← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

والوادي: سفحُ الجبل، ومن ذلك قيل للأنهار العِظام: أودية؛ لأن حافاتها كالجبال لها. والزَّرع: كلُّ نبات يتفرَّش من غير ساقٍ. ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ هو الكعبة شرَّفها الله تعالى، والإضافة إليه تعالى للتَّشريف، وتوصيفه بالمحرَّم لأنّه تعالى حزَم التَّعرُّض له والتَّهاوُن به، وجعل ما حوله حرمًا لمكانه. قوله: ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ إخبارٌ عن صرف (١) توكُّله وصدق تفويضه، وقو له: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ﴾ بيان أنه رأى الرِّفقَ في الجوار لا في المبارِّ. ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ اللام بمعنى: (كي)، متعلِّقة بـ ﴿أَسْكَنْتُ﴾؛ أي: ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقع إلَّا ليقيموا الصَّلاة عند بيتك المحرم. وقيل: هي لام الأمر، والمراد هو الدُّعاء لهم بإقامة الصَّلاة، كأنه لَمَّا أسكنهم هناك طلبَ منهم إقامة الصَّلاة، وسأل الله تعالى أن يوفّقهم لها. وتكريرُ (٢) النِّداء وتوسيطُه للإشعار بأنَّها المقصود بالذَّات من إسكانهم ثمَّة، والمقصود من الدُّعاء توفيقُهم لها. ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً﴾: ذوي أفئدةٍ ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ ﴿مِنَ﴾ للتَّبعيض، قيل: لو لم يقل: ﴿مِنَ﴾ لازدحموا عليها فارس والرُّوم والتُّرك والهند، أو لابتداء الغاية كقولك: القلب منِّي سقيم؛ أي: قلبي.

стр. 2382

وقرئ: (آفدة) (١)، وهي مقلوبُ أفئدة، كآدُرٍ في أدوُر (٢)، وإمَّا اسم فاعل من أَفِدت الرِّحلة: إذا عَجِلت؛ أي: جماعةً يَعْجلون نحوهم. وقرئ: (أَفِدةً) (٣)؛ إمِّا تأنيث أَفِدٍ بوزن خَشِنٍ، وإمَّا تخفيف (أفئدة) بطرح الهمزة، وإن كان الوجه إخراجُها بينَ بينَ. ﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ تسرع إليهم وتطير نحوهم شوقًا، وأصل الهُوِيِّ أن يكون من عُلوٍ، ويلزمه السُّرعة. وقرئ: (تُهْوَى) على البناء للمفعول (٤)، من هَوَى إليه وأهواه غيرُه. و: (تَهوَى إليهم) (٥) من هَوِيَ يَهْوَى: إذا أحبَّ، ضمِّن معنى تَنْزع فعُدِّي تعديته. ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ مع سُكناهم في وادٍ لا نبات فيه. ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ تلك النِّعمة. فأجاب الله تعالى دعوته، فجعله حرمًا آمنًا يحيى إليه ثمرات كلِّ شيء، وتُجلب إليه من كلِّ ناحية، حتى يجتمعُ فيه البواكير والفواكه الربيعيَّة والصيفيَّة والخريفية (٦) في يومٍ واحدٍ. * * *

стр. 2383

(٣٨) - ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾. ﴿رَبَّنَا﴾ كرَّره تضرعًا والتجاءً إلى الله تعالى، وإظهارًا للافتقار إليه، واستلذاذًا وذوقًا من مناجاته. ﴿إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ قدَّم ﴿مَا نُخْفِي﴾ على ﴿وَمَا نُعْلِنُ﴾ تفاديًا عن أسلوب التَّرقي؛ لأنَّ مبناه على التَّفاوت في علمهما، وهو منتفٍ في حقِّ الخالق؛ أي: تعلمُ السِّرَّ كما تعلم العلَنَ، لا تفاوت بينهما في علمك، فأنت أعلم بأحوالنا ومصالحنا ومفاسدنا منَّا، فلا حاجة بنا إلى السُّؤال، ولكنَّا ندعوك إظهارًا للعبوديَّة والتَّذلُّل والتَّخشُّع لك، وامتثالًا لأمرك، وافتقارًا إليك وإلى رحمتك، واستعجالًا لنيل ما عندك. وقيل: ﴿مَا نُخْفِي﴾ مِن وَجِد الفُرقة، و ﴿وَمَا نُعْلِنُ﴾ من البكاء والدعاء. ﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الظَّاهر أنَّه من كلام إبراهيم ﵇ على طريقة الالتفات؛ تأكيدًا لقوله، وتبيينًا له بالبرهان، وتعظيمًا لله تعالى بإظهار اسمه، وتقريرًا للحكم، كأنَّه قال: وكيف لا تعلم وأنت الله، والله هو العالم بالغيب كلِّه، لا يخفى عليه خافية؟ و ﴿مِنْ﴾ للاستغراق. وإنْ جُعل من كلام الله تعالى كان تصديقًا منه لإبراهيم ﵇ على طريقة الاعتراض بين حكاية قوله، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤]. ﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ عبَّر عن العالَم بقُطريه.

стр. 2384

(٣٩) - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ﴾ في موضع الحال؛ أي: وهبَ لي وأنا كبير، يعني: كانت الهبة في حال الشَّيخوخة، وبعدَ استمراري عليها، فللدلالة على أنَّ هبة الولد له لم تكن في ابتداء دخوله في سنِّ الشَّيخوخة، بل كانت بعد ما استمرَّ برهة من الزَّمان عليها، أتى بلفظة: ﴿عَلَى﴾. روي عن سعيد بن جبير ﵁: أنَّه لم يُوْلَد لإبراهيم ﵇ إلَّا بعد مئة وسبع عشرة سنة، وتقييد الهبة بحال الكبر استعظام للنِّعمة، وإظهار للقدرة، وشكر لِمَا هو فيه من المنَّة، فإنَّ الظَّفر بالحاجة عند وقوع اليأس أعظم وأجلُّ (١)، ولأنها في ذلك كانت آيةً بينة له ﵇. ﴿إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ كان إسماعيل ﵇ أكبر من إسحاق ﵇، فلهذا قدمه عليه. ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾: لمجيبُه، من قولك: سمع الملكُ كلامَ فلان: إذا اعتدَّ به وقَبِلَه، ومنه: "سمعَ اللهُ لمن حمدَه". كان ﵇ قد دعا ربَّه وسأله الولد، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] (٢)، فهو من تتمَّة الشُّكر حمدًا لله تعالى على موهبة الولد، ورأى المنَّة عليه في قَبول دعائه السَّابق، فموقعُ قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وتذييلِه موقع الاعتراض؛ تأكيدًا لِمَا قدَّمَه مِنَ الطَّلب بتذكير (٣) ما عهد من الإجابة يتوسَّل إليه تعالى سابق نعمته في شأنه.

