(٢١) - ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾.
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ في محلِّ الرَّفع مبتدأ، خبره (١) ﴿عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ و ﴿مِنْ﴾ زائدة لتأكيد العموم.
الخزائن: جمع الخزانة، وهي اسم المكان الذي يخزن - أي: يحفظ - فيه نفائس الأموال.
شبَّه معلوماته تعالى الممكنةِ التي إذا تعلقت الإرادة بها وُجِدَتْ بقدرته بالأشياء المخزونة في الخزائن، فهي استعارة.
وقيل: ضرب ذلك مثلًا لاقتداره في كلِّ مقدور وإيجاده وتكوينه بحسَب الإرادة؛ أي: ما من شيء من الأشياء الممكِنة إلَّا ونحن قادرون على إيجاد أضعاف ما وجد منه.
﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ﴾؛ أي: نكوِّنه ونُوجده في العالم السُّفلي.
﴿إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ إلا بمقدار معيَّن، وقد عيَّنته الحكمة، واقتضته المشيئة، فإنَّ تخصيص (٢) كلٍّ منها بصفةٍ دون أخرى، وشكلٍ ومقدارٍ ووقتٍ معيَّنٍ دون ما يخالفها، لا بُدَّ له من مخصِّصٍ حكيمٍ.
* * *
(٢٢) - ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾.
﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ﴾ فيه إشارة إلى أنَّ مقتضى طبع الرِّيح الهُبوب، وإنَّما يركُد بالقسر الإلهي لِمَا في هبوبه الزَّائد عن قَدْر الحاجة مفسَدةٌ عظيمةٌ.
стр. 2417
﴿لَوَاقِحَ﴾: حواملَ، أو: ملقِحاتٍ للشَّجر والسَّحاب، ونظيره: الطَّوائح بمعنى المَطاوح، جمع مُطيحة، كقوله:
ومُخْتَبِطٌ ممَّا تُطِيْحُ الطَّوائِحُ (١)
أي: المطيحات، شبَّه الرِّيحَ التي جاءت بخير كإنشاء سحابٍ ماطرٍ (٢) وإنبات زرعٍ وعشب بالحامل، كما شَبَّه ما لا يكون كذلك بالعقيم.
وقرئ: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ﴾ على تأويل الجنس (٣).
﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾ قد مرَّ تفصيله في تفسير (سورة البقرة).
﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ (٤): فجعلناه لكم سُقْيا.
﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ نفيٌ لما أثبته لنفسه في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ عنهم، كأنَّه قال: نحن الخازنون للماء لا أنتم؛ أي: نحن القادرون على خزنه في السَّحاب وإنزاله، وما أنتم عليه بقادرين، دلالةً باهرة على عظيم قدرته، وإظهارًا لعجزهم.
وقيل: معنى ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ في الغدران والعيون والآبار.
* * *
стр. 2418
(٢٣) - ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾.
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ تقديم الضَّمير للاختصاص، وتكريره وتأكيده بـ ﴿إِنَّ﴾ للحصر والتَّقوية؛ أي: لا قدرة على الإحياء والإماتة (١) إلَّا لنا.
ويجوز أنْ يُرادَ بالحياةِ ما يعمُّ الحيوان والنَّبات، وبالموت ما يقابله.
﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾: الباقون بعد فناء الخلق كلِّه، استُعير الوارث للباقي، من وارث الميت؛ لأنَّه يبقى بعد فنائه.
* * *
(٢٤) - ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾.
﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾: مَن استَقْدَم ولادةً وموتًا، ومَنْ تأخَّرَ مِنَ الأوَّلين والآخِرين فيهما.
أو: مَنْ خرج مِنْ أصلاب الرِّجال ومَنْ لم يخرج بعدُز.
أو: مَنْ تقدَّم في الإسلام والجهاد وسبقَ إلى الطَّاعة ومَن تأخَّر، لا يخفي علينا من أحوالكم شيءٌ، فهو بيانٌ لكمال علمه تعالى بعد الاحتجاج على كمال قدرته، وقد دلَّ على علمه أيضًا ما دلَّ على قدرته.
وقيل: رَغَّبَ رسولُ الله ﷺ في الصَّف الأوَّل في الصَّلاة، فازدحموا عليه، فنزلت (٢).
стр. 2419
وقيل: إنَّ امرأة حسناء كانت في المصلِّيات خلفَ رسول الله ﷺ ، فاستقدم بعضُ القوم لئلَّا يقعَ بصره عليها، واستأخر بعضُهم ليبصرها، فنزلت (١).
وما تقدَّم من الوجوه والذي يتلوه هو المطابق للسَّابق واللَّاحق.
* * *
(٢٥) - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾ الحشر: جمع الحيوان من جهات شتَّى إلى مكان؛ أي: هو (٢) وحده يقدر على حشرهم وحصرهم مع تباعد أطراف عددهم.
وتصدير الجملة بـ (إنَّ) لتحقيق الوعد، والتَّنبيهِ على أنَّ ما سبق من الدَّليل على كمال قدرته تعالى وعلمه يدلُّ على صحَّة هذا الحكم، كما صرَّح به في قوله:
﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ﴾: باهر (٣) الحكمة، متفنِّنٌ (٤) في أفعالِه.
﴿عَلِيمٌ﴾؛ أي: واسع العلم، يحيط بكلّ شيءٍ علمًا.
* * *
(٢٦) - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾.
стр. 2420
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ﴾ لَمَّا نبَّه تعالى على منتهى الخلق - وهو الحشر يوم القيامة؛ أي: ما يستقرُّون فيه - نبَّههم (١) على مبدأ أصلِهم.
والصَّلصالُ: الطين اليابس الذي يُصلصِل لشدَّة يبسه، وهو غير مطبوخ، وإذا طبخ فهو فخَّار، وقيل: إذا سمع في صوته مَدٌّ عند النَّقر فهو صليل، وإذا سمع ترجيع فهو صلصلة، وقيل: هو تضعيف (صَلَّ): إذا أنتن.
﴿مِنْ حَمَإٍ﴾ صفة ﴿صَلْصَالٍ﴾؛ أي: كائنٍ من حمأ، ويجوز أن يكون بدلًا من ﴿صَلْصَالٍ﴾ بإعادة الجارّ.
والحمأُ: طينٌ تغيَّر واسودَّ من طولِ مجاورةِ الماءِ.
﴿مَسْنُونٍ﴾: مصبوبٍ مفرَّغٍ، من سَنَّ الماء: إذا صبَّه؛ أي: أُفرغ صورةَ إنسان كما تُفرغ الصورة والتَّماثيل من الجواهر المذابة، كأنه أَفرغ الحمأ فصوَّر منها تمثال إنسان أجوفَ، فيبس حتى إذا نُقر صلصل، ثم غيَّر ذلك طورًا بعد طورٍ حتى سوَّاه ونفخ فيه من روحه.
* * *
(٢٧) - ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾.
﴿وَالْجَانَّ﴾: أبو الجنِّ إبليس (٢)، كما أنَّ اَدم ﵇ أبو الإنس، ويجوز أن يُرادَ به الجنس، كما هو الظَّاهر من ﴿الْإِنْسَانَ﴾، فإنَّ تشعُّب الجنس لما كان من شخصٍ واحدٍ خُلق من مادة واحدة كان الجنس بأسره مخلوقًا منها.
