﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ غَمطْتُم (١) ما أنعمْتُ به عليكم. قد صرح الوعد على الشكر بقوله: ﴿لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾، وعرَّض بالوعيد على الكفران حيث قال:
﴿إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾؛ أي: عسى عذابي أن ينالكم بالكفران، ومِن عادة مَن هو أكرم الأكرمين التَّصريحُ بالوعد والتَّعريضُ بالوعيد.
* * *
(٨) - ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ﴾ يا بني إسرائيل ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ عن شكركم وشكرِ كلِّ شاكر، وما ضررتم بكفرانكم إلا أنفسَكم حيثما حرَمتموها مزيد الإنعام، وعرَّضتُموها للعذاب الشديد.
﴿حَمِيدٌ﴾: مستوجِبٌ للحمد في ذاته، محمودٌ يحمده مَنْ في السماوات من الملائكة، بل كلُّ ذرةٍ من ذرَّات المخلوقات النَّاطقة بنعمه (٢) وحمده.
* * *
(٩) - ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾.
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ من جملة كلام موسى ﵇، أو ابتداءُ كلام من الله تعالى، والهمزة في ﴿أَلَمْ﴾ (٣) للتَّقرير والتَّوبيخ.
стр. 2347
﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ عطف على ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾، وقوله: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ اعتراض، أو مبتدأ خبره ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ﴾ والجملة اعتراض، والمعنى: أنهم من الكثرة بحيث لا يُعلم عددهم (١)، كأنه يقول: دع التَّفصيل فإنه لا مطمَع في الحصر.
قيل: ولهذا كان ابن مسعود ﵁ إذا قرأها (٢) قال: كذَب النَّسَّابون (٣). أي: في دعوى علم الأنساب؛ لأن الله تعالى قد نفى علمها عن العباد.
وفيه نظر؛ لعدم دلالةٍ فيه على نفي علم الأنساب مطلقًا (٤)، إنما دلالتُه على نفي علم جميع الأنساب، ولم (٥) يدَّعه أحدٌ من النَّسَّابين.
﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾: أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقت به من قولهم: ﴿إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ على زعمكم (٦)، أي: هذا جوابنا لا غير؛ إقناطًا لهم من التصديق.
قيل: عضُّوها غيظًا وحنقًا (٧) مما جاءت به الرُّسل؛ كقوله: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩].
стр. 2348
أو وضعوها على أفواههم ضحكًا واستهزاءً كمن غلب عليه الضَّحك فوضع يده على فيه، أو إسكاتًا للأنبياء ﵈ وإشارةً عليهم بالسُّكوت، أو ردُّوها في أفواه الأنبياء ﵈ لذلك (١)، أو وضعوها على أفواههم أيسكتونهم، ولا يذرونهم يتكلَّمون.
أو الأيدي جميع يد، بمعنى النِّعمة؛ أي: ردوا أياديهم من التَّوحيد والمعارف والشَّرائع والنَّصائح - التي هي أجَلُّ النِّعَم - في أفواههم؛ لأنهم إذا لم يَقبلوها وكذَّبوها فكأنَّهم ردُّوها إلى حيث جاءت منها على طريق التَّمثيل.
ولا يذهب عليك أن الأَوَّلَين (٢) لا يطابقان المقام؛ فإنَّه (٣) يَحكي أوَّل ما جاءهم بالبيِّنات إلى آخر ما ينتهي إليه حالهم، وذانك بعد التَكرار، وأيضًا الرَّدُّ ينبئ عن التَّكرار، وليس، وحاصل (٤) الرَّابع والخامس ما ذكر ثالثًا، لكنَّ الرَّدَّ لا يلائم الثَّالث والخامس، والمعتاد في الإسكات ما في الثَّالث لا ما في الخامس، والسَّادس غير ظاهر الدِّلالة لما فيه من نوع تعقيدٍ، والأيدي بهذا المعنى قليلة الاستعمال، وذِكْرُ الرَّد والأفواه يلائم الجارحة.
﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ التَّأكيد في ﴿إنَّا﴾ ﴿وَإِنَّا﴾ للإقناط، والمبالغة في الرَّدِّ والتَّكذيب، والمراد مما (٥) أرسلتم به: الكتبُ والشَّرائع، ومما تدعوننا إليه: التَّوحيد، فتردُّدهم في الثاني لا ينافي قطعهم في الأول.
стр. 2349
﴿مُرِيبٍ﴾: مُوقِعٍ في الريبة، أو (١): ذي ريبة، من أرابَ الرَّجل: إذا صار ذا ريبة، وهي قلقُ النَّفس، وأن لا يطمئِنَّ إلى شيء، وعلى الثاني يكون وصف الشكِّ به من باب الإسناد المجازي.
* * *
(١٠) - ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾.
﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ﴾: أفي وحدانيته ﴿شَكٌّ﴾ وفي حذف المضاف وإقامةِ المضاف إليه مقامه تنبيهٌ على أنَّ الله تعالى لا يكون إلَّا واحدًا، فالشَّكُّ في وحدانيته شكٌّ في ذاته.
و ﴿شَكٌّ﴾ مرتفع بالظَّرف، وأُدخلت همزة الإنكار عليه مع تقديمه لأنَّ الكلامَ في المشكوك فيه لا في الشكِّ؛ أي: إنما ندعوكم إلى الإيمان بالله ووحدانيته، وهو لا يحتمل الشكَّ لظهور الأدلَّة، وشهادةِ وجود السماوات والأرض عليه.
ثمَّ نبَّههم على الوصف الذي يقتضي أن لا يقع فيه شكٌّ البتَّة بقوله:
﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وهو صفة، ولا (٢) يضرُّه الفصل بين الموصوف وصفته بمثل هذا المبتدأ (٣)، أو بدل.
стр. 2350
﴿يَدْعُوكُمْ﴾ إلى الإيمان ببعثه إيَّانا ليغفر لكم، وفيه دلالة على أن الكافر مُؤَاخَذٌ بكفره قبل البعثة - وإن لم يكن مؤاخَذًا بغيره - لكفاية العقل الصحيح.
﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ﴾ لمصلحتكم لا لمصلحة نفسه.
﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾: بعض ذنوبكم، وهو الكفر؛ لِمَا عرفْتَ أنهم لا يؤخذون قبل البعثة، ففي قوله: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ﴾ توطئةٌ لهذا التَّبعيض على تقدير تقريرنا معناه، وعلى تقدير أن يكون المعنى: يدعوكم إلى المغفرة، على إقامة المفعول له مقام المفعول به، كما في قولك: دعوتك لتنصرني= تفوت هذه التَّوطئة وتلك الدلالة.
وقيل في وجه التَّبعيض: إن المغفور قطعًا ما فعلوه حالة الكفر، وأما ما يفعلونه بعد الإسلام فهو بحاله.
ومأخذ هذين الوجهين يُظهِر السِّرَّ في زيادة (من) في خطاب الكفرة دون المؤمنين في مواضع من القرآن.
وفي الأخير فائدة أخرى، وهو إبقاء البعض على الاحتمال؛ لئلا يتَّكلوا (١) على الإيمان وحده، وهذا معنًى حسن.
وأما ما قيل: إنه أريد به أنه (٢) يغفر لهم ما بينهم وبين الله تعالى - لأنَّ الإسلام يجبُّه - دون المظالم، فلا يصلح وجهاً للتَّخصيص؛ لاشتراك الفريقين فيه.
