← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

(٣٢) - ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾: طاهرين مِنْ ظُلْمِ أنفسهم بالكفر والمعاصي؛ لأنَّه في مقابلةِ ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، أو: فرحين ببشارة الملائكة إيَّاهم بالجنَّة، أو: طيبين بقبض أرواحهم، لقوَّة إيمانهم وتوجُّه نفوسهم بالكُلِّيَّة إلى عالم القدس. ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾: لا يَحيقكم بعدُ مكروهٌ. ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: بسبب ثباتكم على الأعمال الصَّالحة، وإنَّما قال: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾؛ لأنَّ القبر روضةٌ من رياض الجنَّة في حقِّهم، ومَن غفل عن هذا ذهب إلى ما ذهب، وارتكبَ لِمَا يخلُّ حُسنَ الانتظام في الكلام. (٣٣) - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾؛ أي: الكفَّارُ المَارُّ ذكرُهم ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ بقبض (١) أرواحِهم ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾: العذابُ المستأصِل الواقع فجأة، وقد سبقَ وجهُ التَّعبير عن مثله بأمر الله تعالى. وتفسير الأمر بالقيامة يأباه كلمة ﴿أَوْ﴾؛ لأنَّ انتظارهما يجامع انتظار الملائكة. ﴿كَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك الفعل الشَّنيع القبيح مِنَ الشِّرك والتَّكذيب.

стр. 2487

مَن قال هنا: فأصابهم ما أصابهم (١)، فكأنَّه غفل عن أنَّ (٢) الإخبار عنه بعد هذا صريحًا في نظم القرآن يأبى عن اعتباره هنا تقديرًا. ﴿فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ بتدميرهم أو تعذيبهم. ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بما استوجَبوا به ذلك. (٣٤) - ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾: جزاءُ سيئاتِ أعمالهم، لا على حذف المضاف، بل على تسمية الجزاء باسمها. ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: وأحاط بهم جزاؤه، والحيقُ لا يُستَعمَلُ إلَّا في الشَّرِّ. (٣٥) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ مِنَ البَحائر والسَّوائب وغيرهما ممَّا أحلَّ اللهُ تعالى، وإنَّما قالوا ذلك عنادًا وتعنُّتا وإلزامًا للموحِّدين؛ بناء على زعمهم وقولهم: ما شاء الله يجب

стр. 2488

وما لم يشأ يمتنع. ومنعًا للبعثة، وإنكارًا للتَّكليف؛ لعدم الفائدة فيهما (١) حينئذٍ، وإنكارًا (٢) لقبيح ما أنكِر عليهم من الشِّرك والتَّحريم ونحوهما، متمسِّكين بأنَّها لو كانت مستقبَحة لَمَا شاءَ اللهُ صدورَها عنهم، ولشاء خلافه ملجِئًا إليه، لا اعتذارًا؛ إذ لم يعتقدوا قبحَ أعمالهم. ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: مثلَ ذلك الفعلِ الشَّنيع من الاستهزاء بالرُّسل، وإنكارِ البِعْثة والتَّكليف، والجدال بالباطل فعلَ أسلافُهم ولَمَّا فُهِمَ منه أنْ إنذار الرُّسل وإرشادهم لم يُجْدِ نفعًا في حقِّ الضَّالين المعاندين اتَّجه السُّؤال بأنْ يُقالَ: فما بالُ المرسلين حيثُ لم يتمُّوا مصلحةَ الإرشاد؛ أجابَ عنه بما حُذِفَ وأُقِيمَ تعليلُه مقامَه - لاستلزام (٣) العلَّةَ للمعلولِ - قوله (٤): ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: لا بأس فيه فهل عليهم إلَّا الإبلاغ الموضِّح للحقِّ؛ أي: ليس لهم عليهم الهداية، ولكنَّ اللهَ سبَّبَ الأسباب بحكمته، وجعلَ تبليغَ الرُّسل من أسباب الهداية لمن شاء هدايته، فليس عليهم (٥) إلَّا ما كلَّفهم من التَّبليغ والإبانة؛ ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢]. ثمَّ بيَّن أنَّ بعثةَ الرُّسل والدَّعوةَ إلى الحقِّ والتَّكليف أمرٌ جرَتْ به السُّنَّة الإلهيَّة

стр. 2489

في الأمم كلِّها سببًا (١) لهدي مَن أراد اهتداءه، وازدياد (٢) ضلال مَنْ أراد ضلاله، كالغذاء الصَّالح الذي ينفع مَن اعتدل مزاجُه، ويضرُّ مَن انحرفَ مزاجه، بقوله: (٣٦) - ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾. ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ التَّنكير للتعظيم ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ و ﴿أَنِ﴾ يجوز أنْ تكون تفسيريَّة؛ لأنَّ البعث يتضمَّنْ معنى القول، وأنْ تكون مصدريَّة؛ أي: بعثناه بأنِ اعبدوا الله. ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ قد سبق تفسيره في سورة البقرة. ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾: وفَّقهم للإيمان بإرشادهم. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ تغيُّر الأسلوب بالعدول عن قوله: ومنهم مَن (٣) أضلَّه؛ للتَّنبيه على أنَّ الثَّانيَ لسوء استعدادهم، على ما أفصحَ عنه قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]. ومَنْ لم يتنبَّه لذلك قال: إذ لم يوفِّقهم ولم يُرِدْ هُداهم. ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ترتيبُه على موجَب ما تقدَّم من نزول العذاب عليهم، فكأنَّه أخبر عنه، وأحالهم في معرفة ذلك على السَّير في الأرض. ولا اختصاص للأمر المذكور بقريش.

стр. 2490

﴿فَانْظُرُوا﴾ العطف بالفاء للدِّلالة على أنَّ الغرض من الأمر بالسَّير هو النَّظر المذكور؛ أي: سيروا في الأرض لهذا الأمر، واجعلوه غايةَ سيركم، فالفاء (١) ترتِّبُ أحدَ الأمرين على الآخر، يكون الأوَّل وسيلةً للثَّاني (٢)، لا لتعقيب السَّير بالنَّظر، فتدبَّر. ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ من عاد وثمود وغيرهم؛ لعلَّكم تعتبرون. (٣٧) - ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. ﴿إِنْ تَحْرِصْ﴾ الخطاب للرَّسول ﷺ . ﴿عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ مَن حقُّه أن يُضل. تعليلٌ للجزاء أُقِيمَ مقامَه لاستلزام العلَّة للمعلول، أي: فهوِّنْ على نفسك ولا تتعبها وتسلَّ عنهم؛ فإنَّ هداهم ممتنع. وقرئ: ﴿لَا يَهْدِي﴾ على البناء للمفعول (٣)، وهو أبلغ. ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ينصرونهم إذ خذلهم الله تعالى، أو يدفعون العذاب عنهم إذ عذَّبهم، وإنَّما نفى الجمع؛ لأنَّ الاجتماع مظنَّة زيادة القوَّة والقدرة على النُّصرة.

