مُشْرِكُونَ﴾ بعبادة غيره من الأوثان، أو باتخاذ الأحبار أربابًا، أو القول (١) باتخاذه للولد، أو القول بالنور والظلمة، وأمثالِ ذلك. جملة حالية؛ أي: إيمانهم ملتبِسٌ بالشرك.
وعن ابن عباس ﵄: هم الذين يشبِّهون الله بخلقه (٢).
* * *
(١٠٧) - ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
﴿أَفَأَمِنُوا﴾ استفهامُ إنكار فيه معنى التوبيخ والتهديد، والفاء للترتيب على ما تقدم، وهو مقدَّمٌ في الاعتبار.
﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾: عقوبةٌ تَغْشاهم وتشمَلُهم ﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾؛ أي: يومُ القيامة ﴿بَغْتَةً﴾: فجأةً من غير سابقةِ علامةٍ ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بإتيانها، غيرَ مستعدِّين لها، تأكيد لقوله: ﴿بَغْتَةً﴾.
* * *
(١٠٨) - ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾؛ أي: هذه السبيلُ التي هي الدعوةُ إلى الإيمان والتوحيدِ سبيلي.
﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾؛ أي: أدعوا إلى دينه في حالة كوني على حُجةٍ
стр. 2277
واضحة غيرِ عمياء، حالٌ من الياء في ﴿سَبِيلِي﴾ والعاملُ معنى الإشارة في ﴿هَذِهِ﴾، أو بيان وتفسير لسبيله.
و ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ حالٌ من المستكنِّ في ﴿أَدْعُو﴾ و.
و ﴿أَنَا﴾ تأكيد له ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ عطف عليه؛ أي: أدعوا إلى الله أنا ويدعو إليه مَن اتبعني، أو مرفوعٌ بما في الظرف من معنى الفعل على الفاعلية؛ أي: كائنًا أو ثابتًا على بصيرة أنا ومَن اتبعني، أو مبتدأ خبره ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ والجملة ابتداءُ إخبار بأنه ومَن تبعه على حجةٍ وبرهان لا على هوًى كغيرهم.
﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾: وأنزِّهه تنزيهًا من الشركاء ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ فيه تعريف بأنهم هم المشركون.
* * *
(١٠٩) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ ردٌّ لقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾.
وعن ابن عباس ﵄: معناه نفيُ استنباء النساء (١).
﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ مما أُوحي إليك، وتميَّزوا بذلك عن غيرهم، وقرئ: ﴿نُوحِي﴾ بالنون (٢).
стр. 2278
﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ لأنهم أعلمُ وأحلمُ من أهل البدو، فإن فيهم الجهلَ والجفاءَ والقسوةَ، ولا دلالة في قوله: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ على أن يعقوب ﵇ من أهل البدو، وإنما دلالته على أنه ﵇ كان في البدو ساكنًا لمصلحة مواشيه.
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من المكذِّبين بالرسل والآيات، فيَحْذَروا تكذيبَك، أو: من المشغوفين بالدنيا المتهالِكِين عليها فينقلبوا عن حبها.
﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾؛ أي: دارُ الساعة أو الحياة أو الحالة الآخرة ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الشركَ والمعاصيَ، حضٌّ على العمل لدار الآخرة والاستعداد لها.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: يستعملون عقولهم ليعلموا أنها خير، وقرئ بالتاء (١) حملًا على قوله: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾، أي: قل لهم: أفلا تعقلون.
* * *
(١١٠) - ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾.
﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ غايةٌ لمحذوفٍ دل عليه الكلام، أي: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا مثلَكَ يبلِّغون الرسالة ويوضِّحون الدلالة، فتراخى نصرُهم حتى إذا استيأسوا عن النصر وعن إيمان قومهم ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ أي: كذَبتهم أنفسُهم حين حدَّثتهم بأنهم ينصرون، أو كذَبهم قومهم بوعد الإيمان؛
стр. 2279
أي: لا يغرَّنَّ قريشًا تمادي أيامهم، فإن الرسل قبلك قد تطاول عليهم مدةُ التكذيب وعداوةُ الكفار وانتظارُ النصر، حتى استشعروا القنوط، وتوهَّموا أن لا نصرة لهم في الدنيا.
وعن ابن عباس ﵄: وظنوا حين ضعُفوا وغُلبوا أنهم قد أُخلفوا ما وعدهم من النصر، وقال: كانوا بشراً، وتلا قوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقد رواه البخاري في "صحيحه" (١).
فقيل في تصحيحه: أراد بالظن ما يَهْجس في القلب على سبيل الوسوسة وحديثِ النفس بحكم البشرية، لا الظنَّ بمعنى الاعتقاد الراجح فإنه غيرُ جائز على آحاد المسلمين فكيف بالرسل؟
ويجوز أن يراد به المبالغةُ في التراخي والإمهال على سبيل التمثيل.
وقيل: فظن المرسَلُ إليهم أن الرسل قد كذِبوا؛ أي: أُخلفوا.
وقيل: الضميران للمرسل إليهم؛ أي: ظنَّ المرسل إليهم أنهم قد كُذبوا من جهة الرسل؛ أي: كذَبهم الرسلُ (٢) في أنهم يُنصرون عليهم.
وقرئ بالتشديد (٣)؛ أي: وظنَّ الرسل أنهم قد كذَّبهم قومهم فيما أَوعدوهم من العذاب والنصرة عليهم.
стр. 2280
وقرئ: (كَذَبوا) بالتخفيف على البناء للفاعل (١)؛ أي: وظن الرسل أنهم قد كذَبوا فيما أَوعدوا به قومهم من النصرة عليهم، إما على تأويل ابن عباس ﵄، وإما على أنهم كذَبوا عند قومهم؛ لأنهم إذا لم يروا لوعدهم أثراً قالوا: إن الرسل قد كذَبوا، فيكونون كاذبين عند قومهم؛ أي: وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذَبوا.
﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ بغتةً ﴿فَنُجِّيَ﴾ على لفظ الماضي المبنيٍّ للمفعول، وقرئ: ﴿فنُجي﴾ بالتخفيف (٢) والتشديد (٣)، من أنجاه ونجَّاه، وقرئ: (فنجا) (٤).
﴿مَنْ نَشَاءُ﴾: الرسل والمؤمنين، وإنما أبهم تعظيمًا لهم، وتنبيهًا على أنهم هم الذين يستأهلون أن يشاء الله نجاتهم ولا يشاركهم فيه غيرهم، ثم بين ذلك بقوله:
﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ إيذانًا بأن العذاب مخصوصٌ بالمجرمين لازمٌ لهم فيلزم نجاة أضدادهم من الرسل وأتباعهم.
ومفعول ﴿نَشَاءُ﴾ محذوف تقديره: نشاء تنجيتَه.
* * *
стр. 2281
(١١١) - ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ﴾: في قصص الأنبياء ﵈ وأممهم، أو في قصة يوسف وإخوته.
﴿عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ لذوي العقول المبرَّأة عن شوائب (١) الإلف والركونِ إلى الحس.
﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ الضميران للقرآن؛ لقوله:
﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من الكتب الإلهية، وانتصب ﴿تَصْدِيقَ﴾ على أنه خبر (كان) المحذوفة، وإنما جعله نفسَ التصديق مبالغةً في كونه مصدِّقًا لِمَا بين يديه.
﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ عبارةُ ﴿كُلِّ﴾ للتكثير والتفخيم لا للإحاطة والتعميم؛ كما في قو له تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، وقوله: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤]، ومن لم يتنبه لهذا احتاج إلى تخصيص الشيء بالذي يتعلَّق بالدِّين، ثم تكلَّف في بيانه فقال: إذ ما من أمر دينى إلا وله سندٌ من القرآن بوسطٍ أو بغير وسطٍ، ولم يدر أن عبارة التفصيل لا تتحمَّل هذا التأويل.
﴿وَهُدًى﴾ من الضلال ﴿وَرَحْمَةً﴾ يُنال بها خير الدارين.
стр. 2282
وقرئ: (تصديقُ .. وتفصيلُ .. وهدًى ورحمةٌ) كلُّها بالرفع (١)؛ أي: ولكنْ هو تصديقُ، ولكن على هذه القراءة مختلف فيها لعطف الجملة.
﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يصدِّقونه، خصهم بذلك لأنهم هم الذين ينتفعون به كما قال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] (٢).
* * *
стр. 2283
سُورَةُ الرَّعْدِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(١) - ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿المر﴾ قد مر (١) في تفسيرها أقاويل، وقيل: معناه: أنا الله أعلمُ وأَرى.
﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى آيات السورة، وفيها تعظيمٌ لها.
﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ اللام للماهية (٢)، والمراد به السورة؛ أي: تلك الآياتُ العظام آياتُ السورة الكاملةِ العجيبة في بابها.
﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ يعني: القرآنَ كلَّه، ومحلُّه الرفع على الابتداء، وخبره هو: ﴿الْحَقُّ﴾؛ أي: هو الحق الذي لا مزيدَ عليه، لا هذه السورة وحدها، وفي إيقاع الموصول مسندًا إليه تفخيم المنزل (٣).
وفي توسيط (هو) (٤) وتعريفِ ﴿الْحَقُّ﴾ أنه هو الذي إذا تحقَّقْتَ الحقَّ وماهيتَه
стр. 2284
فهو هو لا غير، والمراد الإخبار عنه بكمال حقَيَّته (١) حيث ثبت على مرِّ الدهور ولم يتطرَّق له (٢) التحريف والتغيير، أو ثبت تلاوته وحكمُه بخلاف سائر الكتب الإلهية، فلا دلالة فيه على أن غير المنزل إليه ليس بحق أصلًا، فلا حاجة إلى تعميمه للمنزل ضمناً، بل لا وجه له بعد التصريح بأن المراد منه القرآن كلُّه، على أنه لا يجدي نفعًا في دفع النقض بحقيَّة (٣) ما نزل إلى سائر الأنبياء ﵈.
وفي دَرْجِه في الذي أنزل إليه ﵇ ضمنًا باعتبار أنه نطق بحسن اتّباعه ما لا يخفى من التعسُّف (٤)، وهو بعد اللُّتيَّا والتي يؤدي إلى أن يكون ترك قوله: ﴿إِلَيْكَ﴾ خيرًا من ذكره.
والجملة الثانية كالحجة على الجملة الأولى، وطريقتُها طريقة الأنمارية في الكَمَلة من بني العَبْسي (٥): هم كالحَلْقة المفْرغةِ لا يُدرَى أين طرفاها؛ أي: كما أنها نفت التفاضُل آخِرًا بإثبات الكمال لكل واحد دلالةً على أن كمالَ كلِّ لا يحيط به الوصف وهو إجمال بعد التفصيل لهذا الغرض، كذلك لمَّا أثبت لهذه السورة
стр. 2285
خصوصًا (١) الكمال، استدرك بأن كلَّ المنزَل كذلك، لا يختصُّ به سورةٌ دون أخرى للدلالة المذكورة.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: لا يصدّقون بأنه منزل من الله تعالى؛ لإعراضهم وعن النظر فيه، أو إخلالهم بحق التأمُّل في وجوه إعجازه.
* * *
(٢) - ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾.
﴿اللَّهُ الَّذِي﴾ مبتدأ وخبره (٢)، ويجوز أن يكون الموصول صفةً (٣) والخبر ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾، والأول أولى؛ لأن قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ عطفٌ عليه على سبيل التقابُل بين العُلْويات والسُّفْليات، وفي المقابل تعيين الخبريَّة فكذلك فيه (٤) ليتوافَقَا، ولدلالته على أن كونه كذلك هو المقصود بالحكم، لا أنه ذريعة إلى تحقيق الخبر وتعظيمه (٥) كما هو مقتضَى الوجه الآخر.
﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ﴾؛ أي: خلَقها مرفوعةً، لا أن تكون موضوعةً فرفعها.
стр. 2286
﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾: جمع عماد، كإهابٍ وأَهَبٍ، أو محمود كأَديمٍ وأَدَمٍ، وقرئ: (عُمُدٍ) كرُسُلٍ (١).
والعمود: السارية، وأصله: منع الميل، ومنه: الاعتماد، والأسطون غيرُ مرادف له (٢).
﴿تَرَوْنَهَا﴾ استئنافٌ للاستشهاد برؤيتهم السماوات كذلك.
وقيل: هي صفةٌ لـ ﴿عَمَدٍ﴾. وفيه إيهامُ أن يكون لها عمدٌ غيرُ مرئية، ومقتضى المقام نفيُ العماد أصلًا، وذكره بصيغة الجمع للتعدُّد في السماء.
وقرئ: (ترونه) (٣)، أي: ترون رفعها بغير محمد.
قيل: وهو دليل على وجود الصانع الحكيم، فإن ارتفاعها على سائر الأجسام المساوية لها في حقيقة الجرمية (٤)، واختصاصَها بما يقتضي ذلك لا بد وأن يكون بمخصِّصٍ ليس بجسم ولا جسمانيٍّ يرجح بعض الممكنات على بعض بإرادته، وعلى هذا المنهاج سائر ما ذكر من الآيات.
ولا يخفى أن مبنى تلك الدلالة على ثبوت المساواة المذكورة، ولا دليل عليه لا من جهة العقل ولا من جهة النقل.
стр. 2287
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ بالحفظ والتدبير، ولفظة ﴿ثُمَّ﴾ مستعارةٌ للتراخي في الرتبة.
﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَر﴾، أي: ذلَّلهما وجعلهما طائعَين له غيرَ ممتنعَينِ عليه، وقصَرهما على سَنَنٍ واحد لمنافع عباده ومصالح بلاده؛ لما يوجد بهما من الآثار في الحبوب والثمار.
﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾، أي: كلٌّ منهما يجري لمدةٍ معيَّنة يتم فيها دورُه، فالقمرُ (١) يقطَع الفُلْك في شهرٍ، والشمس في سنةٍ، لا يختلف جَرْيُ واحد منهما كما قال: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٨]، وقال: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥]، أي: بحسابٍ (٢) معلوم لا يختلف.
وهذا أيضًا من جملة التدبيرات لمنافع العباد ومصالح البلاد، بخلاف ما قيل: يجري لغاية مضروبة ينقطع دونها سيرُه، وهي: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ فلا يناسب الفصلَ به بين التسخير والتدبير، ثم إن غايتهما المذكورةَ متحدةٌ، والتعبير بـ ﴿كُلٌّ يَجْرِي﴾ صريح في التعدُّد، وما للغاية (إلى) دون اللام.