والتَّوجيه بأنَّ المغفرة حيث جاءت في خطاب الكفار مرتَّبة على الإيمان،
стр. 2351
وحيث جاءت في خطاب المؤمنين مشفوعة بالطَّاعة والتَّجنب عن المعاصي ونحو ذلك، فتناوُلُ الخروج عن المظالم منظور فيه؛ لأنَّ تمام التقريب به على تقدير أن يكون معنى قوله: (مرتبة على الإيمان): مرتَّبةً عليه وحده، وحينئذ يتَّجه النَّقض بقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٢ - ٤].
ثمَّ إنَّ منشأَه ومنشأَ ما قدَّمه في دعوى الاطِّراد في زيادة (من) في خطاب الكفرة: الغفولُ (١) عن قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
ومَن قال في تفسير سورة الأنفال: إن الحربي إذا أسلم لم يبقَ عليه تَبعةٌ قطُّ، ثمَّ جوَّز هاهنا أن يكون (٢) التَّبعيض لإخراج المظالم عن حيِّز الإرادة، فقد غفل عمَّا قدَّمه.
﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قد سمَّاه الله تعالى وبيَّنَ مقداره، وقضى أن يبلِّغكم إليه إن آمنتم، وإلَّا عاجلكم بالإهلاك قبل ذلك الوقت.
﴿قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ لا فضلَ لكم علينا، فَلِمَ تُخَصُّون بالنُّبوَّة دوننا، ولو شاء الله تعالى أن يبعث إلى (٣) البشر لبعثَ من جنسٍ أفضل.
﴿تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ بهذه الدَّعوى.
стр. 2352
﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ يدلُّ على فضلكم واستحقاقكم لهذه (١) المزيَّة، أو على صحَّة دعواكم، وقد جاءت رسلهم بالبيِّنات والحُجَج فلم يعتدُّوا بها مكابرةً وعنادًا، واقترحوا عليهم غيرها تعنُّتًا ولجاجًا.
* * *
(١١) - ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ تسليمٌ للمماثلة في البشريَّة.
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ إثبات للمزيَّة بمحضِ الامتنان والعناية، لا لفضلٍ لهم يقتضي ذلك؛ تواضعًا منهم وهضمًا لأنفسهم، فلا دلالة فيه على عدم التفاوت بين أفراد البشر في الاستعداد والاستحقاق (٢) للرِّسالة، وقد دلَّ قولُه تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] على التَّفاوت فيه، ولا إيجاب بحسَبه حتى ينافيَ الاختيار.
﴿وَمَا كَانَ﴾: وما (٣) صحَّ ﴿لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: إلَّا بتيسيره؛ أي: ليس إلينا الإتيان بما اقترحتُموه، إنما هو أمرٌ متعلِّقٌ بمشيئة الله تعالى، فيَخص كلَّ نبيٍّ بنوعٍ من الآيات.
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ تعميمٌ قصدوا به تخصيص أنفسهم على
стр. 2353
وجه الأوَّلويَّة والأوليَّة (١)، وإشعارٌ بأنَّ قضية الإيمان وجوب التَّوكُّل على الله تعالى، فأمروا المؤمنين كلَّهم به، والمراد أمرهم أنفسهم.
وفيه نزولٌ عن حقِّهم وتواضع وهضمٌ لأنفسهم، حيث نزلوا إلى مراتب آحاد المؤمنين، ومبالغةٌ في وجوبه عليهم، كأنّهم قالوا: ومنْ حقِّنا أن نتوكَّل على الله في الصَّبر على معاندتكم ومعاداتكم، فإنَّ ذلك حقُّ كلِّ مؤمن، فكيف بالأنبياء؟!
* * *
(١٢) - ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾.
ألا ترى إلى قولهم: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾؛ أي: وأيُّ عذرٍ لنا في أنْ لا نتوكَّل عليه.
﴿وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ وقد فعل بنا ما يوجب توكُّلَنا عليه، وهو التَّوفيق لهداية كلٍّ منا سبيلَه الذي يجب عليه سلوكُه في الدِّين حتى عرَفه وعلم أنَّ الأمر كلَّه بيده.
﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾ جواب قسم محذوف أكَّدوا به توكُّلهم على الله تعالى فيما يجري عليهم من إيذاء الكفار، وعدمَ مبالاتهم على سبيل الاعتراض.
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ تكرير الأمر بالتَّوكُل؛ للتَّأكيد، ووجوبِ الثَّبات عليه بعد استحداثه، والفاء للسَّببية (٢) في الموضعَيْن لأنّه مسبَّب عن الإيمان.
* * *
стр. 2354
(١٣) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾.
حلفوا ليكونَنَّ أحدُ الأمرين: إما إخراجكم من دياركم، وإما عودكم في ملتهم، وقد مرَّ في تفسير سورة الأعراف ما تعلَّق بـ (عاد) (١).
﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ أي: إلى (٢) الرُّسل ﵈.
﴿لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ أُجري الإيحاءُ مُجرى القول لأنَّه ضربٌ منه، فلا حاجة إلى إضمار القول، وقرئ: ﴿لَيُهْلِكَنَّ الظالمين وليُسْكِننَّكم الأرض) بالياء (٣) اعتبارًا لـ ﴿فَأَوْحَى﴾، كقوله: أَقْسم زيد ليَخْرجنَّ.
* * *
(١٤) - ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾.
﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ﴾ أي: أرضَهم وديارَهم.
﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: من بعد إهلاكهم، كقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧]، وعن النَّبيِّ ﷺ : "من آذى جارَه ورَّثَهُ اللهُ دارَه" (٤).
стр. 2355
﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى الموحى به، وهو إهلاك الظَّالمين وإسكان المؤمنين ديارَهم؛ أي: ذلك الأمر حقٌّ ﴿لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾، أي: موقفي الذي يُوقَف فيه العباد للحساب يوم القيامة؛ لأنّه موقف الله تعالى، أو: قيامي عليه وحفظي لأعماله، أو على إقحام المقام (١).
﴿وَخَافَ وَعِيدِ﴾ أي: وعيدي بالعذاب، أو عذابه الموعود للكفَّار.
* * *
(١٥) - ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾.
﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾: وطلبوا الفتح، واستنصروا الله على أعدائهم، أو سألوا القضاء بينهم، من الفتاحة وهو الحكومة، كقوله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]، وهو معطوف على (أوحى إليهم ربهم).
وقرئ: (واسْتَفْتِحُوا) على لفظ الأمر (٢)، عطفًا على ﴿لَنُهْلِكَنَّ﴾ أي: أوحى إليهم ربهم وقال لهم: استفتِحوا، والضمير للأنبياء ﵈، وقيل: للكفرة، وقيل: للفريقَيْن؛ فإنَّ كلَّهم سألوه أن ينصر المحِقَّ ويُهلك المبطِل.
﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ منهم، أي: من المستفتِحين، معطوف على محذوفٍ تقديره: ففتح لهم فأفلح المؤمنون وخاب كلُّ جبَّار عنيدٍ متكبِّر على الله تعالى معاندٍ للحقِّ فلم يفلح.
والخيبةُ: إخلافُ ما قدَّرْتَه من المنفعة، ومقابلُه النَّجاح: وهو إدراك الطَّلِبة.
стр. 2356
والعنيد: هو المعاند، إلَّا أنَّ فيه مبالغة، والعناد: الامتناع من الحقِّ مع العلم.
