← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

أو كان الداعي له إلى التوصية خوفَه على بنيامين. وتأثيرُ العين مما لا يُنكر، وقد ورد في الخبر عن خير البشر: "العينُ حقٌّ" (١)، وفي خبر آخر: "إن العين لتدخل (٢) الرجل القبر والجمل القدر" (٣)، وأنَّه ﵇ كان يعوِّذ الحسنين ﵄ فقال: "أعيذُكما بكلمات اللَّه التامَّة، من كلِّ هامَّة، ومن كلِّ عينٍ لامَّة" (٤). وشهدت به التجربةُ، ولا ينافي ذلك أنه (٥) لا مؤثِّر إلا اللَّه تعالى؛ لأن حقيقة التأثير وأصلَه ليس إلا منه تعالى، وإنْ ظهر على مظاهر الأشياء بحسَب جَرْي العادة، وليس هذا بمحلِّ الامتحان والابتلاء لأنَّهُ ليس من خوارق العادات. ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ مما قضَى عليكم مما أشرْتُ به إليكم؛ أي: لا أنفعُ ولا أرفعُ إن أراد اللَّه بكم شيئًا (٦)، ولم يُرِدْ به اتِّقاء (٧) الحذر عن إلقاء النفس إلى محلِّ الخطر، ببيانِ عدم التأثير للتدبير في تغيير ما في التَّقديرُ؛ لأنَّهُ لا يناسب شأن النَّبِيّ ﵇ أن يوصي بشيء على وجه الاهتمام ببنيه الكرام ثم يبطلَه

стр. 2242

ويُظهِرَ أنه من خطَرات الأوهام، بل أراد دفع ما يخطر بالبال عند سماع مثل هذا المقال من معارضة التَّقديرُ بالتدبير بحسَب الظاهر المتبادِر إلى الأفهام، بما مَرْجِعُه إلى أن الحذر لا يُغني من القدَر، ومع هذا لا بد للعاقل من الحذر عن (١) مَظانِّ الضرر، ولذلك أُمرنا به في قوله تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] ونُهينا عن خلافه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾؛ أي: ليس الفصل بين الأمور على ما تقتضيه الحكمة إلا للّه تعالى. ولما كان في توصيتهم مَظِنَّةُ التوسُّل بالأسباب العاديَّة، تداركه بقوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾؛ أي: فوَّضْتُ أمري إلى اللَّه تعالى يدبِّره كيف يشاء، وتقديم الصلة لتخصيص التوكُّل به تعالى. ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ جمع بين حرفي العطف مع تقديم الصلة، وأراد بالواو العطفَ على فعله (٢) من تخصيص التوكُّل باللّه تعالى في حفظهم، وبالفاء التسبيبَ؛ لأن (٣) فعل الأنبياء ﵈ سببٌ لأنْ يُقتدى به؛ أي: وعليه خاصةً إذ خصَصْتُه بالتوكُّل عليه فليتوكَّل المتوكِّلون في جميع أمورهم، أو: وعليه إنْ توكَّل متوكِّل فليتوكَّل كما عليه توكلت. * * *

стр. 2243

(٦٨) - ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾؛ أي: من الأبواب المتفرِّقة (١) في البلد. ﴿مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: ما كان دخولهم في البلد متفرِّقين على رأي يعقوب ﵇ مغنيًا عنهم من قضاء اللَّه في حقِّهم شيئًا. ﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾؛ أي: لكن كان اضطرابًا في قلبه ودغدغةً في خاطره أزال ذلك عن نفسه بوصيته (٢). وأما ما قيل: فسُرِّقوا وأخذ بنيامين بوجدان الصُّواع في رحله، وتضاعفت المصيبة على يعقوب ﵇ (٣) = فلا يناسب المقام؛ لأن مساق الكلام في عدم تأثير تدبيره فيما وصَّاهم به، وهو الاحتراز عن مَظِنَّة الضرر من جهةِ إصابة العين بهم لا من جهةٍ أخرى. ﴿وَإِنَّهُ﴾؛ أي: وإن يعقوب ﵇ ﴿لَذُو عِلْمٍ﴾ هو عظيم، وفي التنكير للتعظيم توطئةٌ لما في قوله: ﴿لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ من كمال التفخيم الحاصل من إضافة التعليم (٤) إلى نفسه تعالى. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ سرَّ إيجاب الحذر مع أنه لا يُغني شيئًا من القدَر.

стр. 2244

(٦٩) - ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾: ضمَّ إليه بنيامين على الطعام أو في المنزل. الإيواء: الضمُّ والتصيير إلى موضع الراحة، ومنه المأوى: وهو المنزل الذي يصير إليه صاحبه للراحة فيه. روي أنه أضافهم فأجلسهم مثنَى مثنَى، فبقي (١) بنيامين وحيدًا، فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حيًّا لجلس معي، فأجلسه معه على مائدته ثم قال: لينزلْ (٢) كلُّ اثنين منكم بيتًا، وهذا لا ثاني له فيكون معي، فبات عنده وقال له: أتحب أن أكون أخاك بدلَ أخيك الهالك؟ قال: مَن يجد أخًا مثلَك؟ ولكنْ لم يَلِدْك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف ﵇ وقام إليه فعانقه: ﴿قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ يوسفُ ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾: فلا تحزن، افتعالٌ من البؤس. ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: بما استمر به عادتُهم من الجفاء في حقِّنا، وذكرِك بغير الجميل عندك مغايظةً لك، وكأنه قصد الإشارة إلى ما هم بصددِ أن يعملوا في حقِّهم من إسناد السرقة بقولهم: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾، ولذلك أتى بصيغة المضارع، وكان ذلك معلومًا له بطريق الوحي. * * *

стр. 2245

(٧٠) - ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾. ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ الفاء فصيحةٌ عاطفة على محذوفٍ تقديره ظاهرٌ، وقد مر تفسير الجَهاز. ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾؛ المشرَبة ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ قد مر تفسير الرحل، قيل: كانت مشرَبةً جُعلت صاعًا يكال بها، وقيل: كانت يسقى بها الدوابُّ ويكالُ فيها، وكانت من فضة، وقيل: من ذهب. وقرئ: (وجَعَل) (١) على حذف جواب (لمَّا) تقديره: أمهَلَهم حتَّى انطلقوا. ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾: نادى منادٍ. الأذان: الإعلام بقول يُسمع بالآذان، يقال: آذنه: أعلمه، وأذَّن: أكثرَ الإعلام، ومنه: المؤذِّن؛ لكثرة ذلك منه. ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ العير: القافلة، ومنه المثل: لا في العير ولا في النفير، وهو في الأصل: اسم ما امتير عليه من الإبل والحمير والبغال؛ لأنها تَعِيرُ؛ أي: تتردد (٢)، والقول بتخصيصه بالإبل باطلٌ، نص عليه الأزهريُّ (٣). ثم قيل لأصحابها؛ كالخيل في قوله ﵇: "يا خيل اللَّه اركبي" (٤).