стр. 2491

(٣٨) - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ مستعارٌ مِنْ جَهَدَ نفسَه: إذا بلغ طاقتها وأقصى وسعها؛ للمبالغة في اليمين، وبلوغ غاية غلظتها، وأقصى وكادتها، وهو في حكم الحال؛ لأنَّ أصله: وأقسموا بالله يجهدون أيمانهم، فحذف الفعل ووضع المصدر مكانه مضافًا إلى المفعول. ﴿لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ أرادوا به نفيَ قدرته تعالى على بعث الموتى، والجملة عطف على: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ تصريحًا بأنَّهم كما أنكروا التَّوحيد أنكر والبعث مقسِمين عليه؛ زيادةً في البَتِّ على فساده؛ للإيذان بأنَّهما كفرتان عظيمتان حقيقتان بأن تحكيا وتدوَّنا؛ ليُتعجَّب منهما ويُعتبر بهما. وقد رَدَّ اللهُ عليهم أبلغَ رَدٍّ فقال: ﴿بَلَى﴾ يبعثهم الله. ﴿وَعْدًا﴾ مصدر مؤكِّد لما دلَّ عليه ﴿بَلَى﴾؛ لأنَّ ﴿يَبْعَثُ﴾ موعِد مِن اللهِ تعالى. ﴿عَلَيْهِ﴾ صفة لـ ﴿وَعْدًا﴾ ﴿حَقًّا﴾ صفة أخرى له؛ أي: وعدًا ثابتًا عليه الوفاء به حقًّا لامتناع الخلف في وعده، ولكون البعث مقتضى حكمته. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهم يبعثون، أو: أنَّ وعده حقٌّ عليه إنجازُه بمقتضى حكمته، وعدمُ العلم به لا يستلزم العلم بالعدم، فضلًا عن العلم بالامتناع، فما قيل في التَّعليل: لقصور نظرهم بالمألوف يتوهَّمون امتناعه، من قصور النَّظر. (٣٩) - ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾.

стр. 2492

﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ﴾ تعليل لِمَا دَلَّ عليه ﴿بَلَى﴾، أي: يبعثهم ليبيِّنَ لهم، والضَّمير في ﴿مَنْ يَمُوتُ﴾ عامّ للنَّاس كلِّها (١). ﴿الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ وهو الحقُّ. ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ في قولهم: ﴿لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾، وهو إشارة إلى السَّبب الدَّاعي إلى البعث، المقتضي له من حيث الحكمة، وهو المميِّز بينَ الحقِّ والباطل، والمحقِّ والمبطل بالثواب والعقاب. (٤٠) - ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. ثم قال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿قَوْلُنَا﴾ مبتدأ، ﴿أَنْ نَقُولَ﴾ خبره، و ﴿إِذَا﴾ لمجرَّد الظَّرفيَّة؛ أي: وقتَ إرادتنا له، أو شرطيَّةٌ محذوفة الجواب لدلالة الجملة الاسمية عليه؛ أي: إذا أردنا وجود شيء فليس إلَّا أنْ نقولَ له: احدُثْ، فحدث عَقيبَ ذلك بلا توقُّف، تمثيل لبيان إمكان البعث وسهولته على الله، وهو أنَّ كلَّ ما تعلَّق به إرادته من الأشياء لا يمتنع عليه ولا يتوقَّف، بل يكون كمأمورٍ مطيعٍ أمَره أَمر مُطاع، فلم يلبث أن يمتثل، والمبعوث أحدُ الأشياء الممكنة (٢)، فكيف يمتنع عليه؛ ولا قولَ (٣). وقرئ: ﴿فيكونَ﴾ بالنَّصب (٤)، عطفًا على ﴿نَّقُولَ﴾ أو جوابًا للأمر.

стр. 2493

(٤١) - ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ هم رسولُ الله ﷺ وأصحابه المهاجرون ﵃. ودلَّ قولُه: ﴿فِي اللَّهِ﴾ على أنَّ الهجرة إذا لم تكن لله تعالى لم يكن لها موقع، وكانت بمنزلة الانتقال من بلدٍ إلى بلدٍ. وقولُه تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ على أنهم كانوا مظلومين في أيدي الكفار، والمحبوسون المعذَّبون بمكَّة بعد هجرة رسول الله ﷺ . ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ مباءَةً حسنةً، أو: تبوئةً حسنةً. ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ ممَّا يعجَّل لهم في الدُّنيا ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ الضمير للمهاجرين؛ أي: لو كانوا يعملون لزادوا في اجتهادهم وصبرهم، أو للكفَّار؛ أي: لو كانوا يعلمون أنَّ اللهَ تعالى يجمع لهؤلاء المهاجرين بخير الدَّارين لرغبوا في دينِهم. (٤٢) - ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على أذى الكفَّار ومفارقة الوطن، ومحلُّه النَّصب أو الرَّفع على المدح. ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: منقطعين إلى الله، ومفوِّضين إليه الأمر كلَّه. (٤٣) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ رَدٌّ لقولِ قريش: الله أعظم (١) من أن

стр. 2494

يكون رسوله بشرًا؛ أي: جَرَت السُّنَّة الإلهيَّة بأن لا يبعث للدَّعوة إلَّا بشرًا يوحي إليه، والموحَى لا يلزم أن يكون بواسطة الملك، فضلًا عن أن يكون على لسانه، والحكمة في ذلك قد ذُكِرَتْ في سورة الأنعام. ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾: أهل الكتاب، أو علماء الأخبار ليعلموكم (١). ﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ جوابه محذوفٌ دلَّ عليه ما قبلَه، وفي الآية دليل على أنه تعالى لم يرسل ملكًا ولا امرأة ولا صبيًّا للدَّعوة العامة، ولا ينافيه نبوَّة عيسى وهو في المهد؛ لأنَّها أخصُّ من الرِّسالة (٢). وعلى وجوب المراجعة إلى العلماء فيما لا يُعْلَم. (٤٤) - ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾: بالمعجزات والكتب، متعلِّق بـ ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾ على أنَّ الشَّرط للتبكيت والإلزام من حيث الاعتراف بعدم العلم، وسبيلُ الجاهل سؤال مَنْ يَعلم، لا الإنكار. ويجوز أن يتعلَّق بـ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ داخلًا تحت حكم (٣) الاستثناء؛ أي: وما أرسلنا إلَّا رجالًا بالبيِّنات، وأن يكون صفة لـ ﴿رِجَالًا﴾؛ أي: رجالًا ملتبسين بالبيِّنات، أو بـ ﴿نُوحِي﴾ على المفعوليَّة، أو الحال عن الفاعل من القائم مقامَ فاعله،

стр. 2495

على أن قولَه: ﴿فَاسْأَلُوا﴾ اعتراضٌ، ويجوز أن يتعلَّق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾ مضمرًا، كأنَّه قيل: بِمَ أرسلوا؟ فقيل: بالبينات والزُّبر، فهو على هذا كلامٌ آخر مستأنَفٌ. ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾؛ أي: القرآن، وإنَّما سُمِّيَ ذِكْرًا لأنَّه تذكيرٌ وتنبيهٌ للغافلين. ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ في الذِّكْرِ بتوسُّط نزوله عليك من الأحكام والمواعيد. والتَّبيينُ أعمُّ مِنْ أنْ ينصَّ بالمقصود، أو يرشدَ إلى ما يدلُّ عليه كالقياس ودليل العقل. ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾: وإرادةَ أن يتأمَّلوا فيه فيتنبَّهوا للحقائق. والواو للعطف على محذوفٍ تقديرُه: إرادةَ أن يُصغوا إليه. (٤٥) - ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾. ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾؛ أي: المكرات السَّيِّئات، وهم الذين احتالوا لهلاك الأنبياء ﵈، أو: الذين مكروا رسولَ الله ﷺ وراموا صدَّ أصحابه عن الإيمان، ودخولُ الهمزة على فاء التَّعقيب إنكارٌ لأمنهم بعد اطِّلاعهم على عاقبة المكذِّبين والبيِّناتِ التي أُنْزِلَتْ على الرَّسول ﷺ . ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ كما خَسَفَ بقارون. ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: في حالِ غَفلتهم نائمين، ولا

стр. 2496

يلزم أن يكون من جانب السَّماء، ولا أن يكون بغتةً، ولهذا جمع بينهما في قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٥]. (٤٦) - ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾. ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ﴾ الأخذُ هنا كناية عن الإهلاك، كما في قوله: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠]. ﴿فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾: في تصرُّفاتهم في أمورهم، وهذا أيضًا زمانَ غفلتهم عن تطرُّق الآفَات؛ لتوغُّلهم في تحصيل (١) المهمات، إلَّا أنَّ لهم فيه شعورًا، وهذا تفصيل ما أجمله الضَّحَّاك بقوله: باللَّيل والنَّهار (٢). ﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: بفائتين، والفاء للدَّلالة على شدَّة الأخذ بحيث لا ينفلت المأخوذ ولو آنًا، وبه تتم الكناية المذكورة آنفًا. (٤٧) - ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾: على مخافةٍ بأنْ يُهلك قومًا قبلَهم فيتخوَّفوا فيأتيهم العذاب وهم متخوِّفون، وهو خلاف الإتيان والأخذ المذكورَيْن سابقًا؛ لأنَّه أخذٌ على توقُّعٍ، فيكون الغرضُ التَّعميمَ.

