الأماكنُ التي حولَ المستوقِدِ. أو إلى النَّار، و (ما حولَه) ظرفٌ لغوٌ لـ (أضاءت)، و (ما) زائدة، أو (حول) ظرفٌ في موضع الصِّلةِ، و (ما) موصولةٌ عبارة عن الأمكنة، والموصولُ مع الصِّلة مفعولٌ فيه.
وجوابُ (لمَّا) إمَّا قولُه: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ والضميرُ لـ (الذي)، وجمعُه للحمل على المعنى، وإنَّما لم يقلْ: بنارهم؛ لأنَّ في النار شيئينِ: حرارةً ونورًا، والله تعالى أذهبَ النُّورَ، وبَقيَ عليهم الحرُّ المحذور.
وإمَّا محذوفٌ دلَّ عليه ما بعدَه كما حُذِف في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٥]؛ لاستطالة الكلامِ مع الأمنِ مِن اللَّبْس (١)، وفي الحذف إيجازٌ مع
стр. 259
الإفصاحِ (١) عن الصِّفة التي عليها المستوقِدُ بما هو أبلغُ في الدَّلالة على المعنى من اللَّفظ وهو العقلُ، كانه قال: فلمَّا أضاءت ما حوله خمدتْ فبَقُوا خابطينَ (٢) في ظلام، متحَسِّرينَ على فوات الضَّوء، خائبينَ بعدَ الكدحِ في إحياء النَّارِ. وما ذُكِر استئنافٌ؛ أي: جوابٌ للسؤال عن وجه الشَّبهِ لعدم ظهورهِ، أو بيانٌ لجملة المثَل (٣).
وإسنادُ الإذهابِ إلى الله تعالى لقصْد (٤) المبالَغةِ، ولذلكَ عُدِّي الفعلُ بالباء دونَ الهمزةِ؛ لِما فيها من معنى الاستِصْحابِ والاستمساكِ، يقال: ذهبَ السُّلطانُ بماله، إذا أخذَهُ، وما أخذَه اللهُ تعالى وما أمسكَه فلا مرسلَ لهُ.
وعدَلَ عن الضَّوء الذي هو مقتضَى الظَّاهرِ إلى النُّور، فإنَّه لو قيلَ: ذهبَ اللهُ بضوئهم، احْتَمَلَ أنْ يكونَ الذَّاهبُ ما في الضَّوء مِن الزِّيادة، والغرضُ إزالةُ النُّورِ عنهم رأسًا، ألا ترى كيفَ قرَّر ذلك وأكَّد بقوله:
﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ فذَكرَ الظُّلمةَ التي هي عدمُ النُّورِ والطُّمأنينةِ بالكلِّيّة، وجمَعَها ونكَّرها، ووصَفَها بالخلوص.
و (ترَكَ) بمعنى: طرَح وخلَّى، و (في ظلمات) متعلِّقٌ به، و (لا يُبصرونَ) في موضعِ الحالِ. أو (في ظلمات) في موضع الحال فيتعلَّق بمحذوفٍ، و (لا يبصرونَ) حالٌ أيضًا: إمَّا من الضمير في (تركَهم)، وإمَّا مِن الضمير المستكنِّ في المجرور.
стр. 260
وإنْ ضمِّنَ (تَرَك) معنى: صيَّر، يكونُ ثاني المفعولَينِ (في ظلمات)، و (لا يبصرون) حال، ولا يجوزُ العكسُ؛ لأنَّ الخبرَ لا يكونُ مؤكِّدًا. وقولُ الشَّاعر:
فتَركْتُه جَزَرَ السِّباعِ يَنُشْنَهُ (١)
يَحتمِلُ الوجهينِ لأنَّ (جَزرَ السِّباع) وإنْ كانَ معرفةً يَحتمِلُ الحالَ، كما أنَّ (يسبُّني) في قوله:
ولقدْ أَمُرُّ على اللَّئيمِ يَسُبُّنِي (٢)
يحتملُ الصِّفةَ وإنْ كانَ (اللَّئيم) معرفةً.
والظُّلمة مأخوذة من ظلَمَه: إذا منَعَ حقَّهُ؛ لأَنها تَمنعُ البصرَ من النُّفوذِ وتسدُّه. وظلماتُهم: ظلمةُ الجهلِ، وظلمةُ الكفْرِ، وظلمةُ النِّفاقِ.
وقيل: يجوزُ أنْ يُرادَ بالنَّار: نارٌ مجازَّيةٌ كنارِ فتنةٍ أو حربٍ، وليس بقويٍّ؛ لأنَّ الغرضَ من التمثيل إبرازُ المعقولِ في صورة المحسوسِ ليكونَ مُشاهدًا، وعلى هذا التقديرِ يفوتُ الغرضُ منه.
وفي الآيةِ دلالةٌ على أنَّ وجودَ النُّورِ شرْطٌ لرُؤية الألوانِ لا لوجودِها، إذ حينئذٍ يَمتنعُ الإبصارُ فلا يخرجُ قولُه: (لا يبصرون) مخرجَه.
стр. 261
(١٨) - ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾.
﴿صُمٌّ﴾ جمعُ الأصمِّ (١)، النَّعتُ من الصَّمَم، وهو انسدادُ خرُوقِ المَسامعِ، ومنه: القناةُ الصماءُ التي ليستْ بمجوَّفة، وكذا كلُّ فعلٍ كان نعْتًا مما هو خلقةٌ فجمعه: الفُعْلُ، ومثلُه: البُكْم والعُمْيُ، وإنْ كان اسمًا فعلى الأَفاعِل يُجمع؛ كالأرنب والأرانِبِ، والأعجم والأعاجِم، وإنْ كان نعْتًا لِمَا هو آفَةٌ فعلى الفَعْلى؛ كالأعجَف والعَجْفى، والأحْمَق والحَمْقى.
﴿بُكْمٌ﴾ من البَكَم: وهو الخرَسُ، وهو آفَةٌ في اللِّسان لا يَتمكَّنُ معها أنْ يعتمدَ مواضعَ الحروفِ.
﴿عُمْيٌ﴾ من العَمَى، الأعمى في العيْن وجمعُه: العُمْيُ، ومن القلب: العَمِي، وجمعُه: العَمُونَ، قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [النمل: ٦٦].
لمَّا سَدُّوا مسامعَهم عن الإصاخَة إلى الحقِّ، وأبَوا أنْ يُنْطِقوا به ألسنتَهم، ويُبْصِروا الآياتِ بأبصارِهم، جُعلوا كأنَّما فُقِدت مشاعرُهم، ولم توجدْ قُواهم.