стр. 2246

﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ من قَبيل نسبة الفعل إلى جماعةٍ كلمتُهم واحدةٌ لصدوره عن واحد منهم. والسرقة: أخذ الشيء من حِرْزٍ في خُفيةٍ بغيرِ حقٍّ. قيل: لم يأمرهم يوسف ﵇ بذلك ولا علمه، وإنما كان أَمَر بعض خواصِّه بجعل السقاية في رحل أخيه على ما أَمَره اللَّه تعالى به، فلمَّا فقدها الموكَّلون بها اتَّهموهم بسرقتها. * * * (٧١) - ﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾. ﴿قَالُوا﴾؛ أي: إخوة يوسف ﵇ ﴿وَأَقْبَلُوا﴾ جملة حالية؛ أي: وقد أقبلوا ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على طالبي السقاية، وفيه تنبيه على ما في قوله: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ من إيجاز الحذف. والإقبال: مجيء الشيء إلى جهة المقابلة بوجهه، وضدُّه الإدبار. ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾ يحتمل أن يكون ﴿مَاذَا﴾ استفهامًا في موضع نصبٍ بـ ﴿تَفْقِدُونَ﴾، ويحتمل أن تكون (ما) وحدها استفهاميةً مبتدأً، و (ذا) موصولة بمعنى: الذي، خبرٌ عن (ما) و ﴿تَفْقِدُونَ﴾ صلةٌ لـ (ذا) والعائد محذوف؛ أي: تفقدونه. وفَقْدُ الشيء: طلبُه عند غَيبته عن الحسِّ بحيث لا يدري أين هو، قال الجوهري: فَقَدْتُ الشيءَ أَفْقِدُه فَقْدًا، وتَفَقَدْتُه؛ أي: طلبتُه عند غَيبته (١).

стр. 2247

ولمَا فيه من معنى الطلب قالوا: ﴿تَفْقِدُونَ﴾ ولو كان معناه الغيبةَ المجرَّدة عن الطلب لكان حقَّهم أن يقولوا: ماذا فقدْتُم؟ وقرئ: (تُفْقِدون) (١) من أَفقَدْتُه: إذا وجَدْتَه فقيدًا. * * * (٧٢) - ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾. ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ المكيالُ، وهو السقاية المذكورةُ، سماه أوَّلًا بإحدى معنييه وأخرى بالثانية. وقرئ: (صاع) و (صُوْع) بالضم والفتح والعين والغين، (صُوَاغ) من الصياغة (٢). ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾؛ أي: وَسْقُ بعيرٍ من طعام جُعلًا لمن حصَّله، وتمامُ الكلام في هذا المقام توعيدٌ للمسيء ووعدٌ للمُحسن من رئيس تلك الجماعة، إلا أنه اختُصر واكتُفي بجزئه الثاني مصدَّرًا بالواو الفصيحة الدالةِ على مخذوفٍ وهو جزؤه الأول، وحينئذ ينتظِم الإفراديُّ: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾؛ أي: كفيلٌ أؤديهِ إلى مَن ردَّه، مع الجميع (٣) في قوله: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ﴾. قيل: فيه دليل على جواز الجَعالة وضمان الجُعل قبل تمام العمل.

стр. 2248

ويَرِدُ عليه: أنه لا دلالة فيه على لزوم الضمان، وصحةُ الالتزام بدون اللزوم مما لا حاجة إلى الدليل عليه. * * * (٧٣) - ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾. ﴿قَالُوا تَاللَّهِ﴾ قسمٌ فيه معنى التعجُّب مما أضيف إليهم، والتاء بدلٌ من الواو في قول أكثر النحويين، وقال السهيليُّ: إنها أصلٌ بنفسها، وقد حُكي عن العرب دخولها على الربِّ والرحمنِ وحياتِكَ، قالوا: ترَبِّ الكعبة، وتَالرَّحمنِ، وتحياتك (١). ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: في أرضكم، وإنما استَشهَدوا (٢) بعلمهم لاشتهارهم بينهم بالأمانة والدِّيانة، واختبارِهم حالَهم في كرَّتيِ المجيء، ومداخلتهم [للملك] (٣)، ولأنهم دخلوا مصر وأفواهُ رواحلهم معكومةٌ (٤) لئلا يتناول زرعًا أو طعامًا لأحد، ولأنهم ردُّوا بضاعتهم التي وجدوها في رحالهم. ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ مرادُهم نفي السرقة عن أنفسهم، فكان حقَّهم أن يقولوا: وما سرقنا، إلا أنهم أرادوا أن يضمِّنوا عبارتَهم الدلالةَ على أن الإقدام على مثل هذه السرقة إنما يتيسَّر ممن هو معتاد بها. * * *

стр. 2249

(٧٤) - ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾. ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ الضمير للصُّواع؛ أي: فما جزاء سرقته على حذف المضاف. ﴿إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾ في ادعاء البراءة. * * * (٧٥) - ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾. ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ﴾؛ أي: جزاءُ سرقته ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾؛ أي: أخذُه واسترقاقُه، هكذا كان شرعُ يعقوب ﵇. ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ جملةٌ أخرى لتقرير الحكم وإلزامه، أو خبر ﴿مَنْ﴾، والفاءُ لتضمُّنه معنى الشرط، أو جوابٌ لها على أنها شرطيةٌ، والجملة كما هي (١) خبر ﴿جَزَاؤُهُ﴾ على إقامة الظاهر مقام الضمير تفخيمًا لشأن الجزاء؛ كأنه قيل: جزاؤه مَن وجد في رحله فهو هو. ﴿كَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك الجزاءِ وهوْ الاسترقاقُ ﴿نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ بالسرقة، وهذا كلامُ مَن لم يشكَّ أنهم برآءُ مما رُموا به، ولاعتقادهم البراءة علَّقوا الحكم على وجدان الصاع لا على سرقته. * * * (٧٦) - ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.

стр. 2250

﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾، أي: فبدأ مَن قال: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، وقد تقدم أنه مقدَّم المتفقِّدين بتفتيش أوعيتهم، وقيل: يوسف ﵇؛ لأنهم ردُّوا إلى مصر. ﴿قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ بنيامين نفيًا للتهمة. ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا﴾ أي: السقاية، وتذكير الضمير فيما سبق لأن الخدَمة عبَّروا عنها بالصُّواع، فما دام الكلام منقولًا عن لسانهم ذكّر الضمير عائدًا (١) إليه. ﴿مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ وقرئ بضم الواو، وبقلبها همزة (٢). ﴿كَذَلِكَ﴾، أي: مثلَ ذلك الكيد العظيم ﴿كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾، أي: علَّمناه إياه، وأوحيناه إليه. ﴿مَا كَانَ﴾ ما صح ﴿لِيَأْخُذَ أَخَاهُ﴾ بالسرقة ﴿فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾: ملكِ مصر؛ لأن دينه الضربَ وتغريمَ ضعفِ ما أُخذ دون الاسترقاق، وهو تفسيرٌ للكيد وبيان له. ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ نصبٌ على الظرف أو المفعولِ له، أي: ما كان ليأخذه وقتًا من الأوقات إلا وقتَ مشيئة الله تعالى وإذنِه فيه، أو: لعلةٍ ما إلا بمشيئة الله تعالى، أو إلا بسبب مشيئة الله تعالى. ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ في العلم كما رفعنا درجته ﵇ فيه، وقرئ: ﴿يَرْفَعُ﴾ بالياء (٣)، و: ﴿دَرَجَاتٍ﴾ بالتنوين (٤).