стр. 2385

والسَّميعُ: مِنْ أبنية المبالغة، مضاف إلى مفعوله، مُعمَلًا عملَ فعله، كقولهم: هذا ضرَّابٌ أخاه، ويجوز أن يكون من إضافة الصِّفة إلى فاعلها على أن يُجعل دعاءُ الله سميعًا مجازًا عقليًّا، والمراد: سماع الله تعالى. * * * (٤٠) - ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾. ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ معدِّلًا لها، مواظبًا عليها. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ عطف على المنصوب في ﴿اجْعَلْنِي﴾، أي: بعضَ ذرِّيتي، وإنَّما بعَّضَها لأنَّه ﵇ علم بإعلام الله تعالى إيَّاه أنَّ في ذرَّيته كفَّارًا، وذلك قوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]. ﴿رَبَّنَا﴾ تكرير للمنادى، فلا يمنع عطف قوله: ﴿وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾: واستجب دعائي، أو: تقبَّل عبادتي. * * * (٤١) - ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾: ولأبويَّ، وقد تقدَّم عذر استغفاره لهما. وقرئ: (ولوَلَديَّ) (١)، يعني: إسماعيلَ وإسحاق ﵉. ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ دعاء بالمغفرة لجميع المؤمنين، وتدخل فيه هذه الأمَّة، فهو قد دعا لنا، ونحن ندعو له في الصَّلاة بأمر الله تعالى إجابةً لدعائه: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤].

стр. 2386

﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾؛ أي: يَثْبت، مستعار من قام القائم على الرِّجل، كقولهم: قامَتِ الحرب على ساقٍ، أو مسندٌ إلى الحساب إسناداً مجازِّيًا وهو لأهله، لا على حذف المضاف، فإنَّه حينئذ يكون الإسناد حقيقيًّا، والكلامُ نازلًا عن منزلته. فمَن قال: أو يقوم إليه أهله، فحُذف المضاف وأُسند إليه قيامهم مجازًا، فقد خلَّط بين الإسنادين وخبط. * * * (٤٢) - ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾. ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ خطاب لرسول الله ﷺ ، والمراد النَّهي عن لازم الحسبان المذكور بطريق الكناية؛ أي: لا تحزنْ بما عملوا، فإنَّه تعالى مطَّلع على أحوالهم وأعمالهم، لا يخفى عليه شيء من ذلك، وإنَّ تأخير العذاب عنهم لتشديده عليهم في العُقْبى، فهو إمهال لا إهمال، ولكلِّ أحد ممَّن يستعجل عذاب الظَّالمين أو يتوهَّم إهمالهم بأنَّه يجب أن يعلمه تعالى رقيبًا عليهم، فيتسلَّى الأوَّل ولا يظلم الثَّاني، ولا يحزنُ (١) إن ظُلم، فإنَّه المجازي والمنتقِم المنتصِر من الظَّالم للمظلوم، ولهذا قال ابن عيينة: إنه تسليةٌ للمظلوم وتهديدٌ للظالم (٢). ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ﴾ أضاف التَّأخير إليهم، والمؤخَّرُ عذابُهم، على سبيل المجاز،

стр. 2387

إيماءً على أنهم من شدَّة العذاب في ذلك اليوم يكونون بحيث يَظنُّ مَن رآهم أنهم (١) عذاب مجسَّم. ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾؛ أي: تبقى مفتوحةً لا تنطبق؛ لعظم هولِ ذلك اليوم، ولا اختصاص لتلك الحال (٢) بهم، ولهذا أطلق ﴿الْأَبْصَارُ﴾ ولم يُضفها إليهم كما أضاف إليهم في قرائنها، وهذا أبلغ في التَّهويل، فمَن وهَم أنَّ المعنى: تشخص أبصارهم، فقد وهِم، ثمَّ إنَّه لم يُصِبْ في تفسير الشُّخوص بعدم القَرار (٣). قال الجوهري: شَخَصَ بصرُه فهو شاخِص: إذا فتحَ عينيه وجعل لا يَطْرُفُ (٤). * * * (٤٣) - ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾. ﴿مُهْطِعِينَ﴾ يقال: هَطَعَ الرَّجل: إذا أقبل ببصره على الشَّيء لا يُقلع عنه، وبه فسَّره ابن عباس ﵄، حيث قال: المهطِع: الدَّائم النَّظر لا يَطرف (٥). وهو المناسب لسياق الكلام ولحاقه، بخلاف تفسيره بالمسرع كما لا يخفى. ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ إقناع الرأس: رفعُه؛ أي: رافعيها حتى لا يبصروا مواضع أقدامهم.

стр. 2388

﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾؛ أي: تبقى أعينهم ممدودة نحو الهول مفتوحةً لا تطرف؛ أي: لا تتحرك أجفانُهم، أو لا (١) يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم، ولا يخفى أن هذا يغني عن إضافة الأبصار إليهم في وصفها بالشُّخوص، وإنما وحَّد الطَّرْف لأنَّه في الأصل مصدر. ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾: خلاء. وصف القلوب بالهواء مبالغةً في الخلوِّ عن الفهم والعقل؛ لفرط الحيرة والدَّهشة، كأنَّها نفسُ الخلاء، ومنه يقال للأحمق والجبان: قلبه هواءٌ؛ أي: لا رأيَ فيه ولا قوَّة، فالتَّجوُّز فيه عقليٌّ، كما في: رجلٌ عدلٌ، لا لغويٌّ كما زعمه مَن فسَّره بالخالية، فأخلاه عن تلك المبالغة، ونزَّل الكلام عن المنزلة العالية. وقيل: معناه: منحرفةٌ لا تعي (٢) شيئًا للخوف والفزع الذي دخَلها، فهي كهواء الجوِّ في الانحراف وبطلان الإمساك. * * * (٤٤) - ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾. ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ﴾ خطاب للرسول ﷺ .

стр. 2389

﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾ يعني: يومَ القيامة، أو وقتَ الموت؛ فإنَّه أوَّل أوقات عذابهم، وهو مفعول ثانٍ لـ ﴿وَأَنْذِرِ﴾. ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بالشِّرك والتَّكذيب: ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي: رُدَّنا إلى الدُّنيا وأمهِلنا إلى أمدٍ وحدٍّ من الزَّمان قريبٍ، أو أخِّر آجالنا مقدارَ ما نتدارك ما فرَّطْنا فيه من إجابة دعوتك واتِّباع رسلك، فقوله: ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ جواب للأمر، ونظيره: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]. ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ على إرادة القول، وجوابُ القسم: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ وإقسامُهم على انتفاء الزَّوال عن الدُّنيا، إمَّا لغاية الغفلة والانهماك في الجهل وغلبةِ البطَر والأشَر، وإمَّا بلسان الحال حيث بنوا شديدًا وأمَّلوا بعيدًا، كأنهم أقسموا على أنَّهم خالدين فيها. وإنَّما قيل: ﴿مَا لَكُمْ﴾ على المطابقة لـ ﴿أَقْسَمْتُمْ﴾، ولو حكي قول المقسِمين لقيل: ما لنا من زوال؛ أي: أقسمتم أنكم لا تُزالون عن الدُّنيا. وقيل: معناه: لا تنتقلون إلى دارٍ أخرى؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]؛ أي: أقسمتم على إنكار البعث. * * * (٤٥) - ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾. ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالكفر والمعاصي كعادٍ وثمودَ،