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: يدبر أمر ملكوته وربوبيَّته في الإيجاد والتصريف نحو المراد.
﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: يأتي بالآيات الدالة على القدرة والتدبير فصلًا فصلًا للتمكُن من تدبُّر كل آيةٍ على حِدَةٍ.
стр. 2288
﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ فإنَّ مَن تدبَّر هذه الآيات وتفكَّر فيها أيقن أنَّ مَن قدر على خلق هذه الأشياء وتدبيرها قدر على الإعادة والجزاء، فلا بد من الرجوع إليه بمقتضَى وعده.
والجملتان إما حالان من الضمير في قولِه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وقولُه: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ من تتمته؛ لأنَّه تقريرٌ لمعنى الاستواء وتبيينٌ له، وإما مفسِّرتان له.
وفي تعقيب الأوائل بهما (١) للإيقان، والثواني بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢) من فضل السوابق لإفادتها اليقين (٣)، واللواحقُ ذرائع إلى حصوله، لأن الفكر آلتُه، والإشارة إلى تقدم الثواني بالنسبة إلينا مع التأخر رتبةً، وكلُّ ذلك فائت على تقدير جعل الموصول وصفًا.
لمَّا قرر الدلائل السماوية أردفها بتقرير الدلائل الأرضية فقال:
(٣) - ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾؛ أي: بسطها طولًا وعرضًا ليُثبِّت فيها الأقدام، ويتقلَّبَ عليها الحيوان، ولمَّا كان مَظِنّةَ أن يقال: لولا ما فيها من الجبال لكان الثبات فيها أيسرَ، ومواضعُ التقلُّب فيها (٤) أكثر، دفعه ببيان الفائدة في خَلْقها بقوله:
стр. 2289
﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ من الرُّسُوِّ، وهو ثبات الجسم الثقيل وقرارُه، ومنه: أرسى السفينة، والمرسى.
كانت الأرض مضطربةً فثقَّلها الله تعالى بالجبال في أحيازها فزال اضطرابها، كذا قيل.
ولمَّا غلب على الجبال وصفُها بالرواسي صارت الصفةُ تُغني عن الموصوف، فجُمع جَمعَ الاسم؛ كحائطٍ وحوائطَ، وكاهلٍ وكواهلَ.
والتحقيق: أنَّ (فاعل) يجمع على فواعِلَ إذا كان لغير الآدميين؛ نصَّ عليه الجوهري حيث قال: إنَّ فواعلَ جمع فاعلةٍ نحو: ضاربة وضوارب، أو جمع فاعل إذا كان صفةً للمؤنث مثلَ: حائض وحوائض، أو ما إذا كان لغير الآدميين مثل: جملٍ بازلٍ وجمالٍ بوازلَ، وحائطٍ وحوائطَ، فأما مذكَّر ما يعقل فلم يجمع عليه إلا فوارسُ وهوالكُ ونواكسُ (١).
وبهذا التفصيل تبيَّن فساد ما قيل: رواسي جمع راسية، والتاء للتأنيث على أنها صفة أجبُلٍ أو للمبالغة (٢).
﴿وَأَنْهَارًا﴾ الأنهار: المجاري الواسعة، والمراد: ما يجري فيها من المياه، وفي ضمِّها إلى الجبال وتعليقِ الفعل الواحد بهما إيماءٌ إلى أن الجبال أسبابٌ لتولُّدها ولهذا كثُر قِرَان ذكرها بذكرها في القرآن.
стр. 2290
﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾ في قوله: ﴿جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾؛ الزوج (١) قد يكون اسمًا للشفع، وقد يكون اسمًا (٢) للفرد المقارب لشبهه، فأتبعه ﴿اثْنَيْنِ﴾ ليُعلم أنه لم يُرد به الشفع؛ أي: جعل من أنواع الثمرات فيها صنفين متقابلين؛ كا لأبيض والأسود، والحلو والحامض، والكبير والصغير.
وأما ما قيل: خلق فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين زوجين حين مدَّها، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوَّعت، ففيه أنه دعوى بلا دليلٍ، مع أن الظاهر خلافُه، فإن النوع الناطق المحتاجَ إلى الزوجين خُلق ذَكَرُه أولًا، فكيف في الثمرات وتكوُّنُ واحدٍ من كلٍّ أولًا كافٍ في التولُّد؟
وعبارة ﴿كُلِّ﴾ للتكثير، لا للإحاطة حتى يلزم أن يوجد في الأرض صنفين من أنواع الثمرات التي في حيِّز الإمكان.
﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ استعارةٌ تَبَعية؛ فإنه شبَّه إخفاء نور الجو وسترَه بالظلمة التي بالتغشية (٣)، أي: يغطِّي الليلُ النهارَ فيُذهب ضوءَه، ويغشَى النهارُ الليلَ فيُذهب ظلمتَه، فهو مختصر في الذكر مراد في المعنى بدلالة نظائره.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيها، فإن تكوينها وتخصيصَها بوجه دون وجهٍ (٤) دليل على وجود قادر مختار.
* * *
стр. 2291
(٤) - ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾ عدَل عن الضمير إلى الظاهر لأن المتبادِر منه الظرفيةُ كما في قوله: ﴿جَعَلَ فِيهَا﴾ والمراد أن يكون في نفسها كون الجزء في الكل.
﴿قِطَعٌ﴾ و وفي بعض المصاحف: (قطعًا [متجاوراتٍ]) (١) على (٢): وجعل، وحينئذ يكون الاحتياج إلى وجه العدول أظهر.
﴿مُتَجَاوِرَاتٌ﴾: بقاع مختلفةٌ مع كونها متجاورةً متلاصقةً: طيبةً إلى سبخةٍ، وكريمةً إلى زهيدةٍ، ورخوةً إلى صلبةٍ، بعضها يصلح للزرع والضَّرع دون الشجر والثمار، وبعضها بالعكس، وذلك من الدلائل الناطقة بأنه القادر على ما يشاء من تخصيص كلِّ واحدة بخاصيَّةٍ تضادُّ ما للأخرى، مع اتحادها في الطبيعة الأرضية وما يلزمُها وَيعْرِض لها بتوسُّط ما يحدث من الأسباب السماوية من حيث إنها متضامَّة متشاركة في النسب (٣) والأوضاع.
وكذا الكرومُ والزروع والنخيل النابتة في قطعة واحدة من تلك القطاع مختلفةُ الأجناس والأنواع، متفاوتةُ الثمرات في ألوانها وأشكالها وطعومها وروائحها، متفاضلة فيها، وهي تسقى بماء واحدٍ (٤) في أرضٍ واحدة.
стр. 2292
﴿وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾: وبساتينُ فيها أنواع الأشجار والزروع، وتوحيد الزرع لأنَّه مصدر في أصله، والفصل به بين نوعِ جنس واحد وهو من جنسٍ آخر، لِمَا فيه من الفضل حيث كان به قِوام المعاش.
وقرئ: ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾ بالرفع (١) عطفًا على ﴿وَجَنَّاتٌ﴾.
وقرئ: (جناتٍ) (٢) بالنصب عطفًا على ﴿زَوْجَيْنِ﴾، أو بالجر (٣) عطفًا على ﴿كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾.