وانتصابه بفعل يفسِّره: ﴿خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ﴾: من قبلِ خلق الإنسان.
стр. 2421
﴿مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾: من نار الحرِّ الشَّديد النافذ في المسام، وهذا باعتبار الغالب، كقوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الروم: ٢٠]، ولا يمتنِع خلقُ الحياة في الأجرام البسيطة، كما لا يمتنِع خلقها في الجواهر المجرَّدة، فضلًا عن الأجساد المؤلفة التي الغالبُ فيها الجزء النَّاري، فإنها أقبلُ لها من الغالب فيها الجزءُ الأرضي.
ومساق الآية كما هو للدّلالة على كمال قدرة الله تعالى، وبيانِ بدء خلق الثَّقلَين، فهو للتَّنبيه على المقدِّمة الثَّانية التي يتوقف عليها إمكان الحشر، وهو قَبول الموادِّ للجمع والإحياء.
* * *
(٢٨) - ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾.
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ اذكُرْ وقتَ قولِه: ﴿لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ إنما قال هاهنا ﴿بَشَرًا﴾؛ لأنَّ المراد الجسد الخالي عن الرُّوح، والمراد فيما سبق جنس الإنس، ولم يقصد خلوَّه عن الرُّوح، فلذلك عبَّر عنه ثمَّة بـ ﴿الْإِنْسَانَ﴾.
* * *
(٢٩) - ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾.
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾: عدَّلْتُ خِلقته وهيأتُه لنفخ الرُّوح فيه.
﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾؛ أي: أحييته، وهو تمثيل لتحصيل ما تحيى به جثَّته فيه، وما ثمَّةَ نفخٌ ولا منفوخ، لكن لَمَّا كان ظهور الرُّوح الإنساني المخصوص بالله تعالى فيه إنما هو بفيضان القوَّة الحيوانيَّة على البخار اللَّطيف المتولِّد في القلب الساري
стр. 2422
منه في الشَّرايين إلى سائر أعضاء البدن عبَّرَ عن إحيائه بنفخ الرُّوح، فإنَّ النَّفخ إنما هو إجراء الرِّيح (١) في تجويف جسم آخرٍ.
وإضافة الرُّوح إلى نفسه لأنّه مصدَر نه بلا واسطةٍ.
﴿فَقَعُوا لَهُ﴾: فاسقطوا له ﴿سَاجِدِينَ﴾: أمرٌ من وقَعَ يَقَعُ.
* * *
(٣٠) - ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾.
﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ﴾ تعلُّقه لأمرٍ منجَزٍ مذكورٍ في مواضع أُخر، وقد قرَّرناه في تفسير (سورة الأعراف)، لا لأمرٍ معلَّقٍ مذكورٍ هاهنا، فالفاء فصيحة (٢) للعطف على محذوفٍ، تقديره ظاهرٌ لمن وقف على الأمر التَّنجيزي.
﴿أَجْمَعُونَ﴾ أكَّدَ بتأكيدَيْن للمبالغة في التَّعميم ومنع التَّخصيص، هذا على قول سيبويه (٣).
وعن المبرِّد: أكَّد بالكُلِّ للإحاطة، وبـ (أجمعين) للدَّلالة على أنَّهم سجدوا دفعة واحدة.
وردَّه الزَّجَّاج بأنَّ (أجمعين) معرفة، فلا يكون حالًا (٤).
стр. 2423
﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾.
﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ استثناء متَّصل، وقد سبق وجهه في سورة البقرة والأعراف.
﴿أَبَى﴾ استئناف، كأن سائلًا قال: هلَّا سجد، فقيل: أبى.
﴿أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ في عبارة ﴿مَعَ﴾ إشارةٌ إلى أنَّ إبليس كان في حيِّز التَّابعين في أمر السُّجود، ومع ذلك استكبر، ولا يخفى لطف موقع هذه الإشارة حيث كان الكلام في تقبيح حاله.
* * *
(٣٢) - ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾.
﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ﴾: أيُّ غرضٍ لك في أن لا تكون ﴿مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ لآدم.
* * *
(٣٣) - ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾.
﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ﴾ اللَّام لتأكيد النَّفي؛ أي: لا يصحُّ منِّي، وينافي حالي أن أسجد ﴿لِبَشَرٍ﴾ جسمانيٍّ كثيفٍ، وأنا روحانيٌ لطيفٌ.
стр. 2424
﴿خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾؛ أي: خلقتَه من أخسِّ الأجرامِ، وأنا مخلوق من أشرفها، استنقَص آدمَ ﵇ باعتبار النَّوع والأصل، وقد سبق الجواب عنه.
* * *
(٣٤) - ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾.
﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾: من السَّماء أو من (١) الجنَّة.
﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾: مطرودٌ من رحمة الله تعالى، أي: ملعونٌ لأن الطَّرد من الرَّحمة هو اللَّعن، والرَّجم في الأصل هو الرَّمي بالحجارة (٢)، وجُعل الرَّجم طردًا لأنَّ مَنْ يُطرَد يُرْجَم بالحجارة.
وقيل: مِن الشَّياطين المرجومين بالشُّهب، وهذا ليس جوابًا عن الشُّبهة على سبيل التَّصريح، بل هو جوابٌ على سبيل التَّنبيه، وذلك أنَّ الذي قاله (٣) تعالى نصٌّ، والذي قاله إبليس قياس، ومن عارض النَّص بالقياس كان رجيمًا ملعونًا.
* * *
(٣٥) - ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾.
﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ﴾ هو الإبعاد والطرد.
﴿إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ جعلَه منتهَى أمد (٤) اللَّعن، لا بمعنى أنَّه ينقطع عنده، بل
стр. 2425
بمعنى أن الإغواء الموجِب للَّعن على لسان المكلَّفين ينقضي بانقضاء التَكليف وقتَ الجزاء، فينقطع ذلك اللَّعن، ثمَّ يُجازَى بما يَنسى معه اللَّعن، ويستحقُّه (١) من أنواع العذاب، وإلَّا فاللَّعن في القيامة منصوصٌ عليه في مواضعَ من كلام الله تعالى، كقوله: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]، ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]، ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤].
وقيل (٢): حُدَّ اللَّعنُ به لأنّه أبعدُ غايةٍ يضربها النَّاس في التَّأبيد، كقوله: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٧].
* * *
(٣٦) - ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي﴾: فأخِّرني، والفاء متعلِّقة بمحذوفٍ دلَّ عليه سياق الكلام تقديره: فإذا جعلْتَني رجيمًا إلى يوم القيامة فأنظرني ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ إنَّما سأل الإنظارَ (٣) طلبًا للإمهال في العقوبة.
قيل: أراد أن يجد فُسْحةً في الإغواء، أو نجاةً عن الموت؛ إذ لا موت بعد وقت البعث، فأجابه إلى الأوَّل دون الثَّاني. وما ذكرنا أهمُّ، وهو مستلزِم لما ذكره أوَّلًا، وأمَّا ما ذكره ثانيًا فمبناه ضعيف على ما ستقف عليه.