стр. 2390

سائرين بسيرتهم (١)، وأصل سَكَن أن يُعدَّى بـ (في)، كقَرَّ وغنيَ وأقامَ، وقد يُستعمل بمعنى التبوُّء (٢) والتَّوطُّن فيجري مجراه، كقوله: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]. والسُّكنى (٣): سكون خاص، فتركه على الأصل، ويجوز أن يكون بمعنى السُّكون؛ أي: لبِثْتُم فيها وأَقَمْتم. ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ بمشاهدة آثار ما نزلَ بهم في مساكنهم، وتواتُرِ أخبارهم، فلم تعتبِروا، ولم ترتدِعوا، ولم تحدِّثوا أنفسكم بما لَقُوا من عذاب الله. ﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾؛ أي: صفاتِ ما فَعلوا وفُعل بهم، التي صارت أمثالًا سائرةً بين النَّاس في غاية الغرابة مضروبةً لكلِّ ظالم، وبيَّنا أنَّكم مثلهم في الكفر واستحقاق العذاب. * * * (٤٦) - ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾. ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ الذي استفرغوا فيه جهدهم لإبطال الحقِّ وتقرير الباطل، وهو المكر المخصوص بهم، ليس لأحدٍ مكر في قوَّته. ﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ الذي يمكرهم به، وهو العذاب الذي يأتيهم بغتةً من حيث لا يشعرون، ولا يحتسبون؛ لاستحقاقهم ذلك بمكرهم.

стр. 2391

﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ زوال الجبال مَثَلٌ لتعاظم مكرهم وشدَّته؛ أي: وإن كان مكرُهم لشدَّته وعظمه مسوًّى معدًّا لزوال الجبال منه، كانوا إذا عظَّموا الشَّيء وصفوه بمثله، قال الشَّاعر: لَمَّا أتى خبرُ الزُّبيرِ تَضَعْضَعَتْ … سُورُ المدينةِ والجِبالُ الخُشَّعُ (١) أي: وإن عظم مكرهم فعندَ اللهِ المكرُ الذي يبطله. والمكرُ الأول مضاف إلى الفاعل، والثَّاني مضافٌ إلى المفعول، ويجوز أن يكون الثَّاني أيضًا مضافًا إلى الفاعل؛ أي: وعند الله مكرُهم الذي يمكرون الرُّسل به؛ يعني: مكتوب عندَه، فهو مُجازيهم عليه بمكرٍ هو أعظمُ منه، وإن كان مكرُهم ممَّا يُضرَبُ به المثل في العِظَم. قيل: (إنْ) في ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ﴾ نافية، واللام لتأكيد النَّفي كقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] وقيل: مخففَّة من الثَّقيلة، والمعنى: أنهم مكروا ليزيلوا ما هو كالجبال الرَّاسية ثباتًا وتمكُّنا من آيات الله وشرائعه. وقرئ بالفتح والرفع على أنَّها الفارقة (٢)، ومعناه تعظيم مكرهم. وقرئ بالفتح والنَّصب على لغة مَنْ يفتح لام (كي) (٣). وقرئ: (وإن كاد مكرهم) (٤).

стр. 2392

والجمهور على أنَّها (إنْ) الشَّرطيَّة، وجواب الشَّرطِ محذوفٌ دلَّ عليه: ﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾. * * * (٤٧) - ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾. ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ مثلُ قوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر: ٥١]، ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]. وأصله: مخلفَ رسلِه وعدَه، فقدَّم المفعول (١) الثانيَ إيذانًا بأنه لا يُخلف الوعد أصلًا، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩]، وإذا لم يخلف وعده أحدًا فكيف (٢) يُخلف رسله؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾: غالبٌ لا يماكَر، قادرٌ لا يدافَع. ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ لأوليائه من أعدائه. الخطاب لرسول الله ﷺ ، والمرادُ بالنَّهي عن الحسبان المذكور: الأمر بضده على أبلغ وجه، وهو الجزم بنصر المؤمنين وقهر أعداء الدِّين؛ أي: فكن على ثقة ويقين بالإنجاز بما (٣) وعدناك من الإعزاز للإسلام وأهله، والإذلال للكفر والانتقام من أهله. * * * (٤٨) - ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾.

стр. 2393

﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ بدلٌ من ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾، أو ظرفٌ للانتقام، ولا يجوز أن ينتصِب بـ ﴿مُخْلِفَ﴾؛ لأنَّ ما قبل (إنَّ) لا يعمل فيما بعده (١). ﴿وَالسَّمَاوَاتُ﴾ عطف على ﴿الْأَرْضُ﴾، وتقديره: والسَّماواتُ غيرَ السَّماوات؛ أي: تبدَّل الأرض المعهودة أرضًا أخرى، والسَّماواتُ المشهورة سماواتٍ أخرى. والتَّبديل: هو التَّغيير؛ إمَّا في الذَّات كقولك: بدلْتُ الدَّراهم بالدَّنانير، ومنه قوله تعالى: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]، وإمَّا في الصِّفات، كقولك: بدَّلْتُ الحلْقةَ خاتمًا: إذا أذبْتَها وجعلْتَها خاتمًا بتغيير شكلِها، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]، والآيةُ تحتملها. فعن عليٍّ ﵁: تبدَّل أرضًا من فضَّة وسماواتٍ من ذهب (٢). وعن ابن مسعود ﵁: يُحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطئ عليها أحدٌ خطيئة (٣). وعن ابن عباس ﵄: هي تلك الأرض، وإنَّما تُغيَّر صفاتها. وأنشد: وما الناس بالناس الذين عَهِدْتَهم … ولا الدَّارُ بالدَّار التي (٤) كنْتَ تعلمُ (٥)

стр. 2394

ويدلُّ عليه ما روى أبو هريرة ﵁ أنَّه ﵇ قال: "تُبدَّلُ الأرضُ غير الأرض (١) فتبسَطُ وتمدُّ مَدَّ الأديم العكاظي، لا ترى فيها عِوجًا ولا أمتًا" (٢). واعلم أنه لا يلزم على الوجه الأول أن يكون الحاصل بالتَّبديل أرضًا وسماءً على الحقيقة، ولا يبعد على الثاني أن يجعل الله تعالى الأرض جهنَّم والسَّماوات الجنَّة على ما أشعرَ به قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧]، وقوله: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨]. ﴿وَبَرَزُوا﴾ من أجداثهم ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ لما كان البروز مسوقًا للوعيد كان الوصفان المذكوران ترشيحَيْن له ببيان شدَّة الأمر في ذلك اليوم، كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]؛ لأنَّ الأمرَ والملكَ إذا كان لواحدٍ لا

стр. 2395

يشارَك فيه، قهَّارٍ لا يُعازُّ (١) ولا يُغالب، فلا مُستغاث لأحد ولا مُستجار، كان الأمر في غاية الصُّعوبة. * * * (٤٩) - ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾. ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ﴾ بعضهم مع بعضٍ؛ لاشتراكهم في العقائد والأعمال، كقوله: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧]، أو مع الشَّياطين الذين حملوهم على الإجرام، أو قُرنت أيديهم وأرجلُهم إلى رقابهم بالأغلال، ويجوز أن يكون تمثيلًا لمؤاخَذتهم بما اقترفَتْه أيديهم وأرجلُهم، فكأن أيديهم غُلَّتْ إلى أرجلهم. ﴿فِي الْأَصْفَادِ﴾ متعلق بـ ﴿مُقَرَّنِينَ﴾، أو حال من ضميره. قال الرَّاغب: الصَّفَدُ والصِّفادُ: الغلُّ، وجمعه أصفادٌ (٢). وفي "الصحاح": الصِّفاد: ما يُصْفَدُ به من قيدٍ وقِدٍّ وغُلٍّ (٣)، أي: يُوثق. وقول الشاعر: وَزَيْدُ الخَيْلِ (٤) قَدْ لاقَى صِفَادًا … يَعَضُّ بِسَاعِدٍ وَبِعَظْمِ سَاقِ (٥) ظاهر في أن صِفادًا واحدًا يجمعهما، فكأنه نوع من الغُل يُجمَع فيه الرِّجل واليد، ويشدَّان (٦) على العنق.