﴿صِنْوَانٌ﴾: جمع صِنْوٍ، وهي نخلة ذات ساقين تفرَّعا من أصل واحد ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: ومتفرِّقاتٌ (٤) مختلفةُ الأصول. وقرئ: بالضم (٥)، كقنوانٍ في جمع قنو.
﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾ وقرئ: ﴿يُسْقَى﴾ بالياء (٦) على تأويل ما ذُكر إجراءً للضمير مجرى اسم الإشارة.
﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ قرئ بضم الكاف وسكونها، وقرئ:
стр. 2293
(نفضّل) بالنون والياء على بنائين (١)، والبناءُ للفاعل ليطابق ﴿يُدَبِّرُ﴾ (٢).
وإنما خصَّ التفضيل (٣) في الأُكل بالذكر مع وجود (٤) التفاضُل في غيره لأنَّه غالبُ وجوه الانتفاع من الثمرات.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: يستعملون عقولهم للتفكُّر، وفيه إشعارٌ بأن العاقل إذا لم يستعمل عقله لِمَا خلق له فكأنه لا يعقل.
* * *
(٥) - ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
﴿وَإِنْ تَعْجَبْ﴾ يا محمد -أو: يا أيها السامع الموحِّد- من قولهم (٥) في إنكارهم للبعث ﴿فَعَجَبٌ﴾: فحقيقٌ بأنْ يُتعجَّب منه ﴿قَوْلُهُمْ﴾ وتقديم الخبر للتخصيص؛ أي: ما قولهم إلا عجب لا أعجبَ منه؛ لأن مَن قدر على إنشاء ما
стр. 2294
عدِّد من الفِطَر العجيبة كان على الإعادة أقدَر؛ إذ الإعادةُ أهونُ من الإبداء (١) وأيسر، فإنكارهم أعجوبةٌ من أعجب الأعاجيب.
﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا﴾ في محل الرفع بدلًا من ﴿قَوْلُهُمْ﴾، أو في محل النصب بالقول، و (إذا) نصب بما دل عليه قوله: ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾؛ أي: لفي صَدد ذلك بعد ما كنا ترابًا، وهذا أبلغ في الإنكار.
﴿أُولَئِكَ﴾ المنكرون ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾: المتمادون في الكفر بربِّهم؛ لأنهم كفروا بقدرته على البعث.
﴿وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾؛ أي: المصرُّون الذين لا يمكنهم النظر والاستبصار ورفع الرُّؤوس إلى ما دُعوا إليه، وغلُّ الأعناق تمثيلٌ كقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ [يس: ٨]، ويجوز أن يكون وعيداً كما بعده.
﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ في تكرير (أولئك) تعظيم لإنكارهم، وتأكيد في تقبيحه، وبيان لاستيجابهم العذابَ الأبديَّ لذلك؛ أي: إنهم إذا أنكروا ما ثبت بهذه الدلائل الدالة على قدرة المبدئ على الإعادة دلالتَها على الإبداء بل أقوى، فما أقبح إنكارَهم وأشد إصرارهم، وما أحقَّهم بالخلود في النار!
﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: لا ينفكُّون عنها، وتوسيط الفصل لتخصيصِ الخلود بالكفار، فإن عبارته وإن كانت مخصوصةً بصنفٍ منهم، وهم المنكِرون للبعث لكنَّ دلالته تعمُّ سائر الأصناف.
* * *
стр. 2295
(٦) - ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾: بالعقوبة قبل العافية، وذلك أنهم استعجَلوا ما (١) هدَّدهم به من عذابِ الدنيا استهزاءً وإنكارًا.
﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾: عقوباتُ أمثالهم من المكذِّبين، فما لهم لم يعتبِروا بها ولم يحترِزوا حلولَ مثلِها بهم، والمثُلة بوزن السَّمُرة: العقوبةُ؛ لأنها مثلُ المعاقَبِ عليه.
وقرئ: (المَثَلات) على أنها جمع مُثلةٍ؛ كرُكْبةٍ ورَكَبات (٢)، وهي العقوبةُ المستأصِلةُ؛ كقَطْع الأنف والأُذُن ونحوهما.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ﴾ اللامُ للعهد، والمعهود هم المستعجِلون المذكورون، والمراد من المغفرة: السَّتر والإمهال.
﴿عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ في محل النصب على الحال، والعامل فيه المغفرة؛ أي: ظالمين أنفسَهم أيَّ ظالمين، فإن ﴿عَلَى﴾ أبلغ من: مع.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ للظالمين، فلا يُهْمل وإن كان يمهِل، فلا دلالة في الآية على جواز العفو قبل التوبة؛ لأن مبناها على حمل المغفرة على التوبة، وهو غير مسلَّم عند المخالف.
* * *
стр. 2296
(٧) - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ لعنادهم وعدم اعتدادهم بالآيات المنزلة على رسول اللّه ﷺ ، ومكابرتهم (١) مقترحِين مثل آيات موسى وعيسى ﵈.
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾: مرسَل للإنذار والتخويف من سوء العاقبة كغيرك من الرسل، لا للإتيان بما اقتَرحوا عليك، وما عليك (٢) إلا إتيانُ ما تصحُّ به نبوتك من الآيات، والآياتُ كلها سواءٌ في ذلك.
﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾: نبيٌّ مخصوص بمعجزاتٍ من جنس ما هو الغالبُ عليهم، يهديهم إلى الحق بوجهٍ من الهداية التي تخصُّهم، أو: قادرٌ على هدايتهم وهو الله تعالى؛ أي: ما عليك إلا الإنذار، فلا يهمَّنَّك (٣) عنادُهم وإنكارهم للآيات المنزلة عليك، فليس إليك هدايتُهم، ولست بقادر عليها، إنما القادر على ذلك هو الله تعالى، لكنه لا يهدي إلا مَن يشاء من عباده بما يشاء من آياته.
ثم عقَّبه بما دل على كمال علمه وتقديره للأشياء على مقتضَى حكمته؛ تنبيهًا على أنه عالم بأحوال الأنبياء ﵈ والأممِ، قادر على إنزال مقترحاتهم، ولكنَّ الأمر مقدَّر عنده على ما يجب أن يكون عليه من حكمته من تخصيص كلِّ نبي بما خُص به من الآيات.
وأما ما قيل: أو عالم بهم قادرٌ على هدايتهم لكنه لم يهدهم لسبق قضائه عليهم بالكفر، فمرجعُه إلى تصحيح مبنى مذهب الجبرية.
стр. 2297
(٨) - ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾.
﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ إما استئنافٌ لبيان سبب الامتناع من إنزال ما اقترحوا، وإما جملتان: الأولى تفسير لـ ﴿هَادٍ﴾، أي: هو الله، والثانية ابتداءُ كلام لبيان كون الكل بعلمه وتقديره.
ويجوز أن يكون جملة قوله: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ﴾ مقدَّرةً، ويكون من باب إقامة الظاهر مقام المضمَر؛ كأنه قيل: هو يعلم - أي: ذلك الهادي - ما تحمله كل أنثى أو حملها على أيِّ حال [هو] من الأحوال الحاضرة والمترقَّبة (١).
﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾: ما تنقصه وما تزداده في الجثة والمدة والعدد.
وقيل: المراد نقصانُ دم الحيض وازديادُه.