* * *
стр. 2426
(٣٧) - ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾.
﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ الفاء للعطف على محذوفٍ تقديرُه: لا حاجة إلى السُّؤال؛ فإنَّك من الذين اقتضى حكمة التَّكليف إنظارَهم، فكان فيها تنبيه (١) على أنَّه لا إجابة له ولا كرامة من جهة الإسعاف لبعض سؤاله.
* * *
(٣٨) - ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾.
﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ هذا و (يوم الدِّين) و (يوم يبعثون) واحد، إلا أنَّه خولف بين العبارات قضاءً لحقِّ البلاغة في الكلام، فعبَّر عنه أوَّلًا بيوم الجزاء لِمَا عرفْتَ، وثانيًا بيوم البعث لأنَّه المناسب لغرض اللَّعين، وثالثًا بيومِ الوقت المعلوم لوقوعه في الكلامَيْن.
وزيادة الوقت للتَّنبيه على أنَّ التَّأخير إلى ذلك اليوم لا يقتضي نجاته؛ لأنَّه زمانٌ ممتدٌّ، والبعث في بعض أوقاته، فيجوز أن يموت في أوَّله ثم يُبعَث مع سائر الخلائق في وقت البعث.
وهذه المخاطبة وإن لم تكن بواسطةٍ لم تدلَّ على كرامته عند الله تعالى؛ لأنَّه على سبيل الإهانة والإذلال.
* * *
(٣٩) - ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ الباء للسبب، و (ما) مصدريَّة؛ أي: بعد أن أمهلْتَني لأجتهدنَّ في إغوائهم بأيِّ طريقٍ يمكنني بسبب إغوائك إيايَّ بواسطتهم.
стр. 2427
وقيل: الباء للقسم، ويردُّه قوله تعالى في موضع آخر: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢]، والقصَّةُ واحدةٌ، وهو صريحٌ في أنَّ القسم بصفة الذَّات، فمَن قال: والمعنى: أقسم بإغوائك إيَّايَّ، ثم قال: وفي انعقاد القسم بأفعال الله تعالى خلافٌ = فقد أخطأ في الأوَّل، ولم يصب في الثَّاني؛ لأنَّ الخلاف للفقهاء ونزاعَهم في أنَّه يمين يترتَّب عليها أحكامها من الكفَّارة وغير ذلك، لا في اليمين المتعارف، فإنَّه لا خلاف في أنَّ (١) اسم الحَلِف في عُرف العرب يقع عليه، وهو متعارف عندهم، ولهذا وردَ النَّهيُ عن الحلف بالآباء، وعدَّه الأصحاب مكروهًا، فالكلام المذكور لا مساسَ له لهذا المقام.
﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: لأزِّيننَّ لهم المعاصيَ في الدُّنيا التي هي دار الغرور، كقوله: ﴿أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٧٦].
وقيل: ومعنى تقييد التَّزيين بقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: قدرتُ على تزيين الأكل من الشَّجرة لآدم ﵇ في السَّماء (٢) فلَأَنْ أقدر على تزيين المعاصي لذرِّيته في الأرض أولى.
﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾: ولأحملنَّهم على الغواية.
* * *
(٤٠) - ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾.
﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾؛ أي: الذين أخلصهم الله تعالى لطاعته، وطهَّرهم عن الشَّوائب.
стр. 2428
وقرئ بكسر اللام (١)؛ أي: الذين أخلصوا نفوسهم ودينَهم لله تعالى.
وكان يكفيه أن يقوله: (إلا المخلصين منهم) فزاد قوله: ﴿عِبَادَكَ﴾؛ إشارةً إلى وجه خلاصهم عن إغوائه، وهو اختصاصهم بالله تعالى من جهة العبودية، وتوطئةً لتوصيفهم بالوصف المذكور.
* * *
(٤١) - ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾.
﴿قَالَ هَذَا﴾ إشارة إلى ما تضمَّنه الاستثناء، وهو تخلُّص المخلَصين من إغوائه، أو إلى الإخلاص.
﴿صِرَاطٌ عَلَيَّ﴾؛ أي: تخلُّصهم من إغوائك وانتفاءُ سلطانك عليهم حقٌّ عليَّ أن أراعيَه، أو الإخلاص طريق عليَّ، بمعنى: يؤدِّي إلى الوصول إليَّ والدُّخول عليَّ.
وإيثار حرف الاستعلاء على حرف الانتهاء لتأكيد الاستقامة، والشَهادةِ باستعلاءِ مَن ثبت عليه، فهو أدلُّ على التَّمكين من الوصول، فهو تمثيل؛ إذ لا استعلاء لشيءٍ عليه، تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا.
﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ من غير اعوجاجٍ، أو هذا الصِّراطُ حقٌّ عليَّ أنْ أراعيَه، وهو أن لا يكون لك سلطانٌ على عبادي، فقوله تعالى:
(٤٢ - ٤٣) - ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ تفسير للصِّراط المشار إليه بهذا على طريق الاستئناف.
стр. 2429
وقرئ: ﴿عَلِيٌّ﴾ مِن عُلُوِّ الشَّرفِ والمكانةِ (١).
وفي القول المذكور ردٌّ لما أَوهمَ اللَّعين مِن أنَّه إنَّما استثنى المخلَصين رعايةً لشرف تقرُّبهم من الله تعالى.
والإضافة في ﴿عِبَادِي﴾ للتَّشريف؛ يعني: إنَّ المخلصين بعبادتي المشرَّفين بالانتساب إليَّ لا قدرةَ لكَ على إغوائهم، فالاستثناء في قوله:
﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ منقطعٌ؛ أي: لكن مَن اتَّبعك من الغاوين فلكَ عليهم سُلطان، والواو في قوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ﴾؛ أي: لموعدُ المتَّبِعين، للعطفِ على المحذوف المذكور (٢).
وأمَّا ما قيل: إنه تكذيبٌ له فيما أَوهم أنَّ له سلطانًا (٣) على مَن ليس بمخلِصٍ (٤) من عباده، فإنَّ منتهى أمره التَّحريض والتَّدليس، كما قال: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢]، فلا يخفى بعدُه؛ لأنّه إنْ أُريْدَ بالسُّلطان: القدرة على الإغواء والضَّلال، فلا وجه للتَّكذيب له، وإنْ أُريْدَ به: ما أراده في القول المنقول عنه من القدرة القاهرة، فكلامه خلوٌ عن إيهامه، ثمَّ إنَّ مبناه على انقطاع الاستثناء مع صحَّة التَّناول في المستثنى منه للمستثنى، ولا يخفى ما فيه؛ فإنَّ حقَّ الاستثناء على تقدير العموم في المستثنى منه (٥) الاتِّصال، كما ذهب إليه مَنْ قال: إنَّه
стр. 2430
تصديقٌ لإبليس فيما استثناه (١)، ولا يذهبْ عليك أنَّ خطابه بالتَّصديق فيما قاله لا يخلو عن نوعِ إجلالٍ له، فلا يناسب مقام الإهانة والإذلال.
