حالهم، وتنبيهًا على توغُّلهم في الارتياب، واستمرارِهم على ذلك، واستقرارِهم فيه، وتضمينًا للنَّعي عليهم حيث بلَغوا النهاية فيما لا يجوز لأُولي الألباب الوقوعُ في بدايته، وهل هذا إلا (١) غايةُ الغباوة والغواية؟
وأتى بكلمة الشك مع تحقُّق الريب على خلافِ الظاهر؛ تكميلًا للنَّعْي عليهم بتنزيلِ حالهم المحقَّقِ منزلةَ المقدَّر؛ للتنبيه على أنَّ مثلَ ذلك الحالِ حقيق بأنْ يُعدَّ من قَبيل ما يُفرض كما يُفرض المحالُ.
والتنكيرُ في (ريبٍ) للتحقير، وفيه تنبيهٌ على أنَّ وضوح دلائل الإعجاز في المنزَّل المذكور بلغ إلى حدٍّ لا ينبغي أن يُفرض فيه ريبٌ إلا على وجه القِلَّة.
و (مِن) تحتمِلُ (٢) ابتداءَ الغاية والسببيةَ، و (ما) موصولةٌ؛ أي: مِن الذي نزَّلنا، والعائدُ محذوفٌ؛ أي: نزَّلناه، وتضعيفُ (نزَّلنا) بمنزلةِ همزةِ النَّقل، ويؤيِّده قراءةُ: (أنزلنا) (٣)، ولا دلالة فيه على نزوله منجَّمًا في أوقاتٍ مختلفة؛ لأنَّ مَبناه على أن يكون التضعيفُ للتكثير، وذلك في المتعدِّي نحو: جرَّحتُ (٤) وقطَّعتُ، ولا يكون في اللازم إلا نادرًا نحو قولهم: مات المالُ وموَّت (٥)، إذا كثُر ذلك فيه، وحينئذ لا يجعله متعديًا كيلا يلزمَ الجمع بين
стр. 282
معنى التضعيف، وذلك غيرُ جائز، وفيما نحن فيه لا بدَّ من معنى التعدية، فلا مجالَ لإرادةِ معنى التكثير.
والتَّعبير بـ (ما نزلنا) دون: القرآن، للتنبيه على أن الريب فيه باعتبارِ ذلك الوصف.
والعبادةُ لمَّا كانت أشرفَ الخصال، والتَّسمِّي به أنفسَ الحظظ، حتى قال الشاعر:
لا تَدعُنِي إلا بيا عبده … فإنه أشرفُ أسمائي (١)
سمَّى نبيَّه عبدًا وأضافه إلى نفسه تنويهًا بذكره، وتنبيهًا على أنه مختصٌّ به ومنقادٌ لأمره لا يخالفُه (٢)، فكأنه يقول: على الرسولِ الذي كلُّ ما يبلِّغه من عندنا.
وقد شارَكَه ﵇ في ذلك التشريفِ بعضُ الأنبياء ﵈، إنما اختصاصُه ﵇ بتسميته بالعبد المطلَق، فإنه لم يُسمَّ غيره إلا بالعبد المقيَّد باسمه؛ كما قال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ [ص: ١٧] ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ [ص: ٤١] وغيرهما، وذلك لأنَّ كمال العبودية ما تهيَّأ لأحدٍ من العالَمين إلا لحبيبه ﵇، وكمالُ العبودية في الحرِّية عمَّا سوَى اللهِ تعالى، وهو مختصٌّ بهذه الكرامةِ كما أَثنى الله تعالى عليه بذلك فقال: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٦].
стр. 283
فلمَّا اختصَّ بهذه الحريَّة أُكرم باسم العبد المطلَق، كما قال: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠].
وقرئ: (على عبادنا) (١) يعني: النبيِّين الذين أُنزل عليهم الكتب، وفيه تنبيهٌ على أن مَن شكَّ في القرآن مع ظهورِ إعجازه فهو شاكٌّ في سائر الكتب الإلهية أيضًا حقيقةً أو حكمًا.
ويجوزُ أن يراد: مَن أَخبر بنبوةِ محمدٍ ﵇ وبشَّر بمجيئه من الأنبياء كموسى وعيسى ﵉.
والأمرُ في ﴿فَأْتُوا﴾ للتعجيز؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، والفاءُ لأنَّه جوابُ الشرط، وبدونها يقال: (ايتوا) الألِفُ مجتلَبة والهمزةُ صارت ياءَ لكسرةِ ما قبلَها، وسقطت همزتُها كراهةَ التقاء الهمزتين، وتثبت الياء كتابةً في قوله: ﴿ثُمَّ ائْتُوا﴾ [طه: ٦٤]؛ لأنَّه يُوْقَف على ﴿ثُمَّ﴾ ويبدأ: ﴿ائْتُوا﴾ ولا تثبت في قوله: ﴿فَأْتُوا﴾ وفي قوله: ﴿وَأُتُوا﴾ لتعذر الفصل بين الفاء والكلمة، وكذا بين الواو والكلمة.
والسورة مأخوذةٌ من قولهم: سَار يسُور: إذا ارتفع وعلا، وسمِّي الجدار المحيط بالمدينة سورًا لارتفاعه، فالسورةُ من القرآن: مجموعُ آياتٍ مفصَّلةٍ ارتَفَعتْ وعَلَتْ وظهرت وصارت كالعَلَم في مُغايَرتها لسائر السُّوَر.
وهي بإطلاقِها تتناولُ أقصرَ السُّوَر، وهي في القرآن سُورة الكوثر، وهي ثلاثُ آياتٍ قِصَارٍ، وهذا أبلغُ إلزامٍ وأتمُّ قطعٍ لأهل الخصَام، فقد كان التحدِّي أولًا بالإتيان
стр. 284
بمثلِ كلِّ القرآن لقوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤]، ثم أَخبر (١) عن عجزهم عن ذلك بقوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] ثم بعشرِ سورٍ مِثْلِه بقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: ١٣] ثم لمَّا ظهر عجزهم عنها أيضًا تحدَّاهم بسورةٍ بقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ وقد عجزوا عن ذلك كلِّه.
﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ في محلِّ الجر صفةً لـ (سورةٍ)؛ أي: بسورةٍ كائنةٍ مِن مِثله، والضميرُ لـ (ما نزَّلنا)، والمعنى: إنْ كنتم في شكٍّ مما أنعمْنا على عبدنا لحُسنِ استعداده (٢) في كمالِ العبودية بإنعام الوحي، ومن (٣) نعمة القرآن في أنَّه من عندنا، زاعِمِين أنَّ معارضته بإيرادِ المثلِ مقدورٌ للبشر - على ما أفصح عنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١]- ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾؛ أي: مثلِ المقدور للبشر في زَعْمِكم، وقد أَفصح عن هذا المعنى في التحدِّي بعشرِ سورٍ، ولولا القصدُ إلى هذا لكان الظاهرَ أنْ يقال: فأتوا بمِثْلِ سورةٍ منه.
ورجوعُ الضميرِ للمنزَّل عليه لا يساعدُه المقامُ ولا الكلام:
أمَّا الأولُ: فكما عرفتَ فيما تقدَّم أنَّ المقام مقامُ توسيعِ دائرة التحدِّي، حيث تنزَّل من التحدِّي بكلِّ القرآن إلى التحدِّي بعشرِ سورٍ، ثم إلى التحدِّي بسورةٍ، فلا يناسبه التضييقُ باشتراطِ أنْ يكون الآتي به أميًّا في هذه الصورة دون الصور السابقة.
стр. 285
وأمَّا الثَّاني: فلأنَّ قوله: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ في مَعْرِض ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨]- في قولكم: إنه مفترًى، اخْتلَقه محمدٌ ﵇ من عند نفسِه فأعانه عليه قومٌ آخرون (١) - فهو أمرٌ بأن يستعينوا بكلِّ مَن يُعينهم في ذلك (٢).
فعلى هذا لا وَجْهَ للاشتراط المذكور.
وأيضًا لا بُدَّ من اعتبارِ قيدِ المماثَلةِ بين المنزَّلِ والمأمورِ بإتيانه، وعلى تقديرِ عودِ الضمير المذكورِ إلى المنزَّل عليه يلزم أن يكون الكلام خلوًا عن ذلك القيدِ المهم.
والشُّهداءُ: جمع شهيد، معناها على ما قال ابن عباس ﵄: أعوانكم؛ لأنَّ الشاهد كالعون للمدَّعِي في استخراج حقِّه، والمراد من الدعاء: دعاءُ استصراخٍ.
وكلمة (دون) لها معانٍ، والمراد هاهنا معنَى (غير)، وهي في الأصل اسمٌ، ولهذا دخله الخافضُ وخَفَضَها، ولكنها تُستعمل استعمالَ الحروف مفردةً عن اللام الذي هو للتعريف والتنوينِ الذي هو للتنكير - وهما من خصائص الأسماءِ - لأنها تفيد المعنى في غيرها كالحروف، فأُجريت مُجراها لذلك.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في زعمكم السابق ذكرُه، والصدق: الإخبارُ المطابِقُ للواقع، هذا إذا كان وصفًا للمتكلِّم، وأمَّا إذا كان وصفًا للكلام فهو الخبرُ المطابق للواقع.
стр. 286
ولمَّا كان الأمر المذكور أمرَ تهكُّم وتعجيزٍ أَخبر أنهم ليسوا قادرينَ على إتيان المأمور به بقوله:
(٢٤) - ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾.
﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ لمَّا أَرشدهم إلى الدليل الذي يتبيَّن به أمرُ النبيِّ ﵇ وصِدقُه، وكونُ ما جاء به حقًّا، صرَّح بنتيجته لاستلزامِ نفي اللازم - وهو امتناعُ معارضته - نفيَ الملزوم الذي هو انتفاءُ الرَّيب فلزمَهُم تصديقُه والإيمانُ به، وإلا استوجَبوا أشدَّ العذاب.
وإنَّما أَوْردَ الفعلَ في موضع الإتيانِ لأنَّه ما من شيءٍ من الأحداث إلا ويصحُّ أن يعبَّر به عنه وذلك؛ لِمَا ذكره الرَّاغبُ: أنَّ معناه أعمّ من معنى سائرِ أخواته نحوَ العمل والصُّنع والإحداث (١).
فالمعنى: فإنْ لم تأتوا بسورةٍ مِن مِثْله ولن تأتوا بسورةٍ مِن مِثْله، ولا يخفى ما فيه من حسن الإيجاز (٢).
وأتَى بكلمة (إنْ) دون: إذا، مع تحقّقِ الشرط: إمَّا تهكُّمًا به، وإمَّا بناء على ظنِّهم قبل ظهور العجزِ عن المعارضة.
و (لم) كلمةُ نفي تدخلُ على المستقبل وتجعلُه بمعنى الماضي، ثم دخولُ (إنْ)
стр. 287
وهو للشرط يجعلُه بمعنى المستقبل، فكأنه فيه إشارةٌ إلى انقلاب حال المخاطَبين.
ولا محلَّ لقوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾؛ لأنَّه اعتراضٌ قبل تمام المَرام، وهو من محاسن الكلام، إثارةً لهمَمِهم؛ ليكون عجزُهم بعد ذلك أبلغَ، ومعناه: لستُم بفاعلين ذلك أبدًا؛ لأنَّ (لن) لتأكيد النفي في المستقبل، فيشاركُ (لا) في نفيه ويُبايِنُه في التأكيد والتَّشديد.
واختُلف في أصله فقيل: (لا أنْ)، وقيل: (لا) أُبدلت ألفُه نونًا، والظاهرُ أنه حرفٌ مقتضَبٌ برأسه، كما هو قولُ سيبويه وإحدى الروايتين عن الخليل (١).
قيل: فيه دليل على صحَّة نبوَّته ﵇ حيث أَخبر عن الغيب على ما هو به.
وفيه: أنه من باب الكرامة، ولا اختصاصَ لها عند أهل الحقِّ بالأنبياء.
وأمَّا الاستدلالُ بعدم كونه ﵇ شاكًّا في أمره فممَّا لا وجه له؛ لأن مَبْنَى دلالته على صحَّة دعواهُ على ثبوتِ عصمته عن الخطأ، وهو فرعُ ثبوتِ (٢) نبوَّته، فإثباتُه به مصادَرةٌ.
﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ جوابُ الشرط، وكُنيَ به عن ترك العناد تقريرًا للمكنيِّ عنه، وتهويلًا لشأن العناد، وتصريحًا بالوعيد مع الإيجاز، وذلك (٣) أن مَن عانَدَ بعد وضوح الحقِّ له استَوْجَب العقاب بالنار، واتِّقاءُ النار من نتائج تركِ العناد.
و (النار): هي نار جهنم.
стр. 288
وقيل: النار مجازٌ عن العناد، وهذا (١) أشدُّ تهويلًا؛ لِمَا فيه من إبراز العناد في صورة النار بخلافِ الأولِ، فإنَّ النار حينئذٍ على حقيقتِها، والتهويلُ إنما جاء من إنابةِ اتِّقاءِ النار مَنابَ ترك العناد.
ثم إنَّ الأمر بالاتِّقاء أبلغُ من الأمر بالترك في النَّهي عن ملابَسة العناد.
وتعريفُها بناء على أنَّ تلك النارَ كانت معلومةً للمخاطَبين بسماعهم من النبيِّ ﵇ بالذات أو بواسطةِ المؤمنين، وأيضًا هذه الآيةُ مدنيَّةٌ، فنزولُها بعدَ نزولِ قوله تعالى: ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] لأنَّها مكيةٌ، فصحَّ تعريفها لكونها معروفةً قبل ذلك؛ ضرورةَ أن المكيَّات لنزولها (٢) قبل الهجرة متقدِّمةٌ على المدنيات النازلةِ بعدها.
ولتفظيعِ شأن العناد هوَّلَ (٣) وصفَ النار بقوله: ﴿الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾، وكونُ الصلة معلومةً إنما اشتُرط في غير مقام التفخيم والتهويل، ألَا يُرى إلى قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]؟
والوَقود - بالفتح - ما يوقَدُ به النار، وبالضَّم: التهابُها، فهو مصدرٌ والأولُ اسمٌ، وقد جاء في المصدر بالفتح والاسمِ بالضمِّ، وقُرئ بهما (٤).
والظاهرُ المناسبُ لبلاغة القرآن: أن يكون المراد به المصدرَ على أنَّ المجازَ
стр. 289
عقليٌّ؛ فإن الغرض - وهو المبالغةُ في التهويل - يَحصل حينئذٍ على وجهٍ أتمَّ وأكملَ، وفي المصير إلى حذفِ المضاف تنزيلٌ لشأن التنزيل.
و (الناس) هنا هم الكفار، و (الحجارة): جمع حَجر؛ كالجَمَل والجِمالة، وهذا جمعٌ على غير قياسٍ، والقياسُ فيه: الأحجار؛ كالشَّجر والأشجار.
وقد صحَّ عن ابن عباس ﵁ على ما أخرجه ابن جريرٍ في "تفسيره"، وعن ابن مسعود ﵁ على ما أخرجه البيهقيُّ في "البعث والنُّشور": أنها حجارةُ الكبريت (١).
وإنَّما خُصَّت من بين أنواعِ الأحجار لأنها أسرعُ وُقودًا، وأبطأُ خمودًا، وأنتنُ رائحةً، وأكثرُ دخانًا، وأشدُّ حرًا، وألصقُ بالبدن.
والظاهرُ: أنَّ مرادَهما بيانُ الواقع لا تفسيرُ المراد هاهنا من لفظ الحجارة، فلا يتَّجهُ أنه تقييدٌ للمطلَق بغيرِ دليلٍ، فهي على إطلاقها، فلا يَفوت ما قُصد به من تهويلِ شأنِ تلك النارِ وتَفاقُمِ لهبها حيث تَتَّقد بما لا يَتَّقد به غيرُها.
وأمَّا احتمالُ أنْ يراد بها الأصنامُ فيأباه العموم المستفاد من قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] فإن بعض ما عَبدوا ليس من جنس الحجر، ومعنى ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾: أن تلك النارَ لا تَتَّقد إلا بها.
﴿أُعِدَّتْ﴾ إن (٢) الإعداد - وهو التهيئةُ والإرصاد - أكثرُ استعماله في الموجود،
стр. 290
وقد يُستعمل فيما هو في معنى الموجود؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] فدلالةُ الآية على أنَّ النار مخلوقةٌ الآن كما هو مذهبُ أهل الحق ليست بقويَّةٍ.
﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ ختمٌ بما وقع به البدءُ؛ أي: اتَّقوا الكفر الموجِبَ للنار فإنها أُعدَّت للكفار، والجملةُ استئنافٌ يؤيِّدُه عطفُ (وبُشِّرَ) - على لفظِ المبنيِّ للمفعول (١) - عليه.
وقيل: صلةٌ بعد صلةٍ بلا عاطفٍ بينهما على قياسِ ما يقع في الأخبار والصفات، ويؤيدُه قولُه تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]، وأمَّا العطفُ بترك العاطف فتجويزُه يؤدِّي إلى الإلباس في مواضعِ الفصل والوصل.
ودلالةُ لام الاختصاص على أنَّ إعداد تلك النَّار للكفار، ولا يلزمُ من ذلك اختصاصُها بهم، كما لم يَلزم من اختصاص إعداد الجنة للمتَّقين أنْ لا يدخلها غيرُهم، فلا حاجة إلى أنْ يقال: إنَّ النار التي وقودُها الناسُ والحجارة هي للكفَّار خاصةً ولغيرهم نارٌ غيرها (٢).
(٢٥) - ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
стр. 291
﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ البشارة في اللغة اسمٌ لخبرٍ يغيِّر بَشَرةَ الوجهِ مطلَقًا سارًّا (١) كان أو محزنًا، إلَّا أنَّه غَلب استعمالُها في الأول، وصار اللفظ حقيقةً له بحكم العُرف حتى لا يُفهمُ منه غيرُه، واعتُبر فيه الصدقُ على ما نُصَّ عليه في الكتب الفقهيَّة، فالمعنى العُرفيُّ للبشارة: الخبر الصادقُ السارُّ الذي ليس عند المُخبَر به علمُه.
والمأمورُ بالتبشير على قراءةِ: (بشِّر) على لفظ المبنيِّ للفاعل: الرسولُ ﵇.
ولا وجهَ للتعميم لكلِّ مَن يقدرُ على البشارةِ مِن غيرِ تعيينٍ؛ لِمَا عَرَفْتَ أنَّ مدار البشارة على الصِّدق، فحقُّها أن يكون المبشِّرُ صادقًا ومُصدَّقًا، كأنه ما اتَّكل في أمرِ التبشير على كلِّ قادرٍ عليه، بل نصَّ على أعظمِهم وأصدقِهم؛ ليكون ذلك أوثقَ عند المبشَّرين، وأقطعَ في الإخبارِ بهذه البشارةِ الجليلة، وفيه من التعظيم لأمرِ البشارة والمؤمنين ما لا يَخْفَى.
والجملةُ معطوفةٌ على ما قبلَها عطفَ قصةٍ على قصةٍ بينهما جهةٌ جامعةٌ بحيث تقتضي أنْ يُقفَّى (٢) ذكرُ إحداهما بذكرِ الأخرى؛ توفيةً لحقِّ الكلام، ورعايةً لِمَا يقتضيه المقام، وذلك أنَّ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا﴾ خطابٌ عامٌ يشمل الفريقين: الموافقَ والمخالفَ.
ثم إنَّ قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ مختصٌّ بالفريق الأوَّل ومضمونُه الإنذارُ، وأنَّ قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٣) مختصٌّ بالفريق الثاني ومضمونُه البشارةُ، كأنه أوحَى
стр. 292
إلى نبيِّه أن يدعوَ الناس قاطبةً إلى عبادته وتوحيده وتصديقِ رسوله، ثم أَمر أن يُنذِر مَن أبَى وعانَدَ، ويبشِّرَ من آمن وعَبد، وهذا هو المعتمَد.
وقيل: معطوفةٌ على مقدَّرٍ بعد ﴿أُعِدَّتْ﴾ أي: فأنذِر الذين كفروا بتلك النارِ وبشِّر الذين آمنوا، وعلى هذا تكون الواو فصيحةً كما في قوله تعالى: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦]؛ أي: فاحذَرْني [واهجُرني] (١).
وقيل: معطوفةٌ على قولٍ مقدَّرٍ قبل ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾؛ أي: قل كذا وكذا وبشِّر المؤمنين، ولا يأبى عن ذلك قولُه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾، فإنه قد جاء في كلام الله تعالى في غيرِ موضعٍ (٢)، منها قولُه تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [البقرة: ٩٧]، قالوا: كان حقُّه: على قلبي، لكنه جاء على حكايةِ كلامِ الله تعالى؛ كأنه قال: قلْ ما تكلَّمتُ به.
وجوِّز أن تكون معطوفة على قوله: ﴿فَاتَّقُوا﴾ على أنه ليس جوابًا للشرط، بل هو محذوف، وهذا مرتَّب عليه، فعلى هذا يكون تقديرُ الكلام: إذا تَبيَّن عجزُكم عن المعارضة فقد صحَّ عند المعاند والموافق (٣) صدقُه، وإذا كان كذلك فاحذَروا أيها المعانِدون العقابَ وبشِّر يا محمدُ المصدِّقين بالثواب، وعطفُ الأمر لمخاطَبٍ على الأمرِ لمخاطَبِ آخَرَ مما أخطأ في منعه النُّحاة؛ لوقوعه قطعًا في قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف: ٢٩]، وستقف على تتمة هذا الكلام في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
стр. 293
﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الصالحة نحوُ الحسنة في جَرْيها مَجرى الاسم، وهي ما ورد به الأمر إيجابًا أو ندبًا من الأعمال، وتأنيثُها على تأويل الخصلة، والتَّعريفُ للجنس، لكن لم يُرَد بالصالحات جنسُ الجمع، بل جميعُ الجنس باعتبار التوزيع، واللازمُ منه أن يَعمل كلُّ مكلَّف ما يَختصُّ به من مَواجِب التكليف؛ كما في: لَبِس القوم ثيابهم، ودخلوا مساجدهم، لا أنْ يَعمل كلُّ واحد منهم عملًا واحدًا منها كيف ما كان.
وفي مقارنةِ الإيمان والعمل الصالح في القرآن إيذانٌ بأنهما كالمتلازِمَين في توقُّف مجموع النَّجاة والثواب عليهما، وهذا لا ينافي لكون الإيمان المجرَّد عن العمل الصالح منجيًا.
ثم إنَّ (بشَّر) يتعدَّى إلى مفعولٍ بنفسه وإلى آخَرَ بحرف الجر، وهو قوله:
﴿أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ وحُذف منه الحرفُ، وهو في موضع نصبٍ على مذهبِ الخليل (١)، لا في موضعِ جرٍّ، خلافًا لمن قال: مذهبُه أنه في موضع جرٍّ (٢)، وهو ابنُ مالكٍ، قاله في "التسهيل" (٣)، وهو قليلُ الإلمام بكتابِ سيبويه.
واللامُ للاختصاص، إلا أنَّ التَّخصيص بفضلِ الله تعالى لا بالاستحقاقِ الذَّاتيِّ، والمختصُّ بهم منازلُ عاليةٌ من دارِ الثَّواب لا الدارُ نفسُها حتى يُشْكِلَ بالنُّصوص الدالَّة على عدم اشتراطِ العملِ في الدخول بها، ولذلك قال: ﴿جَنَّاتٍ﴾ دون: الجنة؛ فإنها عَلَمٌ لتلك الدَّارِ.
стр. 294
وحملُ الجنَّات على الجِنَانِ الثمانيةِ لا يلائمُه مقابلةُ الجمعِ بالجمع؛ لأنَّ مقتضاها الانقسامُ والتوزيع، وقد رُوعيَ (١) ذلك في قَرِينتها السَّابقة، ولا مجالَ لرعايتها هاهنا لعَدَم العهد في توزيعها.
ثم إنَّ ذلك الاختصاصَ مشروطٌ بسلامةِ العاقبةِ؛ لأنَّ الاعتبار للخاتمة على ما أَفصح عنه قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وأمَّا الاستمرار على الإيمانِ المقارنِ (٢) بالعمل الصالح فليس بشرط.
والجَنَّة في الأصلِ: المرَّةُ من الجَنِّ، وهو مصدر جَنَّه: إذا ستره، ومدارُ التركيب على ذلك، سمِّي به الشجر المظلِّل لالتفاف أغصانه وسترِ ما تحته، ثم البُستانُ لِمَا فيه من الأشجار المتكاثفةِ المُظلَّة، ثم دارُ الثواب لِمَا فيها من الجِنَان.
والمراد هاهنا: الغرفُ، وهي المواضع العالية والمنازلُ الرَّفيعة من بساتين الجَنة، على ما أَفصح عن ذلك في قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [العنكبوت: ٥٨] فإنَّ القرآن يفسِّر بعضُه بعضًا.
وتنكيرُ الجنات للتعظيم؛ أي: جنَّاتٍ أيَّ جنَّاتٍ (٣) لا يُكتَنه وصفُها، ثم أكَّده بالأوصاف الغريبة (٤).
стр. 295
ويجوز أن يكون المراد: جنَّات شتَّى مرتبة في مراتبَ بحسب طبقاتهم ودرجات أعمالهم وعلومهم وأخلاقهم.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الضمير للجنات، يعني: من تحت تلك الغرف، وفيه تنبيهٌ على أنها منازلُ عالية، وقد جاء في الآثار: أن الجنة درجاتٌ والنارَ دركاتٌ (١).
والنَّهَر - بالفتحتين، وبسكونِ الثاني (٢) -: المَجْرَى الواسع، والمراد: الأنهارُ المعهودة المذكورة في قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥] فإنَّ الأصل في التعريف العهدُ، ولا يُعْدَل عنه إلا عند التعذُّر ولا تعذُّرَ هاهنا؛ إذ لا حاجةَ في ثبوت العهد إلى سبق نزول تلك الآية؛ فإن المخاطَب بتبليغ البشارة هو النبيُّ ﵇، فكفى عملُه بها بإعلامٍ من الله تعالى، وفي البيان بقوله: ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ دلالةٌ قاطعة على أن المراد: ماءُ الأنهار، على التجوُّز فيها أو الإضمار.
﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾ صفةٌ ثانية لـ ﴿جَنَّاتٍ﴾، أو خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي: هي (٣)، أو جملة مستأنفة على تقدير سؤال يَختلج في ذهن السامع: أَثِمارُها من جنسِ ثمار جنات الدنيا أم أجناسٌ أُخَر؟ فقيل: من جنسها.
و ﴿مِنْ﴾ الأولى لابتداء الغاية، وكذا الثانيةُ، واقعتان موقع الحال، و ﴿رِزْقًا﴾
стр. 296
مفعول ثان بمعنى: المرزوق، وأصل الكلام ومعناه: كلَّ حينٍ أو مرةٍ رزقوا مرزوقًا مبتدأً من الجنات مبتدأً من الثمرة، قيِّد الرزق المطلقُ بكونه من الجنات، ثم المقيَّدُ بكونه من الجنات قيِّد بكونه مبتدأً من أيِّ ثمرةٍ من ثمارها، فصاحب الحال الأولى ﴿رِزْقًا﴾ وصاحب الحال الثانية ضميرُه المستكِنُّ في الحال.
ويجوز أن تكون الثانيةُ للتبعيض؛ أي: كلَّما رزقوا من تلك الجنات بعضَ الثمرات، على أنه مفعول ثان، و ﴿رِزْقًا﴾ حال أو نصبٌ على المصدر (١).
وليس المراد من الثمرة: الثمرةُ الواحدة بالشخص، وإنما المرادُ النوع الواحد من أنواع الثمار، يقال: فلانٌ أدركتْ ثمرةُ بستانه، والمراد الجنس.
ويجوز أن تكون بيانًا؛ كما تقول: رأيت منك أسدًا؛ أي: أنت أسدٌ، وعلى هذا الوجهِ يصحُّ أن يراد بالثمرة النوعُ، والجَناةُ الواحدةُ.
﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبلِ هذا في الدنيا، والمقول جملة تشبيهية لقوله: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ أي: هذا مثلُ الذي - أو: كالذي - رزقنا من قبلُ، حُذف حرف التشبيه لاستحكام الشَّبَه كأنَّ ذاتَه ذاتُه.
وإنما جُعل ثمارُ الجنة من جنس ثمار الدنيا لتميل النفس إليها أولَ ما رأت، فإنه لو لم يكن من جنسها لأَمْكَن أن تنفرَ منها طباعُهم وتعافَها نفوسُهم في أول الوهلة
стр. 297
وبادئ النظر (١)، وهذا لا ينافي الْتذاذَه به فوقَ الْتذاذِه (٢) بمَأْلوفاتِه بعد الوقوف على طعمه، ولا يخالفُ ما اشتَهَر فيما بينهم من أنَّ لكلِّ جديد لذةً، ولأنهم إذا صادفوا ما الْتذُّوا به وأَلِفوه من جنسِ ما (٣) كان معهودًا لهم، ورأوا بينه وبين ما عَهِدوه تفاضُلًا بيِّنًا وتفاوتًا عظيمًا، عرفوا قَدْر النعمة وحقَّها، وبلغ استلذاذُهم به واستحسانُهم له إلى ما لا يمكن وصْفُه؛ لكونه نعمةً غيرَ مترقَّبةٍ، ولو كان من جنسٍ آخر - وإنْ فاق وبلغ غايةَ الحُسن وراق - لحسبوا (٤) أن ذلك الجنسَ لا يكون إلا كذلك، ولم يقع في أنفسهم وَقْعَ تلك النعمةِ.
وتكرارُهم هذا القولَ واستئنافُهم له عند كلِّ ثمرةٍ يُرزقونها دليل على تناهي الأمرِ في الفضيلة والمزيَّة، وأن ذلك الفرقَ البيِّنَ والتفاوتَ العظيم هو الذي يستدعي تلفُّظَهم بذلك ويَستنطقُهم ويَستَهِشُّهم فرحًا وحبورًا، ولا يدعُهم يَقَرُّوا ويسكتوا بل يستفزُّهم لذةً وسرورًا.
وعن مسروقٍ: نخل الجنة نضيدٌ من أصلها إلى فرعها (٥)، كلما نُزعت
стр. 298
منها ثمرةٌ عادت مكانها أخرى، وأنهارُها تجري في غيرِ أُخدود (١).
والضمير في ﴿بِهِ﴾ يرجع إلى المرزوق في الدنيا والآخرة؛ لاشتمال الكلام عليهما (٢)؛ كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥]؛ أي: بجنسي الغنيِّ والفقير، ولو رجع إلى المذكور لقال (٣): أولى به.
ويجوز أن يكون المعنى: مِن قَبْلِ هذا في الجنة؛ لأن طعامها متشابهُ الصورة، كما حكى الحسن: يؤتَى أحدُهم بالصَّحْفة (٤) فيأكل منها، ثم يؤتَى بالأخرى فيقول: هذا الذي أُتينا به من قبلُ، فيقول الملَك: كُلْ، فاللَّونُ واحدٌ والطَّعمُ مختلِفٌ (٥). وعلى هذا يرجع الضمير إلى الرزق المطلَق كما أن ﴿هَذَا﴾ إشارةٌ إليه.
ولا يَخفَى أن الوجه هو الأولُ؛ لعدم المساعدة في نكتة ﴿كُلَّمَا﴾ للأخير. والجملة اعتراضيةٌ كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] (٦)، والواوُ في: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ عاطفةُ الجملة من تتمَّة وصفِ ثواب المؤمنين.
стр. 299
و ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ بالتوحيد، و (مُطهَّراتٌ) بالجمع (١)، لغتان فصيحتان في وصف ﴿أَزْوَاجٌ﴾ لكونه جمعَ التكسير وإن كان جمعَ المؤنث الحقيقيِّ، بخلافِ ما لو قال: زوجاتٌ، لسلامة الواحد فيه فلم يجز إلا: مطهراتٌ، كأنه قال: جماعةُ (٢) أزواج مُطهَّرةٌ.
وبناؤه للمفعول أفخمُ؛ إذ فُهِم أنَّ لها مطهِّرًا، وليس إلا اللهُ تعالى، فتكون (٣) طهارتُهن أعظمَ من كلِّ طهارة.
فإن قيل: هذا معارَض بأن فيه إشعارًا بسابقةِ التلوُّث (٤) بما يُستقذَر، والكمالُ في كون الطهارة خَلْقيَّةً، بخلافِ بناء الفاعل فإن المتبادِر منه بمعونةِ المقام أن تكون طهارتُهن خَلْقيَّةً.
قلنا: نعم، هو (٥) كذلك، إلا أن الأول أرجحُ لكونه أدخَلَ في البلاغة؛ لِمَا فيه من تعظيم المؤمنين، وهو المناسبُ للمقام، ورعايةِ جانبِ مَن سيقَ له الكلامُ، وتطهيرُهنَّ من الأوصاف القبيحةِ في الخَلْق والخُلق.
لمَّا كانت مَجامعُ اللَّذةِ في المسكن الهنيِّ، والمشرَب الرَّوِيِّ، والمَطعَم الشهيِّ، والمنكَحِ الرَّضيِّ (٦)، ذكَرها تعالى فيما يبشَّر به المؤمنُ، وبدأ بالمسكنِ
стр. 300
لأنَّه به الاستقرارُ، ثم بالمشرب والمطعم لأن بهما قوامَ الجسم، وقدَّم المشرب لِمَا فيه من تشريف المسكن، ثم بالأزواج لأنَّ بها تمامَ اللذة والأُنس.
ولمَّا ذكر مجامعَ اللذةِ وذلك يَنقُصُ (١) بخوفِ الزوال، فنَفَاه بقوله:
﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ الخلد: البقاء الدائم الذي لا يَنقطِع؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْن مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] وتقييدُه بالتأبيد بقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ٥٧] يقطعُ التجوُّزَ، فإنَّ استعماله في الثبات المديدِ وإن لم يَدُمْ متعارَفٌ شائع (٢).
(٢٦) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ لمَّا بيَّن التَّوحيدَ، وأَثبت صحَّة النبوَّة بالبرهان، وهداهم أساس الدِّين وأصلَ الإيمان، وأرشدهم إلى معرفة حقيقةِ القُرآن، وأفحمَهم بالتحدِّي، ورتَّب الوعيدَ على الكفر به والوعدَ على الإيمان، شَرَع في إبطال الاعتراضات والشُّبهات التي طَعن لها الجاحدون الجهَلةُ:
كقولهم: إن الله أجلُّ قَدْرًا وأعظمُ شأنًا من أن يمثِّل بهذه المحقَّرات كالذُّباب والعنكبوت.
وقولهِم: أمَا يستحي ربُّ محمد؟
стр. 301
فأجابهم بما دلَّ على أن التمثيل أمرٌ يستدعيه حالُ الممثَّل له، فكلَّما كان أعظمَ كان الممثَّلُ به أعظمَ، وكلَّما كان أحقرَ كان الممثَّلُ به أحقرَ؛ كقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠] فيَلزم أن يكون لآلهتهم المثلُ الأدنى؛ لأنها جماداتٌ لا قوةَ لها ولا شعور؛ إذ الغرضُ من التمثيل تصويرُ المعقول بصورةِ المحسوس، وتقريرُ المعنى المرادِ في النفس، ولا يعارض العقلَ في المعاني المعقولةِ إلا الوهمُ؛ لميله إلى الحسِّ وامتناعِ إدراكه المعانيَ الكليَّةَ، فإذا تمثَّل المعنى العقليُّ (١) بصورةٍ محسوسةٍ أَذعن له وانقاد، وقَبِل المعنى المراد، ولهذا كثُر التمثيل في كلام البلغاء والحكماء والأنبياء، وفشا في الكتب الإلهية.
ولا يتعلَّق حالُ المثَل في الحُسْن والقبح بحالِ الممثِّلِ إلا فيما يُصار إليه من وجه الشَّبَه (٢) بين الممثَّل به والممثَّل له، فإنْ لم يكن مطابقًا بأنْ لا يكون الوصف المشترَك المقصودُ إظهارُه في الممثَّل به أجلى وأقوى وأشهرَ كان الممثِّل قاصرًا في البلاغة، منسوبًا إلى الدناءة.
وإن كان مطابقًا بأنْ كان المعنى المرادُ إفهامُه في الممثَّل به أبلغَ وأتمَّ، وأكملَ وأعمَّ، كان الممثِّل أجلَّ قَدْرًا وأعلى شأنًا.
ولهذا كان تمثيلُ الله تعالى آلهتَهم بالبعوضة فما فوقها في المعنى الممثَّل له من الحقارة؛ أي (٣): ما هو أحقرُ منها كجناحها ومخِّها - وكما قيل: أقلُّ من لا شيء - في غايةِ الحُسن والجزالة، ونهايةِ الفصاحة والبلاغة؛ كما تقول: فلانٌ أقلُّ قَدْرًا من الكلب، فيقول صاحبك: وفوق ذلك؛ أي: في قلَّة القَدْر.
стр. 302
وقد جاء في الإنجيل تمثيلُ غلِّ الصدر بالنخالة، ومعارضةِ السفهاء بإثارة الزنابير، وفي كلام العرب: أصرد (١) من جرادٍ، وأسمعُ من قُرادٍ.
وَيحتمِل أن يكون المراد بقوله: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ العنكبوتَ والذُّباب، وما ورد في المثَل مما هو أعظمُ من البعوضة، ردٌّ لِمَا استنكروه؛ كما قيل: فلانٌ بخيلٌ بدرهم، فتقول: إنه بخيل بدانق فما فوقه؛ أي: فضلًا عما فوقه في العِظَم من الدرهم.
والحياء: انقباضُ النفس بمخافةِ الذَّمِّ، وهي الوسطُ بين الوقاحةِ التي هي الجرأةُ على القبائح وعدمُ المبالاةِ بها، والخجالةِ التي هي انحصار النفس عن الفعل مطلقًا.
واستعمالُ الاستحياء لله تعالى مجازٌ على سبيل التمثيل؛ أي: لا يَترك ضربَ المثل بالمحقَّرات تَرْكَ مَن يَستحْيِي بحقارتها، وقد جاء في الحديث: "إنَّ الله ليستحيي (٢) من ذي الشَّيبةِ المسلمِ أن يعذِّبه" (٣).
وفي التمثيلِ من المبالغةِ ما لا يَخْفَى على الفَطِن؛ للتَّخييل، وتصويرِ المعقول بصورة المحسوس أو الوجدانيِّ (٤) المدرَك بالضرورة.
стр. 303
ويجوز أن يكون وقوعه على سبيل المقابلة وتطبيقِ الجواب والسؤال، فإنه لمَّا جاء في كلام الكفَرة: أمَا يَستحيي ربُّ محمدٍ أن يضرب المثَل بالذباب والعنكبوت، قابلَه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ﴾ وهو في كلامهم نوعٌ بديعٌ وفنٌّ عجيبٌ يستحبُّونه ويَرتضونه لمراعاةِ المشاكَلة.
وضربُ المثل: صُنْعُه واعتمالُه، من ضَرْبِ اللَّبِن وضربِ الخاتم، وأصله: وَقْعُ شيء على آخَرَ، والاستحياءُ يتعدَّى بنفسه وبـ (مِن)، فعَلى الأول يكون ﴿أَنْ يَضْرِبَ﴾ منصوبَ المحلِّ على المفعولية، وعلى الثاني يكون مجرورَ المحل بتقدير: (مِن)، أو منصوبًا (١) بنزع الخافض حذفًا (٢)، وتعديَةُ الفعل إليه بنفسه.
و (مثَلًا) مفعولٌ لـ (يضربَ)، و (ما) إبهاميةٌ منصوبةُ المحلِّ صفةُ ﴿مَثَلًا﴾ تزيدُه شياعًا وعمومًا وإبهامًا وسدًّا لباب التقييد، أو مزيدةٌ للتأكيد كما في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. أي: مَثَلًا حقًّا.
و (بعوضةً) منصوبٌ بدلٌ أو مفعولٌ به، وقيل: عطف بيان لـ (مثلًا)، وفيه: أنه لا يكونُ في النكرات عند الجمهور.
و (مثلًا) حالٌ متقدِّمةٌ عليها لتنكيرِها، أو مفعولٌ ثانٍ لـ (يضربَ) إجراءً لـ (ضَرَب) مُجرى جَعَل وصَيَّر.
وإنْ رفعتَ (بعوضةٌ) (٣) فـ (ما) موصولةٌ حُذف صدرُ صِلَتها؛ كما في قوله
стр. 304
تعالى: (تمامًا على الذي أحسنُ) بالرفع (١)، أو موصوفةٌ كذلك؛ أي: صفتُها جملةٌ محذوفةُ المبتدأ، ولـ (ما) الوجوهُ الأربعةُ المذكورةُ في (بعوضةً) بالنصب، ووجهٌ آخرُ أعربُ وأفصحُ، وهو أن تكون (ما) استفهاميةً مبتدأً خبرُه (بعوضةٌ)؛ أي: ما البعوضةُ فما فوقها؟ كما يقال: فلان لا يبالي ما دينارٌ وديناران؟
والبعوضُ من البَعْضِ؛ كالقَطوع والخَموش من القَطْع والخَمْش، ومعنى البَعْض: القَطْع كالبَضْع والعَضْب، ومنه: بعضُ الشيء؛ لأنَّه قطعةٌ منه، وهو في الأصل صفةٌ غلبت على هذا النوع.
﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ عطفٌ على (بعوضة)، أو على (ما) إنْ جُعل اسمًا.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (أمَّا) حرف التفصيل، وفيه معنى الشرطِ، ولذلك يجاب بالفاء، يفيد الكلامَ توكيدًا؛ تقول: زيد ذاهب، فإذا أكَّدتَ قلتَ: أمَّا زيدٌ فذاهبٌ.
وما بعدَ (أمَّا) جملةٌ جزائية حقُّها أن تصدَّر بالفاء لولا دخولُ (أمَّا) عليها، فأخِّر إلى الخبر لوجودها، وجُعل المبتدأ سادًّا مسدَّ الشرط المحذوف لفظًا.
ومعنى التفصيل في (أمَّا) وتصديرِ الجملتين بها: أن بين الفريقين غايةَ البُعد والتضادِّ في فضل الفريق الأول وتحقيقِهم في علمِهم وإصابةِ نظرهم وهدايتهم وسدادهم، ونقصِ الفريق الثاني وتعمُّقِهم في جهلهم وإزاغة بصرهم وغوايتهم وزيغهم، أو عنادِهم ومكابرتهم؛ لأنهم بين أن لا يتفطَّنوا لوجهِ التمثيل وحسنه وحقيقته، وبين أن يُعانِدوا ويكابروا كِلَا الأمرين، وفيه بُعْدٌ عن مقتضى الفطرةِ،
стр. 305
وسقوطٌ عن درجة الإنسانية، وتجافٍ عن الصَّواب والسَّداد، وانهماكٌ في الغيِّ (١) والفساد.
والحقّ: هو الأمر الثابت الصحيح في نفس الأمر، الذي لا يَسوغُ عند العقل إنكارُه، يقال: حَقَّ الأمرُ: إذا ثبت.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ﴾ إنما قال في مقابلةِ قوله: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَقُولُونَ﴾؛ لدلالته على عدم العلم بأبلغ الوجوه وآكَدِ البرهان، فإن صُدور القول المذكور منهم يدلُّ على فَرْط الغباوة من عدم التفطُّن، أو مخالفةِ العلم بالمكابرة، وإهمالُ العمل بمقتضى العلمِ جهلٌ أيضًا.
﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ يحتمل أن تكون (ما) استفهاميةً، و (ذا) بمعنى الذي وما بعدَه صلتُه، والمجموعُ خبرُ (ما)، وأن يكون مع (ما) اسمًا واحدًا بمعنى: أيَّ شيء، منصوبَ المحل على المفعولية، مثلَ: ما أراد الله؟ والأحسنُ في جوابه الرفعُ على الأول والنصبُ على الثاني؛ ليطابق الجوابُ السؤالَ.
والإرادة: نَزْعُ النفس وميلُها إلى الشيء، وهو نقيضُ الكراهة التي هي النُّفرة.
وإرادةُ الله تعالى ليست بصفةٍ زائدةٍ على ذاته كإرادتنا، بل هي عينُ حكمته التي تخصِّص وقوعَ الفعل على وجهٍ دون وجهٍ، وحكمتُه عينُ علمه المقتضي لنظام الأشياء على الوجه الأصلح والترتيبِ الاكمل، وانضمامها مع القدرة هو الاختيار.
وفي لفظةِ (هذا) استرذالٌ واستحقارٌ، كما في قول عائشة ﵂ في عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: يا عجبًا لابن عمرٍ وهذا (٢).
стр. 306
و (مثلًا) نصب على الحال، كقوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [هود: ٦٤]، أو على التمييز كما في قولك لمن أجاب بجواب ضعيف: ما أردتَ بهذا جوابًا؟
﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ بيانٌ للجملتين المصدَّرتين بـ (أمَّا)، وتقريرٌ لأنَّ العلم بكونه حقًّا من بابِ الهدى الذي ازداد به المؤمنون نورًا إلى نورهم، والجهلَ به واستنكارَه من باب الضلال والفسق الذي ازداد به الجهلةُ ظلمةً إلى ظلمتهم، وفيه تسجيلٌ على الفريقين بهداية المحقِّقين (١) ورشدِهم وضلالةِ المنكِرين وفسقِهم، وكونِ كلٍّ منهما موصوفًا بالكثرة في أنفسهم لا بالقياس إلى الآخر، أو الضالين بالعدد والمهديِّين بالقَدْر والحقيقة؛ كما قال:
إنَّ الكرامَ كثيرٌ في البلاد وإنْ … قَلُّو كما غيرُهم قَلٌّ وإنْ كَثُروا (٢)
فإنَّ المهديِّين أقلُّ من الضالين بالعدد، ولهذا قدم ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾.
وأمَّا احتمالُ كونه جوابًا لما في (ماذا)؛ أي: المراد إضلالُ كثيرٍ وهدايةُ كثيرٍ، أو: أراد إضلالَ كثيرٍ وهدايةَ كثيرٍ، فيأباه قوله: (مثلًا) فإن التمثيل لا يناسب أن يراد به الإضلال، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿الحشر: ٢١].
﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ الفسق لغةً: هو الخروج عن القصد؛ قال رؤبةُ:
فَوَاسِقًا عن قَصْدِها جَوَائِرا (٣)
стр. 307
ويستعمل في مجرد الخروج، يقال: فسقتِ الرطبة عن قشرها.
وشرعًا: هو الخروج عن أمر الله تعالى بارتكاب الكبيرة.
والمراد بالفاسقين هاهنا: الخارجون عن الإيمان؛ لدلالة ما بعده عليه، وقَصْرِ الخسران عليهم، وترتيبُ الضلال على الفسق يدلُّ على كونه مسبَّبًا عن الفسوق (١).
(٢٧) - ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ منصوبُ المحل صفة لـ (الفاسقين) للذمِّ، أو مبتدأٌ خبرُه ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ويكون بيانًا للفاسقين، وتسجيلًا عليهم بالخسران.
والنقض: الفسخُ وفكُّ التركيب (٢)، وأصلُه في طاقات الحبل، واستعمالُه في العهد من باب الاستعارة بالكناية بإيرادِ صفة المستعارِ منه دون إيراده، لينبِّه (٣) بالرمز
стр. 308
على أن العهد حبلٌ (١) في ثبات الوصلة بين المتعاهدين، وعلى هذا لا يَلزم أن يكون النقضُ مستعمَلًا في معنى الإبطالِ منقولًا عن معناه الأصلي (٢)، كما أن استعارة الأسد للشجاع واستعارةَ البحر للعالِم بطريق الكناية (٣) لا يلزمها (٤) خروج الافتراس والاغتراف عن معناهما الأصليين، بل نقول: مقتضى تلك الاستعارةِ أن يكون ما به الكنايةُ قارًّا في معناه الأصلي حتى يكون من خواصِّ المستعارِ منه حقيقةً.
والعهد: المَوْثِقُ، ولهذا قال في الوصية: عهد الله في كذا، إذا وصَّاه به ووثَّقه عليه، ووضْعُه لِمَا (٥) يُحفظ وُيراعى ويُتعهد كالوصية والشرط واليمين، ويقال للدار التي تراعَى والتاريخِ الذي يُحفظ: عهد.
وهذا العهدُ: إمَّا العهدُ المأخوذ بالفعل، وهو الحجَّة القائمة على عباده الدالَّةُ على جميع تصديقه في الإيمان، وعلى هذا أُوِّل قوله تعالى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] أو المأخوذ بالرسل على الأمم بأنهم إذا بُعث إليهم رسول الله المصدَّق بالمعجزات صدَّقوه واتَّبعوه، ولا تكتموا أمره، ولم يخالفوا حُكمه، وإليه (٦) أشار بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
стр. 309
﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ الميثاقُ ما وثِّق به العهد من القبول الإلزام والحَلِف وأمثاله، مِفْعَالٌ من الوَثاقة، والأصل في مفعالٍ أن يكون صفةً كمعطارٍ، أو آلةً كمِحْراث.
وقال ابن عطيةَ: اسمٌ بمعنى المصدر (١)، ولا نعلم مفعالًا جاء مصدرًا ولا عَدُّوه في أبنيته.
والضمير عائدٌ على العهد إنْ عُني به ما وثِّق به العهد، وعلى الله أو عليه إن عُنيَ به معنى (٢) المصدر.
﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ يحتمل كلَّ قطيعة، لكن الظاهر أنه توصيفٌ للفاسقين بأنهم يضيعون حقَّ خَلْقِ الله تعالى بعد توصيفهم بأنهم يضيِّعون حقَّه تعالى، وتضييعُ حقِّه (٣) تعالى بنقضِ عهده، وتضييعُ حقِّ خَلْقه بقطيعةِ أرحامهم.
والأمرُ: طلب الفعل ممن هو دونك، وبه سمِّي الأمر الذي هو واحدُ (٤) الأمور تسميةً للمفعول به بالمصدر، كأنَّ الداعيَ الذي يدعو إليه ويبعث عليه آمرٌ يأمر به، فهو مأمور به، كما سمي شأنًا، والشأن: الطلب والقصد، يقال: شَأَنْتُ شَأْنه؛ أي: قَصَدْتُ قَصْدَه.
و (أنْ يوصل) مخفوضُ المحلِّ بدلٌ من الضمير في (به) للاشتمال، أو على تقدير اللام.
﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بقطع الزرع والنسل، وهَيْجِ الحروب والفتن، وإحداثِ الهَرْج والمَرْج، ولذلك قصر في قوله:
стр. 310
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ الخسارَ عليهم؛ لخروجهم عن مقتضى الفطرةِ، واستبدالِهم ظلمةَ الجهل بالنور الفِطري، والغوايةَ بالهداية الأصلية التي هي نور العقل، والنقضَ بالوفاء، والقطعَ بالوصل، والفسادَ بالصلاح، والعقابَ بالثواب.
(٢٨) - ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ (كيف) للاستفهام عن الحال، والمراد: الإنكار والاستبعاد والتعجُّب، وليس فيه معنى الإخبارِ وإلا يلزم الجمع بين المعنى الحقيقيِّ والمجازيِّ.
ولمَّا عُلم امتناعُ وقوع الشيء على غير حالٍ من الأحوال، كان إنكار حالٍ مّا من (١) أحوال الكفر إنكارَ نفسِ الكفر على الطريق البرهاني، فيكونُ من باب الكناية بنَفْي اللازم عن نفي الملزوم، فيفيدُ كونَ الكفر بالله مع العلم بالحالةِ الآتي ذكرُها كالمستحيل في نفسه؛ لقوَّة الدليل الموجِبِ للإيمان؛ فإنها آياتٌ بيِّنات، ولهذا كان الاستفهام الإنكاري بـ (كيف) أبلغَ من الاستفهام الإنكاري بالهمزة.
وحملُ الكفر على معنى الكفران المقابلِ للشكر (٢) تأباه الباء في قوله:
﴿بِاللَّهِ﴾ لأنَّه لا يقال: كَفَر بالمنعِم وبالنعمة، بل يقال: كَفَر المنعِمَ والنعمةَ، ولأن بعضَ ما ذُكر ليس من النِّعم كما لا يخفى.
стр. 311
والخطاب مع الذين كفروا؛ لمَّا وَصَفهم بالكفر، وسوءِ المقال، وخُبثِ الفعال، خاطَبهم على طريق الالتفات، ووبَّخهم على كفرهم مع علمه (١) بحالهم المقتضيةِ خلافَ ذلك.
﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾؛ أي: أجسامًا لا حياة لها عناصرَ وأغذيةً، ونطفًا ومضغًا.
والأموات: جمع الميْت؛ كالأقيال جمع القيْل (٢)، وإطلاقُها على تلك الأجسام من قَبيل إطلاق المقيَّد على المطلَق مجازًا كإطلاق المَرْسن (٣) على الأنف.
وقيل: بطريق الاستعارة؛ للاشتراك مع الأموات الحقيقية، وهي التي زال عنها الحياة في عدم الروح والإحساس، وفيه نظر (٤).
والواو للحال، والمنصوبُ على الحال ليس فعلًا واحدًا بل جملةُ قوله: ﴿وَكُنْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿تُرْجَعُونَ﴾، وهي وإن كانت بعض أجزائها ماضيًا وبعضُها مستقبلًا، ولا يصحُّ كونها حالًا حتى يكون فعلًا مقارنًا لوجود ما هو حالٌ عنه، لكن معناها: وحالُكم المشهورةُ وفضلكم (٥) المعلومةُ هذه، فيَؤُول معناها إلى قوله: كيف تكفرون في حال علمكم بهذه القصة.
﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ بنفخ الأرواح فيكم، وأمَّا خلقُ الأرواح فلا دليل على تأخُّره عما
стр. 312
ذكر، بل الظاهرُ من بعض الأحاديث تقدُّمُه عليه، والعطفُ بأداةِ التعقيبِ لأنَّه متصلٌ بما عُطف عليه من (١) غيرِ ترَاخٍ عنه بخلافِ البَوَاقي.
﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عند انقضاء آجالكم.
﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بالنشورِ، يومَ يُنفخ في الصور، لا للسؤال في القبور؛ إذ لا يناسبه التنزيلُ منزلةَ البديهيِّ في الظهور.
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بعد الحشر ليجازَيكم بأعمالكم، أو: تُنشرون إليه من قبوركم للحساب.
وهذه الأمورُ بعضُها معلومٌ بالضرورة، وبعضُه - لوضوح أدلَّته النقليَّة - جُعل كالمعلوم بالبديهة لقوةِ التَمكُّن من العلم به.
(٢٩) - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ لأَجْلكم، ولانتفاعكم به في دنياكم ودينكم: أمَّا الأولُ فظاهر، وأمَّا الثاني فبالنَّظرِ فيه وما فيه (٢) من عجائبِ الصنع الدالَّةِ على الصانع القادر الحكيم، يعني: إنَّ الحكمة والمصلحة في خَلْقه انتفاعُكم، وهذا لا يُنافي التوقُّفَ في الانتفاع به على الرخصة من جهةِ الشرع، حتى يكون فيه دلالةٌ على أن الأصل في الأشياء الإباحةُ، ولا الاختصاصَ في البعضِ ببعضِ الطارئ بسببِ
стр. 313
بعضِ العوارض، حتى يُحتاج إلى أن يقال: إن الكل للكلِّ على التوزيع، فإنَّ المعتبرَ صلاحيةُ الانتفاع بالفعل.
وإيرادُ الضمير مبتدأً، وبناءُ (الذي) عليه دونَ إيقاعه صفةً لله تعالى، يفيدُ التخصيصَ والتعظيم؛ أي: هو الخالقُ لِمَا ذُكر دون غيرِه.
والمراد من (الأرض): الجهةُ السفلية، فـ (ما في الأرض) يتناولُ الأرضَ وما فيها.
﴿جَمِيعًا﴾ نصبٌ على الحال من (ما في الأرض)، وهو للمبالغة في التكثير لا (١) للاستغراق؛ كلفظ (كل) في قوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] وقولهِ: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [النحل: ٦٩]؛ لأن في الأرض ما لا صلاحيةَ فيه للانتفاع، ولا هو في مَعرِض الاعتبارِ لكونه مستورًا عن النظر.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ الاستواء: الاعتدال والاستقامة، مِن استوى العُودُ: إذا قام واعتدل، واستوى إليه: قَصَده قَصْدًا مستويًا لا اعوجاجَ فيه؛ كالسهم المرسَل من غيرِ ميلٍ إلى غيره، وسوَّاه: عَدَّله وقوَّمه.
والاستواءُ (٢): طلبُ السَّواء، وإطلاقُه على الاعتدال لِمَا فيه من تسويةِ وضعِ الأجزاء، ولا يمكن حملُه عليه لأنَّه من خواصِّ الأجسام.
وقيل: استوى إليه، بمعنى: استوى عليه ومَلَك؛ قال:
قد استَوَى بِشرٌ على العِراق (٣)
стр. 314
والأولُ أوفق للأصل، والتسويةِ المرتَّبة عليه.
والمرادُ من السماء: هذه الأجرامُ العلويَّةُ، أو جهاتُ العلوِّ.
﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ (هن): ضميرٌ مبهَمٌ فسَّره (سبعَ سماوات) بيانًا (١) له.
وقيل: راجع إلى (السماء) لأنَّه في معنى الجنس، و (سبعَ سماوات) حال، وقيل: جمع سماءةٍ، والوجهُ الأولُ.
وقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ جملة اعتراضية.
و (ثمَّ) للتفاوت بين الخَلْقَين، وبيانِ فضلِ خَلْقِ السماء على الأرض، استُعيرَ من معنى التَّراخي لبُعدِ خَلْقِ السماء مِن خَلْقِ الأرض في الرُّتبة، ولهذا عضَده ورشَّحه بالإبهام والتفسيرِ ليفيدَ عظمةً ورِفعةً في النَّفس، ثمَّ قوَّاه بالجملةِ الاعتراضيةِ؛ لإفادةِ أنَّ مثلَ ذلك الخَلْقِ لا يكونُ إلا عن علمٍ تامٍّ بالغٍ فوقَ كلِّ ذي علمٍ، فمعنى (ثمَّ): أنه مع خَلْق هذه الأشياءِ البديعة العجيبة أَقْدَم على خَلْق ما هو أبدعُ منها وأعجبُ، وأبعدُ من الوهم والقياس، من غيرِ ميلٍ إلى شيءٍ غيرِه، فلا يدلُّ على تأخُّر خلقِ السماء عن الأرض بالزمان، بل على شدة تبايُنهما وتفاضُلهما.
(٣٠) - ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
стр. 315
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (إذ) ظرفٌ ينتصِب بإضمارِ: اذكُرْ، فيكون عطفًا على قوله: ﴿وَبَشِّرِ﴾ على الوجه الذي جُعل (١) عطفَ قصةٍ على قصة، وما تخلَّلَ ليس بأجنبيٍّ بل مِن تمامِ القصة.
وأحسنُ منه لقرب مأخذه وصحتِه على الأوجهِ أن يقدَّر: (فتدبَّرْ) أو نحوُه، بعد قوله: ﴿وَهُوَ (٢) بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، ويكون (واذكر) عطفًا عليه، ولمَّا كان هذا من أجلِّ النِّعم على نوع البشر، ومن أدلِّ الدليل على عناية الباري تعالى بشأن (٣) هذا النوع، كان العطف عقيبَ تعداد النعم مناسبًا؛ كأنه قيل: فتدبَّرْ ذلك واذكر هذه النعمةَ خاصةً فإن فيها بلاغًا لمَن تَذكَّرَ.
ويجوز أن ينتصب بـ ﴿قَالُوا﴾، وحينئذٍ يتعيَّن أن يكون عطفَ قصةٍ على قصةٍ متقدِّمةٍ من قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾، أو من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ وقد سبق أنها قصةٌ واحدة في المساق والغرض (٤)، وأنَّه لا يجبُ مراعاة الخبر والطلب في هذا الضرب.
والملائك: جمع ملأكٍ على الأصل؛ كالشمائل في جمع شمألٍ، وإلحاقُ التاء لتأنيث الجمع، كما في الصَّياقِلة في جمع صَيْقَلٍ.
والخليفة: فَعيلةٌ بمعنى الفاعل، مَن خَلَفَ غيرَه: إذا قام مَقامَه، والتاءُ فيه للمبالغة.
стр. 316
﴿فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ كانا في الأصل مبتدأً وخبرًا انتَصَبا بمفعولي ﴿جَاعِلٌ﴾ من (جَعَل) المتعدِّي إلى مفعولين بمعنى (صيَّر)، والمعنى: إني جاعلٌ في الأرض خليفةً مني؛ أي: مَن يخلُفني ويقومُ بأمري في الأرض.
وقيل: منكم؛ أي: مَن يخلُفكم ويسكنُ مكانَكم؛ لأنهم كانوا قبل آدم سكانَ الأرض، فخلَفهم منها آدمُ وذرَّيتُه، واستُغنيَ بذكر آدم عن ذكر ذريته كما يُستغنَى بذكر أبي القبيلة عنها في قولك: مُضَرُ وهاشمٌ.
أو أُريدَ به الجنس؛ أي: مَن يخلُفكم.
وإنما أخبرهم بذلك ليَعرفوا بسؤالهم وجوابه حكمةَ الله تعالى في قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ إذ الملائكةُ تطَّلع على تفاصيل وجوده وخواصِّ قُواه؛ من الإفسادِ في الأرض وسفكِ الدماء المختصَّين بالقُوى الشَّهْوانية والغَضَبية، ولا تطَّلع على خواصِّ الهيئة الاجتماعية، وعلى خواصِّ ما فوق أطوارهم من المعارف والأسرار الإلهية، أو قاسُوا الإنسَ على الجنِّ حيث أُسكنوا الأرض قبل الملائكة فأفسدوا فيها، ولذلك استبعَدوه وتعجَّبوا منه.
وليس فيه تعليمُ المشاوَرة؛ لأنَّه ليس بطريقِ المشورة؛ قال الراغب: ليس قولُه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ على [سبيل] الاستشارة، فإنَّ (١) الاستشارةَ استمدادٌ في العلم من المستشار، واللهُ منزَّهٌ عن ذلك، وإنَّما هو إعلامٌ كإعلامه إيانا كثيرًا من الكائنات لمصلحةٍ مّا (٢). ولا البشارةُ بوجود المجعول؛ لأنها إنما تكون بالخبر السارِّ، والقيدُ المذكور مقصودُ (٣) هاهنا على ما يُفصح عنه قولُهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ﴾ … إلخ.
стр. 317
﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ لمَّا كان قول الملائكة مع عصمتهم ظاهرَ الاعتراض، تأوَّله العلماء على وجوهٍ أحسنُها عندي: أنهم كانوا حين الخطاب لهم مجمَلين، وإبليسُ مندرجٌ في جملتهم، فورد منهم الجوابُ مجمَلًا، فلمَّا انفصل إبليس عن جملتهم بإبائه واستكباره انفصَل الجواب إلى نوعين: فنوعُ الاعتراض كان عن إبليس، ونوعُ التقديس والتسبيح كان من الملائكة، فانقسم الجواب إلى قِسمَين كانقسام الجنس إليهما، وناسَبَ كلُّ جوابٍ لمن ظَهر عنه.
وكان (١) الظاهر المطابق للخطاب السابق أن يقولوا: أتجعلُ فيها خليفةً مَن يُفسد؟ وإنما عدَلوا عنه إلى ما ذُكر صرفًا للتعجُّب إلى جعلِ المفسِد وخلْقهِ في الأرض مع قطع النظر عن معنى الخلافة، يعني: إن وجودهم فيها محلُّ استبعادٍ فأنَّى كونُهم خليفة.
وَيحتمِل أن يكون القصد تجريدَ التعجب عن شَوْب التعصب، فإن في ذكرهم بوَصْفِ الخلافة تعرُّضًا لِمَا هو مطمحُ نظرهم.
وأمَّا قصدُ الاستكشاف عمَّا خَفي عليهم من الحكمة التي بهرت تلك المفاسدَ، والاستخبارِ عمَّا يرشدهم ويزيحُ شبهتهم كسؤالِ المتعلِّم معلِّمَه (٢)، فيأباه ما في توصيفهم أنفسَهم بالتسبيح والتقديس من التَّعريض، وما في قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من عدمِ البيان لِمَا اشتَبهَ عليهم لا يناسبه.
﴿مَنْ يُفْسِدُ﴾ أحد مفعولي (تَجعلُ)، والثاني ﴿فِيهَا﴾ وإنما قدَّم للاهتمام، وفي تكرير ﴿فِيهَا﴾ تنبيهٌ على أنَّ ما كان محلًّا للعبادة لا يناسب أن يكون محلًّا للفساد.
стр. 318
والسَّفْكُ والسَّبْكُ والسَّفْحُ والسَّنُّ والشَّنُّ والصَّبُّ متقاربةٌ وبينها فروق: فالصبُّ أعمُّ من هذه الألفاظ والسَّفكُ يقال في الدم والدمع، والسبكُ في الجواهر المذابة، والسفحُ في الصبِّ من أعلى، والشَّنُّ والسَّنُّ للصبِّ عن القِربة ونحوِها.
﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ الواو في ﴿وَنَحْنُ﴾ للحال؛ كما تقول: أتُحْسِنُ إلى فلان وأنا أحقُّ منه بالإحسان؟!
وقوله: ﴿بِحَمْدِكَ﴾ في محل الحال؛ أي: ملْتبِسِينَ بحمدك، بمعنى: حامِدِينَ لك.
والتسبيح: تنزيهُ الله (١) تعالى من النقص والسوء قولًا واعتقادًا، أصله من السَّبْحِ وهو سرعةُ الذهاب في الماء، واستُعير لمرِّ النجوم في الفلك ولجَرْي الفَرَس، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧]؛ أي: سعةَ ذهاب.
وسبَّحْتُه عن كذا؛ أي: نزَّهْتُه.
والتقديس: التطهير، من قَدَسَ في الأرض إذا ذهب فيها وأَبْعَدَ، ثم استُعمل في التطهير لأنَّ مطهِّر الشيء مبعدُه عن الأقذار.
ومعنى (نقدِّس لك): نقدِّسُك، واللامُ مزيدةٌ.
وقيل: نقدِّس نفوسَنا لأجلك، كأنهم قابَلوا الفسادَ بالتسبيح، وسفكَ الدماء بتطهير النفس، وليس ذلك إظهارًا للمنة، بل هو على حسَبِ ما يقول مجتهدٌ يجب أن يفوِّض صاحبه إليه خدمةً مّا، فيقول: تأمر الخدمة لغيري (٢) وأنا مجدٌّ فيها، وعلى ذلك قولهم: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٥ - ١٦٦].
стр. 319
﴿قَالَ﴾ تعالى في جوابهم (١): ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فعرَّض ولم يصرِّح هاهنا؛ ليُريَهم فضيلة الإنسان وما خُصوا به من العلم والعمل اللذَين يَقصُر الملَك عنهما عِيانًا ومشاهَدةً، وإنما أَبْهم بيانَ استحقاقه فيه ليُقرُّوا بالعبودية، ويعرفوا أن له وراء علمهم علمًا هم عنه محجوبون، وكفى العبادَ علمُهم بذلك ليزدادوا تعظيمًا له، ويتبيَّنوا نقصَهم وكمالَه.
ثم بيَّن لهم بعضَه فيما بعدُ ليَعظُم عندهم وقعُه، فيرجعوا ويسلِّموا ويعترفوا بنقصهم، وتلينَ شكائمُهم.
هنا جملةٌ محذوفة يَتمُّ بها المعنى ويصحُّ (٢) العطف، وتقديرُها: فجعل في الأرض خليفةً، وسماه آدمَ، فالواوُ المذكورةُ فصيحةٌ.
(٣١) - ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ التعليم حقيقةً: فعلٌ يترتَّب عليه العلم ولا يتخلف عنه، وقد يُطلق مجازًا على إلقاء مقدِّمات العلم، وهو الذي يترتب عليه العلم غالبًا، وقد يتخلف عنه، وهو المراد في قولهم: علَّمتُه فلم يَتعلَّم.
ومعنى تعليمِ الأسماء: أنه أراه أجناس المخلوقات، وبيَّن أن هذا اسمُه فرس وأن هذا اسمُه بقر، على أن المراد من (الأسماء): الألفاظُ الموضوعة للمعاني مفردةً كانت أو مركَّبةً مخبَرًا عنها أو خبرًا، أو رابطةً بينهما.
стр. 320
أو بيَّن أن هذا للركوب وهذا للحرث، على أن المراد منها سماتُ (١) الأشياء وخصائصُها.
ولا علم لنا بطريق تعليمه تعالى آدم الأسماء (٢).
واعلم أنهم بعدما اتفقوا على أن دلالة الألفاظ وضعيَّةٌ اختلفوا في تعيين الواضع: فذهب قوم إلى أنه هو الله تعالى، ويسمى هذا المذهب مذهبَ التوقيف.
وذهب قوم إلى أنه هو الناس، ويسمى هذا المذهب مذهبَ الاصطلاح.
وبعضُهم إلى التوزيع (٣)؛ أي: بعضُه توقيفيٌّ وبعضُه اصطلاحيٌّ.
وذهب بعضهم إلى التوقُّف (٤).
فإن كان النزاع في الظهور لا في القطع فالظاهرُ من الآية (٥) هو الأول المذكور، وعلى المذهب الثاني لا يلزم من الحاجة إلى سابقةِ اصطلاحٍ التسلسل؛ إذ يجوز أن يُعرف القَدْرُ المحتاجُ إليه في الاصطلاح بالترديد والقرائن كما يُعرف الأطفال، والله أعلم بحقيقة الحال.
وآدمُ وزنه فاعَل - كآزرَ وعازَرَ وشالَخَ وفالَغَ - إن كان عجميًا (٦)، وأَفْعَلَ على أنه مشتقٌّ من أديم الأرض إنْ كان عربيًّا.