واللام في (لئن) موطِّئة لقسم محذوف وجوابه: ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ وجاءت النون المشدَّدة لأنها آكَدُ من المخفَّفة (١)، ثم عُطف عليها (٢):
﴿وَلَيَكُونًا﴾ بالنون المخففة؛ لأن الصَّغار أخف من السجن، وقرئ بالنون المشددة (٣)، والأول أولى: معنًى لِمَا تقدم، ولفظًا لأن النون كُتبت في المصحف ألفًا على حكم الْوَقْف، وذلك لا يكون إلا في الخفيفة.
﴿مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾: من الأذلَّاء، من صَغِرَ - بكسر الغين - يَصغَر صَغارًا وصَغَرًا، وأما الصغير فمن صَغُر بالضم يَصْغُر صِغَرًا.
* * *
(٣٣) - ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ﴾ وقرئ بالفتح على المصدر (٤).
﴿أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ من ركوب المعصية، وهي محبة الاختيار والإيثار لا محبة النفس، فإنها تهوى ما تدعون (٥) إليه، دليله قولُه: ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾.
ودلت الآية على أن النسوة راوَدْنه عن نفسه، ولذلك قال: ﴿إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٥١] ويجوز أن يكون إسناد الدعوة والمراوَدة إليهن
стр. 2207
لأنهن ينصحْنَ له، وزَّينَّ له مطاوَعتَها، وقلن له: إياك وإلقاءَ نفسك في السِّجن والصَّغار.
وقيل: إنما ابتُلي يوسف ﵇ بالسجن لأنَّهُ تجلَّد على اللَّه تعالى وتصبَّر بقوله: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾، وكان حقَّه أن يَسأل العافية، ولذلك ردَّ رسول اللَّه ﷺ على مَن كان يسأل الصبر (١).
﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي﴾: وإن لم تصرف عني ﴿كَيْدَهُنَّ﴾ في تحبيب ذلك إليَّ وتحسينه عندي بالتثبيت (٢) على العصمة.
﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾: أَمِلْ إلى إجابتهن، أو إلى أنفُسهن بطبعي ومقتضَى شهوتي والصبوة: الميل إلى الهوى، ومنها: الصَّبا؛ لأن النفوس تصبو إليها لطِيب نسيمِها ورَوْحها.
وقرئ: (أَصَبُّ) من الصَّبابة (٣).
﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾: من الذين لا يعملون بما يعلمون؛ لأن مَن لا جدوى لعلمِه فهو ومَن لا يعلم سواءٌ، أو: من السفهاء؛ لأن الحكيم لا يفعل القبيح.
* * *
(٣٤) - ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ فأجاب اللَّه تعالى دعاءه الذي تضمَّنه قوله: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي﴾ فإن فيه معنى طلبِ الصرف والدعاءِ باللطف.
стр. 2208
﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ تثبيتًا (١) على العصمة، تفسيرٌ (٢) للاستجابة.
﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لدعوات الملتجِئين إليه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأحوالهم وما يصلحُهم (٣).
* * *
(٣٥) - ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾.
﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾: ظهر للعزيز وأهله ﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾ هي الشواهد على براءته؛ كشهادة الصبيِّ، وقدِّ القميص، وأما قطعُ النساء أيديَهن فليس منها كما لا يخفى.
وفاعل ﴿بَدَا﴾ مضمَر لدلالة ما يفسِّره عليه، وهو: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾.
والمعنى: بدا لهم بداءٌ؛ أي: ظهر لهم رأي هو ليسجننَّه، وهو جواب قسمٍ محذوفٍ، والقسم وجوابه معمولٌ لقولٍ محذوف تقديرُه: قائلين.
وما كان ذلك إلا باستنزال المرأة لزوجها، وفَتْلِها منه في الذِّروة والغارب (٤)، وكان مِطْواعًا لها حتَّى أنساه ذلك بعدُ ما عاين من الآيات، وعمِل برأيها في سَجنه وإلحاق الصَّغار به كما أوعدته (٥) به، وذلك لما أَيِست من طاعته لها، أو لطمعها في أن يُذلله (٦) السِّجن ويسخِّرَه لها.
стр. 2209
وقرئ: (لتَسْجُننَّه) بالتاء على الخطاب (١)، خاطَب به بعضُهم العزيز ومَن يليه، أو العزيز وحده على وجه التعظيم.
﴿حَتَّى حِينٍ﴾: إلى زمانٍ، كأنها اقترحت أن يُسجَنَ زمانًا حتَّى تُبصرَ ما يكون منه (٢)، أو يحسبَ الناس أنه المجرم فلبث في السجن بضع سنين (٣). وقرئ: (عتى) بلغة هُذيل (٤).
* * *
(٣٦) - ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾؛ أي: عبدان للملك، قال الزجَّاج: كانوا يسمُّون المملوك فتًى شيخًا كان أو شابًّا (٥).
والواو للعطف على محذوفٍ تقديره: أَمْضَوا (٦) رأيهم في سَجنه فسجنوه ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ﴾؛ أي: في صحبته (٧) ﴿السِّجْنَ﴾ فإن (مع) حقيقةٌ فيها، فلا تُصرف عنها إلى المجاز إلا لصارف، كما في قوله: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٤٤].
стр. 2210
والمعنى: أنه ﵇ دخل السجن واتَّفق أن دخل حينئذ آخران من عبيد الملك: شَرَابيَّه وخبَّازه؛ للاتهام بأنهما قصَدا أن يَسُمَّاه.
﴿قَالَ أَحَدُهُمَا﴾ وهو الشرابيُّ: ﴿إِنِّي أَرَانِي﴾؛ أي: أرى في المنام، وهي حكايةُ حالٍ ماضيةٍ استحضارًا للصورة عند السامع؛ إظهارًا للاهتمام بتأويلها.
﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ وفي قراءة ابن مسعود: (عنبًا) (١)، وإطلاق الخمر على العنب مجازٌ من باب تسمية الشيء بما يَؤُول إليه، ونكتة المجاز بيانُ أنَّ عصره كان (٢) للتخمير لا لأمرٍ آخر على وجه الإيجاز.
﴿وَقَالَ الْآخَرُ﴾ وهو الخباز: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ﴾: تنهشُ ﴿مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ شبَّه الإخبار بما (٣) سيقع من الأمور المغيَّبة بتفسير المشكل والإفصاح عن معناه لإبهامه، فسماه التأويلَ، والضمير لِمَا قصَّا عليه جاريًا مجرى اسم الإشارة، كأنه قيل: نبئنا بتأويل ذلك.
﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: الذين يُحْسنون تأويلَ الرؤيا، قالا ذلك لأنهما رأياه يعبر رؤيا بعض أهل السجن، أو: من المحسنين إلى أهل السجن فأَحْسِنْ إلينا بتأويل ما رأينا إنْ كنت تعرفه.
* * *
стр. 2211
(٣٧) - ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾.
﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ لمَّا استعبراه أراد أن يجعل ذلك ذريعةً إلى دعوتهما إلى التوحيد، فقدَّم لذلك مقدِّمةً باعثةً إياهما على القبول، وهي الإخبار عن المغيَّبات، كما هو طريقةُ الأنبياء ﵈ في انتهاض الفرصة في الدعوة إلى الحق تعالى، فقال: لا يأتيكما من عند أهلكما أو أصدقائكما أو من غيرهم ما تحتاجان إليه من الطعام في السجن ﴿إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾؛ أي: بيان ماهيته وكيفيته ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾.
