← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

وقيل: سبعَ سور، وهي الطَّوال، وسابعُها الأنفال والتَّوبة، فإنَّهما في حكمِ سورة واحدة، ولذلك لم يُفصل بينهما بالتَّسمية. ورُدَّ بأنَّ هذه السُّورة قد نزلَتْ وما نزل من السَّبع الطِّوال شيء، والصَّرف عن الظَّاهر يأباه مقام الامتنان. ﴿مِنَ الْمَثَانِي﴾ بيانٌ للسَّبع، من التَّثنية، وهي التَّكرير، أو من الثَّناء؛ لاشتمالها على ما هو ثناء على الله تعالى، الواحدة مَثْناةٌ؛ أي: موضع التَّثنية أو الثَّناء (١). تنكير ﴿سَبْعًا﴾ للتَّعظيم، والإبهام الذي فيه والتَّوضيح بقوله: ﴿مِنَ الْمَثَانِي﴾ للتَّمكين في نفوس السَّامعين. وقوله: ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ من باب عطف الكلِّ على البعض؛ للتَّعميم وتكثير الامتنان، وتفخيم شأن البعض المعطوف عليه، كأنه المقصود بالذِّكر، والأصلُ لسائر الأبعاض، والمراد من الكلِّ: مجموع ما نزلَ وقتَ نزول هذه الآية، لا مجموع القرآن حتى يلزمَ المحذور المذكور آنفًا. * * * (٨٨) - ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾: لا تطمحنَّ ببصرك طموحَ راغبٍ. النَّاظر إنَّما يكون مادًّا عينيه إلى الشيء إذا أدام النَّظر إليه، وإدامة النَّظر إلى الشَّيء تدل على استحسانه والرَّغبة فيه.

стр. 2452

﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾: أصنافًا من الكفَّار، فإنَّ ما أوتيتَه من القرآن العظيم أعظمُ منها؛ لأنَّه كمال مطلوب بالذَّات، موصِل إلى دوام جوامع اللَّذات، أو ما أوتوا فهو مستحقَر بالنِّسبة إليه أقلُّ مِن لا شيء. ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أنَّهم لم يؤمنوا فيتقوَّى بهم الإسلام، أو أنَّهم المتمتِّعون به دون المؤمنين. ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: لِمَنْ معكَ مِنْ فقراءِ المؤمنين وضعفائهم. خفضُ الجناح مجازٌ مرسَل عن التَّعطف والرِّفق، مرتَّبٌ على الكناية، وأصله: أنَّ الطَّائر إذا ضمَّ الفرخَ إليه بسط جناحَه له ثمَّ قبضه على فرخِه. * * * (٨٩) - ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾. ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ أنذركم ببيان وبرهان أنَّ عذابَ اللهِ نازلٌ بكم إن لم تؤمنوا. وإنَّما وصفه بـ ﴿الْمُبِينُ﴾؛ لأنَّ إنذاره ﵇ أبينُ من إنذار سائر الأنبياء ﵈؛ لأنَّه ﵇ مِن أَمارات السَّاعة، فهو منذرٌ بلسان الحال كما أنَّه منذرٌ بلسان المقال، وقد نبَّه ﵇ على هذا المعنى حيث قال: "أنا النذير العريان" (١).

стр. 2453

(٩٠) - ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾. ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ في محل النَّصب صفةُ مصدرٍ لـ ﴿آتَيْنَاكَ﴾ لأنَّه في معنى: أنزلنا عليك، كأنَّه قال: ولقد أنزلنا عليك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم كما أنزلنا على أهل الكتاب المقتسمين: الذين اقتسموا القرآن إلى حقٍّ وباطل، حيث قالوا عنادًا: بعضه حقّ موافق للتَّوراة والإنجيل، وبعضه باطل مخالفٌ لهما، أو اقتسموه إلى شعرٍ وسحرٍ وكهانةٍ وأساطير الأوَّلين. فيكون ذلك تسلية لرسول الله ﷺ ، وقوله: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ﴾ إلخ اعتراضًا ممدًّا له. أو صفةُ مفعولٍ لـ ﴿النَّذِيرُ﴾، أُقيمَ مقامه؛ أي: أنذر قريشًا عذابًا مثل ما أنزلنا مِنَ العذاب على المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكَّة؛ للتَّنفير عن الرَّسول، والصَّدِّ عن الدِّين. * * * (٩١) - ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾. ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾: أجزاءً، جمع عِضَةٍ بمعنى: جزء، وأصلها: عِضْوةٌ، فِعْلةٌ مِن عَضَّى الشَّاة: إذا جعلها أعضاءً، وقيل: هي فِعْلة من عَضهْتُه: إذا بهتَّه. وعن عكرمة: العَضْهُ (١) بلسان قريش: السِّحر، يقولون للساحرة: العاضهة (٢).

стр. 2454

ولعن رسول الله ﷺ العاضهة والمستعضهة (١). ونقصانها على الأول واو وعلى الثاني هاءٌ، وإنَّما جُمِعَ جَمعَ السَّلامة جبرًا لما حذف منه (٢)، كقولهم: قلون وثبون. والموصول بصلته صفة لـ ﴿الْمُقْتَسِمِينَ﴾، أو مبتدأ خبره: * * * (٩٢ - ٩٣) - ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من التَّقسيم، أو النِّسبة إلى السحر، فنجازيهم عليه، وقيل: عامٌّ، أي: عن كلِّ ما عملوا من المعاصي، فيتناولهما، وهو وعيد لهم، وقيل: يسألهم سؤالَ تقريع. * * * (٩٤) - ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾. ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾: فاجْهَر به وأظهره. وقيل: افرُقْ بينَ الحقِّ والباطل به. والصَّدع في الأصل: شقٌّ في الأجسام الصُّلبة كالزُّجاج والحديد، ويلزمه الإبانة والتَّمييز.

стр. 2455

و ﴿مَا﴾ موصولة؛ أي: بالذي تؤمر به من الشَّرائع، فحذفَ الجارَّ، كقوله: أَمَرْتُكَ الْخَيْرَ فَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ (١) أو مصدرية؛ أي: بأمرك، كقول أبي طالب: فاصدعَ بأمرِكَ ما عَليْكَ غَضاضة (٢) وهو مصدر من الفعل المبني للمفعول، قيل: فيه خلاف، والصَّحيح أنه لا يجوز، ورُدَّ بأنَّ الخلاف هو في المصدر المصرَّح به، وأمَّا الحرف المصدري فليس محلَّ النِّزاع. ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾؛ أي: لا تلتفت إلى ما يقولون، فالإعراض كناية عن عدم الالتفات (٣). * * * (٩٥) - ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ﴾؛ أي: نكفيك. وذكره على صيغة الماضي للدّلالة على قربه. ﴿الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ بإهلاكهم وتدميرهم، وهم كانوا خمسة نَفَرٍ من أشراف قريش، وقصتهم مذكورة في كتب التفاسير والسِّيرِ. * * *