стр. 2497

وقيل: هو مِنْ تخوَّفتُه: إذا تنقَّصتَه؛ أي: يأخذهم على تنقُّصهم شيئًا بعد شيءٍ في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا. ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ لا يعاجلكم بالعقوبة مع استحقاقكم لها (١). وهذا كالتَّعليل للأخذ على التَّخوُّف؛ لأنَّه فيه مهلةٌ وامتدادُ وقت، فيمكن فيها التلافي. (٤٨) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ﴾ استفهامُ إنكارٍ؛ أي: قد رأوا أمثال هذه الصَّنائع فما بالُهم لم يتفكَّروا فيها؛ ليظهر لهم كمال قدرته وقهره، فيخافوا منه؟ وإنما قال: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ لأنَّ المخلوقات على نوعين: ما خلق من شيء كعالَم الأجسام، وما خلق من غير شيء كعالم الأمر، وهو عالم الأرواح، كما قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وإنَّما سمي عالمُ الأرواح: الأمر (٢)؛ لأَنَّه خُلق بأمرِ: كُن، من غير شيءٍ. والظِّلُّ من خواصِّ ما في عالَم الخلق، وبهذا اندفع ما قيل: إن بيان ﴿مَا خَلَقَ﴾ بـ ﴿شَيْءٍ﴾ و بيانُ المبهَم بما هو أبهمُ، فافهم. ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾ التَّفيُّؤ: تَفعُّل من فاء يفيء؛ أي: رجع.

стр. 2498

واختلف في الفيء، فقيل: هو مطلَق الظِّلِّ، سواءٌ كان قبل الزَّوال أو بعده، وهو الموافق لمعنى الآية، وقيل: الفيءُ: الذي هو بعد (١) الزَّوال. ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾؛ أي: عن الجوانب كلِّها، استعير اليمين والشِّمال من جنبي الإنسان لجانبي الشَّيء، ثم أراد بـ ﴿وَالشَّمَائِلِ﴾: الشِّمال والخلف والقُدَّام على طريق التَّغليب؛ لأنَّ الظِّلَّ يفيء من الجهات كلِّها. ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ حالان من الضَّمير في ﴿ظِلَالُهُ﴾ باعتبار المعنى؛ لأنَّه يرجع إلى ﴿مَا﴾، ووُحِّدَ باعتبار اللَّفظ. وجُمع ﴿دَاخِرُونَ﴾ بالواو لتغليب العقلاء على سائر ما خلق الله تعالى، ولأنَّ السُّجود والدُّخور من أوصاف العقلاء، ويجوز أن يكونا حالَيْن من الظِّلال، أو الأوَّلُ منها، والثَّاني من الضَّمير، وهذا أولى، لما فيه من وصف الظِّلال بالسُّجود، ووصفِ أصحابها بالدُّخور الذي هو أبلغ؛ لأنَّه انقيادٌ قهريٌّ مع صفة المنقاد، فيكمل حسنُ المعنى بتصعُّد سجود الظِّلِّ وذي الظِّلِّ وتقارُبهما في الوجود. ويظهر وجه تغير الأسلوب في الحال الثاني، واسْتُعيرَ السُّجودُ والدُّخور للانقياد والاستسلام والتَّسخير لِمَا يريد من المخلوقات أو من ظلالها، سواءٌ كان بالاضطرار أو بالاختيار، يقال: سجدت النَّخلة: إذا مالت لكثرة الحمل، وسجد البعير: إذا طأطأ رأسه ليُرْكَبَ. والمعنى والله أعلم: ترجع الظِّلال بارتفاع الشَّمس وانحدارها، أو باختلاف (٢) مشارقها ومغاربها بتقدير الله، من جانب إلى جانب مُنْقادَةً لِمَا قُدِّرَ لها من التَّفيُّؤ، أو

стр. 2499

واقعةً على الأرض ملصَقةً بها على هيئة السَّاجد، والأجرام في نفسها داخرةٌ؛ أي: صاغرة منقادة لأفعال الله تعالى فيها. (٤٩) - ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. ﴿وَلِلَّهِ﴾ خاصَّة ﴿يَسْجُدُ﴾: يَنقاد لإرادته وقدرته انقيادًا يعمُّ الاختياريَّ والاضطراري، ومَنْ ذَكَرَ بدل الأوَّل ما يكون طوعًا وبدل الثَّاني ما يكون طبعًا، لم يُصبْ في واحدٍ منهما. ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ﴾ بيانٌ لِمَا في الأرض؛ لأنَّ الدَّابة ما يدبُّ في (١) الأرض، ولا يلزم أن يكون على وجهها. والسُّكوت عن بيان ما في السَّماوات، للإشعار بكثرة ما فيها أجناسًا وأنواعًا، ومَن رامَ تعميم البيان زاعمًا أنَّ الدَّبيب هي الحركة الجسمانيَّة، سواءٌ كانت في جسمٍ سماويٍّ أو أرضيٍّ، فقد غفلَ عمَّا في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: ٤٥] من الدِّلالة على اختصاص الدَّابة بما في الأرض؛ لأنَّ ما في السماء لا يُخْلَق بطريق التَّوالد. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ خصَّب بالذِّكْرِ معطوفةَ على ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ للتَّعظيم، عطفَ جبريلَ على الملائكة (٢)؛ أي: والملائكة خصوصًا مِنَ السَّاجدين؛ لأنَّهم أطوع خلقٍ وأعبدُهم.

стр. 2500

﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن عبادته، جملةٌ استئنافيَّة، وتقديم ﴿وَهُمْ﴾ للتَّخصيص. (٥٠) - ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ﴾ خوفَ إجلالٍ وهيبةٍ وتعظيمٍ، حال من ضمير ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، أو بيانٌ لنفي الاستكبار وتأكيدٌ له؛ لأنَّ مَنْ خافَ الله تعالى لم يستكبرْ عن عبادته. ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ حالٌ من ﴿رَبَّهُمْ﴾، مجاز بمعنى القهر والعلو؛ أي: عاليًا (١) لهم قاهرًا. ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ خوفًا له، وعلمًا بعظمته ونفاذ سلطانه وقدرته، ولا دلالة فيه على أنَّ الملائكة مكلَّفون (٢) بالتَّكليف الشَّرعي الذي يترتَّب عليه الثَّواب والعقاب. (٥١) - ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١)﴾. ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أكَّد ﴿إِلَهَيْنِ﴾ بالوصف بـ ﴿اثْنَيْنِ﴾، وإنْ دلَّتْ التَّثنية عليه، للدِّلالة على أنَّ مَساق النَّهي هو العدد لا الإلهيَّة، وأنَّ الاثنينيَّة تنافي الإلهيَّة، كما وصف الإله بواحد في قوله: ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ دلالةً على أنَّ المقصود إثبات الوحدانيَّة دون الإلهيَّة، وأنها لازمة للإلهيَّة.

