← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

قُدِّرَ المفعول لدلالة القرينة - وهي مفعول ﴿يَمْلِكُ﴾ - عليه، فالمرادُ بالجمع بين نفي الاستطاعة والملك جميعًا التَّوكيدُ أو نفي الوقوع وإمكانهِ؛ أي: لا يملكون الرِّزق ولا يمكنهم أن يملكوه. ويجوز أنْ يكون الضَّمير للكفَّار؛ أي: ولا يستطيع هؤلاء الكفرة مع أنَّهم أحياء متصرِّفون عقلًا شيئًا من الرِّزق، فكيف بالجماد الذي لا حراك به ولا حِسَّ؟ (٧٤) - ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ نهيٌ عن الإشراك بالله في التَّشبيه على طريقة التَّمثيل؛ لأنَّ مَن يضربِ المَثَلَ شبَّهَ حالًا بحال وقصَّةً بقصَّة (١)، فجعل ضرب المثل مثلًا للإشراك والتَّشبيه، فكأنَّه قيل: ولا تشركوا بالله، وعدل إلى المُنزَل دلالة على التَّعميم في النَّهي عن التَّشبيه وصفًا وذاتًا. وفي لفظ ﴿الْأَمْثَالَ﴾ لمن لا مثال له أصلًا نعيٌ عظيمٌ على سوء فعلهم، وفيه إدماجُ أنَّ الأسماء توقيفيَّة، وهذا هو الظَّاهر؛ لدلالة الفاء، وعدم ذكر ضرب المثل منهم سابقًا. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ تعليلٌ للنَّهي عن الشِّرك ووعيا عليه؛ أي: إنَّ الله يعلم قبح ما تفعلون وكُنْهَه وعظمه، فهو معاقبُكم عليه بما يوازيه في العظم. ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ كُنْهَ ذلك وكُنْهَ عقابه، فلذلك اجترأتم عليه. ويجوز أن يراد بقوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا﴾ إلخ ظاهرُه، وهو النَّهي عن ضرب الأمثال لله

стр. 2522

تعالى، ويكون معنى التَّعليل: إنَّ اللهَ وحدَه يعلم كيف يضرب المثل له وأنتم لا تعلمون ذلك، وكأنه أريد المبالغةُ في أن لا يُلحِدوا في أسمائه تعالى وصفاته، فإنه إذا لم يجز ضرب المثل، والاستعارات يكفي فيها شَبَهٌ مّا، والإطلاق لتلك العلاقة كافٍ (١)، فعدمُ جواز إطلاق الأسماء من غير سبقِ تعليم منه تعالى وإثبات الصِّفات أولى وأولى، ثمَّ علَّمهم كيف يُضرب، فضرب مثلًا لنفسه ولمن عُبد دونه فقال: (٧٥) - ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾. ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ ﴿عَبْدًا﴾ بدل من ﴿مَثَلًا﴾. ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ (مَن) موصوفةٌ عُطفت على ﴿عَبْدًا﴾، أو موصولة. ﴿فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾ مثَّل ما أُشرك به بالمملوك العاجز عن التَّصرف مطلقًا، ومثَّل ذاته تعالى بالحرِّ الذي رزَقه الله مالًا كثيرًا، فهو يتصرَّف فيه وينفق منه كيف يشاء. وقيَّد العبد بالمملوك ليمتاز عن الحرِّ؛ فإنَّ العبد قد يطلق على الحرِّ باعتبار أنَّه عبد الله تعالى، وبقوله: ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ ليخرج عنه المكاتَب والمأذون، فإنَّهما يقدران على شيء (٢).

стр. 2523

ولا دلالة فيه على أنَّ المملوك لا يملك؛ لأنَّه لم يُجعل قسيمًا للمالك إلَّا بعد التَّقييد بقوله: ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾، والأصل في القيود الاحتراز، بل للمخالف - كمالك على ما قيل - أن يتمسَّكَ به بناء على هذا الأصل. ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾؛ أي: هل يستوي الأحرار والعبيد، فإذا كان هذان لا يستويان عندكم مع كونهما من جنس واحد ومشتركَين في الإنسانيَّة، فكيف تشركون بالله تعالى وتسوُّون به مَنْ هو مخلوقٌ له مقهورٌ بقدرته؟! ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾﴾: كلُّ الحمد له، لا يستحقُّه غيرُه، فضلًا عن العبادة؛ لأنَّه مولى النِّعم كلِّها. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فيضيفون (١) نعمَه إلى غيره ويعبدونه لأجلها، وكلمة ﴿بَلْ﴾ رَدٌّ لِمَا زعموه من استحقاق الأصنام للعبادة والشكر. (٧٦) - ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾؛ أي: لا نفعَ فيه من جهة القول، وقد سبق بيان (٢) معنى البَكَم، والفرقِ بينه وبين الخَرَس. ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ فلا يقع فيه من جهة الفعل أيضًا.

стр. 2524

﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ مع ذلك هو ثقل وعيال على مَن يلي أمره ويتولَّاه (١). ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ﴾: حيث ما يرسله مولاه في أمرٍ ﴿لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ بنجحٍ ونفعٍ، والتَّنكير للتَّقليل. ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾: ومَن (٢) هو مِنطيقٌ فَهِمٌ ذو كفايةٍ ورشد، يأمر النَّاس بالعدل لكونه جامعَ الفضائلِ كلِّها. ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ﴾: وهو في نفسه على طريقٍ ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ ودين قويمٍ؛ أي: كامل مكمَّل. كرَّر التَّمثيل لزيادة الكشف والإيضاح، وتصويرِ امتناع الاشتراك والتَّشبيه في صورتين محسوسَتَيْن؛ ليتمكَّن في نفس السَّامعين، واحتجَّ في كلِّ واحدٍ من المَثَلَيْن بامتناع الاشتراك والتَّسوية بين ممكنين متماثلين، مع اشتراكهما في الجنسيَّة والمخلوقيَّة على امتناع الاشتراك والتَّسوية بين الأصنام التي هي أخسُّ المخلوقات وأعجزُها وبينَ اللهِ تعالى الواجبِ بذاته الخالقِ القادرِ على الإطلاق. (٧٧) - ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: يختصُّ به تعالى علمُ ما غاب فيهما عن العباد. وقيل: يوم القيامة؛ فإنَّ علمه غائب عن أهل السَّماوات والأرض.