وإيرادُ هذه الصِّفاتِ مع سلامةِ حَواسِّهم تشبيهٌ بليغٌ؛ إذْ شرْطُ الاستعارةِ الإعراضُ عن المستعارِ له صَفْحًا ونسْيانُه مُطلَقًا، وهاهنا وإنْ حُذِفَ المبتدأُ الذي هو ضميرُ المنافقينَ لكنَّه في حُكمِ المقدَّر المنْويِّ؛ لاستنادِ الخبرِ إليه، ونظيرُه قولُه:
صُمٌّ إذا سمِعوا خيْرًا ذُكرْتُ بهِ … وإنْ (٢) ذُكِرتُ بسُوءٍ عندَهم أَذِنوا (٣)
стр. 262
وأمَّا قولُه:
أَسدٌ عليَّ وفي الحُروبِ نَعامَةٌ (١)
ففي كونِه من هذا البابِ نظرٌ.
﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾؛ أي: جوابًا؛ لأنَّ مَن اشتدَّتْ عليه تلكَ المشاعرُ لا يمكنُ أنْ يَرجعَ جوابًا؛ بل يخاطبُه لا بالعبارة ولا بالإشارة، من الرَّجْع بمعنى الصَّرفِ، لا من الرجوعِ بمعنى الانصرافِ، فإنَّ (رجَعَ) لازمٌ ومتعدٍّ.
﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩].
﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ مجرورٌ بمضافٍ محذوفٍ؛ أي: كمَثَل ذَوي صيْبٍ.
﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ صفةٌ في محلِّ الجرِّ.
أمَّا تقديرُ المَثَل فلا بد منه للعطف على السَّابق، وأمَّا تقديرُ (ذَوِي) فلقوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾، وإلَّا فنَفْسُ التَّشبيهِ لا يقْتَضي تقديرَ شيءٍ، إذْ لا يلزمُ في التَّشبيه المركَّب أنْ يكونَ ما يلي الكافَ هو المشبَّهَ بهِ كما في قوله:
وما النَّاسُ إلَّا كالدِّيارِ وأهْلُها (٢)
стр. 263
و (أو) في الأصل للتَّساوي في الشكِّ، ثمَّ اتُّسع فيْها فأُطلق للتَّساوي من غيرِ شكٍّ؛ مثلَ: جالِسِ الحسنَ أو ابنَ سيرينَ، ومعناهُ: أنَّ قصَّة المنافقينَ مشبَّهةٌ بهاتينِ القصَّتينِ، وألَهما سواءٌ في صحَّة التَّشبيهِ بهما.
وتثْنيَةُ التَّمثيلِ كشفٌ بعدَ كشفٍ، وإيضاحٌ غِبَّ (١) إيضاحٍ، وكما يجبُ على البليغ في مظانِّ الإجماعِ والإيجازِ أنْ يُجملَ ويُوجزَ، فكذلكَ الواجبُ عليهِ في موارد التَّفصيلِ والإشباعِ أنْ يفصِّلَ ويُشبعَ، أنشدَ الجاحظُ:
يَرمونَ بالخُطَبِ الطِّوالِ وتارةً … وحْيَ المُلاحظِ خِيفةَ الرُّقَباءِ (٢)
والصيِّبُ يقالُ للمَطَر والسَّحابِ، وفي الآية يحتملُهما، وتنكيرُه للتَّعظيم؛ كتَنْكير النَّارِ في المثَل الأوَّلِ.
والسماءُ: هذه المُظِلَّةُ، قد يُطلق على جهة الفَوقِ، وهو المراد هاهنا.
وتعريفُها للدَّلالة على إطباق ذلكَ الصَّيِّبِ (٣) الآفاقَ كلَّها، فإنَّ كلَّ أُفُقٍ يُسمَّى سماءً، أمدَّ بهِ (٤) ما في (صيِّبٍ) من المبالغة مِن جهة التَّركيبِ، فإنَّ الصَّادَ
стр. 264
من المستَعليَة والياءَ مشددةٌ والباءَ من الشَّديدة، ومن جهةِ المعنى فإنَّ الصَّوبَ: فرطُ الانسكابِ والوقوعِ، ومن جهة البِناءِ فإنَّ فَيْعلًا صفةٌ مشبَّهةٌ دالَّةٌ على الثُبوت، ومن جهة العارِضِ؛ لأنَّ التَّنكيرَ للتَّعظيم والتَّهويلِ.
﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ صفةٌ أُخرى في محلِّ الجرِّ، و (ظلماتٌ) مرفوعٌ بفاعلية الظَّرفِ بالاتِّفاق (١)؛ لاعتمادهِ على الموصوف، والمعنى: في أثنائه وتضاعيفِه إنْ أُريدَ بالصَّيِّب المطرُ، وجَعلُه مكانًا للرَّعد والبرْقِ؛ لأنَّهما في أعلاه ومنْحَدَرِه جُعلا كأنَّهما فيه بطريقِ استعار كلمةِ (في) للتَّلبُّس المخصوصِ الشبيهِ بتلبُّس الظَّرفيةِ الحقيقيَّةِ، والظُّلماتُ: تكاثفُ المطرِ بتَتابُعِ القَطْر والسَّحابِ وسُحْمتِه وتطبيقه معَ ظلمةِ اللَّيلِ.
وإنْ أُريدَ به السَّحابُ ففيهِ الرعدُ والبرْقُ، وأمَّا الظُّلمات فما ذُكِرَتْ بعَيْنِها إلَّا المطرَ، فإنَّه قد يكونُ وقد لا يكونُ (٢).
والرَّعدُ: الصَّوتُ الذي يُسمَع من السَّحاب عندَ تمزيقِ الرِّيح إياه، وهو تحريق (٣) الدُّخانِ البُخارَ عندَ احتِقانهِ فيه بتكاثُفه.
والبَرْقُ: ما يَلمَعُ مِن السَّحاب إذا تحاكَّتْ أجزاؤُه، مِن بَرَقَ الشَّيءُ بريْقًا: إذا لَمَعَ.
стр. 265
ولم يُجمَع (رعدٌ وبرقٌ)، وإنْ كان الجمعُ أشدَّ مناسبةً لقوله تعالى: (ظلماتٌ) وأكثرَ مبالغةً كما في قول البُحتريِّ:
يا عارِضًا مُتَلفِّعًا بِبُرودِه … يَختالُ بيْنَ بُرُوقهِ ورُعودِهِ (١)
لكونِهما في الأصل مصدَرينِ، فإنْ أُريد العينانِ رُوعِي الأصلُ فلمْ يُجمَعا، وإنْ أُريد الحدَثانِ؛ أي: الإبراقُ والإرعادُ فحقُّهما الإفراد، وأيضًا قُصِدَ التَّهويلُ المناسب للمقامِ بغرابةِ (٢) نوعهما المستفاد من التنْكير، لا بتَعدُّدِ أفرادهما المسْتَفادِ مِن صيغةِ الجمْعِ.
﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم﴾ جملةٌ استِئْنافيّةٌ، وذلك أنَّه لمَّا ذَكَر الظلماتِ والرَّعدَ والبَرْق على ما يُؤذِنُ بالهول والشدَّةِ، فكأنَّ قائلًا قال (٣): فكيفَ حالُهم مع ذلك الرعدِ؟ فقال: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم﴾، ثمَّ قال: فكيفَ حالُهم مِن ذلك البرقِ؟ فقيل: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾، ثم قال: فكيفَ حالُهم مع تلك الظلماتِ؟ فقيل: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾.
أو صفةٌ للمضاف المحذوفِ في محلِّ الجرِّ؛ أي: ذوِي صيِّبٍ يجعلونَ، وصحَّ رجوعُ الضَّمير إلى ذلك المضافِ لكونهِ في الحكم المذكورِ.
وفي ذِكر الأصابعِ من المبالغة ما ليسَ في ذِكر الأناملِ، ومبناها على أنْ تكونَ الأصابعُ بمعناها لا بمعنى الأناملِ، وفي العُدول عنْ: (يُدخلون) - وهو الظاهرُ - إلى المذكور نوعُ تقويَةٍ لتلك المبالغةِ.
стр. 266
ثمّ إنَّه كنايةٌ عن كمال الحَيْرةِ وفرْطِ الدَّهشةِ، فيَستقيم المعنى بلا حاجةٍ إلى تنزيلِ الكلام عَن درجتِه البَليغةِ حذَرًا عن عدم مطابقتِه للواقع (١).
﴿مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ متعلِّق بـ (يجعلون)؛ أي: مِن أجلها يَجعلون، كقولك: سقاهُ من العَيمة (٢).
والصَّاعقةُ: قصفةُ رعدٍ تنقَضُّ معها شُقَّةٌ من نارٍ لطيفةٍ حديدةٍ لا تمرُّ بشيءٍ إلَّا أتتْ عليه، لكنَّها مع حدَّتِها سريعةُ الخُمودِ لِلَطافَتِها، وهي تنْقدحُ مِن السَّحاب إذا اصطَكَّتْ أجرامُه.
أو جِرْمٌ ثقيلٌ مُذابٌ مفرَغٌ من الأجزاء اللَّطيفةِ الأرضيَّة الصَّاعدةِ المُسماةِ دخانًا، والمائيَّةِ المُسماة بخارًا، حارٌّ حادٌّ في غاية الحدَّةِ والحرارة لا يقعُ على شيءٍ إلا ثُقب وأُحرق (٣) ونفذَ في الأرض حتى بلغَ الماءَ فانطفى ووقفَ، ومنه الخارصينُ (٤).
من الصَّعق: وهو شدَّةُ الصَّوتِ، وقد يُطلق على كلِّ هائلٍ مسموعٍ أو مشاهَدٍ، ويقال: صعَقَتْهُ الصَّاعقةُ: إذا أهلَكَتْهُ بالإحراق أو شدَّةِ الصَّوتِ.
وقُرِئ: (من الصَّوَاقع) (٥) وهو ليس بقلبٍ لـ (الصواعق)؛ لاستواءِ البِناءينِ في
стр. 267
التَّصرُّف، يقال: صَقعَ الدِّيكُ (١)، وخطيِبٌ مِصْقَعٌ، ونظيرُه (جبَذ) في (جذَب)، وهي في الأصل إمَّا صفةٌ لقَصْفة الرَّعدِ أو للرَّعد، والتاءُ للمبالغةِ كما في الرَّاوية، أو مصدرٌ كالعافية والكاذبةِ.
﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ منصوبٌ على المفعول لهُ، والموتُ: زوالُ الحياةِ.
﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ جملةٌ اعتراضيّة لا محلَّ لها، وإحاطةُ اللهِ بالكافرينَ مجازٌ، معناه: أنَّهم لا يَفوتونَهُ كما لا يفوتُ المُحاطُ به المحيطَ.
(٢٠) - ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ (كادَ) من أفعال المقارَبةِ، وُضِعتْ لمقاربةِ الخبرِ مِن الوجودِ لعُروض سببِه، لكنَّه لم يوجدْ: إمَّا لفَقْد شرْطهِ، أو لعُروض مانعٍ.
والخطفُ: الأخذُ بسرعةٍ.
﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ المشيُ: السَّيرُ السَّهل، و (أضاءَ)؛ إنْ جُعل متعدِّيًا؛ أي: أضاءَ لهم ممشًى، ورجَع الضَّميرُ في (فيه) إليه لكونِه مَنْوِيًّا، ويُؤيِّده قراءةُ: (كلَّما ضاء لهم) (٢).
стр. 268
وإنْ كان لازمًا - وهو الظاهرُ - كأظْلَم، ومعناه: مشَوا في الضَّوء؛ أي (١): في مَطْرَحه أو به، أو كلَّما نارَ البريق (٢) فأَنارَ الطريقَ مشَوا فيهِ.
﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ (أظلَمَ) غيرُ متعدٍّ على الظَّاهر، وَيحتملُ أنْ يكونَ متعدِّيًا من: ظَلِمَ الليل، ويعضُدُه قراءةُ: (أُظلِم) على ما لم يُسمَّ فاعلُه (٣).
ومعنى (قاموا): وقَفُوا وثَبَتوا في مكانهم، ومنهُ قامتِ السُّوقُ: إذا ركَدتْ، وقامَ الماءُ: إذا جَمَدَ.
وإنَّما جاء مع (أضاء) بـ (كلَّما)، ومع (أظلم) بـ (إذا)؛ لقوَّة دواعيهِم إلى مكان المشْي، والخلاصِ عمَّا هم فيه من الشدَّة والحَيْرةِ، وحرصِهم على ما همُّهُم به معقودٌ من السَّعي والحركةِ، فلا يَسعُهم الإهمالُ (٤) وتركُ الفرصةِ، أمَّا الوقوفُ فليس كذلكَ لأنَّه يلزمُهم للعجز.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾؛ أي: ولو شاء اللهُ أنْ يَذهبَ بسمْعِهم وأبصارِهم، وقُرئ: (لأذْهبَ بأسماعِهم) (٥) بزيادة الباءِ؛ كقوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].
стр. 269
شاعَ حذفُ مفعولِ (شاء) و (أراد) مع حرفِ الشَّرط لدلالة الجوابِ عليهِ، حتَّى لا يكادُ يُذْكَر إلَّا إذا كان مسْتَغرَبًا، كقوله:
ولو شِئتُ أنْ أبْكي دَمًا لَبَكَيْتُهُ (١)
أرادَ: ولو شاء اللهُ لزاد في قَصيْف الرَّعد فأصمَّهم، وفي خُفوق البرقِ فأعْماهم.