﴿أَجْمَعِينَ﴾ تأكيد للضَّمير، أو حال والعامل فيها الموعد إن جعلته مصدرًا على تقدير مضاف، ومعنى الإضافة إن جعلته اسمَ مكان فإنَّه لا يعمل.
* * *
(٤٤) - ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾.
﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ بحسب طبقاتها، استئناف، أو خبر ثانٍ، ومَن قال: يدخلون فيها لكثرتهم، أو طبقات ينزلونها بحسب مراتبهم لم يصب في واحدٍ منهما، أما في الثَّاني فظاهر؛ لأنَّ الأبواب مداخل تلك الطَّبقات لأنفسها، وأمَّا في الأوَّل فلأنَّ مبناه على أن يكون التَّعدد في المداخل (٢) فقط، وليس كذلك، قال عليٌّ ﵁: إن الله تعالى وضع الجِنَان على العرض، ووضع دَرَكَات النِّيران بعضها فوق بعض، فأسفلها جهنَّم، وفوقها اللَّظى، وفوقها الحُطَمة، وفوقها سَقر، وفوقها الجحيم، وفوقها السَّعير، وفوقها الهاوية (٣).
ومَنْ وهَم عكس التَّرتيب فقد وهِم.
﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ﴾: من الأتباع ﴿جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ أُفرز له، فأعلاها للموحِّدين، والثَّانيةُ لليهود، والثالثة للنصارى - وروي أنَّ الثَّانية للنَّصارى والثالثةَ لليهود - والرَّابعة للصَّابئين، والخامسة للمجوس، والسَّادسة للمشركين، والسابعة للمنافقين، قال الله
стр. 2431
تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] (١). وهذا صريحٌ في أنَّها دَرَكَاتٌ بعضُها فوقَ بعضٍ.
وبما قرَّرناه ظهرَ أنَّ تخصيصَ العدد لأنَّ أهلها سبعُ فرقٍ، لانحصار مجامع المهلكات في الرُّكون إلى المحسوسات، ومتابعةِ القوَّة الشهوانيَّة والغضبيَّة.
وقرئ: ﴿جُزْءٌ﴾ بالتَّثقيل (٢)، وقرئ: ﴿جُزٌّ﴾ على حذف الهمزة وإلقاء حركته على الزَّاي ثم الوقف عليه بالتَّشديد، ثم إجراء الوصل مجرى الوقف (٣).
و ﴿مِنْهُمْ﴾ حالٌ منه، أو من المستكنِّ في الظَّرف، لا في ﴿مَقْسُومٌ﴾ (٤)؛ لأنَّ الصِّفة لا تعمل فيما تقدَّم على موصوفها.
* * *
(٤٥) - ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾.
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾ من اتِّباعه، مَن قال: في الكفر (٥) والفواحش فإنَّ غيرها مكفَّرة. فكأنَّه غفل عن اشتراط كفارة الصَّغائر بالاجتناب عن الكبائر.
﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ قد سبق في تفسير (٦) سورة البقرة: أنَّ الجِنَان أيضًا سبعٌ، وفي كلِّ واحدة منها مراقب ودرجات متفاوتة على حسب تفاوت الأعمال والعمال.
стр. 2432
﴿وَعُيُونٍ﴾ يحتمل أن يكون المراد بها الأنهار المذكورة في قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥]، وأن تكون منابع مغايرة (١) لتلك الأنهار.
* * *
(٤٦) - ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾.
﴿ادْخُلُوهَا﴾ على إرادة القول، وقرئ بقطع الهمزة وكسر الخاء (٢)، على أنه ماضي الإدخال.
﴿بِسَلَامٍ﴾: سالمين، أو: مسلَّمًا عليكم، أي: يسلِّم عليكم الملائكة.
﴿آمِنِينَ﴾ من الآفات والعاهات، وأمَّا الزَّوال فالأمن عنه إنَّما يُعلَم من قوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨]، فلا وجه لدَرْجه في الأمن المراد هاهنا.
* * *
(٤٧) - ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾.
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ كان لبعضهم في الدُّنيا على آخر، نزعَ الله تعالى ذلك من قلوبهم بعد دخولهم الجنَّة، وطيَّب نفوسَهم.
روى أبو أمامة ﵁ عن النبي ﷺ أنَّه قال: "إنَّ أهلَ الجنَّةِ يدخلونَ
стр. 2433
الجنّةَ بما في صدورِهم مِنَ الشَّحناءِ والغِلِّ، فإذا ترافقوا وتقابلوا نزعَ اللهُ تعالى ذلك مِن صدورِهم، فذلك قولُه تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ الآية" (١).
فمن وهَم أن ذلك النَّزعَ في الدنيا فقد وهِم.
وعن علي ﵁: أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزُّبير منهم (٢).
والغِلُّ: الحقد الكامن في القلب، مِن انغلَّ في جوفه وتغلغل، فلا وجه لما قيل: من التَّحاسد على درجات الجنَّة ومراتب القُرْب.
﴿إِخْوَانًا﴾ حال من الضمير المجرور في ﴿صُدُورِهِمْ﴾، وجاز ذلك لأنَّ المضاف جزء المضاف إليه، أو من فاعل ﴿ادْخُلُوهَا﴾، أو من الضمير في ﴿آمِنِينَ﴾ أو من الضمير في ﴿جَنَّاتٍ﴾، وكذا قوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ ويجوز أن يكونا صفتين لـ ﴿إِخْوَانًا﴾، أو حالين من ضميرهم لأنَّه بمعنى متصافِين، أو يكون ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ حالًا من المستتر في ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾.
* * *
(٤٨) - ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾.
﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ استئناف، أو حال بعد حال، أو حالٌ من الضمير في ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾.
والنَّصَبُ: الوهن الذي يَلحَق من التَّعب في العمل.
стр. 2434
﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ نصٌّ في الخلود، وبه تتمُّ النِّعمة، ولَمَّا أتمَّ ذِكْرَ الوعد والوعيد رتَّبه بقوله:
(٤٩ - ٥٠) - ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾.
﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ تقريرًا لِمَا ذكر، وتمكينًا له في النُّفوس، وهو فذلكةٌ لذلك.
وفي ذكر المغفرة إيماءٌ إلى أنَّه لم يُرد بـ ﴿الْمُتَّقِينَ﴾: الذين اجتنبوا الذُّنوب بأسرها كبيرها وصغيرها.
وعن ابن عباس ﵄: غفور لمن تاب، وعذابه لمن لم يتب (١).
وفي توصيف ذاته بالغفران والرَّحمة دون التَّعذيب، والتَّأكيدِ بالضَّمير، وتعريفِ الاسمين، ترجيحٌ لجانب الوعد.
(٥١) - ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾.
وفي عطف: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ تحقيق لها بما يعتبرون به مما نزلَ بقوم لوطٍ ﵇ من العذابِ، وإنجاء لوطٍ وآله.
* * *
(٥٢) - ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾.
﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا﴾؛ أي: نسلِّم عليك، أو: سلَّمنا سلامًا، أو سَلِمْتَ سلامًا.