стр. 2396

(٥٠) - ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾. ﴿سَرَابِيلُهُمْ﴾؛ أي: قميصهم (١)، جمع سربال. ﴿مِنْ قَطِرَانٍ﴾ فيه ثلاث لغات: فتح القاف مع كسر الطَّاء وسكونها، وكسرُ القاف مع سكون الطَّاء. وهو ما يتحلَّبُ من شجرِ الإبْهِل، يُطبخ فيُهنأ به الإبل الجربى، فيُحرِق الجرب والجلد بحدَّته، وهو أسود منتنٌ، يشتعلُ فيه النَّار بسرعة، يُطلى (٢) به جلود أهل النَّار حتى يكون طلاؤه (٣) لهم كالقميص، فيجتمع عليهم لذغ القطران ووحشةُ لونه ونَتْنُ ريحه وسرعةُ اشتعال النَّار بهم، على أنَّ التَّفاوت بين القطرانَيْن كالتَّفاوت بين النَّارَيْن. ويحتمل أن يكون تمثيلًا لما يحيط بأنفسهم من ظلمة الهيئات الرَّديَّة والملكات الفاسدة الموحشة، فتجلب إليها أنواعًا من الأذى والألم والعذاب. وقرئ: (من قَطِرٍ آنٍ) (٤)، والقَطِرُ: النُّحاس، أو الصُّفر المُذَاب، والآن: المتناهي حرُّه. والجملة حال ثانية، أو حال من الضَّمير في ﴿مُقَرَّنِينَ﴾، وإنما جيء به (٥)

стр. 2397

جملةً اسمية لأن سرابيل القطران الجامعةَ بين الأنواع الأربعة المذكورةِ أفظع من الصَّفد، وأما (تغشى) فلتجريد الاستحضار المقصود في قوله: ﴿وَتَرَى﴾؛ لأنَّ الثَّاني أهول، والأوَّل في بيان حالهم في الموقف إلى أن يُكَبَّ بهم في النَّار، والأخيرَيْن (١) لبيان حالهم بعد دخولها، وكانَّ الأوَّل حرَّك من السامع أن يقول: وإذا كان شأنهم وهم في الموقف، فكيف بهم وهم في جهنَّم خالدون؟ فأجيب بقوله: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾. وأوثر الفعل المضارع في قوله: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ لاستحضار الحال، وتجدُّد (٢) الغشيان حالًا فحالًا، وإنَّما تغشاها لأنهم لم يتوجَّهوا بها إلى الحقِّ، ولم يستعملوا مشاعرهم التي خلقت فيها في تدبُّر الحقِّ، كما تطَّلع على أفئدتهم لأنها خالية عن المعرفة مملوءة بالجهالات. * * * (٥١) - ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ﴾ إمِّا أنْ يتعلَّق بمحذوفٍ تقديره: يُفعل ذلك بهم ليجزي كلَّ نفسٍ مجرمة ﴿مَا كَسَبَتْ﴾، أو بقوله: ﴿وَبَرَزُوا﴾، أي: ليجزي كلَّ نفسٍ مجرمةٍ أو مطيعةٍ ما كسبت. واكتُفي بذكر عقاب المجرمين ليُستدلَّ به على ثواب المطيعين. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ لأنّه لا يشغله فيه تأمُّل وتتبُّع، ولا يمنعه حسابٌ

стр. 2398

عن حسابٍ حتى يستريح بعضهم عند الاشتغال بمحاسبته الآخرين فيتأخَّرَ عنهم العذاب. وبهذا التَّفصيل تبيَّن وجه إصابة التَّذييل المذكور محزَّهُ. * * * (٥٢) - ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. ﴿هَذَا﴾ إشارة إلى السُّورة، أو إلى ما وصفه من قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ﴾ إلى قوله: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، أي: هذا الكلام، أو هذا (١) الكتاب. ﴿بَلَاغٌ﴾ أي: كفاية ﴿لِلنَّاسِ﴾ في الموعظة والتَّذكير. والإشارةُ إلى جميع ما في السُّورة من العِظَةِ والتَّذكير أولى؛ ليكون كالفذلكة، وخاتمةً على مِنوال الفاتحة. ﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ عطفٌ على محذوفٍ؛ أي: ليُنصحوا ولينذروا به، فاللام متعلقة بالبلاغ، أو متعلقة بمعلَّلٍ محذوف؛ أي: ولينذروا به أنزل. وقرئ: (وليَنْذَروا به) بفتح الياء (٢)، من نَذِرَ به: إذا عَلِمه واستَعدَّ له. ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ بالنَّظر والتَّأمُّل فيما فيه من الآيات الدَّالة على التَّوحيد والمنبِّهة على ما يدلُّ عليه. ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ فيَرتدِعوا عما يُرديهم ويتدرَّعوا بما يحظيهم (٣).

стр. 2399

قيل: إنَّ الفوائد الثَّلاث التي ذكرها لهذا البلاغ هي الغايةُ والحكمة في إنزال الكتب، وهي تكميل الرُّسل للنَّاس، واستكمالهم القوَّة النَّظرية التي غايتُها في إكمال (١) التَّوحيد، واستصلاح القوَّة العمليَّة، الذي هو التدرُّع بلباس التَّقوى، جعلنا الله من الفائزين بها. تمَّ الكلام والحمد لله على التَّمام. * * *

стр. 2400

سُورَةُ الحِجْرِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) - ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾. ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ الإشارة إلى آيات السُّورة، والكتابُ والقرآنُ: السُّورة. وهذا أبلغُ على ما قدَّمنا بيانه في تفسير (سورة يونس) (١). واللَّام في ﴿الْكِتَابِ﴾ للماهية، والتَّنكيرُ في (القرآن) للتَّفخيم؛ أي: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ الكامل في كونه كتابًا ﴿وَقُرْآنٍ﴾ أي قرآنٍ ﴿مُبِينٍ﴾ (٢) يُبينُ الرُّشدَ من الغَيِّ بيانًا عربيًّا، يعني: الجامعِ للكمال والغرابة في البيان والبلاغة. ولَمَّا كان في التَّعريف نوعٌ من الفخامة، وفي التَّنكير نوعٌ آخرُ، وكانَ الغرضُ الجمعَ، عَرَّفَ الكتاب ونكَّر القرآن هاهنا، وعكس في (سورة النَّمل)، وقدَّم المعرَّف في الموضعَيْن لزيادة التَّنويه. * * *

стр. 2401

(٢) - ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾: منقادين لحكم هذا الكتاب، وهذا التَّمني حين يُخرجُ الله تعالى عصاة المؤمنين من النَّار. وروي فيه حديث مرفوع (١). وقيل: إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين عند البعث للحساب، أو عند (٢) الموت إذا رأوا العذاب. وقيل: في كلِّ الأحوال التي تُخطر بالبال ظهور بطلان ما كانوا عليه من الضَّلال. وهذا أنسب لِمَا قصد بـ ﴿رُبَمَا﴾ من معنى التَّكثير على وجهٍ أبلغ. وقوله: ﴿لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ حكايةُ ودادهم على لفظ الغيبة، كقولك: حلف بالله ليفعلَنَّ.