ومعنى (١) الخيبة إذا كان الاستفتاح من الكفرة أو من القبيلتين كان أَوْقَعَ.
* * *
(١٦) - ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾.
﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ أي: من بين يديه وهو واقف عليها؛ قال الزَّجَّاج: الوراء: ما توارى عنك (٢). ولهذا قد يطلق على الخَلف كما في قولهم: قال الجدار للوَتَد: لِمَ تشقُّني؟! قال: سَلْ مَنْ يدقُّني، فإن ما ورائي مَن لا يتركني ورائي (٣).
وقد يطلق على القُدَّام كما في قوله:
أَيَرْجُو بنو مَروانَ سَمْعِي وطَاعَتِي … وقوْمِي تَميمٌ والفَلاةُ ورائِيا (٤)(٥)
وليس من الأضداد.
﴿وَيُسْقَى﴾ معطوف على محذوفٍ، تقديره: يدخلها ويُسقى.
стр. 2357
﴿مِنْ مَاءٍ﴾ التَّنكير للتَّنويع، أي: نوع من الماء غير معهود سقيه. قال مجاهد وغيره: هو ما يسيل من أجساد أهل النَّار (١).
﴿صَدِيدٍ﴾: هو قيح؛ أي: دم مختلط بمِدَّةٍ (٢) يسيل من الجرح، عطفُ بيان لـ ﴿مَاءٍ﴾، فأبهمه إبهامًا، ثم بيَّنه بـ ﴿صَدِيدٍ﴾، وخصَّه مِن بين أنواع العذاب بالذِّكر إيذانًا بأنَّه أشدُّ عذابها (٣)، ولشدَّته قال:
(١٧) - ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾.
﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ للمبالغة، أي: يتكلَّف جرعه ولا يقارب أن يُسيغه، فكيف بالإساغة؟ بل يغصُّ به فيطول عذابه.
والسَّوغ: جواز الشَّراب على الحلق بسهولة وقَبولِ نَفْسٍ.
والتَّجرع: تناوله جرعةً جرعةً على الاستمرار، ويلزمه التَّكلُّف فيه، وما جاء في الحديث بأنه يشربه محمولٌ على ذلك (٤).
وقوله: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ صفةُ الماء، أو حال من الضَّمير في ﴿وَيُسْقَى﴾.
стр. 2358
﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ﴾؛ أي: أسبابُه مع الشدائد.
﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ فيحيط به جميع الجهات، ففيه إطلاق المكان على الجهة تنصيصًا على أنَّ المراد أسباب العذاب الجسماني لا أسباب (١) العذاب الرُّوحاني، وذلك لأنَّ الجهة قد تُوُسِّعَ فيها توسعًا شائعًا بخلاف المكان.
وقيل (٢): من كلِّ مكانٍ من جسده، حتى من أصول شعره وإبهام رجله.
﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾؛ أي: ليس ممَّنْ فقدَ (٣) الحسَّ والشُّعور حتى لا يتألَّمُ، والتَّجوُّز عنه بالميت سائغ شائع في كلام الفصحاء، وقد حسُن هاهنا موقعه؛ لِمَا في ظاهره من الإبهام إلى أنَّ موجب ما ذكر من مجيء أسباب الموت من جميع الجهات هو أن يكون ميتًا.
ومَن حمل الميت على حقيقته فقد نزَّل الكلام عن منزلته، والمناسب لإرادة (٤) الحقيقة إيراده بصيغة المضارع، كما ورد في قوله تعالى: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى: ١٣].
﴿وَمِنْ وَرَائِهِ﴾: من بين يديه ﴿عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ في كلِّ وقت يستقبله؛ أي: يتلقَّى عذابًا أغلظ ممَّا كان قبله، ففيه دفع ما يسبق (٥) إلى الوهم من أن يخفَّف عذابهم بالاعتياد، كما هو المعهود من عذاب أهل الدُّنيا.
* * *
стр. 2359
(١٨) - ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ مبتدأٌ خبره محذوف؛ أي: فيما يُتلَى عليكم، والمثَلُ مستعارٌ للصفَّة التي فيها غرابة.
﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ جملة مستأنفة لبيان مَثَلهم.
وقيل: ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ بدل من المثل، على تقدير: مَثَلُ أعمالهم، والخبر ﴿كَرَمَادٍ﴾، ويجوز أن يكون الخبر هذه الجملة، كما ذُكر في قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥]؛ أي: صفة الذين كفروا أعمالهم كرماد، كقولك: صفةُ زيد عِرضُه مصون وماله مبذول؛ أي: هذا الكلام.
﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾؛ أي: حملته وأسرعَتْ في الذَّهاب به (١).
الاشتدادُ: الإسراعُ بالحركة على عظم الحقوة (٢)، ومنه اشتدَّ به الوجع لأنَّه (٣) أسرع إليه على قوَّةِ ألمٍ.
﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ العصفُ: شدَّةُ الرِّيح، وصف به زمانه للمبالغة، كقوله: نهارُه صائمٌ وليلُه قائم.
شبَّه مكارمهم؛ من صلة الأرحام، وعتق الرِّقاب، وفداء الأسارى، وإكرام الضِّيفان، وإغاثة الملهوفين، والإجارة، وأمثالِها، في حبوطها وكونِها هباءً منثورًا -
стр. 2360
لعدم ابتنائها على اعتقادٍ صحيحٍ من المعرفة والتَّوحيد والإيمان بالله تعالى وبرسوله ﵇ وباليوم الآخر - برمادٍ يَسفيه (١) الرِّيح العاصف.
﴿لَا يَقْدِرُونَ﴾ يوم القيامة ﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾ بأعمالهم.
﴿عَلَى شَيْءٍ﴾ التَّنكير للتَّقليل، والتعبير بالشَّيء للتَّحقير؛ أي: لا يترتَّب عليه أثر من الثَّواب وتخفيف العذاب؛ لحبوطه، وهو فذلكةُ التَّمثيل.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ضلالهم، وهو ابتناءُ أعمالهم على الشَّرك والتَّفاخر والرِّياء.
﴿هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ عن طريق الحقِّ والصَّوابِ، أو عن الثَّواب والخلاص عن العقاب.
* * *
(١٩) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ خطاب لكلِّ واحدٍ من الكفرة على التلوين لقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾، أو لكلِّ مخاطب على العموم، وفيه تعجيب.
﴿أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾: بالحكمة، وما يجب ويحقُّ أن يكون الأمرُ عليه.
﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾؛ أي: مَنْ هو قادر على خلق السَّماوات والأرض، فهو قادر على أن يُعْدمكم ويخلقَ مكانكم خلقًا آخر، ولم يتوقف إلَّا
стр. 2361
على مشيئته، فإنَّ (١) القدرةَ على خلق الأصول وما يتوقَّف عليه خلقُهم، ثم تغيير (٢) الطبائع وتكوينهم منها وتصويرهم، دليل قاطعٌ على أنَّ إعدامهم وإنشاءَ خلق آخر غيرُ ممتنعٍ عليه، ولذلك عقَّبه بقوله:
(٢٠) - ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾.
﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾: بمتعذِّر أو متعسِّر، بل هو هيِّن عليه يسير؛ لأنّه قادر لذاته، لا اختصاص له بمقدور دون مقدور، ومَن هذا شأنه كان حقيقًا بأن يُتَّقَى ويُخاف ويُرْجَى ولا يُعْبَد إلَّا هو وحدَه.