стр. 2435
﴿قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ الوَجَلُ: اضطراب النَّفس لتوقُّع مكروه (١)، وذلك لأنهم دخلوا بغير إذن، وبغير وقت، وقيل: لامتناعهم من الأكل.
* * *
(٥٣) - ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾.
﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ﴾ وقرئ: (لا تُوْجَلْ) بضم التَّاء (٢)، من أَوجلَه: إذا أخافه.
وقرئ: (لا تَاجَلْ) و (لا تُواجَلْ) (٣) من واجَله، بمعنى: أوجله.
﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾ استئناف في معنى التَّعليل للنَّهي عن الوَجَل؛ أي: إنك في محل الأمن والبِشارة، فإن المبشِّر (٤) لا يُخاف منه.
وقرئ: ﴿نُبَشِّرُكَ﴾ بفتح النَّون والتَّخفيف (٥)، من البِشر.
﴿بِغُلَامٍ﴾ هو إسحاق ﵇، لقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ [هود: ٧١].
﴿عَلِيمٍ﴾ بالدِّين، فأُدمج فيه الإشارةُ إلى نبوَّته كما ضمِّن قوله: ﴿بِغُلَامٍ﴾ البشارةَ بكون الولد ذكرًا.
* * *
(٥٤) - ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾.
стр. 2436
﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾ مسُّ الكبر: كناية عن تغييره إيَّاه عن الحال التي يطمع في الولد إلى حال اليأس عنه، ومعنى الهمزة: التَّعجب والاستنكار؛ أي: البشارة بالولد مع كبر السنن أمرٌ (١) عجيبٌ مستنكَر في العادة، ولذلك أكده بقوله:
﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾؛ أي: فبأيِّ أعجوبة تبشرونني (٢)؟! فإنَّ البِشارة بما لا يُتَصوَّر وقوعه في العادة كَلَا بشارةٍ، أو بشارة بغير شيء.
وقرئ ﴿تُبَشِّرُونَ﴾ بكسر النُّون والتَّشديد على إدغام نون الجمع في نون الوقاية، وبكسرها والتَّخفيف على حذف نون الجمع (٣)، والأصل: تبشرونني.
* * *
(٥٥) - ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾.
﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بما هو محقَّق الوقوع، أو: باليقين الذي لا لَبْسَ فيه.
ويجوز أن يكون قوله: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ سؤالًا عن وجه البشارة وطريقته؛ أي: بأي طريقة تبشرونني بالولد، ولا طريق إلى هذه البِشارة في العادة؟ وعلى هذا يكون معنى قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾: بطريقة هي الحقُّ، وهو قول الله تعالى ووعده.
стр. 2437
﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾: من الآيسين من (١) ذلك، فإنَّه القادر على إيجاد بشرٍ من غير أبوَيْن، فكيف من شيخ هرم وعجوز عاقر، وكان استعجاب إبراهيم ﵇ باعتبار العادة دون القدرة ولذلك:
(٥٦) - ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾.
﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾؛ أي: المخطئون طريقَ المعرفة، فلا يعر فون كمال قدرته وسعة رحمته، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]؛ أي: لم أستبعدْ ذلك قنوطًا من رحمته تعالى واستبعادًا من قدرته، بل استبعدته استعجابًا باعتبار العادة.
وقرئ (٢) ﴿يَقْنَطُ﴾ بالحركات الثَّلاث (٣)، وقرئ: (من القَنِطين) مِنْ قنطَ يقنَط (٤).
* * *
(٥٧) - ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾.
﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾؛ أي: فما الأمرُ الجليل الذي بُعثتم له؟
تفريعٌ على ما عُلِمَ ممَّا تقدَّم مِنْ أنَّ كلَّ القصد من إرسالهم ليس البشارةَ لأنهم كانوا ذوي عدد، ولو لم يكن المقصود إلا البشارة لاكتُفي بالواحد كما اكتُفي به في
стр. 2438
بشارة زكريا ومريم، ولأنهم بشروه في أثناء إزالة الوجل، ولو كان المقصود هي وحدها لابتدؤوا بها، ولأنَّ نزول الملائكة يكون غالبًا للعذاب.
* * *
(٥٨) - ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾.
﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ أريدَ بهم معيَّنون، يدل عديه قولهم في سورة هود: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠]، وإنَّما نكَّرها (١) هاهنا على سبيل الاستهانة بهم، كأنهم أُبهِموا أوَّلًا، ثم بُيِّنوا، فنُقل كلٌّ منهما في موضع اكتفاء بقَدْر الحاجة.
وفي الإشارة في توصيفهم بالمجرمين إلى أنَّ إرسالهم بالعذاب غنيٌّ عن العبارة عنه بقوله: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] الواقع في موضعٍ آخر، فكأنهم قالوا: إنا أرسلنا بالعذاب إلى قوم مجرمين.
والمجرم: المنقطِع عن الحقِّ إلى الباطل.
* * *
(٥٩) - ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ استثناء مُتَّصل من الضَّمير في ﴿مُجْرِمِينَ﴾ أي: قومٍ أجرموا كلُّهم إلَّا آلَ لوطٍ، أو من ﴿قَوْمٍ﴾ على أن توصيفهم بالإجرام باعتبار الغالب، وعلى كِلَا التَّقديرَيْن: القوم والإرسال شاملان للمجرمين وآلِ لوط المؤمنين به ﵇، والمعنى: إنَّا أرسلنا إلى قوم لوط وآله ليهلكوا قومه وينجو وأهلَه (٢) إلا امرأته.
стр. 2439
﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ﴾؛ أي: ممَّا يعذَّب به القوم.
﴿أَجْمَعِينَ﴾ استئناف للجواب عن سؤال إبراهيم ﵇، وهو مذكور في موضع آخر بقوله: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢]، وهذا القدْر من الاختلاف في أسلوب الكلام لا يضرُّ إذا كان المراد نقل خلاصة المعنى وحاصل المرام.
* * *
(٦٠) - ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾.
﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ استثناء من الضَّمير المجرور في ﴿لَمُنَجُّوهُمْ﴾، أو من ﴿آلَ لُوطٍ﴾ على أن يُجعل ﴿لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ اعتراضًا.
﴿قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ ﴿إِنَّهَا﴾ كسرت لأجل اللَّام في خبرها، ولولاها لفتحَتْ، وهي معلِّقة لِمَا قبلها؛ لأنَّ فعل التَّقدير يعلَّق إجراءً له مجرى القَول؛ لأنَّ التَّقديرَ بمعنى القضاء قول، أو مجرى العلم إمِّا لكونه بمعناه، أو لكونه مترتِّبًا عليه، وأمَّا تضمينه معنى العلم فلا يجدي نفعًا؛ لبقاء معنى الفعلَيْن.
وأصل التَّقدير: جعلُ الشيء على مقدار غيره.
والغابر: الباقي، والمراد: البقاء في العقوبة.
وهذه الجملة من كلام الله تعالى ذكرَتْ تقريرًا للاستثناء الواقع في كلام الملائكة؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ صريحٌ فيه، والقصَّة واحدة، فلا مساغَ لأنْ يكون من كلام الملائكة، فالذين سَعوا في توجيه إسنادهم التقدير إلى أنفسهم بما لا يخلو عن نوعِ تعسُّفٍ لم يكن سعيهم مشكورًا.