وفائدةُ هذه الشَّرطيَّةِ: التنْبيهُ على أنَّ كلَّ محنةٍ معها مِنْحةٌ، وأنَّ نعمةَ الدَّفع تفوقُ نعمةَ النَّفعِ.
ولا دلالةَ فيه على وجود ما يقتضي الجزاءَ المذكورَ، ولا على أنَّ تأثيرَ الأسبابِ شرْطٌ لمشيئة اللهِ تعالى، وأمَّا أنَّ الكلَّ واقعٌ بقدرتهِ تعالى فالتنبيهُ عليه بقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ تقريرٌ لِمَا تقدَّم، ولا اختصاصَ لـ (الشَّيء) بالموجود، كيفَ وهو أعمُّ العامِّ يقعُ على الواجب والمُمكن والممتنعِ؟ نصَّ على ذلك سيبَويْه حيثُ قال في "كتابه": إنَّ (الشَّيء) يقعُ على [كلِّ] ما أُخبرَ عنه (٢).
وخُصَّ هاهنا بالممكنِ بدليل العقلِ وقرينةِ القدرةِ؛ إذ القدرةُ هي مبدأُ الأفعالِ المتضادَّةِ على نسبةٍ متساويةٍ، والواجبُ راجحُ الوجودِ، والممتنعُ راجحُ العدمِ، فلا يمكنُ تساوي الطَّرفينِ الذي هو شرطُ تعلُّقِ القدرةِ إلَّا في المُمكن، فكأنَّه قيل: على كلِّ شيءٍ ممكنٍ قديرٌ.
стр. 270
نعَم إنَّه في الأصل مصدرُ (شاء)، إلَّا أنَّ إطلاقَه بمعنى مشيءٍ (١) لا يَستلزِمُ الوجودَ في الجملة؛ لأنَّ متعلَّق المشيئةِ قد يكونُ زوالَ الوجودِ، وعدمَ الإيجادِ.
واشتقاقُ القُدر من القَدْر؛ لأنَّ القادرَ يُوقعُ الفعلَ على مِقدار قوَّته (٢)، والقادرُ هو الذي يصحُّ منه الفعلُ والتَّركُ.
وأمَّا الذي إنْ شاءَ فعلَ وإنْ لم يشأْ لم يفعلْ فهو المختارُ، ولا يلزمه أنْ يكونَ قادرًا؛ لجواز أنْ تكونَ مشيئة (٣) الفعلِ لازمًا لذاته، وصحَّةُ الشَّرطيةِ لا تقتضي وجودَ المقدَّم.
واعلم أنَّ ما ذُكر تَتميمٌ لتمثيل شدَّة الأمرِ على المنافقينَ بشدَّته على أصحاب الصيِّب من الحَيرة والخوفِ والدَّهشةِ، بحيثُ إذا صادَفوا خفقةً من البرق انتهزُوها فرصةً، مع خوفِ أنْ يخطفَ أبصارَهم، فخَطَوا خُطواتٍ يسيرةً، وإذا انطوتْ وانطَفتْ حُبسوا عن الحركة وبَقوا متحيِّرينَ خائبينَ.
ثمَّ إنَّ التَّمثيلينِ المذكورينِ جازَ أنْ يكونا مُفْرديْنِ، إلَّا أنَّ الأصحَّ الأفصحَ الذي عليه الفحولُ من علماء البيانِ أنْ يكونا من التمثيلات المركَّبةِ، لا يُتكلَّف لكلِّ جزءٍ جزءٍ من أجزاء الجملةِ الممثَّل لها فُرادى بشيءٍ مشبَّهٍ به من أجزاء الجملةِ الممثَّل بها مُفرَّقةً، كما في قول امرئِ القيْس:
كأنَّ قلوبَ الطَّيرِ رَطْبًا ويابِسًا … لدَى وَكْرِها العُنَّابُ والحشَفُ البالِي (٤)
стр. 271
بل تشبَّهُ هيئةٌ حاصلةٌ من أشياءَ تضامَّتْ وتآلَفَت (١) وصارت شيئًا واحدًا بأخرى مثلِها مِن غيرِ مراعاةِ أفرادِهما، والنَّظرُ إلى تشبيه شيءٍ من هذه بشيءٍ من تلكَ، فإنَّ الغرضَ تشبيهُ حالِ المنافقينَ في حيرتِهم، وما خبَطوا فيه من الضَّلالة وشدَّةِ الأمرِ عليهم، وخِزيهم وافتضاحِهم، بحالِ مَن يُكابد شدَّةَ أمرهِ عند انطفاءِ نارهِ بعدَ إيقادها ورجاءِ الانتفاعِ بها والتَهدِّي بإضاءتها، أو بحالِ مَن أخذتهُ السماءُ في ليلةٍ مظلمةٍ مع رعدٍ وبرقٍ وخوفٍ من الصواعق والموتِ.
(٢١) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ التفَتَ من الغَيبة إلى الخطاب؛ لأنَّ الكلامَ السَّابق كان في تعداد فِرَقِ المكلَّفينَ، وحكاياتِ أحوالِهم وبيانِ مآلِهم، ويناسبُه أسلوبُ الغَيبةِ، وأمَّا هذه الآيةُ فمُصدَّرةٌ بأمرٍ وتكليفٍ، وحقُّ الأوامرِ والنَّواهي أن يُسلكَ فيها مَسْلكَ الخطاب، خصوصًا إنْ كان ما كُلِّف به مما فيه مشقَّةٌ، فإنَّ فيه جَبرًا لتلك الكلفةِ بلذة المخاطبةِ.
والنِّداءُ: إحضار الغائب، وتنبيهُ الحاضر، وتوجيهُ المُعرِض، وتفريغُ المشغول، وتهييجُ الفارغ.
و (يا) حرْفٌ وُضِعَ في أصله (٢) لنداء البَعيدِ، واستعمالهُ هاهنا في نداء القريبِ لبُعدهِ عمَّا خوطِبَ به معنىً، وقد يُستعمل لنداءِ القريبِ الفَطِنِ للدلالة على أنَّ الخِطابَ المذكورَ بعدَه معنيٌّ به جدًا.
стр. 272
وأمَّا نداءُ الدَّاعي المتضرِّعِ لربِّه بقوله: (يا ربِّ) مع علمهِ بأنَّه أقربُ إليه من حبل الوريدِ، فلِهَضم نفسهِ؛ استقصارًا لها، واستبعادًا من مظانِّ القُربة والزُّلفى.