* * *
(٢١) - ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾.
﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾؛ أي: يَبرزون له تعالى يوم القيامة من قبورهم لحساب الله تعالى وحُكمه، أو: يظهرون لله تعالى بأعمالهم وما كسبوا على خلاف ما حَسِبوا؛ لأنهم كانوا يستترون من العيون عند ارتكاب الفواحش ظنًّا منهم أن ذلك خافٍ على الله تعالى، فإذا كان يوم القيامة انكشف غطاؤهم، وعلموا أن لا يخفى على الله تعالى منهم شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يتوارى عنه متوارٍ حتى ذرَّات الهباء، فذلك بروزهم عند أنفسهم بعد ما اعتقدوا خلافه، كقوله: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]، لا أنهم كانوا خافِين عليه فبرزوا في ذلك اليوم؛ إذ لا يخفى عليه
стр. 2362
خافيةٌ وقتًا مّا، وإنما أُبرز يَبرزون في صيغة ﴿وَبَرَزُوا﴾، لتحقق وقوعه، كأَنّه قد وقع وأُخبر عنه.
﴿فَقَالَ الضُّعَفَاءُ﴾: الأتباع (١) والعوامُّ، جمع ضعيف.
قيل: يريد به ضِعاف الرأي. ولا دلالة عليه في الكلام، ولا هو مما يقتضيه المقام.
وإنما كتبت بالواو على لفظِ مَن يفخِّم الألف قبل الهمزة فيُميلها إلى الواو.
﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾: لرؤسائهم الذين استتبعُوهم (٢) واستغَوْوهم.
﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ في تكذيب الرُّسل، والإعراضِ عن نصائِحهم، وهو جمع تابعٍ، كخدم وخادم، أو مصدرٌ نُعت به للمبالغة، وإضمارُ المضاف في مثل هذا لا يناسب البلاغة.
والظاهر أن هذه المحاورة كمحاورة آل فرعون المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ إلخ [غافر: ٤٧]، في النار لا في المحشر، فترتُّب قوله: ﴿فَقَالَ﴾ على المحذوف، لا على المذكور.
﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا﴾ استفهام معناه توبيخهم إيَّاهم وتقريعُهم، وقد علموا أنهم لن يغنوا شيئًا.
﴿مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ الأولى للبيان واقعة موقع الحال، والثانية للتبعيض واقعة موقع المفعول به؛ أي: بعضَ شيء هو عذاب الله؛ أي: كائنًا عذاب الله (٣).
стр. 2363
أو كلاهما للتَّبعيض؛ أي: بعضَ شيء هو بعض عذاب، وتقديره: بعضَ شيء كائنًا بعضَ عذاب الله، فيكون الإعراب بحاله.
أو الأولى مفعول والثانية مصدر؛ أي: بعضَ العذاب بعضَ الإغناء (١).
﴿قَالُوا﴾؛ أي: المستكبرون لمَّا بكَّتهم أتباعُهم بما ذكر، وعلموا أنَّهم لا يقدرون على شيء من الإغناء، أجابوهم معتذرين إليهم عمَّا كان منهم:
﴿لَوْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ للإيمان، وفَّقنا له ﴿لَهَدَيْنَاكُمْ﴾ ولكنْ ضللنا فأَضللنا؛ أي: اخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا، أو: لو هدانا الله طريق النَّجاة من العذاب لهديناكم وأغنينا عنكم كما عرَّضناكم له، ولكن سُدَّ دوننا (٢) سبيلُ الخلاص.
﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا﴾ مستويان عندنا الجزَع والصَّبر، الهمزة و ﴿أَمْ﴾ لتأكيد التَّسوية، كما في قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦].
ولمَّا كان عتاب الأتباع جزعًا عمَّا هم فيه قالوا لهم: ما هذا (٣) الجزع؟ إنَّا مشتركون في العذاب كما كنَّا مشتركين في الضَّلالة، ولا ينفعا الجزع كما لا ينفعنا الصبر (٤).
والجزعُ: إزعاجُ النَّفس بورود ما يغمُّ، ونقيضه الصَّبر، قال الشاعر:
فإنْ تَصْبرا فالصَّبرُ خيرُ مغبَّة (٥) … وإنْ تَجْزعا فالأمرُ ما ترَيان (٦)
стр. 2364
﴿مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾: مَنْجًى ومهربٍ من العذاب، من الحَيْص: وهو العدول على جهة الفِرار؛ إمَّا اسم مكان كالمبيت والمصِيف، أو مصدر كالمغيث والمشيب.
* * *
(٢٢) - ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ﴾ خطيبًا في الأشقياء من الثَّقلَيْن ﴿لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾: قُطع وفرغ منه، وهو الحساب، ودخل أهلُ الجنَّةِ الجنّةَ وأهلُّ النَّارِ النَّارَ.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ وعدًا حقًّا لا خُلف فيه، فوفَّى لكم وأنجزه، وهو البعث والجزاء.
﴿وَوَعَدْتُكُمْ﴾ وعدَ الباطل، وهو أنْ لا بدثَ ولا حسابَ، وإنْ كانا فالأصنام تشفع لكم.
﴿فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ جعل تبيُّنَ خلافَ ظاهر ما وعدهم إخلافًا، حُذف من الجملة الأولى ما أُثبت مقابِلُه في الجملة الثانية، ومن الثانية ما أُثبت مقابلُه (١) في الأولى، وهذا من لطائف الإيجاز، التي بها يرتقي الكلام إلى ذروة الإعجاز.
﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾: من تسلُّط وقسر فأُلجئكم إلى الكفر والمعاصي.
стр. 2365
﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾: إلَّا دعائي إيَّاكم إلى الضَّلالة بوسوستي وتسويلي، وهذا الاستثناء على طريقة قوله:
تحيَّةُ بينِهم ضربٌ وَجيعٌ (١)
لأنَّ الدُّعاء ليس من جنس السُّلطان، بل المرادُ نفي السُّلطان على آكَدِ الوجوه، كأنَّه قال: إنْ كانَ مجرَّد الدُّعاء سلطانًا كانَ لي عليكم سلطان.
﴿فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾: أسرعتُم إجابتي ﴿فَلَا تَلُومُونِي﴾ بوسوستي وإضلالي.
وقرئ: (فلا يلوموني) (٢)، على طريقة الالتفات، كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢].
﴿وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ حيث اغتررتم بمجرَّد دعائي بلا حجَّة ودليل، فأطعتموني ولم تطيعوا ربكم إذ دعاكم على حُجَجٍ وبيِّنات.
لم يُرِد أنَّه (٣) لا يستحقُّ الملامَة، بل يقول: لومُكم أنفسكم أولى بكم؛ إذ أنتم أهلكتم أنفسكم بإجابتكم لي طوعًا.
ولا دلالة فيه على استقلال العبد في أفعاله؛ إذ يكفي في استحقاقه الملامةَ أن
стр. 2366
يكون لقدرته الكاسبة مدخلًا فيه (١)، ومَن قال (٢): وهذا دليل على أنَّ الإنسان هو الذي يختار الشَّقاوة والسَّعادة ويحصِّلهما لنفسه، وليس من الله إلَّا التَّمكين، ولا من الشَّيطان إلَّا التَّزيين، ولو كان الأمر كما تزعم المجبِرة (٣) لقال: فلا تلوموني ولا أنفسَكم فإنَّ الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه= فقد خلَّط في كلامه، وخَبط في تمشية مرامه؛ فإنَّ ما ذكره أوَّلًا يساعده (٤) فيه أهل الحقِّ، وما ذكره ثانيًا وهو مذهب الباطل لا يساعده الشَّيطان أيضًا، وقد نبَّهْت فيما سبق على أنَّه لا دلالة في كلامه عليه، وما ذكره أخيرًا إنَّما يتَّجه على الجبريَّة، لا على أهل الحقِّ القائلين: لا جبرَ ولا تفويضَ، بل أمرٌ بين ذلكَ.
﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾: بمغيثِكم من العذاب ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾: بمغيثيَّ منه.
وقرئ بكسر الياء (٥)، وقد طعن ناسٌ فيه، ولا ينبغي أن يُلتَفَتْ إليه؛ لأنَّها قراءةٌ متواترة، نقلَها السَّلف واقتفى آثارَهم الخلف، وقد نصَّ قُطْربٌ (٦) على أنَّه لغةُ بني يربوع.
стр. 2367
﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ (ما) مصدرية، و ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ متعلِّق بـ ﴿أَشْرَكْتُمُونِ﴾؛ أي: كفرت اليوم بإشراككم إيَّايَ بالله من قبل هذا اليوم في الدُّنيا، بمعنى: بَرِئْتُ منه واستنكرته، كقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾.
أو موصولة و ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ متعلِّق بـ ﴿كَفَرْتُ﴾، و (ما) هذه كالتي في قوله: سبحانَ ما سَخَّرَكُنَّ لنا؛ أي: كفرْتُ بالذي أشركتُمونيه - وهو الله تعالى - بطاعتكم فيما دعوتُكم إليه من عبادتكم الأصنام وغيرها من قبل إشراكِكم، حيث أبيتُ السُّجود لآدم.
وأشركَ: منقولٌ مِنْ شركْتُ زيدًا؛ للتَّعدية إلى مفعول ثان.
﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ تتمَّة كلامه، أو ابتداء (١) كلامٍ من الله تعالى، وفي حكاية قول إبليس في ذلك الوقت إيقاظ للسَّامعين، وتنبيه لهم على ما سيَؤول إليه أمرهم؛ ليحترِزوا اليومَ عن مكائده، ويتعوَّذوا الله تعالى من تسويلاته، ويُخلصوا فيتخلَّصوا (٢) عن تسليطه.
* * *
(٢٣) - ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾.
﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ متعلِّق بـ ﴿وَأُدْخِلَ﴾؛ أي: أدخلتْهم الملائكة الجنّةَ بإذن الله تعالى
стр. 2368
وأمره، أو بـ ﴿خَالِدِينَ﴾، وهذا متعيِّن على قراءة: (وأُدْخِلُ) على المتكلِّم (١)، وقد مَرَّ في سورة التوبة (٢) ما يتعلَّق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾.
﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾؛ أي: تحيَّة بعضهم بعضًا، قال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ يعني: في الجنَّة ﴿سَلَامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣]، وأمَّا تحيَّة الملائكة فلا يناسبها التَّقييد بقوله: ﴿فِيهَا﴾؛ لوقوعها من خَزَنة الجنَّة - وهم من الملائكة - قبل الدَّخول فيها، قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣].
* * *
(٢٤) - ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ قد تقدَّم الكلام فيه في أوائل سورة البقرة.
﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ بدلٌ من ﴿مَثَلًا﴾ ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ صفةٌ لها أو خبر مبتدأ محذوفٍ؛ أي: هي كشجرة، أو منصوبٌ (٣) بفعل مقدَّر؛ أي: جعل كلمةً طيِّبة كشجرة طيِّبة، والجملة مفسِّرة لقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾، أو أوَّلُ مفعولَيْ ﴿ضَرَبَ﴾، و ﴿مَثَلًا﴾ ثانيهما، إجراء لـ ﴿ضَرَبَ﴾ مُجرى: جَعَل.
وقرئ: (كلمةٌ) بالرَّفع على الابتداء (٤).
стр. 2369
﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ في الأرضِ، ضاربٌ بعروقه فيها.
﴿وَفَرْعُهَا﴾؛ أي: أعلاها ورأسُها، أو: فروعُها؛ أي: أفنانها، على الاكتفاء بالجنس لاكتسابه الاستغراقَ من الإضافة.
﴿فِي السَّمَاءِ﴾؛ أي: صاعدٌ في جهة العلوِّ، حُذف من الجملة الأولى ما أُثبت مقابِلُه في الجملة الثانية، ومن الثانية ما أُثبت مقابله في الأولى (١).
وعبارة ﴿فِي﴾ أبلغ من (إلى) إذا أريد (٢) المبالغة في الارتفاع.
وقرئ: (ثابتٍ أصلُها) (٣)، والأوَّل على أصله، ولذلك قيل: إنه أقوى؛ لأن المخبَر عنه بالأصالة هو الأصل لا الشجرة، وإذا أجربت الصفة على الشجرة كان القصد إلى ثبوت الشجرة بأصلها، فلم تقوَ قوتَها حين كانت جملةً واقعة صفتَها، ولكن على الثَّاني هو جارٍ على ما هو له، فهو أقوى في إثبات ما هو له، وهو ظاهر إذا كان المقصود إثباتَ الوصف على سبيل القوَّة كما نحن فيه.
* * *
(٢٥) - ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا﴾: تعطي ثمرتها ﴿كُلَّ حِينٍ﴾: كلَّ وقتٍ.
стр. 2370
قد وردَ في الخبر عن خير البشرِ أنَّ المرادَ من الشجرة هي النَّخلة (١)، أُكلُها الطَّلع والبُسْر والرُّطَب والتَّمر فهو دائم لا ينقطع، وكذا حال المؤمن لا يخلو وقتًا مِن الأوقات مِن خيرٍ.
ومَن لم يتنبَّه لهذا قال: كلَّ وقتٍ وقَّته (٢) اللهُ لإثمارها.
﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾: بتيسير خالقها ومدبِّرها.
﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾؛ لأنَّ في ضربها زيادةَ إفهامٍ (٣)، وتصويرًا (٤) للمعاني في صُوَرٍ مشاهدةٍ، وإدناءً للمعقولِ مِنَ المحسوس.
* * *
(٢٦) - ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾.
﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ﴾: كمَثَل شجرة ﴿خَبِيثَةٍ﴾؛ أي: صفتُها كصفتها.
﴿اجْتُثَّتْ﴾: استؤصلت. والاجتثاثُ: أخذُ الجثَّة بالكليَّة.
﴿مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ﴾ لأن عروقها قريبة منه.
﴿مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾: استقرارٌ وثبات.
اختلفت كلماتهم في الكلمة؛ ففسِّرت الكلمة الطَّيبة بكلمة التَّوحيد ودعوةِ الإسلام والقرآن، والكلمةُ الخبيثة بالإشراك بالله تعالى والدُّعاء إلى الكفر وتكذيبِ الحق.
стр. 2371
والأَولى أن يُفسَّر كلٌّ منهما بما يَعمُّ الكلَّ، فيقالُ: الكلمة الطَّيبة: ما أَعرب عن حقٍّ أو دعا إلى صلاح، والكلمة الخبيثة: ما كان على خلاف ذلك.
وقد مرَّ تفسير الشجرة الطَّيبة، وفُسِّرت الشجرة الخبيثة بالحنظلة.