стр. 2402

وحقُّ ﴿رُبَمَا﴾ أن تدخل الماضيَ لإنشاء تحقُّق (١) التَّقليل، لكن لَمَّا كان الغرضُ من الماضي تحقُّقَ وقوعه، والمترقَّبُ في إخبار الله تعالى بمنزلة (٢) الماضي في تحقُّق وقوعه، أُجرِيَ مجراه، ومعنى التَّقليل فيه واردٌ على طريق العرب وقولِهم في موقع النُّصح وارتكاب المخاطَب ما لا يُشكُّ في استتباعه للتَّندُّم: لعلَّك ستندم (٣)، وربَّما ندم الإنسان على ما فعل، وليس مرادهم الشكَّ والتَّقليل، بل المراد: أنَّ النَّدمَ لو كان مشكوكًا فيه أو قليلَ الوقوع عمَّا تفعل، لكان حقًّا عليك أن لا تفعل؛ لأنَّ قضية العقل التَّحرُّزُ من الغمِّ المظنون والقليل، فكيف واستتباعُ فعلِك للغمِّ والنَّدم الكثيرِ محقَّقٌ؟ أي: لو كانوا يَودُّون الإسلام مرَّةً واحدة فبالحَرِيِّ أن يُسَارعوا إليه، فكيف وهم يودُّونه في كلِّ ساعة؟ وقرئ: ﴿رُبَمَا﴾ بالفتح والتَّخفيف (٤)، وبتاء التَّأنيث ودونها (٥). و (ما) كافَّةٌ تكفُّه عن العمل، فيجوز دخوله على الفعل، وقيل: نكرةٌ موصوفة، كقوله: ربما تكره النُّفوس من الأمر. * * * (٣) - ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. ﴿ذَرْهُمْ﴾: اتركهم ﴿يَأْكُلُوا﴾ تخصيصُه بالذِّكْر مع اندراجه في قوله:

стр. 2403

﴿وَيَتَمَتَّعُوا﴾ وتقديمُه عليه؛ للتَّنبيه على أنَّ حظَّهم من الحياة الدُّنيا حظُّ البهائم؛ يأكلون ويشربون. والاقتصار على ﴿يَأْكُلُوا﴾ لأنَّ الأكلَ يستتبع الشُرب عادة، فذكرُه يغني عن ذِكره. ﴿وَيَتَمَتَّعُوا﴾ بدنياهم، وينهمكوا في شهواتهم. ﴿وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾: وَيشغلهم توقُّعهم لطول الأعمار، وجريانُ أمورهم وأحوالهم على وفق هواهم عن الاستعداد للمعاد. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وَخامَةَ (١) عاقبتهم وسوءَ صنيعهم إذا عاينوا جزاءَهم. فيه تهديدٌ ووعيدٌ وتحذيرٌ عن إيثار التَّنعيم وطول الأمل، وإلزامُ الحجَّة؛ لأنَّ الأمر بالضِّدِّ لا يكون إلَّا عند تكرُّر (٢) الإنذار وثبوت الجحود، وكذلك ما رُتِّبَ عليه، وإقناطٌ للرَّسول ﷺ عن إيمانهم، وإيذان بأنهم من أهل الخذلان لا يقبلون النُّصح ولا يجدي فيهم الإنذار. * * * (٤) - ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾. ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ إهلاكُها كنايةٌ عن إخلائها عن أهلها بإفنائهم، وهو أبلغ من المجاز في القرية، وأما تقدير المضاف فلا حاجة إليه، بل لا وجهَ له عند أرباب البلاغة.

стр. 2404

﴿إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ أجلٌ مكتوبٌ في اللَّوح معلومٌ عند الله تعالى موقَّت، ولهذا (١) قال: (٥) - ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾. ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾؛ أي: كتابها؛ أي: لا تتقدَّم أمَّةٌ، و ﴿مِنْ﴾ مؤكِّدة. ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾؛ أي: عنه، فحذف للعلم به، ووحِّد ﴿تَسْبِقُ﴾ بالتَّاء لظاهر كلمة ﴿أُمَّةٍ﴾، وجُمع في قوله: ﴿يَسْتَأْخِرُونَ﴾ بالواو والنُّون للمعنى. والكلام (٢) متصل بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: العذابُ نازل بهم في وقته الذي جعلناه أجلًا له، أخرناها إليه لمَّا كان في علمنا إيمانَ مَن يخرج من أصلابهم، فإذا بلغ الكتاب أجله وجب العذاب على الكافرين ولم يتأخَّر عنهم. وجملة المستثنى واقعةٌ حالًا من ﴿قَرْيَةٍ﴾ لأنها في معنى العموم قريبةٌ من المعرفة؛ إذ المراد: قرية من القرى. وهذه الواو هي التي تعطي أنَّ الحالة بعدها في اللفظ هو قبلها في المعنى، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]، ومَن حملها على الصفة المذكورة (٣) لكون القرية نكرةً، ثم قال: والقياس أن لا تتوسط الواو بين

стр. 2405

الصِّفة والموصوف، وإنما جيء بها لتأكيد لصوق الصِّفة بالموصوف كما في الحال، تقول: جاءني زيد عليه ثوب، [و: جاءني] وعليه ثوب= فقد تعسَّف؛ لأنَّ الواو إنَّما جيء بها لئلَّا يشتبه الحال بالصفة، لتقدُّم الحال على النَّكرة، ألا ترى إلى قولهم: جاءني رجل وعليه درع، كيف التزموا فيه الإتيان بالواو دفعًا للاشتباه المذكور؟ فكذا هاهنا (١). ثمَّ إنَّ فيما اختاره فصلًا بين الصِّفة والموصوف بـ ﴿إِلَّا﴾، وهو غير جائزٍ، نصَّ عليه الأخفش وأبو عليٍّ الفارسي (٢). * * * (٦) - ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾. ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: مشركي مكَّة على وجه الاستهزاء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ نداءٌ للرَّسول ﷺ على سبيل التَّهكُّم، ألا ترى إلى ما نُودي، وهو قولهم: ﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ والتعكيس في الكلام للاستهزاء، والتَّهكُّمُ طريق واسعٌ، ونظيره قول فرعون: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]، يعنون: أن ادِّعاءه لنزول الذِّكر عليه قول المجانين، والمراد من الذِّكر: القرآن. * * *