و (أي): وصلة إلى نداءِ ما فيه الألفُ واللَّام؛ لتعذُّر الجمعِ بينَ حرفي التَّعريف، وهو اسمٌ مبهَمٌ يَفتقر إلى ما يُزيل إبهامَه؛ من اسم جنسٍ، أو ما يجري مجراهُ صفةً له حتى يحصلَ المقصودُ بالنِّداء.
وكلمةُ التنْبيهِ لمُعاضدة حرفِ النِّداءِ بتأكيد معناه، ووقوعِها عِوضًا عمَّا يستحقُّه (أي) من الإضافةِ.
و (النَّاسُ) صفة لـ (أي) واجبٌ رفْعُها، خاطبَهم مُقبِلًا عليهم بالنِّداء لأنَّ فيه هزًّا لِما يُلقيه إليهم من أمر العبادةِ لهُ.
﴿اعْبُدُوا﴾ قد مرَّ تفسيرُ العبادةِ، والأمرُ به يعمُّ أفرادَ المكلَّفين؛ لأنَّ اسمَ الجمع المحلَّى باللام للعموم حيثُ لا عهدَ، وما رُوي عن علقمةَ أنَّ كلَّ ما نزلَ فيه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ فمَكِّيٌّ (١)، إنْ صحَّ (٢) فلا يوجبُ تخصيصَه بالكفَّار، وليسَ المرادُ إحداثَ العِبادةِ خاصَّةً؛ بل ما يعمُّه والمواظبةَ عليها، فإنَّ هذا هو المناسبُ للمقام، وإنْ كان الأولُ هو المتبادرَ من الكلام، والعبرةُ في الكلام البليغِ لمقتضى المقامِ لا لِما (٣) يتبادرُ إلى الأفهام.
стр. 273
واعلمْ أنَّ النبيَّ ﵇ بُعث بدعوة (١) الكفَّارِ إلى الإيمان، وورد في ذلك نصوصٌ، وأنَّهم أُخبِروا في بعض النُّصوصِ بأنَّ العبادةَ لا صحةَ لها بدونه، وبعدَ هذا أمَرَهُم بالعبادة في هذا النصِّ وغيرِه، وإنْ وردَ مطلقًا عن قيْد الإيمانِ لفظًا، لكنَّه مقيَّدٌ به معنىً بحكم النَّصِّ المخبِر عن اشتراط صحةِ العباداتِ بالإيمان، وليس في ذلك أمرٌ بالإيمان في ضِمن الأمر بالعبادة حتى يلزمَ إيجابُ الأصلِ تبَعًا لإيجاب الفرعِ فيُنافيَ حكمَ الأصالةِ.
﴿رَبَّكُمُ﴾ عبارةُ الربِّ صادَفَ (٢) مَحزَّها؛ إذ هو السيِّد والمُصلِح، ومَن كان مالكًا أو مُصلِحًا أحوالَ العبدِ فجديرٌ أن يُعبدَ ولا يُشركَ به.
ولمَّا أَمر بعبادته - وهي موقوفةٌ على معرفة وجودِه - ناسَب أنْ يَذكرَ من الأوصاف ما يتضمَّنُ الدَّليل على وجوده واستحقاقِه العبادةَ، فقال:
﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ فالتوصيفُ المذكور للتَّعليل كما هو الأصلُ في ترتيب الأمر بالشيء على الموصوف والموصول، وفي التَّعليل المذكورِ باعتبار تضمُّنه الإشارةَ إلى أنَّ ما لا قدرةَ له على الخَلْق والإيجاد لا استحقاقَ له للعبادة تعريضٌ للمشركين حيث عَبدوا ما لا قدرةَ له على شيء.
وما قيل: على تقديرِ أنْ يكون الخطاب للمشركين يكونُ الوصف المذكور للتَّخصيص، وهمٌ منشؤه عدمُ فهم معنى (ربكم)، فإنَّ المعنى المتبادِرَ منه: الرَّبُّ المشترَكُ فيما بينَهم، وليس ذلك إلا اللهُ تعالى؛ لأنهم ما اتَّفقوا على واحدٍ من معبوداتهم الباطلةِ، فإذًا لا شركةَ في معنى (ربكم)، فلا حاجةَ إلى مخصّصٍ.
стр. 274
وأصلُ الخَلْق: التَّقديرُ، يقال: خَلَقَ النَّعْل: إذا قدَّرها وسوَّاها بالقياس، والمراد: إيجادُ الشيء على تقديرٍ واستواء.
﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ذَكَر خَلْقَ مَن قبلَهم؛ لأنهم أصولُهم، وخَلْقُ الأصول إنعامٌ على الفروع، وقدَّم خَلْق المخاطَبين وإنْ تَقدَّم خَلْقُ مَن قَبْلَهم زمانًا؛ لأنَّ علمَ الإنسان بحالِ نَفْسه أظهرُ مِن عِلمهِ بأحوالِ غيره، ولأنَّهم المواجَهون به بالعبادة، فتنبيهُهم أولًا على أحوال أنفسهم أهمُّ وآكَدُ.
وبدأ أوَّلًا بصفةِ الخلق إذ كانت العرب مُقرَّةً بأنَّ الله تعالى خالقُهم، وهم المخاطَبون.
ولك أن تقول: أخرجه (١) مُخرج المقرَّر المعلوم: إمَّا لاعترافهم به كما أَفصحَ عنه قولُه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١]، أو مبالغةً في ظهوره حيث نُزِّل - لتمكُّنهم من العلم به بأدنى نَظَرٍ - منزلةَ المعلوم.
ودخلت (مِن) على الزمان، إذ التقديرُ: مِن زمنٍ قبلَ زمانِ خَلْقِكم.
وقُرئ: (مَن) بفتحِ الميم (٢) على أنه خبر مبتدأ محذوفٍ هو صدرُ الصلة، تقديرُه: والذين هم أناسٌ قبلَكم، وحذفُ صدرِ الصِّلة كثيرُ الدَّور في الكلام، وفيه تأكيدُ إبهام (٣) يتضمَّن التنبيهَ بما فيه مِن التفخيم على أنَّ خَلْقَ مَن قبلَهم أَدخلُ في القدرة، وعلى هذا تكون (مَن) موصوفةً و (قبلَكم) صفتَها، ويحتمِلُ أن تكون موصولًا مقحَمًا كما أُقحم (تيم) في:
стр. 275
يا تيمُ تيمَ عَدِيٍّ (١)
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾؛ أي: تجعلون العبادةَ وقايتَكم (٢)، و (لعلَّ) فيها لغاتٌ، ولم يَجئْ في القرآن إلا أفصحُها، وهي للترجِّي والإطماع، وذلك بالنِّسبة إلى المخاطَبين، والمعنى: إذا عبدتُم ربَّكم رَجَوْتُم حصولَ التَّقوى، وهي التي تحصلُ بها الوقايةُ من النار والفوزُ بدار القَرار، فتعلَّقت جملةُ الرجاء بـ ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾.