* * *
(٢٧) - ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾.
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ الذي ثبَتَ (١) بالحجَّة عندهم، وتمكَّن في قلوبهم واعتقدوا اعتقادًا يمتنع (٢) زواله.
﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وتثبيتُهم به في الدنيا: أنهم إذا افتُتنوا (٣) في الدِّين لم يزلُّوا؛ كزكريا ويحيى وجرجيسَ وشمعونَ والذين فتَنهم أصحاب الأخدود.
﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ وتثبيتُهم فيها: أنهم إذا سئلوا عن معتقَدهم في الموقف لم يَتلعثموا ولم تدهشهم أهوال القيامة.
وقيل: معناه: الثبات عند سؤال القبر، وروي (٤) فيه الخبر المرفوع (٥).
﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾: الذين ظلموا أنفسهم بالاقتصار على التَّقليد، فلا يهتدون إلى الحقِّ، ولا يَستثبتون (٦) في مواقف الفتن.
стр. 2372
﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ مِنْ تثبيتِ بعضٍ بالهداية، وإذلالِ آخرين بالإضَّلال (١)، من غير اعتراض عليه.
* * *
(٢٨) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ﴾: ألم تنظر ﴿إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾؛ أي: شكرَ نعمةِ اللهِ ﴿كُفْرًا﴾ بأنْ وضعوه مكانه، أو: بدَّلوا نفسَ (٢) نعمةَ الله كفرًا؛ فإنَّهم لَمَّا كفروها سُلِبَتْ (٣) منهم، فصاروا تاركين لها، محصِّلين الكفر بدلها، كأهل مكَّة؛ خلقهم الله تعالى، وأسكنهم حرَمه، وجعلهم قوَّام بيته، ووسَّع عليهم أبواب رزقه، وشرَّفهم بمحمَّد ﷺ ، فكفروا ذلك، فقُحِطوا سبع سنين، وأُسروا وقتلوا يوم بدر، وصاروا أذلَّاء مسلوبين النِّعمةَ موصوفين بالكفر.
﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ﴾ الذين تابعوهم في الكفر ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾: دار الهلاك بحملهم على الكفر.
* * *
(٢٩) - ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾.
﴿جَهَنَّمَ﴾ عطف بيان لها ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ حال منها، أو من القوم؛ أي: داخلين فيها مُقاسين لحرِّها، أو مفسِّرةٌ لفعلٍ مقدَّر ناصبٍ لـ ﴿جَهَنَّمَ﴾.
стр. 2373
﴿وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ المخصوصُ بالذَّم محذوف، تقديره: وبئس القرارُ (١) هيَ: أي: جهنَّم.
* * *
(٣٠) - ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾.
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الذي هو التَّوحيد (٢). وقرئ: ﴿لِيُضِلُّوا﴾ بفتح الياء (٣).
جعل الضلال أو الإضلال غرضَهم من اتِّخاذ الأنداد على سبيل التَّشبيه والتَّقريب؛ لأنَّه لازِمُه ونتيجتُه، كالإكرام الذي هو نتيجةُ المجيء في قولك: جئْتُكَ لتكرمَني، فأُدخل عليه اللام وإن لم يكن غرضًا في الحقيقة.
﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ بشهواتكم، أو: بعبادة الأوثان؛ فإنها من قبيل الشَّهوات التي يُتمتَع بها.
وفيه تهديدٌ بليغٌ؛ جعلَ انهماكهم في الشَّهوات وتهالُكهم على الشِّرك واللَّذات كامتثال مأمورٍ مطيعٍ لأمرِ آمِرٍ (٤) مُطاعٍ، لا يسعُه أن يخالفَه، ولا يملك لنفسه أمرًا دونه؛ لانغماسهم في التَّمتُع بها، وانجذابهم إليها، بحيث لا يعرفون غيره، ولا يريدون سواه، ولا يرفعون رأسًا إلى ما عدَاه، فقيل: ﴿تَمَتَّعُوا﴾ على لفظ الأمر.
стр. 2374
وفي قوله: ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ إيذانٌ بأنَّ المهدَّد به (١) كالمطلوب لهم، حتى جُعل المتهدَّد عليه المستلزِمُ له كالمطلوب منهم لجِدِّهم فيه، كأنه (٢) قيل: جِدُّوا ولا تقصِّروا فيه فإنَّكم إنْ داومتُم عليه فإنَّ مطلوبكم حاصلٌ، ولا يخفى ما فيه من التَّهكُّم مع شدَّة الوعيد.
* * *
(٣١) - ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾.
﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تخصيصُهم بالإضافة إلى نفسه تنويهٌ لهم، وتنبيهٌ على أنهم هم القائمون بحقوق العبوديَّة، ولهذا رتَّب إقامتهم الصَّلاةَ وإنفاقَهم على الأمر جوابًا له، فقال:
﴿يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ إيذانًا بأن فعلهم لا ينفكُّ عن أمر الرَّسول؛ لفرط مطاوعتهم له، وتحقُّق عبوديتهم لله تعالى، وأنَّه كالسَّبب الموجِب لفعلهم.
ومفعولُ ﴿قُلْ﴾ محذوفٌ دلَّ عليه جوابه؛ أي: قل لعبادي أقيموا الصلاة وأنفقوا، وقيل: المقول ﴿يُقِيمُوا .. وَيُنْفِقُوا﴾، بمعنى: ليُقيموا وينفقوا، وإنما جاز حذف لام الأمر لدلالة الأمر عليه.
﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ نصبًا على الحال؛ أي: ذوي سرٍّ وعلانية، بمعنى: مسرِّين ومعلِنين، أو على الظَّرف؛ أي: وقتي سرٍّ وعلانية، أو على المصدر؛ أي: إنفاقَ سرٍّ وعلانية.
стр. 2375
والأحبُّ في الإنفاق إخفاءُ المتطوَّع به والإعلان بالواجب.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ فيبتاعَ المقصِّر ما يتدارك [به] تقصيره، أو (١) يفتدي به نفسَه.
﴿وَلَا خِلَالٌ﴾: ولا (٢) مخالَّة، فيشفعَ له خليل.
أو: من قبل أن يأتي يوم لا انتفاعَ فيه بمبايعةٍ ومخالَّة، وإنما يُنتفع فيه بالإنفاق لوجه الله تعالى (٣).
وقرئ بالفتح فيهما (٤)، على النَّفي العام.
* * *
(٣٢) - ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾.
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ مبتدأ وخبر.
стр. 2376
﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ﴾؛ أي: بالماء، والفاء لتسبُّب الإخراج بالإنزال (١).
﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ تعيشون به، وهو يشمل المطعوم والملبوس، مفعول لـ (أخرج)، و ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ بيانٌ له، حال منه، أو بالعكس، ويجوز أن يكون ﴿رِزْقًا﴾ نصبًا على المصدر من (أخرج)؛ لأنَّه في معنى: رَزَق، أو على المفعول له.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾: بمشيئته إلى حيث توجَّهْتُم.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾ بجعلها معدَّةً لانتفاعكم وتصرُّفكم.
وقيل: تسخيرُ هذه الأشياء: تعليم كيفيِّة اتِّخاذها.
وقوله: ﴿بِأَمْرِهِ﴾ متعلِّق بالمعطوفين؛ كـ ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ في قوله تعالى: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: ١٥٨].
* * *
(٣٣) - ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾: يَدْأبان في سيرهما وإنارتهما وإصلاحِ ما يصلحانه من المكوِّنات.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ يتعاقبان لسُباتكم ومعاشكم.