стр. 2406

(٧) - ﴿لَوْمَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. ﴿لَوْمَا تَأْتِينَا﴾؛ أي: هلَّا تأتينا، رُكِّبَ (ل) مع (ما)، كما ركب مع (لا) لمعنيَيْن: امتناعِ الشَّيء لوجود غيره (١)، والتَّحضيض. والفرق بينهما: أن التحضيضية لا يليها إلَّا الفعل ظاهرًا أو مضمرًا، والامتناعية لا يليها إلَّا الأسماء لفظًا أو تقديرًا عند البصريين. ﴿بِالْمَلَائِكَةِ﴾ ليصدِّقوك ويشهدوا لك ويَعضُدوك على الإنذار، كقولهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧]، أو: ليعاقبونا على تكذيبنا إيَّاك كما أتى الأمَّةَ المكذِّبة مِنْ قَبلُ. ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: إن كنت صادقًا في دعواك، أو: إن كنت من جملة تلك الرُّسل الصَّادقين في دعواهم. * * * (٨) - ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾. ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ بالياء مسندًا إلى ضمير اسم الله تعالى (٢). وقرئ بالنُّون (٣)، وهو مناسب لما تقدَّم وما تأخَّر من ألفاظ التَّعظيم، وقرئ

стр. 2407

بالتَّاء والبناء للمفعول ورفع ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ (١)، وقرئ: ﴿نُنَزِّلُ﴾ (٢) بمعنى: تتنزَّل. ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ متعلق بالفعل قبله (٣)، أو بمحذوفٍ على أنَّه حال من الفاعل، أو المفعول؛ أي: ملْتبسين بالحقِّ، أو نعت لمصدرٍ محذوفٍ، أي: إلَّا تنزيلًا ملتبسًا بالحقِّ؛ أي: بالحكمة والصَّواب (٤)، ولا حكمة في أن يأتيكم بصور تشاهدونها وتشهدون بصدقه؛ فإنه لا يزيدكم إلا لبسًا، كقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]، ولا في معاجلتكم (٥) بالعقاب؛ فإنَّ منكم ومن ذراريكم مَن سبق له حكمنا بالإيمان. وقيل: الحقُّ: الوحيُ، وقيل: العذاب. ﴿وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ جوابٌ لهم وجزاءُ شرطٍ (٦) مقدَّر؛ أي: لو (٧) أنزلنا الملائكة ما كانوا مُنْظَرين. * * * (٩) - ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ رَدٌّ لإنكارهم واستهزائهم، ولهذا أكَّده بـ (إنَّ) والضَّميرِ وبناءِ الفعل عليه، وقرَّره بقوله:

стр. 2408

﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾؛ أي: من الطَّعن والتَّحريف والزِّيادة والنُّقصان، بأنْ جعلناه مباينًا لكلام البشر، لا يخفى على أهل البلاغة إعجازُه وتغييرُ نظمه لو غُيِّرَ، بخلاف الكتب المتقدِّمة؛ فإنَّه تعالى لم يتولَّ حفظَها، واستحفظها الرَّبانيُّون والأحبار، ولم يجعلْ لفظها ونظمها معجزًا لا يمكن تغييرها (١)، فاختلفوا فيما بينهم وحرَّفوا وغيَّروا. وقيل: الضَّمير لرسول الله ﷺ ، كقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. * * * (١٠) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: أرسلنا رسلًا. و ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ يجوز أن يتعلَّق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، وأن يتعلق بالمحذوف على أنَّه نعتٌ له. والشِّيع: جمع شيبة، وهي الفرقة المتَّفقة على طريقٍ ومذهبٍ، مِن شاعه: إذا تبعه، وأصله الشِّياعُ، وهو الحطب الصِّغار تُوقَدُ بها الحطب (٢) الكبار. والمعنى: نبَّأنا رجالًا فيهم وجعلناهم رُسلًا فيما بينهم. * * * (١١) - ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ كما يفعل هؤلاء، وهو تسليةٌ للنَّبيِّ ﷺ .

стр. 2409

قيل: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ﴾ حكايةُ حالٍ ماضيةٍ؛ لأنَّ (ما) لا يدخل على مضارع إلَّا هو في موضع الحال، ولا على ماضٍ إلَّا هو قريب من الحال. ورُدَّ عليه: بأنَّ (ما) يكثر دخوله على المضارع مر اداً به الحال، ويدخل عليه مرادًا به الاستقبال، كقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس: ١٥]، وأُنشِدَ شاهدًا له قول أبي ذؤيب: أَوْدَى بَنيَّ وأَوْدَعونيْ حَسْرةً … عندَ الرُّقادِ وعَبْرةً ما تُقْلِعُ (١) وقول الأعشى في مدح رسول الله ﷺ : له ناحلاتٌ مانعاتٌ نَوالها … وليس عطاءُ اليومِ مانِعَهُ غَدا (٢) وقوله: ﴿إِلَّا كَانُوا﴾ يجوز أن يكون حالًا من مفعول ﴿يَأْتِيهِمْ﴾، ويجوز أن يكون صفة لـ ﴿رَسُولٍ﴾، ففيه وجهان؛ الجرُّ باعتبار اللَّفظ، والرَّفعُ باعتبار المحلِّ، وإذا كانت حالًا فهي حالٌ مقدَّرة. * * * (١٢) - ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾. ﴿كَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك السَّلْك ﴿نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ والسَّلْك: إدخال

стр. 2410

الشيء في الشيء كالخيط في المِخْيَط، والرُّمحِ في المطعون، والضمير لـ ﴿الذِّكْرَ﴾، أي: ندخله في قلوبهم مكذَّباً مستهزأً به غير مقبول (١)، كالضَّمير الأخير في قوله: (١٣) - ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾. ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ وهو حالٌ من هذا الضَّمير، أو بيانٌ للجملة (٢) المتضمِّنة له، أو حال من ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾، أو منهما، ولا ينافي كونَها (٣) مفسِّرة للمعنى الأول، بل يقوِّيه، وتعاقُبُ الضمائر وإن لم يستلزم توافقها في المرجوع إليه لكنَّه مستحسَن لا يُعدل عنه عند سداد المعنى به. ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ استئناف، أي: قد مضت طريقتُهم التي سنَّها الله تعالى في إهلاكهم حين كذَّبوا الرُّسل وكذَّبوا الذِّكر المنزَل إليهم، وهو وعيدٌ لأهل مكَّة على تكذيبهم، فمَوقع هذا الكلام مَوقعُ الغاية في (سورة الشعراء)؛ أعني قوله: ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨]. * * * (١٤) - ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾. ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ﴾: على هؤلاء المقترحين المعاندين. ﴿بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾؛ أي: يسَّرنا لهم معراجًا يصعدون فيه إليها طول النَّهار ويعاينون ما هنالك، وذكر الظُّلول ليكون عروجهم بالنَّهار مستوضِحين لِمَا يعاينون طوله.

стр. 2411

(١٥) - ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾. ﴿لَقَالُوا﴾ من غلوِّهم في العناد وتشكيكًا في الحقِّ: ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾: حُيِّرَتْ (١) من السُّكْر، ويدل عليه قراءة: (سَكِرَتْ) (٢)؛ أي: حارت كما يَحار السكران، أو: حُبست، من السِّكْر (٣)، ويدل عليه قراءته بالتَّخفيف (٤)؛ أي: حُبست ومنعت من الإبصار كما يُحبَس النَّهر من الجري. ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ قد سَحَرَنا محمَّدٌ ﷺ بذلك، كما قالوا عند ظهور غيره من الآيات؛ أي: هذا أمرٌ تخييليٌّ لا حقيقةَ له قد سكر أبصارَنا، بل سحرنا به (٥). ومعنى ﴿إِنَّمَا﴾: أنهم يبتُّون القول بأنَّ ذلك ليس إلا تسكير الأبصار، وهذا (٦) معنى الإضراب في ﴿بَلْ﴾، وإيرادِ الجملة الاسمية؛ أي: قد سُحرنا سحرًا ثابتًا لا إفاقة معه. * * * (١٦) - ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾. ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ هي الاثنا عشر المعروفةُ مختلفةُ الهيئات والخواصِّ على ما دلَّ عليه الرَّصد والتَّجربة، ومن زاد على هذا قوله: مع بساطتها، فقد ادَّعى ما دون إثباته خَرْطُ القَتادِ.