стр. 2251

﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ أرفعَ درجةً منه في العلم، أراد المبالغةَ في عدم انتهاء مراتب العلم في المخلوق ودرجاته لعدم انتهاء المعلومات، وعلمُ الله تعالى ليس بوصفٍ زائدٍ على ذاته، فلا يقال له تعالى: ذو علم، وبما قرَّرناه ظهر وجه العدول عن: العالِم، إلى: ﴿ذِي عِلْمٍ﴾. * * * (٧٧) - ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾. ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ﴾ يعنُون بنيامين ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يعنُون يوسفَ ﵇. قيل: ورثت عمتُه من أبيها مِنْطَقةَ (١) إبراهيم ﵇، وكانت تحضُن يوسف ﵇ وتحبُّه، فلما شبَّ أراد يعقوب ﵇ انتزاعَه منها، فشدتِ المنطقةَ على وسطه ثم أظهرت ضياعَها، فتفحِّص عنها فوُجدت محزومةً عليه، فصارت أحقَّ به في حكمهم، وبقي عندها حتى ماتت (٢). ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ الضميرُ لِمَا يُفهم من سياق الكلام؛ أي: أَكَنَّ كراهةَ ذلك القول في نفسه، والفاءُ للعطف على محذوفٍ تقديره: وسمع يوسفُ كلامهم فأسرَّها. وقوله: ﴿وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ تأكيدٌ للسابق، وبيانٌ للمراد من اللاحق، فإنه علم عنه أنه

стр. 2252

﵇ ﴿قَالَ﴾ في نفسه: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾، أي: شرٌّ منزلةً في سرقتكم أخاكم من أبيكم. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾؛ أي: يعلم أن الأمر ليس كما تصفونه من نسبةِ السرقة إلينا، وصيغة أَفْعَلَ للمبالغة لا للتفضيل، على معنى: والله أعلم منكم بما تصفون؛ إذ لا علم لهم به، فإن ما قالوا ناشئٌ عن الحيلة (١) غيرُ مطابق للواقع. * * * (٧٨) - ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ ذكروا له حال أبيهم في كونه شيخًا كبيرَ القَدْر استعطافًا له عليه، وكانوا قد أخبروه بأنه كان له ولد قد (٢) هلك وهذا شقيقه يستأنس به وهو أحبُّ إليه منهم. ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾: بدله على وجه الاستعباد والاسترقاق. ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ إلينا، وما الإنعام إلا بالتمام فأتمِم إحسانك، أو: من المتعوِّدين بالإحسان فلا تغيِّر عادتك. * * * (٧٩) - ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾. ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ مصدر يقوم مقام الفعل؛ أي: نعوذُ بالله معاذًا ﴿أَنْ نَأْخُذَ﴾: من أن نأخذ، فأضيف إلى المفعول به وحُذف (مِن).

стр. 2253

﴿إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾؛ أي: أنْ نَظلِم، فإنَّ أخذَ السارق على فتواكم واجبٌ، فلئن أخذنا غيره ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ في مذهبكم ودينكم، فلمَ تطلبون منا ما هو ظلمٌ عندكم؟ كلام ذو وجهين: ظاهره ما مر، وباطنه: إني مأمور من عند الله تعالى بأخذ بنيامين، فإن خالفتُه كنت ظالمًا مرتكبًا خلافَ الوحي عاصيًا. وإنما قال: ﴿إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ إجراءً للكلام على مُجرى ما قالوه عند بيان الجزاء، واحترازًا عن التصريح بإسناد السرقة إلى أخيه، وإلا فالأخصَرُ لفظًا والأظهرُ معنًى أن يقول: إلا مَن سرق. * * * (٨٠) - ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾. ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾: يئسوا من يوسف ﵇؛ أي: من إجابته إياهم، وزيادةُ السين والتاء للمبالغة كما ذُكر (١) في: استعصم. ﴿خَلَصُوا﴾: انفردوا عن الناس خالصين لا يخالطُهم غيرهم. ﴿نَجِيًّا﴾: ذوي نجوى، أو: فوجًا نَجِيًّا، حال أو مفعول له؛ أي: مناجيًا، أو ليناجيَ بعضهم بعضا، وكان تناجيهم في تدبير أمرهم. والنجي قد يجيء بمعنى المناجي كالعشير بمعنى المعاشر، ومنه قوله تعالى:

стр. 2254

﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]، وقد يكون بمعنى المصدر بمعنى التناجي كالنجوى، ومنه قيل: قوم نجوى، كما قيل: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧] تنزيلًا للمصدر منزلة الوصف، ويقال: هم نَجِيٌّ، كما يقال: هم صَدِيق؛ لأنَّه على زِنة المصادر. ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ في السن وهو روبيل، أو رئيسهم وهو شمعون، أو كبيرهم في الرأي والعقل وهو يهوذا: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾: عهدًا وثيقًا، وإنما جعل حَلِفهم بالله تعالى مَوْثقًا منه لأنَّه بإذنٍ منه وتأكيدٍ من جهته، وإنما قال: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ لِمَا في أخْذه من التكليف والإيجاب. ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل هذا (١) ﴿مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ قصَّرتم في شأنه، ولم تحفظوا عهد أبيكم فيه، و ﴿مَا﴾ مَزيدة أو مصدرية، ومحل المصدر النصبُ بالعطف على مفعول ﴿تَعْلَمُوا﴾؛ كأنه قيل: ألم تعلموا أَخْذَ أبيكم موثقًا وتفريطَكم من قبلُ في يوسف، ولا بأس بالفصل بين العاطف والمعطوف بالظرف. وأما الرفعُ على الابتداء وخبرُه الظرف وهو ﴿من قبلُ﴾؛ أي: وقع من قبلُ تفريطُكم في يوسف، فمردودٌ بأنَّ (قبل) إذا كان خبرًا أو صلةً لا يُقطع عن الإضافة حتى لا ينقص. أو موصولة؛ أي: ومِن قبلِ هذا ما فرَّطْتُموه في حقِّ يوسف؛ أي: ما قدَّمْتُموه من الخيانة (٢) العظيمة، ومحلُّه النصبُ أو الرفعُ على الوجهين. ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾: فلن أفارق أرض مصر ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ في الرجوع

стр. 2255

إليه (١) ﴿يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ بالتَّوفِّي، أو بالخروج منها، أو بتخليص أخي من يد مَن أخَذه بسببٍ من الأسباب ولو بالمقاتَلة معهم. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ لأنَّه لا يحكم إلا بالحق. * * * (٨١) - ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾. ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ على ما شهدنا (٢) من ظاهر الأمر، وقرئ: (سُرِّق) (٣)؛ أي نُسب إلى السرقة. ﴿وَمَا شَهِدْنَا﴾ عليه ﴿إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ بأنْ رأَينا أنَّ الصُّواع استُخرج من وعائه. ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ﴾: لباطن الحال ﴿حَافِظِينَ﴾ اعتذار من مواعدتهم أباهم بحفظه؛ أي: ليس من شأننا حفظُه لأمرٍ غائب (٤) عنا، فإنَّا كنَّا ضمِنَّا لك حفظَه مما يمْكننا الحفظُ عنه من الآفَات في الطريق، فأمَّا السرقة فممَّا لم يكن لنا إلى حفظه منها سبيلٌ، هذا هو الظاهر من الكلام، المتبادِرُ إلى الأفهام، المطابق لِمَا يقتضيه المقام، فلا حاجة إلى صرف الحفظ عن معناه إلى معنى العلم كما سبق إلى بعض الأوهام.