وقيل: تعلُّقها بـ (خَلَقكم).
ولا يُعجبني ذلك؛ لأنَّ الذي سِيقَ الكلامُ لأجْله هو الأمرُ بالعبادة، وذُكر الموصولُ وصلتُه لِمَا قُصد بالتبَّع، فلم يَجئ الموصولُ ليُحدَّث عنه، وكذا صلتُه، كيف وهي لتتميم ما قبلَها، فلا يناسبُ أن يتعلَّق بها ترَجٍّ، بخلافِ (اعبدوا)، فإنها الجملة المفتَتَحُ بها أوَّلًا، والمطلوبةُ من المخاطَبين، وإذا تعلَّقت بـ (اعبدوا) ناسَبَ خطابَ (لعلكم).
(٢٢) - ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
﴿الَّذِي﴾ نصبٌ على أنَّه صفةٌ بعد صفةٍ، ولزومُ توسيطِ الأجنبيِّ بين الوصفين لا يُضعفُه؛ لأنَّه أولى من توسيطه بين الموصوف والصفة، الواقعِ في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤]، أو على المدح، أو رفعٌ عليه على أنه خبرُ مبتدأ محذوف (٣)، …
стр. 276
أو بالابتداءِ (١) وخبرُه: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا﴾، وفيه ضعفٌ لمُضيِّ الصلة، فلا يناسبُ دخولَ الفاء في الخبر، وللربط بالاسم الظاهر.
﴿جَعَلَ﴾ الجعل هاهنا بمعنى التصيير، فيتعدَّى إلى مفعولين ثانيهِما ﴿فِرَاشًا﴾.
﴿لَكُمُ﴾ فيه منَّةٌ على عباده، وفي تقديمِه (٢) إشارةٌ إلى عزَّة عبيدِه، وفضيلتِهم على (٣) باقي المخلوقات، حيث خَلَق السماوات والأرضَ لأجْلهم خاصَّةً.
﴿الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ الفِراش والمِهاد والبِساط متقارِبةُ المعاني، والمرادُ: ما يُفرش، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الأرض لم تُخلق مبسوطًا، بل خُلِقَت على وضعٍ آخر ثم بُسطت، على ما أَفصح عنه قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠].
ومَن ظنَّ أن (فراشًا) حالٌ فقد اشتبه عليه حقيقةُ الحال.
﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ مصدرٌ سمِّي به المبنيُّ.
﴿وَأَنْزَلَ﴾ عطف على (جعل).
﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ متعلِّق بـ (أنزل)، أو في موضع الحال فيتعلقُ بمحذوف، والمعنى: من جهة السماء؛ لأن الأصل الذي لا يُعدل عنه إلا بصارفٍ: أنَّ المعرفة إذا أُعيدت تكون الثانيةُ عينَ الأولى، و (مِن) للابتداء.
﴿مَاءً﴾ هو جوهرٌ سيَّالٌ يضادُّ النارَ برطوبتهِ وبرودتهِ، وتنكيرُه للتنويع، يعني:
стр. 277
أَنزل من السماء نوعًا مَن الماء، ففيه إشارةٌ إلى أنَّ في ذلك الجنسَ ما لم يَنزل من السماء، وهو ما يَحدث في الأرض بطريق الانقلاب من الهواء وغيره.
﴿فَأَخْرَجَ بِه﴾ الخروج في الأصل: الانفصال من المحيط إلى الخارج (١)، ويلزمُه الظهور، وإنما عُطف على (أنزَلَ) بحرف التعقيب - وإنْ كان متراخيًا عنه - لسرعةِ خروجِ النَّبات بالمطر، كأنَّه (٢) لم يتخلَّلْ بينهما زمان تصويرًا لشدَّة قدرته تعالى، وفي توسيط الأسباب حِكَمٌ ليست في الإنشاء بغتةَّ.
ثم إنَّه تعالى جَعَل بلطفه منافعَ السماء متَصلةً بمنافع الأرض، فإنَّ أكثرَ ما يخرجُ من الأرض بما ينزلُ من السماء، ليُعلم أنَّ منشأها واحدٌ؛ لأنَّه لو كان منشأُ هذا غيرَ الآخَر لم تتَصل منافعُ هذا بمنافعِ الآخر (٣) على بُعد ما بينَهما، وتوهُّمِ خلافِ أحدِهما الآخَرَ، فلمَّا دلَّ هذا على أنَّ مُنشئها واحدٌ (٤) لا شريك له فلا تجعلوا له أندادًا.
﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ الثمرةُ أصلُها: الزيادةُ والنَّماء، لِقال: ثمَّر اللهُ ما لَه؛ أي: زاده وكثَّره، وحَملُ الشجرة يسمَّى ثمرةً لهذا، ويُجمع على ثَمَرٍ بحذفِ الهاء التي هي للتَّوحيد، ثم على ثمارٍ؛ كالبلد يُجمع على البلاد، ثم الثمارُ يُجمع على الثُّمُرِ؛ كالحِمَار يُجمع على الحُمُر، وهذه جموعُ تكسير، وجمعُ السَّلامة هو الثَّمَرات.
والمراد منها هاهنا: المأكولاتُ كلُّها من الحبوب والفواكه وغيرِها ممَّا يَخرج من الأرض والشجر، وقد بسَط الله تعالى ما اختصَره في هذه الآية في آيةٍ أخرى فقال:
стр. 278
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ [الأنعام: ٩٩].
وقولُه تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] صريحٌ في عموم الثمرة؛ لأنَّ الحصاد إنَّما يكون للزَّرع.
واللامُ لتعريف الجنس، وإنَّما جُمع لاختلافِ أنواعه.
ثمَّ إنَّ جمع التصحيح إنما يكونُ للقِلَّة إذا لم يعرَّف باللام، فلا حاجةَ إلى أن يقال: إنَّ الجموع يَتعاوَرُ بعضُها في موضعِ بعضٍ.
و (مِن) للتبعيض؛ فإن ما يَصلح رزقًا لنا بعضُ الثمرات المخرَجة، ولا يَصلح للتبيين إذ لم يتقدَّم ما يبيَّن (١).
﴿رِزْقًا﴾ مصدر، فيكون مفعولًا له، وَيحتمِلُ أن يكون بمعنى: مرزوقًا، فينتصب على الحال، وعلى الأول تكون الكاف في: ﴿لَكُمْ﴾ مفعولًا به، واللامُ مقوِّيةً لتعدِّي المصدر إليه، وعلى الثاني يكون في موضع الصِّفة، فتعلَّق اللام بمحذوف؛ أي: كائنًا لكم، ولا يَمتنِعُ عكسُ ذلك، وَيجوزُ أن يتعلَّق بـ (أَخْرَج).
﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ نِدُّ الشيء: مُشارِكُه في الجوهر (٢)، وذلك ضربٌ من المماثلة، فإن المِثْلَ يقال في أيِّ مشاركةٍ كانت، فكلُّ ندٍّ مِثْلٌ ولا ينعكس.
стр. 279
ولمَّا كانوا اتخذوا أندادًا جاء النهيُ عن جَعْلِ الأنداد للهِ تعالى على حَسَب الواقع، وإلا فحقُّ النَّهي أن يتعلَّق بجَعْلِ ندٍّ له تعالى.
وهذه الجملة متعلِّقة بـ (الذي) على ما جعلناه خبرَ مبتدأ محذوف؛ أي: هو الذي منَّ عليكم بأنواع النِّعَم العِظام: مِن خَلْقِ السماء سقفًا مرفوعًا، وجَعْلِ الأرض فراشًا موضوعًا، وإخراجِ النبات بالمطر رزقًا مجموعًا، فلا تجعلوا لله أندادًا.
وإنَّما عدل إلى الظاهر نعيًا عليهم بأنَّ جَعْلَهم له أندادًا جَعْلُ الأنداد لذات موصوفةٍ بصفةٍ لا شريكَ له فيه، فأنَّى الشركاء؟
ويجوز أن يكون متعلِّقا بقوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] والفاء للسبب، أي: تَسبَّبَ عن إيجاد هذه الآيات الباهرةِ النهيُ عن اتخاذكم الأندادَ، ولولا هذا الاعتبارُ لكان الأنسبَ عطفُه بالواو كما في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ﴾ [النساء: ٣٦].
ويجوزُ أن يكون نفيًا منصوبًا بإضمارِ (أنْ) على جواب الأمر كما في: زُرْني فأُكرمَكَ.
لا يقال: شرط انتصاب المضارع بإضمار (أنْ) في جواب الأمر - وهو كونُ الأول سببًا للثاني -مُنْتفٍ هاهنا. لأنَّه يجوز أنْ يُكتفَى بسببيةِ الأول للإخبار بمضمون الثاني؛ كما اكتُفي بسببية الشرط للإخبار بمضمون الجزاء في قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] (١).
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: والحالُ أنتم من أهل العلم، على أنَّ (تعلمون) من الأفعال المنزَّلة مَنزلةَ اللازم فلا يقدَّرُ له مفعولٌ، ويجوزُ أن يقدَّر له المفعول على
стр. 280
أنَّ المعنى: وأنتم تعلمون امتناعَ الأنداد (١) وأنها لا تفعل مثلَ هذه الأفعال، وعلى هذا فالمقصودُ منه التوبيخُ والتنبيه (٢) على قبح فعلهم؛ لأنَّ مرتكبَ القبيح مع علمه بقُبحه أعظمُ جرمًا، لا تقييدُ الحكم وتخصيصُه (٣) به، فإنَّ العالِم والجاهل المتمكِّنَ من العلم سواءٌ في التكليف.
وإنَّما خَصَصْنا التوبيخَ بالوجه الأخير لأنَّ الظاهر أنَّ المراد على الأوَّل الهزُّ (٤) لترك الأنداد، ووجْهُ ذلك: أنَّ التلطيف بعد التَّغليظ أَدْخَلُ في الأسماع وأَعْوَنُ على الإصغاء من التَّغليظ بعد التَّغليظ؛ ألا ترَى كيف وصَّى رسوله إذ أُرسل إلى عدوِّه وقال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤].
(٢٣) - ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ لمَّا قرَّر وحدانيته، وبيَّن الطريق الموصِلَ إلى العلم بها، عقَّبه بذِكر ما هو الحجَّةُ على نبوَّة محمدٍ ﵇، وهو القرآنُ المعجِز بفصاحته، وعرَّف ما يُتعرَّفُ به إعجازه، ويُتيقَّن أنه من عند الله.
ثمَّ إنَّه سلك مَسْلَكَ الإطناب حيث لم يَقُل: وإن ارتبتُم، سَوقًا للكلام على وَفْق
стр. 281
حالهم، وتنبيهًا على توغُّلهم في الارتياب، واستمرارِهم على ذلك، واستقرارِهم فيه، وتضمينًا للنَّعي عليهم حيث بلَغوا النهاية فيما لا يجوز لأُولي الألباب الوقوعُ في بدايته، وهل هذا إلا (١) غايةُ الغباوة والغواية؟
وأتى بكلمة الشك مع تحقُّق الريب على خلافِ الظاهر؛ تكميلًا للنَّعْي عليهم بتنزيلِ حالهم المحقَّقِ منزلةَ المقدَّر؛ للتنبيه على أنَّ مثلَ ذلك الحالِ حقيق بأنْ يُعدَّ من قَبيل ما يُفرض كما يُفرض المحالُ.
والتنكيرُ في (ريبٍ) للتحقير، وفيه تنبيهٌ على أنَّ وضوح دلائل الإعجاز في المنزَّل المذكور بلغ إلى حدٍّ لا ينبغي أن يُفرض فيه ريبٌ إلا على وجه القِلَّة.
و (مِن) تحتمِلُ (٢) ابتداءَ الغاية والسببيةَ، و (ما) موصولةٌ؛ أي: مِن الذي نزَّلنا، والعائدُ محذوفٌ؛ أي: نزَّلناه، وتضعيفُ (نزَّلنا) بمنزلةِ همزةِ النَّقل، ويؤيِّده قراءةُ: (أنزلنا) (٣)، ولا دلالة فيه على نزوله منجَّمًا في أوقاتٍ مختلفة؛ لأنَّ مَبناه على أن يكون التضعيفُ للتكثير، وذلك في المتعدِّي نحو: جرَّحتُ (٤) وقطَّعتُ، ولا يكون في اللازم إلا نادرًا نحو قولهم: مات المالُ وموَّت (٥)، إذا كثُر ذلك فيه، وحينئذ لا يجعله متعديًا كيلا يلزمَ الجمع بين
стр. 282
معنى التضعيف، وذلك غيرُ جائز، وفيما نحن فيه لا بدَّ من معنى التعدية، فلا مجالَ لإرادةِ معنى التكثير.
والتَّعبير بـ (ما نزلنا) دون: القرآن، للتنبيه على أن الريب فيه باعتبارِ ذلك الوصف.
والعبادةُ لمَّا كانت أشرفَ الخصال، والتَّسمِّي به أنفسَ الحظظ، حتى قال الشاعر:
لا تَدعُنِي إلا بيا عبده … فإنه أشرفُ أسمائي (١)
سمَّى نبيَّه عبدًا وأضافه إلى نفسه تنويهًا بذكره، وتنبيهًا على أنه مختصٌّ به ومنقادٌ لأمره لا يخالفُه (٢)، فكأنه يقول: على الرسولِ الذي كلُّ ما يبلِّغه من عندنا.
