← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

فاتُّسع فيه واستعمل للماء الجاري، وتنكيرها لأن المطر يأتي على تناوُب بين البقاع فتسيل في بعض الأودية دون بعض، وكذا في الممثَّل له ليس كلُّ قلب قابلًا بل بعضٌ منها دون بعض. ﴿بِقَدَرِهَا﴾: بمقدارها الذي علم الله تعالى أنه نافع غير ضار، أو: بمقدارها في الصِّغر والكبر. ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا﴾ (احتمل) بمعنى: حمل، جاء فيه افتَعَل (١) بمعنى المجرَّد كاقتدر وقَدَر، وعرِّف السيل لأنَّه عُني به ما فُهم من الفعل (٢)، والزَّبَد: كدَرُ الجوهر السيَّال وخبَثُه المميَّز منه بالحركة والخضخضة والغليان. ﴿رَابِيًا﴾: منتفخًا (٣) مرتفعًا على وجه الماء. ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ﴾ عبارةٌ جامعة لأنواع الفلزِّ على وجه التهاون به، حيث لم يذكر الأنواع بأسمائها بل أَجمل بذكر وصفها في أحسن الأحوال، وإهانتها بالإيقاد كما هو عادة الملوك إظهارًا لكبريائه. ﴿زَبَدٌ﴾ مرفوع بالابتداء، وخبره: (ومما توقدون)، وقرئ: ﴿يُوقِدُونَ﴾ بالياء (٤)؛ أي: الناس، وإضماره للعلم به، وانتَصب ﴿ابْتِغَاءَ﴾ على أنه مفعولٌ له. والحلية: ما يُعمل للنساء مما يَتزيَّنَّ به من الذهب والفضة، والمتاع: ما يُتخذ من الحديد والنحاس وما أشبههما من الآلات التي هي قِوام العيش؛ كالأواني

стр. 2312

والمساحي وآلات الحرث والحرب (١) وغير ذلك، والمقصود منه بيان منافعها. و (مِن) لابتداء الغاية أو للتبعيض؛ أي: منه زبدٌ، أو بعضُه زبد. ﴿مِثْلُهُ﴾: مثلُ زبد الماء، والمماثلة في كونهما يتولَّدان من الأكدار والأوساخ. ﴿كَذَلِكَ﴾ مثلَ ذلك الضرب ﴿يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ (٢) فذلكةٌ وتبيينٌ و ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ تأكيد له وتعميم. ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ﴾ من السيل والفلز المذاب ﴿فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾: مجفوًّا؛ أي: مرميًّا به، يقال: جفأَت القِدْر بزبَدها، وجفأه السيل: رمى به، وأَجفأ السيل وأجفل، وقرئ: (جُفالًا) (٣) والمعنى واحد، وانتصابه على الحال. ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ من الماء وصلاحية الفلز ﴿فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ مدةً طويلة يَنتفع بها أهلها. ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ لإيضاح المشتبِهات. قد مر ما في تكثير الأمثال في الكتب الإلهية وكلمات الحكماء من الفوائد. ولمَّا ضرب الظلمات والأعمى مثلًا للباطل وأهله، والنورَ والبصير مثلًا (٤) للحق وأهله، أكَّد التمثيل الأخير - وهو قوله: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ - بهذا المثل؛ لأن الغرض إثباتُ الحق وإبطال الباطل، فمثَّل الحقَّ من العلم النازل إلى الرسول ﷺ بالماء الذي ينزل من السماء، والقلوبَ الصافية والفهوم الصائبة

стр. 2313

بالأودية، وقبولَها له بقَدْر استعدادها بسيلانها بقَدْر سعتها (١)، والباطلَ من الجهالات والشكوك والشُّبَه التي ينفيها العلم بالزَّبد الذي يرمي به السيل، وكذا شبَّه الحقَّ من العمل الصالح الصحيح بالفلزِّ الذي ينتفع به الناس باتخاذ الحليِّ والأواني والأمتعة منه، والعملَ الفاسد الباطل في اضمحلاله وسرعة زواله بزبده، وانتفاءَ الشكوك والشُّبه والأعمال الفاسدة وكونَها هباءً في الآخرة، وبقاءَ الحق من العلم والعمل وحصولِ سعادة الدارين بهما والثوابِ الأبديِّ والنعيمِ السرمدي، بانتفاء الزبدين في اضمحلالهما سريعًا، وبقاءَ ما ينفع الناس من الماء بالسقي والحرث والزرع وسريانه في عروق (٢) الأرض إلى منابعه وتنوُّع العيون والقُنيِّ منه ومن الفلز، بصَيغ (٣) الحلي واتخاذِ الأمتعة وآلات الحرث والحرب منه. * * * (١٨) - ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾ كلام مستأنف بعد ضرب الأمثال وتمام الكلام فيه، و ﴿الْحُسْنَى﴾ مبتدأ خبره ﴿وَالَّذِينَ﴾؛ أي: للَّذين استجابوا المثوبةُ الحسنى. ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾ مبتدأ خبره ﴿لَوْ﴾ مع ما في حيِّزه؛ أي: الجملة الشرطية، والواو عاطفة الجملة على الجملة. وقيل: اللام في ﴿لِلَّذِينَ﴾ متعلقة بـ ﴿يَضْرِبُ﴾، و ﴿الْحُسْنَى﴾ صفةٌ لمصدر

стр. 2314

﴿اسْتَجَابُوا﴾ أي: الاستجابةَ الحسنى، و (الذين لم يستجيبوا) عطف على (الذين استجابوا). وقوله: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ﴾ كلام مبتدأ في ذكر ما أعدَّ لغير المستجيبين، والمعنى: كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين والكافرين؛ أي: هما مثلا الفريقين، يعني: مثل (١) سبيلهما ودينهما. ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾: المناقشةِ فيه، وعن النخعي: أنْ يحاسَب المذنب بذنبه كلِّه لا يغفر منه شيء. ﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾: مرجعهم بعد الحساب ﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: المستقَرُّ، والمخصوص بالذم محذوفٌ، وفي ﴿الْمِهَادُ﴾ تهكُّم بهم على ما تقدَّم بيانه في تفسير سورة الأعراف. * * * (١٩) - ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ فيستجيبَ (٢) ﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ القلب لا يستبصِر فيستجيبَ. لمَّا ذكر تعالى مثلَ المؤمن والكافر، وذكر ما للمؤمن والكافر من الثواب والعقاب، ذكر استبعاد مَن يجعلهما سواءً، وأنكر ذلك متفرِّعًا على ما تقدم، فالفاء للعطف على وجه التفريع، وإنما قدِّمت همزة الاستفهام وهي مؤخَّرةٌ معنًى لأن له صدرَ الكلام.

стр. 2315

﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: ذوو العقول المبرَّأة عن شوائب (١) الإلْف ومعارضة الوهم. * * * (٢٠) - ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾. ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ مبتدأ خبرُه: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾، أو صفةٌ لـ ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، وحينئذٍ يكون: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ﴾ إلخ استئنافًا بصفاتِ مَن استُؤنف عنهم؛ أي: أولئك الموصوفون بتلك الصفات، دلالةً على أنَّ استيجابهم لعقبى الدارِ إنما كان بسبب (٢) تلك الصفات. والأول أوجهُ؛ لأن عطف الجملة الثانية وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ .. أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ يشهد بذلك. وعهدُ الله: ما عقَدوه على أنفسهم من الاعتراف بربوبيته حين قالوا: ﴿بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وما عَهِد اللّه تعالى عليهم في كتبه. ﴿وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾: ما وثَّقوه من المواثيق بينهم وبين الله تعالى، وما بينهم وبين العباد، وهو تعميم بعد تخصيص. * * * (٢١) - ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾. ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ من الأرحام والقرابات، ومُوالاةِ قرابة

стр. 2316

رسول اللّه ﷺ ، ومواصلةِ المؤمنين كلّهم بالأخوَّة الإيمانية، ومراعاةِ حقوقهم بالإحسان والشفقة والنصيحة. ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ فلا يعصُونه هيبةً وحياءً ورهبةً ولا يخالفونه في شيء عمومًا ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ خصوصًا، فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسَبوا. * * * (٢٢) - ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾. ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عما تحبه النفس بالهوى وعلى ما تكرهه. ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾: طلبًا لرضاه (١) خاصةً، لا نظرًا إلى الخلق رياءً وسمعةً، أو إلى النفس زينةً وعُجبًا، جاء الصلةُ هنا بلفظ الماضي، وفي الموصولين قبله وما عُطف عليهما بلفظ المضارع؛ لأنَّه قُصد بهما الاستصحابُ والالتباس دائمًا، وهذه الصلة قصد بها تقدُّمها على تينك الصلتين وما عُطف عليهما؛ لأن حصولها (٢) مترتِّب على حصول الصبر، وتقدُّمه عليها، ولكونه مما لا بد منه في حصول التكاليف لم يأت صلة في القرآن إلا بصيغة الماضي. ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ المفروضةَ ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ بعضَه الذي وجب عليهم إنفاقُه ﴿سِرًّا﴾ لمن تمنعُه المروءة أن يأخذه ﴿وَعَلَانِيَةً﴾ لمن لا تمنعه. قيل: ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ يتناول النوافلَ لأنها في السر أفضل،

стр. 2317

والفرائضَ لأنها بالجهر أفضل نفيًا للتهمة. ويأباه التخصيص المستفاد من تقديم الجارِّ والمجرور في الخبر. ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾: يدفعونها بها؛ أي: يجاوزون الإساءة بالإحسان، أو: يُتبعون السيئةَ بالحسنة فتمحوها. ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾: عاقبة الدنيا، وما ينبغي أن يكون مآلُ أهلها، وما يَصلح (١) أن يكون عاقبةً وهي الجنة. * * * (٢٣) - ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾. ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بدلٌ من ﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾، والعدْنُ في الأصل: الإقامة، ثم صار علَمًا لجنة من الجنان السبع على ما مر تفصيله في تفسير سورة البقرة. ﴿يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ﴾ عطفٌ على الضمير المرفوع في ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ من غير تأكيدٍ للفصل بالضمير المنصوب، أو مفعول معه. ﴿مِنْ آبَائِهِمْ﴾: جمع أبوَيْ (٢) كلِّ واحد منهم، فيتناول آباءهم وأمهاتهم. ﴿وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ إنما جُمعوا فيها مع قراباتهم ليتم لهم النعمة بزيادة الأُنس والجمعيَّة بهم، وقيِّدوا بالصلاح دلالةً على أن مجرَّد النسب والقرابة لا يكفي في الجمع بينهم، بل لا بد من شرط الصلاح، ولا دلالة فيه أنه يلحق بهم مَن صلح من

стр. 2318

أهلهم وإنْ لم يبلغ مبلغ فضلهم تبعًا لهم وتعظيمًا لشأنهم، حتى يُستدل به على أن الدرجة تعلو بالشفاعة خصوصًا إذا كان ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ مفعولًا معه. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ من أبواب المنازل، أو: من أبواب الفتوح والتُّحف (١). * * * (٢٤) - ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾. ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ في محل الحال؛ أي: قائلين: سلام عليكم بشارةً بدوام السلامة. ﴿بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ متعلِّق بمحذوفٍ، والباءُ للسببية أو البدلية؛ أي: هذا الثواب بسبب صبركم أو بدلَ ما احتملتم من الصبر ومتاعبه هذه الملاذُّ (٢) المآلف والنعم، ويجوز أن يتعلق بالظرف؛ أي: سلام عليكم بسبب صبركم، ولا يجوز أن يتعلق بـ ﴿سَلَامٌ﴾ لأن الخبر فاصل. ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ المخصوصُ بالمدح محذوف؛ أي: فنعم عقبى الدارِ الجنةُ، وقرئ: ﴿فَنِعْمَ﴾ بفتح النون، والأصل: نَعِمَ، فمَن وكسر النون فينقلُ وكسرة العين إليها، ومَن فتحها فيسكِّن العين تخفيفًا بلا نقل (٣). * * *

стр. 2319

(٢٥) - ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾. ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ يعني: مقابل الأوَّلين ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾: من بعدِ ما أَوثَقوه من الاعتراف والقبول. ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالظلم وتهييج الفتن. ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾: الإبعاد من رحمة الله تعالى ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ عذابُ النار وسوءُ عاقبة الدنيا؛ لأنها في مقابلةِ ﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾، وإنما لم يقل: سوءُ عاقبة الدار، تفاديًا أن يجعلها عاقبةً حيث جعل العاقبة المطلَقة هي الجنة. * * * (٢٦) - ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾. ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ لمَّا كان كثير من الأشقياء فُتحت عليهم أبوابُ نِعَم الدنيا ولذَّاتها، أخبر تعالى أنه هو الذي يوسِّع الرزق لمن يشاء ويضيِّقه، والكفرُ والإيمان لا تعلق لهما بالرزق، قد يَقْدِر على المؤمن ليَعْظُم أجره ويَبْسط للكافر إملاءً لازدياد (١) آثامه. ﴿وَفَرِحُوا﴾؛ أي: أهلُ مكة ﴿بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بما بُسط لهم، فرَحَ بطرٍ لا فرحَ سرور بفضل الله تعالى عليهم، واغتروا به، ولم يشكروا ما أنعم الله تعالى عليهم، ولم يَصرِفوه فيما يستوجبون به نعيمَ الآخرة.

стр. 2320

﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ﴾: في جنبِ ما أُعدَّ لأهلها فيها ﴿إِلَّا مَتَاعٌ﴾: إلا شيء نَزْر حقيرٌ يُتمتع به ولا يدوم، كعجالة الراكب وزاد الراعي. * * * (٢٧) - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾. ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مقتضَى الظاهر إظهارُ فاعل ﴿وَفَرِحُوا﴾ إذ لم يَجْرِ لكفار مكة ذكرٌ، وإضمارُ فاعل ﴿وَيَقُولُ﴾ يجري ذكره حينئذٍ، فأُخرج على خلاف الظاهر لإرادة التمكين (١) في ذهن السامع بالإبهام والتوضيح، أو للظهور والتعيُّن (٢) في الأول، والذمِّ والتسجيل بالكفر في الثاني. ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ عنادٌ وجحودٌ للآيات المنزَلة عليه ﵇؛ لعدم اعتدادهم بها واعتبارهم لها، ولهذا أمر في الجواب بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾: قَبِل (٣) الحقَّ ورجع عن العناد، وحقيقتُه: دخل في نوبة الخير، وهو كلام جارٍ مجرى التعجُّب من قولهم، كأنه قيل: قل لهم: ما أعظم عنادكم! حيث لم تقتدوا بهذه الآيات الباهرة التي لم يؤت نبيٌّ مثلَها، وكفى بالقرآن وحده آيةً أنَّ الله يُضل من يشاء ممن كان على صفتكم من الجحود والتصميم على الكفر، فلا سبيل إلى اهتدائه وإن أُتي بكل آية، ويهدي من يشاء ممن كان على خلاف صفتكم من التصميم

стр. 2321

على الكفر (١)، وفي تنزيله ﴿إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ منزلةَ ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ تنبيهٌ على أن مشيئة الهداية مخصوصةٌ بغير المعاند. * * * (٢٨) - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بدلٌ من ﴿مَنْ﴾ ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أُنسًا به، أو بالقرآن، أو بذكر رحمته بعد القلق من خشيته. ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾: تسكن إليه، جملة اعتراضية تفيد: كيف لا تطمئن قلوبهم به ولا اطمئنان للقلب بغيره؟ * * * (٢٩) - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ بدل من ﴿الْقُلُوبُ﴾ على تقدير المضافٍ؛ أي: قلوب الذين آمنوا، أو مبتدأ خبره. ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾ وهو فُعْلَى من الطِّيب كبُشرى وزُلفى، قُلبت ياؤه واوًا لضمةِ ما قبلها كموقِنٍ وموسِرٍ، وقرئ: (طِيْبَى) بكسر الطاء (٢). وهي من المصادر المنصوبة أو المعدولة إلى الرفع؛ أي: طيبًا لهم، وطيبٌ لهم، كقولك: سلامًا لك، وسلام لك، والقراءة في قوله: ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ بالرفع والنصب (٣) تدل على محليهما.

стр. 2322

واللام في ﴿لَهُمْ﴾ للبيان، مثلَها في: سَقْيًا لك، وتكون الجملة الدُّعائية خبرًا على التأويل. * * * (٣٠) - ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾. ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثلَ ذلك الإرسال العظيمِ الشأن الذي له فضلٌ ومزيَّةٌ على سائر الإرسالات، أو: مثلَ إرسال الرسل قبلك. ﴿أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا﴾: قد تقدَّمهم ﴿أُمَمٌ﴾ أرسلوا إليهم، فليس ببِدعٍ إرسالُك إليها. ﴿لِتَتْلُوَ﴾: لتقرأ ﴿عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ من الكتاب العظيم. ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ﴾: وحال هؤلاء أنهم يكفرون ﴿بِالرَّحْمَنِ﴾ الشامل الرحمةِ، الذي وسعت رحمته كلَّ شيء، فكفروا نعمه خصوصًا ما أنعم به عليهم بإرسال مثلك إليهم، وإنزالِ هذا القرآن المعجز المصدِّق لسائر الكتب، الذي هو مناط المنافع الدينية والدنياوية. وقيل: نزلت في مشركي مكة حين قيل لهم: ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾. ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي﴾؛ أي: الرحمن خالقي ومتولِّي أمري. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ لا مستحِقَّ للعبادة سواه. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في نصرتي عليكم ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾: مرجعي ومرجعكم فيحكم بيننا:

стр. 2323

(٣١) - ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾. قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ دال على أن اسم الإشارة والموصولَ فيما تقدم لتعظيم القرآن وتفخيم شأنه. ﴿أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ جواب (لو) محذوفٌ، أي: ولو أن قرآنا سيرت به الجبال عن مقارِّها وزُعزعت، أو قطِّعت به الأرض حتى تنصدع قطعًا قطعًا من خشية الله تعالى، أو كلِّم به الموتى فتسمعَ وتجيبَ، لكان هذا القرآنَ؛ لكونه غايةً في التذكير والإعجاز، ونهايةً في التخويف والإنذار؛ كقوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]. وقيل: أراد به المبالغة في عناد الكفرة وتصميمهم؛ أي: ولو أن قرآنًا وقع به تسيير الجبال وتقطيع الأرض وتكليم الموتى لَمَا آمنوا به؛ كقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ الآية [الأنعام: ١١١]. قيل: إن قريشًا قالوا: يا محمد إن كان (١) تريد أن نتَّبعك، فسيِّر بقرآنك الجبال عن مكة حتى تتَّسع لنا فنتَّخذ فيها بساتينَ وقطائع، أو سخِّر لنا به الريح لنركبها ونتَّجر إلى الشام، أو ابعث من كنانةَ قصيَّ بن كلاب وغيرَه من آبائنا ليكلمونا فيك، فنزلت. وعلى هذا فتقطيع الجبال قطعها بالسير. وقيل: الجواب مقدَّم، وهو قوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ وما بينهما اعتراض.

стр. 2324

وتذكير ﴿كُلِّمَ﴾ خاصةً لاشتمال ﴿الْمَوْتَى﴾ على المذكَّر الحقيقي. ﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ إضراب عما تضمَّنه (لو) من معنى النفي؛ أي: بل لله القدرة على كلِّ شيء، فله القدرة على الإتيان بما اقترحوا من الآيات، إلا أنه لم تتعلق إرادته بذلك؛ لعلمه أنهم لا يؤمنون ويزدادون العناد والجحود، ويؤيده قوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: عن إيمانهم مع ما رأوا من مكابرتهم وإنكارهم (١). والأكثر على أن معنى ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾: أفلم يعلم؛ لِمَا روي: أن عليًّا وابن عباس ﵃ وجماعةً من الصحابة والتابعين قرؤوا: (أفلم يتبين) (٢) وهو تفسير ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾، فيكون بمعنى: أفلم يعلم، وإنما استُعمل اليأس بمعنى العلم لأنَّه مسبَّب عن العلم بأن المأيوس لا يكون، وقيل: هو لغة قوم من النخع. ولذلك علقه بقوله: ﴿أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ لأن معناه نفيُ هداية بعض الناس لعدم تعلق المشيئة باهتدائهم، وتعلُّقه على الأول بـ ﴿آمَنُوا﴾ أي: ولم يقنط من إيمان هؤلاء الكفرةِ الذين آمنوا بأنْ لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا، أو بمحذوف تقديره: أفلم ييأس الذين آمنوا عن إيمانهم علمًا منهم أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا. ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا﴾ من الكفر وسوء الأعمال ﴿قَارِعَةٌ﴾: داهية تَقرعهم وتُقلِقهم.

стр. 2325

﴿أَوْ تَحُلُّ﴾؛ أي: القارعة ﴿قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ فيفزعون منها وَيضطربون ويتطايرُ إليهم شرارها ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾؛ أي: الموت أو القيامة. وقيل: ولا يزال كفار مكة تصيبهم بما صنعوا برسول الله ﷺ من العداوة والتكذيب قارعةٌ؛ لأن رسول الله ﷺ كان لا يزال يبعث السرايا فتُغير حول مكة وتصيب من مواشيهم، أو تحلُّ أنت يا محمد قريبًا من دارهم بجيشك كما حل بالحديبية، حتى يأتي وعد الله وهو فتح مكة، وكان الله قد وعده ذلك. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ لا لعدم القدرة عليه؛ لأن ما تعلق به الوعد كان ممكنًا وبتعلقه لم ينقلب ممتنعًا لاستحالة الانقلاب، وكلُّ ممكنٍ داخلٌ تحت قدرته تعالى، بل لأن الخُلف لا يليق بشأنه تعالى. * * * (٣٢) - ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾. ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ تسليةٌ لرسول الله ﷺ ، ووعيدٌ للمستهزئين والمقترحين عليه (١). ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الإملاء: أن يُترك ملاوةً (٢) من الزمان في دَعَةٍ وأمن. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾؛ أي: كان عقابي إياهم، استفهامُ معناه التعجُّب مما حل بهم والتقريرُ، وفي ضمنه وعيدُ مَن في عصره ﵇ من الكفار.

стр. 2326

(٣٣) - ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ﴾ أفالله الذي هو قائم رقيبٌ على كل نفس ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾ من خير وشر لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، ولا يفوت عنده شيء من جزائهم، والخبر محذوف تقديره: كمن هو ليس كذلك، دخلت الهمزة على الفاء لإنكار أن يسوُّوا مَن هو مطَّلع على سرِّهم وعلنهم قادرٌ على مجازاتهم بمن هو على خلافه بعد علمهم بما حل بالمنكِرين من الأخذ المفاجئ والبطش الشديد. ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ استئناف، أو عطف على مقدَّر؛ أي: لم يوحِّدوه وجعلوا، وفيه إظهار في موضع الإضمار للتهويل والتوبيخ والتفضيح في معرض الاحتجاج والتبكيت، ويؤيده ما بعده، أسلوبٌ بديع ضمِّن فيه (١) الترقي في الإنكار أولًا، يعني: لا عجب من إنكارهم لآياتك الباهرة مع ظهورها، إنما العجب كلُّ العجب جعلُهم القادرَ على إنزالها، المُجازي لهم على إعراضهم عن تدبُّر معانيها وأمثالها بقوارعَ تَتْرى واحدةً غبَّ (٢) أخرى فيشاهدونها رأيَ عين تترامى بهم إلى دار البوار وأهوالها، كمَن لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، فضلًا عمن اتخذه ربًّا يرجو منه جلبًا أو دفعًا! مدمجٌ فيه التسلِّي ثانيًا.

стр. 2327

وفي العدول عن صريح الاسم إلى قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ﴾ تفخيمًا (١) بواسطة الإبهام المضمَّن في إيراده موصولًا، مع تحقيقِ أن القيام كائن وهم محقِّقون، ما يداهش (٢) له الألباب، ويقضي من بديع إيراده العجبَ العجاب، وفي قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ﴾ بوضعه مقامَ المضمر الراجع إلى (مَن) دلالةٌ على أن (٣) المتوحِّد ذاتًا واسمًا جعلوا له (٤) شركاءَ لا شريكًا كذلك، ولا يَهْلِك على الله إلا هالك، وفي حذف الخبر تعظيمًا للقالة وتحقيرًا لمن هو (٥) بتلك الحالة ما لا يخفى من الجزالة. ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ كان قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ﴾ كافيًا في هدم قاعدة الإشراك؛ للتفرع السابق، والتحقيقِ بالوصف اللاحق، وهو إبطالٌ من طرف الحق، فذيَّله بإبطاله من طرف النقيض على أبلغ وجه؛ أي: ألزمْهم بذلك، فإنهم إنْ سمَّوهم قالوا: حجر أو خشب أو نحاس أو نحو ذلك، فافتَضَحوا بإشراكهم بمن لا يستحق العبادة إلا هو وحده، رُوعي فيه أنه لا أسماء للشركاء فضلًا عن المسمَّى على الكناية الإيمائية، ثم بولغ فيه بأنه لا يستأهل السؤال عن حالها لظهور فساده (٦)، وسلك فيه مسلك الكناية التلويحية من نفي العلم على نفي المعلوم، ثم منه على عدم الاستئهال. ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ﴾: بل أتنبئونه ﴿بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾: بشركاء لا يعلمهم في

стр. 2328

الأرض، يعني: بما ليس بشيء؛ لأن ما لا يعلمه عالم الغيب والشهادة لا وجود له؛ كقوله: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٨]، والهمزة المضمَّنة فيها تدل على التوبيخ، وتقريرِ أنهم يريدون أن ينبِّئوا عالم السر والخفيَّات بما لا يَعلم، وهذا محالٌ على محالٍ، ثم أضرب عن ذلك، وقال: قد بين (١) الشمس لذي عينين، وما تلك التسميةُ إلا بظاهر من القول من غير أن يكون تحته طائل، وما هو إلا مجردُ صوت فارغ. ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾، أي: بل أتسمُّونهم شركاء بمجرد ظاهر القول، وإطلاقِ لفظة الشركاء أو الآلهة من غير أن يكون لذلك معنًى وحقيقةٌ من الألوهية والمشارَكة؛ كقوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [يوسف: ٤٠]. وهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة التي ورد عليها منادٍ على نفسه بلسانٍ طَلْقٍ ذَلِقٍ أنه ليس من كلام البشر لمن عرف وأَنصف من نفسه، ومَن زاد على هذا قولَه: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فقد أتى بكلمة حقٍّ أريد بها باطل يدندن بها مَن هو عن حلية (٢) الإنصاف عاطل (٣).

стр. 2329

﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾: تمويهُهم، فتخيَّلوا أباطيل ثم قالوها، أو اختداعُهم للضعفة. ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾: سبيل الحق، وقرئ: ﴿وَصُدُّوا﴾ بالفتح (١)؛ أي: وصَدُّوا الناس عن الإيمان، و: (صدٌّ) بالتنوين عطفًا على ﴿مَكْرُهُمْ﴾ (٢). ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ بالخذلان ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾: فما له من أحد يقدر على هداية (٣) بوجهٍ من الوجوه. * * * (٣٤) - ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بالقتل والأسر وسائر ما يصيبهم من المصيبات. ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ﴾ لدوامه وشدةِ إيلامه. ﴿وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾: من عذاب اللّه تعالى في الدارين، قيل: أو من رحمته، ولا يساعده المساق، ولا يوافقه عبارة ﴿وَاقٍ﴾. ﴿مِنْ وَاقٍ﴾: من ساترٍ (٤) يحفظهم عن العذاب ويحميهم، فـ ﴿مِنْ﴾ الأولى صلة ﴿وَاقٍ﴾ قدِّمت عليه، والثانيةُ مزيدة للتأكيد. ولمَّا ذَكر ما أعدَّ للكفار في دار القرار ذكر ما أعدَّ للمؤمنين فيها فقال:

стр. 2330

(٣٥) - ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾. ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾: صفتُها التي في غرابة المثل، تقول: مثلتُ الشيءَ: إذا وصفتَه وقرَّبته للفهم، وارتفع ﴿مَثَلُ﴾ على الابتداء في مذهب سيبويه والخبرُ محذوف؛ أي: فيما قصَصْنا عليهم مثلُ الجنة (١). ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ تفسير لذلك المثَل؛ أي: في غاية النزهة، وذلك أن العرب كانوا في عوز من الماء، فكانوا يَعدُّون هذا أعظم نزهةٍ، أو حالٌ من العائد المحذوف من الصلة. وقيل: هي (٢) خبره على طريقة قولك: صفةُ زيدٍ أسمرُ. أو على حذف موصوف؛ أي: مَثَلُ الجنة جنةٌ تجري، فعلى هذا لفظُ المثَل على حقيقته قُصد به تمثيل الغائب في الشاهد لم يُسْتَعرْ (٣) من القول السائر للصفة الغريبة. ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ لا ينقطع، والأُكُل: ما يؤكل فيها. ﴿تِلْكَ﴾؛ أي: وظلُّها كذلك لا يُنسخ كما يُنسخ في الدنيا بالشمس. ﴿تِلْكَ﴾؛ أي: الجنة الموصوفة ﴿عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ عن الكفر: مآلهم ومنتهى أمرهم. ﴿وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ لا غير. وفي ترتيب النَّظمَين إطماع للمتقين وإقناط للكفار.

стр. 2331

(٣٦) - ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾. ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾؛ أي: مَن أسلم من اليهود كعبد اللّه بن سلام وأضرابه، ومن النصارى وهم ثمانون رجلًا: أربعون بنجران، وثمانيةٌ باليمن، واثنان وثلاثون بالحبشة. ﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أو عامتُهم (١) فإنهم كانوا يفرحون بما نزل موافقًا لمَا في كتبهم. ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ﴾؛ أي: كفارهم الذين تحزَّبوا على رسول اللّه ﷺ بالعداوة؛ نحو كعب بن الأشرف، والعاقبِ والسيد أُسقفي نجران، وأشياعِهما. ﴿مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ وهو ما يخالف شرائعهم وما حرَّفوه منها، دون الأقاصيص وما يوافقها. ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ﴾ شيئًا، جواب للمنكرين؛ أي: قل لهم: إنما أمرت فيما أُنزل إليَّ بأن أعبد اللّه ولا أشركَ به، وهو العمدة في الإسلام، ولا سبيل لكم إلى إنكاره لأنكم قائلون بوجوب عبادته وتوحيده، وأما ما يخالف بعض شرائعكم من جزئيات الأحكام، فليس الاختلاف ببدع في الكتب الإلهية. وقرئ: (ولا أشركُ) بالرفع على الاستئناف (٢).

стр. 2332

﴿إِلَيْهِ أَدْعُو﴾ لا إلى غيره ﴿وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾: مرجعي للجزاء لا إلى غيره، فلا معنى لإنكاركم؛ لأن هذا هو القَدْرُ المتفق عليه بين الأنبياء كلِّهم، فأما ما عدا ذلك من التفاريع فمما يختلف بالأعصار والأمم، فلا معنى لإنكاركم المخالَفة فيه. * * * (٣٧) - ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾. ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: مثلَ ذلك الإنزال المشتمِل على أصول الديانات المجمَع عليها ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ أصل الكلام: أنزلناه هذا الإنزالَ الذي تشاهدونه مشتمِلًا على التوحيد والدعوة إليه، فأُوثر ذلك تفخيمًا، وجيء بالمثل زيادةً له، ولأمر ما أكثر في كتابه الكريم (١) من إيراد هذا الأسلوب. ﴿حُكْمًا﴾ يحكم في القضايا والوقائع بما تقتضيه الحكمة. ﴿عَرَبِيًّا﴾ مترجَمًا بلسان العرب ليسهُل لهم فهمه وحفظه، وانتصابه على الحال. ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ التي يدعونك إليها من الأمور الموافِقة لدينهم وخصوصًا الصلاةُ إلى قِبلتهم بعد ما حوِّلْتَ عنها. ﴿بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ بنسخ ذلك. ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾ يَنصرك ويمنع العقاب عنك، وهو حسم لأطماعهم، وتهييجٌ للمؤمنين على الثبات في الدِّين، واللام في (لئن) موطِّئةٌ للقسَم، و ﴿مَا لَكَ﴾ جوابُه (٢) سدَّ مسدَّ جواب الشرط.

стр. 2333

(٣٨) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾: بشرًا مثلَك، والتنكير للتكثير. ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ﴾ فيه تغليبٌ للأكثر على الأقل، وإلا فمنهم مَن لا زوج له ولا ذرية كعيسى ﵇. ﴿أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾: نساءً وأولادًا كما هو (١) لك، كانوا يَعيبونه ﵇ بالزواج والولاد، كما كانوا يقولون: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٧]، وكانوا يقترحون عليه الآيات، وينكرون النسخ، فقيل: كان الرسل قبله كذلك ذوي أزواج وذريات. ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ﴾: ما صحَّ، ولم يكن في وسعه ﴿أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ﴾ مما اقتَرح عليه قومه، ولا مما اقتضاه رأيه ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فإنه القادر على ذلك، الحكيم الذي لا يفعل إلا ما اقتضته الحكمة. ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾؛ أي: ولكل (٢) وقتٍ ومدةٍ حكمٌ يُكتب على العباد بحسَب ما يقتضيه استصلاحُهم (٣)، فإن الشرائع مصالح الأحوال والعباد، والاستعدادات (٤) تختلف في الأوقات والأزمان فتختلف الشرائع بحسب ذلك. * * *

стр. 2334

(٣٩) - ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾: ينسخ ما يكون الصلاح في نسخه. ﴿وَيُثْبِتُ﴾ بدَله ما هو صالحٌ أو أصلحُ في وقته (١) لعباده، أو يتركه غيرَ منسوخ. وقيل: يمحو سيئات التائب ويثبت بدلَها الحسنات. وقيل: يمحو من كتاب الحفَظة ما لا يتعلق به الجزاء، ويترك ما يتعلق به مثبَتًا. وقيل: يمحو قَرْنًا ويثبت آخر (٢). وقيل: يمحو الفاسدات ويثبت الكائنات. ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾؛ أي: أصل كلِّ كتاب، وهو اللوح المحفوظ، إذ لا كائن إلا وهو مكتوب فيه. * * * (٤٠) - ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾. ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾؛ أي: وكيف ما دارت الأحوال: أريناك بعض ما وعدناهم من العذاب النازل بهم أو توفَّيناك قبله ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾: فما عليك إلا تبليغ الوعيد بالعقوبة لا تعجيلُها. ﴿وَعَلَيْنَا﴾ لا عليك ﴿الْحِسَابُ﴾: حسابهم؛ أي: مراعاةُ أجَلها المعلوم، والإيقاعُ بهم عند الوقت المحتوم. ولمَّا نهاه ﵇ عن الاهتمام بغير التبليغ، والتضجُّرِ لتأخُّر النصر، عقَّبه بالتسلية، وطيَّب نفسَه ونفَّس عنها بذكر طلائع ما وَعد بقوله:

стр. 2335

(٤١) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ﴾: أرضَ الكفرة ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ بما نفتحه على المسلمين منها [فننقُص من دار الحرب ونزيد في دار الإسلام. ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ اعتراضٌ لا محل لها، أو حالٌ كأنه قيل: نافذًا حكمُه؛ كما تقول: جاءني زيد لا عمامةَ على رأسه؛ أي: حاسرًا. والمعقِّب: الذي يَكِرُّ على الشيء ويُبطله، وحقيقتُه: الذي يُعقِّبه بالرد والإبطال، ومنه قيل لصاحب الحق: معقِّب؛ لأنَّه يقفِّي غريمَه بالتقاضي والطلب. والمعنى: لا رادَّ لحكمه ولا مُبطِلَ، وقد حكم للإسلام بالظهور والإقبال، وعلى الكفر بالتراجع والإدبار، وذلك كائن لا يمكن لأحد تغييرُه، وهذا من تباشيره. ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ فعمَّا قليل يحاسبهم في الآخرة، ويجازيهم بأشد العذاب بعد عذاب الدنيا بالقتل والإجلاء. * * * (٤٢) - ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾. ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ بأنبيائهم والمؤمنين منهم. ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ جملةٌ تعليليَّة أُقيمت مقام المحذوف، وهو المعطوف على ما ذكر قبلها، تقديره: ولا عبرةَ بمكرهم فلله المكر جميعًا، وصفَهم بالمكر ثم جعل

стр. 2336

مكرَهم بالنسبة إلى مكره كَلَا مكرٍ عند مكره تعالى؛ لأنَّه (١) القادر على إيقاع المراد من المكر بهم دونهم فلا مكر إلا مكرَه تعالى. ﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ فيُعدُّ (٢) جزاءه لاضمحلال كلِّ مكر عند مكره تعالى؛ لأنَّه إذا علم كلَّ ما كسبوا، وأعدَّ لهم جزاءه، فيأتيهم به بغتةً من حيث لا يعلمون، كأنَّ المكر كلَّ المكر له تعالى. ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ﴾: وحينئذ يُعلمهم ﴿لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾: لمن حسنُ العاقبة من الفريقين، والسينُ لوجوب وقوع ذلك، وعلمِهم به حالَ وقوعه، واللام في ﴿لِمَنْ﴾ دلت على أن المراد بالعقبى المضافِ إلى الدار: العاقبةُ المحمودة. وقرئ: (سيَعْلَم الكفرُ) (٣)؛ أي: أهلُه، و: (سيُعْلَم) من أَعْلَمَ: إذا أخبره (٤). * * * (٤٣) - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾. ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ قيل: المراد بهم رؤساء اليهود. ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ حيث أظهر من الدلائل الواضحة والحجج البيِّنة على رسالتي (٥) ما يُغني عن شاهدٍ يَشهد عليها.

стр. 2337

﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾: والذي عنده علمُ القرآن - وما ألِّف عليه من النَّظم المعجِز الفائت لقوى البشر - والتوراةِ والإنجيل من علماء الكتاب الذين أسلموا كعبد اللّه بن سلام وأضرابه؛ لأنهم يشهدون بنعته ﵇ في كتبهم. وقيل: هو اللّه ، والكتاب: اللوح المحفوظ، والمعنى: كفى بالذي يَستحق العبادة، وبالذي لا يَعلم ما في اللوح المحفوظ إلا هو، شهيدًا بيني وبينكم. ويؤيِّده قراءةُ مَن قرأ: (ومن عندِه) بالكسر (١)، و ﴿عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ على الأول يرتفع (٢) بالظرف لأنَّه معتمد على الموصول، أو مبتدأٌ خبره الظرف، وهو متعين على الثاني. وقرئ: (ومن عندِه عُلِمَ) على الحرف وبناءِ الفعل للمفعول ورفع (الكتابُ) (٣)، واللّه أعلم بالصواب. * * *

стр. 2338

سُورَةُ إبرَاهِيمَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) - ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. ﴿الر كِتَابٌ﴾؛ أي: هو كتاب ﴿أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ حجَّةً على رسالتك بإعجازه. ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ﴾ كافَّةً بدعائك إيَّاهم إلى الدِّين الحقِّ. ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾: من أنواع الضَّلال ﴿إِلَى النُّورِ﴾: إلى الهدى. ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾: بتوفيقه وتسهيله، مستعارٌ من الإذن الذي هو تسهيل الحجاب (١)، متعلِّق بـ (تُخرج)، أو حالٌ من فاعله أو مفعوله. ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ بدل من قوله: ﴿إِلَى النُّورِ﴾ بتكرير العامل، أو استئناف كأنَّه قيل: إلى أيِّ نور؟ قيل (٢): ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. وأضاف الصراط إلى الله لأنَّه مَقْصِده (٣)، أو المبيِّن له، وتخصيص الاسمين بالذِّكر يدلُّ على أنه يُعِزُّ سالكه، ويجعله حميدًا بكماله. * * *

стр. 2339

(٢) - ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ عطف بيان لـ ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾؛ لأنَّه يجري مجرى أسماء الأعلام؛ لغلبته واختصاصه بالمعبود بالحقِّ. وقرئ بالرَّفع على: هو اللّه (١). ﴿وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِين﴾ وعيدٌ لمن كفر بالويل، وهو نقيض النَّجاة، وأصله النَّصب لأنَّه مصدر، فعدل إلى الرَّفع لإفادة معنى الثَّبات، كما في: سلام عليك. واتصال قوله: ﴿مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ له بالمعنى المذكور ظاهر، فلا حاجة إلى صرفه للتَّلفُّظ بكلمة التَلهُّف من شدَّة العذاب. * * * (٣) - ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾. ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾؛ أي: على الحياة الآخرة. والاستحبابُ: استفعال من المحبَّة؛ لأنَّ المختار للشيء على غيره كأنَّه يطلب من نفسه أن يكون أحبَّ إليها من الآخر، وتعديته بـ ﴿عَلَى﴾ لتضمُّنه معنى الإيثار والاختيار. ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بتعويق النَّاس عن الإيمان.

стр. 2340

وقرئ: (ويُصِدُّون) من أصدَّه (١)، وهو منقول من صَدَّ صُدودًا: إذا تنكَّب (٢)، وليس بفصيح؛ كأَوْقفه؛ لأن في صدَّه ووَقَفه مندوحةً عن تكلُّف التَّعدية بالهمزة. ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أصله: يبغون لها، فحذف الجارُّ، وأُوصل الفعل؛ أي: يطلبون لها زيغًا (٣) واعوجاجًا بأن يقولوا لمن يصدونه عنها: إنها سبيلٌ ناكبة عن الحقِّ غير مستقيمة. والموصول بصلته يحتمِل النَّصب على الذَّمِّ والرَّفع عليه، ولا يحتمِل الجرَّ صفةً لـ (الكافرين)؛ لأنَّ فيه الفصلَ بين الصفة والموصوف بأجنبيٍّ منهما، وهو قوله: ﴿مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾؛ لِمَا عرفْتَ أنَّ اتِّصاله بالويل، وعلى الرفع يجوز أن يكون مبتدأً خبره: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ عن طريق الحقِّ؛ أي: ضلالٍ فيه بُعْدٌ؛ لأنَّ الضَّالَّ قد يضِلُّ عن الطَّريق مكانًا قريبًا، وقد يضِلُّ مكانًا بعيدًا. والأفصحُ أنَّ وصفَ الضَّلال بالبُعْدِ من باب الإسناد المجازيِّ؛ لأنَّ البعد في الحقيقة للضَّالِّ المتباعد عن الطَّريق، فوُصف به فعله، كقولهم: جَدَّ جَدُّه؛ للمبالغة. وتنكيره للتَّكثير، وفي جعله ظرفًا لهم دلالةٌ على تمكُّنهم فيه تمكُّنَ المظُّروف في الظَّرف، وتصويرٌ لاشتمال الضَّلال عليهم اشتمالَ المحيط على المُحَاط، فيكون كنايةً بالغة في إثبات الوصف المذكور لهم على الوجه الأبلغ. * * *

стр. 2341

(٤) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾: بلغةِ قومه الذين (١) بُعِثَ فيهم كأنبياء بني إسرائيل، أو أُرسل إليهم كلوط ويونسَ ﵉. فمَن قال: الذين (٢) هو منهم وبُعِث فيهم، لم يصب. وقرئ: (بلِسْنِ) (٣)، وهو لغة فيه كريشٍ ورِياش، و: (لُسُن) بضمَّتين (٤)، وضمةٍ وسكون على الجمع كعُمُدٍ وعُمْدٍ (٥). ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ما يدعوهم إليه، فيَفقهوه بسهولة، ثم ينقلوه ويُترجموه لغيرهم، فإنَّهم أحقُّ برعاية حالهم (٦)، سواءٌ كان مبعوثًا فيهم أو مرسَلًا إليهم. ومَن قال: أي: ليفقهوا عنه ما يدعوهم إليه فلا يكون لهم حجَّةٌ على اللّه (٧)، ولا يقولوا: لم نفهم ما خوطبنا به. فكأنه غفل عن أنَّ المحذور المذكور يندفع بترجمته لهم.

стр. 2342

وأيضًا لغير العرب من الأمم (١) أن يحتجَّ بما ذكره على نبيِّنا ﷺ ، ولا جواب عنه إلا بما قلنا، ولا دلالة في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت: ٤٤] على أنَّه (٢) يكون لهم مجال الاحتجاج بالوجه المذكور على تقدير نزوله بلغة أخرى. وأما ما قيل: ولو نزل على مَن بعث إلى أمم مختلفة كتبٌ على ألسنتهم استقلَّ ذلك بنوع من الإعجاز، ولكن أدَّى إلى اختلاف الكلمة وإضاعة فضل الاجتهاد في تعلُّم الألفاظ ومعانيها والعلوم المتشعِّبة منها، وما في إتعاب القرائح وكدِّ النَّفس مِنَ القُرَبِ المقتضية لجزيل الثَّواب= فمبناه الغفول عن أنَّ ما ذكر من الفوائد فوائتُ على تقدير التَّرجمة من رسول الله ﷺ ، وقد عرفْتَ أنَّ مدار الكلام وتمام المرام عليها على تقدير عموم الرسالة وخصوص النُّزول. ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ بالخذلان ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ بالتَّوفيق. وفيه دفع ما سبق إلى الوهم من البيان البالغ في تسهيل الفهم أن يكون ذلك كافيًا في تمام أمر (٣) الهداية، فينسدُّ باب الضَّلالة والغواية (٤). وفي التَّرتيب بأداة التَّسبيب إشارة إلى أن ما ذكر من الإرسال مع كونه على وجه الكمال كان في حقِّ قومٍ سببًا للضَّلال. ﴿وَهُوَ الْعَزِيز﴾ فلا يُغلَب على مشيئته ﴿الْحَكِيمُ﴾ فلا يَهدي ولا يُضلُّ إلا لحكمة.

стр. 2343

(٥) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾؛ يعني: اليدَ والعصا وسائرَ معجزاته. ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ﴿أَنْ﴾ مفسِّرة معناها: أي؛ لأنَّ في الإرسال (١) معنى القول؛ أي: أرسلناه وقلنا له: أَخْرِج. أو مصدرَّية؛ أي: أرسلناه بأنْ أخرج؛ لأن صيغ الأفعال في الدلالة على المصدر سواءٌ، فيصح وصلها بالأمر كوصلها بالخبر، وأن يُوصل بها (أنْ) النَّاصبة. ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾: بنعمائه وبلائه. ذكره ابن عباس ﵄ (٢)، وهو الموافق لقو له تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ والقرآن بعضُه يفسِّر البعض. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ على بلاء الله ﴿شَكُورٍ﴾ على نعمائه، فإنَّه إذا سمع بما أنزل الله تعالى على الأمم من البلاء، وأفاض عليهم من النِّعم، اعتبر وتنبَّه على ما يجب عليه من الصَّبر والشُّكر. وقيل: لكل مؤمن؛ لأن الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر. وإنَّما قدَّم الصَّبر على الشُّكر لأنّه أشقُّ منه، فهو بالاهتمام أحقُّ. والعدول عن الصَّبور مع مناسبته للشَّكور؛ لأنَّه في مقام الحثِّ والتَّحريض بأبلغ صيغتي المبالغة أليقُ. * * *

стр. 2344

(٦) - ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾. ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ﴾؛ أي: اذكروا نعمته وقت إنجائه إيَّاكم، ويجوز أن ينتصب بـ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ إنْ جُعلت مستقرة غيرَ صلة للنِّعمة، وذلك إذا أريد بها العطيَّة دون الإنعام، ويجوز أن يكون بدلًا من ﴿نِعْمَةَ﴾ بدل الاشتمال. ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ أحوال من ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾، أو من ضمير المخاطبين، وعطفُ قوله: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ (١) على ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ (٢) يفيد فائدةً زائدةً على جعله تفسيرًا له كما سبق (٣) في سورة البقرة، وهو أنَّ العذاب جنس يتناول التَّذبيح (٤) والاستحياء والاستعمالَ بالأعمال الشَّاقة، فجعل التَّذبيح كأنه جنس آخرُ برأسه أوفى على جنس العذاب، وزاد عليه بزيادةٍ ظاهرة. ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ﴾: ابتلاء ﴿مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ وإنما كان فعل آل فرعون بلاءً من ربهم؛ لأن الله تعالى ابتلاهم بتمكينهم وإقرارهم عليهم وإمهالهم فيه. ويجوز أن تكون الإشارة إلى الإنجاء؛ لأنَّ البلاء كما يكون بالنِّعمة يكون

стр. 2345

بالنِّقمة، قال الله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨]، وهذا أنسب لقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وعلى الأول تكون عبارة الرَّبِّ للإشارة إلى أن بلاء المؤمن تربيةٌ (١) له. * * * (٧) - ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ من جملة ما قال موسى ﵇ لقومه، منصوبُ المحلِّ بالعطف على ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾، كأنه قيل: وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم واذكروا حين تأذَّن ربكم. ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ لا على إرادة القول على معنى: تأذَّن ربكم فقال؛ لعدم الحاجة إلى التقدير، بل على إجراء ﴿تَأَذَّنَ﴾ مجرى: قال؛ لأنّه ضرب من القول. وفي قراءة ابن مسعود ﵁: ﴿وإذ قال ربُّكم لئن شكرتم﴾ (٢). و ﴿تَأَذَّنَ﴾ بمعنى: آذَنَ، كتوعَّد وأَوْعَد، غير أنَّه أبلغ؛ لِمَا في التَّفعُّل من معنى التَّكلف والمبالغة. ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ يا بني إسرائيل ما خوَّلتكم من نعمة الإنجاء وغيرها بالإيمان والعمل الصالح. ﴿لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ نعمةً إلى نعمةٍ.

стр. 2346

﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ غَمطْتُم (١) ما أنعمْتُ به عليكم. قد صرح الوعد على الشكر بقوله: ﴿لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾، وعرَّض بالوعيد على الكفران حيث قال: ﴿إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾؛ أي: عسى عذابي أن ينالكم بالكفران، ومِن عادة مَن هو أكرم الأكرمين التَّصريحُ بالوعد والتَّعريضُ بالوعيد. * * * (٨) - ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ﴾ يا بني إسرائيل ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ عن شكركم وشكرِ كلِّ شاكر، وما ضررتم بكفرانكم إلا أنفسَكم حيثما حرَمتموها مزيد الإنعام، وعرَّضتُموها للعذاب الشديد. ﴿حَمِيدٌ﴾: مستوجِبٌ للحمد في ذاته، محمودٌ يحمده مَنْ في السماوات من الملائكة، بل كلُّ ذرةٍ من ذرَّات المخلوقات النَّاطقة بنعمه (٢) وحمده. * * * (٩) - ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾. ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ من جملة كلام موسى ﵇، أو ابتداءُ كلام من الله تعالى، والهمزة في ﴿أَلَمْ﴾ (٣) للتَّقرير والتَّوبيخ.

стр. 2347

﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ عطف على ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾، وقوله: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ اعتراض، أو مبتدأ خبره ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ﴾ والجملة اعتراض، والمعنى: أنهم من الكثرة بحيث لا يُعلم عددهم (١)، كأنه يقول: دع التَّفصيل فإنه لا مطمَع في الحصر. قيل: ولهذا كان ابن مسعود ﵁ إذا قرأها (٢) قال: كذَب النَّسَّابون (٣). أي: في دعوى علم الأنساب؛ لأن الله تعالى قد نفى علمها عن العباد. وفيه نظر؛ لعدم دلالةٍ فيه على نفي علم الأنساب مطلقًا (٤)، إنما دلالتُه على نفي علم جميع الأنساب، ولم (٥) يدَّعه أحدٌ من النَّسَّابين. ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾: أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقت به من قولهم: ﴿إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ على زعمكم (٦)، أي: هذا جوابنا لا غير؛ إقناطًا لهم من التصديق. قيل: عضُّوها غيظًا وحنقًا (٧) مما جاءت به الرُّسل؛ كقوله: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩].

стр. 2348

أو وضعوها على أفواههم ضحكًا واستهزاءً كمن غلب عليه الضَّحك فوضع يده على فيه، أو إسكاتًا للأنبياء ﵈ وإشارةً عليهم بالسُّكوت، أو ردُّوها في أفواه الأنبياء ﵈ لذلك (١)، أو وضعوها على أفواههم أيسكتونهم، ولا يذرونهم يتكلَّمون. أو الأيدي جميع يد، بمعنى النِّعمة؛ أي: ردوا أياديهم من التَّوحيد والمعارف والشَّرائع والنَّصائح - التي هي أجَلُّ النِّعَم - في أفواههم؛ لأنهم إذا لم يَقبلوها وكذَّبوها فكأنَّهم ردُّوها إلى حيث جاءت منها على طريق التَّمثيل. ولا يذهب عليك أن الأَوَّلَين (٢) لا يطابقان المقام؛ فإنَّه (٣) يَحكي أوَّل ما جاءهم بالبيِّنات إلى آخر ما ينتهي إليه حالهم، وذانك بعد التَكرار، وأيضًا الرَّدُّ ينبئ عن التَّكرار، وليس، وحاصل (٤) الرَّابع والخامس ما ذكر ثالثًا، لكنَّ الرَّدَّ لا يلائم الثَّالث والخامس، والمعتاد في الإسكات ما في الثَّالث لا ما في الخامس، والسَّادس غير ظاهر الدِّلالة لما فيه من نوع تعقيدٍ، والأيدي بهذا المعنى قليلة الاستعمال، وذِكْرُ الرَّد والأفواه يلائم الجارحة. ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ التَّأكيد في ﴿إنَّا﴾ ﴿وَإِنَّا﴾ للإقناط، والمبالغة في الرَّدِّ والتَّكذيب، والمراد مما (٥) أرسلتم به: الكتبُ والشَّرائع، ومما تدعوننا إليه: التَّوحيد، فتردُّدهم في الثاني لا ينافي قطعهم في الأول.

стр. 2349

﴿مُرِيبٍ﴾: مُوقِعٍ في الريبة، أو (١): ذي ريبة، من أرابَ الرَّجل: إذا صار ذا ريبة، وهي قلقُ النَّفس، وأن لا يطمئِنَّ إلى شيء، وعلى الثاني يكون وصف الشكِّ به من باب الإسناد المجازي. * * * (١٠) - ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ﴾: أفي وحدانيته ﴿شَكٌّ﴾ وفي حذف المضاف وإقامةِ المضاف إليه مقامه تنبيهٌ على أنَّ الله تعالى لا يكون إلَّا واحدًا، فالشَّكُّ في وحدانيته شكٌّ في ذاته. و ﴿شَكٌّ﴾ مرتفع بالظَّرف، وأُدخلت همزة الإنكار عليه مع تقديمه لأنَّ الكلامَ في المشكوك فيه لا في الشكِّ؛ أي: إنما ندعوكم إلى الإيمان بالله ووحدانيته، وهو لا يحتمل الشكَّ لظهور الأدلَّة، وشهادةِ وجود السماوات والأرض عليه. ثمَّ نبَّههم على الوصف الذي يقتضي أن لا يقع فيه شكٌّ البتَّة بقوله: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وهو صفة، ولا (٢) يضرُّه الفصل بين الموصوف وصفته بمثل هذا المبتدأ (٣)، أو بدل.

стр. 2350

﴿يَدْعُوكُمْ﴾ إلى الإيمان ببعثه إيَّانا ليغفر لكم، وفيه دلالة على أن الكافر مُؤَاخَذٌ بكفره قبل البعثة - وإن لم يكن مؤاخَذًا بغيره - لكفاية العقل الصحيح. ﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ﴾ لمصلحتكم لا لمصلحة نفسه. ﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾: بعض ذنوبكم، وهو الكفر؛ لِمَا عرفْتَ أنهم لا يؤخذون قبل البعثة، ففي قوله: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ﴾ توطئةٌ لهذا التَّبعيض على تقدير تقريرنا معناه، وعلى تقدير أن يكون المعنى: يدعوكم إلى المغفرة، على إقامة المفعول له مقام المفعول به، كما في قولك: دعوتك لتنصرني= تفوت هذه التَّوطئة وتلك الدلالة. وقيل في وجه التَّبعيض: إن المغفور قطعًا ما فعلوه حالة الكفر، وأما ما يفعلونه بعد الإسلام فهو بحاله. ومأخذ هذين الوجهين يُظهِر السِّرَّ في زيادة (من) في خطاب الكفرة دون المؤمنين في مواضع من القرآن. وفي الأخير فائدة أخرى، وهو إبقاء البعض على الاحتمال؛ لئلا يتَّكلوا (١) على الإيمان وحده، وهذا معنًى حسن. وأما ما قيل: إنه أريد به أنه (٢) يغفر لهم ما بينهم وبين الله تعالى - لأنَّ الإسلام يجبُّه - دون المظالم، فلا يصلح وجهاً للتَّخصيص؛ لاشتراك الفريقين فيه. والتَّوجيه بأنَّ المغفرة حيث جاءت في خطاب الكفار مرتَّبة على الإيمان،
следующие страницы →