стр. 2525

وعلى هذا يكون العدول عن الضمير في قوله: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ﴾؛ أي: أمرُ قيامها في سرعة وقوعه، إلى الاسم الظَّاهر لِمَا فيه من التَّقوية للخبر. ﴿إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾: إلَّا كرَجْع (١) الطَّرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها، تمثيلٌ لأمرٍ آنيِّ الوقوع غير زمانيٍّ بأقلِّ ما يمكن (٢) أن يدرَك من الزَّمان، ولهذا قال: ﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾؛ أي: أسرع وأقصر زمانًا بأنْ يكون في مقدار نصف تلك الحركة؛ أو (٣) في آنِ ابتداء تلك الحركة؛ لأنَّ اللهَ تعالى يُحيي الخلائقَ دفعةً واحدةً، وما هو دفعيُّ الوجود يكون حدوثه في آنٍ، و ﴿أَوْ﴾ بمعنى: بل. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يقدر على أن يُقيم السَّاعة ويبعث الخلق في أسرع وقتٍ، كما قدر على إحيائهم متدرِّجًا. (٧٨) - ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. ثمَّ دلَّ على قدرته فقال: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ بيانٌ لعجزنا في الابتداء، يعني: لم تكونوا قادرين بأنفسكم على الخروج فأنا أخرجتكم، كما أنَّ قوله: ﴿لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ بيان لجهلنا فيه في موضع الحال؛ أي: غيرَ عالمين. وفيه دلالة على أنَّ الحركةَ للجنين غيرُ إراديَّةٍ.

стр. 2526

﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ خصَّهما بالذِّكْرِ - والمراد جميع الحواس - لأنَّهما أشرفها، والاعتبار والاستدلال بمدركاتها أكثرُ، كما خصَّ الصَّلاة والزَّكاة في مواضعَ من القرآن بالذِّكْرِ والمراد جميع العبادات؛ لأنَّهما أصلها. وتقديم ﴿السَّمْعَ﴾ لأنَّه أعمُّ نفعًا وأتمُّ، حيث يحصَّل به العلوم النَّقليَّة التي لا يتطرَّق فيها الغلط. ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾؛ أي: أنعم عليكم بهذه الآلات والقِوَى لتدركوا بالحواسِّ والمشاعر (١) الجزئيات، وتتنبَّهوا بالأفئدة لكلِّياتها، فتحصل لكم العلوم البديهيَّة، وتقدروا على اكتساب النَّظريَّات بها. والأفئدة من جموع القلَّة التي جرَتْ مجرى جموع الكثرة؛ إذ لم يَرِدْ في السَّماع غيرها. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: إرادةَ أنْ تشكروا نِعمَه الظَّاهرة والباطنة بالعمل بتلك العلوم، فترثوا العلوم الكشفيَّة، كما قال ﵇: "مَنْ عَمِلَ بما علم ورَّثه اللهُ تعالى علمَ ما لم يعلم" (٢)، فتكمُلوا وتَسْعَدوا. وإنَّما ذكر (٣) آلة العلم في مقام الامتنان والحثَ على الشكر دون آلة القدرة

стр. 2527

تعظيمًا للعلم، وتنبيهًا على أنَّ المقصود من خلق ابن آدم - بل من إيجاد العالم - هو العلمُ، على ما عُلم من قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]؛ أي: ليَعْرِفون، ومن قوله ﵇: "كنت كنزًا مخفيًّا فأحببْتُ أنْ أُعْرَفَ … " الحديث (١). (٧٩) - ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ﴾: جمع طائر ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾: مُذلَّلاتٍ للطَّيران بما خُلِقَ لها من الأجنحة وهُيِّئ لها من الأسباب الموافقة لذلك. ﴿فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾: في الهواء المرتفع من الأرض. وفي إضافته إلى ﴿السَّمَاءِ﴾ إظهارٌ لجهةِ لطافته تقويةً لمعنى التَّسخير. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ فيه ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ فإنَّ ثقِلَ أجسادها يقتضي السُّقوط، ولا علاقة فوقها، ولا دعامة تحتها تمسكها، فلا مُمْسِكَ إلَّا الله تعالى بقدرته. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ تسخير الطَّير للطيران بأنْ خلقها خلقةً يمكِن معها الطَّيران، وخلق الجوَّ بحيث يمكِن الطَّيران فيها، وإمساكها مع ما فيها من الثِّقَل في الهواء مع غاية لطافته على خلاف طبعها. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ خصَّهم بتلك الآيات لأنَّهم هم المنتفِعون بها.

стр. 2528

(٨٠) - ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾. ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ التي تبنونها من الحجر والمدر ﴿سَكَنًا﴾ فَعَلٌ بمعنى مفعولٍ، وهو ما يُسْكَن فيه أو إليه مِنْ مَسْكن أو مَأْلف. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ﴾ إنَّما أعاده لأنَّ الامتنان هنا بنوع آخر من النِّعمة. ﴿مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ التَّنكير للتَّنويع؛ أي: نوعًا غريبًا منها، وهي (١) القِباب المُتَّخذة من الأُدُم، ولا حاجة إلى أن يُتكلَّف في تعميمها المُتَّخذة من الوبر والصَّوف والشَّعر؛ لاندراجها فيما يأتي بُعَيد هذا. ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا﴾: تجدونها خفيفةً، يخفُّ عليكم حملُها ونقلها. ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ الظَّعن بفتح العين وتسكينها: الارتحال. ﴿وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾: وقتَ نزولكم وإقامتكم في مسائركم، لم يثقل عليكم ضربها ونقضها، أو يوم قراركم في منازلكم، والأوَّل أولى؛ إذ ظهور المِنَّة في خفَّتها في السَّفر أتمُّ وأظهر. ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ الصَّوف للضَّأن، والوبر للإبل، والشَّعر للمعز، والكنايات راجعة إلى الأنعام، والفصل بما للإبل بينَ ما للضأن وما للمعز لأنَّه أكثر استعمالًا في السَّفر والحضر. ﴿أَثَاثًا﴾؛ أي: أمتعةً وثيابًا تصلح للسَّفر والحضر، منها ما يُلبَس، ومنها ما يُفْرَش، ومنها ما ينصب كأخبية الشَّعر واللبد.

стр. 2529

﴿وَمَتَاعًا﴾ المتاع: ما يُنتفع به ويُتَّجر. ﴿إِلَى حِينٍ﴾: إلى أن تَبلى وتَفنى، أو: إلى أن تقضوا منها أوطاركم. والتَّنوين للتَّعظيم، والإشارةِ إلى أنها تبقى مُدَّةً مديدة، أو للإبهام لأنَّه غير معيَّن؛ أي: مدَّة مّا من الزَّمان غير معلومة. (٨١) - ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾. ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ﴾ شرَع في الامتنان بنعمةٍ خالصة عن شَوْب الكسب، ولهذا أعاد الإسناد إلى ظاهر اسم الله تعالى. ﴿مِمَّا خَلَقَ﴾ في السَّماء كالسَّحاب المظلم على ما ذُكِرَ (١) في قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ﴾ [الأعراف: ١٦٠] (٢)، أو في الأرض كالجبل والشجر. ﴿ظِلَالًا﴾: ما يُستظلُّ، لَمَّا كانت بلاد العرب عليها الحرُّ المفرِط امتنَّ عليهم بما يتَّقون به من حرِّ الشَّمس، وفيه نوعُ تمهيدٍ لتخصيص الحرِّ بالذِّكر فيما سيأتي (٣). ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾: مواضعَ تستكنُّون بها، من الكهوف والغيران. الإنسان إمَّا مقيم أو مسافر، والمسافر إمَّا غنيٌّ يستصحِب معه ما يستظلُّ به

стр. 2530

ويكنُّ به (١)، أو فقير لا يقدر عليه، فامتنَّ على الأوَّل بقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾، وعلى الثَّاني بقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾، وعلى الثَّالث بقوله: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ﴾ من القطن والكَتَّان والصُّوف، جمع سربال. قال الزَّجَّاج: كلُّ ما لبستَه فهو سربال (٢). ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ اقتصر عليه لكون البرد في بلادهم يسيرًا محتمَلًا، أو اكتفى بأحد الضِّدَّين عن الآخر، وتخصيص الحرِّ بالذِّكر لما أشارَ إليه من كون وقاية الحرِّ أهمُّ عندهم. ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ يعني: الدُّروع والجواشن. ﴿كَذَلِكَ﴾ كإتمام هذه النِّعم التي تقدَّمَتْ ﴿يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾: تنظرون في نعمه الفائضة عليكم، فتؤمنون به، وتنقادون له. وقرئ: (تَسْلَمُون) بفتح التَّاء (٣) من السَّلامة؛ أي: تشكرون نعمه فتَسْلَمون مِن نِقَمه، أو تَسْلَم قلوبُكم من الشِّرك، أو تَسْلَمون مِنَ الجِراح بلبس الدُّروع. (٨٢) - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ يحتمل أنْ يكون ماضيًا على الالتفات؛ أي: فإن أعرضوا عن

стр. 2531

الإسلام، ويحتمل أن يكون مضارعًا؛ أي: فإنْ تتولَّوا، وحُذفَتِ التَّاء، ويكونُ جاريًا على الخطاب السَّابق. ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: فلا يضرُّك فإنَّما عليك البلاغ، وقد بلَّغْتَ، فهو من باب إقامة السَّبب مقام المسبَّب، فإنَّ البلاغ سببُ العذر، وكونه معذورًا كنايةٌ عن عدم التَّضرُّر من جهة الرِّسالة. (٨٣) - ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾. ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ يعرف المشركون نعمةَ الله مِن التي عدَدْناها وغيرِها حيث يعترفون بها وأنَّها مِنَ الله. ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ بعبادة غير المُنْعِم بها، وبقولهم: هي من الله لكنْ بشفاعة آلهتنا، أو بنسبتها إلى مَن أجراها الله تعالى على يده. وقيل: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾: نبوَّة محمَّد ﷺ ، عرفوها بالمعجزات، ثم أنكروها عنادًا، و ﴿ثُمَّ﴾ مستعارٌ لاستبعاد الإنكار بعد المعرفة (١). ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾: الجاحدون عنادًا، وإنَّما قال: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ﴾ لأنَّ فيهم مَن لم يكن معاندًا، بل جاهلًا لم يعرف الحق، لنقصان عقله، أو تفريطه في النَّظر، أو لأنَّ فيهم مَن لم تقم عليه الحُجَّة، لأنَّه لم يبلغ حدَّ التَكليف، وعلى هذا يكون الكافر على إطلاقه، وعلى كلَا التَّقديرَيْن لا مساغ لحمل الأكثر على معنى الكلِّ.

стр. 2532

(٨٤) - ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾. ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾: يشهد لهم وعليهم بالإيمان والكفر، وهو نبيُّهم. ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في الاعتذار؛ أي: لا عُذْرَ لهم، فَدَلَّ بانتفاء الإذن على انتفاءِ العذر. و ﴿ثُمَّ﴾ (١) مستعارٌ لغاية البُعْدِ بينَ تهنئتهم بشهادة الرُّسل ﵈ وبين بليَّتهم بانتفاء الإذن في الكلام؛ لما فيها من الإقناط الكلِّي عن العفو والغفران بالمنع من الاعتذار والإدلاء بحجَّةٍ أو شبهة. ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ الاستعتاب: طلبُ الرِّضا وإزالة الغضب، من العُتْبَى (٢)، وهو الرِّضا؛ أي: لا يُطلب منهم إرضاء الرَّبِّ؛ لأنَّ الآخرة دار الجزاء لا دار العمل. و (يومَ) منصوب بمحذوف؛ أي: ويوم نبعث وقعوا فيما وقعوا فيه، أو: كان ما لا يدخل تحت الوصف، أو واذكر يوم نبعث. (٨٥) - ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾. وكذا: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ﴾؛ أي: حاقَ بهم ما حاقَ، أو: شَقَّ عليهم، ونحو ذلك.

стр. 2533

﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾؛ أي: العذاب ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾؛ أي (١): يمهَلون. (٨٦) - ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ﴾: أوثانَهم التي دعَوها شركاء، أو الشياطين الذين شاركوهم في الكفر بالحمل عليه. ﴿قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ﴾: نعبدهم، أو نطيعهم، وهو اعتراف بكونهم مخطئين في ذلك، أو التماس لأنْ يُشطر عذابهم. ﴿فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ﴾، أي: أجابوهم بقولهم: ﴿إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في أنَّنا شركاء الله، أو في دعوى عبادتنا، ولا يمتنع إنطاق الله الأصنام (٢) حينئذٍ، أو في أنهم حملوهم على الكفر وألزموهم إيَّاه، كقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢]. (٨٧) - ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. ﴿وَأَلْقَوْا﴾؛ أي: وألقى الذين ظلموا ﴿إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾: الاستسلامَ لحكمه بعد الاستكبار في الدُّنيا. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾: ضاع عنهم وبطل ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من أنَّهم شركاءُ الله، وأنهم يشفعون لهم وينصرونهم حين كذَّبوهم وتبرَّؤوا منهم.

стр. 2534

(٨٨) - ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: مَنعوا عن الإسلام وحَملوا على الكفر. ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ المُسْتَحَقِّ بكفرهم. ﴿بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾: بكونهم مفسدين بصدِّهم. * * * (٨٩) - ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾. ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ﴾؛ يعني: نبيَّهم. ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: من جنسهم، ومَنْ وَهَمَ أنَّ نبيَّ كلِّ أمَّة كان منهم فقد وهِم، وهذا القيد لم يُذْكَر فيما سبق؛ لدلالة ﴿مِنْ﴾ عليه. ﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾: يا محمَّدُ ﴿شَهِيدًا﴾: يشهد ﴿عَلَى﴾ صدق ﴿هَؤُلَاءِ﴾ الشُّهداء، لعلمك بعقائدهم، واستجماع شرعك مجامعَ قواعدهم، وأمَّا كونه ﵇ شهيدًا على أمَّته فقد عُلِمَ ممَّا تقدَّم. ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ استئنافٌ، أو حالٌ بإضمار (قد). ﴿تِبْيَانًا﴾: بيانًا بليغًا ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ عبارة (كلّ) للتَّكثير والتَّفخيم، لا للإحاطة والتَّعميم، كما في قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]. وما قيل: من أمور الدِّين على التَّفصيل، أو الإجمال بالإحالة إلى السُّنَّة

стр. 2535

والقياس، فيأباه ما في التِّبيان من المبالغة في البيان، ثمَّ إنَّ قوله: (من أمور الدِّين) تخصيصٌ، لا يساعده الكلام، ولا يقتضيه المقام. ﴿شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى﴾: بشارةً (١) ﴿لِلْمُسْلِمِينَ﴾ متعلِّق بـ ﴿وَبُشْرَى﴾، ومن حيث المعنى متعلِّق بـ ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ أيضًا؛ لقوله تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٣]. * * * (٩٠) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ بمراعاة الوسط بين الأطراف، وسلوكِ طريق الوسط بين طرفي الإفراط والتَّفريط، فهو جماع الفضائل كلِّها، الشاملُ للحكمة المتوسطة بين البلاهة والدَّهاء، والشجاعةِ المتوسطة بين الجبن والتَّهوُّر، والعفَّة المتوسطة بين التَّنزُّه وخور الشَّهوة (٢). فمن الحكمة: اعتقادًا؛ كالتَّوحيد المتوسط بين التَّعطيل والتَّشريك، والقول (٣) بالكسب المتوسِّط بين محضِ الجبر والقدر.

стр. 2536

وعملًا؛ كالتَّعبُّد بأداء الواجبات المتوسِّط (١) بين البطالة والتَّرهب، والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر المتوسط بين المداهنة والعنف في الأمور الدِّينيَّة. وخُلُقًا؛ كالتَّواضع المتوسِّط بين الضّعة والتَّكبر، والجود المتوسِّط بين البخل والتَّبذير، والقناعة المتوسِّطة بين الحرص والقعود عن طلب الضَّروري من المعاش. ولَمَّا كانت مراعاة العدل (٢) في غاية الصُّعوبة شفَعه بالإحسان بقوله: ﴿وَالْإِحْسَانِ﴾ ليتدارك به ما فات من العدالة احتياطًا؛ فإنَّ العدلَ هو القيام بالواجب في كلِّ شيءٍ، والإحسانَ هو النَّدب، والانحرافُ عن سمة العدالة الذي هو الطَّريق المستقيم لأحد الجانِبَين قد يكون إلى جانب التَّفريط أحسن وإلى جانب (٣) الإفراط، فالإحسان هو الإتيان بالحسن، والمحافظةُ على جانبه (٤)؛ كالميل إلى التَّنزيه في الاعتقاد، والتَّطوعِ بالنَّوافل في الأعمال باعتبار الكميَّة، والزِّيادةِ في الإخلاص بالإخفاء باعتبار الكيفيَّة، والميلِ إلى الصَّلابة التي (٥) هي الحميَّة الدِّينيَّة في الشَّجاعة، وإلى الضَّعة والصَّفح دون الانتقام فيما يتعلَّق بحقِّ نفسه فيها، وإلى الإفراط في الجود، وإلى التفريط في كلِّ ما سواه من خصال العفَّة، ولهذا نهى عن الإفراط في متابعة الشَّهوة وهي الفحشاء. ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾: وإعطاءِ الأقارب ما يحتاجون إليه، وهو تخصيصٌ

стр. 2537

بعدَ التَّعميم للاهتمام به؛ تنبيهًا على فضل هذه الخصلة من بين خصال العدل والإحسان، وكذا الرَّذائل الثَّلاث المذكورة (١) بعدها، فإنَّ المنهيَّ (٢) منها داخل في الأمر بالعدل، وخُصَّتْ (٣) بالذِّكْرِ والنَّهي عنها بالانفراد؛ تنبيهًا على قُبْحها، وكونها في غاية الرَّذالة، ألا ترى أنَّ البغي هو الظُّلم المنافي لصريح العدل، فلا (٤) يفيد ذكره إلَّا التَّأكيدَ والمبالغة في التَّحذير. ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾ عن الإفراط في متابعة القوَّة الشَّهوانيَّة كالزِّنا والحرص. ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾؛ أي: ما يُنْكَر شرعًا أو عقلًا من إفراط القوَّة الغضبيَّة. ﴿وَالْبَغْيِ﴾؛ أي: الاستعلاءِ والتَّجبُّر على النَّاس والاستيلاءِ، وهو من تسلُّط القوَّة الوهميَّة على العاقلة التي يتولَّد منها (٥) الشَّيطنة؛ فتارةً يغلب الغضب ويحدث الاستكبار، وتارة يميل إلى الإفراط في باب الحكمة فتحدث الجربزة (٦) والمكر والتَّفرعُن (٧)، وتارة تغلب الشَّهوة فتورِث النَّهب وسلب الأموال وغصب حقوق النَّاس، وكلها تنافي العدالة. ولا يوجد من الإنسان شرٌّ إلَّا وهو داخل في هذه الأقسام الثلاثة (٨) بتوسُّط

стр. 2538

إحدى هذه القوى الثَّلاث، ولذلك قال ابن مسعود ﵁: هي أجمع آية في القرآن للخير والشَّرِّ (١). وصارت سببَ إسلام عثمان بن مظعون ﵁ (٢). ولو لم يكن في القرآن إلَّا هذه الآيةُ لكفى به تبيانًا لكلِّ شيءٍ وهدً ى ورحمةً وبشرى للمسلمين. ولأمرٍ ما عقَّب قوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ بها. ﴿يَعِظُكُمْ﴾ بالأمر والنَّهي، والميْزِ بين الخير والشَّرِّ، حال من فاعل ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾، أو من مفعوله، أو منهما جميعًا، أو خبر ثانٍ؛ لـ ﴿إِنَّ﴾. ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾: تتَّعظون. * * * (٩١) - ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾. ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾: هي البيعة لرسول الله ﷺ على الإسلام في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]. ﴿إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾؛ أي: اثبُتوا على ما عاهدتم الله عليه، وبايعتُم به رسول الله ﷺ بالأيمان التي تحلفون بها.

стр. 2539

﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾؛ أي: لا تنكثوها بالحِنث بعد إحكام عقدها على أنفسكم بذكر الله تعالى. ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾: شاهدًا ورقيبًا؛ لأنَّ الكفيلَ شاهدٌ بحال المكفول به رقيبٌ عليه. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ في نقض الأيمان والعهود، وعيدٌ. * * * (٩٢) - ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾: ما غزلتْه، مصدرٌ بمعنى مفعول. ﴿مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ تعلِّق بـ ﴿نَقَضَتْ﴾؛ أي: نقضَتْ غزلها بعدما أبرمته وأحكمته. ﴿أَنْكَاثًا﴾: طاقاتٍ، نكثت فَتْلها، جمع نَكْثٍ، وهو ما نُقِضَ فتلُه. وانتصابه على الحال من ﴿غَزْلَهَا﴾، أو المفعولِ الثَّاني لـ ﴿نَقَضَتْ﴾ لتضمُّنه معنى: صيَّرتْ، ولا يجوز انتصابه على المصدريَّة؛ لأنَّ النكث اسمٌ لا مصدرٌ، والمراد: تشبيه النَّاقض بمن هذا شأنه، وهي ريطةُ بنت سعد بن تيمٍ (١) القُرشيَّة، فإنَّها كانت خرقاءَ تفعل ذلك (٢). ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾: حال من الضَّمير في ﴿وَلَا تَكُونُوا﴾.

стр. 2540

﴿دَخَلًا﴾ ثاني مفعولٌ تتخذ، أي: متَّخذيها دخَلًا، أي: مَفْسدةً ودخلًا، وأصله: ما يدخل الشَّيءَ ولم يكن منه. ﴿أَنْ تَكُونَ﴾ بسبب أن تكون ﴿أُمَّةٌ﴾؛ أي: جماعة قريش ﴿هِيَ أَرْبَى﴾: أزيدُ عددًا وأوفرُ مالًا ﴿مِنْ أُمَّةٍ﴾؛ أي: جماعة المؤمنين. ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ الضَّمير لقوله: ﴿أَنْ تَكُونَ﴾ (١)؛ لأنَّه في معنى المصدر؛ أي: إنما يختبركم بكونكم أربى؛ لينظرَ أتُوْفون بعهد الله وما عقدتم على أنفسكم من أيمان البيعة لرسول الله ﷺ كون به، أم تغترُّون بكثرة قريش وثروتهم وتخافون من قلَّة المؤمنين وفقرهم فتنقضون. كانت قريش إذا رأت شوكةً وقوَّة في أعادي حلفائهم غدروا وحالفوا أعداءهم، فنُهي المؤمنون عن عادتهم في الغدر (٢). ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ إذا جازاكم على أعمالكم بالثَّواب والعقاب. إنذار وتحذيرٌ من مخالفة ملَّة الإسلام (٣). * * * (٩٣) - ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً﴾: متَّفقةً على الإسلام. ﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ بالخذلان ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ بالتَوفيق.

стр. 2541

﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ سؤالَ تبكيتٍ ومجازاة. * * * (٩٤) - ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ تصريحٌ بالنَّهي، وتكريرٌ له، تأكيدًا عليهم، وإظهارًا لعِظَم المنهيِّ عنه، ومبالغةً في قبحه، ولهذا وحَّد ﴿قَدَمٌ﴾ ونكَّر في قوله: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ﴾ والمراد: فتزلَّ أقدامكم عن محجة الإسلام ﴿بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ عليها، تنبيهًا على أنَّ زللَ قدمٍ واحدٍ عظيمةٌ من العظائم (١)، فكيف بأقدام كثيرة؟! ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ﴾: العذابَ في الدَّنيا ﴿بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: بسبب صدودكم عن الوفاء، أو صدِّكم غيرَكم عنه، فإنَّ مَنْ نقضَ البيعة وارتدَّ جعلَ ذلك سُنَّة لغيره. ﴿وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ في الآخرة. * * * (٩٥) - ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ قد سبقَ تفسيرُه في (سورة البقرة)، والمراد هنا من الثَّمن القليل: ما يَعِدُه قريش لضعفاء المسلمين ويشرطون لهم على ارتدادهم. ﴿إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ مِن نصرِكم وتغنيمكم في الدُّنيا، والتوابِ الجزيل في الآخرة. ﴿هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مما يَعِدونكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: إنْ كنتم من أهل العلم والتَّمييز.

стр. 2542

(٩٦) - ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿مَا عِنْدَكُمْ﴾ من أعراض الدُّنيا ﴿يَنْفَدُ﴾ وينقضي (١). ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ من الثَّواب الموعود المدَّخر في خزائنه (٢) لكم ﴿بَاقٍ﴾: لا يزولُ، وهو تعليلٌ للحكم السَّابق، ودليل على أنَّ نعيمَ الجنَّة باقٍ. ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ﴾ على أذى الكفَّار ومشاقِّ التَّكاليف ومرارة الفاقة. ﴿بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بما ترجَّح فعلُه على تركه كالواجبات والمندوبات، وما ترجَّح تركه على فعله ممَّا تركوا (٣) كالمحرَّمات والمكروهات. والتَّعبير بالعمل عن الكلِّ للتَّنبيه على أنَّ التَّركَ إنَّما يُثابُ عليه إذا قارنه عمل القلب، وهو النِّيَّة والقصدُ إلى الامتثال بالانتهاء عمَّا نهي عنه، وفي عبارة الصبر نوع إشارة إليه. وفي الآية دلالةٌ (٤) على أنَّ المباح حسن، وأنَّه لا يثاب عليه. وعبارة (كان) للدِّلالة على أنَّ المباح لا يَستحق الأجر وإنْ وُجِدَ الاستمرار عليه، فكيف إذا وُجِدَ نادرًا؟! * * *

стр. 2543

(٩٧) - ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ بيَّن ﴿مَنْ﴾ لإبهامه، وكونهِ ظاهرًا في الذكور لو لم يبيَّن، ففسِّر بهما ليعمَّ الموعدُ (١). وإنما قال: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ إذ لا اعتداد بأعمال الكفرة (٢)، لا في استحقاق الثَّواب ولا في تخفيف العقاب؛ لأنَّه يُجعل هباءً منثورًا، بدلالة نصِّ الكتاب، هذا ما عندي، والله أعلم بالصواب (٣). ثم العمل الصالح لا يكون إلَّا للمؤمن، فزيادةُ القيد المذكور لبيان أنَّ المعنى: مَن عمل صالحًا في الحال، وَهُوَ مُؤْمِنٌ في المآل؛ لأنَّ اعتبارَ (٤) صفاء الحال بوفاء المآل، والأمورُ بخواتيمها. ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ في الدُّنيا يعيش عيشًا طيِّبًا؛ لأن المؤمن الصالح إن كان موسرًا فظاهر، وإن كان معسرًا يطيب عيشه (٥) بالقناعة، والرِّضا بالقسمة، وتوقُّعِ الأجر العظيم في الآخرة، والفاجر بالعكس؛ فإنَّه إن كان معسرًا فظاهر، وإن كان موسرًا فلا يدعه الحرص وخوف العواقب أن يتهنَّأ بعيشه. وإنَّما قلنا: إنه في الدُّنيا؛ لدلالة قوله:

стр. 2544

﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ يعني: في الآخرة عليه، وليس بتكرارٍ؛ لأنَّ الأوَّل في حقِّ الذين عاهدوا رسول الله ﷺ فحفظوا، وهذا في كلِّ مَنْ آمن وعمل صالحًا. * * * (٩٨) - ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾؛ أي: إذا أردْتَ قراءته، وإطلاق الفعل على إرادته مِن قَبِيْلِ إطلاق المسبَّب على السَّبب مجازًا؛ لملابسته له ولزومه إيَّاه غالبًا، ودليل المجاز السُّنَّة المستفيضة، وأما الفاء فلا دلالة فيها عليه (١)، وإنَّما دلالتها على تأخير المراد بمدخولها (٢) عن (٣) المعنى المراد بـ ﴿قَرَأْتَ﴾ (٤)، وإجماعُهم على صحَّة هذا المجاز قد دلَّ على أنَّ وجود القرينة المانعة عن إرادة الحقيقة ليس بشرط فيه (٥). ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾: فاسأل اللهَ أن يعيذك من وساوسه؛ لئلا يوسوسك في القراءة. والجمهور على أنَّه للاستحباب، ولا دلالة فيه على أن المصلِّي يستعيذ في كلِّ

стр. 2545

ركعة بناء على أن الحكم المترتب على الشَّرط يتكرَّر بتكرُّره؛ لأنَّ ما يقع في خلال الصَّلاة من القراءات في حكم قراءة واحدة، ولهذا لا تُستَحبُّ الحمدلة والبسملة عند الشروع لكلِّ فعلٍ من أفعال الصلاة. قيل: تعقيبه لذكر العمل الصالح والوعدِ عليه إيذانٌ بأن الاستعاذة عند القراءة من هذا القَبيل. ولا يذهبْ عليك أن الأمر الاستحبابي أغنى عن هذا الإيذان. والأولى أن يقوله: (أستعيذُ بالله) ليوافق القرآن، ويقرُبُ منه: (أعوذ بالله) كذا قالوا، ويردُّه ما رُوِيَ عن ابن مسعود أنه قال: قرأت على رسول الله ﷺ فقلت: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال: "قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هكذا أقرأنيه جبريل ﵇، عن القلم، عن اللَّوح المحفوظ" (١). * * * (٩٩) - ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ﴾: تسلُّطٌ وولاية ﴿عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فإنَّهم لا يطيعون أوامره، ولا يقبلون وَساوِسَه إلَّا فيما يحتقِرون على ندور (٢) وغفلة، ولذلك أمروا بالاستعاذة.

стр. 2546

ولما ذكرها عقَّبها بسلب (١) سلطانه، لئلا يُتوهَّم أنَّ له سلطةً (٢) عليهم: (١٠٠) - ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾. ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾: على مَن يتولَّاه ويطيعه دون غيره. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ﴾: بالله تعالى، أو بسبب الشَّيطان ﴿مُشْرِكُونَ﴾ لأنَّه هو الذي حملهم على الإشراك بالله. * * * (١٠١) - ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾: نسخنا آيةً بآيةٍ، فجعلنا النَّاسخة مكان المنسوخة لفظًا أو حكمًا. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ في باب المصالح، فإنَّ الشَّرع صلاح حال العباد بحسب المعاش والمعاد، وما يكون مصلحةً في وقت يصير مفسدةً في وقت آخر وبالعكس، والله أعلم بمصالح الجمهور منهم، فينزِّل في كلِّ وقت ما هو صلاح ذلك الوقت، وينسخُ به ما كان صلاحَ الوقت الماضي، وقد تغيَّر في الوقت الآتي إلى مفسدةٍ، فوجدوا مدخلًا للطَّعن لجهلهم بحكمة النَّسخ. ﴿قَالُوا﴾؛ أي: الكفرة: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ متقوِّلٌ على الله، تأمر بشيء، ثم يبدو لك فتنهى عنه، نسبوا إليه ﵇ الافتراء بأنواع من المبالغة والتَّغليظ، وهي الحصر والخطاب، واسمِ الفاعل الدَّالِّ على الثُّبوت والاستقرار.

стр. 2547

وهو جواب ﴿وَإِذَا﴾، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ اعتراضٌ لتوبيخ الكفَّار على قولهم، والتَّنبيهِ على فساد سندهم (١)، ويجوز أن يكون حالًا. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿بَلْ﴾ إضراب عن الافتراء الذي نسبوه إليه، وما بعده تأكيدٌ للاعتراض (٢) والتَّوبيخ بأنَّهم جاهلون بحكمةِ الأحكام، لا يميِّزون بينَ الخطأ والصَّواب. وإنما قال: ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾؛ لأنَّ منهم مَن يعلمها لكن ينكرها عنادًا. * * * (١٥٢) - ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾. ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾؛ يعني: جبريل؛ أي: الرُّوح المطهَّر من ألواثِ البشريَّة، وإضافةُ الرُّوح إلى القدُس - وهو الطُّهر - كإضافة حاتم إلى الجود في قولهم: حاتم الجود (٣)؛ للمبالغة في ذلك الوصف، كأنَّه طبع منه. وفي ﴿يُنَزِّلُ﴾ و ﴿نَزَّلَهُ﴾ من معنى التدريج في الإنزال على حسب المصالح ما يُشعر بأن التَّبديل إنَّما هو لرعاية المصالح التي فأتت لو أُنْزِلَتْ دفعةً. ﴿مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ ملتبِسًا بالحكمة. ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ باعتقادِ أنَّه الحقُّ من ربهم، فإنَّهم إذا لم يتشوَّش

стр. 2548

اعتقادهم بالنَّسخ وتيقَّنوا أنَّه مقتضَى حكمته، وعلموا أنَّ النَّاسخ هو الذي فيه صلاح الحال دون المنسوخ، ثبتَتْ أقدامهم ورسخَتْ عقائدهم واطمأنَّتْ قلوبُهم. ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ المنقادين لحكمه، وهما مفعولٌ لهما معطوفان على محلِّ ﴿لِيُثَبِّتَ﴾؛ أي: تثبيتاً لهم وإرشادًا وبشارةً. وفيه تعريضٌ بحصول أضداد هذه الخِصَال لمن سواهم من الكفَّار. * * * (١٠٣) - ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾. ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَر﴾ أرادوا جبرًا (١) الرُّوميَّ، وقيل: جبرًا وسمارًا (٢). ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ لغةُ الرَّجل الذي يُميْلون قولهم عن الاستقامة إليه، يقال: لَحَد وأَلحد: إذا مال عن القصد، ومنه: اللَّحد (٣). ﴿أَعْجَمِيٌّ﴾ غيرُ بَيِّنٍ ﴿وَهَذَا﴾؛ أي: هذا القرآن ﴿لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾: ذو بيانٍ وفصاحةٍ. والجملتان مستأنفتان، رَدٌّ لقولهم، وإبطال لطعنهم، وتقريرُه: أنَّ القرآنَ معجِزٌ

стр. 2549

بلفظه كما هو معجِزٌ بمعناه، فإنْ زعمتم أنَّ بشرًا يعلِّمه معناه، فكيف يعلِّمه (١) هذا الكلامَ الذي بذَّ كلَّ كلامٍ عربيٍّ في البيان والفصاحة، وهو أعجمي؟! وطعنُهم في القرآن بأمثال هذه الكلمات الرَّكيكة دليل على غاية عجزهم. * * * (١٥٤) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: الذين يعلمُ اللهُ منهم أنَّهم لا يؤمنون بها؛ أي: لا يصدِّقون أنَّها مِن عند الله تعالى. ﴿لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ إلى الحقِّ، أو إلى (٢) طريق النَّجاة في الدُّنيا. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة. هدَّدهم على كفرهم بالقرآن بعدما أماطَ شبهتهم ورَدَّ طعنهم فيه، ثمَّ قلب الأمر عليهم فقال: (١٠٥) - ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾. ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ لأنَّهم لا يخافون عقابًا يردعهم عنه. ﴿وَأُولَئِكَ﴾ إشارة إلى الذين كفروا، أو إلى قريش. ﴿هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ بالحقيقة، الكاملون في التكَذيب؛ لأنَّ التَّكذيب بآيات الله

стр. 2550

هو أعظم الكذب، أو: الذين عادتهم الكذب لا يبالون به في كلِّ شيء؛ إذ لا تردعهم (١) عنه مروءة ولا دين، أو: الكاذبون في قولهم: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ إلخ. * * * (١٠٦) - ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ بدلٌ من ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وما بينهما اعتراض، أو من ﴿وَأُولَئِكَ﴾، أو من ﴿الْكَاذِبُونَ﴾، أو مبتدأ خبره محذوف دلَّ عليه قوله: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾، أو منتصبٌ بالذَّم، أو مرتفعٌ على خبرِ مبتدأ مضمَرٍ على الذَّم، أو ﴿مِنَ﴾ شرطيَّة محذوفةُ الجواب، دلَّ عليه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ على الافتراء، أو كلمةِ الكفر، استثناءٌ متَّصل؛ لأنَّ الكفر لغةً يعمُّ القول والعقد، كالإيمان. ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ لم تتغيَّر عقيدتُه، جملةٌ حاليَّة، ولا دلالة فيه على انحصار الإيمان في التَّصديق القلبي. ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ﴾؛ أي: وسَّعه لقبول (٢) الكفر، مجازٌ عن الرِّضا وطيب الخاطر. ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ و التَّنكير للتَّعظيم، وقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ (٣) لأن الغضب من العظيم عظيمٌ.

стр. 2551

﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ إذْ لا أعظمَ مِنْ جُرْمِه. روي أنَّ قريشًا أكرهوا عمارًا ﵁، فأعطاهم بلسانه ما أرادوا مكرهًا، ولما أتى رسولَ الله ﷺ وهو يبكي قال: "ما لَكَ؛ إنْ عادوا لك فعُدْ لهم" (١). وهو دليلٌ على جواز التَّكلُّم بالكفر عند الإكراه، وإن كان الأفضلُ التَّجنُّبَ عنه، إعزازًا للدِّين. * * * (١٠٧) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى الكفر بعد الإيمان أو الوعيد ﴿بِأَنَّهُمُ﴾: بسبب أنَّهم ﴿اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾: آثروها عليها. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾: وبأنَ الله لا يهدي إلى الإيمان مَن حَقَّتْ عليه الضَّلالة، وعَلِمَ منهم الكُفْرَ؛ فإنَّ هذا هو السَّبب الحقيقيُّ، والأوَّل هو السبَّبُ العادي. * * * (١٠٨) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ قد سبق تفسيره في سورة البقرة.

стр. 2552

﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾: الكاملون في الغَفلة، الذين لا أحدَ أغفلُ منهم؛ لأن غاية الغفلة ومنتهاها: الغفلةُ عن تدبُّر العواقب. * * * (١٠٩) - ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. ﴿لَا جَرَمَ﴾ قد سبق تفسيره (١). ﴿أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: البالغون في الخسران؛ إذ ضيَّعوا أعمارهم وصرَفوها فيما أفضى بهم إلى العذاب المخلّد. * * * (١١٠) - ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ بالولاية والنَّصر ﴿مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾؛ أي: عُذِّبوا، كعمار ﵁. ﴿ثُمَّ﴾ مستعارٌ لتباعُد حال هؤلاء عن حال أولئك. ﴿ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا﴾ على الجهاد وما أصابهم على المشاقِّ. ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾: من بعد الهجرة والجهاد والصَّبر ﴿لَغَفُورٌ﴾ لما فعلوا قبلُ ﴿رَحِيمٌ﴾ يُنعم عليهم، مجازاةً على ما صنعوا بعدُ. * * *

стр. 2553

(١١١) - ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ﴾ منصوب بـ ﴿رَحِيمٌ﴾، أو بـ (اذكر). ﴿تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾: عن ذاتها؛ أي: كلُّ شخصٍ يسعى (١) في خلاص نفسه لا يهمُّه شأنُ غيرِه، كلٌّ يقولُ: نفسي نفسي. والمراد بالمجادلة: الاعتذارُ عنها بمثل قولهم: ﴿هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ [الأعراف: ٣٨]، ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]. ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾: جزاءَ ما عملَتْ. ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: لا يُعاقَبون بغير ذنبٍ، وأمَّا نقص الأجر فلا احتمالَ له بعد التَّوفية. * * * (١١٢) - ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ جعل اللهُ قريةً هذه صفتُها مثلًا لكلِّ قومٍ أنعمَ الله عليهم فأبطرتْهم النّعمة فكفروا فأبدلهم الله بالنِّعمة نقمةً، أو لمكَّةَ خاصَّة. ﴿كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾: لا يزعجُ أهلَها خوفٌ. ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا﴾: أقواتُها ﴿رَغَدًا﴾: واسعًا.

стр. 2554

﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ من نواحيها، ولفظة: ﴿كُلِّ﴾ للتَّكثير. ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾: بنِعَمه، جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتَّاء، كدِرْعٍ وأَدْرُعٍ، أو جمع نُعْم، كبُؤْسٍ وأَبْؤُسٍ. واختيار جمع القلَّة للتَّنبيه بالأدنى على الأعلى؛ يعني أنَّ كفران النِّعَم القليلة لَمَّا أوجبَ العذاب فكفرانُ النِّعَم الكثيرة أولى به (١). ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ لَمَّا تقدَّم ذِكْرُ الأمنِ وإيتاءِ (٢) الرِّزق قابلَهما بالجوع النَّاشئ عن انقطاع الرِّزق، وبالخوف، وقدَّم الجوع لِيَلِي المتأخِّرَ - وهو إتيانُ الرِّزق - كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦]. والإذاقة استُعيرت (٣) للإصابة، وإنَّما أوثرت عليها للدِّلالة على شدَّة التَّأثير التي تَفوت لو استعملَتِ الإصابة، والعلاقة: المشابهة بين المدرَك من أثر الضَّرر، والمدرَك من طعم المرِّ والبَشِع (٤). واللِّباس استُعير لِمَا غَشِيَ الإنسان من أثر الجوع والخوف، وهو ضررهُما، فالغاشي هو الضَّرر لا الجوع والخوف، وإلَّا لكان ﴿لِبَاسَ الْجُوعِ﴾ تشبيهًا على حَدِّ:

стр. 2555

لُجين الماء (١)، وحينئذ يتبيَّن وجه إيقاع الإذاقة على اللَّباس، إذ المعنى: فأذاقهم ما غشيَهم من ضرر الجوع والخوف. وبهذا التَّقرير ظهر وجه إيثار التَّجريد على التَّرشيح؛ لأنَّ الإذاقة تفيد ما لا تفيد الكسوة من زيادة التَّأثير الموجبة لقوَّة الإدراك، وأمَّا إيثار اللِّباس على الطَّعم فللدِّلالة على الشُّمول، وهذا أولى مِن حمل اللِّباسِ على انتقاع اللَّون ورثاثة الهيئة اللَّازمين للجوع والخوف؛ إذ حينئذٍ تكون الإصابةُ أبلغَ موقعًا (٢). قرئ: (والخوفَ) بالنَّصب (٣)؛ عطفاً على ﴿لِبَاسَ﴾، أو على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه؛ أي: ولباس الخوف. ﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾: بصنيعهم الذي استمرُّوا عليه، جرى هاهنا على ما هو المراد من القرية، وفيما تقدَّم على ظاهره (٤). * * * (١١٣) - ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾.

стр. 2556

﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ﴾ يعني: محمَّدًا ﵇، والضَّمير لأهل مكَةَ، عادَ إلى ذكرهم بعدما ذكرَ مَثلَهم. ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾: ما أصاب مِنَ الجَدْب الشَّديد، أو ضرب الحديد في حرب بدر. ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾: في حال التباسهم بالظُّلم. * * * (١١٤) - ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ أمرهم بأكل ما أَحلَّ لهم، وشُكر ما أَنعم عليهم، بعدما زجرهم عن الكفر، وهدَّد عليه (١) بما ذكر مِنَ التَّمثيل والعذاب الذي حلَّ بهم، صدًّا لهم عن صنيع الجاهلية ومذاهبهم الفاسدة. ومعنى الفاء في ﴿فَكُلُوا﴾: التَّسبيب، أي: إذا نُبِّهْتُم على سوءِ صنيعِ أهلِ القريةِ ووَخامةِ عاقبتِهم، وذُكِّرْتُم بالتَّمثيلِ، فاعتبِروا بحالِهم، وخذوا بضدِّ ما أنتم عليه من طريق الجاهلية، كيلا يحلَّ بكم مثلَ ما حلَّ بهم. وجُعل هذا الوصل ذريعةً إلى ما رُتِّبَ عليه مِن تعداد نوعٍ آخرَ من قبائحهم. وقد سبق في تفسير سورة البقرة ما يتعلَّق بهذا الكلام من وجوه الإعراب، وما في قوله: ﴿طَيِّبًا﴾ من الفائدة الزَّائدة. ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ إضافة النِّعمة إليه تعالى للتَّشريف، فإنَّ عبادته لا

стр. 2557

تَتمُّ إلَّا بالشُّكر على نعمه، فلا وجهَ لِمَا قيل: إنْ صَحَّ زعمُكم أنَّكم تقصدون بعبادة الآلهة عبادتَه؛ لأنَّ مبناه على اعتبار التَّخصيص في الشَّرط المذكور. ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ وتقديم المفعول لمحافظة الفاصلة؛ إذ لا دخل لمعنى التَّخصيص في التَّعليق. * * * (١١٥) - ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قد سبق تفسيره في سورة البقرة وسورة الأنعام. لَمَّا أمرهم بتناول ما أحلَّ لهم عدَّد عليهم حرماته (١)؛ ليعلموا أنَّ ما عدَاها حِلٌّ لهم، ثمَّ أكَّد ذلك بالنَّهي عن التَّحريم والتَّحليل بأهوائهم فقال: (١١٦) - ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾. ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ كما قالوا: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ الآية [الأنعام: ١٣٩]. ومقتضى سياق الكلام وتصدير الجملة بـ ﴿إنَّمَا﴾ حصرُ المحرَّمات في الأجناس الأربعة وقتَ نزول تلك الآية (٢).

стр. 2558

وانتصاب ﴿الْكَذِبَ﴾ بـ ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾، و ﴿هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ بدلٌ منه، أو متعلِّق بـ ﴿تَصِفُ﴾ على إرادة القول؛ أي: ولا تقولوا الكذبَ لِمَا تصف ألسنتكم فتقول هذا حرام وهذا حلال، أو مفعول ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾، و ﴿الْكَذِبَ﴾ منتصِب بـ ﴿تَصِفُ﴾، و ﴿مَا﴾ مصدرَّية، أي: ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب؛ أي: لا تحرِّموا ولا تحلُّوا بمجرَّد قولٍ تنطق به ألسنتكم من غير دليلٍ. وفي نصب ﴿الْكَذِبَ﴾ بوصف الألسنة نوعٌ من المبالغة بديعٌ، ووجهٌ من الفصاحة جميل، ومبالغةٌ في وصف كلامهم بالكذب عظيمةٌ، وهو أنَّه جُعل كأنَّه نفسُ الكذب وحقيقتُه، وكانت مجهولةً فعرَّفته (١) ألسنتهم بوصفها وحِلْيتها، وبيَّنه بكلامهم هذا، كقولهم: وجهُها يصفُ الجمالَ، وعينُها تصف السِّحر. ورُدَّ هذا الوجه الأخير بأنَّ النُّحاة نصُّوا على أنَّ المصدر المنسبك مِنْ (أنْ) والفعل لا يُنعت، لا يقال: لا يعجبني أن تخرج السريعُ (٢)، ولا فرقَ بين هذا وباقي الحروف المصدريَّة. وقرئ: (الكَذِبِ) بالجرِّ بدلًا من ﴿مَا﴾، و: (الكُذُبَ) جمع كذوب أو كِذَاب،

стр. 2559

بالرفع (١) صفة للألسنة، وبالنَّصب على الذَّم، أو بمعنى: الكَلِم [الكواذب] أو هو جمع] الكِذَاب (٢). ﴿لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ تعليلٌ لا يتضمَّن الغرض. لَمَّا كان المفتري يفتري لتحصيل مطلوبٍ نفى عنهم الفوز بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾: لا يُجدي عليهم افتراؤهم شيئًا. ثمَّ بيَّنه بقوله: (١١٧) - ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾؛ أي: منفعتُهم، فمَا (٣) هم فيه من الأفعال الجاهليَّة والتَّحريم والتَّحليل منفعةٌ قليلةٌ تنقطع عن قريبٍ. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة. * * * (١١٨) - ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾؛ أي: في سورة الأنعام، في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الخ [الأنعام: ١٤٦]. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ متعلِّق بـ ﴿قَصَصْنَا﴾، أو بـ ﴿حَرَّمْنَا﴾.

стр. 2560

﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ بالتَّحريم ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ فحرَّمنا عليهم ببغيهم، وهو قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ﴾ [النساء: ١٦٠]. وفيه تنبيهٌ على الفرق بينهم وبين غيرهم في التَّحريم، وأنَّه كما يكون للمضرَّة يكون للعقوبة. * * * (١١٩) - ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ﴾ يعمُّ الافتراء على الله تعالى وغيرَه. ﴿بِجَهَالَةٍ﴾: بسببها، أو ملْتبِسين بها، وتنكيرُها للإبهام، فتشمل عدم العلم بالله تعالى وصفاته، وعقابه وثوابه، وعدمَ التَّدبُّر للعواقب بسبب الغفلة اللَّازمة للانهماك في الشَّهوات، ومتابعةِ الهوى في طلب اللَّذات. ﴿ثُمَّ تَابُوا﴾ قد دلَّ ﴿ثُمَّ﴾ بالتَّراخي، إلَّا أنَّها قد تُستعار للتَّراخي في الرُّتبة، ولهذا زاد قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ السُّوء. ﴿وَأَصْلَحُوا﴾؛ أي: تابَ عنه وندم عليه وعزم أن لا يعود (١) إليه (٢)، وأصلح العمل في المستأنف. ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾: مِن بعد التَّوبة، وأمَّا الإصلاح فهو تكميل للتَّوبة لا أنَّها شيء آخر، ولهذا لم يذكر في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ١٧].
следующие страницы →