стр. 2412

﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾ بالأشكال والهيئات البهيَّة ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾: المعتبرين المستدِلِّين بها على قدرة مبدِعها وتوحيد صانعها. * * * (١٧) - ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾. ﴿وَحَفِظْنَاهَا﴾ الضَّمير للسَّماء، وكذا في ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾؛ إذ لا وجه لتخصيص الزِّينة بالبروج. ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ فلا يقدر أن يصعد إليها، ويوسوسَ أهلها، ويتصرَّفَ في أمرها، ويطَّلع على أحوالها. ﴿رَجِيمٍ﴾: مرجوم بالنُّجوم؛ أي: مَرْميٍّ بها. * * * (١٨) - ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾. ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ في محلِّ النَّصب على الاستثناء المتَّصل. واستراق السَّمع: اختلاسُه سرًّا، شُبِّهَتِ الخطفة اليسيرة التي للشَّياطين من سكان السماوات لبعض الغيب بما بينهم من المناسبة في الجواهر - أو بالاستدلال من أوضاعها وحركاتها - بالسَّرقة في المسموعات. وعن ابن عباس ﵄: كان الشياطين غيرَ محجوبين عن السماوات، فلمَّا بُعِثَ عيسى ﵇ مُنِعوا من ثلاث سماوات، فلمَّا بُعِثَ محمَّدٌ ﷺ مُنِعوا منها جميعًا بالشُّهب (١).

стр. 2413

ولا يقدح فيه تكوُّنها قبل المولد؛ لجواز أن يكون لها أسبابٌ أخر. ويجوز أن تكون ﴿مِنْ﴾ في محل الرَّفع بالابتداء، وخبره: ﴿فَأَتْبَعَهُ﴾؛ أي: طلب لحوقه، وإنما دخلت الفاء لأن ﴿مِنْ﴾ إمَّا شرطيَّة، وإمَّا موصولة مشبَّهة (١) بالشرطية، والاستثناء منقطع. وقيل: إنه بدل من ﴿كُلِّ شَيْطَانٍ﴾، فيكون محلُّه الجرَّ. وفيه: أنَّ الكلام موجَب فيحتاج إلى تأويله بالنَّفي، ولا ضرورة هاهنا، بخلاف قوله: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٩]؛ فإنَّ فيه ضرورةً على قراءة الرفع، ومَن قال: أي: فتبعه ولحقه، فكأنَّه لم يفرِّق بين (تَبِعَه) و (أَتْبَعه)، والفرق قائم، يقال: أَتْبَعه إتباعًا: إذا طلب الثَّاني اللُّحوق بالأوَّل، وتَبِعه تبعًا: إذا مرَّ به فمضى معه، وكذلك اتَّبعه اتِّباعًا بالتَّشديد. ثمَّ إنَّ ما روي عن ابن عباس ﵄ بعد قوله: منعوا منها جميعًا، فما منهم من أحد يريد استراق السمع إلَّا رُمِيَ بشهابٍ قبسٍ، فإنْ أصابَه أحرَقَه، وإنْ أخطأه خبَله، فصار غولًا يضلُّ النَّاسَ في البوادي (٢) = صريح في عدم اعتبار اللُّحوق في الإتباع. ﴿شِهَابٌ مُبِينٌ﴾: ظاهر للمبصِرين. والشِّهابُ: شعلةُ نارٍ ساطعةٌ، وإطلاقه على الكوكب والسِّنان بطريق الاستعارة؛ لِمَا فيها من البريق (٣).

стр. 2414

(١٩) - ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾. ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾: بسَطناها؛ ليحصل بها الانتفاع لمن حلَّها. وقيل: المدُّ هو البسط؛ أي: ما لا يُدرك منتهاه (١). ولما كانت هذه الجملة تقدمها جملة فعلية كان النصب على الاشتغال أرجحَ من الرَّفع على الابتداء، فلذلك نصب ﴿وَالْأَرْضَ﴾. ﴿وَأَلْقَيْنَا﴾: طرَحنا، وإنما قال: ﴿فِيهَا﴾ دون (عليها)؛ لدفع ما يتبادر إلى الفهم من [أنَّ] (٢) إلقاء الجبال إلقاؤها على الأرض من الخارج، وبيانِ أنَّ المراد تكوُّنها فيها على وجه يتظاهر كأنَّها ملقاةٌ عليها. ﴿رَوَاسِيَ﴾: جبالًا ثوابت، وقد مرَّ ما يتعلق به في تفسير (سورة الرعد). ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾؛ أي: في الأرض. والإنبات في الجبال يندرج في الإنبات في الأرض بدون العكس، فلا حاجة إلى الجمع، ولا وجه لعود الضمير إلى الجبال خاصَّة (٣). ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ لفظة ﴿كُلِّ﴾ للتَّكثير والتَّفخيم، لا للإحاطة والتَّعميم، وقد مَرَّ نظائرها. ﴿مَوْزُونٍ﴾ بميزان الحكمة مقدَّرٍ بقَدْر تقتضيه، أو: مستحسَنٍ مناسب،

стр. 2415

كقولهم: كلام موزون، أو: ذي (١) قَدْر ووَقعٍ في باب النِّعمة والمنفعة (٢). * * * (٢٠) - ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾. ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ قد مرَّ تفسيره في (سورة الأعراف). ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ نصب عطفًا على ﴿لَكُمْ﴾، لا على الضمير المجرور، وإلَّا لوجب إعادة الجارّ؛ أي: وجعلنا لكم فيها معايش ومَن لستم له برازقين من العيال والخدم والمماليك والأنعام والدَّوابِّ ممن تظنُّون أنَّكم رازقوهم ظنًّا كاذبًا، والله يرزقكم وإيَّاهم. أو على ﴿مَعَايِشَ﴾؛ أي: وجعلنا فيها مَن لستم له برازقين ممَّا ذُكِرَ؛ فإنَّها من معايشكم. وفذلكة الآية: الاستدلال بجعل الأرض ممدودةً بمقدارٍ وشكلٍ معيَّن، مختلفةَ الأجزاء في الوضع، محدثةً فيها أنواع النبات والحيوان المختلفة خِلقةً وطبيعة، مع جواز أن لا يكون كذلك، على (٣) كمال قدرته تعالى، وتناهي حكمته، والتَّفرُّدِ في الألوهيَّة، والامتنانِ على العباد بما أنعم الله عليهم في ذلك ليوحِّدوه ويعبدوه، ثم بالغَ في ذلك فقال: * * *