(غاض) جاء متعديًا ولازمًا، وكذا (ازداد)؛ قال تعالى: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥]، فإن جُعلا لازمين تعيَّن (٢) (ما) أن تكون مصدريةً، وإسنادهما إلى ﴿الْأَرْحَامُ﴾ على المجاز فإنهما لله تعالى أو لِمَا فيها.
﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ بقَدَرٍ واحد من جهة الكمِّ والكيف والزمان، لا يجاوزه ولا ينقص عنه، والمراد من العندية الحضورُ العلمي، أي: هو عالم بكمية كلِّ شيء وكيفيته ووقت حدوثه، فيهيِّئ له أسبابًا مَسوقةً إليه تقتضي ذلك، وهذه الجملة مقرِّرة لِمَا تقدَّم، وليس في الاتصال كالتي بعدها، ولذلك وصل هذه له وفصَل هي عما قبلها.
стр. 2298
(٩) - ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾.
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾: الغائبِ عن الحس ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: الحاضرِ له ﴿الْكَبِير﴾: العظيم في شأنه وسلطانه ﴿الْمُتَعَالِ﴾: المستعلي على كلِّ شيء بقدرته، فلا يخرج شيءٌ عن حكمه كما لا يَعزب عن علمه.
* * *
(١٠) - ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾.
﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ﴾؛ أي: أخفاه في نفسه ﴿وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾: أظهره لغيره.
﴿وَمَنْ هُوَ﴾، أي: وسواءٌ مَن هو ﴿مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾: طالبٌ للخفاء في مختبَئ من الليل ﴿وَسَارِبٌ﴾: بارزٌ ﴿بِالنَّهَار﴾ يراه كلُّ راءٍ، من سَرَب سُروبًا: إذا برز، عطفٌ على (مَن).
أو على ﴿مُسْتَخْفٍ﴾ و (مَن) في معنى الاثنين كما في قول الفرزدق:
نكُنْ مِثْلَ مَن يا ذئبُ يصطحِبان (١)
كأنه قيل: سواءٌ منكم اثنان: مستخفٍ بالليل وساربٌ بالنهار.
والنكتة في زيادة ﴿هُوَ﴾ في الأول: أنه الدالُّ على كمال العلم فناسَبَ زيادةَ تحقيق، وهو النكتةُ أيضًا في تقديم ﴿أَسَرّ﴾ وإعماله في صريح القول على ﴿جَهَرَ﴾ وإعماله في ضميره، وفي حذف الموصوف من (سارب) على الوجه الأول.
* * *
стр. 2299
(١١) - ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾.
﴿لَهُ﴾: لمن أسرَّ أو جهر، واستخفى أو سَرَب ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾: ملائكةٌ تَعْتَقِبه في حفظه: جمعُ معقِّبةٍ، من عقَّبه مبالغةُ عَقَبه: إذا جاء على عَقِبه؛ لأن بعضهم يَعْقُب بعضًا على الدوام، أو لأنهم يُعَقِّبون ما يفعل ويتكلم به فيكتبونه، والتاءُ للمبالغة، أو لأنها جماعات.
ومَن وَهَم أن أصله: معتقِباتٌ، أدغمت (١) التاء في القاف كقوله: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ [التوبة: ٩٠]؛ أي: المعتذرون (٢)، فقد وَهِم؛ لِمَا نص عليه التصريفيون من أنَّ التاء لا تُدغم في القاف، ولا القاف في التاء، لا من كلمتين ولا من كلمة، ثم إن ﴿الْمُعَذِّرُونَ﴾ لا يَتعين أن يكون أصله: المعتذرون.
وقرئ: (مَعَاقيبُ) جمعُ معقِّبٍ أو معقِّبةٍ، والياءُ عوضٌ من حذف إحدى القافين في التكسير (٣).
﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾: من جوانبه.
﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: من الآفَات التي لا يمكن دفعُها بأسبابٍ عادية، والإنسان ليس في وسعه التحرُّزُ عنها، فالله تعالى بلطفه عيَّن له حفظةً يحفظونه من هذا النوع من الآفَات، قال النبي ﷺ : "وكِّل بالمؤمن مئة وستُّون
стр. 2300
ملَكًا يَذُبُّون عنه كما يُذَبُّ عن قصعة العسل الذبابُ، ولو وُكِل العبد إلى نفسه طرفةَ عين لاختطفته الشياطين" (١).
وإنما خُصَّ هذا النوع من الآفَات بالإضافة إلى أمر الله، وإن كان كلُّها بأمره تعالى؛ لعدم ظهور أسبابها العادية.
هذا ما عندي، والذي ذكره القوم: أنه صفةٌ لـ ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾ كـ ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾؛ أي: له معقِّبات ثابتةٌ من أمر الله يحفظونه، أو متعلق بـ ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾؛ أي: يحفظونه من أجْل أمر الله تعالى، يعني: من أجل أن الله تعالى أمرهم بحفظه، ولا يدل عليه قراءةُ: (بأمر الله) (٢)؛ لجواز تعلُّقه بالسابق؛ أي: معقِّبات بأمر اللّه.
أو: يحفظونه من بأس الله إذا أذنب بالاستغفار، أو الاستمهال عسى أن يتوب.
وقيل: المراد من المعقبات: الحرس والجَلَاوِزة حول السلطان يحفظونه في توهُّمه من قضاء الله أوعلى التهكُّم به.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ﴾ من العافية والنعمة إلى البلاء والنقمة.
﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ من الصلاح والطاعة إلى الفساد والمعصية.
﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾: فلا رادَّ له، والعامل في (إذا) ما دل عليه الجواب.
﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾: ممن يلي أمرهم فيدفعُ عنهم السوءَ، أو يدفعه
стр. 2301
بالعنف أو باللطف؛ أي: لا رافع ولا دافع ولا شافع ولا نافع أصلًا.
وأما الدلالة على أن خلاف مراد الله تعالى محالٌ فالآيةُ ساكتة عنها.
* * *
(١٢) - ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾.
﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا﴾ من ضرره ﴿وَطَمَعًا﴾ في نفعه، إذا لمع البرق يُخاف الصواعق ويُطمع في الغيث، كما قال أبو الطبيب:
فتًى كالسحاب الجُونِ يُخْشَى ويُرْتَجى … يُرَجَّى الحَيَا منها ويُخْشَى الصَّواعقُ (١)
أو: يَخاف عنده (٢) المطرَ مَن له فيه ضرر، فإنَّ الغيث لا يخلو عن العيث، ويَطمع فيه من له نفع فيه.
وانتصابهما على الحالية من المخاطَبين؛ أي: يريكم خائفين طامعين، أو من البرق كأنه في نفسه من شدة ما يُخاف ويُطمع فيه عينُ الخوف والطمع، أو ذا خوفٍ وذا طمعِ.
أو مفعولٌ لهما على أن المخاطَبين رائين؛ لأن إراءهم متضمِّن لرؤيتهم، والخوف والطمع من أفعالهم حيث إنهم فاعلو الفعلِ المعلَّل الذي هو الرؤية، فيرجع المعنى إلى معنى: قعدتُ عن الحرب جُبنًا (٣)، فيكونان مفعولًا لهما. أو على تقدير حذف المضاف؛ أي: إرادةَ خوفٍ وطمع، بمعنى: إخافةً وإطماعًا.
стр. 2302
﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ﴾: الغيم المنسحِب في الهواء ﴿الثِّقَالَ﴾: جمع ثقيلة، وإنما وصفت به لأن اسم الجنس في معنى الجمع.
* * *
(١٣) - ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾.
﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ﴾ عن ابن عباس ﵄: سئل النبيُّ ﷺ عن الرعد فقال: "ملك موكَّلٌ بالسحاب معه مخاريقُ من نار يسوقُ بها السحاب" (١).
﴿بِحَمْدِهِ﴾: مُلْتبسًا به.
ويجوز أن يكون إسناد التسبيح والحمد إلى الرعد مجازيًّا من باب الإسناد إلى فاعلية الفاعل؛ أي: يسبح سامعو (٢) الرعد من العباد الراجين للمطر حامدين لله يصيحون: سبحان اللّه والحمد للّه، ولما كان الرعد باعثًا لتسبيحهم وتحميدهم، فكأنه سبَّح وحمد.
وهذا الوجه أولى؛ لأن الرعد في المتعارف يقع على الصوت المخصوص، وهو الذي يُقرن بالذكر مع البرق والسحاب، والكلام في إراءة الآيات الدالة على القدرة الباهرة وإيجادِها (٣)، وتسبيحُ ملَك الرعد لا يلائم ذلك، أمَّا حمل الصوت المخصوصِ للسامعين على التسبيح والحمد فشديد الملائمة، وإذا حمل على
стр. 2303
الإسناد حقيقةً فالوجه أن يكون اعتراضًا؛ دلالةً على اعتراف الملَك الموكَّل بالسحاب وسائرِ الملائكة بكمال قدرته تعالى وجحود الإنسان ذلك.
﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾؛ أي: ويسبِّح الملائكة ﴿مِنْ خِيفَتِهِ﴾؛ أي: من خوف الله تعالى وإجلاله.
وقيل: الضمير للرعد.
﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ إصابتَه فيهلكُه.
﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾؛ أي: والذين كفروا وكذَّبوا رسول الله ﷺ يجادلون (١) فيما وصفه به من كمال العلم والقدرة، والتفرُّدِ بالألوهية، والإعادة (٢) والجزاء - بعد مشاهدتهم الآيات المذكورة - بقولهم: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، واتخاذِهم الأندادَ، ونسبتهم الولدَ إليه، فالواو لعطف الجملة على الجملة، والمعطوف عليه قولُه: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الرعد: ٧] المعطوفِ على ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ [الرعد: ٦]، والعدول من الفعلية إلى الاسمية، وطرحُ رعاية التناسب؛ للدلالة على أنهم ما ازدادوا بعد الآيات إلا عنادًا، فزادتهم رجسًا إلى رجسهم.
ويجوز أن يعطف على قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ﴾ على معنى: هو الذي يريكم هذه الآيات الكواملَ الدالةَ على القدرة والرحمة، وأنتم تجادلون فيه. وهذا أقرب مأخذًا، والأول إملأُ فائدةً.
стр. 2304
وقيل: للحال؛ أي: فيصيب بها مَن يشاء في حال جدالهم، وهو التشدُّد (١) في الخصومة، من الجَدْل وهو الفتل، ووجهُ هذا: هو أن أربد أخا لبيدٍ العامريِّ وفد على رسول اللّه ﷺ مع عامر بن الطفيل قاصدَينِ لقتله، فأخذه عامر بالمجادلة، ودار أربد من خلفه ليضربه بالسيف، فتنبه له الرسول ﷺ وقال: اللهمَّ اكفنِيْهِما بما شئتَ، فأرسل الله تعالى على أربد بالصاعقة فقتله، ورُمي عامر بغدَّةٍ فمات في بيت سَلُوليَّةٍ وهو يقول: غُدَّةٌ كغُدَّة البعير وموتٌ في بيتِ سَلُوليَّة، فنزلت (٢).
اعلم (٣) أن في الكلام التفاتًا؛ لأن قوله: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ﴾ فيه التفاتٌ من الغيبة إلى الخطاب، وإن شئتَ فتأمل قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ ثم التَفتَ من الخطاب إلى الغيبة، وحسن مواقعهما:
أما الأول: فما فيه من تخصيص الوعيد المدمَج في ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ﴾ ولهذا ذيَّله بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ وَالٍ﴾، وفيه من التهديد ما لا يخفى على ذي بصيرة، ومن الحث على طلب النجاة وزيادة التقريع في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ﴾، ومجيءِ (٤): ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ﴾ بعد قوله: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ﴾ هكذا من دون حرف النسق؛ لأن الأول مقرر لقوله: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ﴾
стр. 2305
مع زيادة الإدماج المذكور تحقيقًا للعلم، والثاني مقرِّر لما ضمِّن من الدلالة على القدرة في قوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ مع رعاية نمط التعديد على أسلوب: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ مما يبهر الألباب، ويُظهر للمتأمل في وجه الإعجاز التنزيلي (١) العجَب العُجاب.
وأما الثاني: فما فيه من الدلالة على أنهم مع وضوح الآيات وتلاوتها عليهم، والتنبيهِ البالغ ترغيبًا وترهيبًا، لم ينالوا بها نالة (٢)، فكأنه يشكو جنايتهم إلى مَن يستحق الخطاب، أو كمَن يدمدم في نفسه: إني (٣) أصنع بهم وأفعل كيت وكيت جزاء ما ارتكبوه؛ ليُريَ (٤) ما يريد أن يوقعه بهم.
﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾: قويُّ المكر بأعدائه، يأتيهم بالهلاك من حيث لا يحتسبون.
المُحال: المماحَلة، وهي شدة المماكَرة والمكايَدة، ومنه تمحَّل لكذا: إذا تكلَّف له استعمالَ الحيلة واجتهد فيه.
وقرئ بفتح الميم (٥) على أنه مَفْعَلٌ (٦) مِن حال يَحُول مَحالًا: إذا احتال، ومنه: أَحْوَلُ من ذئب؛ أي: أشد حيلة منه، وجاز أن يكون (شديد المَحال) على هذه القراءة
стр. 2306
مثَلًا في القوة والقدرة؛ كما جاء: "فساعِدُ اللهِ أشدُّ ومُوساهُ أَحَدُّ" (١)؛ لأن المَحال جمع المَحَالةٍ وهي الفَقَارة، فيكون معناه: شديد الفَقَار، والحيوان إذا اشتد فَقَاره كان منعوتًا بشدة القوة.
* * *
(١٤) - ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾.
﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾: الدعاءُ الحق؛ فإنه الذي يَحقُّ أن يُعبد ويُدْعى إلى عبادته دون غيره، أو: له الدعوة المجابة فإن مَن دعاه أجاب، ويؤيده ما بعده. والحق على الوجهين: ما يقابل الباطل، وإضافةُ الدعوة إليه للملابَسة بينهما، أو على تأويل: دعوة المدعوِّ الحق.
وقيل: الحق هو الله تعالى، وكلُّ دعاء إليه دعوة الحق.
والجملتان على الوجه الأول وعيدٌ للكفرة على مجادلتهم الرسول ﷺ بحلول محاله بهم، وتهديدٌ لهم بإجابة دعوته ﵇، أو ببيان أن دعوته ﵇ إلى التوحيد حقٌّ.