* * *
стр. 2440
(٦١) - ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ﴾ الفاء الفصيحة للعطف على محذوفٍ تقديرُه ظاهر بقرينة المقام وباقي الكلام.
* * *
(٦٢) - ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾.
﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ تُنْكِرُكُمْ نفسي، وأخاف أن تَطرقوني بِشَرٍّ.
* * *
(٦٣) - ﴿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾.
﴿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾؛ أي: ما جئناك بما تنكرنا لأجله وتخافه، بل جئناك بما يَسرُّك ويشفيك من أعدائك، وهو العذاب الذي تتوعَّدهم بنزوله، فيجادلونك فيه تكذيبًا لك، وقوله في سورة هود ﵇: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ [هود: ٨٠ - ٨١] لا يمكن توفيقه لهذه المقاولة إلا بحمل قوله ﵇ هاهنا على تصوير الحال والتَّعبير عنها، وحمل ما نُقِلَ عنهم على نَقل مآل المعنى وحاصل الكلام.
* * *
(٦٤) - ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.
﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾: باليقين من عذابهم ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فيما أخبرناك به.
* * *
стр. 2441
(٦٥) - ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾.
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ فاذهبْ بهم في اللَّيل.
قرئ: ﴿فَأَسْرِ﴾ بقطع الهمزة ووصلها من أسرى وسرى (١)، وقرئ: (فسِرْ) من السَّير (٢).
﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ بطائفة منه، وقيل: من آخره، قال:
افتحي البابَ وانظري في النُّجومِ … كم علينا من قِطعِ ليلٍ بهيمِ (٣)
﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾: وكنْ على إثرهم تذودهم؛ لئلا يتخلَّف منهم (٤) أحد فيصيبَه العذاب؛ ولتكون مطَّلعًا عليهم وعلى أحوالهم، فلا يَشتغل قلبك بمن خلفك، ولا يصدر من أحدهم (٥) هفوةٌ في تلك الحالة المهولة احتشامًا منك.
﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ فيرى ما بهم من العذاب وَيرِقَّ لهم، أو يرى ما لا يطيقه من الهول فيبقى على مكانه دهشًا فيَهلِكَ، أو ينصرفَ فيصيبه العذاب.
وقيل: نهوا عن الالتفات إلى الأوطان والمألوفات تحسرًا عليها ليواطنوا نفوسهم على المهاجرة.
стр. 2442
ويجوز أن يكون النهي عن الالتفات كنايةً عن الأمر بتواتر السَّير واتِّصاله، وتركِ التَّواني والتَّوقف، فإنَّ الملتفِت لا بُدَّ له من أدنى وقفة وتوانٍ.
﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أي: حيث أمركم الله تعالى بالمضيِّ، وهو الشَّام أو مصر.
عدِّى ﴿وَامْضُوا﴾ إلى ﴿حَيْثُ﴾ بنفسه؛ لأنَّه ظرف مبهَم في الأمكنة، وكذا ﴿تُؤْمَرُونَ﴾ إلى ضميره المحذوف على الاتِّساع.
* * *
(٦٦) - ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾.
﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ﴾ ضمِّنَ ﴿وَقَضَيْنَا﴾ معنى أوصينا فعُدِّي بـ (إلى)، كأنَّه قيل: وأوصينا إليه مقضيًّا مبتوتًا (١).
﴿ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ مبهَم يفسِّره: ﴿دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ﴾ ومحلُّه النَّصب على البدل منه؛ أي: يُستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد، وفي إبهامه والإشارةِ إليه (٢) بـ ﴿ذَلِكَ﴾ ثم تفسيرِه تفخيمٌ للأمر وتعظيمٌ له.
وقرئ: (إنَّ) بالكسر (٣) على الاستئناف، كأنَّ قائلًا قال: ما ذلك الأمر؟ فقال: إن دابر … إلخ.
﴿مُصْبِحِينَ﴾: داخلين في الصُّبح، حال من ﴿هَؤُلَاءِ﴾، أو من الضمير
стр. 2443
في ﴿مَقْطُوعٌ﴾، وإنَّما جُمع حملًا على المعنى، فإنَّ ﴿دَابِرَ هَؤُلَاءِ﴾ في معنى: مُدْبري هؤلاء.
* * *
(٦٧) - ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.
﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ﴾: سَدُوم ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾: بأضياف لوط ﵇؛ طمعًا فيهم.
* * *
(٦٨) - ﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ﴾.
﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي﴾ الضَّيفُ في الأصل مصدر: ضاف يَضيف ضيفًا (١): إذا أتى إنسانًا لطلبِ القِرى، وهو اسم يقع على الواحد والجمع والمذكَّر والمؤنَّث، وإطلاق الضَّيف على الملائكة لكونه في صورته.
﴿فَلَا تَفْضَحُونِ﴾ بفضيحة ضيفي؛ فإن مَن أُسيء إلى ضيفه فقد أُسيء إليه، يقال: فضحه يفضحه فضحًا وفضيحةً: إذا ظهر من أمره ما يلزمه العار.
* * *
(٦٩) - ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ﴾.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في ركوب الفاحشة.
﴿وَلَا تُخْزُونِ﴾: ولا تذلّونِ بسببهم، مِنَ الخِزْي وهو الهوان، أو (٢): لا تُخجلونِ فيهم، من الخَزَاية، وهي الخجالة.
стр. 2444
وهذا القول منه ﵇ صريحٌ في أنَّ مجيء أهل المدينة والمقاوَلةَ معهم في شأن الأضياف قبل العلم بأنَّهم ملائكة أُرْسِلوا للنَّصر، فجاء في قوله: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ إخبار عن مجيئهم عقيب نزول الملائكة في بيت لوط ﵇ قبل محاورته معهم وعلمه (١) بأنَّهم ملائكة، وما في قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ إخبارٌ عن محاورته ﵇ مع الملائكة بعد تمام مقاولته مع أهل المدينة، ولا دلالة في الواو على التَّرتيب.
* * *
(٧٠) - ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ الهمزة (٢) للاستفهام الإنكاري، والواو للعطف على محذوفٍ تقديرُه: ألم نقل لك: لا تُجِرْ أحدًا بالإنزال في بيتك ولم ننهك عن العالمين؟! أي: عن المنع بيننا وبينهم، فإنهم كانوا يتعرَّضون لكلِّ واحدٍ، وكان لوط ﵇ يمنعهم عنه بقدر وسعه.
* * *
(٧١) - ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾.
﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ فيه وجوهٌ قد مرَّ بيانها في تفسير سورة هود ﵇.
﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ شكّ في قَبولهم لقوله؛ كأنه قال: إن فعلتم ما أقول لكم، وما أظنكُم تفعلون.
وقيل: إن كنتم تريدون قضاء الشَّهوة ففيما أحلَّ الله تعالى دون ما حرَّم.
стр. 2445
(٧٢) - ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
﴿لَعَمْرُكَ﴾ قسمٌ بحياة المخاطَب، وهو نبيُّنا ﷺ ، وقيل: لوط ﵇، قالت الملائكة له ذلك.