стр. 2456

(٩٦) - ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ صفة ﴿الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ما ينزلُ بهم عاجلًا وآجلًا. * * * (٩٧) - ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾. ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ﴾ ضيقُ الصَّدرِ كناية عن انقباض النَّفس، كما أنَّ انشراحَهُ كنايةٌ عن انبساطه. ﴿بِمَا يَقُولُونَ﴾ من أقاويل الطَّاعنين فيك وفيما أُنزِلَ عليك، والمستهزئين فيك. * * * (٩٨) - ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾. ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾: فنزِّه ربَّك عن العجز والانتقام منهم. وتفريعُه على ما تقدَّم باعتبار أنَّه كناية عن الوعد بإزالة ما هو السَّبب لضيق صدره ﵇، ومَن لم يقف على هذا فسَّره بقوله: فنزهه عمَّا يقولون حامدًا له على أنْ هداك للحقِّ. وأمَّا ما قيل: فافزع إلى الله فيما نابك يكفيك ويكشفِ الغمَّ عنك، فلم يُصبْ محزَّه. والفزعُ إلى الله تعالى: هو الذِّكرُ الدَّائم، وكثرةُ السُّجود؛ لأنَّ التَّوسُّل بما ذكر إنَّما هو معنى قوله:

стр. 2457

﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾؛ أي: من المصلِّين. وعنه ﵇: أنَّه كان إذا حزبه أمرٌ فزعَ إلى الصَّلاة (١). * * * (٩٩) - ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ﴾: ودُمْ على عبادة مَنْ خلقَكَ وربَّاك. ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾؛ أي: الموت؛ فإنَّه متيقَّن اللُّحوق لكلِّ (٢) جسم ذي حياة؛ أي: ولا تُخلَّ بالعبادة ما دمْتَ حيًّا. وفيه إشارة وبشارة: أمَّا الإشارة (٣) فإلى أنَّه ﵇ يموت كما يموت سائر الأنبياء والمرسلين، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، مَّا البِشارة فبأمنه ﵇ عن العاهات المانعة للتَّكليف (٤) بالعبادة إلى أن قضى نحبه. تمَّ الكلام في هذا المقام، والحمد لله على التَّمام. * * *

стр. 2458

سُورَةُ النَّحلِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) - ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾؛ أي: دنا وقَرب، يقال لمن طلب الإغاثة وقُربَ حصولها: جاءك الغوث. والمراد من ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾: ما أَوْعدهم من قيام السَّاعة، أو إهلاكِ الله تعالى إيَّاهم، وعلى هذا وجه إصابة الفاء في قوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ محزَّها ظاهر، بخلاف ما إذا كان المعنى: أنَّ الأمرَ الموعود بمنزلة الآتي المحقَّق من حيث إنه واجب الوقوع. والاستعجالُ: طلبُ الشَّيء قبلَ حينه، كانوا يستعجلون ما أوعدهم اللهُ؛ استهزاءً وتكذيبًا، فنزلت. ولما كان المستعجِل المستهزئ معجِّزًا له تعالى عن القدرة على ما أَوْعده (١)، وفيه تشبيه بالمخلوق، قال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾؛ أي: تنزَّه أنْ يحومَ العجز حولَ سرادق

стр. 2459

كبريائه، وجلَّ (١) أن يكون له شريك في المعبوديَّة، فيدفعَ ما أراد بهم. كانوا يقولون: إنْ صَحَّ يا محمَّد (٢) فالأصنام تخلِّصنا منه، فنزلت. وقرئ: ﴿تُشْركون﴾ بالتَّاء (٣)، على وفق: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، وبالياء على تلوين الخطاب، وأمَّا ما قيل: الخطاب للمؤمنين، أو لهم ولغيرهم؛ لِمَا روي أنَّه (٤) لَمَّا نزلَتْ ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ وثبَ (٥) النبي ﷺ ورفع الناسُ رؤوسَهم، فنزلت: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ (٦) = فيأباه التَّصدير بالفاء. * * * (٢) - ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾. ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ استعار الرُّوح للوحي أو للقرآن؛ لأنَّه تحيَى به القلوب الميتة بالجهل حياةَ الجسد بالرُّوح. وذكرُه عقيب ما وعدَ به إشارةٌ إلى طريق العلم به، وإزاحة لاستبعادهم اختصاصَه ﵇ بالعلم به.

стр. 2460

وقرئ: ﴿يُنْزِلُ من أَنزل (١)، و: (تَنَزَّلُ) بمعنى: تتنزل (٢)، و: (تُنَزَّلُ) على المضارع المبني للمفعول (٣)، من التَّنزيل. ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾: بأمره، أو: من أجْل أمره ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أنْ يتَّخذه رسولًا ﴿أَنْ أَنْذِرُوا﴾: بأنْ أنذروا. والإنذارُ: الإعلام، ويختصُّ بما فيه تخويفٌ، ولتلك الخصوصية مناسبةٌ للمقام من حيث إن المشرك دائرٌ أمرُه بين الإسلام والسَّيف، فإبلاغ أمرِ التَّوحيد إعلامٌ يتضمَّن التَّخويف بالقتل. ويجوز ﴿أَن﴾ تكون أنْ مفسِّرة؛ لأنَّ في الوحي معنى القول، أو مصدريةً في موضع الجرِّ بدلًا من ﴿بِالرُّوحِ﴾، أو مخفَّفةً من الثَّقيلة. ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾، أي: الشأنَ لا إله إلا أنا، أو: خوِّفوا أهل الشِّرك بأنَّه لا إله إلا أنا. ﴿فَاتَّقُونِ﴾ رجوعٌ إلى مخاطبتهم بما هو المقصود. والآيةُ تدلُّ على أنَّ الوحيَ بواسطة الملَك، وأنَّ حاصله التَّنبيه على التَّوحيد الذي هو مُبْتَغى كمالِ القوَّة العلميَّة، والأمرِ بالتَّقوى الذي هو أقصى كمالات القوَّة العمليَّة، وأنَّ النُّبوَّة عطائيَّة، والتي بعدها دليلُ وحدانيته، من حيث إنَّها تدلُّ على أنَّه تعالى هو الموجِد لأصول العالم وفروعه على وفق الحكمة والمصلحة، ولو كان له شريكٌ لقدر (٤) على ذلك، فيلزم التَّمانع.

стр. 2461

(٣) - ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾: أوجدهما على مقدارٍ وشكلٍ وأوضاعٍ وصفاتٍ مختلفةٍ قدَّرها وخصَّصها بحكمته. ﴿تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾؛ لأنَّه موجِدٌ للعالَم كلِّه، وكلُّ ما سواه مفتقرٌ إليه، فهو المتعالي عن رتبة الكلِّ. والتَّحقيق: أنَّ قوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ تنبيهٌ وإيقاظٌ؛ ليكون ما يَرِدُ بعدَه مُمَكَّنًا في نفسٍ حاضرةٍ ملقيةٍ إليه، وهو تمهيدٌ لِمَا يَرِد (١) مِن دلائل التَّوحيد، وقولَه: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ تفصيلٌ لِمَا أجملَه في قوله: ﴿ ﴾، أيقظَ أوَّلًا ثمَّ نعَى عليهم ما هم فيه من الشِّرك، ثم أردفه بدلائل السَّمع والعقل، وقدَّمَ السَّمعيَّ لأنَّ صاحبه هو القائم بتحرير العقل وتهذيبه أيضًا، فليس النَّظر إلى دليل السَّمع، بل إلى مَن قام به من الملائكة والرُّسل ﵈. * * * (٤) - ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾. ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾، لا حسَّ لها ولا حراك، سيَّالةٍ لا تحفظ الوضع والشَّكل. ﴿فَإِذَا هُوَ﴾ عطفُه على ما تقدَّم باعتبار أنَّ المراد من خَلْق الإنسان: إيجادُه وتربيتُه إلى أن يبلغ حَدَّ النُّطق والإدراك، فأداتا التَّعقيب والمفاجأة أصابتا المحزَّ. ﴿خَصِيمٌ﴾: مِنطيقٌ مجادلٌ عن نفسِه في الخِصام.