وعلى قصة أربد ونزولِ الآية فيها فمعناهما: أن إصابته بالصاعقة وإصابةَ صاحبه بالغدَّة مِحالٌ من الله تعالى ومكرٌ بهما من حيث لا يشعرا، وأن دعوة رسول اللّه ﷺ بقوله: "اللهم اكفنيهما بما شئت" دعوة الحق، أو أن دعوتهم لآلهتهم ضلالٌ باطل؛ لتخصيص دعوة الحق به.
стр. 2307
﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: والآلهة الذين يدعونهم من دون الله ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ من طلباتهم.
﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ﴾ إلا استجابةً كاستجابة باسط كفيه ﴿إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾ أي: كاستجابةِ مَن بسط كفيه إليه يطلب منه أن يُبلغه فاه ﴿وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ لأنَّه جماد لا يشعر بدعائه ولا بعطشه، ولا يقدر على إجابته، فكذلك آلهتهم لأنها جماداتٌ كالماء.
وقيل: شبِّهوا في عدم جدوى دعائهم لآلهتهم بمن بسط كفَّيه ناشرًا أصابعه إلى الماء ليغرفه إلى فيه، فلم يمسك كفَّاه شيئًا منه، ولم يبلغ حاجته من شربه؛ لأن الماء يحصل بالقبض عليه لا بالبسط إليه.
فهو على الأول من تشبيه المركَّب بالمركَّب التمثيلي في الأصل، أُبرز في معرض التهكُّم حيث أثبت أنهما استجابتان زيادة في التحيير والتحسير (١).
وعلى الثاني من تشبيه المفرد المقيد بمثله؛ كقولك لمن لا يحصل من سعيه على شيء: هو كالراقم على الماء، فإن المشبَّه هو الساعي مقيَّدًا بكون سعيه كذلك، والمشبَّه به هو الراقم مقيَّدًا بكونه على الماء، وكذلك فيما نحن فيه.
﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾: إلا في ضياع لا فائدة له: أما ضياع دعائهم لآلهتهم فظاهر، وأما ضياع دعائهم لله تعالى فلأنه لا يجيبهم لكفرهم وبُعدهم عن حيِّز الإجابة.
* * *
стр. 2308
(١٥) - ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾.
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الظاهر أن السجود على حقَيقته، ولهذا خص بالذكر ﴿مَنْ﴾ المخصوص بالعقلاء، ويشهد له قوله:
﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ الساجدون له طوعًا هم الملائكة والمؤمنون من الثَّقلين، والساجدون كرهًا مَن ضمَّه السيف إلى الإسلام (١)، وانتصابهما على الحال.
﴿وَظِلَالُهُمْ﴾؛ أي: ويسجد ظلالهم، والسجود هاهنا بمعنى الانقياد لأمره تعالى، ولهذا أخره عن قوله: ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾، وانقيادها لتصريفه تعالى من جانب آخر على ما أفصح عنه في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ٤٨].
قال الفرَّاء (٢): الظلُّ مصدر، يعني: في الأصل، ثم أطلق على الخيال الذي يظهر للجِرم عند مسامَتته للشمس.
﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ ظرف لـ ﴿يَسْجُدُ﴾ المقدر، أو حال من الظلال، وقد مر تفسيرهما في سورة الأعراف، والمراد بهما: تمام النهار.
* * *
(١٦) - ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾.
стр. 2309
﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: خالقُهما ومتولي أمرهما.
﴿قُلِ اللَّهُ﴾ حكاية لاعترافهم وتأكيدٌ عليهم؛ أي: لم يكن لهم بد من أن يقولوا: اللّه، فهم والخصم في الجواب سواءٌ؛ لكونه من البيِّن الذين لا مِراء فيه؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٦، ٨٧]، فهو كقول المُناظر لصاحبه: أهكذا قولُك؟ فإذا اعترف به حكاه تقريرًا له واستيثاقًا منه، ثم يقول له: فيلزمك كذا وكذا، فيبكِّته بالحجة.
أو تلقين؛ أي: إن تلعثموا في الجواب لعلمهم (١) بما يلزمهم من الحجة بناءً على إقرارهم، فلقِّنهم فإنهم يتلقونه ولا يقدرون أن ينكروه.
﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ إلزام وتقرير وتوبيخ؛ أي: أبَعْدَ أن علِمْتُموه رب السماوات والأرض اتخذتم من دونه أولياء، فجعلتم ما هو سببُ التوحيد من علمكم وإقراركم سببَ الشرك، فالفاء عاطفة للتسبيب والتفريع، دخلت الهمزة عليه لأن المنكَر الاتخاذُ بعد العلم لا العلمُ.
﴿يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾؛ أي: لا يقدرون أن يجلبوا إليها نفعًا أو يدفعوا عنها ضرًّا فكيف يستطيعون إنفاع الغير وإدفاع الضر عنه؟ وهو دليل ثان على ضلالهم وفساد رأيهم في اتخاذهم أولياء رجاءَ أن يشفعوا لهم.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ تمثيل للمشرك الجاهل الذي لا يهتدي والموحِّد العالم المهديِّ الهادي.
﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ تمثيل للشرك والضلالة والتوحيد والهداية.
стр. 2310
﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾: بل أجعلوا، والهمزة للإنكار، وقوله تعالى: ﴿خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ صفةٌ لـ ﴿شُرَكَاءَ﴾ داخلة في حكم الإنكار، ومعنى الإضراب: أن تعكيسهم ذلك لمَّا لم يكن عن شُبهة فضلًا عن حجةٍ كان حكايةُ ذلك أدخلَ في ذمهم، وفيه طرفٌ من التهكُّم.
﴿فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ خلقُ الله وخلقُهم؛ أي: إنهم ما اتخذوا لله تعالى شركاء خالقين مثله حتى يتشابه عليهم الخلق فيقولوا: هؤلاء خَلقوا كما خَلق الله تعالى فاستحقُّوا العبادة كما استحقها، ولكنهم اتخذوا شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق فضلًا عما يقدر عليه الخالق، نبَّه على مكان الشبهة نافيًا ناعيًا عليهم ومتهكِّمًا بهم، وليس من إرخاء العنان والتدريج في شيء.
﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ولا خالق غيره فيشاركَه في العبادة، جعل الخلق مُوجِبَ العبادة ولازم (١) استحقاقها، ثم نفاه عمَّن سواه ليدل على قوله: ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ﴾: المتوحِّد بالألوهية والربوبية ﴿الْقَهَّار﴾ لكل شيء، فما سواه مغلوب مقهور له فكيف يستقيم أن يكون له شريك؟
* * *
(١٧) - ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾.
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾: من جهتها ﴿مَاءً﴾ التنكير للتكثير، وباعتباره صحَّ التفريع في قوله: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾: جمع وادٍ، وهو الموضع الذي يسيل الماء فيه بكثرةٍ،
стр. 2311
فاتُّسع فيه واستعمل للماء الجاري، وتنكيرها لأن المطر يأتي على تناوُب بين البقاع فتسيل في بعض الأودية دون بعض، وكذا في الممثَّل له ليس كلُّ قلب قابلًا بل بعضٌ منها دون بعض.
﴿بِقَدَرِهَا﴾: بمقدارها الذي علم الله تعالى أنه نافع غير ضار، أو: بمقدارها في الصِّغر والكبر.
﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا﴾ (احتمل) بمعنى: حمل، جاء فيه افتَعَل (١) بمعنى المجرَّد كاقتدر وقَدَر، وعرِّف السيل لأنَّه عُني به ما فُهم من الفعل (٢)، والزَّبَد: كدَرُ الجوهر السيَّال وخبَثُه المميَّز منه بالحركة والخضخضة والغليان.
﴿رَابِيًا﴾: منتفخًا (٣) مرتفعًا على وجه الماء.
﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ﴾ عبارةٌ جامعة لأنواع الفلزِّ على وجه التهاون به، حيث لم يذكر الأنواع بأسمائها بل أَجمل بذكر وصفها في أحسن الأحوال، وإهانتها بالإيقاد كما هو عادة الملوك إظهارًا لكبريائه.
﴿زَبَدٌ﴾ مرفوع بالابتداء، وخبره: (ومما توقدون)، وقرئ: ﴿يُوقِدُونَ﴾ بالياء (٤)؛ أي: الناس، وإضماره للعلم به، وانتَصب ﴿ابْتِغَاءَ﴾ على أنه مفعولٌ له.
والحلية: ما يُعمل للنساء مما يَتزيَّنَّ به من الذهب والفضة، والمتاع: ما يُتخذ من الحديد والنحاس وما أشبههما من الآلات التي هي قِوام العيش؛ كالأواني
стр. 2312
والمساحي وآلات الحرث والحرب (١) وغير ذلك، والمقصود منه بيان منافعها.
و (مِن) لابتداء الغاية أو للتبعيض؛ أي: منه زبدٌ، أو بعضُه زبد.
﴿مِثْلُهُ﴾: مثلُ زبد الماء، والمماثلة في كونهما يتولَّدان من الأكدار والأوساخ.
﴿كَذَلِكَ﴾ مثلَ ذلك الضرب ﴿يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ (٢) فذلكةٌ وتبيينٌ و ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ تأكيد له وتعميم.
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ﴾ من السيل والفلز المذاب ﴿فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾: مجفوًّا؛ أي: مرميًّا به، يقال: جفأَت القِدْر بزبَدها، وجفأه السيل: رمى به، وأَجفأ السيل وأجفل، وقرئ: (جُفالًا) (٣) والمعنى واحد، وانتصابه على الحال.
﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ من الماء وصلاحية الفلز ﴿فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ مدةً طويلة يَنتفع بها أهلها.
﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ لإيضاح المشتبِهات.
قد مر ما في تكثير الأمثال في الكتب الإلهية وكلمات الحكماء من الفوائد.
ولمَّا ضرب الظلمات والأعمى مثلًا للباطل وأهله، والنورَ والبصير مثلًا (٤) للحق وأهله، أكَّد التمثيل الأخير - وهو قوله: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ - بهذا المثل؛ لأن الغرض إثباتُ الحق وإبطال الباطل، فمثَّل الحقَّ من العلم النازل إلى الرسول ﷺ بالماء الذي ينزل من السماء، والقلوبَ الصافية والفهوم الصائبة
стр. 2313
بالأودية، وقبولَها له بقَدْر استعدادها بسيلانها بقَدْر سعتها (١)، والباطلَ من الجهالات والشكوك والشُّبَه التي ينفيها العلم بالزَّبد الذي يرمي به السيل، وكذا شبَّه الحقَّ من العمل الصالح الصحيح بالفلزِّ الذي ينتفع به الناس باتخاذ الحليِّ والأواني والأمتعة منه، والعملَ الفاسد الباطل في اضمحلاله وسرعة زواله بزبده، وانتفاءَ الشكوك والشُّبه والأعمال الفاسدة وكونَها هباءً في الآخرة، وبقاءَ الحق من العلم والعمل وحصولِ سعادة الدارين بهما والثوابِ الأبديِّ والنعيمِ السرمدي، بانتفاء الزبدين في اضمحلالهما سريعًا، وبقاءَ ما ينفع الناس من الماء بالسقي والحرث والزرع وسريانه في عروق (٢) الأرض إلى منابعه وتنوُّع العيون والقُنيِّ منه ومن الفلز، بصَيغ (٣) الحلي واتخاذِ الأمتعة وآلات الحرث والحرب منه.
* * *
(١٨) - ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾ كلام مستأنف بعد ضرب الأمثال وتمام الكلام فيه، و ﴿الْحُسْنَى﴾ مبتدأ خبره ﴿وَالَّذِينَ﴾؛ أي: للَّذين استجابوا المثوبةُ الحسنى.
﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾ مبتدأ خبره ﴿لَوْ﴾ مع ما في حيِّزه؛ أي: الجملة الشرطية، والواو عاطفة الجملة على الجملة.
وقيل: اللام في ﴿لِلَّذِينَ﴾ متعلقة بـ ﴿يَضْرِبُ﴾، و ﴿الْحُسْنَى﴾ صفةٌ لمصدر
стр. 2314
﴿اسْتَجَابُوا﴾ أي: الاستجابةَ الحسنى، و (الذين لم يستجيبوا) عطف على (الذين استجابوا).
وقوله: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ﴾ كلام مبتدأ في ذكر ما أعدَّ لغير المستجيبين، والمعنى: كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين والكافرين؛ أي: هما مثلا الفريقين، يعني: مثل (١) سبيلهما ودينهما.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾: المناقشةِ فيه، وعن النخعي: أنْ يحاسَب المذنب بذنبه كلِّه لا يغفر منه شيء.
﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾: مرجعهم بعد الحساب ﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: المستقَرُّ، والمخصوص بالذم محذوفٌ، وفي ﴿الْمِهَادُ﴾ تهكُّم بهم على ما تقدَّم بيانه في تفسير سورة الأعراف.
* * *
(١٩) - ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ فيستجيبَ (٢) ﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ القلب لا يستبصِر فيستجيبَ.
لمَّا ذكر تعالى مثلَ المؤمن والكافر، وذكر ما للمؤمن والكافر من الثواب والعقاب، ذكر استبعاد مَن يجعلهما سواءً، وأنكر ذلك متفرِّعًا على ما تقدم، فالفاء للعطف على وجه التفريع، وإنما قدِّمت همزة الاستفهام وهي مؤخَّرةٌ معنًى لأن له صدرَ الكلام.
стр. 2315
﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: ذوو العقول المبرَّأة عن شوائب (١) الإلْف ومعارضة الوهم.
* * *
(٢٠) - ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾.
﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ مبتدأ خبرُه: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾، أو صفةٌ لـ ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، وحينئذٍ يكون: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ﴾ إلخ استئنافًا بصفاتِ مَن استُؤنف عنهم؛ أي: أولئك الموصوفون بتلك الصفات، دلالةً على أنَّ استيجابهم لعقبى الدارِ إنما كان بسبب (٢) تلك الصفات.
والأول أوجهُ؛ لأن عطف الجملة الثانية وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ .. أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ يشهد بذلك.
وعهدُ الله: ما عقَدوه على أنفسهم من الاعتراف بربوبيته حين قالوا: ﴿بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وما عَهِد اللّه تعالى عليهم في كتبه.
﴿وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾: ما وثَّقوه من المواثيق بينهم وبين الله تعالى، وما بينهم وبين العباد، وهو تعميم بعد تخصيص.
* * *
(٢١) - ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾.
﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ من الأرحام والقرابات، ومُوالاةِ قرابة