واللام لام الابتداء، و (عَمْرُكَ) مبتدأٌ خبرُهُ محذوفٌ، تقديره: لَعَمْرُكَ قَسَمِي.
والعَمْر بالفتح لغةٌ في العُمْر، يختصُّ به القسم إيثارًا للأخفِّ فيه؛ لأنَّه كثير الدَّور على ألسنتهم، ومتى (١) اقترن بلام الابتداء يلزمه حذف الخبر؛ لسدِّ جواب القسم مسدَّه.
﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ﴾؛ أي: غوايتهم، أو شدَّة غُلْمَتهم (٢) التي أذهبت تمييزهم بين الخطأ الذي هم عليه وبين الصَّواب الذي يشار به إليهم.
﴿يَعْمَهُونَ﴾: يتحيَّرون، فكيف يقبلون النُّصح؟!
* * *
(٧٣) - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ اللَّام للجنس، والمراد به: الفرد الكامل في معناه (٣)، وهو صيحة جبريل ﵇؛ فإن اسم الجنس كما يستعمل لمسمَّاه مطلقًا يستعمل لِمَا يَستجمع المعانيَ المقصودة منه، ولذلك (٤) يُسلب عن غيره، فيقال: زيد ليس بإنسان.
стр. 2446
والصَّيحةُ: صوت يخرج من الفم بشدَّة.
وأَخْذُهم الصيحة: قهرُها إيَّاهم وتمكُّنها منهم، ومنه: الأَخيذ، بمعنى: الأسير.
﴿مُشْرِقِينَ﴾: داخلين في الشُّروق، وهو بزوغ الشَّمس، يقال: شَرَقت الشَّمس شروقًا: إذا طلعَتْ، وأشرقَ الرَّجل: إذا دخل في شروق الشَّمس.
كان ابتداء العذاب حين أصبحوا، وتمامه حين أشرقوا، فلا منافاة بينه وبين قوله: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود: ٨١].
* * *
(٧٤) - ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾.
﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا﴾: عاليَ المدينة، أو عاليَ قراهم ﴿سَافِلَهَا﴾: منقلبةً عليهم.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾: من طينٍ متحجِّر عليه كتاب من السِّجيل (١)، لقوله ﴿حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً﴾ [الذاريات: ٣٣ - ٣٤]؛ أي: معلَّمة بكتاب.
قيل: قذفوا بالحجارة أوَّلًا ثم قُلبوا، وقيل (٢): التقليب كان للحاضرين، والأمطار لمن شذَّ منهم.
* * *
(٧٥) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾.
стр. 2447
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾: للمتفرِّسين، أي: النَّاظرين المتثبِّتين في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة الشَّيء بسِمَته، يقال: توسَّمْتُ في فلان كذا: إذا عرفْتُ وَسمةً فيه.
* * *
(٧٦) - ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾.
﴿وَإِنَّهَا﴾: وإن المدينة أو القرى ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾: ثابت يسلكه النَّاس ويرون آثارهم لم تندرس بعدُ، وهو تنبيهٌ لقريشٍ المارِّين به، وتهديدٌ لهم، كقوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨].
* * *
(٧٧) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ (١) لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بالله ورسوله، ولام الاختصاص لأنَّ الانتفاع بها مخصوص بهم (٢).
* * *
(٧٨) - ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾.
﴿وَإِنْ كَانَ﴾ (إنْ) هي المخففَّة، واللَّام فارقة.
﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ هم قومٌ ممَّا بُعِثَ إليهم شعيب ﵇، كانوا يسكنون الغيضة.
و ﴿الْأَيْكَةِ﴾: الشجرةُ الملتفَّة، واحدةُ الأيك.
стр. 2448
﴿لَظَالِمِينَ﴾؛ لأنهم كذَّبوه ﵇، فأُهلكوا بالظُّلَّة.
* * *
(٧٩) - ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾.
﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ في عبارة الانتقام دلالةٌ على أنَّهم أهلكوا (١) بعذابٍ شديدٍ.
﴿وَإِنَّهُمَا﴾؛ أي: مدينةَ لوط ﵇ أو قراها - والأيكةَ (٢).
وقيل: الأيكة ومدين؛ فإنَّه ﵇ كان مبعوثًا إليهما، فدلَّ ذكر ﴿الْأَيْكَةِ﴾ على مدين فأتى بضميرهما.
﴿لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ لبطريقٍ واضحٍ.
والإمامُ: اسم لما يُؤتَمُّ به، فسمِّي به الطَّريق واللَّوح ومِطْمَر (٣) البنَّاء؛ لأنها مما يؤتمُّ به.
* * *
(٨٠) - ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾.
﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾؛ يعني: ثمود كذَّبوا صالحًا ﵇، ومَن كذَّبَ واحدًا من الرُّسلِ فقد كذَّب الجميع؛ لأنَّ سائره (٤) يصدِّقونه، فلا حاجة
стр. 2449
إلى التَأويل بحمل ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ على صالح ﵇ ومَن معه من المؤمنين.
والحِجْرُ: وادٍ بينَ المدينة والشَّام كانوا يسكنونها (١).
(٨١) - ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾.
﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ يعني: آياتِ الكتاب المنزَل على نبيهم، أو معجزاته.
* * *
(٨٢) - ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾.
﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ من الانهدام ونقب اللُّصوص وتخريب الأعداء؛ لوَثاقتها، أو من عذاب الله تعالى لفرط غفلتهم وحسبانهم أنَّ الجبال تحميهم منه.
* * *
(٨٣) - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾: أتاهم صيحةٌ من السَّماء فأخذتهم زلزلتُها، وهو المذكور في سورة الأعراف.
* * *
(٨٤) - ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من بناء البيوت المحكمة والأموال والعدد.
стр. 2450
(٨٥) - ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾.
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلَّا خَلقًا ملْتبسًا بالحقِّ؛ أي: بالعدل والحكمة، لا ملتبسًا بالباطل والعبَث، فيهمَلون على فسادهم وظلمهم، ولا يؤاخَذون بالعذاب؛ فإنه ينافي الحكمة والعدل.
﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ فيُنتقَم لك فيها ممَّن كذَّبك.
﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ أي: فاصفح عنهم ولا تعجَل بالانتقام منهم، وعامِلهم بالخُلُقِ معاملةَ الصَّفوح الحليم، وقيل: هي منسوخة بآية السَّيف.
* * *
(٨٦) - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾.
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ﴾ الذي خلقَكَ وخلقهم، وبيده أمرك وأمرهم.
﴿الْعَلِيمُ﴾ بحالك وبحالهم، فلا يخفى عليه ما يجري بينك وبينهم، فهو يحكم بينكم ويجازيكم على أعمالكم، أو هو الذي خلقكم وعلم ما هو الأصلح لكم، فأمرَ اليوم بالصَّفح لعلمِه بأنَّه الأصلح إلى أن يكون السَّيف أصلحَ.
* * *
(٨٧) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا﴾: سبعَ آياتٍ، وهي الفاتحة، على ما نصَّ عليه النَّبيُّ ﷺ ، وقد بيَّناه في تفسيرها.
стр. 2451
وقيل: سبعَ سور، وهي الطَّوال، وسابعُها الأنفال والتَّوبة، فإنَّهما في حكمِ سورة واحدة، ولذلك لم يُفصل بينهما بالتَّسمية.
ورُدَّ بأنَّ هذه السُّورة قد نزلَتْ وما نزل من السَّبع الطِّوال شيء، والصَّرف عن الظَّاهر يأباه مقام الامتنان.
﴿مِنَ الْمَثَانِي﴾ بيانٌ للسَّبع، من التَّثنية، وهي التَّكرير، أو من الثَّناء؛ لاشتمالها على ما هو ثناء على الله تعالى، الواحدة مَثْناةٌ؛ أي: موضع التَّثنية أو الثَّناء (١).
تنكير ﴿سَبْعًا﴾ للتَّعظيم، والإبهام الذي فيه والتَّوضيح بقوله: ﴿مِنَ الْمَثَانِي﴾ للتَّمكين في نفوس السَّامعين.
وقوله: ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ من باب عطف الكلِّ على البعض؛ للتَّعميم وتكثير الامتنان، وتفخيم شأن البعض المعطوف عليه، كأنه المقصود بالذِّكر، والأصلُ لسائر الأبعاض، والمراد من الكلِّ: مجموع ما نزلَ وقتَ نزول هذه الآية، لا مجموع القرآن حتى يلزمَ المحذور المذكور آنفًا.
* * *
(٨٨) - ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾: لا تطمحنَّ ببصرك طموحَ راغبٍ.
النَّاظر إنَّما يكون مادًّا عينيه إلى الشيء إذا أدام النَّظر إليه، وإدامة النَّظر إلى الشَّيء تدل على استحسانه والرَّغبة فيه.
стр. 2452
﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾: أصنافًا من الكفَّار، فإنَّ ما أوتيتَه من القرآن العظيم أعظمُ منها؛ لأنَّه كمال مطلوب بالذَّات، موصِل إلى دوام جوامع اللَّذات، أو ما أوتوا فهو مستحقَر بالنِّسبة إليه أقلُّ مِن لا شيء.
﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أنَّهم لم يؤمنوا فيتقوَّى بهم الإسلام، أو أنَّهم المتمتِّعون به دون المؤمنين.
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: لِمَنْ معكَ مِنْ فقراءِ المؤمنين وضعفائهم.
خفضُ الجناح مجازٌ مرسَل عن التَّعطف والرِّفق، مرتَّبٌ على الكناية، وأصله: أنَّ الطَّائر إذا ضمَّ الفرخَ إليه بسط جناحَه له ثمَّ قبضه على فرخِه.
* * *
(٨٩) - ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾.
﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ أنذركم ببيان وبرهان أنَّ عذابَ اللهِ نازلٌ بكم إن لم تؤمنوا.
وإنَّما وصفه بـ ﴿الْمُبِينُ﴾؛ لأنَّ إنذاره ﵇ أبينُ من إنذار سائر الأنبياء ﵈؛ لأنَّه ﵇ مِن أَمارات السَّاعة، فهو منذرٌ بلسان الحال كما أنَّه منذرٌ بلسان المقال، وقد نبَّه ﵇ على هذا المعنى حيث قال: "أنا النذير العريان" (١).
стр. 2453
(٩٠) - ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾.
﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ في محل النَّصب صفةُ مصدرٍ لـ ﴿آتَيْنَاكَ﴾ لأنَّه في معنى: أنزلنا عليك، كأنَّه قال: ولقد أنزلنا عليك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم كما أنزلنا على أهل الكتاب المقتسمين: الذين اقتسموا القرآن إلى حقٍّ وباطل، حيث قالوا عنادًا: بعضه حقّ موافق للتَّوراة والإنجيل، وبعضه باطل مخالفٌ لهما، أو اقتسموه إلى شعرٍ وسحرٍ وكهانةٍ وأساطير الأوَّلين.
فيكون ذلك تسلية لرسول الله ﷺ ، وقوله: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ﴾ إلخ اعتراضًا ممدًّا له.
أو صفةُ مفعولٍ لـ ﴿النَّذِيرُ﴾، أُقيمَ مقامه؛ أي: أنذر قريشًا عذابًا مثل ما أنزلنا مِنَ العذاب على المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكَّة؛ للتَّنفير عن الرَّسول، والصَّدِّ عن الدِّين.
* * *
(٩١) - ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾.
﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾: أجزاءً، جمع عِضَةٍ بمعنى: جزء، وأصلها: عِضْوةٌ، فِعْلةٌ مِن عَضَّى الشَّاة: إذا جعلها أعضاءً، وقيل: هي فِعْلة من عَضهْتُه: إذا بهتَّه.
وعن عكرمة: العَضْهُ (١) بلسان قريش: السِّحر، يقولون للساحرة: العاضهة (٢).
стр. 2454
ولعن رسول الله ﷺ العاضهة والمستعضهة (١).
ونقصانها على الأول واو وعلى الثاني هاءٌ، وإنَّما جُمِعَ جَمعَ السَّلامة جبرًا لما حذف منه (٢)، كقولهم: قلون وثبون.
والموصول بصلته صفة لـ ﴿الْمُقْتَسِمِينَ﴾، أو مبتدأ خبره:
* * *
(٩٢ - ٩٣) - ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من التَّقسيم، أو النِّسبة إلى السحر، فنجازيهم عليه، وقيل: عامٌّ، أي: عن كلِّ ما عملوا من المعاصي، فيتناولهما، وهو وعيد لهم، وقيل: يسألهم سؤالَ تقريع.
* * *
(٩٤) - ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾.
﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾: فاجْهَر به وأظهره. وقيل: افرُقْ بينَ الحقِّ والباطل به.
والصَّدع في الأصل: شقٌّ في الأجسام الصُّلبة كالزُّجاج والحديد، ويلزمه الإبانة والتَّمييز.
стр. 2455
و ﴿مَا﴾ موصولة؛ أي: بالذي تؤمر به من الشَّرائع، فحذفَ الجارَّ، كقوله:
أَمَرْتُكَ الْخَيْرَ فَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ (١)
أو مصدرية؛ أي: بأمرك، كقول أبي طالب:
فاصدعَ بأمرِكَ ما عَليْكَ غَضاضة (٢)
وهو مصدر من الفعل المبني للمفعول، قيل: فيه خلاف، والصَّحيح أنه لا يجوز، ورُدَّ بأنَّ الخلاف هو في المصدر المصرَّح به، وأمَّا الحرف المصدري فليس محلَّ النِّزاع.
﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾؛ أي: لا تلتفت إلى ما يقولون، فالإعراض كناية عن عدم الالتفات (٣).
* * *
(٩٥) - ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾.
﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ﴾؛ أي: نكفيك. وذكره على صيغة الماضي للدّلالة على قربه.
﴿الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ بإهلاكهم وتدميرهم، وهم كانوا خمسة نَفَرٍ من أشراف قريش، وقصتهم مذكورة في كتب التفاسير والسِّيرِ.
* * *