стр. 2256

(٨٢ - ٨٣) - ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ هي مصر؛ أي: أرسل إلى أهلها فاسألهم عن كُنْه القصة. ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ قد مر أن العير يُطلق على القافلة، وهم كانوا من كنعان جيرانِ يعقوب، وقيل: من صنعاء. ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ تأكيدٌ في محل القسم، وفي الكلام إضمارٌ معناه: فلما رجعوا إلى أبيهم وقالوا له ما قال أخوهم ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ﴾؛ أي: زيَّنت وسهَّلت ﴿لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ أَردْتُموه، وإلا فما أدرَى الملك أن السارق يُؤخذ (١) بسرقته لو لا فتواكم. ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ قد مر تفسيره ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ بيوسفَ وأخيه والكبير المتوقِّف هناك. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بحالي وحالهم ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيره، ولا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة. * * * (٨٤) - ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾. ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾: وأعرض عنهم كراهيةً لما أخبروه به.

стр. 2257

﴿وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾؛ أي: يا أسفًا تعالَ فهذا أوانُكَ، والأسف: أشدُّ الحزن على الغائب، وهو أشد الغضب أيضًا، ويجوز أن يكون اجتمع له المعنيان: الحزنُ على فَقْد يوسف، والغضبُ على إخوته أو على نفسه ببعثه معهم، ويناسبه ما في لحاق الكلام من التعرُّض لهما. وإنما تأسَّف على يوسفَ والحادثُ مصيبةُ أخويه؛ لأن الرُّزْء به (١) أشدُّ المصائب وأنكاها، وهو الآخذ بمجامع قلبه لا ينساه، ولأنه كان واثقًا بحياتهما دون حياته، وفي الحديث: "لم تعط أمة من الأمم إنا لله وإنا إليه راجعون عند المصيبة إلا أمة محمد" (٢)، ألا يُرى إلى يعقوبَ حين أصابه ما أصابه لم يسترجع وقال: ﴿يَاأَسَفَى﴾ منادى مضافٌ إلى ياءِ المتكلِّم أُبدلت الياء ألفًا. ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾: لكثرة بكائه (٣) من الحزن، فإن العَبرة إذا كثرت محقَتْ سواد العين وغيَّرته إلى بياضٍ كدِرٍ، وعلَّل الابيضاض بالحزن وإنما هو من البكاء المتوالي؛ لأنَّه ثمرة الحزن فعلِّل بالأصل الذي نشأ منه البكاء. والحزن: الهم الغليظ على النفس، من الأرض الحَزَن بفتح الحاء؛ أي: الغليظة. والظاهر أنه ﵇ كان عَمِي (٤)؛ لقوله تعالى: ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾.

стр. 2258

وقرئ: (من الحَزَن) (١). وفيه دليل على جواز التأسُّف والبكاء عند التفجُّع، ومثلُ ذلك لا يدخل تحت التكليف، فإنه قلَّ مَن يملك نفسه عند الشدائد، ولقد بكى رسول الله ﵇ على ولده إبراهيم وقال: "القلبُ يحزن، والعينُ تدمع، ولا نقول ما يُسخط الربَّ، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون" (٢). ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾: مملوءٌ من الغيظ على أولاده، ممسِكٌ له (٣) في قلبه ولا يظهره، فعيلٌ بمعنى مفعولٍ؛ كقوله: ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨]، من كَظَم السِّقَاء: إذا شدَّه على هيئته، أو بمعنى فاعل؛ كقوله: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] من كَظَم الغيظ (٤): إذا اجْتَرعه، وأصله من كَظَم البعيرُ جِرَّتَه: إذا ردَّها في جوفه، والكظَم بفتح الظاء: مجرى النفَس. * * * (٨٥) - ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾. ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ﴾ جوابُ القسم: ﴿تَفْتَأُ﴾ حُذفت منه (لا)، وحذفُها جائز لأنها لا تَلتبِس بالإثبات، إذ لو كان إثباتًا بعد القسم لقيل: لتَفْتأنَّ؛ إذ لا بد في الإثبات

стр. 2259

من اللام والنون، فقرينةُ النفي خلوُّه عن علامة الإثبات، والمعنى: لا تزال، واسمها ضمير الخطاب، و ﴿تَذْكُرُ﴾ خبرُ ﴿تَفْتَأُ﴾؛ أي: لا تزال تذكر تفجُّعًا عليه. ﴿تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾: مريضًا مشرِفًا على الهلاك، وقيل: الحرَض: الذي أذابه همٌّ أو مرضٌ، وهو في الأصل مصدرٌ، ولذلك يستوي (١) فيه الواحد والجمع والمذكَّر والمؤنث، والنعت بالكسر كدَنِفٍ ودَنِقٍ، وقد قرئ بضمتين كجنب (٢). ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ الهلاك: ذهاب الشيء بحيث لا يَدري (٣) الطالب له أين هو؟ فالميت هالكٌ لهذا (٤) المعنى، ويطلق على الواله (٥) لشيء وهو المراد هاهنا، ولهذا أخِّر، فإنه لو أريد المعنى الأولُ لكان حقّه التقديم. * * * (٨٦) - ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي﴾ البث: أصعب الهم الذي لا يقدر صاحبه أن يكتمه فيبثُّه، أي: ينشره. ﴿وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾، أي: لا أشكو إلى أحد منكم ولا من غيركم، إنما أشكو إلى الله تعالى ملتجئًا إليه، فخلُّوني وشكايتي، وهو معنى تولِّيه عنهم إلى الله تعالى.

стр. 2260

﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: أعلم من لطفه ورحمته أنه يأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب، أو: أعلم من جهة الله تعالى بالوحي. ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من حياة يوسف ﵇. قيل: إنه رأى ملك الموت في منامه، فسأله: هل قبضت روح يوسف؟ فقال: لا والله، هو حيٌّ فاطلبه (١). وقيل: علم من منامِ يوسف أنه لا يموتُ حتى يسجدَ له أبوه وإخوتُه (٢). * * * (٨٧) - ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾. ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾: فتعرَّفوا (٣) منهما، وتفحَّصوا عن حالهما. والتحسُّس: الاستقصاء، وهو الطلب بالحواسِّ، وقرئ بالجيم من الجَسِّ (٤) وهو الطلب، ومنه: الجاسوس. أمَرهم بطلب يوسف بالبصَر لعلهم يَرَوْنه وبالأُذن لعلهم يسمعون ذكرَه.