стр. 2501

﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ التفات من الغيبة إلى التكَلم، إيقاعًا للرَّهبة في القلوب، وتمكينًا لها في النُّفوس، ومبالغةً في التَّرهيب، وتصريحًا بالمقصود، ولذلك قدَّم المفعول مع فاء السَّببية، وكرَّر الفعل، أي: إن كنتم رهبتم شيئًا فإيَّايَ فارهبون دون غيري، فأنا ذلك الإله الواحد القاهر لكلِّ شيء. (٥٢) - ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾. ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ التفاتٌ آخر للتَّعظيم، وتقريرِ وجوب تخصيص الرَّهبة به ووجوبِ الانقياد له في قوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ﴾؛ أي: له ما فيهما خلقًا وملكًا، فكيف لا ينقادون له ولا يخصُّونه بالرَّهبة. وتقديم الظرف تأكيدٌ وتقويةٌ لمعنى الاختصاص الذي في اللَّام، وكذا قوله: ﴿وَلَهُ الدِّينُ﴾، أي: الطَّاعة والانقياد ﴿وَاصِبًا﴾؛ أي: واجبًا ثابتًا، أي: وله الجزاء دائمًا سرمدًا لا يزول، وهو تأكيدٌ وتقرير آخر، وتعليلٌ لوجوب الانقياد والرَّهبة؛ أعني: على الوجه الثَّاني، وكذا: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ تأكيدٌ آخر بتقديم المفعول مع أن الهمزة الإنكارَّية داخلة على الفاء التعقيبيَّة؛ أي: أبعد العلم بالتَّوحيد، وتخصيصِ الكلِّ به خلقًا وملكًا، تخصُّون غيرَه بالاتِّقاء؟! وفيه توبيخٌ بليغٌ. (٥٣) - ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾. ﴿وَمَا بِكُمْ﴾: وأيُّ شيءٍ اتَّصل واستقرَّ بكم ﴿مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ أو: الذي

стр. 2502

اتَّصل بكم فهو مِنَ الله، و ﴿مَا﴾ شرطيَّة، أو موصولة متضمِّنةٌ لمعنى الشَّرط باعتبار الإخبار أو العلم؛ لأنَّ استقرارَ النِّعمة بهم سببٌ للإخبار أو العلم بأنَّه مِنَ الله لا بحصوله منه. ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ الجؤارُ: رَفعُ الصَّوت بالدُّعاء والاستغاثة؛ أي: فما يتضرَّعون (١) في كشفه إلَّا إليه. وفرَّق بين حصول النِّعمة ووقوع الضُّرِّ بعموم ﴿مَا﴾، وإيراد الباء الإلصاقيَّة في الجملة الاسميَّة، أي: وكلُّ ما استقرَّ بكم مِنَ النِّعمِ المستمرَّة فهو مِنَ اللهِ، يجب عليكم شكره؛ لأنَّ الإنسان لا يخلو في حالٍ ما مِن نِعَمٍ كثيرةٍ. وبإيراد ﴿وثُمَّ﴾ المفيدة (٢) معنى التَّراخي، والمسِّ الذي هو أدنى إصابة، وجنسِ الضُّرِّ الذي يكفي في إطلاقه أقلُّ ما يطلق عليه الاسم في الجملة الفعليَّة؛ أي: ثمَّ إذا تجدَّد إصابةُ أدنى شيءٍ من جنس الضُّرِّ بعد زمانٍ طويلٍ لا تجأرون إلَّا إليه، وإنما جاء بـ ﴿إِذَا﴾ دون (إنْ) لأنَّ وقوع هذا القَدْر من الضُّرِّ في بعض الأحايين مُحقَّق. (٥٤) - ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾. ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ﴾ ﴿ثُمَّ﴾ مُستَعارٌ لاستبعاد الشُّكر (٣) بعدَ كَشْفِ الضُّرِّ عند تخصيصه تعالى بالتَّضرُّع إليه في طلب كشفه، والعلمِ بحصولِ جميعِ النِّعم منه.

стр. 2503

﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿إِذَا﴾ فجائيَّة، والخطاب عامٌّ، والفريق: هم (١) الكفرة، أو خاصٌّ بالمشركين، و ﴿مِنْكُمْ﴾ للبيان لا للتَّبعيض؛ أي: إذا فريق وهم أنتم بربهم يشركون، أو للتبعيض (٢) على أنَّ منهم مَنِ اعتبرَ وازدجرَ، كقوله: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ [لقمان: ٣٢]. (٥٥) - ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ من نعمةِ الكشف عنهم، بيانٌ لرسوخ الكفران فيهم وغلبته على طباعهم، حتى كأنَّهم جعلوا غرضَهم من الشِّرك كفران النِّعمة. ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ وقرئ: (فَيُمَتَّعوا) بالياء مبنيًا للمفعول (٣)، عطفًا على ﴿لِيَكْفُرُوا﴾، على أنَّ اللَّام للتَّعليل، ويجوز أن تكون لامَ الأمر الوارد للتَّهديد، والفاء للجواب. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تخليةٌ لهم (٤)، ووعيد بليغ، ويكون ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ أيضًا واردًا على سبيل الخذلان والتَّخلية. (٥٦) - ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾.

стр. 2504

﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: لآلهتهم التي لا يعلمون حقيقتها، فيعتقدون أنَّها تضرُّ وتنفع وتشفع لهم عند الله تعالى، وهي جمادات لا تضرُّ ولا تنفع، على أنَّ العائد إلى (ما) محذوفٌ، أو لجهلهم على أنَّ (ما) مصدرية، والمجعول له محذوف للعلم به، أو لأَلهتهم التي لا علم لها لأنَّها جمادات، فيكون الضَّمير لـ ﴿مَا﴾. ﴿نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ من أنعامهم وزروعهم تقرُّبًا به إليها. ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ مِنْ أنَّها آلهة حقيقةٌ بالتَّقرُّب إليها، وهو وعيدٌ لهم عليه. (٥٧) - ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾. ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ كانت خزاعةُ وكنانة يقولون: الملائكة بنات الله تعالى. ﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزيهٌ له عن قولهم، وتعجيب منه. ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ نصب عطفًا على ﴿الْبَنَاتِ﴾؛ أي: ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون من البنين؛ أي: يختارون، أو رفع على الابتداء، و ﴿وَلَهُم﴾ خبره، و ﴿سُبْحَانَهُ﴾ اعتراض. (٥٨) - ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾. ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى﴾: أُخْبِرَ بولادتها ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ﴾: صارَ أو دام (١) النَّهارَ

стр. 2505

كلَّه ﴿مُسْوَدًّا﴾ من الكآبة، واسودادُ الوجه كنايةٌ عن (١) الاغتمام والتَّشوير (٢). ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾: مملوءٌ غيظًا؛ أي (٣): على المرأة. (٥٩) - ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾: يَستخفي منهم ﴿مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾: من أجلِ سوء المُبَشَّر به. ﴿أَيُمْسِكُهُ﴾ محدِّثًا نفسه متفكِّرًا في أن يتركه ﴿عَلَى هُونٍ﴾: ذُلِّ ﴿أَمْ يَدُسُّهُ﴾؛ أي (٤): يخفيه ﴿فِي التُّرَابِ﴾؛ أي: يئدُه. وتذكير الضَّمير للَفظ ﴿مَا﴾، وقرئ بالتَّأنيث فيهما (٥). ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ حيث يجعلون لِمَنْ تَنزَّه عن الولد (٦) ما هذا محلُّه عندَهم، ولأنفسهم مَن هو على ضِدِّ هذا الوصف.