فجعل ينبِّئهما كلَّ يوم بما يُحمل إليهما من الطعام قبل أن يأتيَهما، ويقول: اليوم يأتيكما كذا وكذا من الطعام من صفةِ كيتَ وكيتَ، فيكون كما أَخبر.
ويجوز أن يكون الضمير في ﴿نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ راجعًا إلى ما استَعْبَراه عنه؛ أي: سأنبئكما بتأويل ما قصَصْتُما عليَّ قبل أن يأتيكما وظيفةُ الطعام الذي تُرزقانه.
فكأنهما قالا له ﵇: كيف تعلم ذلك فهو غيب؟ فقال: ﴿ذَلِكمُا﴾ إشارة إلى التأويل أي: ذلك التأويل والإخبار بالمغيَّبات ﴿مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ بالإلهام والوحي.
﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ تعليلٌ لِمَا قبله، وتشويقٌ لهما إلى الإيمان؛ أي: لأني تركتُ ملة قوم أنتما على دينهم وهم أهلُ مصر وكانوا مشركين، وليس هو تركًا بعد الكون فيها بل هو الامتناعُ عنها أصلًا.
﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ لمَّا أراد أن يحبِّب إليهما الإيمان، وبكرِّهَ إليهما الكفر والفسق، فقال: هذه الكرامة لأني امتنعت عن ملة قومٍ ليسوا من الإيمان باللّه
стр. 2212
في شيء، ولا من الإيمان بالآخرة، وعدل عن الجملة الفعلية إلى الاسمية، وكرَّر ﴿وَهُمْ﴾، وقدَّم الآخرة، للدلالة على أنهم قوم عادتهم الكفر، فهو لهم كالطبيعة لا أمرٌ عارضٌ، وأنهم خصوصًا كافرون بالآخرة، وأن غيرهم مؤمنون وهم الذين على ملة إبراهيم ﵇، ولتخصيص كفرهم بالآخرة والجزاء فإن علمي التوحيد والمعاد هما أساس الدِّين، وللتعريض بأن ما هم عليه من الظلم والكبائر لا يرتكبه إلا مَن هو كافر بدار الجزاء.
* * *
(٣٨) - ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي﴾ فيه إطلاق الأب على الجد، وقد مر وجهه.
﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾؛ أي: اتبعت (١) ملة آبائي الأنبياء ﵈.
ويجوز أن يكون - أعني قوله: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ﴾ إلخ - ابتداءَ الكلام بتمهيدِ الدعوة، بعد إظهار المعجزة وإثباتِ أنه من بيت النبوة والشرف والكمال والكرامة؛ لتقوَى رغبتُهما في قبول كلامه واتِّباعِه ووثوقُهما به، ولهذا يجوز للعالم (٢) الخامل أن يصف نفسَه ليُعرف فيُقتبَس منه ويُهتدَى بهداه.
﴿مَا كَانَ﴾؛ أي: ما صح ﴿لَنَا﴾ معاشر الأنبياء ﴿أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أيِّ شيء كان.
стр. 2213
وتعميم مفعول ﴿نُّشُرِكَ﴾، وتأكيدُ النفي بزيادة ﴿مِن﴾ ليكون كالبرهان على امتناع إشراك الأصنام به تعالى على أبلغ الوجوه، وأنَّه إذا لم يجز الإشراك بشيءٍ ما به ولو كان أشرفَ الأشياء، فكيف بأخسِّها وهي الجمادات.
﴿ذَلِكَ﴾ التوحيد ﴿مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾ بالوحي والاختصاص بالنبوة.
﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ بإرسالنا إليهم لنهديَهم إليه ونعلمَهم ونزكيَهم.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ المرسلِ إليهم ﴿لَا يَشْكُرُونَ﴾ فضلَ اللَّه تعالى عليهم، ولا يعرفون نعمةَ الهداية، فكيف يشكرونها؟
أو: من فضل اللَّه تعالى علينا وعليهم بنصبِ الأدلة وإنزالِ الآيات، ولكن أكثرهم لا ينظرون في الأدلة اتِّباعًا لأهوائهم، ولا يستدلون بها ولا ينتبهون لذلك الفضل، فلا يشكرون تلك النعمة السَّنيَّة.
* * *
(٣٩ - ٤٠) - ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ ناداهما باسم الصحبة في مكان المشاقِّ الذي تُخْلَص فيه المودةُ وتُمحَضُ فيه النصيحةُ، والمعنى: يا صاحبيَّ فيه، فأضافهما إليه على الاتِّساع كما في قوله: يا سارق الليلةِ أهلَ الدار.
ثم أورد الدليل على بطلان ملة قومهما بقوله: ﴿أَأَرْبَابٌ﴾ متكاثرون في العدد ﴿مُتَفَرِّقُونَ﴾ بتفريق الغير، المقهورون تحت قدرته.
стр. 2214
﴿خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾: الغالب الذي لا يعادله ولا يقاومُه غيرُه، مَثَلٌ ضربه لعبادة الله تعالى وحده وعبادةِ الأصنام.
وبما قدَّمناه تبيَّن (١) وجهُ إصابة التوصيف بالقهَّار محزَّه، وكان الظاهر مقابلةَ اللَّه بالآلهة، وإنما عدل عنه (٢) للتنبيه على أن التعدُّد ينافي الألوهية.
ثم استطرد بعد هذا الاستفهامِ إلى الإخبار عن حقيقة ما يعبدون فقال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ﴾؛ أي: ما تعبدون شيئًا من دون (٣) اللَّه تعالى، والخطاب لهما ولمن على دينهما.
﴿إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾: إلا أسماء بلا مسمَّياتٍ أحدثتُموها ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾، أي: سميتم أشياء ليس فيها معنى الألوهية آلهةً، فعبدتُموها باعتبار تلك الأسماء، فكأنكم تعبدون تلك الأسماء الخالية عن (٤) المسميات.
﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا﴾: بتسميتها ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾: من حجة (٥) تدل على ما يحقِّق (٦) مسمَّياتها.
﴿إِنِ الْحُكْمُ﴾ في أمر العبادة والدين ﴿إِلَّا لِلَّهِ﴾ لأنَّهُ المستحق للعبادة بالذات من حيث إنه الواجب لذاتِهِ الموجدُ للكل والمالك للأمر.
стр. 2215
ثم بين ما حكم به فقال: ﴿أَمَرَ﴾؛ أي: على لسان أنبيائه (١) ﵈.
﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ الذي دلت عليه الحجج.
﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: تخضيصُه تعالى بالعبادة هو ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾: الثابت الذي دلت عليه البراهين عقلًا ونقلًا ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فيخبطون في جهالتهم.
تدرَّج في الدعوة، فبدأ بتقبيح ملتهم في أعينهم وإبطالها أولًا، ثم بتحسين ملةِ التوحيد وتزيينها (٢) عليهم، وبيانِ أنه من فضل اللَّه تعالى تنفيرًا وترغيبًا، ثم بين رجحان التوحيد على اتخاذ الآلهة بالتمثيل على طريق الخطابة، ثم أبطل الشرك بأنه لا حجة عليه أصلًا لا عقلًا ولا نقلًا، وأنَّه عبادة العدم البحتِ، ثم صرَّح بأن الحق هو التوحيد، وذلك هو الدِّين الثابت بالبرهان العقلي والسلطان النقليِّ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا مِن خلفه، ومَن لا يعرف ذلك فهو الجاهل مطلقًا.
* * *
(٤١) - ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾.
﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ لمَّا ألقى إليهما ما كان أهمَّ وهو أمرُ الدين رجاءً في إيمانهما ناداهما ثانيًا لتجتمِع أنفُسهما لسماع الجواب.