стр. 2416

(٢١) - ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾. ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ في محلِّ الرَّفع مبتدأ، خبره (١) ﴿عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ و ﴿مِنْ﴾ زائدة لتأكيد العموم. الخزائن: جمع الخزانة، وهي اسم المكان الذي يخزن - أي: يحفظ - فيه نفائس الأموال. شبَّه معلوماته تعالى الممكنةِ التي إذا تعلقت الإرادة بها وُجِدَتْ بقدرته بالأشياء المخزونة في الخزائن، فهي استعارة. وقيل: ضرب ذلك مثلًا لاقتداره في كلِّ مقدور وإيجاده وتكوينه بحسَب الإرادة؛ أي: ما من شيء من الأشياء الممكِنة إلَّا ونحن قادرون على إيجاد أضعاف ما وجد منه. ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ﴾؛ أي: نكوِّنه ونُوجده في العالم السُّفلي. ﴿إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ إلا بمقدار معيَّن، وقد عيَّنته الحكمة، واقتضته المشيئة، فإنَّ تخصيص (٢) كلٍّ منها بصفةٍ دون أخرى، وشكلٍ ومقدارٍ ووقتٍ معيَّنٍ دون ما يخالفها، لا بُدَّ له من مخصِّصٍ حكيمٍ. * * * (٢٢) - ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾. ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ﴾ فيه إشارة إلى أنَّ مقتضى طبع الرِّيح الهُبوب، وإنَّما يركُد بالقسر الإلهي لِمَا في هبوبه الزَّائد عن قَدْر الحاجة مفسَدةٌ عظيمةٌ.

стр. 2417

﴿لَوَاقِحَ﴾: حواملَ، أو: ملقِحاتٍ للشَّجر والسَّحاب، ونظيره: الطَّوائح بمعنى المَطاوح، جمع مُطيحة، كقوله: ومُخْتَبِطٌ ممَّا تُطِيْحُ الطَّوائِحُ (١) أي: المطيحات، شبَّه الرِّيحَ التي جاءت بخير كإنشاء سحابٍ ماطرٍ (٢) وإنبات زرعٍ وعشب بالحامل، كما شَبَّه ما لا يكون كذلك بالعقيم. وقرئ: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ﴾ على تأويل الجنس (٣). ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾ قد مرَّ تفصيله في تفسير (سورة البقرة). ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ (٤): فجعلناه لكم سُقْيا. ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ نفيٌ لما أثبته لنفسه في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ عنهم، كأنَّه قال: نحن الخازنون للماء لا أنتم؛ أي: نحن القادرون على خزنه في السَّحاب وإنزاله، وما أنتم عليه بقادرين، دلالةً باهرة على عظيم قدرته، وإظهارًا لعجزهم. وقيل: معنى ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ في الغدران والعيون والآبار. * * *

стр. 2418

(٢٣) - ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ تقديم الضَّمير للاختصاص، وتكريره وتأكيده بـ ﴿إِنَّ﴾ للحصر والتَّقوية؛ أي: لا قدرة على الإحياء والإماتة (١) إلَّا لنا. ويجوز أنْ يُرادَ بالحياةِ ما يعمُّ الحيوان والنَّبات، وبالموت ما يقابله. ﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾: الباقون بعد فناء الخلق كلِّه، استُعير الوارث للباقي، من وارث الميت؛ لأنَّه يبقى بعد فنائه. * * * (٢٤) - ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾. ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾: مَن استَقْدَم ولادةً وموتًا، ومَنْ تأخَّرَ مِنَ الأوَّلين والآخِرين فيهما. أو: مَنْ خرج مِنْ أصلاب الرِّجال ومَنْ لم يخرج بعدُز. أو: مَنْ تقدَّم في الإسلام والجهاد وسبقَ إلى الطَّاعة ومَن تأخَّر، لا يخفي علينا من أحوالكم شيءٌ، فهو بيانٌ لكمال علمه تعالى بعد الاحتجاج على كمال قدرته، وقد دلَّ على علمه أيضًا ما دلَّ على قدرته. وقيل: رَغَّبَ رسولُ الله ﷺ في الصَّف الأوَّل في الصَّلاة، فازدحموا عليه، فنزلت (٢).

стр. 2419

وقيل: إنَّ امرأة حسناء كانت في المصلِّيات خلفَ رسول الله ﷺ ، فاستقدم بعضُ القوم لئلَّا يقعَ بصره عليها، واستأخر بعضُهم ليبصرها، فنزلت (١). وما تقدَّم من الوجوه والذي يتلوه هو المطابق للسَّابق واللَّاحق. * * * (٢٥) - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾ الحشر: جمع الحيوان من جهات شتَّى إلى مكان؛ أي: هو (٢) وحده يقدر على حشرهم وحصرهم مع تباعد أطراف عددهم. وتصدير الجملة بـ (إنَّ) لتحقيق الوعد، والتَّنبيهِ على أنَّ ما سبق من الدَّليل على كمال قدرته تعالى وعلمه يدلُّ على صحَّة هذا الحكم، كما صرَّح به في قوله: ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ﴾: باهر (٣) الحكمة، متفنِّنٌ (٤) في أفعالِه. ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أي: واسع العلم، يحيط بكلّ شيءٍ علمًا. * * * (٢٦) - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾.

стр. 2420

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ﴾ لَمَّا نبَّه تعالى على منتهى الخلق - وهو الحشر يوم القيامة؛ أي: ما يستقرُّون فيه - نبَّههم (١) على مبدأ أصلِهم. والصَّلصالُ: الطين اليابس الذي يُصلصِل لشدَّة يبسه، وهو غير مطبوخ، وإذا طبخ فهو فخَّار، وقيل: إذا سمع في صوته مَدٌّ عند النَّقر فهو صليل، وإذا سمع ترجيع فهو صلصلة، وقيل: هو تضعيف (صَلَّ): إذا أنتن. ﴿مِنْ حَمَإٍ﴾ صفة ﴿صَلْصَالٍ﴾؛ أي: كائنٍ من حمأ، ويجوز أن يكون بدلًا من ﴿صَلْصَالٍ﴾ بإعادة الجارّ. والحمأُ: طينٌ تغيَّر واسودَّ من طولِ مجاورةِ الماءِ. ﴿مَسْنُونٍ﴾: مصبوبٍ مفرَّغٍ، من سَنَّ الماء: إذا صبَّه؛ أي: أُفرغ صورةَ إنسان كما تُفرغ الصورة والتَّماثيل من الجواهر المذابة، كأنه أَفرغ الحمأ فصوَّر منها تمثال إنسان أجوفَ، فيبس حتى إذا نُقر صلصل، ثم غيَّر ذلك طورًا بعد طورٍ حتى سوَّاه ونفخ فيه من روحه. * * * (٢٧) - ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾. ﴿وَالْجَانَّ﴾: أبو الجنِّ إبليس (٢)، كما أنَّ اَدم ﵇ أبو الإنس، ويجوز أن يُرادَ به الجنس، كما هو الظَّاهر من ﴿الْإِنْسَانَ﴾، فإنَّ تشعُّب الجنس لما كان من شخصٍ واحدٍ خُلق من مادة واحدة كان الجنس بأسره مخلوقًا منها. وانتصابه بفعل يفسِّره: ﴿خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ﴾: من قبلِ خلق الإنسان.
следующие страницы →