стр. 2506

(٦٠) - ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾: صفةُ السَّوء، من الحاجة إلى الولد ليقوم مقامهم، وإرادةِ الذُّكور استظهارًا بهم، وكراهةِ الإناث ووأدِهنَّ خشيةَ الإملاقِ الشَّاهد على أنفسهم بالشُّحِّ البالغ. ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ من الغِنَى المطلق بالوجوب الذَّاتي والوجود الكامل، والنَّزاهة عن صفات المخلوقين. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: المنفرد بكمال القدرة والقوَّة على بطشهم وأخذهم بذنوبهم. ﴿الْحَكِيمُ﴾: الذي يؤخِّرهم إلى أجلٍ مُسمًّى تقتضيه الحكمة. (٦١) - ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾: بسبب كفرهم ومعاصيهم. ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا﴾: على الأرض، وجاز إضمارها من غير ذِكْرٍ لدلالة (الدَّابة) عليها؛ لِمَا عرفْتَ أنَّها ما يدبُّ فيها (١). ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ لأنَّ غيرَ الإنسان من الدَّواب إنَّما خُلِقَتْ لأجله؛ لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. ولو أُخِذَ الظَّالم بظلمه لانقطع نسل الإنسان؛ إذ ما مِنْ شخصٍ إلَّا في (٢) آبائه

стр. 2507

ظالم، فلا دلالة في الآية على أنْ يكون النَّاس كلُّهم ظالمين؛ لِمَا عرفْتَ أنَّ المراد من الظُّلم المضاف إليهم: ما صدر عن بعضهم. ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ سمَّاه لأعمارهم، أو لعذابهم، كي يتوالَدوا. ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ قد سبق تفسيره في سورة الأعراف. (٦٢) - ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾؛ أي: ما يكرهون لأنفسهم من البنات، والشركاءِ في الرِّياسة، والاستخفافِ بالرُّسل (١)، وأراذلِ (٢) الأموال. ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ﴾ مع ذلك ﴿الْكَذِبَ﴾ وهو: ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾؛ أي: عندَ الله تعالى، كقوله: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠]، بدل من ﴿الْكَذِبَ﴾، أو على إسقاط الحرف؛ أي: بأنَّ لهم. وقرئ: (الكُذُب) بضمَّتين (٣)، جمع كذوب، صفة للألسنة. ﴿لَا جَرَمَ﴾ قد سبق تفسيره في سورة هود (٤).

стр. 2508

﴿أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ ردٌّ لكلامهم، وإثباتٌ لضده. ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ بالفتح مخفَّفًا ومشدَّدًا، بمعنى: مُقدَّمون إلى النَّار؛ أي: مُعجَّلون. من أفرطْتُ فلانًا وفرَّطْتُه في طلب الماء: إذا قدَّمته. وقيل: مَنسيُّون متروكون، من أفرطْتُ فلانًا خلفي: إذا خلَّفته ونسيته. وقرئ بالكسر مخفَّفًا (١)، من الإفراط في المعاصي، ومشدَّدًا (٢) من التَّفريط في الطَّاعات وما يجب عليهم (٣). (٦٣) - ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ تسليةٌ للرَّسول ﷺ فيما كان يناله من الغمِّ بسبب جهالات القوم، ووعيدٌ لأهل مكَّة. ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾ حكاية الحال الماضية التي كانت يُزَيِّن لهم الشَّيطان أعمالَهم فيها. و ﴿الْيَوْمَ﴾: عبارة عن ذلك الوقت، أراد استحضارَ صورة التَّزيين في وقته للسَّامعين؛ عسى أن يعتبروا بها فيحترِزوا عن مثلها، ويخرجوا عن ولاية اللَّعين. والوليُّ: بمعنى القرين (٤)، والذي يتولَّونه. أو حكاية الحال الآتية، وهي حالُ كونهم معذَّبين في النَّار، والفائدة للاستحضار

стр. 2509

المذكور في أذهان المخاطَبين. والوليُّ بالمعنى المذكور، أو بمعنى النَّاصر؛ أي: فهو ناصرهم اليوم، لا ناصر لهم غيره، فيكون نفيًا للناصر لهم على أبلغ الوجوه. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في النَّار. (٦٤) - ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ﴾: للنَّاس ﴿الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ من التَّوحيد والقَدَر، وأحوالِ المعاد من البعث والجزاء، وأحكامِ الأفعال من التَّحليل والتَّحريم ونحوهما. ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ عطفًا على محلِّ ﴿لِتُبَيِّنَ﴾، نصبًا على التعليل؛ لكونهما فعلي فاعل الإنزال المعلَّل بهما، بخلاف التَّبيين، فجيء فيه باللام لفقدان شرط نصبه. (٦٥) - ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾. ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ قد سبق وجه (١) تنكير الماء. ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾: أنبَتَ فيها أنواع النبات ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: بعد يبسها، والتَّعقيب الذي دلَّ عليه الفاء لا ينافي المهلة الواقعة بين المعطوفين؛ لأنَّ ذلك إنما يكون على حسب ما يَعُدُّه الناس متعقَّبًا، والإحياء بعد الإنزال يعدُّ متعقَّبًا

стр. 2510

لا متراخيًا، ألا ترى إلى صحَّة قولك: تزوج زيد فوُلد له، إذا (١) لم يكن إلا مهلةُ الحمل. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أراد بالسَّمع: القَبول، كما في (سمع الله لمن حمده)؛ أي: لقومٍ يتأمَّلون فيها (٢)، ويعقلون وجهَ دلالتها، ويَقبلون مدلولها. وإنَّما خَصَّ كونها آية لهم؛ لأنَّ غيرهم لا ينتفعون بها. ويحتمل أن يكون المعنى: لقوم يسمعون من الغير، فكيف الذين (٣) يبصرونه؛ أي: ذلك آية للأعمى، فكيف البصير؟! وهذا التَّخصيص كالتَّخصيص في قوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٣]. وبما قرَّرناه تبيَّن وجهُ العدول عن: يبصرون، إلى: ﴿يَسْمَعُونَ﴾. (٦٦) - ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾. ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾: دلالةً على قدرة الله تعالى وحكمته، والتَّنكير للتَّفخيم. ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ استئناف لبيان العبرة ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ ذكَّر الضمير ووحَّده هنا للَّفظ، وأنَّثه في (سورة المؤمنين) للمعنى؛ فإنَّ ﴿الْأَنْعَامِ﴾ اسم جمع، ولذلك عدَّه سيبويه

стр. 2511

في المفردات المبنيَّة على أفعال (١)، ومَن قال: إنه جمع نَعَمٍ، جعل الضَّمير للبعض؛ فإنَّ اللَّبن لبعضها دون جميعها، أو لواحده، أو له على المعنى؛ فإنَّ المرادَ به الجنسُ. ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا﴾ الفَرْثُ: فضالة ما يبقى من العلف في الكَرِش، وكثيف ما يبقى من الأكل في الأمعاء. ﴿مِنْ﴾ الأولى تبعيضيَّة؛ لأنَّ اللَّبن بعضُ ما في بطونها، والثانية ابتدائيَّة؛ لأنَّ الإسقاء يبتدئ من مادةٍ مبدؤها الدَّم، ومنتهاها الفضلة التي لا حاجة إليها، بل يجب أن تُدفع كالفَرْث دفعًا للضَّرر عن البدن، أو (٢) من مادة بين الفرث الذي من الفضول المحضةِ والدَّم الذي من الأصول المحضة، فهو بالنِّسبة إلى الفرث أصلٌ؛ لأنَّه لا بُدَّ منه في بقاء النَّسل، وبالنِّسبة إلى الدَّم فضل؛ لأنَّه لا حاجة إليه في بقاء الشَّخص. وعلى هذا يجوز أن تكون ﴿مِنْ﴾ الثانية أيضًا تبعيضيَّة؛ لأن تلك المادة غير منحصرة في اللَّبن؛ فإنَّ الدَّم الذي يصير غذاءَ الجنين منها، وكذا مادة المنيِّ، وحينئذ يكون المقول المذكور حالًا؛ أي: كائنًا مِنْ بين فرث ودم. وإنَّما قُدِّم على ﴿لَبَنًا﴾ وهو صفة له في المعنى لأنَّه موضع العبرة، فهو معنًى به جدير بالتَّقديم؛ لكونه حاصلًا من نجس (٣)، وهو في مَعْرِض أن ينقلب إليه؛ لأنَّه إن لم يسبق يخرج من مخرج فضلات الهضم الرابع (٤)، وذلك أنَّ العلف ينهضم فتنجذب صفاوته إلى الكبد ويتولَّد منه الدَّم، ويبقى الفرث في