стр. 2216
﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾ يريد الشرابيَّ، إنما لم يعيِّنه صريحًا إبهامًا لأمر الآخَر مهما أَمْكَنَ، واحترازًا عن المخاطبة بالقبح، والتصديرُ بـ ﴿أَمَّا﴾ للشروع في تفصيل ما قصَده من الجواب عما استفتياه.
﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ﴾: سيدَه، وقرئ: (رِيَّه)؛ أي: يسقي ما يرويه به (١).
﴿خَمْرًا﴾ كما كان يسقي قبله؛ أي: يعود إلى ما كان عليه.
قيل: سَقَى وأَسْقَى لغتان بمعنًى واحد.
والذي عليه أكثر أهل اللغة أن معنى سقاه (٢): ناوله فشرب، أو صبَّ الماء في حلقه، ومعنى أسقاه: جعل له سُقْيَا، قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٧].
﴿وَأَمَّا الْآخَرُ﴾ يريد الخباز ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾؛ أي: تمَّ ما تستفتيان فيه مما يَؤُول إليه أمركما، وهو ما اتُّهما فيه وسُجنا لأجله وفُرغ (٣) عنه، وهما ظنا أن ما رأياه في معنى ما نزل بهما، فاستفتياه فيه: ما عاقبته (٤)؟.
وقيل: جحَدا وقالا: كذَبنا ما رأينا شيئًا وتحالمنا لنجرِّبك، فقال: إن ذلك كائنٌ سواءٌ كان منكما حُلُمًا أو تحالُمًا.
стр. 2217
والاستفتاء: طلبُ الفتيا، والفتيا: جوابٌ لحكم المعنى (١)، وهو غير الجواب عليه، وزمانُ الاستفتاء لا ينقضي ما لم يقضِ المفتي (٢) الوطرَ في الفتيا، ولهذا قال: ﴿تَسْتَفْتِيَانِ﴾ دون: استفتيتُما.
* * *
(٤٢) - ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾.
﴿وَقَالَ﴾ يوسف ﵇ ﴿لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾ الظانُّ أيضًا هو ﵇ إن كان تأويله عن اجتهادٍ، والشرابيُّ إن كان عن وحي، إلا أن يكون الظن بمعنى اليقين كما في قوله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠].
والنَّجاء: الخلاص من (٣) الورطة بسلامة.
﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾: اذكر حالي عند الملك عسى أن يخلِّصني.
﴿فَأَنْسَاهُ﴾ الضمير للشرابي ﴿الشَّيْطَانُ﴾ الإنساءُ حقيقةً من اللَّه تعالى، وإنما نُسب إلى الشيطان لأنَّهُ (٤) كان يوسوسه إليه من الأشغال المانعةِ عن التذكُّر، والفاء للسببيَّة فإن توصيته (٥) ﵇ به المتضمنةَ للاستعانة من غير اللَّه تعالى كانت سببًا للإنساء الذي ترتَّب عليه مكثُه في السجن مدةً مديدة.
стр. 2218
﴿ذِكْرَ رَبِّهِ﴾؛ أي: ذِكْرَ يوسف ﵇ للملك، والإضافةُ لأدنى ملابسةٍ (١)، ومَن جوَّز أن يكون المعنى: أنسى يوسفَ ﵇ ذكرَ اللَّه تعالى حتَّى استعان بغيره، لم يَدْرِ أن حق الفاء حينئذ أن تدخل على (قال)، ويذكر (٢) جملته بعد أختها، ولا تأييدَ لما ذكره في قوله ﵇: "رحم اللَّه أخي يوسف لو لم يقل: اذكرني عند ربك، لما لبث في السجن سبعًا بعد الخمس" (٣) إنما تأييدُه لِمَا ذكرناه.
﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ البضع: ما بين الثلاث إلى التسع، من البَضْع وهو القَطْع، وأكثر الأقاويل على أنه ﵇ لبث فيه سبع سنين.
* * *
(٤٣) - ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾.
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى﴾ حكايةُ حال فلذلك جاء بلفظ المضارع.
﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ لما دنا فَرَجُه ﵇ رأى ملكُ مصر في المنام سبع بقرات سِمان خرجن من نهرٍ يابس، وسبع بقرات مهازيلَ، فابتلعت المهازيل السِّمان.
﴿وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ﴾ قد انعقد حبها ﴿وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾: وسبعًا أُخَرَ يابسات
стр. 2219
قد أَدركت، فالْتَوَتِ اليابسات على الخضر حتَّى غلَبن عليها، وإنما استغنى عن بيان حالها بما قَصَّ عن حال البقرات.
وسمان: جمع سمينٍ وسمينةٍ ككرام صفة أجريت على المميِّز دون المميَّز للقصد إلى التَّمييز بنوعٍ من الجنس.
والعَجَف: غايةُ الهزال، والعِجَاف: جمع عَجفاءَ، وقياسه: عُجْفًا؛ لأن فَعلاءَ وأفعلَ جُمع على (١): فُعْلٍ، لكنه حُمل على ﴿سِمَانٍ﴾، ومن عادة العرب حملُ النقيض على النقيض كحملِ النظير على النظير.
وإنما أُجريت ﴿عِجَافٌ﴾ وعلى ﴿وَسَبْعَ﴾ للاستغناء عن التَّمييز بالمميِّز الأول (٢) الذي هو الجنس، والتمييز إنما يكون بالجنس، فلو جُعل ﴿عِجَافٌ﴾ مميِّزًا بدون ذكر الجنس لم يجز، كما لا يجوز: ثلاثةُ غِلاظٍ، وأربعةُ ضِخَامٍ، لعدم دلالتها على الجنس، فإذا أجريت على السبع بالوصف بالنوع بعد تمييزه بالجنس تقديرًا فرجع إلى الأول (٣).
﴿وَأُخَرَ﴾ عطفٌ على ﴿سَبْعَ﴾، ﴿يَابِسَاتٍ﴾ منصوب المحل صفتُه، على قياس ﴿عِجَافٌ﴾ في الأول.
﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ خطاب للأعيان والأشراف من العلماء والحكماء.
﴿أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾ عبِّروها ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا﴾ أراد الجنس، فلذلك عدَل عن الضمير، واللام للبيان، أو لتقوية العامل لأن الفعل إذا تأخر عن معموله ضعُف
стр. 2220
تأثيره فقُوِّي باللام كاسم الفاعل، ويجوز أن يكون ﴿لِلرُّؤْيَا﴾ خبرَ (كان) كما تقول: فلان لهذا الأمر، إذا كان مستقلًّا به متمكِّنًا فيه.
و ﴿تَعْبُرُونَ﴾ حالٌ، أو خبرٌ بعد خبرٍ، وإن تضمَّن ﴿تَعْبُرُونَ﴾ معنى فعلٍ تعدَّى باللام، كأنه قيل: إن كنتم تنتدِبون لعبارة الرؤيا.
والعبارة: المجاوَزة، وعَبَرْتُ الرؤيا: جاوَزْتها؛ أي: جاوزتُ صورتَها المخيَّلة المرئيَّة إلى الصورة الكائنة في نفس الأمر التي انتقلت المتخيَّلة منها إلى المرئية، وكذا أوَّلْتُها؛ أي: ذكرتُ مآلها وما ترجع هي إليه من الصورة الواقعة في نفس الأمر.
وعَبَرْتُ أثبتُ عند أهل اللغة، وعبَّرت بالتشديد للمبالغة كقطَعْتُ وقطَّعْتُ.
* * *
(٤٤) - ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾.
﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾: هذه أضغاثُ أحلام، أو: أمثالُ هذه أضغاث أحلام؛ أي: تخاليطها، جمعُ ضِغْثٍ وهو ما جُعل من أخلاط النبات وحُزم، شُبِّه بها ما تَجمعه المتخيّلة من أحاديث النفس ووساوس الشيطان، فاستُعير للرؤيا الكاذبة.
والأحلام: جمع حُلُم بالضم، وهو رؤيا كاذبةٌ لا حقيقةَ لها، وفي الخبر: "الرؤيا من اللَّه والحلُمُ من الشيطان" (١) أخرجه عن جنس الرؤيا لعدم ترتُّب أثره عليه.
والإضافة بمعنى (مِن)؛ أي: أضغاثٌ من أحلام، وإنما جمع ولم يكن إلا حُلمًا واحدًا لتضمُّنه أشياءَ مختلفةً، وقيل: للمبالغة في الوصف بالبطلان؛ كقولهم: فلان
стр. 2221
يركب الخيل ويلبس عمائم الخزِّ، لمن لا يركب إلا فرسًا واحدة وماله إلا عمامةٌ واحدة، تزيُّدًا (١) في الوصف.
وعلى تقدير: أمثال، يكون الجمع على ظاهره.
﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ﴾ بتأويل المنامات الباطلة ﴿بِعَالِمِينَ﴾ لمَّا أجابوا بقولهم: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ عن سؤال التعبير، وأسقطوا احتمال السؤال بطلب التأويل لأنَّهُ أوسع دائرة من التعبير، فتداركوه بإظهار العجز عن تأويل الأباطيل، وفيه دليل على أنهم نزَّلوا ما رآه لتضمُّنه الأشياء منزلةَ الأحلام، وإلا لكان حقَّهم أن يقولوا: وما نحن بتأويل الحلم بعالمين.
* * *
(٤٥ - ٤٦) - ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: من صاحبي السجن وهو الشرابي.
﴿وَادَّكَرَ﴾ جملة حالية، و (ادكر) بالدال المهملة (٢) وهو الفصيح، وعن الحسن: (واذَّكر) بالذال المعجمة (٣)؛ أي: تذكَّر.
﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: بعد جماعة من الزمان طويلةٍ، حين استفتَى الملك في رؤياه،
стр. 2222
وأَعضَل (١) على الملأ تأويلُها، وقرئ: (إمَّة) بكسر الهمزة (٢) وهي النعمة؛ أي: بعدما أُنعم عليه بالنجاة من القتل.
وقرئ: (بعد أَمَهٍ) بالهاء؛ أي: بعد نسيان (٣).
﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ عمن عنده علمه ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ إليه لأسأله عنه، والمعنى: فأرسَلوه إلى ﴿يُوسُفُ﴾ ﵇، فأتاه فقال: ﴿يُوسُفُ﴾ فحُذف - إيجازا.
﴿أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ ناداه بالصِّديق - وهو المبالِغ في الصدق - لأنَّهُ عرَف صدقَه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه، واختبر حاله في السجن.
﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾؛ أي: في رؤيا ذلك.
﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾: إلى الملك ومَن عنده، وإنما بني الكلام على الظن لأنَّهُ تأدَّب بصحبة يوسف ﵇ فلم يجزمْ في الرجوع إليهم، فربما اختُرم دونه، ولا في علمهم فربما لم يعلموا، وقيل: لم يكن السجن في المدينة.
﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ فضلك ومنزلتك، فيخلِّصونك من محنتك.
* * *
(٤٧) - ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾.
стр. 2223
﴿قَالَ تَزْرَعُونَ﴾ خبرٌ في معنى الأمر؛ كقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا﴾ [التوبة: ٤٤] وفائدة إخراج الأمر في صورة الخبر للمبالغة في إيجاب المأمور به، وللاعتناء (١) بشأنه، فجُعل كأنه قد يوجد فيخبَر عنه، والدليل على أنه في معنى الأمر قوله: ﴿فَذَرُوُه﴾.
﴿سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ بسكون الهمزة وتحريكها، مصدر دَأَب في العمل: إذا واظَبَ؛ أي: على عادتكم المستمرةِ، وانتصابه على الحال بمعنى: دائبين، أو المصدر بإضمار فعله؛ أي: تَدْأبون دأَبًا، وتكون الجملة حالًا.
﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾ لئلا يتسوَّسَ ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ في تلك السنين، نصيحةٌ خارجةٌ عن التعبير، وإشارةٌ برأيٍ نافعٍ بحسب طعام مصر وحنطتها التي لا تبقى عامين إلا بحيلةِ إبقائها في السنبل.
* * *
(٤٨) - ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾.
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾؛ أي: سبعُ سنين شدادٌ، فحذف المميَّز لدلالة قوله: ﴿سَبْعَ سِنِينَ﴾ عليه.
﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ أسند الأكل إليهنَّ على سبيل المجاز من حيث إنه يؤكل فيها؛ كما قال: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧] تطبيقًا بين المعبَّر والمعبَّر به.
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ تُحرِزون لبذور الزراعة.
* * *
стр. 2224
(٤٩) - ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾.
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ﴾ لم يقل: سنةٌ؛ لغلبتها في عام القحط.
﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾: يمطرون فيه، من الغيث، أو: يغاثون من القحط، من الغوث، والغيث: المطر الذي يجيء في وقت الحاجة، وباعتبار هذا القيد فيه حَسُن موقعه في قولهم: الغيث لا يخلو عن الغيث (١)، ففي الأول مبنيٌّ من ثلاثي وفي الثاني من رباعي، تقول: غاثنا الله، من الغيث، و: أغاثنا، من الغوث، والغوث: النفع (٢) الذي يأتي على شدة حاجته بنفي (٣) المضرة.
﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ ما يُعصر كالعنب والقصب والزيتون والسمسم؛ لكثرة ما يعصرون من الفواكه وغيرها، وقيل: يحلبون الضروع.
وقرئ: ﴿تعصرون﴾ بالتاء (٤) على تغليب المستفتي.
وقرئ على بناء المفعول (٥)، من عَصَره: إذا أنجاه، ويحتمل أن يكون المبنيُّ للفاعل أيضًا منه؛ أي: يغيثهم الله، أو يغيث بعضُهم بعضًا، أو من
стр. 2225
أَعْصَرت السحابة (١) عليهم، فعدِّي بنزع الخافض، أو بتضمينه معنى المطر.
وهذه بشارةٌ بشَّرهم بها بعد أن أَوَّلَ البقرات السِّمانَ والسنبلات الخضرَ بسنينَ مُخْصِبةٍ والعجافَ واليابساتِ بسنينَ مُجْدِبةٍ، وإتباعَ العجافِ السمانَ بأكلِ ما جُمع في السنين المخصِبة في السنين المجدبة، نصحهم وهداهم إلى التدبير فيها، ثم بشَّرهم بأن العام الثامن يجيءُ خصبًا، وذلك إمَّا بالوحي وإمَّا بالعلم بأن انتهاء الجَدْب إلى الخِصْب، وأن السنَّة الإلهية جاريةٌ بالتوسيع على العباد بعد التضييق عليهم.
* * *
(٥٠) - ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ بعد ما جاءه بالتعبير: ﴿ائْتُونِي﴾؛ أي: بالمعبِّر، ففي الكلام حذف.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ﴾ يوسفَ ﵇ ليخرجه من السجن ﴿قَالَ﴾ يوسف ﵇: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ إنما تأنَّى وتثبَّت (٢) في إجابة الملك، وقدَّم سؤال النسوة لتَظهر براءة ساحته عما قُرف (٣) به، وفيه دليل على أن السعي في دفع التُّهم واجب وجوبَ اتِّقاءِ الوقوف في مواقعها، وعن النَّبِيّ
стр. 2226
﵇: "لو كنت مكانه أو لبثتُ في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة" (١).