وقد شارَكَه ﵇ في ذلك التشريفِ بعضُ الأنبياء ﵈، إنما اختصاصُه ﵇ بتسميته بالعبد المطلَق، فإنه لم يُسمَّ غيره إلا بالعبد المقيَّد باسمه؛ كما قال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ [ص: ١٧] ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ [ص: ٤١] وغيرهما، وذلك لأنَّ كمال العبودية ما تهيَّأ لأحدٍ من العالَمين إلا لحبيبه ﵇، وكمالُ العبودية في الحرِّية عمَّا سوَى اللهِ تعالى، وهو مختصٌّ بهذه الكرامةِ كما أَثنى الله تعالى عليه بذلك فقال: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٦].
стр. 283
فلمَّا اختصَّ بهذه الحريَّة أُكرم باسم العبد المطلَق، كما قال: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠].
وقرئ: (على عبادنا) (١) يعني: النبيِّين الذين أُنزل عليهم الكتب، وفيه تنبيهٌ على أن مَن شكَّ في القرآن مع ظهورِ إعجازه فهو شاكٌّ في سائر الكتب الإلهية أيضًا حقيقةً أو حكمًا.
ويجوزُ أن يراد: مَن أَخبر بنبوةِ محمدٍ ﵇ وبشَّر بمجيئه من الأنبياء كموسى وعيسى ﵉.
والأمرُ في ﴿فَأْتُوا﴾ للتعجيز؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، والفاءُ لأنَّه جوابُ الشرط، وبدونها يقال: (ايتوا) الألِفُ مجتلَبة والهمزةُ صارت ياءَ لكسرةِ ما قبلَها، وسقطت همزتُها كراهةَ التقاء الهمزتين، وتثبت الياء كتابةً في قوله: ﴿ثُمَّ ائْتُوا﴾ [طه: ٦٤]؛ لأنَّه يُوْقَف على ﴿ثُمَّ﴾ ويبدأ: ﴿ائْتُوا﴾ ولا تثبت في قوله: ﴿فَأْتُوا﴾ وفي قوله: ﴿وَأُتُوا﴾ لتعذر الفصل بين الفاء والكلمة، وكذا بين الواو والكلمة.
والسورة مأخوذةٌ من قولهم: سَار يسُور: إذا ارتفع وعلا، وسمِّي الجدار المحيط بالمدينة سورًا لارتفاعه، فالسورةُ من القرآن: مجموعُ آياتٍ مفصَّلةٍ ارتَفَعتْ وعَلَتْ وظهرت وصارت كالعَلَم في مُغايَرتها لسائر السُّوَر.
وهي بإطلاقِها تتناولُ أقصرَ السُّوَر، وهي في القرآن سُورة الكوثر، وهي ثلاثُ آياتٍ قِصَارٍ، وهذا أبلغُ إلزامٍ وأتمُّ قطعٍ لأهل الخصَام، فقد كان التحدِّي أولًا بالإتيان
стр. 284
بمثلِ كلِّ القرآن لقوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤]، ثم أَخبر (١) عن عجزهم عن ذلك بقوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] ثم بعشرِ سورٍ مِثْلِه بقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: ١٣] ثم لمَّا ظهر عجزهم عنها أيضًا تحدَّاهم بسورةٍ بقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ وقد عجزوا عن ذلك كلِّه.
﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ في محلِّ الجر صفةً لـ (سورةٍ)؛ أي: بسورةٍ كائنةٍ مِن مِثله، والضميرُ لـ (ما نزَّلنا)، والمعنى: إنْ كنتم في شكٍّ مما أنعمْنا على عبدنا لحُسنِ استعداده (٢) في كمالِ العبودية بإنعام الوحي، ومن (٣) نعمة القرآن في أنَّه من عندنا، زاعِمِين أنَّ معارضته بإيرادِ المثلِ مقدورٌ للبشر - على ما أفصح عنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١]- ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾؛ أي: مثلِ المقدور للبشر في زَعْمِكم، وقد أَفصح عن هذا المعنى في التحدِّي بعشرِ سورٍ، ولولا القصدُ إلى هذا لكان الظاهرَ أنْ يقال: فأتوا بمِثْلِ سورةٍ منه.
ورجوعُ الضميرِ للمنزَّل عليه لا يساعدُه المقامُ ولا الكلام:
أمَّا الأولُ: فكما عرفتَ فيما تقدَّم أنَّ المقام مقامُ توسيعِ دائرة التحدِّي، حيث تنزَّل من التحدِّي بكلِّ القرآن إلى التحدِّي بعشرِ سورٍ، ثم إلى التحدِّي بسورةٍ، فلا يناسبه التضييقُ باشتراطِ أنْ يكون الآتي به أميًّا في هذه الصورة دون الصور السابقة.
стр. 285
وأمَّا الثَّاني: فلأنَّ قوله: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ في مَعْرِض ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨]- في قولكم: إنه مفترًى، اخْتلَقه محمدٌ ﵇ من عند نفسِه فأعانه عليه قومٌ آخرون (١) - فهو أمرٌ بأن يستعينوا بكلِّ مَن يُعينهم في ذلك (٢).
فعلى هذا لا وَجْهَ للاشتراط المذكور.
وأيضًا لا بُدَّ من اعتبارِ قيدِ المماثَلةِ بين المنزَّلِ والمأمورِ بإتيانه، وعلى تقديرِ عودِ الضمير المذكورِ إلى المنزَّل عليه يلزم أن يكون الكلام خلوًا عن ذلك القيدِ المهم.
والشُّهداءُ: جمع شهيد، معناها على ما قال ابن عباس ﵄: أعوانكم؛ لأنَّ الشاهد كالعون للمدَّعِي في استخراج حقِّه، والمراد من الدعاء: دعاءُ استصراخٍ.
وكلمة (دون) لها معانٍ، والمراد هاهنا معنَى (غير)، وهي في الأصل اسمٌ، ولهذا دخله الخافضُ وخَفَضَها، ولكنها تُستعمل استعمالَ الحروف مفردةً عن اللام الذي هو للتعريف والتنوينِ الذي هو للتنكير - وهما من خصائص الأسماءِ - لأنها تفيد المعنى في غيرها كالحروف، فأُجريت مُجراها لذلك.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في زعمكم السابق ذكرُه، والصدق: الإخبارُ المطابِقُ للواقع، هذا إذا كان وصفًا للمتكلِّم، وأمَّا إذا كان وصفًا للكلام فهو الخبرُ المطابق للواقع.