стр. 2261

﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾: ولا تقنطوا من فرجه وتنفيسه، وقرئ: (من رُوح الله) (١)؛ أي: من رحمته التي يُحيي بها العباد. ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ بالله تعالى وصفاته، فإن العارف لا يقنط من رحمة الله في شيء من الأحوال. * * * (٨٨) - ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾. ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾، أي: على يوسف ﵇ بعد ما رجعوا إلى مصر رجعةً ثانية. ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾: الهزال من شدة الجوع. ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾: مدفوعةٍ، يدفعُها كلُّ تاجر رغبةً عنها واحتقارًا لها، من أَزْجَيْتُه: إذا دفعْتَه وطردْتَه، والريح تُزْجي السحاب، قيل: كانت بضاعتهم دراهم زُيوفًا لا تُؤخذ إلا بوضيعةٍ، وقيل غيرُ ذلك. ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ التمَسوا منه إيفاءَ الكيل بعد ما قدَّموا باعث الشفقة ومُوجِبَ المرحمة، ولذلك صدَّره بأداة التفريع. ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ أي: بالمسامحة والإغماض عن رداءة البضاعة، أو: زدنا على حقنا، فسمَّوا ما هو فضلٌ وزيادةٌ لا تلزمه صدقةً تمسكُنًا (٢) وتواضعًا له، فلا دلالة فيه على عدم اختصاص حرمة الصدقة لنبينا ﵇.

стр. 2262

نزَّلوا أنفسهم (١) أَوضع منزلٍ، كأنهم قالوا: إن لم نَستوجِب معاملة البيع والشراء، فقد استَوجَبنا بذل العطاء، وعلى الله المكافأة والجزاء ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ أحسن الجزاء. والتصدُّق: التفضُّل مطلَقًا، ومنه قوله ﵇ في القصر: "هذه صدقة تصدَّق الله عليكم فاقبَلوا صدقته" (٢)، لكنه اختصَّ عُرفًا بما يُبتغى به ثوابٌ من الله تعالى. * * * (٨٩) - ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾. ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ سؤالٌ عن الملزوم وإرادة اللازم، أي: هل تبتم عن ذلك ورجعتم إلى الله تعالى؟ فهو شفقةٌ عليهم وتنصُّحٌ لهم في الدِّين كما هو عادة الأنبياء ﵈، لا معاتبةٌ. والتثريب: إيثار الحق لله تعالى على حق نفسه، ولذلك قال: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: ٩٢]، فلا يناسب تقديرَ القبح على أن يكون المعنى: هل علمتم قبحَ ما فعلتم؛ لأنَّه لا يخلو عن نوعِ توبيخ وتثريبٍ. والمراد من فعلهم بأخيه: إفرادهم (٣) إياه عنه، وإذلاله حتى كان لا يستطيع أن يكلِّمهم إلا بعجزٍ وذلة. ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ عاقبتَه، فلذلك أقدَمْتُم عليه، وإنما قال ذلك اعتذارًا

стр. 2263

من جانبهم، وإظهارًا للشفقة في حقِّهم، حتى يؤثر تنصيحُه لهم وتحريضُه إياهم على التوبة. وقيل: أعطَوه كتاب يعقوب ﵇ في تخليص بنيامين، وذكروا له ما هو فيه من الحزن على فَقْد يوسفَ وأخيه، فقال لهم ذلك. وإنما جهَّلهم لا لأنهم حينئذ كانوا صبيانًا؛ لأنَّه لا يطابق الواقع وينافي ما تقدم من قولهم: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾، بل لأنَّ فعلَهم فِعْلُ الجهَّال (١). * * * (٩٠) - ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ استفهامُ تقرير، ولذلك حقِّق بـ (إنَّ) واللام، ويدل عليه قراءة: ﴿إِنَّكَ﴾ (٢) على الإيجاب، وهذا كلامُ متعجِّبٍ مستغرِبٍ لِمَا سمع فهو يكرر الاستثبات (٣). قيل: عرفوه بروائه وشمائله حين كلمهم. وقيل: تبسم وعرفوه بثناياه. وقيل: رفع التاج عن رأسه فرأوا علامةً بقرنه شِبْهَ الشامة البيضاء، وكانت لسارة ويعقوب ﵇ مثلُها.

стр. 2264

﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ﴾ إنما قال: ﴿وَهَذَا أَخِي﴾ حين سألوه عن نفسه بيانًا لِمَا سألوه عنه؛ أي: هذا أخي من أبي وأمي، وتفخيمًا له، وإدخالًا في قوله: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾؛ أي: بالسلامة والكرامة، والاجتماعِ بعد التفرقة، والأُنس بعد الوحشة. ثم ذكر أن السبب من الله هو التقوى والصبرُ، فقال على طريقة الاستئناف التعليلي: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ﴾ الله في أموره ﴿وَيَصْبِرْ﴾ على بلاياه، أو على الطاعات وعن المعاصي. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وضع ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ موضع (هم) للتنبيه على أن المتَّقيَ الصابر هو المحسِنُ، والتسجيلِ عليهم بالإحسان. * * * (٩١) - ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾. ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾: فضَّلك علينا بالتقوى والصبر وسيرةِ أهل الإحسان. ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾: والحالُ أنَّ شأننا أنْ كنَّا متعمِّدين الإثم، فلذلك أعزَّك بالملك وأذلَّنا بالتَّمسْكُن بين يديك. * * * (٩٢) - ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ تفعيلٌ من الثَّرْب: وهو الشحم (١) الذي هو غاشيةُ

стр. 2265

الكَرِش، ومعناه: إزالة الثَّرْب؛ كما أن التجليد إزالةُ الجِلد، فضُرب مثلًا للتقريع الذي يمزِّق العِرْض ويَذهب بماء الوجه. و ﴿تَثْرِيبَ﴾ اسم ﴿لَا﴾، و ﴿عَلَيْكُمُ﴾ الخبر، و ﴿الْيَوْمَ﴾ منصوبٌ بالعامل في الخبر؛ أي: لا تثريبَ مستقرٌّ عليكم اليوم، ولا يجوز تعلُّقه بالتثريب؛ لأنَّه مصدر وقد فُصِل بينه وبين معموله، ولا يجوز ذلك لأن معمول المصدر من تمامه، والمعنى: لا أثرِّبُكم اليومَ الذي هو مَظِنَّتُه، فما ظنُّكم بسائر الأيام؟ ثم دعا لهم بالمغفرة بقوله: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾. ويجوز تعليق الظرف (١) بـ ﴿يَغْفِرُ﴾، أي: أبشِّركم بغفران الله تعالى عاجلًا لِمَا تجدَّد اليوم من توبتكم وندمكم على خطيئتكم. ولما دعا لهم بالمغفرة أخبر عن الله بالصفة التي هي سبب الغفران بقوله: ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ لأنَّه يغفر الصغائر والكبائر، ويتفضل على التائب فيُرجى منه قبول دعائه لهم بالمغفرة. ويروى أن أخوته لمَّا عرفوه أرسلوا إليه وقالوا: إنك تدعوننا بالبكرة والعشيِّ إلى الطعام، ونحن نستحي منك لِمَا فرَط منا فيك، فقال: إن أهل مصر كانوا ينظرون إليَّ بالعين الأولى، ويقولون: سبحان الله مَن بلَّغ عبدًا بيع بعشرين درهمًا ما بلَغ، ولقد شَرفْتُ بكم وعظُمْتُ في عيونهم حيث علموا أنكم إخوتي، وأني (٢) من حَفَدة إبراهيم. * * *