ومن زاد على ما ذكر قوله: ويُعلَم أنه سُجن ظلمًا فلا يقدر الحاسد أن يتوسَّل إلى تقبيح أمره، لم يُصب؛ لأن التعجيل أعونُ على دفع الوهم المذكور، فإن في التأخير مخافةَ الآفَة، وحالُ السؤال لا يَختلف بكونه في داخل السجن وخارجَه، ولذلك قال ﵇: (لأسرعتُ الإجابة) وفي بعض الروايات: "ما أُخبرهم" يعني: عن تعبير الرؤيا "حتَّى أشترطَ أن يخرجوني" (٢).
وإنما قال: ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ ولم يقل: فاسأله أن يفتِّش عن حالهن، تهييجًا له على البحث وتحقيق الحال؛ لأن الإنسان إذا سئل عن شيء جد (٣) فيه واجتهد في تحقيقه، بخلاف ما إذا التُمس منه شيء.
وإنما لم يتعرض لامرأة العزيز صريحًا وقصدًا مع ما صنعت به كرمًا ومراعاةً للأدب، وإنما قلنا: صريحًا وقصدًا؛ لأن التعرض للمقطِّعات أيديهنَّ يستلزم التعرُّض بها، والسؤال عن بالهن يؤدي إلى السؤال عن بالها.
﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ حين قلنَ لي: أطع مولاتك، تعظيم لكيدهن بأنه كيد
стр. 2227
بعيد الغور لا يَعلم كُنْهَه إلا اللَّه تعالى، واستشهاد بعلم اللَّه عليه وعلى أنه بريء مما اتُّهم به، وإيعاد لهن بأن اللَّه عليم بكيدهنَّ فيجازيهنَّ عليه.
* * *
(٥١) - ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
﴿قَالَ﴾؛ أي: الملك مخاطبًا لهن بعد إحضارهن، ففي الكلام حذف.
﴿مَا خَطْبُكُنَّ﴾: ما شأنكن، والخطب: أمر يحقُّ أن يخاطب فيه صاحبه لعظمه.
﴿إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾: هل وجدتن منه ميلًا إلى ما دعوتُموهنَّ إليه.
﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ تعجُّبًا من عفته وذهابه بنفسه (١) عن شيء من الريبة، ومن نزاهته عنها.
﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ بالَغْنَ في نفي جنس المكروه عنه ﵇ بالتنكير وزيادةِ ﴿مِن﴾، وإنما قلن: ﴿عَلَيْهِ﴾ لأن مرادهن نفيُ ما يسوءُه لا ما يسوءُ الغير.
﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ فصَله عما قبله ولم يقل: وقالت؛ لأن مبنى الوصل على دخولها في الخطاب بقوله: ﴿مَا خَطبُكُنَّ﴾ وليست بداخلةٍ فيه.
﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾: ثبت واستقر، من حصحص البعير: إذا ألقى مباركه ليُناخ، أو: ظهر، من حصحص شعرَه: إذا استأصله بحيث ظهر بشرةُ رأسه.
لما سمعت مقالتَهن في براءة يوسف أقرَّت بأعظمَ مما أَقررن به، إذ كانت هي أقوى سببًا فيما جرى من المراودة ومن سَجنه، ولا بيِّنةَ أجلى من
стр. 2228
اعترافهن على أنفُسهن، وشهادتهنَّ له بالبراءة والنزاهة وهن خصومُه، والفضل ما شهدت به الأعداء.
﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في قوله: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي﴾ عن نفسي.
* * *
(٥٢) - ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾.
﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ من كلام يوسف ﵇ لما جاء الرسول وأخبره بكلامهن فحذف ما حذف لدلالة الكلام عليه، كقوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ [الأعراف: ١٠٩، ١١٠] ثم قال: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف: ١١٠] وهو من كلام فرعون يستشيرهم بذلك مخاطبًا إياهم.
أي: ذلك التثبيت لِيَعْلَمَ العزيز ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ بظهر الغيب في حرمه، وهو حال من الفاعل أو المفعول؛ أي: لم أخنه وأنا غائب عنه، أو هو غائب عني، أو ظرفٌ؛ أي: بمكان الغيب وراء الأستار والأبواب المغلقة.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾؛ أي: وليَعلم أن اللَّه ﴿لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾؛ أي: لا يهدي الخائنين في كيدهم؛ كقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢]؛ أي: لا تتبع المفسدين في سبيلهم، وقوله: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: ٣٠]؛ أي: يضاهون الذين كفروا في قولهم؛ وهذه طريقة دقيقة لا يسلكها إلا مَن له السليقة.
وفيه تعريض بامرأة العزيز في خيانتها أمانةَ زوجها، وتوكيد لأمانته، ولذلك عقَّبه بقوله:
(٥٣) - ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
стр. 2229
﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ لتزكيةَ نفسه، وهضمًا لها، واحترازًا عن إعجابها بأمانتها وعصمتها، وإقرارًا بأن ذلك بتوفيق اللَّه تعالى ورحمته وتسديده وعصمته لا منه، أي: وما أبرِّئُ نَفْسي من الزلل، ولا أزكِّيها، ولا أشهد لها بالبراءة، وهي (١) - أعني: نفيَ التبرئة والتنزيه - إما مختصَّة بهذه الواقعة وإرادة الهمِّ المذكور الذي هو ميل النفس لا القصدُ الاختياري، وإما عامة في جميع الأحوال.
﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ تعليل وتأكيد بعد التلويح، والمراد بالنفس: الجنس؛ أي: هذا الجنس كلُّه دائم الأمر بالسوء، حاملٌ عليه بما فيه من الشهوات، باعث للقُوى والجوارح عليه.
﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾: إلا ما عصمه اللَّه برحمته، نصب على الظرف من أعمِّ الأوقات؛ أي: إلا وقتَ رحمة ربي وعصمته، أو على الاستثناء المتصل؛ أي: إلا البعضَ الذي رحمه ربي بالعصمة، واللام في ﴿النَّفْسَ﴾ للاستغراق حتَّى يصح الاستثناء.
ويجوز أن يكون استثناء منقطعًا؛ أي: ولكن رحمةُ ربي هي التي تصرف السوء؛ كقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً﴾ [يس: ٤٣، ٤٤].
وقيل: هو من كلام امرأة العزيز؛ أي: ذلك الذي قلتُ ليَعلم يوسف أني لم أخنه؛ أي: لم أكذب عليه في حال الغيبة، وجئت بالصدق فيما سئلت عنه، وما أبرئ نفسي مع ذلك من الخيانة، فإني قد خنته حين قذفتُه وقلتُ: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾، فهو اعتذار منها عما سلف، إنَّ كل نفس لأمَّارة بالسوء إلا نفسًا رحمها اللَّه تعالى بالعصمة كنفس يوسف، وفيه تكلُّفُ صرف الخيانة عن معناها إلى معنى الكذب.
стр. 2230
﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يغفر همَّ النفوس ويرحم ما (١) يشاء بالعصمة، أو: يغفر للمستغفر لذنبه المعترِف على نفسه ويرحمه.
* * *
(٥٤) - ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾.
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ لمَّا أَخبر النساءُ بما أَخبرن قال ملك مصر: جيئوني به ﴿أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾: أجعله خالصًا لنفسي، لِمَا ظهر عنده من علمه وصلاحه.
﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾ معطوفٌ على محذوفٍ تقديره: فأتوا به فاستنطقه؛ أي: الملك، فالفاعل لـ (كلَّم) ضمير يوسف ﵇؛ أي فلما كلم يوسف الملك ورأى حسن منطقه لما صدق به الخبر، قيل: كان الملك يعرف سبعين لسانًا، فكلَّمه بها فأجابه بجميعها فتعجَّب منه (٢).
﴿قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ﴾؛ أي: ذو مكان ومنزلة.
﴿أَمِينٌ﴾: مؤتمن على كل شيء، قيل: توفي العزيز في تلك الليالي فنصبه منصبه وزوَّج منه زوجته، فوجدها عذراء وولد له منها أفرايم وميشا.
* * *
(٥٥) - ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾.
стр. 2231
﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾؛ أي: مكنِّي (١) أمرَها، والأرضُ أرض مصر، لمَّا وصفه الملك بالتمكن عنده والأمانة طلب من الأعمال ما يناسب هذين الوصفين.
﴿إِنِّي حَفِيظٌ﴾ لها أحفظ ما استُحْفِظْتُه ﴿عَلِيمٌ﴾ بوجوه التصرف.
وصف نفسه بالأمانة والكفاية اللتين هما طلبةُ الملوك ممن يولُّونه، وإنما قال ذلك ليَتوصَّل به إلى إمضاء أحكام اللَّه، وإقامةِ الحق، وبسطِ العدل، والتمكُّنِ مما لأجله يُبعث الأنبياء ﵈، ولعلمه أن أحدًا لا يضيع بذلك ولا يقوم مقامه فيه، فطلب التولية ابتغاء وجه اللَّه تعالى لا لحب الملك والدنيا.
وفيه دليل على جواز طلب التولية، وإظهارِ أنه مستعد لها، والتولي من يد الكافر إذا علم أنه لا سبيل إلى إقامة الحق إلا بالاستظهار به، وعن مجاهد أنه قد أسلم على يده ﵇.
* * *
(٥٦) - ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومثلَ ذلك التمكين الظاهر ﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أرضَ مصر.
﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾: ينزل من بلادها حيث يهوى؛ لدخول جملتها تحت ملكه (٢) وسلطانه.
﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا﴾: بعطائنا ﴿مَنْ نَشَاءُ﴾ في الدنيا والآخرة.
стр. 2232
﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ بل نوفِّي أجور إحسانهم عاجلًا وآجلًا، ولا نَنْقُص من أجورهم في الآخرة بسبب ما أعطيناهم من الملك والغنى شيئًا، ولهذا قال:
(٥٧) - ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.
﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ لأنَّهُ الدائم الذي لا يَفْنَى ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾؛ أي: داوموا على التقوى، من باب وضع الظاهر موضعَ الضمير؛ تنويهًا بذكر الإيمان والتقوى، وتبيينًا لماهية الإحسان وأصلِه بأنه هو الإيمانُ والتقوى؛ أي: العلم والعمل، وإيماءً إلى أن أجر الآخرة إنما يُستحق بهما وأن غيرَ المؤمن التقيِّ - أعني عن الشرك - لا نصيب له في الآخرة.
قال سفيان بن عيينة ﵀ (١): المؤمن يثاب على حسناته في الدنيا والآخرة، والفاجر يعجَّل له الخير في الدنيا ومالَه في الآخرة من خلاق، وتلا هذه الآيةَ.
وفيها (٢) شهادة من اللَّه تعالى ليوسف بالإحسان، وإشارةٌ إلى أن حاله في الآخرة خير من حالته العظيمة في الدنيا، وإيذانٌ بأن الإحسان هو الذي لا يُضيع الله تعالى أجره.
* * *
(٥٨) - ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾.
﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ﴾؛ أي: من كنعان من أرض الفلسطين من نواحي الشام إلى مصر ليمتاروا منها، فتوصَّلوا إلى يوسف للميرة، روي أنه أصاب بلاد الشام
стр. 2233
وأرض كنعان نحوَ ما أصاب أرض مصر، فأرسل يعقوب ﵇ بنيه ليمتاروا واحتَبس بنيامين عنده.
﴿فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ﴾ لأنَّهُ فارقهم وهم رجال ملتحُون، ورأى زَّيهم قريبًا مما كان من قبلُ.
﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لأنهم فارقوه في سن الحداثة غيرَ ملتحٍ، ولحسبانهم أنه هلك، ولبُعد حاله التي بلغها من الملك والسلطان عن حاله التي فارقوه عليها، وتبدُّلِ زِّيه وأُبَّهته، إلى ما بهم ولِمَا نابهم من التهييب والاستعظام مما ينكَر له المعروف.
* * *
(٥٩) - ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾.
﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾: أصلحهم بعدتهم وأَوْقَر ركابهم (١) بما جاؤوا له من الميرة.
وقرئ: (بجِهازهم) بالكسر (٢)، والجهاز بالفتح والكسر: عُدة المسافر من الزاد وما يحتاج إليه المسافرون، وقيل: هو فاخرُ المتاع الذي يحمله؛ أي: من (٣) بلدٍ إلى بلدٍ أخرى، ومنه جهاز العروس.
﴿قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ لا بد من مقدمة تقتضي هذا الأمر، روي: أنهم لما
стр. 2234
دخلوا عليه قال: مَن أنتم؟ وما أمركم؟ لعلكم عيون! قالوا: معاذ اللَّه نحن بنو أبٍ واحدٍ، وهو شيخ صِدِّيق نبيٌّ من أنبياء اللَّه تعالى اسمه يعقوب، قال: كم أنتم؟ قالوا: كنا اثني عشر فذهب أحدنا إلى البرية فهلك، قال: فكم أنتم هاهنا؛ قالوا: عشرة، قال: فأين الحادي عشر؟ قالوا: عند أبينا يَتسلَّى به من الهالك، قال: فمَن يشهد لكم؟ قالوا: لا يعرفنا هاهنا مَن يَشهد لنا، قال: فدعوا بعضَكم عندي رهينةً وائتوني بأخيكم من أبيكم حتَّى أصدِّقكم، فاقترعوا فأصابت شمعون (١).
وقيل: كان يوسف ﵇ يعطي لكلِّ نفر حملًا، فسألوا حملًا زائدًا لأخٍ لهم من أبيهم، فأعطاهم وشَرَط عليهم أن يأتوه به ليَعلم صدقهم، ثم ذَكر ما يحرِّضهم على الإتيان بأخيهم:
﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾: أُتِمُّه ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ للضيف؛ أي: المضيفين، يعني: في قطره وفي زمانهم (٢)، وكان قد أحسن إنزالهم وضيافتَهم يؤنِسُهم بذلك ويستميلهم، ثم يُوْعدهم (٣) إن لم يأتوا إليه به بحرمانهم من الميرة في المستقبل بقوله:
(٦٠) - ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾.
﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ﴾: فلا طعام.
﴿لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ يحتمل أن يكون نهيًا، وأن يكون نفيًا مستقبَلًا معناه النهيُ وحُذفت النون وهو مرفوعٌ كما حذفت في قوله: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤]
стр. 2235
وأن يكون نفيًا داخلًا في الجزاء (١) معطوفًا على محل فلا كيل لكم عندي فيكون مجزومًا، تلطف في استحضار بنيامين بالترغيب والترهيب.
* * *
(٦١) - ﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾.
﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾: سنخادعه عنه ونحتال حتَّى ننزِعَه من يده، ثم أكَّدوا ذلك الوعد بقولهم: ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ ذلك لا محالة، لا نتوانى فيه ولا نقصِّر، أو: لقادرون على ذلك.
* * *
(٦٢) - ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾: لغلمانه الكيالين، جمع فتًى، وقرئ: ﴿لِفِتْيَانِهِ﴾ (٢) على جمع الكثرة ليوافق قوله:
﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ فإنه وكَّل بكلِّ رَحْلِ واحدًا (٣) يعبِّئ فيه بضاعتهم التي شروا بها الطعام، وكانت نعالًا وأدمًا (٤)، وإنما فعل ذلك توسيعًا وتفضُّلًا عليهم، وترفُّعًا من أن يأخذ ثمن الطعام منهم، وخوفًا من أن لا يكون عند أبيه ما يرجعون به، والرحل: آلة السفر من وعاء ومركب.
стр. 2236
﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا﴾: لعلهم يعرفون حقَّ ردِّها، أو: لكي يعرفوها (١).
﴿إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ﴾ وفتحوا أوعيتهم.
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: لعل معرفتهم ذلك تدعوهم إلى الرجوع.
* * *
(٦٣) - ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾: حُكِمَ بمنعه بعد هذا إنْ لم يذهب بنيامين ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾ ما نحتاج إليه من الطعام؛ لوجود الشَّرط ورفع (٢) المانع.
وقرئ: ﴿يَكْتَلْ﴾ بالياء (٣)؛ أي: يَكتلْ أخونا فينضمَّ اكتيالُه إلى اكتيالنا، ويجوز أن يكون المعنى: يكنْ سببًا للاكتيال، على الإسناد المجازي؛ لأن امتناعه بسبب (٤) عدم ذهابهم به، فإذا أُرسل معهم كان هو سببًا لاكتيالهم، فكأنه هو المكتال (٥).
﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ عن أن يناله مكروه.
* * *
стр. 2237
(٦٤) - ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ استفهامٌ بمعنى النفي، وهذا تقريرٌ وتوقيفٌ وتألُّم من فراقه بنيامين، ولم يصرِّح بمنعه من إرساله (١) لِمَا رأى في ذلك من المصلحة، وشبَّه هذا الائتمانَ في ابنه هذا بائتمانه إياهم في حقِّ يوسف ﵇، كأنه يقول: قد قلتم فيه: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ كما قلتم في هذا، فأخاف أن تَكيدوا له كما كِدْتم لذلك، لكنه لم يَخَفْ عليه كما خاف على يوسف ﵇ واستسلم للّه تعالى (٢).
﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ عليه وأعتمدُ على حفظه وكلاءته دونهم، ورضي بدفعه إليهم.
وقرئ: ﴿حِفْظًا﴾ (٣)، وانتصابه وكذا انتصابُ ﴿حَافِظًا﴾ على التَّمييز، وكون ﴿حَافِظًا﴾ حالًا ليس بجيدٍ؛ لأن فيه تقييدَ ﴿خَيْرٌ﴾ بهذه الحالة (٤).
﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾: فأرجو أن يرحمني بحفظه ولا يجمعَ عليَّ مصيبتين.
* * *
(٦٥) - ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾.
стр. 2238
﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: وُضعت في رحالهم، وقرئ: (رِدَّت) بكسر الراء (١) على أن كسرة الدَّال المدغمةِ نُقلت إلى الراء، كما قيل: قيل وبيع.
﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ ﴿مَا﴾ هذه استفهاميةٌ منصوبةُ المحل؛ أي: أيَّ شيء نطلبُ وراء هذا، هل من مزيد على ذلك؟ أكرمَنا وأحسنَ مثوانا، وردَّ علينا متاعنا.
أو نافية؛ أي: ما نبغي في القول وما نزيد فيما وصفنا لك (٢) من إحسانِ الملِكِ.
ورُوي: (ما تبغي) بالتاء على الخطاب (٣)؛ أي: أيَّ شيء تَطلبُ وراء هذا من الإحسانِ، أو الشاهد على صدقنا.
﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ جملةٌ استئنافية وقعت بيانًا لقوله: ﴿مَا نَبْغِي﴾.
﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ عطفٌ على محذوف؛ أي: هذه بضاعتنا ردت إلينا فنستظهِر بها ونمير أهلنا، إذا فُسر البغي بالطلب، وإذا فسر بالكذب والترديد (٤) في القول، جاز أن يعطف ﴿نَمِيرُ﴾ على ﴿مَا نَبْغِي﴾، ويجوز أن يكون كلامًا مبتدَأً؛ أي: ونبغي أن نمير أهلنا، كقولك: سعيت في حاجة فلان ويجب عليَّ أن أسعى له.
﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ عن المخاوف في الذهاب والإياب.
стр. 2239
﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾؛ أي (١): وَسقَ بعيرٍ باستصحابِ أخينا، لزيادة وسعةٍ على أوساقِ أباعرنا، فما نبغي وراء هذه المساعي.
﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: الذي جئنا به ﴿كَيْلٌ﴾: مكيلٌ ﴿يَسِيرٌ﴾ لا يكفينا، فلا بد أن نرجع إليه ونضاعفه، أو: ذلك الزائد لأخينا مكيلٌ قليل لا يضايقنا فيه الملك ولا يتعاظَمه، أو: ذلك الذي نمير ويكال لنا شيء يسير يزاد عليه ما يكال لأخينا.
وقيل: هو من كلام يعقوب ﵇؛ أي: ذلك المزادُ - وهو حملُ بعيرٍ واحدٍ - شيءٌ يسير لا يخاطَر بمثله بالولد؛ كقوله: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ [يوسف: ٥٢].
ويأباه تأخير ﴿قَالَ﴾ عنه، فإن حقَّه حينئذ أن يقدَّم عليه.
* * *
(٦٦) - ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾.
﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ﴾ البتة بعدما رأيت منكم ما رأيت ﴿حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾: ما أتوثَّق به من عند الله، يعني: الحَلِفَ باللّه.
وإنما جعله مَوْثِقًا مِن اللّه تعالى؛ لأن الحَلِفَ باللّه مما يؤكَّد به العهود، وقد أذن اللَّه تعالى فيه فهو إذنٌ منه تعالى.
﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ جواب القسم؛ لأن معنى: ﴿حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا﴾ [يوسف: ٦٦]: حتَّى تحلِفوا لي.
﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾: إلا أن تَهْلِكوا، أو: إلا أن تُغلبوا فلن تُطيقوا الإتيان به،
стр. 2240
مفعول له (١)، وقوله: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ في تأويل النفي؛ أي: لا تتركوه لعلةٍ مّا إلا لعلةِ الإحاطة بكم؛ لأنَّهُ استثناءٌ مفرَّغ من أعمِّ العلل، فلا يكون إلا في النفي؛ كقولك: أقسمت باللّه إلا فعَلْتَ؛ أي: ما أطلب منك إلا فعلَك.
أو ظرفٌ مستثنًى من أعمِّ الظروف؛ أي: لا تمتنعون من الإتيان به وقتًا مّا إلا وقتَ الإحاطة بكم.
﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ عهدَهم ﴿قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ﴾ من طلب الموثق وإتيانه ﴿وَكِيلٌ﴾؛ أي: مطَّلع رقيب.
* * *
(٦٧) - ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾.
﴿وَقَالَ﴾ حين أنفذَ أخاهم معهم: ﴿يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ وصَّاهم بالحذر عن إصابة العين؛ لأنهم كانوا جماعة (٢) ذوي أبَّهةٍ وشارةٍ حسنةٍ، مشتهِرين بين أهل مصر بالقُربة والكرامة عند الملك، فخاف عليهم أن يدخلوا (٣) كوكبةً واحدة فيُعَانُوا لجلالتهم في الصدور (٤) وقد عُرف كونُهم إخوةً، والعين تتسارع تأثيرًا إلى مثلهم، ولذلك لم يوصهم بذلك في الكَرَّة الأولى لأنهم كانوا حينئذٍ مجهولين مغمورين بين الناس.
стр. 2241
أو كان الداعي له إلى التوصية خوفَه على بنيامين.
وتأثيرُ العين مما لا يُنكر، وقد ورد في الخبر عن خير البشر: "العينُ حقٌّ" (١)، وفي خبر آخر: "إن العين لتدخل (٢) الرجل القبر والجمل القدر" (٣)، وأنَّه ﵇ كان يعوِّذ الحسنين ﵄ فقال: "أعيذُكما بكلمات اللَّه التامَّة، من كلِّ هامَّة، ومن كلِّ عينٍ لامَّة" (٤).
وشهدت به التجربةُ، ولا ينافي ذلك أنه (٥) لا مؤثِّر إلا اللَّه تعالى؛ لأن حقيقة التأثير وأصلَه ليس إلا منه تعالى، وإنْ ظهر على مظاهر الأشياء بحسَب جَرْي العادة، وليس هذا بمحلِّ الامتحان والابتلاء لأنَّهُ ليس من خوارق العادات.
﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ مما قضَى عليكم مما أشرْتُ به إليكم؛ أي: لا أنفعُ ولا أرفعُ إن أراد اللَّه بكم شيئًا (٦)، ولم يُرِدْ به اتِّقاء (٧) الحذر عن إلقاء النفس إلى محلِّ الخطر، ببيانِ عدم التأثير للتدبير في تغيير ما في التَّقديرُ؛ لأنَّهُ لا يناسب شأن النَّبِيّ ﵇ أن يوصي بشيء على وجه الاهتمام ببنيه الكرام ثم يبطلَه
стр. 2242
ويُظهِرَ أنه من خطَرات الأوهام، بل أراد دفع ما يخطر بالبال عند سماع مثل هذا المقال من معارضة التَّقديرُ بالتدبير بحسَب الظاهر المتبادِر إلى الأفهام، بما مَرْجِعُه إلى أن الحذر لا يُغني من القدَر، ومع هذا لا بد للعاقل من الحذر عن (١) مَظانِّ الضرر، ولذلك أُمرنا به في قوله تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] ونُهينا عن خلافه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾؛ أي: ليس الفصل بين الأمور على ما تقتضيه الحكمة إلا للّه تعالى.
ولما كان في توصيتهم مَظِنَّةُ التوسُّل بالأسباب العاديَّة، تداركه بقوله:
﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾؛ أي: فوَّضْتُ أمري إلى اللَّه تعالى يدبِّره كيف يشاء، وتقديم الصلة لتخصيص التوكُّل به تعالى.
﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ جمع بين حرفي العطف مع تقديم الصلة، وأراد بالواو العطفَ على فعله (٢) من تخصيص التوكُّل باللّه تعالى في حفظهم، وبالفاء التسبيبَ؛ لأن (٣) فعل الأنبياء ﵈ سببٌ لأنْ يُقتدى به؛ أي: وعليه خاصةً إذ خصَصْتُه بالتوكُّل عليه فليتوكَّل المتوكِّلون في جميع أمورهم، أو: وعليه إنْ توكَّل متوكِّل فليتوكَّل كما عليه توكلت.
* * *
стр. 2243
(٦٨) - ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾؛ أي: من الأبواب المتفرِّقة (١) في البلد.
﴿مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: ما كان دخولهم في البلد متفرِّقين على رأي يعقوب ﵇ مغنيًا عنهم من قضاء اللَّه في حقِّهم شيئًا.
﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾؛ أي: لكن كان اضطرابًا في قلبه ودغدغةً في خاطره أزال ذلك عن نفسه بوصيته (٢).
وأما ما قيل: فسُرِّقوا وأخذ بنيامين بوجدان الصُّواع في رحله، وتضاعفت المصيبة على يعقوب ﵇ (٣) = فلا يناسب المقام؛ لأن مساق الكلام في عدم تأثير تدبيره فيما وصَّاهم به، وهو الاحتراز عن مَظِنَّة الضرر من جهةِ إصابة العين بهم لا من جهةٍ أخرى.
﴿وَإِنَّهُ﴾؛ أي: وإن يعقوب ﵇ ﴿لَذُو عِلْمٍ﴾ هو عظيم، وفي التنكير للتعظيم توطئةٌ لما في قوله: ﴿لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ من كمال التفخيم الحاصل من إضافة التعليم (٤) إلى نفسه تعالى.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ سرَّ إيجاب الحذر مع أنه لا يُغني شيئًا من القدَر.
стр. 2244
(٦٩) - ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾: ضمَّ إليه بنيامين على الطعام أو في المنزل.
الإيواء: الضمُّ والتصيير إلى موضع الراحة، ومنه المأوى: وهو المنزل الذي يصير إليه صاحبه للراحة فيه.
روي أنه أضافهم فأجلسهم مثنَى مثنَى، فبقي (١) بنيامين وحيدًا، فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حيًّا لجلس معي، فأجلسه معه على مائدته ثم قال: لينزلْ (٢) كلُّ اثنين منكم بيتًا، وهذا لا ثاني له فيكون معي، فبات عنده وقال له: أتحب أن أكون أخاك بدلَ أخيك الهالك؟ قال: مَن يجد أخًا مثلَك؟ ولكنْ لم يَلِدْك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف ﵇ وقام إليه فعانقه:
﴿قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ يوسفُ ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾: فلا تحزن، افتعالٌ من البؤس.
﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: بما استمر به عادتُهم من الجفاء في حقِّنا، وذكرِك بغير الجميل عندك مغايظةً لك، وكأنه قصد الإشارة إلى ما هم بصددِ أن يعملوا في حقِّهم من إسناد السرقة بقولهم: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾، ولذلك أتى بصيغة المضارع، وكان ذلك معلومًا له بطريق الوحي.
* * *
стр. 2245
(٧٠) - ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ الفاء فصيحةٌ عاطفة على محذوفٍ تقديره ظاهرٌ، وقد مر تفسير الجَهاز.
﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾؛ المشرَبة ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ قد مر تفسير الرحل، قيل: كانت مشرَبةً جُعلت صاعًا يكال بها، وقيل: كانت يسقى بها الدوابُّ ويكالُ فيها، وكانت من فضة، وقيل: من ذهب.
وقرئ: (وجَعَل) (١) على حذف جواب (لمَّا) تقديره: أمهَلَهم حتَّى انطلقوا.
﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾: نادى منادٍ. الأذان: الإعلام بقول يُسمع بالآذان، يقال: آذنه: أعلمه، وأذَّن: أكثرَ الإعلام، ومنه: المؤذِّن؛ لكثرة ذلك منه.
﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ العير: القافلة، ومنه المثل: لا في العير ولا في النفير، وهو في الأصل: اسم ما امتير عليه من الإبل والحمير والبغال؛ لأنها تَعِيرُ؛ أي: تتردد (٢)، والقول بتخصيصه بالإبل باطلٌ، نص عليه الأزهريُّ (٣). ثم قيل لأصحابها؛ كالخيل في قوله ﵇: "يا خيل اللَّه اركبي" (٤).