стр. 2462

﴿مُبِينٌ﴾ للحُجَّة على خصمه، مميِّزٌ للحقِّ عن الباطل، فهو صفة مدح؛ أي: نقله من تلك الحالة الخسيسة إلى هذه الحالة الشَّريفة، وهي حالة النُّطق والإبانة، ويؤيِّده التَّعقيب بذكر ما امتنَّ به عليه في قِوَام معيشته. وقيل: معناه: مكافحٌ لخالقه، قائلٌ: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، فهو صفةُ ذمٍّ. ويأباه التَّوصيف بالإبانة، ولا يساعده سباق الكلام ولحاقه ومَساقه؛ فإنه للدلالة على كمال القدرة والإرادة. * * * (٥) - ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. ﴿وَالْأَنْعَامَ﴾ ذكر أوَّلًا ما هو أكثر منفعةً وألزمُ لمن أُنزل القرآن بلغتهم، وقد شرح الأنعام في سورة الأنعام. وانتصابُها بمضمَر يفسِّره قولُه: ﴿خَلَقَهَا﴾، و ﴿لَكُمْ﴾ في قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ خبر مقدم لـ ﴿دِفْءٌ﴾، و ﴿فِيهَا﴾ حالٌ منه، والجملةُ بيان لِمَا خُلِقَ له. أو بالعطف (١) على ﴿الْإِنْسَانَ﴾، و ﴿خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ بيانُ ما خُلِقَ لأجله، ﴿دِفْءٌ﴾ مبتدأ خبره ﴿فِيهَا﴾، والجملة مع ما بعدها تفصيلٌ لما خلق له (٢). والدِّفءُ: ما يدفَّأُ به؛ أي: يسخَّن فيقي (٣) البرد.

стр. 2463

﴿وَمَنَافِعُ﴾: نسلُها ودَرُّها وظهورها، وإنَّما عَبَّرَ عنها بالمنافع ليتناول غرضها. ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾؛ أي: تأكلون ما يُؤْكَل منها، مِنَ اللُّحوم والشُّحوم والألبان. وتقديم الظَّرف للاختصاص؛ إشارةً إلى أن الأصل المعتدَّ به في أكل اللَّحم إنَّما هو منها، وأمَّا الأكل من غيرها فكغير المعتدِّ به، وكالجاري مجرى التَّفكُّه، فجَعْلُه لمجرَّد محافظة الفاصلة تنزيلٌ للمنزَّل عن منزلته الفاضلة. * * * (٦) - ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾. ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾: زينة ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾: تردُّونها من مراعيها إلى مراوحها بالعشيِّ ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾: تخرجونها بالغداة إلى المرعَى، فإنَّ الأفنية تَزَّيَّنُ بها، ويتجاوَبُ [فيها] الرُّغاءُ والثُّغاءُ (١)، فيأنس أهلها ويفرح أربابها، ويُجلُّهم في أعين النَّاظرين إليها (٢)، ويكسبهم الجاه والحرمة. وتقديم الإراحة على السَّرح لأنَّ الجَمال فيها أظهرُ إذا أقبلَتْ ملأى البطون حافلةَ الضروع، ثم أوَتْ إلى الحظائر، حاضرةً لأهلها، يأنسون بها مبتهجين.

стр. 2464

وقرئ: (حينًا) (١)، على أن ﴿تُرِيحُونَ﴾ و ﴿تَسْرَحُونَ﴾ كلاهما وصف لـ ﴿حِينَ﴾؛ أي: تريحون فيه وتسرحون فيه. * * * (٧) - ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾: أحمالكم ﴿إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ﴾؛ أي: ليس من شأنكم بلوغه بأنفسكم على أقدامكم. ﴿إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾: إلَّا بجهد ومشقَّةٍ لو لم تكن الإبل، فضلًا عن أن تحملوا على ظهوركم أثقالَكم (٢)، فكيف إذا فضلت أثقالكم من أن تحملوها، أو لم تكونوا بالغيه بها إلَّا بِشَقِّ الأنفس. قرئ: ﴿بشقِّ الأنفس﴾ بكسر الشِّين وفتحها (٣)، وهما لغتان في المعنى المذكور، وقيل: بينهما فرقٌ، وهو أنَّ المفتوح مصدر شقَّ الأمر عليه شَقًّا، وحقيقته راجعة إلى الشَّقِّ الذي هو الصَّدع (٤)، وأمِّا الشِّق بالكسر فهو للنِّصف، كأنَّه يذهب نصفُ قوته لما يناله من الجهد. ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ يرأف (٥) بكم بتيسير مصالحكم ومعايشكم، ويزحمكم بخلق هذه المنافع والحوامل.

стр. 2465

(٨) - ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ عطف على ﴿الْأَنْعَامَ﴾، وواحد الخيل: خائل، كضائنٍ واحدِ ضأن، وقيل: لا واحد له. ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾ ذكر هنا منفعةَ الرُّكوب عبارةً، وأحالَ تبيين (١) منفعة الحمل على الدلالة، وعكس فيما تقدَّم؛ اعتبارًا في كلٍّ منهما للأصالة. ﴿وَزِينَةً﴾ انتصب بالعطف على محلِّ ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾ على أنَّها مفعولٌ له، وخولف بينهما لا (٢) لأنَّ الركوب فعل المخاطبين ففُقِدَ شرطُ نَصْبِه، وأمَّا الزينة ففعل الخالق لأنَّه لا يأبى (٣) عن نظم الثاني في سلك الأول، بل لأنَّ الأوَّل مقصودٌ بالذَّات والثَّاني بالعرض. وقرئ: (زينةً) بغير واو (٤)، فجاز أن يكون حالًا عن أحد الضَّميرين، وأن يكون علَّة لـ (تركبوها). واستُدلَّ به على حرمة لحومهن (٥)، ووجه الاستدلال: أنَّ المقام مقامُ الامتنان بعدِّ المنافع، والكلام مشتمِل لنوعَي المقصود استئنافًا لها، فلو كان أكلُها حلالًا لكان أحقَّ بالتَّعرُّض من الزِّينة، وأمَّا أكل لحم الحمار وإن كان حلالًا وقتَئذٍ إلَّا أنَّه في معرض التَّحريم، فالامتنان به لا يليق بالحكمة (٦).

стр. 2466

﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ لما فصَّل الحيوانات المحتاج إليها غالبًا احتياجًا ضروريًّا أو غير ضروريٍّ أجملَ غيرها مما لا يُعلم كُنْهُهُ وتفاصيله؛ أي: فيكم ولكم على سبيل الامتنان، أو ما لم تحصوه ولم يكن لكم به علمٌ لكثرتها، دلالة على مزيد قدرته وحكمته، ويدخل فيه ما خلق في الجنَّة والنَّار مما لا يبلغه وَهْمُ أحدٍ ولا خطر على قلبه. وغيَر النَّظمَ إلى المضارع استحضارًا لإيجاد ما لم يحطْ به علمًا من الأشياء النَّافعة له، والدلالة على قدرته تذكيرًا للنِّعمة، وتعجيبًا، وتقريرًا لدلائل القدرة، وتعجيزًا لما يشركون به من الآلهة. * * * (٩) - ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾، أي: عليه تعالى رحمةً وفضلًا هدايةُ الطَّريق المستقيم الموصل إلى الحقِّ، أو: عليه الطَّريق المستقيم؛ أي: يصل إليه مَن يسلكه لا محالة، كما تقول: هذا الطَّريق على موضع كذا إذا انجرت (١) إليه، والقَصْدُ مصدر بمعنى اسم الفاعل، يقال: سبيلٌ قَصْدٌ وقاصدٌ، أي: مستقيم، كأنَّه يقصد الوجه الذي يؤمُّه السَّالك، والمراد بـ ﴿السَّبِيلِ﴾: الجنس؛ لإضافة (القَصْد) إليها، ولقوله: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ لا يوصِل إلى الحق لسوء استعداد صاحبه. وقرئ: (ومنكم جائر) (٢)؛ أي: عن القصد.

стр. 2467

وتغيير الأسلوب لأنَّه (١) ليس [بحقٍّ] على الله تعالى الهداية إلى الطَّريق الجائر عن القصد والاستقامة، أو لا (٢) يوصَل إلى الله سالكها، أو لأنَّ المقصود بيان سبيله، وذكرُ قسيمه إنما جاء بالعَرَض. ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾؛ أي: لو شاء الله هدايتكم أجمعين إلى قصد السَّبيل لهداكم إليه هدايةً مستلزِمة للاهتداء. * * * (١٠) - ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾: من السَّحاب، أو: من جانب السَّماء. لَمَّا استدلَّ على وجود الصَّانع الحكيم (٣) بأحوال الحيوان أتْبَعه بذكر الاستدلال عليه بعجائب أحوال النبات. ﴿مَاءً﴾ تنكيره لأنَّه خلاف الماء المعهود، حيث لا يسيل بل ينزل قطراتٍ غير متداركة. ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾، أو خبر ﴿شَرَابٌ﴾ (٤) في قوله: ﴿مِنْهُ شَرَابٌ﴾؛ أي: مشروبٌ، و ﴿مِنْهُ﴾ على الأوَّل خبرٌ لـ ﴿شَرَابٌ﴾، وعلى الثَّاني تبعيضيَّة. وفي حصر المشروب المستفاد من تقديم ﴿مِنْهُ﴾ دلالة على أنَّ مياه الأرض منه.

стр. 2468

﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ﴾: ومنه تكوُّنه، والمراد بالشَّجر: ما يرعاه المواشي، وقيل: كلُّ ما ينبت على الأرض يُطلَق عليه الشَّجر، قال الشَّاعر: نعلِفُها اللَّحم إذا عَزَّ الشَّجر (١) ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾: ترعَون، مِنْ سامَتِ الماشية: إذا رعَتْ، فهي سائمة، وأسامها صاحبُها، وأصلها من السَّومة، وهي (٢) العلامة؛ لأنها تؤثِّر بالرَّعي علاماتٍ في الأرض. * * * (١١) - ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ﴾ وقرئ بالنُّون (٣) على التَّفخيم. ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ﴾ تقديم ﴿الزَّرْعَ﴾ لأنَّه الأصل في الغِذاء (٤)، وتخصيص الأجناس الثَّلاثة من الثَّمرات وتقديمها لإظهار فضلها وإنافتها (٥) على سائرها، ولعلَّ تقديم ما يُسامُ فيه على الكلِّ (٦) لصيرورته غذاء

стр. 2469

حيوانيًّا، هو أشرف الأغذية، أسرع ما يكون إلى اللَّبن واللَّحم. ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾؛ أي: وبعض كلِّها؛ لأنَّ كلَّ ما يمكن من الثَّمرات لا يكون في الأرض. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾: لدلالةً واضحة ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾: ينظرون فيستدلون بها على وجود الصَّانع وحكمته وقدرته. ولَمَّا كان الاستدلال بإنبات الماء وهو واحد وإن كثرت أنواع النَّبات قال هنا: ﴿لَآيَةً﴾ على صيغة الإفراد. * * * (١٢) - ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ﴾ بأنَّ هيَّأها لمنافعكم. ﴿مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾ نصب على الحال؛ أي: نفعكم بها حالَ كونها مسخَّرات بأمره التَكويني، أو على المصدر، وجمع للتَّنويع، جمع مُسَخَّر بمعنى تسخير، أي: سخَّرها أنواعًا من التَّسخير، كأنَّه قيل: سخَّرها تسخيرات. وقرئ برفع ﴿الشَّمسُ والقمرُ والنُّجومُ﴾ على الابتداء، والخبر ﴿مُسَخَّرَاتٌ﴾ بالرَّفع (١)، وبرفع ﴿النُّجُومُ﴾ وحدَه ونصبِ ما قبله، و ﴿مُسَخَّرَاتٌ﴾ خبره (٢)، يعني أنها مسخراتٌ حقيقةً لله تعالى.

стр. 2470

وإنَّما قيل: إنَّها سُخِّرَتْ لكم باعتبار أنَّ فائدة تسخيرها عائدة إليكم، ومَن وهَم أن المعنى: مسخَّرات لِمَا خُلِقْنَ له، فقد وهِم؛ إذ حينئذٍ يكون إعادةً بلا فائدة. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ أتى هنا بصيغة الجمع لأنَّ وجه الدّلالات في السَّماوات متعدِّد. ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ذكَرَ العقلَ لأنَّ الاحتياجَ إلى تجريد العقل الصَّرْف في الاستدلال بها أشدُّ؛ فإنَّ القوَّة الفكرية كافية في الاستدلال بما يشاهد من أحوال النَّبات وتغييراته واختلاف أشكاله وألوانه، وأما أحوال العلويَّات فلا بُدَّ فيها من مزيد عقلٍ ومعرفةٍ بالعلم الطَّبيعي والهيئة والهندسة، ومَنْ زعم (١) أنَّ وجه الدّلالة هنا مع تعددُّه أظهرُ من وجهها ثمَّة مع وحدته فقد كابرَ مقتضى العقل الصَّريح. * * * (١٣) - ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾. ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: من أنواع الحيوان والنَّبات والمعادن، في موضع نصبٍ بفعلٍ محذوفٍ، أي: وخلقَ وأنبتَ، كذا قال أبو البقاء، استبعدَ تسلُّط ﴿وَسَخَّرَ﴾ على ذلك؛ إذ حينئذ يلغو قوله: ﴿لَكُمُ﴾، فقدَّر فعلًا لائقًا (٢)، ومَنْ لم يتنبَّه لهذا قال: أي: سخَّر لكم ما خلق لكم فيها (٣). ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾: أصنافُه، فإنَّها تتخالف باللَّون غالبًا.

стр. 2471

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي: يعتبرون، فإن اختلافها في الطِّباع والهيئات والمناظر ليس إلَّا بصنع قادرٍ حكيمٍ. وأفرد (الآية) لأنَّه عبَّر عنه بمفرد، ووصفه بمفرد. * * * (١٤) - ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ﴾ بأنْ مكَّنكم من الانتفاع به بالرُّكوب والاصطياد والغَوص وغير ذلك. ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ هو الحوت، وإنَّما عبَّر عنه باللَّحم - وهو ما يُؤكَل من الحيوان - تنبيهًا على جهة فضله وامتيازه عن سائر الحيوانات المأكولة، فإنَّها لا تكون لحمًا إلَّا بعد الذَّبح والسَّلخ، ولا يخفى لطف موقع هذا التَّنبيه، والتَّمهيد السَّابق بقوله: (مِن) حيث تضمَّن الإشعار بأنَّهم يبتدؤون أكلَه من البحر؛ مبالغةً في تهيئته للأكل في مقام الامتنان. وفي تخصيص أكله ﴿طَرِيًّا﴾ بالذِّكر إشارةٌ إلى أنَّه في مَعْرِض أن يسرع إليه الفساد، لكمال لطافته، فيسارع إلى أكله، فكأنَّه قيل: لتأكلوا منه لحمًا في غاية اللَّطافة، وهذا من ألطف الكنايات التي قلَّما يُتنبَّه لها، ولا بدَّ مِنَ الحمل عليها؛ إذ على تقدير إبقائه على ظاهره يكون بيانًا للواقع، خاليًا عن فائدة الخبر ولازمها. روي أنَّ أبا حنيفة لَمَّا قال: لو حلفَ لا يأكل لحمًا فأكلَ لحمَ السَّمكِ لا يحنث؛ لأنَّ لحم السمك ليس بلحمٍ، سمعَ سفيان الثَّوري قوله، فأنكر عليه محتجًّا بهذه

стр. 2472

الآية، فبعثَ إليه أبو حنيفة ﵁ رجلًا سأله عمَّن حلف لا يصلي على البساط فصلَّى على الأرض، هل يحنث أم لا؟ فقال سفيان: لا يحنث، فقال الرَّجل (١) أليسَ إنَّ الله تعالى قال: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ [نوح: ١٩]، فعرفَ سفيانُ أنَّ ذلك تلقينَ أبي حنيفة (٢). وقيل في وجه قوله (٣): إنَّ مبنى الإيمان على العادة، وعادةُ النَّاس إذا ذُكِرَ اللَّحم على الإطلاق أن لا يُفهَم منه السَّمك، وإذا قال الرَّجل لغلامه: اشترِ بهذه الدَّراهم لحمًا، فجاء بالسَّمك كان حقيقًا بالإنكار. وهذا معارَضٌ بأنَّه إذا قال لغلامه: اشترِ بهذه الدَّراهم (٤) لحمًا، فجاء بلحم العصفور، استحقَّ الإنكار أيضًا مع أنَّه يحنث بأكل لحم العصفور مَنْ حلَفَ لا يأكلُ اللَّحم. لَمَّا أخرج من البحرِ الملحِ الزُّعاقِ الحيوانَ الذي لحمه في غاية العذوبة ونهاية اللَّطافة عُلِمَ أنَّه إنَّما حدث لا بحسب الطَّبع، بل بقدرة الله تعالى وحكمته، حين أظهر الضِّد من الضِّد. ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً﴾ كاللُّؤلؤ والمرجان، فإنَّ الحليةَ اسم لِمَا يُتَحلَّى به، وزيادة حرف التَّنفيس (٥) هنا للدّلالة على أنَّ إخراجها بمشقَّة تقتضي المهلة.

стр. 2473

﴿تَلْبَسُونَهَا﴾: تلبسها النِّساء، فهو من قبيل (١) إسناد فعل البعض إلى الجملة بقرينة (٢) السابق. ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾: جواريَ فيه، تشقُّه بحيزومها مع صوتٍ، مِنَ المَخْرِ، وهو شقُّ الماءِ بصوتٍ. ﴿وَلِتَبْتَغُوا﴾ عطف على محذوفٍ تقديرُه: لتركبوا فيها ولتبتغوا. ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: من سعة رزقه بركوبها للتِّجارة. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: وتشكروا (٣) الله تعالى على هذه النِّعمة الجليلة؛ حيث يقطع بها المسافة البعيدة في المدَّة القليلة، مع ما فيها من الأحمال والأثقال، بلا مُؤْنَةِ الرَّفع والوَضْع في أثناء السَّفر كما هو المعتاد في مسافرة البر، هذا هو الوجه بتخصيص هذه النِّعمة بتعقيب الشُّكر، وأمَّا جعل المهالك سببًا للانتفاع وتحصيل المعاش فلا يناسب مقام الامتنان بالإحسان، إنما يناسب مقام إظهار القدرة. * * * (١٥) - ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ عطفٌ على محذوفٍ، تقديرُهُ: والأرض مددناها

стр. 2474

وألقينا فيها رواسيَ، ولَمَّا حُذف المعطوف عليه (١) عُدِلَ مِنَ الضَّمير إلى الظَّاهر، وقد مرَّ تفسيره في سورة الحجر. ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾: كراهةَ أنْ تميدَ بكم؛ أي: تتحرَّك وتميل. والمَيْدُ: الاضطراب، وذلك أنَّ الأرضَ لو بقيَتْ على بساطتها كانت كريَّةً مجيبة للتَّحرك بأدنى سبب، أو متحركةً كالفُلك، فلَمَّا خُلِقَتِ الجبال راسخة فيها (٢) تفاوتت جوانبُها، وتوجَّهت الجبال نحو المركز بثقلها، فصارَتْ كالأوتاد التي تمنعها عن الحركة والميل من جانبٍ إلى جانبٍ. ﴿وَأَنْهَارًا﴾؛ أي: وجعل فيها أنهارًا؛ لأنَّ ﴿وَأَلْقَى﴾ فيه معناه. ﴿وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: لتهتدوا بها في أسفاركم إلى مقاصدكم. وإنَّما قال: ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ لأنَّه لا بُدَّ من الاستدلال في بعض المواضع للاهتداء إلى المقاصد. * * * (١٦) - ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾. ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾: ومعالم (٣) يَستدلُّ بها السَّابلة (٤) في النَّهار، من الجبال والأنهار ونحو ذلك.

стр. 2475

﴿وَبِالنَّجْمِ﴾ المراد به الجنس، أو الثُّريَّا والفرقدان وبناتُ النَّعْش والجَدْي، ويساعده (١) قراءته بضمَّتين، وضمٍّ وسكون، على الجمع (٢). ﴿هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ باللَّيل في البراري والبحار. وتقديم النَّجم، وتوسيطُ الضَّمير إقحامًا، وإخراجُ الكلام عن سَنَن الخطاب إلى الغيبة، للدِّلالة على أنَّ هؤلاء المنكرين من قريش بالنَّجم خاصَّةً هم خصوصًا يهتدون؛ لأنَّهم كانوا كثيري الأسفار للتِّجارة، مشتهِرين بأنهم أعلمُ النَّاس بالاهتداء بالنُّجوم في مسائرهم، فكان الاعتبار بذلك ألزمَ لهم، والشكر لله به أوجبَ عليهم، فلذلك خُصِّصوا. * * * (١٧) - ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ الهمزة للإنكار دخلت على فاء التَّعقيب؛ أي: بعد هذه الدَّلائل المتكاثرة الواضحة الدِّلالة على كمال قدرة الله تعالى وحكمته وانفراده بخلق ما عدَّد من مبدَعاته يقولون (٣) بمساواة الخالق المطلَق لِمَا لا يخلق شيئًا. وأورد (مَن) للجمادات التي هي الأصنام؛ إمَّا للمشاكلة، وإمَّا بناءً على اعتقادهم، وتسميتِهم آلهةً، وعبادتِهم لها، وفيه ضربٌ من التَّهكُّم، وإمَّا لأنَّ المرادَ: كمَن لا يخلق مِن أولي العلم، فكيف بالجماد؟! للمبالغة.

стр. 2476

وكان حقُّ الكلام أن يُقال (١): أفمَن لا يخلق كمَن يخلق؛ لأنَّه إلزامٌ لعبدة الأوثان، لكنَّه عكس تفظيعًا لشأنهم، بأنَّهم لَمَّا سمَّوها باسمه، وعبدوها كعبادته، وسوَّوا بينه وبينها، فقد جعلوا الله تعالى من جنس هذه المخلوقات وشبيهًا بها، فأنكر ذلك عليهم. وحذف مفعول ﴿يَخْلُقُ﴾ لأنَّ المراد نفسُ صدور الفعل منه؛ أي: أيكون الخالق شبيهًا بغير الخالق، أو للتَّعميم؛ أي: أفمَن يخلق كلَّ شيء كمَن لا يخلق شيئًا، أو لأنَّ ما عُدِّدَ من المخلوقات دلَّ عليه؛ أي: أفمَن يخلقُ ما عُدِّدَ من الأشياء العظيمة العجيبة كمَن لا يخلق شيئًا منها، أفلا تذكَّرون بعد هذه التَّنبيهات فتعرفوا فسادَ ذلك؛ فإنَّه لجلائه ووضوحه كالبديهيِّ المغفول عنه. * * * (١٨) - ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾: لا تبلغ طاقتكم ضبطَ عددها، فضلًا عن أن تطيقوا القيام بشكرها، أَتْبع ذلك تعداد النِّعم، وإلزام الحجَّة على انفرادها باستحقاق العبادة؛ تنبيهًا على أنَّ وراءَها مِنَ النِّعم ما لا ينحصر، وأنَّ القيامَ بحقِّ عبادته وشكره غير مقدورٍ لأحدٍ. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ حيث يغفر تقصيرَكم في أداءِ شكرها ويتجاوز عنه. ﴿رَحِيمٌ﴾ يقطعُها عنكم لتفريطكم، ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها، وفيه إشعار بأنَّه تعالى ما كلَّفكم حقَّ الشُّكر؛ لعدم الإمكان، وتجاوَز عن الممكن إلى السَّهل الميسور.

стр. 2477

(١٩) - ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾. وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ ما يُشْعِرُ بأنهم قصَّروا في هذا الميسور أيضًا، فاستحقُّوا العقاب؛ أي: يعلم ما تسرُّون من عقائدكم وعزائمكم وما (١) تعلنون من أعمالكم وأقوالكم، وهو وعيدٌ على شركهم باعتبار العلم والعمل، وتقصيرِهم في الشُّكر والعبادة، وتقديم ﴿مَا تُسِرُّونَ﴾ لأنَّ الوعيد من جهة العقائد والعزائم أهمُّ. * * * (٢٠) - ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: والآلهةُ الذين يدعونهم الكفَّارُ من دونه تعالى، أو يعبدونهم. ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ لَمَّا نفى المساواة والمشابهة بينَ مَنْ يخلقُ وبينَ مَنْ لا يخلقُ بيَّنَ أنَّهم لا يخلقون شيئًا؛ ليَنتج أنَّهم لا يساوونه ولا يماثلونه (٢). ثمَّ أثبَتَ لهم صفات تنافي الألوهيَّة تأكيدًا لذلك فقال: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾؛ أي: وهم ممكِناتٌ مفتقِرةٌ إلى التَّخليق، فكيف تكون آلهة والإلهُ يجب أن يكون واجبَ الوجود غنيًّا عن الكلِّ؟ * * * (٢١) - ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾. ﴿أَمْوَاتٌ﴾: هم أموات. ولَمَّا احتمل أن يكون المعنى: أموات فيما بعدُ، على طريقة: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] دفَعه بقولِه:

стр. 2478

﴿غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ ويجوز أن يكون المعنى (١): جمادات لا يَعرِض لها حياة كما يَعرِض لبعض الأموات، كالنُّطَف التي يحييها الله تعالى ويجعلها حيوانات، وكأجساد الموتى التي يبعثها الله تعالى، وذلك أغرقُ في كونها أمواتًا. ويجوز أن يكون المعنى: أمواتًا (٢) حالًا أو مآلًا، غيرَ أحياء بالذَّات؛ ليتناول كلَّ معبود، والإلهُ يحب أن يكون حيًّا بالذَّات لا يعتريه الممات. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أي: لا يشعرون متى تُبعث عبَدتهم، فكيف يجازونهم، فإنَّ المعبود يجب أن يعلم عبادة العابد وقتَ بعثه وجزائه حتى يقدر على مجازاته بعد موته؛ فإنَ البعث والجزاء من لوازم التَكليف والعبادة، وفيه تهكُّمٌ بهم وبآلهتهم؟ فإنَّها جمادات لا شعورَ لها بشيءٍ، فكيف ممَّا لا يشعرُ به حيٌّ غير الله تعالى؟ * * * (٢٢) - ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾. ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ تلخيصٌ للنَّتيجة، وتكريرٌ للمطلوب، بعد إقامة الحجة عليه على أبلغ الوجوه. ﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ تعكيسٌ للمقصود من النَّتيجة، وبيانٌ لموجِب إنكارهم؛ أي: إنَّه قد ثبت وتحقَّق بالبراهين المذكورة أنَّ الألوهيَّة تمتنع أن تكون إلَّا لله وحدَه، وأنَّه لا شريكَ له فيها، فأنتجَ لهم ذلك إصرارَهم واستمرارهم

стр. 2479

على شركهم، وإنكار قلوبهم للوحدانيَّة، وذلك لعدم إيمانهم بالآخرة، فإنَّ الذي لا يؤمن بها لا ينظر في الدَّلائل ولا يتأمَّلها، بخلاف المؤمن بها. ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾: وهم قومٌ عادتهم الاستكبارُ عن التَّوحيد وعن الإقرار به؛ لِمَا رسخَ في قلوبهم من تقليد آبائهم. * * * (٢٣) - ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾. ﴿لَا جَرَمَ﴾ قد سبقَ تفسيره في تفسير (١) سورة هود. ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ فيجازيهم على ذلك، وعيدٌ على ما ذُكِرَ على أبلغ وجهٍ، وهو في موضع الرَّفع على الفاعليَّة؛ لأنَّ (جرم) فعلٌ أو مصدرٌ (٢). ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ تعليلٌ للوعيد؛ أي: لا يحبُّ كلَّ مستكبرٍ، فكيف

стр. 2480

بالذي استكبرَ عن توحيده أو اتِّباع رسوله. وفي إطلاق ﴿الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ تعميم برهانيٌ. * * * (٢٤) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ القائلُ بعضُهم على التَّهكُّم، أو الوافدون عليهم، أو المسلمون ﴿قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. ﴿مَاذَا﴾ منصوب بـ ﴿أَنْزَلَ﴾؛ أي: أيُّ شيءٍ أنزلَ ربُّكم؟ وتقدير الجواب: ما يدَّعون نزوله أساطيرُ الأولين، أو مرفوع بالابتداء؛ أي: أيُّ شيءٍ أنزله ربكم؟ وتقدير الجواب: هو أساطيرُ الأولين، أو: المنزَل أساطير الأولين، على السُّخرية والتَّهكُم. والمجيبون: المقتسِمون مداخلَ مكَّة ينفِّرون عن رسول الله ﷺ . * * * (٢٥) - ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾. ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ متعلِّق بـ ﴿قَالُوا﴾ على التَّعليل في نفس الأمر لا الفرضِ، واللامُ لامُ العاقبة؛ أي: قالوا ذلك إضلالًا للنَّاس فحملوا أوزار إضلالهم (١) كاملة، فإنَّ إضلالهم نتيجةُ رسوخهم في الضَّلال. ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾: وبعضَ أوزار ضلال مَنْ ضَلَّ، وهو وزرُ

стр. 2481

الإضلال؛ فإنَّ ضلاله إنَّما حصل بأمرَيْن: إضلالِ هذا، أو مطاوعةِ هذا، فيتحاملان الوزر. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ حال من المفعول؛ أي: يضلونهم على جهلهم. وفائدة التَّقييد به: الدِّلالة على أن جهلهم ليس بعذرٍ؛ إذ كان عليهم أن يبحثوا وينظروا (١)، فيعرفوا مَن يقلدونهم، ويميِّزوا بينَ المحِقِّ والمُبْطِل. ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾: بئسَ شيئًا يزرونه فعلُهم. * * * (٢٦) - ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾. ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: سوَّوا منصوبات (٢) ليمكروا بها رُسل الله. ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾: فأتاها أمرُه من جهة العُمُد التي بنوا عليها بأنْ ضَعُفَتْ ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ﴾ قال ابن الأعرابي: العرب تقول: خرَّ (٣) علينا سقف، ووقع علينا حائط، إذا كان يملكه (٤) وإن لم يكن أوقع، عليه، فجاء بقوله:

стр. 2482

﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ليخرج به هذا عن الذي من كلام العرب؛ أي: عليهم وقع وكانوا تحته فهلكوا. ﴿وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾: لا يحتسبون ولا يتوقَّعون. تمثيلٌ؛ أي: قد دبَّروا حِيَلًا ليمكروا بها رُسُلَ اللهِ، فجعل الله هلاكهم في تلك المماكر والحِيَل واستئصالَهم بها؛ كحالِ قومٍ بنوا بنيانًا وأحكموا قواعده فأتى الله بنيانهم من جهة الأساس، فسقط عليهم السَّقف وهلكوا. * * * (٢٧) - ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾: يذلُّهم. قيل: يعذِّبهم بالنَّار؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]. ويأباه قوله (١): ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ لأنَّه قبلَ دخولهم في النَّار أضاف إلى نفسه الشُّركاء حكايةً لإضافتهم؛ توبيخًا لهم بها وتهكُّمًا بهم. ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾: تعادُون المؤمنين في شأنهم. وقرئ بكسر النُّون (٢)، بمعنى: تشاقُّونني، فإنَّ مشاقَّة المؤمنين كمشاقَّة الله. ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي: الأنبياء والعلماء الذين كانوا يدعونهم إلى التَّوحيد فيشاقُّونهم ويتكبَّرون عليهم:

стр. 2483

﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ﴾ متعلِّق بطرفيه (١) ﴿وَالسُّوءَ﴾: الذِّلَّةَ والعذاب. ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ تقريرًا لِمَا كانوا يَعِظونهم به، وتحقيقًا لِمَا أَوعدوهم، أو إظهارًا للشَّماتة بهم، وحكى الله تعالى قولهم ليكون لطفًا لمن سمعه. وقيل: المراد من القائل: الملائكة، ويأباه قوله: (٢٨) - ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ يحتمل الجرَّ صفةً للكافرين، فيكون داخلًا تحت القول، والنَّصب والرَّفع على الذَّمِّ. ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ بأن عرَّضوها على العذاب المخلَّد. نصت على الحال. ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾: فسالَموا وأُخبتوا وتولَّوا عمَّا كانوا عليه في الدُّنيا مِنَ الشِّقاق والتَكبُّر والتَّعظُّم. قيل: حين عاينوا الموت، ويأباه السباق واللحاق. ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾: مِن كفر وعدوان؛ أي: قائلين ذلك، ويجوز أن يكون تفسيرًا للسلم، على أنَّ المراد به: القول الدَّال على الاستسلام. لَمَّا جحدوا ما كانوا عليه من الكفر والعدوان رَدَّ عليهم أولو العلم بقولهم: ﴿بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فهو مُجازيكم عليه، وهذا أيضًا من باب الشَّماتة، وكذلك: (٢٩) - ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾.

стр. 2484

﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾؛ أي: كلُّ صنفٍ بابَه المُعَدَّ له. وقيل: أبوابُها: أصناف عذابها. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ هي؛ أي: جهنَّمُ. والوصف بالتَّكبُّر للإيذان باستحقاق صاحبه النَّار، ومَنْ لم يجوِّز الكذب يومئذ أَوَّلَ قولَهم ذلك: بأنَّا لم نكن في زعمنا عاملين سوءًا، ولا يناسبه الرَّدُّ المذكور كما لا يخفى. (٣٠) - ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾. ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ يعني: المؤمنين، عطف على ﴿قِيلَ لَهُمْ﴾ في (١) قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾. ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾؛ أي: أَنزل خيرًا، وإنما رفع الأوَّل ونصب الثَّاني فرقًا بين جواب الجاحد وجواب المقرِّ؛ أي: إنَّ المتَّقين لم يتلعثموا وأطبقوا الجواب على السُّؤال بيِّنًا مكشوفًا، والمشركون عدلوا بالجواب عن السُّؤال فقالوا: هو أساطير الأولين وليس من الإنزال في شيء. ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ كلامٌ مدحَ اللهُ تعالى به القائلين خيرًا، وجعل قولهم ذلك من جملة إحسانهم، وحَمِدهم عليه، ووعدهم به. فهو كلامٌ مبتدأ لا محلَّ له من الإعراب، ويجوز أن يكون بما بعده بدلًا من

стр. 2485

﴿خَيْرًا﴾ على أنَّه من كلام المتَّقين؛ أي: قالوا خيرًا، ثم فسَّروا الخير بهذه الجملة، بمعنى: أنزل هذا الكلام بعدما أبهموه وسمَّوه خيرًا. ﴿حَسَنَةٌ﴾ مكافأة بإحسانهم في الدُّنيا، وهي العصمة والتَّوفيق والنَّجاة من العذاب المعجَّل. ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾: ولثوابهم في الآخرة ﴿خَيْرٌ﴾ مما لهم في الدُّنيا. ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ اللَّام للقسم، و (نعم) كلمةُ مدحٍ؛ إذ لا خوف فيها ولا حَزَن، ونعيمها مقيمٌ، وملكُها دائمٌ، وصاحبها فيها خالد. وحذف المخصوص بالمدح، وهو: دارُ الآخرة؛ لتقدُّم ذكرها. (٣١) - ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾. وقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ خبر مبتدأ محذوفٍ، ويجوز أن يكون المخصوصَ بالمدخ. ﴿يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ تقديم ﴿لَهُمْ﴾ للتَّخصيص؛ أي: لهم خاصَّةً دون غيرهم. وعموم ﴿مَا﴾ مع تقديم ﴿فِيهَا﴾ يفيد أنَّ الإنسان لا يجد جميعَ ما يشاء من المشتهَيات إلَّا في الجنَّة. ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾ فذلكةٌ للتَّأكيد مع تعظيم الجزاء، وفيه تقوية للوجه الأوَّل.

стр. 2486

(٣٢) - ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾: طاهرين مِنْ ظُلْمِ أنفسهم بالكفر والمعاصي؛ لأنَّه في مقابلةِ ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، أو: فرحين ببشارة الملائكة إيَّاهم بالجنَّة، أو: طيبين بقبض أرواحهم، لقوَّة إيمانهم وتوجُّه نفوسهم بالكُلِّيَّة إلى عالم القدس. ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾: لا يَحيقكم بعدُ مكروهٌ. ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: بسبب ثباتكم على الأعمال الصَّالحة، وإنَّما قال: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾؛ لأنَّ القبر روضةٌ من رياض الجنَّة في حقِّهم، ومَن غفل عن هذا ذهب إلى ما ذهب، وارتكبَ لِمَا يخلُّ حُسنَ الانتظام في الكلام. (٣٣) - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾؛ أي: الكفَّارُ المَارُّ ذكرُهم ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ بقبض (١) أرواحِهم ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾: العذابُ المستأصِل الواقع فجأة، وقد سبقَ وجهُ التَّعبير عن مثله بأمر الله تعالى. وتفسير الأمر بالقيامة يأباه كلمة ﴿أَوْ﴾؛ لأنَّ انتظارهما يجامع انتظار الملائكة. ﴿كَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك الفعل الشَّنيع القبيح مِنَ الشِّرك والتَّكذيب.

стр. 2487

مَن قال هنا: فأصابهم ما أصابهم (١)، فكأنَّه غفل عن أنَّ (٢) الإخبار عنه بعد هذا صريحًا في نظم القرآن يأبى عن اعتباره هنا تقديرًا. ﴿فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ بتدميرهم أو تعذيبهم. ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بما استوجَبوا به ذلك. (٣٤) - ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾: جزاءُ سيئاتِ أعمالهم، لا على حذف المضاف، بل على تسمية الجزاء باسمها. ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: وأحاط بهم جزاؤه، والحيقُ لا يُستَعمَلُ إلَّا في الشَّرِّ. (٣٥) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ مِنَ البَحائر والسَّوائب وغيرهما ممَّا أحلَّ اللهُ تعالى، وإنَّما قالوا ذلك عنادًا وتعنُّتا وإلزامًا للموحِّدين؛ بناء على زعمهم وقولهم: ما شاء الله يجب

стр. 2488

وما لم يشأ يمتنع. ومنعًا للبعثة، وإنكارًا للتَّكليف؛ لعدم الفائدة فيهما (١) حينئذٍ، وإنكارًا (٢) لقبيح ما أنكِر عليهم من الشِّرك والتَّحريم ونحوهما، متمسِّكين بأنَّها لو كانت مستقبَحة لَمَا شاءَ اللهُ صدورَها عنهم، ولشاء خلافه ملجِئًا إليه، لا اعتذارًا؛ إذ لم يعتقدوا قبحَ أعمالهم. ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: مثلَ ذلك الفعلِ الشَّنيع من الاستهزاء بالرُّسل، وإنكارِ البِعْثة والتَّكليف، والجدال بالباطل فعلَ أسلافُهم ولَمَّا فُهِمَ منه أنْ إنذار الرُّسل وإرشادهم لم يُجْدِ نفعًا في حقِّ الضَّالين المعاندين اتَّجه السُّؤال بأنْ يُقالَ: فما بالُ المرسلين حيثُ لم يتمُّوا مصلحةَ الإرشاد؛ أجابَ عنه بما حُذِفَ وأُقِيمَ تعليلُه مقامَه - لاستلزام (٣) العلَّةَ للمعلولِ - قوله (٤): ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: لا بأس فيه فهل عليهم إلَّا الإبلاغ الموضِّح للحقِّ؛ أي: ليس لهم عليهم الهداية، ولكنَّ اللهَ سبَّبَ الأسباب بحكمته، وجعلَ تبليغَ الرُّسل من أسباب الهداية لمن شاء هدايته، فليس عليهم (٥) إلَّا ما كلَّفهم من التَّبليغ والإبانة؛ ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢]. ثمَّ بيَّن أنَّ بعثةَ الرُّسل والدَّعوةَ إلى الحقِّ والتَّكليف أمرٌ جرَتْ به السُّنَّة الإلهيَّة

стр. 2489

في الأمم كلِّها سببًا (١) لهدي مَن أراد اهتداءه، وازدياد (٢) ضلال مَنْ أراد ضلاله، كالغذاء الصَّالح الذي ينفع مَن اعتدل مزاجُه، ويضرُّ مَن انحرفَ مزاجه، بقوله: (٣٦) - ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾. ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ التَّنكير للتعظيم ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ و ﴿أَنِ﴾ يجوز أنْ تكون تفسيريَّة؛ لأنَّ البعث يتضمَّنْ معنى القول، وأنْ تكون مصدريَّة؛ أي: بعثناه بأنِ اعبدوا الله. ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ قد سبق تفسيره في سورة البقرة. ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾: وفَّقهم للإيمان بإرشادهم. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ تغيُّر الأسلوب بالعدول عن قوله: ومنهم مَن (٣) أضلَّه؛ للتَّنبيه على أنَّ الثَّانيَ لسوء استعدادهم، على ما أفصحَ عنه قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]. ومَنْ لم يتنبَّه لذلك قال: إذ لم يوفِّقهم ولم يُرِدْ هُداهم. ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ترتيبُه على موجَب ما تقدَّم من نزول العذاب عليهم، فكأنَّه أخبر عنه، وأحالهم في معرفة ذلك على السَّير في الأرض. ولا اختصاص للأمر المذكور بقريش.

стр. 2490

﴿فَانْظُرُوا﴾ العطف بالفاء للدِّلالة على أنَّ الغرض من الأمر بالسَّير هو النَّظر المذكور؛ أي: سيروا في الأرض لهذا الأمر، واجعلوه غايةَ سيركم، فالفاء (١) ترتِّبُ أحدَ الأمرين على الآخر، يكون الأوَّل وسيلةً للثَّاني (٢)، لا لتعقيب السَّير بالنَّظر، فتدبَّر. ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ من عاد وثمود وغيرهم؛ لعلَّكم تعتبرون. (٣٧) - ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. ﴿إِنْ تَحْرِصْ﴾ الخطاب للرَّسول ﷺ . ﴿عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ مَن حقُّه أن يُضل. تعليلٌ للجزاء أُقِيمَ مقامَه لاستلزام العلَّة للمعلول، أي: فهوِّنْ على نفسك ولا تتعبها وتسلَّ عنهم؛ فإنَّ هداهم ممتنع. وقرئ: ﴿لَا يَهْدِي﴾ على البناء للمفعول (٣)، وهو أبلغ. ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ينصرونهم إذ خذلهم الله تعالى، أو يدفعون العذاب عنهم إذ عذَّبهم، وإنَّما نفى الجمع؛ لأنَّ الاجتماع مظنَّة زيادة القوَّة والقدرة على النُّصرة.
следующие страницы →