стр. 2266

(٩٣) - ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾ القميص الذي كان عليه. وقيل: هو القميص المتوارَث، أمره جبريل ﵇ أنْ أرسِلْه إليه فإنَّ فيه (١) ريح الجنة لا يقع على مبتلًى ولا سقيمٍ إلا عُوفي. ﴿فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾، أي: يَصِرْ بصيرًا، كقولك: جاء البناءُ محكَمًا؛ أي: صار محكَمًا، ودليله: ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾، أو: يأتي إليَّ وهو بصير، وينصره: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾؛ أي: بأبي وآله جميعًا، ولا حاجة إلى التغليب على أن يكون المعنى: وأتوني أبي وأنتم؛ لأن أباهم لمَّا كان شيخًا كبيرًا عاجزًا عن الكسب كان داخلًا في أهلهم. * * * (٩٤) - ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ يقال: فصَل من البلد يَفصِل فصولًا: إذا انفصل منه وجاوز حيطانه، وهو لازم، و: فصَل الشيءَ فصلًا: فَرَّقه، وهو متعدٍّ. والمعنى: انفصلت ﴿الْعِيرُ﴾ من عريش مصر، ومن غفَل عن التفصيل المذكور قال: أصله: فصَل نفسَه عنه، ولمَّا كثر حذفُ مفعولِه صار كاللازم. ﴿قَالَ أَبُوهُمْ﴾ لمن حضره: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ أوجده الله ما عَبِق بقميصه من ريح يوسف ﵇ حين أقبل به يهوذا من ثمانين فرسخًا.

стр. 2267

﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ التفنيد: النسبة إلى الفَنَد، وهو نقصان عقلٍ كامل يحدث من الهرم، يقال: شيخٌ مفنَّد؛ أي: قد فسَد رأيه، ولا يقال: عجوز مفنَّدةٌ؛ لأن المرأة لم يكن لها قط رأي أصيل فيدخلَه التفنيد. وجواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوف؛ أي: لولا نسبتُكم إياي إلى الخرف لصدَّقتموني. * * * (٩٥) - ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾. ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾: لفي ذهابك عن الصواب قُدُمًا بالإفراط في يوسف وإكثارِ ذكره والتوقُّعِ للقائه. * * * (٩٦) - ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ وهو يهوذا، روي أنه قال: كما أحزَنْتُه بحمل قميصه الملطَّخ بالدم أُفرحه (١) بحمل هذا إليه. ﴿أَلْقَاهُ﴾: طرح البشير القميص ﴿عَلَى وَجْهِهِ﴾: على وجه يعقوب ﵇، أو: طرح يعقوبٌ ﵇ نفسه. ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾: عاد بصيرًا لِمَا انتعش فيه من القوة. ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من حياة يوسف ﵇ وإنزال الفرج.

стр. 2268

وقيل: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ﴾ كلام مبتدأ، والمقول: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ أو: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾. * * * (٩٧) - ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾. ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ ومن حق المعترِف بذنبه أن يُصفح عنه ويُسأل له المغفرة. * * * (٩٨) - ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ أخَره إلى أن يستحلَّ لهم من يوسف ﵇، أو يعلمَ أنه عفا عنهم؛ لأن عفو المظلوم شرطُ المغفرة، ويؤيده ما روي: أنه استقبل القبلة قائمًا يدعو، وقام يوسف خلفه يؤمِّن، وقاموا خلفهما أذلةً خاشعين، حتى نزل جبريل ﵇ وقال: إن الله قد أجاب دعوتك في ولدك، وعقد مواثيقهم بعد ذلك على النبوة. وهو إنْ صح فدليلٌ على نبوتهم، وأن ما صدر عنهم كان قبل استنبائهم. وأما ما قيل: أخره إلى السحر، أو إلى صلاة الليل، أو إلى ليلة الجمعة، تحريًا لوقت الإجابة، فيأباه: ﴿سَوْفَ﴾ لأنها أبلغُ في التنفيس من السين، وعلى ما ذكر حقُّ العِدَة أن يكون بالسين. ولمَّا وعدهم بالاستغفار رجَّاهم (١) بحصول الغفران بقوله: ﴿نَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ يغفر المعاصيَ ﴿الرَّحِيمُ﴾ يرحم العاصيَ إذا تاب واستغفر.

стр. 2269

(٩٩) - ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾. ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ﴾ قيل: وجَّه يوسفُ إلى أبيه أموالًا ليتجهز إليه بمن معه، واستقبله يوسف ﵇ والملِك وأهلُ مصر بأجمعهم، وكان أولاده الذين دخلوا معه مصر اثنين وسبعين رجلًا وامرأة (١). ﴿آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ ضم إليه أباه وخالته واعتنقهما (٢)، نزلها منزلة الأم كتنزيل العم منزلة الأب في قوله: ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] أو لأن يعقوب ﵇ تزوجها بعد أمه، والرابَّة (٣) تدعى أمًا. وقال الحسن وابن إسحاق: كانت أمه بالحياة (٤). وعلى هذا لا حاجة إلى التأويل. ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ والدخول الأول كان في موضعٍ خارج البلد، كأنه ضُرب لهم مضربٌ أو بيت حين استقبلهم في الطريق فدخلوا فيه. ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ من القحط وأصناف المكاره، والمشيئة متعلقة بالدخول المكيَّف بالأمن؛ لأن القصد إلى اتصافهم بالأمن في دخولهم. * * *

стр. 2270

(١٠٠) - ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾؛ أي: رفعهما على السرير، وخصَّهما بذلك تكرمةً لهما دون إخوته. ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ تحيةً وتكرمةً له، فإن السجود كان عندهم يجري مجراها، والواو لأبويه ولأخوته، والرفع مؤخَّر عن الخرور وإن قدِّم لفظًا للاهتمام بتعظيمه لهما، والواو لا تفيد الترتيب. وقيل: معناه: خروا لأجله سجدًا لله. وقيل: الضمير لله. ويأباهما قوله: ﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ رأيتُها أيام الصبا ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ صدقًا؛ إذ لا مطابقة حينئذ بين الرؤيا والواقع. ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ حمَله على (لَطَف) حَمْلَ النظير على النظير فعدَّاه بالباء، وإلا فـ (أَحْسَنَ) أصله أن يتعدى بـ (إلى) أو باللام، وأما التضمين فلا يناسب المقام؛ لأن أحدهما يُغني عن الآخر فلا فائدة في الجمع بينهما. ﴿إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ لم يذكر الجبَّ اكتفاءً بدلالة النزغ الآتي ذكرُه عليه، لا صفحًا عن ذكرِ ما تعلَّق بفعل إخوته لئلا يكون تثريبًا عليهم؛ لأنَّه على تقدير أن يكون خطابه ﵇ لأبيه بمسمَعٍ منهم، ولا دلالة في الكلام عليه. ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾: من البادية؛ لأنهم كانوا أصحاب المواشي وأهلَ

стр. 2271

عَمَدٍ، عَدَّ نقلهم من البدو نعمةً أخرى، وفي الحديث عن رسول الله ﵇: " مَن يُردِ الله به خيرًا ينقله من البادية إلى الحاضرة" (١)، أي: أصلح حالكم. ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾؛ أي: أفسد بيننا وأغوى. نزغ بمعنى: نَخَس، من نَخَس الرائض الدابَّة، وحمله على الجري. وإنما ذكر هذا القَدْر من أمر إخوته لأن النعمة إذا جاءت إثر بلاءٍ وشدةٍ كانت أحسنَ موقعًا. وليت شعري مَن قال: عدم ذكر الجب للاحتراز عن التثريب عليهم، ما يقول (٢) في ذكر الفساد الواقع بينه وبينهم؟! والعجَبُ أنه قال في تفسير قوله: ﴿مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ قُبْحَ ما فعلتم به، والتثريب فيه أظهر منه في ذكر الجب. ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾؛ أي: لطيف التدبير لِمَا يشاء من الأمور، ما من صعب إلا وتَنْفُذ فيه مشيئتُه ويتسهَّل بلطف تدبيره. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ بوجوه المصالح والتدابير ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي يفعل كلَّ شيء على وجه تقتضيه الحكمة. * * * (١٠١) - ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾. ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ بعضَ الملك، وهو ملك مصر، ومَن قال: أو بعض

стр. 2272

ملك مصر (١)، فكأنه غفل عن قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ [يوسف: ٥٦]. ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ بعضَ تأويلها؛ لأنَّه ﵇ لم يؤتَ تأويل جميع الكتب والرؤيا. ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مبدعَهما، وانتصابُه على الصفة أو على النداء. ﴿أَنْتَ وَلِيِّي﴾ ناصري، أو متولي أمري ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أو الذي تتولاني بالنعمة فيهما. ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ لمَّا عدَّد نعَم الله تعالى تشوَّق إلى لقاء ربه ولحاقِه بصالحي سلفه، ورأى أن الدنيا كلَّها (٢) فانية فتمنى الموت. وقيل: لما رأى أمره إلى (٣) الكمال، علم أنه على الزوال، فسأل سعادة الانتقال، وليس فيه سؤالُ التوفِّي للحال، بل سؤالُ الختم على الإسلام متى كان، فتوفاه الله طيبًا طاهرًا. ولقد توارثت الفراعنة بعده مصر، ولم يزل بنو إسرائيل تحت أيديهم على بقايا دين يوسف وآبائه ﵈ إلى أن بعث الله تعالى موسى ﵇. ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ من آبائي، أو على العموم، وفيه إشكال وهو: أن الصلاح أول درجات المؤمنين، ويوسفُ ﵇ من أكابر الأنبياء، فكيف يليق به أن يطلب البداية؟

стр. 2273

وحلُّه: أن النفوس المفارِقة إذا أشرقت بالأنوار الإلهية وكانت متناسبةً، انعكس النور من كل واحدة منها إلى الأخرى؛ كالمرايا الصقيلة إذا اجتمعت انعكست الصورة من كل واحدة إلى الأخرى، وحينئذ يقوى الضوء وتكمل السعادة، ومَن لم يتنبه لهذا قال: في الرتبة والكرامة (١). قيل: المراد منها عند ذكرها على الإطلاق الأنبياءُ ﵈، لكمال حالهم واستجماع خصال كمال (٢) الخير فيهم. * * * (١٠٢) - ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذكر من نبأ يوسف ﵇، والخطاب فيه للرسول ﷺ وهو مبتدأ ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ خبران، وإن جعلتَ اسم الإشارة بمعنى الموصول فـ ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ صلتُه، والخبر ﴿نُوحِيهِ﴾؛ أي: الذي من أنباء الغيب نوحيه إليك. ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ كالدليل عليهما، والمعنى: إن هذا النبأ غيبٌ لم تعرفه إلا بالوحي؛ لأنك لم تحضر إخوةَ يوسف حين عزموا على مأ همُّوا به من أن يجعلوه في غيابة الجب. ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ به، ويبغون به الغوائل، وبأبيه ليرسله معهم، جملة حالية.

стр. 2274

وتفصيل ذلك: أن إخباره ﵇ عن هذه القصة لا يكون إلا عن مشاهدةٍ أو نقل أو وحي، ولم يَخْفَ على أحد من المكذِّبين أنه ﵇ لم يكن من حَمَلة هذا الخبر ولا أمثالِه عن قومه، فاستغني عن ذكره لظهوره، فكان الشك في انتفاء المشاهدة أوقعَ من الشك في أنه لم يسمعها من أحد، ولذكره في غير هذه القصة كقوله: ﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ﴾ [هود: ٤٩] فإذا انتفت المشاهدة لم يبق إلا الوحي، ونحوه: ﴿) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ [القصص: ٤٤]. * * * (١٠٣) - ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ قال ابن عباس ﵄: يريد أهل مكة. ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ وتهالَكْتَ على إيمانهم، وبالغت في إظهار الآيات عليهم. ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ لعنادهم وتصميمهم على الكفر. * * * (١٠٤) - ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾. ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْه﴾؛ أي: على ما تحدِّثهم به ﴿مِنْ أَجْر﴾ من جُعلِ كما يفعله حملة الأخبار ونقلة الآثار. ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ﴾: عِظَةٌ من الله تعالى ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ عامة. * * * (١٠٥) - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾.

стр. 2275

﴿وَكَأَيِّنْ﴾ أيّ عدد (١) ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ دالةٍ على وجود الصانع وتوحيده، وكمال قدرته وحكمته. ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾: على الآيات ويشاهدونها، والمراد: ما يرون من آثار الأمم الهالكة، وغير ذلك من العبر والدلائل. ﴿وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ لا يتفكَّرون فيها ولا يعتبرون بها، فلا غَرْوَ أن يُعْرِضوا عن الآيات التي تأتيهم بها. وقرئ: (والأرضُ) بالرفع (٢) على أنه مبتدأ خبره ﴿يَمُرُّونَ﴾، فيكون لها الضمير في ﴿عَلَيْهَا﴾. وبالنصب (٣) على: ويطؤون الأرض. وقرئ: (والأرض يمشون عليها) (٤)، أي: يتردَّدون فيرون مشاهد الهالكين وآثارها من المالكين أقطارها. * * * (١٠٦) - ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُون﴾. ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ﴾ في إقرارهم بوجوده وخالقيَّته للكل ﴿إِلَّا وَهُمْ

стр. 2276

مُشْرِكُونَ﴾ بعبادة غيره من الأوثان، أو باتخاذ الأحبار أربابًا، أو القول (١) باتخاذه للولد، أو القول بالنور والظلمة، وأمثالِ ذلك. جملة حالية؛ أي: إيمانهم ملتبِسٌ بالشرك. وعن ابن عباس ﵄: هم الذين يشبِّهون الله بخلقه (٢). * * * (١٠٧) - ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. ﴿أَفَأَمِنُوا﴾ استفهامُ إنكار فيه معنى التوبيخ والتهديد، والفاء للترتيب على ما تقدم، وهو مقدَّمٌ في الاعتبار. ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾: عقوبةٌ تَغْشاهم وتشمَلُهم ﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾؛ أي: يومُ القيامة ﴿بَغْتَةً﴾: فجأةً من غير سابقةِ علامةٍ ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بإتيانها، غيرَ مستعدِّين لها، تأكيد لقوله: ﴿بَغْتَةً﴾. * * * (١٠٨) - ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾؛ أي: هذه السبيلُ التي هي الدعوةُ إلى الإيمان والتوحيدِ سبيلي. ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾؛ أي: أدعوا إلى دينه في حالة كوني على حُجةٍ

стр. 2277

واضحة غيرِ عمياء، حالٌ من الياء في ﴿سَبِيلِي﴾ والعاملُ معنى الإشارة في ﴿هَذِهِ﴾، أو بيان وتفسير لسبيله. و ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ حالٌ من المستكنِّ في ﴿أَدْعُو﴾ و. و ﴿أَنَا﴾ تأكيد له ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ عطف عليه؛ أي: أدعوا إلى الله أنا ويدعو إليه مَن اتبعني، أو مرفوعٌ بما في الظرف من معنى الفعل على الفاعلية؛ أي: كائنًا أو ثابتًا على بصيرة أنا ومَن اتبعني، أو مبتدأ خبره ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ والجملة ابتداءُ إخبار بأنه ومَن تبعه على حجةٍ وبرهان لا على هوًى كغيرهم. ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾: وأنزِّهه تنزيهًا من الشركاء ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ فيه تعريف بأنهم هم المشركون. * * * (١٠٩) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ ردٌّ لقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾. وعن ابن عباس ﵄: معناه نفيُ استنباء النساء (١). ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ مما أُوحي إليك، وتميَّزوا بذلك عن غيرهم، وقرئ: ﴿نُوحِي﴾ بالنون (٢).

стр. 2278

﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ لأنهم أعلمُ وأحلمُ من أهل البدو، فإن فيهم الجهلَ والجفاءَ والقسوةَ، ولا دلالة في قوله: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ على أن يعقوب ﵇ من أهل البدو، وإنما دلالته على أنه ﵇ كان في البدو ساكنًا لمصلحة مواشيه. ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من المكذِّبين بالرسل والآيات، فيَحْذَروا تكذيبَك، أو: من المشغوفين بالدنيا المتهالِكِين عليها فينقلبوا عن حبها. ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾؛ أي: دارُ الساعة أو الحياة أو الحالة الآخرة ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الشركَ والمعاصيَ، حضٌّ على العمل لدار الآخرة والاستعداد لها. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: يستعملون عقولهم ليعلموا أنها خير، وقرئ بالتاء (١) حملًا على قوله: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾، أي: قل لهم: أفلا تعقلون. * * * (١١٠) - ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾. ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ غايةٌ لمحذوفٍ دل عليه الكلام، أي: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا مثلَكَ يبلِّغون الرسالة ويوضِّحون الدلالة، فتراخى نصرُهم حتى إذا استيأسوا عن النصر وعن إيمان قومهم ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ أي: كذَبتهم أنفسُهم حين حدَّثتهم بأنهم ينصرون، أو كذَبهم قومهم بوعد الإيمان؛

стр. 2279

أي: لا يغرَّنَّ قريشًا تمادي أيامهم، فإن الرسل قبلك قد تطاول عليهم مدةُ التكذيب وعداوةُ الكفار وانتظارُ النصر، حتى استشعروا القنوط، وتوهَّموا أن لا نصرة لهم في الدنيا. وعن ابن عباس ﵄: وظنوا حين ضعُفوا وغُلبوا أنهم قد أُخلفوا ما وعدهم من النصر، وقال: كانوا بشراً، وتلا قوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقد رواه البخاري في "صحيحه" (١). فقيل في تصحيحه: أراد بالظن ما يَهْجس في القلب على سبيل الوسوسة وحديثِ النفس بحكم البشرية، لا الظنَّ بمعنى الاعتقاد الراجح فإنه غيرُ جائز على آحاد المسلمين فكيف بالرسل؟ ويجوز أن يراد به المبالغةُ في التراخي والإمهال على سبيل التمثيل. وقيل: فظن المرسَلُ إليهم أن الرسل قد كذِبوا؛ أي: أُخلفوا. وقيل: الضميران للمرسل إليهم؛ أي: ظنَّ المرسل إليهم أنهم قد كُذبوا من جهة الرسل؛ أي: كذَبهم الرسلُ (٢) في أنهم يُنصرون عليهم. وقرئ بالتشديد (٣)؛ أي: وظنَّ الرسل أنهم قد كذَّبهم قومهم فيما أَوعدوهم من العذاب والنصرة عليهم.

стр. 2280

وقرئ: (كَذَبوا) بالتخفيف على البناء للفاعل (١)؛ أي: وظن الرسل أنهم قد كذَبوا فيما أَوعدوا به قومهم من النصرة عليهم، إما على تأويل ابن عباس ﵄، وإما على أنهم كذَبوا عند قومهم؛ لأنهم إذا لم يروا لوعدهم أثراً قالوا: إن الرسل قد كذَبوا، فيكونون كاذبين عند قومهم؛ أي: وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذَبوا. ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ بغتةً ﴿فَنُجِّيَ﴾ على لفظ الماضي المبنيٍّ للمفعول، وقرئ: ﴿فنُجي﴾ بالتخفيف (٢) والتشديد (٣)، من أنجاه ونجَّاه، وقرئ: (فنجا) (٤). ﴿مَنْ نَشَاءُ﴾: الرسل والمؤمنين، وإنما أبهم تعظيمًا لهم، وتنبيهًا على أنهم هم الذين يستأهلون أن يشاء الله نجاتهم ولا يشاركهم فيه غيرهم، ثم بين ذلك بقوله: ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ إيذانًا بأن العذاب مخصوصٌ بالمجرمين لازمٌ لهم فيلزم نجاة أضدادهم من الرسل وأتباعهم. ومفعول ﴿نَشَاءُ﴾ محذوف تقديره: نشاء تنجيتَه. * * *
следующие страницы →