ذكر أنواع النِّعم، وأبرز كلًّا منهما في جملة مستقلَّة؛ تنويهًا لشأنها، وتنبيهًا على عظم مكانها.
* * *
стр. 2377
(٣٤) - ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾.
﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾: من كلِّ شيءٍ سألتُموه (١) بلسان الحال والاحتياج؛ ليُصلح به معاشكم ومعادكم، على أن ﴿مِنْ﴾ لابتداء الغاية.
ويجوز أن يكون السؤال على ظاهره، على أنَّ عبارة ﴿كُلِّ﴾ للتَكثير والتَّفخيم لا للإحاطة والتَّعميم، كما في قوله تعالى: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤].
وحملُ ﴿مِنْ﴾ على التَّبعيض يُفضي إلى إخلاء لفظ ﴿كُلِّ﴾ عن فائدةٍ زائدة؛ لأن ﴿مَا﴾ نصٌّ في العموم، بل يُوهم إيتاء البعض مِن كلِّ فردٍ يتعلَّق به السؤال، ولا وجهَ له (٢).
ومَن قال في تفسيره حينئذ: يعني: من كلِّ شيءٍ سألتُموه شيئًا، فإن الموجود من كلِّ صنفٍ بعضَ ما قدَّره (٣) الله تعالى، فقد أتى في تعليله بما (٤) لا يناسب المعلَّل، لأن الكلام في أنَّ المحصولَ بعضُ المسؤول (٥)، فكونه بعضَ المقدور لا يجدي نفعًا في بيانه.
وقرئ: (مِنْ كُلٍّ) بالتنوين (٦)، و ﴿مَا﴾ في محل النَّصب بالمفعوليَّة، أو نافية،
стр. 2378
ومحل ﴿مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ نصبٌ على الحاليَّة (١)؛ أي: آتاكم من كلِّ شيء غيرَ سائليه.
﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾: لا تَستوفوا عدَّها، كما قال: "مَنْ أحصاها دخلَ الجنَّة" (٢)، يعني: أنها غير قابلة للإحصاء لعدم تناهيها" فإنَّ نعمة النَّفع وإن كانت أفرادُها متناهيةً لدخولها تحت الوجود، وكذا نعمة الدَّفع؛ أي: دفع الضَّرر ماليًّا كان أو بدنيًّا، ولكن نعمة الدَّفع غير متناهية.
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ﴾ يظلم النِّعمةَ بإغفال شكرها، أو يظلم نفسَه بأن يعرِّضها للحرمان باستعمالها لا فيما ينبغي (٣) ولا فيما يُبتغَى به وجه الله تعالى.
﴿كَفَّارٌ﴾: شديد الكفران لها.
وقيل: ﴿لَظَلُومٌ﴾ في الشدَّة (٤) يشكو ويجزع، ﴿كَفَّارٌ﴾ في النِّعمة يَجمع ويمنع.
* * *
(٣٥) - ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾.
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ﴾: بلدَ مكَّة ﴿آمِنًا﴾: ذا أمنٍ لمن فيها.
والفرق بينه وبين قوله: ﴿اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ﴾ [البقرة: ١٢٦]: أنه سأل ثمَّة أن يجعله من جملة البلاد الآمن أهلُها، وهاهنا أن يزيل الخوف عنه ويصيِّره ذا أمن، وذلك لأنَّ محطَّ الفائدة هو المفعول الثَّاني الكائن بمنزلة الخبر.
стр. 2379
﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ﴾: بعِّدني وإيَّاهم ﴿أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ واجعلنا منها في جانب.
وقرئ: (وأَجْنِبْنِي) على لغة نجد (١)، وأما أهل الحجاز فيقولون: جنَبني شرَّه.
* * *
(٣٦) - ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ فلذلك سألتُكَ أن تعصمني وبنيَّ. وإسناد الإضلال إلى الأصنام مجازيٌّ؛ لأنهنَّ السَّبب في ضلالهم، كقوله: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٧٠].
ولما توجَّه أن يقال: أتخصِّص طلب العصمة عن الضَّلال؟ تدارك دفع هذا السُّؤال بقوله:
﴿فَمَنْ تَبِعَنِي﴾ بالسُّلوك في الصِّراط المستقيم، والتَّمسُّك بالدِّين القويم.
﴿فَإِنَّهُ مِنِّي﴾؛ أي: بمنزلةِ بعضي، فيشمل له طلبي للعصمة، فكأنه قال: ولا أخصِّص طلب العصمة بهم، فإنَّ مَنْ تبعني فهو في حكمهم بحكم أنَّ النَّبيَّ أبو أمَّته، فالفاء التَّعليلية للعطف على محذوف يقتضيه المقام، ويستدعي تقديرَه انتظامُ الكلام.
فانظر إلى حسن نظم (٢) هذا المقال، ولطفِ طلب الإمهال، لسائر الأشياع وعامَّة الآل، بقوله:
стр. 2380
﴿وَمَنْ عَصَانِي﴾ فيه طباقٌ معنويٌّ؛ لأنَّ التَّبعيَّة طاعة.
﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ﴾ تسترُ عليه ذنبَه ﴿رَحِيمٌ﴾ تمهله فلا تعاجِله بالعذاب، وهذا على وَفق ما أخبر به تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]، فلا دلالةَ فيه على أنَّ الله تعالى يغفر الشِّرك كما زعمه مَن قال في تفسيره: يقدر أن يغفر له ويرحمه ابتداءً أو بعد التَّوفيق، وفيه دليل على أنَّ كلَّ ذنب فللَّه أن يغفره حتى الشِّرك، إلَّا أنَّ الوعد فرَّق بينَه وبينَ غيره (١).
ثم إنَّه لم يدرِ أنَّه بالتَّرديد المذكور قد هدمَ مبنى تلك الدّلالة.
* * *
(٣٧) - ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾.
﴿رَبَّنَا﴾ كرَّر النِّداء رغبةً في الإجابة، وإظهارًا للتَّذلُّل (٢)، وأتى بضمير الجماعة لأنَّه تقدَّم ذِكْرُه وذِكْرُ (٣) بنيه.
﴿إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾: بعضَ أولادي، وهم إسماعيل ﵇ وأولاده؛ فإنَّ إسكانه متضمِّن لإسكانهم.
﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ يعني: وادي مكَّة شرَّفها الله تعالى؛ لأنها حجريَّة لا (٤) تُنبت.
стр. 2381
والوادي: سفحُ الجبل، ومن ذلك قيل للأنهار العِظام: أودية؛ لأن حافاتها كالجبال لها.
والزَّرع: كلُّ نبات يتفرَّش من غير ساقٍ.
﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ هو الكعبة شرَّفها الله تعالى، والإضافة إليه تعالى للتَّشريف، وتوصيفه بالمحرَّم لأنّه تعالى حزَم التَّعرُّض له والتَّهاوُن به، وجعل ما حوله حرمًا لمكانه.
قوله: ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ إخبارٌ عن صرف (١) توكُّله وصدق تفويضه، وقو له: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ﴾ بيان أنه رأى الرِّفقَ في الجوار لا في المبارِّ.
﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ اللام بمعنى: (كي)، متعلِّقة بـ ﴿أَسْكَنْتُ﴾؛ أي: ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقع إلَّا ليقيموا الصَّلاة عند بيتك المحرم.