стр. 2512

الكرش ويتسفَّل، ويتوزَّع الدَّم على الأعضاء ليغذوَها، وَيفْضُل من غذائه قسطٌ صالح يرتقي إلى الضَّرع الذي هو لحمٌ غدديٌّ رخوٌ أبيض، فينقلب الدَّم عند انصبابه إليه (١) إلى اللَّبن، هذا هو القول الصَّحيح في تولُّد اللَّبن، فمِن وَهَمَ أنَّ محلَّه بين الفرث والدَّم فقد وَهِم. ﴿خَالِصًا﴾: مصفًّى عمَّا يصحبه من الأجزاء الكثيفة بتضيق مخرجه، ولهذا صار ﴿سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾: سهلَ المرور في حلقهم. وأمَّا ما قيل: صافيًا لا يستصحِب لون الدَّم ولا رائحة الفرث، فمبناه الوهم الفاسد المذكور آنفًا، وإلَّا فأين موضع تولُّد اللَّبن من محلِّ الفرث. (٦٧) - ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ﴾ متعلِّق بما في الإسقاء من معنى الإطعام، أي: نطعمكم منها، فينتظِمُ المأكولَ منها والمشروبَ المُتَّخَذَ من عصيرها، ولا حاجة إلى تقدير محذوفٍ، وتعلُّقه بـ ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ يؤدِّي إلى إخراج التَّمر والزَّبيب من الرِّزق الحسن، ولا وجهَ له. ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ استئناف لبيان الإطعام، وتذكير الضمير باعتبار جنس التَّمر. ولَمَّا كان اللَّبن لا يحتاج إلى معالجةٍ منَّا أخبرَ عن نفسه تعالى بقوله: ﴿نُسْقِيكُمْ﴾، ولَمَّا كان السَّكَر والرِّزق الحسن يحتاج إلى معالجة منَّا قال: ﴿تَتَّخِذُونَ﴾.

стр. 2513

وإنَّما قال: ﴿مِنْهُ﴾ لأنَّ منه ما لا يُؤكَل لا محالة. والسَّكَرُ: مصدر سمِّي به الخمر، وقيل: السَّكَرُ النَّبيذُ. ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ كالتَّمر والزَّبيب والدِّبس والخلِّ (١) ونحوها، وفي عطفه على ﴿سَكَرًا﴾ تعريضٌ بكراهة الخمر، وأنَّه ليس بحسَنٍ (٢)، ورمزًا إلى أن السكر وإن كان مباحًا فهو مما يَحسُن اجتنابه، وهذا على ما قالوا: إن الآية نازلة قبل تحريم الخمر. قيل: لمَّا ميّز السكر من الرزق الحسن قال أكثر الصحابة ﵃: لو كان فيها خيرًا لم تميز عن الرزق الحسن، فامتنعوا عن شربها، ونزولُ الآية قبل تحريمها لا ينافي كونَها جامعةً بين العتاب والمنَّة، فإن المنافيَ لإباحتها هو العتاب في الآخرة لا العتاب (٣) في الدُّنيا الذي مرجعُه النَّهي الإرشادي. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: يستعملون عقولهم بالنَّظر والتَّأمُّل في الآيات. ولَمَّا قال في بدء الكلام: ﴿لَعِبْرَةً﴾ ناسبَ ختمه بـ ﴿يَعْقِلُونَ﴾ لأنَّه لا يَعتَبِرُ إلَّا ذوو العقول. (٦٨) - ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾. ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ الإيحاء إلى النَّحل: إلهامُها وإيداعها، دلَّ عليه حذاقتُها في صنعتها، وتدبيرِ أمرها، وترتيبِ مراتب عَمَلتها.

стр. 2514

﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾: بأنِ اتَّخذي، ويجوز أن تكون ﴿أنْ﴾ مفسِّرة؛ لأن في الإيحاء معنى القول، وتأنيث الضَّمير لأنَّ النَّحل جمعُ نحلةٍ. ﴿وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾: ما يعرشُ النَّاس ويرفعونه من سقوف البيت، وإنَّما ذُكِرَ بحرف التَّبعيض؛ لأنها لا تتَّخذ في كلِّ جبلٍ وكلِّ شجرٍ وكلِّ ما يعرشون، ولا في كلِّ مكانٍ منها. وليس المراد من بيتها: ما تبنيه لتُعسِّلَ فيه - كما توهَّمه مَنْ قال: وإنَّما سُمِّيَ ما تبنيه لتُعسِّل فيه (١) بيتًا تشبيهًا بالذي بناه الإنسان؛ لما فيه من حُسْنِ الصَّنعةِ وصحَّة القسمة، التي لا يَقوَى عليها حُذَّاق المهندسين إلَّا بآلات رفيعة وأنظار دقيقة، ولعلَّ (٢) ذكره للتَّنبيه على ذلك - بل ما تتَّخذه (٣) في الجبال وكُواها وفي متجوّف الأشجار وفيما يَعْرِش ابن آدم من السُّقوف. (٦٩) - ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. ﴿ثُمَّ كُلِي﴾ فيه إرشادٌ إلى العمل، فإنَّها تسوِّي البيوت أوَّلًا، ثم تأخذ في الجَرْس للعسل.

стр. 2515

﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ ﴿كُلِّ﴾ للتَّكثير (١)، كما في قوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] و ﴿مِنْ﴾ لابتداء الغاية. ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ﴾ التي ألهمك، راجعةً إلى بيوتك لا تضلِّين فيها، فإنَّها ربَّما أَبعدَتْ في طلب نجعتها إلى مواضعَ بينها وبين بيوتها فراسخ. ﴿ذُلُلًا﴾ جمع ذَلول، وهو حال من السُّبُل؛ أي: مذلَّلة، ذلَّلها الله تعالى وسهَّلها لك. ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا﴾ التفات من خطاب النَّحل إلى الغيبة؛ تصريفًا للخطاب إلى النَّاس؛ لأن الغرض الامتنانُ بالنِّعمة الجسيمة بين الغذائيَّة والدَّوائيَّة (٢) واللَّذة والشِّفاء عليهم، والاعتبارُ بحاله العجيبة، ولطفِ صنعتها التي تبهر العقول، والاستدلالُ بها على قدرة الصَّانع وكمالِ علمه وحكمته. ﴿شَرَابٌ﴾ يعني: العسل؛ لأنَّه ممَّا يُشْرَب. وفيه دلالة على ما هو (٣) المختار عند المحققِّين، مِنْ أنَّ النَّحل يأكل الأزهار والأوراق العطرة، فيستحيل في باطنها، ثم يقيء ادِّخارًا للشِّتاء. ومَنْ زعم أنَّ العسل نباتيٌّ محضٌّ، وقال: إنها تلتقط بأفواهها أجزاءً طَلِّيةً (٤) حلوةً صغيرة متفرِّقة على الأوراق والأزهار، وتضعها في بيوتها ادِّخارًا= لزمه أن يجعل البطون مستعارة لأفواه النَّحل، ويكون الأكل ترشيحًا لها.

стр. 2516

﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ أبيض وأحمر وأصفر وأزرق، بحسب لون النَّور أو سنِّ النَّحل. ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ لأنَّه من الأغذية الدَّوائيَّة، وقلَّ معجون لم يقع فيه. وإنَّما نكَّر ﴿شِفَاءٌ﴾ لأنَّ فيه شفاءً مّا لبعض الأمراض لا لكلِّها (١)، أو لتعظيم الشِّفاء الذي فيه. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فإنَّ مَن تَدبَّر اختصاص النَّحل بتلك العلوم الدَّقيقة والأفعال العجيبة حقَّ التَّدبُّر علم قطعًا أنَّه لا بُدَّ من قادرٍ حكيمٍ يلهمها ذلك ويحملها عليه. (٧٠) - ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾. ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ﴾ بآجالٍ مختلفةٍ. ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ﴾: يعادُ، عطف على محذوفٍ تقديره: فمنكم مَنْ يعجَّل وفاتُه ومنكم مَنْ يُرَدُّ، فالواو فصيحة. ﴿إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾: أخسِّه، يعني: الهرمَ الذي يشابه الطفوليَّة في نقصان العقل والقوَّة. ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ ليصير إلى حالةٍ شبيهة بحالة الطفوليَّة في النِّسيان وسوء الفهم.

стр. 2517

(كي): مصدريَّة ناصبة بنفسها الفعلَ بعدها، وهي ومنصوبها في تأويل المصدر مجرور باللَّام التَّعليليَّة المتعلقة بـ ﴿يُرَدُّ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ بمقادير أعمارهم ﴿قَدِيرٌ﴾ يميت الشَّابَ القويَّ، ويُبقي الشَّيخ الضَّعيف، وفيه دليل على أنَّ تفاوت أَجالِ النَّاس بتقدير قادرٍ حكيمٍ، وأمَّا أنَّه لا دخل فيه للاستعداد واقتضاء الطَّبع وسوء التَّدبير فلا دلالة عليه. (٧١) - ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾. ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ تقديم اسم الله تعالى للتَّخصيص؛ أي: الله تعالى فضَّل دون غيره بأن جعلكم متفاوتين في الرِّزق. ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾؛ أي: جُعل رزقهم أفضل من رزق غيرهم ﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ﴾: بمعطي رزقهم ﴿عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾: على مماليكهم فيسووهم بأنفسهم في المأكل والملبس. ﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾؛ أي: هم إخوانهم وأمثالهم، فحقُّهم أن يساووهم في ذلك، فالجملة لازمة للجملة المنفيَّة (١) ومقرِّرة لها، ويجوز أن تكون واقعة (٢) موقع الجواب، كأنَّه قيل: فما الذين فُضِّلوا برادِّي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فيستووا في الرِّزق، على أنَّه رَدٌّ وإنكارٌ على المشركين، فإنَّهم يشركون بالله تعالى بعض مخلوقاته في الألوهيَّة، ولا يرضون أن يشاركهم عبيدهم فيما أنعم الله عليهم، فيساوونهم فيه.

стр. 2518

﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾؛ أي: تلك التَّسويةُ شكرُ نعمة الله تعالى، فإذا لم تسوُّوهم بأنفسكم في ذلك فذلك هو كُفْران نعمة الله. أو: فما المُفضَّلون في الرِّزق برادِّي رزقهم على مماليكهم، فإنَّ رزقهم ما يأكلونه، بل نحن نرزق المماليك كما نرزق الموالي، فهم - أي: الموالي والمماليك - سواءٌ في رزق الله، فلا يحسبَنَّ (١) الموالي أنَّهم يرزقونهم، فإنَّه رزقي أجريتُه إليهم، ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ حيث ينسبون رزقَ مماليكهم إلى أنفسهم لا إلى الله، ويجحدون أنَّه مِن عندِ الله، والباء في (بنعمة الله) تحمل الجحود على الكفر حملَ النَّظير على النَّظير. وعلى الوجه الأوَّل: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾ جملة توبيخيَّة، والهمزة الدَّاخلة على الفاء التَّعقيبيَّة وتقديم ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ تقريرٌ للتَّوبيخ، وإنكار لفعلهم؛ أي: أبعدَ علمهم بأنَّ الله هو الرَّزاق، ووضوحِ دلائل ذلك بنعمة الله خاصَّةً يكفرون جاحدين لها، وعلى الوجه الثَّاني فالتَّوبيخ والإنكار إنَّما يكون في الجملة الأخيرة بالأصالة لا فيما قبلها. (٧٢) - ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾. ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾؛ أي: من جنسكم؛ لتأنسوا بها، وليكون أولادكم منهنَّ أمثالكم. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ لم يقل: (منها)؛ لاحتمال العود إلى الأنفس.

стр. 2519

﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾: جمع حافدة، وهو الذي يسرع في الخدمة والطَّاعة، قيل: المراد منهم البنون أنفسهم، والعطف لتغاير الوَصْفَين، وقيل: هم البنات، وفيه - أي: في التعبير عنهن بالحفدة دون البنات - تنصيصٌ على وجه الامتنان بالبنات، وهو أنهنَّ تخدمن في البيوت أتمَّ خدمة. وقيل: هم الأختان على البنات، وحينئذ يكون إشارة إلى أنَّ البنات من حيث أنهنَّ وصلةٌ بالأجانب نعمةٌ جليلةٌ. وقيل: هم الرَّبائب، وحينئذ يظهر وجه الاحتياج إلى قوله: ﴿مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾. وأمَّا الحمل على أولاد (١) الأولاد فيأباه تخصيص البنين بالذكر، فإنَّه حينئذ حقُّه التَّعميم أوَّلًا أيضًا. ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: بعضَها؛ لأن كلَّها إنما يكون في الجنة، والمراد: الأطعمة الشهية. ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهو أن الأصنام تنفعهم، أو أن من الطيبات ما يحرم عليهم كالبحائر والسوائب. ﴿وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ حيث أضافوها إلى غيره تعالى، وحرَّموا ما أحلَّ اللهُ لهم. وإقحام ﴿هُمْ﴾ بينَ قوله: ﴿وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ و ﴿يَكْفُرُونَ﴾ للتَّقوية المعاضِدة للتَّوبيخ والإنكارِ بالهمزة الواردة على فاء التَّعقيب؛ أي: أبعدَ وضوح دلائل بطلان ما يعتقدونه يؤمنون بذلك الباطل؟!

стр. 2520

ويجوز أن يكون لإبهام التَّخصيص مبالغةً، وكذا تقديم (بالباطل) و (بنعمة الله) على ما تعلَّقتا به (١). (٧٣) - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا﴾ من مطر ونبات، وهو مفعول ﴿رِزْقًا﴾ إن كان بمعنى المصدر، وبدلٌ منه إن كان بمعنى المرزوق، ويجوز أن يكون مصدرًا لـ ﴿يَمْلِكُ﴾ للتَّأكيد (٢)؛ أي: ما لا يملك رزقًا مّا شيئًا من الملك. ﴿مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ صلة للرِّزق إن كان مصدرًا، وصفةٌ له إن كان اسمًا. والتَّنوين في ﴿رِزْقًا﴾ و ﴿شَيْئًا﴾ للتَّحقير والتَّقليل، وفي إبدال ﴿شَيْئًا﴾ من ﴿رِزْقًا﴾ تقليلٌ آخر، وفي إيراد ﴿مَا﴾ دون (مِن) تحقيرٌ آخر. وفي التَّقييد بقوله: ﴿مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مبالغةٌ في نفي ملك الرزق عنها؛ أي: ما لا يملك (٣) رزقًا مّا في جهةٍ من جهات العالم، ولا في مكانٍ وقطر منه. ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ الضَّمير لـ ﴿مَا﴾؛ لأنَّه في معنى الإلهيَّة، وهو من الأفعال التي لا يُقدَّر لها مفعول وتُجعَل مطلقة كالفعل اللَّازم، والمراد: نفي الاستطاعة المطلقة؛ أي: لا يملكون أن يَرزقوا، ولا استطاعةَ لهم أصلًا؛ لأنَّهم أموات، وإنْ

стр. 2521

قُدِّرَ المفعول لدلالة القرينة - وهي مفعول ﴿يَمْلِكُ﴾ - عليه، فالمرادُ بالجمع بين نفي الاستطاعة والملك جميعًا التَّوكيدُ أو نفي الوقوع وإمكانهِ؛ أي: لا يملكون الرِّزق ولا يمكنهم أن يملكوه. ويجوز أنْ يكون الضَّمير للكفَّار؛ أي: ولا يستطيع هؤلاء الكفرة مع أنَّهم أحياء متصرِّفون عقلًا شيئًا من الرِّزق، فكيف بالجماد الذي لا حراك به ولا حِسَّ؟ (٧٤) - ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ نهيٌ عن الإشراك بالله في التَّشبيه على طريقة التَّمثيل؛ لأنَّ مَن يضربِ المَثَلَ شبَّهَ حالًا بحال وقصَّةً بقصَّة (١)، فجعل ضرب المثل مثلًا للإشراك والتَّشبيه، فكأنَّه قيل: ولا تشركوا بالله، وعدل إلى المُنزَل دلالة على التَّعميم في النَّهي عن التَّشبيه وصفًا وذاتًا. وفي لفظ ﴿الْأَمْثَالَ﴾ لمن لا مثال له أصلًا نعيٌ عظيمٌ على سوء فعلهم، وفيه إدماجُ أنَّ الأسماء توقيفيَّة، وهذا هو الظَّاهر؛ لدلالة الفاء، وعدم ذكر ضرب المثل منهم سابقًا. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ تعليلٌ للنَّهي عن الشِّرك ووعيا عليه؛ أي: إنَّ الله يعلم قبح ما تفعلون وكُنْهَه وعظمه، فهو معاقبُكم عليه بما يوازيه في العظم. ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ كُنْهَ ذلك وكُنْهَ عقابه، فلذلك اجترأتم عليه. ويجوز أن يراد بقوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا﴾ إلخ ظاهرُه، وهو النَّهي عن ضرب الأمثال لله

стр. 2522

تعالى، ويكون معنى التَّعليل: إنَّ اللهَ وحدَه يعلم كيف يضرب المثل له وأنتم لا تعلمون ذلك، وكأنه أريد المبالغةُ في أن لا يُلحِدوا في أسمائه تعالى وصفاته، فإنه إذا لم يجز ضرب المثل، والاستعارات يكفي فيها شَبَهٌ مّا، والإطلاق لتلك العلاقة كافٍ (١)، فعدمُ جواز إطلاق الأسماء من غير سبقِ تعليم منه تعالى وإثبات الصِّفات أولى وأولى، ثمَّ علَّمهم كيف يُضرب، فضرب مثلًا لنفسه ولمن عُبد دونه فقال: (٧٥) - ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾. ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ ﴿عَبْدًا﴾ بدل من ﴿مَثَلًا﴾. ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ (مَن) موصوفةٌ عُطفت على ﴿عَبْدًا﴾، أو موصولة. ﴿فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾ مثَّل ما أُشرك به بالمملوك العاجز عن التَّصرف مطلقًا، ومثَّل ذاته تعالى بالحرِّ الذي رزَقه الله مالًا كثيرًا، فهو يتصرَّف فيه وينفق منه كيف يشاء. وقيَّد العبد بالمملوك ليمتاز عن الحرِّ؛ فإنَّ العبد قد يطلق على الحرِّ باعتبار أنَّه عبد الله تعالى، وبقوله: ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ ليخرج عنه المكاتَب والمأذون، فإنَّهما يقدران على شيء (٢).

стр. 2523

ولا دلالة فيه على أنَّ المملوك لا يملك؛ لأنَّه لم يُجعل قسيمًا للمالك إلَّا بعد التَّقييد بقوله: ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾، والأصل في القيود الاحتراز، بل للمخالف - كمالك على ما قيل - أن يتمسَّكَ به بناء على هذا الأصل. ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾؛ أي: هل يستوي الأحرار والعبيد، فإذا كان هذان لا يستويان عندكم مع كونهما من جنس واحد ومشتركَين في الإنسانيَّة، فكيف تشركون بالله تعالى وتسوُّون به مَنْ هو مخلوقٌ له مقهورٌ بقدرته؟! ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾﴾: كلُّ الحمد له، لا يستحقُّه غيرُه، فضلًا عن العبادة؛ لأنَّه مولى النِّعم كلِّها. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فيضيفون (١) نعمَه إلى غيره ويعبدونه لأجلها، وكلمة ﴿بَلْ﴾ رَدٌّ لِمَا زعموه من استحقاق الأصنام للعبادة والشكر. (٧٦) - ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾؛ أي: لا نفعَ فيه من جهة القول، وقد سبق بيان (٢) معنى البَكَم، والفرقِ بينه وبين الخَرَس. ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ فلا يقع فيه من جهة الفعل أيضًا.

стр. 2524

﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ مع ذلك هو ثقل وعيال على مَن يلي أمره ويتولَّاه (١). ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ﴾: حيث ما يرسله مولاه في أمرٍ ﴿لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ بنجحٍ ونفعٍ، والتَّنكير للتَّقليل. ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾: ومَن (٢) هو مِنطيقٌ فَهِمٌ ذو كفايةٍ ورشد، يأمر النَّاس بالعدل لكونه جامعَ الفضائلِ كلِّها. ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ﴾: وهو في نفسه على طريقٍ ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ ودين قويمٍ؛ أي: كامل مكمَّل. كرَّر التَّمثيل لزيادة الكشف والإيضاح، وتصويرِ امتناع الاشتراك والتَّشبيه في صورتين محسوسَتَيْن؛ ليتمكَّن في نفس السَّامعين، واحتجَّ في كلِّ واحدٍ من المَثَلَيْن بامتناع الاشتراك والتَّسوية بين ممكنين متماثلين، مع اشتراكهما في الجنسيَّة والمخلوقيَّة على امتناع الاشتراك والتَّسوية بين الأصنام التي هي أخسُّ المخلوقات وأعجزُها وبينَ اللهِ تعالى الواجبِ بذاته الخالقِ القادرِ على الإطلاق. (٧٧) - ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: يختصُّ به تعالى علمُ ما غاب فيهما عن العباد. وقيل: يوم القيامة؛ فإنَّ علمه غائب عن أهل السَّماوات والأرض.

стр. 2525

وعلى هذا يكون العدول عن الضمير في قوله: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ﴾؛ أي: أمرُ قيامها في سرعة وقوعه، إلى الاسم الظَّاهر لِمَا فيه من التَّقوية للخبر. ﴿إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾: إلَّا كرَجْع (١) الطَّرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها، تمثيلٌ لأمرٍ آنيِّ الوقوع غير زمانيٍّ بأقلِّ ما يمكن (٢) أن يدرَك من الزَّمان، ولهذا قال: ﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾؛ أي: أسرع وأقصر زمانًا بأنْ يكون في مقدار نصف تلك الحركة؛ أو (٣) في آنِ ابتداء تلك الحركة؛ لأنَّ اللهَ تعالى يُحيي الخلائقَ دفعةً واحدةً، وما هو دفعيُّ الوجود يكون حدوثه في آنٍ، و ﴿أَوْ﴾ بمعنى: بل. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يقدر على أن يُقيم السَّاعة ويبعث الخلق في أسرع وقتٍ، كما قدر على إحيائهم متدرِّجًا. (٧٨) - ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. ثمَّ دلَّ على قدرته فقال: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ بيانٌ لعجزنا في الابتداء، يعني: لم تكونوا قادرين بأنفسكم على الخروج فأنا أخرجتكم، كما أنَّ قوله: ﴿لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ بيان لجهلنا فيه في موضع الحال؛ أي: غيرَ عالمين. وفيه دلالة على أنَّ الحركةَ للجنين غيرُ إراديَّةٍ.
следующие страницы →