وقيل: هي لام الأمر، والمراد هو الدُّعاء لهم بإقامة الصَّلاة، كأنه لَمَّا أسكنهم هناك طلبَ منهم إقامة الصَّلاة، وسأل الله تعالى أن يوفّقهم لها.
وتكريرُ (٢) النِّداء وتوسيطُه للإشعار بأنَّها المقصود بالذَّات من إسكانهم ثمَّة، والمقصود من الدُّعاء توفيقُهم لها.
﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً﴾: ذوي أفئدةٍ ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ ﴿مِنَ﴾ للتَّبعيض، قيل: لو لم يقل: ﴿مِنَ﴾ لازدحموا عليها فارس والرُّوم والتُّرك والهند، أو لابتداء الغاية كقولك: القلب منِّي سقيم؛ أي: قلبي.
стр. 2382
وقرئ: (آفدة) (١)، وهي مقلوبُ أفئدة، كآدُرٍ في أدوُر (٢)، وإمَّا اسم فاعل من أَفِدت الرِّحلة: إذا عَجِلت؛ أي: جماعةً يَعْجلون نحوهم.
وقرئ: (أَفِدةً) (٣)؛ إمِّا تأنيث أَفِدٍ بوزن خَشِنٍ، وإمَّا تخفيف (أفئدة) بطرح الهمزة، وإن كان الوجه إخراجُها بينَ بينَ.
﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ تسرع إليهم وتطير نحوهم شوقًا، وأصل الهُوِيِّ أن يكون من عُلوٍ، ويلزمه السُّرعة.
وقرئ: (تُهْوَى) على البناء للمفعول (٤)، من هَوَى إليه وأهواه غيرُه.
و: (تَهوَى إليهم) (٥) من هَوِيَ يَهْوَى: إذا أحبَّ، ضمِّن معنى تَنْزع فعُدِّي تعديته.
﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ مع سُكناهم في وادٍ لا نبات فيه.
﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ تلك النِّعمة.
فأجاب الله تعالى دعوته، فجعله حرمًا آمنًا يحيى إليه ثمرات كلِّ شيء، وتُجلب إليه من كلِّ ناحية، حتى يجتمعُ فيه البواكير والفواكه الربيعيَّة والصيفيَّة والخريفية (٦) في يومٍ واحدٍ.
* * *
стр. 2383
(٣٨) - ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾.
﴿رَبَّنَا﴾ كرَّره تضرعًا والتجاءً إلى الله تعالى، وإظهارًا للافتقار إليه، واستلذاذًا وذوقًا من مناجاته.
﴿إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ قدَّم ﴿مَا نُخْفِي﴾ على ﴿وَمَا نُعْلِنُ﴾ تفاديًا عن أسلوب التَّرقي؛ لأنَّ مبناه على التَّفاوت في علمهما، وهو منتفٍ في حقِّ الخالق؛ أي: تعلمُ السِّرَّ كما تعلم العلَنَ، لا تفاوت بينهما في علمك، فأنت أعلم بأحوالنا ومصالحنا ومفاسدنا منَّا، فلا حاجة بنا إلى السُّؤال، ولكنَّا ندعوك إظهارًا للعبوديَّة والتَّذلُّل والتَّخشُّع لك، وامتثالًا لأمرك، وافتقارًا إليك وإلى رحمتك، واستعجالًا لنيل ما عندك.
وقيل: ﴿مَا نُخْفِي﴾ مِن وَجِد الفُرقة، و ﴿وَمَا نُعْلِنُ﴾ من البكاء والدعاء.
﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الظَّاهر أنَّه من كلام إبراهيم ﵇ على طريقة الالتفات؛ تأكيدًا لقوله، وتبيينًا له بالبرهان، وتعظيمًا لله تعالى بإظهار اسمه، وتقريرًا للحكم، كأنَّه قال: وكيف لا تعلم وأنت الله، والله هو العالم بالغيب كلِّه، لا يخفى عليه خافية؟ و ﴿مِنْ﴾ للاستغراق.
وإنْ جُعل من كلام الله تعالى كان تصديقًا منه لإبراهيم ﵇ على طريقة الاعتراض بين حكاية قوله، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤].
﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ عبَّر عن العالَم بقُطريه.
стр. 2384
(٣٩) - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ﴾ في موضع الحال؛ أي: وهبَ لي وأنا كبير، يعني: كانت الهبة في حال الشَّيخوخة، وبعدَ استمراري عليها، فللدلالة على أنَّ هبة الولد له لم تكن في ابتداء دخوله في سنِّ الشَّيخوخة، بل كانت بعد ما استمرَّ برهة من الزَّمان عليها، أتى بلفظة: ﴿عَلَى﴾.
روي عن سعيد بن جبير ﵁: أنَّه لم يُوْلَد لإبراهيم ﵇ إلَّا بعد مئة وسبع عشرة سنة، وتقييد الهبة بحال الكبر استعظام للنِّعمة، وإظهار للقدرة، وشكر لِمَا هو فيه من المنَّة، فإنَّ الظَّفر بالحاجة عند وقوع اليأس أعظم وأجلُّ (١)، ولأنها في ذلك كانت آيةً بينة له ﵇.
﴿إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ كان إسماعيل ﵇ أكبر من إسحاق ﵇، فلهذا قدمه عليه.
﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾: لمجيبُه، من قولك: سمع الملكُ كلامَ فلان: إذا اعتدَّ به وقَبِلَه، ومنه: "سمعَ اللهُ لمن حمدَه".
كان ﵇ قد دعا ربَّه وسأله الولد، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] (٢)، فهو من تتمَّة الشُّكر حمدًا لله تعالى على موهبة الولد، ورأى المنَّة عليه في قَبول دعائه السَّابق، فموقعُ قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وتذييلِه موقع الاعتراض؛ تأكيدًا لِمَا قدَّمَه مِنَ الطَّلب بتذكير (٣) ما عهد من الإجابة يتوسَّل إليه تعالى سابق نعمته في شأنه.
стр. 2385
والسَّميعُ: مِنْ أبنية المبالغة، مضاف إلى مفعوله، مُعمَلًا عملَ فعله، كقولهم: هذا ضرَّابٌ أخاه، ويجوز أن يكون من إضافة الصِّفة إلى فاعلها على أن يُجعل دعاءُ الله سميعًا مجازًا عقليًّا، والمراد: سماع الله تعالى.
* * *
(٤٠) - ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾.
﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ معدِّلًا لها، مواظبًا عليها.
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ عطف على المنصوب في ﴿اجْعَلْنِي﴾، أي: بعضَ ذرِّيتي، وإنَّما بعَّضَها لأنَّه ﵇ علم بإعلام الله تعالى إيَّاه أنَّ في ذرَّيته كفَّارًا، وذلك قوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤].
﴿رَبَّنَا﴾ تكرير للمنادى، فلا يمنع عطف قوله: ﴿وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾: واستجب دعائي، أو: تقبَّل عبادتي.
* * *
(٤١) - ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾.
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾: ولأبويَّ، وقد تقدَّم عذر استغفاره لهما.
وقرئ: (ولوَلَديَّ) (١)، يعني: إسماعيلَ وإسحاق ﵉.
﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ دعاء بالمغفرة لجميع المؤمنين، وتدخل فيه هذه الأمَّة، فهو قد دعا لنا، ونحن ندعو له في الصَّلاة بأمر الله تعالى إجابةً لدعائه: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤].