﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ﴾ يعني: محمَّدًا ﵇، والضَّمير لأهل مكَةَ، عادَ إلى ذكرهم بعدما ذكرَ مَثلَهم.
﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾: ما أصاب مِنَ الجَدْب الشَّديد، أو ضرب الحديد في حرب بدر.
﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾: في حال التباسهم بالظُّلم.
* * *
(١١٤) - ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.
﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ أمرهم بأكل ما أَحلَّ لهم، وشُكر ما أَنعم عليهم، بعدما زجرهم عن الكفر، وهدَّد عليه (١) بما ذكر مِنَ التَّمثيل والعذاب الذي حلَّ بهم، صدًّا لهم عن صنيع الجاهلية ومذاهبهم الفاسدة.
ومعنى الفاء في ﴿فَكُلُوا﴾: التَّسبيب، أي: إذا نُبِّهْتُم على سوءِ صنيعِ أهلِ القريةِ ووَخامةِ عاقبتِهم، وذُكِّرْتُم بالتَّمثيلِ، فاعتبِروا بحالِهم، وخذوا بضدِّ ما أنتم عليه من طريق الجاهلية، كيلا يحلَّ بكم مثلَ ما حلَّ بهم.
وجُعل هذا الوصل ذريعةً إلى ما رُتِّبَ عليه مِن تعداد نوعٍ آخرَ من قبائحهم.
وقد سبق في تفسير سورة البقرة ما يتعلَّق بهذا الكلام من وجوه الإعراب، وما في قوله: ﴿طَيِّبًا﴾ من الفائدة الزَّائدة.
﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ إضافة النِّعمة إليه تعالى للتَّشريف، فإنَّ عبادته لا
стр. 2557
تَتمُّ إلَّا بالشُّكر على نعمه، فلا وجهَ لِمَا قيل: إنْ صَحَّ زعمُكم أنَّكم تقصدون بعبادة الآلهة عبادتَه؛ لأنَّ مبناه على اعتبار التَّخصيص في الشَّرط المذكور.
﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ وتقديم المفعول لمحافظة الفاصلة؛ إذ لا دخل لمعنى التَّخصيص في التَّعليق.
* * *
(١١٥) - ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قد سبق تفسيره في سورة البقرة وسورة الأنعام.
لَمَّا أمرهم بتناول ما أحلَّ لهم عدَّد عليهم حرماته (١)؛ ليعلموا أنَّ ما عدَاها حِلٌّ لهم، ثمَّ أكَّد ذلك بالنَّهي عن التَّحريم والتَّحليل بأهوائهم فقال:
(١١٦) - ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾.
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ كما قالوا: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ الآية [الأنعام: ١٣٩].
ومقتضى سياق الكلام وتصدير الجملة بـ ﴿إنَّمَا﴾ حصرُ المحرَّمات في الأجناس الأربعة وقتَ نزول تلك الآية (٢).
стр. 2558
وانتصاب ﴿الْكَذِبَ﴾ بـ ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾، و ﴿هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ بدلٌ منه، أو متعلِّق بـ ﴿تَصِفُ﴾ على إرادة القول؛ أي: ولا تقولوا الكذبَ لِمَا تصف ألسنتكم فتقول هذا حرام وهذا حلال، أو مفعول ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾، و ﴿الْكَذِبَ﴾ منتصِب بـ ﴿تَصِفُ﴾، و ﴿مَا﴾ مصدرَّية، أي: ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب؛ أي: لا تحرِّموا ولا تحلُّوا بمجرَّد قولٍ تنطق به ألسنتكم من غير دليلٍ.
وفي نصب ﴿الْكَذِبَ﴾ بوصف الألسنة نوعٌ من المبالغة بديعٌ، ووجهٌ من الفصاحة جميل، ومبالغةٌ في وصف كلامهم بالكذب عظيمةٌ، وهو أنَّه جُعل كأنَّه نفسُ الكذب وحقيقتُه، وكانت مجهولةً فعرَّفته (١) ألسنتهم بوصفها وحِلْيتها، وبيَّنه بكلامهم هذا، كقولهم: وجهُها يصفُ الجمالَ، وعينُها تصف السِّحر.
ورُدَّ هذا الوجه الأخير بأنَّ النُّحاة نصُّوا على أنَّ المصدر المنسبك مِنْ (أنْ) والفعل لا يُنعت، لا يقال: لا يعجبني أن تخرج السريعُ (٢)، ولا فرقَ بين هذا وباقي الحروف المصدريَّة.
وقرئ: (الكَذِبِ) بالجرِّ بدلًا من ﴿مَا﴾، و: (الكُذُبَ) جمع كذوب أو كِذَاب،
стр. 2559
بالرفع (١) صفة للألسنة، وبالنَّصب على الذَّم، أو بمعنى: الكَلِم [الكواذب] أو هو جمع] الكِذَاب (٢).
﴿لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ تعليلٌ لا يتضمَّن الغرض.
لَمَّا كان المفتري يفتري لتحصيل مطلوبٍ نفى عنهم الفوز بقوله:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾: لا يُجدي عليهم افتراؤهم شيئًا. ثمَّ بيَّنه بقوله:
(١١٧) - ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾؛ أي: منفعتُهم، فمَا (٣) هم فيه من الأفعال الجاهليَّة والتَّحريم والتَّحليل منفعةٌ قليلةٌ تنقطع عن قريبٍ.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة.
* * *
(١١٨) - ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾؛ أي: في سورة الأنعام، في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الخ [الأنعام: ١٤٦].
﴿مِنْ قَبْلُ﴾ متعلِّق بـ ﴿قَصَصْنَا﴾، أو بـ ﴿حَرَّمْنَا﴾.
стр. 2560
﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ بالتَّحريم ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ فحرَّمنا عليهم ببغيهم، وهو قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ﴾ [النساء: ١٦٠].
وفيه تنبيهٌ على الفرق بينهم وبين غيرهم في التَّحريم، وأنَّه كما يكون للمضرَّة يكون للعقوبة.
* * *
(١١٩) - ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ﴾ يعمُّ الافتراء على الله تعالى وغيرَه.
﴿بِجَهَالَةٍ﴾: بسببها، أو ملْتبِسين بها، وتنكيرُها للإبهام، فتشمل عدم العلم بالله تعالى وصفاته، وعقابه وثوابه، وعدمَ التَّدبُّر للعواقب بسبب الغفلة اللَّازمة للانهماك في الشَّهوات، ومتابعةِ الهوى في طلب اللَّذات.
﴿ثُمَّ تَابُوا﴾ قد دلَّ ﴿ثُمَّ﴾ بالتَّراخي، إلَّا أنَّها قد تُستعار للتَّراخي في الرُّتبة، ولهذا زاد قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ السُّوء.
﴿وَأَصْلَحُوا﴾؛ أي: تابَ عنه وندم عليه وعزم أن لا يعود (١) إليه (٢)، وأصلح العمل في المستأنف.
﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾: مِن بعد التَّوبة، وأمَّا الإصلاح فهو تكميل للتَّوبة لا أنَّها شيء آخر، ولهذا لم يذكر في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ١٧].
стр. 2561
وإنَّما أعيد ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ على سبيل التَّأكيد؛ لطول الكلام ووقوع الفصل.
﴿لَغَفُورٌ﴾ لذلك السُّوء ﴿رَحِيمٌ﴾: يثيب على الإنابة المستتبِعة للعمل الصالح.
* * *
(١٢٠) - ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾؛ أي: كان وحده أمَّة؛ لحصول الكمالات والفضائل التي لا تكون إلَّا متفرعة في أمَّة كثيرة مجموعةٍ فيه:
ليسَ من اللهِ بِمُسْتَنْكَرٍ … أنْ يَجْمَعَ العَالَمَ في وَاحِدِ (١)
وهو رئيس الموحِّدين، وقدوة المحقِّقين، جادل فِرَقَ المشركين، وأبطل مذاهبهم الزَّائغة بالحُجَج الدَّامغة، ولذلك عقّب ذكره بتزييف مذاهب المشركين مِنَ الشِّرك والطَّعن في النُّبوَّة، وتحريم ما أحلَّه الله تعالى، أو لأنَّه ﵇ كان وحده مؤمنًا وسائر النَّاس كفارًا.
وقيل: هي فُعلة بمعنى مفعول، كالرُّحلة والنُّخبة (٢)، مِن أَمَّهَ: إذا قصده أو اقتدى به، فإنَّ النَّاس كانوا يؤمُّونه للاستفادة ويقتدون بسيرته، كقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤].
﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾: مطيعًا له، قائمًا بأمره.
﴿حَنِيفًا﴾: مائلًا عن كلِّ ذي باطلٍ، مائلًا إلى دين الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧].
стр. 2562
﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾؛ أي: لم يكُ مِنْ عِدادهم، وهذا في سياق النَّفي أبلغ من: لم يشرك، والمراد: استمرار النَّفي، لا نفيُ الاستمرار، فمفهوم (كان) مُقدَّم على مفهوم (لم) في الاعتبار.
وإنما نفى عنه ﵇ الشِّرك على أبلغ وجه تكذيبًا لكفار قريش في زعمهم أنهم على ملَّة أبيهم (١) إبراهيم ﵇، وترغيبًا لهم إلى التَّوحيد ودين الإسلام.
* * *
(١٢١) - ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
﴿شَاكِرًا﴾ يجوز أن يكون خبرًا ثالثًا، أو حالًا من أحد الضَّميرين في ﴿قَانِتًا﴾ و ﴿حَنِيفًا﴾.
﴿لِأَنْعُمِهِ﴾ إنما جاء بلفظ القِلَّة للتَّنبيه على أنَّه ﵇ كان لا يُخِلُّ بشكر النِّعَمِ القليلة فكيف بالكثيرة؟!
هذا ما بحسَب جليل النَّظر، والذي هو بحسب دقيقه: أنَّه للتَّنبيه على صعوبة مقام الشُّكر لكلِّها (٢) بالإشارة إلى عجز البشر، وذلك أنَّه عيه السلام - مع جلالة قدْره - لَمَّا كان قاصرًا (٣) عن شكر النِّعَم الكثيرة (٤)، فغيرُه أولى بالقصور عنه.
وإنَّما قلنا: (إنه لَمَّا كان قاصرًا) لأنَّ المقام مقام مدحه بما كان فيه من
стр. 2563
الأوصاف الكاملةْ، فلولا القصور عنه لكان المذكور على صيغة جمع (١) الكثرة.
﴿اجْتَبَاهُ﴾: اختاره واختصَّه لنفسه، والاجتباء هو أن يأخذ الشَّيءَ بالكليَّة، وأصله: جمع الماء في الحوض، وهو الجابية (٢)، حال أو خبر آخَر لـ ﴿كَانَ﴾.
﴿وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: أرشده إلى طريقِ الحقِّ.
* * *
(١٢٢) - ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ هي (٣) اسمٌ جامعٌ لكلِّ حالٍ (٤) جميلةٍ، فيتناول كلَّ خصائصه المذكورة في النُّصوص؛ من الرِّسالة والخُلَّة واللِّسان الصِّدق (٥) وغير ذلك.
والعدولُ من الغيبة إلى التُّكلُّم للالتفات؛ تعظيمًا لشأنه، وتفخيمًا لما أعطاه.
﴿فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾: المستحقِّين لكلِّ منزلةٍ رفيعةٍ ودرجةٍ عالية في الجنَّة، لم يقل: (وجعلناه في الآخرة من الصَّالحين) تنبيهًا على أنَّه آثر ذلك الإيتاء إلى أمرٍ آخر، فتدبَّر.
* * *
стр. 2564
(١٢٣) - ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ الخطاب لنبيِّنا ﷺ ، وفيه إشارة إلى أنَّ مِن أَجَلِّ ما أوتي خليلُ الله صلوات الله عليه، وأَشْرَفِ ما أُولي مِنَ النِّعمة والكرامةِ: اتِّباعُ رسولِ اللهِ ﷺ مِلَّتَه؛ لأنَّه (١) من جهة أنَّ ﴿ثُمَّ﴾ دلَّت على تباعُد هذا النَّعت في المرتبة عن سائر النُّعوت الَّتي أثنى الله بها عليه، وفيها من تعظيم منزلة رسول الله ﷺ وإجلال محلّه ما لا يخفى على الفَطِن.
وفي لفظ: ﴿أَوْحَيْنَا﴾، ثم الأمرِ باتَباع الملَّة لا اتِّباعِ (٢) إبراهيم ﵇ ما يدلُّ على أنَّه ﵇ ليس بتابعٍ له، بل هو مستقلّ بالأخذ عمَّن أخذ إبراهيمُ ﵇ عنه.
وبهذا البيان اندفع ما عسى أنْ يتبادر إلى الوهم مِنْ أنَّه ﵇ كان دون إبراهيم ﵇، ولذلك أُمِرَ باتِّباعه.
واتَّضح إيثار ﴿فَبِهُدَاهُمُ﴾ على: فبِهِم، في قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
والمراد من الاتِّباع: الاتِّباع في أصول الدِّين لا في فروعه؛ لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
والملَّةُ: ما شرَعه الله تعالى لعباده على لسان أنبيائه ﵈، مِن أمللْتُ الكتابَ: إذا أملَيْتَه (٣).
стр. 2565
﴿حَنِيفًا﴾ ولَمَّا كانَ التَّوصيف بالحنيف في مقام التَّعليل للأمر بالاتِّباع كانَ في معنى: فإنَّه مالَ عن الأديان الباطلة، فعطف عليه قوله:
﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بل كان قدوةَ الموحِّدين.
* * *
(١٢٤) - ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ﴾: فُرِضَ عليهم تعظيمُه والتَّخلِّي فيه للعبادة وتركِ الصَّيد.
﴿السَّبْتُ﴾: مصدر سبَتَتِ (١) اليهود: إذا عظَّمَتْ سَبْتَها.
﴿عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾: على نبيِّهم، وذلك أنَّ موسى ﵇ أمرهم أن يتفرَّغوا للعبادة يوم الجمعة، فأبوا وقالوا: نريد يوم السَّبت الذي فرغَ الله تعالى فيه من خلق السَّماوات والأرض، إلَّا شرذمةً منهم قد رضوا بالجمعة، فذلك اختلافهم في السَّبت، فألزمهم الله تعالى السَّبت، وشدَّد الأمر عليهم، وذكَرهم هاهنا لتهديد المشركين، كذكر القرية التي كفرَتْ بأنعم الله تعالى.
﴿رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾؛ أي: يحكم للمحِقَين بالثَّواب، وللمبطِلين بالعقاب؛ تمييزًا بينهم، وفصلًا لخصومتهم في محلِّ الاختلاف، وهذا ظاهر في أنَّ الاختلاف إنَّما كان بين العاصين والمطيعين، ويشهد لذلك ما في
стр. 2566
(سورة الأعراف) من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٦٤].
فلا وجه لما قيل: معناه: إنَّما جعل وَبالُ السَّبت، وهو المسخ على الذين اختلفوا فأحلُّوا الصَّيد تارة وحرَّموه أخرى واحتالوا الحيل.
* * *
(١٢٥) - ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
﴿ادْعُ﴾ حذف المفعول للتَّعميم، وفيه الإشارة إلى البعثة (١) العامَّة، والتَّنبيهُ على فضله ﵇ على مَن تقدَّمه مِنَ الرُّسل، وفيه تأييدٌ للتَّدارك السَّالف ذكرُه.
﴿إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾: إلى الإسلام.
﴿بِالْحِكْمَةِ﴾: بالمقابَلة المحكمَة، وهو الدَّليل القاطع الموضِّح للحقَ، المزيل للشبهة.
﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾: بالخطابيَّات (٢) الإقناعيَّة، والعِبَر النَّافعة، على وجهٍ لا يخفى عليهم أنَّكَ تُناصحهم وتقصد ما ينفعهم.
والأُوْلَى لدعوة خواصِّ الأمَّة الطَّالبين للحقائق، والثَّانية لدعوة عوامِّهم.
﴿وَجَادِلْهُمْ﴾: وجادل معانديهم ﴿بِالَّتِي هِيَ﴾: بالطَّريقة التي هي ﴿أَحْسَنُ إ﴾ طرقِ المجادلة؛ من الرِّفق واللِّين، واختيارِ الوجه الأيسر والطَّريق الأشهر، فإنَّ ذلك أشدُّ تسكينًا لشغبهم (٣)، وتليينًا لعريكتهم.
стр. 2567
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾؛ أي: ما عليك إلَّا الدَّعوةُ بهذه الطُّرق، وأمَّا الهدايةُ والمجازاة فليسا إليك؛ فإنَّ الله أعلم بهم، فمَن هديتُه كفاه القدْرُ اليسير من الحكمة إن كان مستعدًّا لها، والموعظة إن كان قائلًا غير منكِرٍ، والجدل الحسن الرَّقيق (١) إن (٢) كان منكرًا منصفًا (٣)، فلا حيلة في هدايته إن (٤) كان معاندًا، فكِلْ أمرَه إلى مَن هو أعلم به فإنَّه يجازيه.
وإنَّما قدَّم الضَّالَّ؛ لأنَّ الكلامَ واردٌ فيهم، والخطابَ دائرٌ معهم، وذكرَ مقابله بصيغة الفاعل؛ لأنَّ الدَّوام والثَّبات يناسب حاله.
* * *
(١٢٦) - ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾.
﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ لَمَّا أمره ﵇ بالدَّعوة، وبَيَّن له طرقها، أشار إليه وإلى مَن تابعه بمراعاة الحقِّ مع الخلق، وملازمةِ طريق العدالة مع مَن يناصبهم؛ لأنَّ الدَّعوة لا تخلو عن المناداة (٥) والمناصبة، من حيث إنها ترفع العادات وتبعث على رفض (٦) المألوفات، وتقدح (٧) في الأديان والمعتقدات، وتحكم على أهلها بالكفر والضَّلال.
стр. 2568
روي أنَّ المشركين مثَّلوا بالمسلمين يوم أُحُد، ووقف رسول الله ﷺ على حمزة ﵁ وقد مُثِّل به، فقال: "أمَا والذي أحلف به، لئن أظفرني الله بهم لأمثلنَّ بسبعين مكانك"، فنزلَتْ، فكفَّر عن يمينه (١).
وفيه أمر رخصةٍ في المُثْلَة بواحد، ثم نُسِخَتْ المثلة.
وفيه حثّ على العفو؛ تعريضًا بقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾، وتصريحًا على الوجه الآكد بقوله:
﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ﴾، أي: الصبر ﴿خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ من الانتقام للمنتقمين.
ويجوز أن يرجع الضَّمير إلى صبرهم (٢)، ويرادَ بالصَّابرين: المخاطبون؛ أي: ولئن صبرتم لَصَبرُكم خيرٌ لكم، فوُضِعَ الصَّابرون موضعَ الضَّمير؛ ثناءً من الله تعالى عليهم بأنهم صابرون في الشَّدائد، وفيه إرشاد إلى أنَّه إنْ صبرتم فهو شيمتُكم (٣) المعروفة.
وفيه ترغيب في الصَّبر بالغٌ (٤)، ثمَّ صرَّح الأمرَ به لرسوله ﵇؛ لأنَّه أولى النَّاس به لزيادة علمه تعالى ووثوقه عليه، فقال:
стр. 2569
(١٢٧) - ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾.
﴿وَاصْبِرْ﴾ ولَمَّا كان الصَّبر في هذا المقام شديدًا شاقًّا ذكر بعده ما يفيد سهولته فقال:
﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾: إلا بتو فيقه ومعونته.
ولَمَّا ذكر هذا السَّبب الكلِّي الأصلَ (١) في حصول جميع الطَّاعات، ذكر بعده ما هو السَّبب الجزئي القريب فقال:
﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ وذلك لأنَّ الإقدام على الانتقام لا يكون إلَّا عند هيجان الغضب، وهو إمَّا لفوات نفعٍ كان حاصلًا في الماضي، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾: على قتلى أحد؛ أي: ولا تحزن بفوات أولئك الأصدقاء، أو على إعراض الكافرين عنك، وإمَّا لتوقُّع ضررٍ في المستقبل، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾: في ضيق صَدْرٍ مِنْ مَكرهم.
* * *
(١٢٨) - ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ للمعاصي، ويدخل فيها دخولًا أوَّليًّا استيفاءُ الزِّيادة ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ في أعمالهم، بالولاية والفضل.
стр. 2570
ويدخل فيها دخولًا أوَّليًّا ترك الانتقام، فكأنَّه قال: إن أردْتَ أن أكون معك بالفضل والرَّحمة والتَّربية فكنْ من المتَّقين المحسنين.
وقيل: الأوَّل (١) إشارة إلى التَّعظيم لأمر الله، والثَّاني إلى الشَّفقة على خلق الله.
* * *
стр. 2571
سُورَةُ الإِسْرَاءِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(١) - ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
﴿سُبْحَانَ﴾ علَمٌ للتَّسبيح بمعنى التَّنزيه البليغ، وذلك من جهة الاشتقاق من السَّبح، وهو الإبعاد في الأرض، والنَّقلِ إلى التَّفعيل، والعدولِ عن المصدر إلى الاسم الموضوع له خاصَّةً، والعاملُ فيه الفعل الذي من معناه لا من لفظه؛ إذ لم يجئ من لفظه الفعل، فالتَّقدير: أُنَزِّهُ اللهَ تنزيهًا، فوقع ﴿سُبْحَانَ﴾ مكانَ: تنزيهًا.
ولَمَّا كان حديث الإسراء مَظِنَّةَ أنْ يذهبَ الوهمُ إلى أنَّه تعالى زمانيٌّ أو مكانيٌّ صدَّره بما هو عَلَمٌ في تبعيده تعالى عمَّا لا يليق بشأنه.
ويجوز أن تكون كلمة ﴿سُبْحَانَ﴾ للتَّعجُّب بها، أشير إلى أعجبِ أمرٍ جرى بينَه وبينَ أفضل خلقه.
﴿الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ الإسراء: سيرُ الليل خاصَّة، فقوله:
﴿لَيْلًا﴾ لقَطْع مجاز السير خُفيةً، كما أنَّ قوله: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ بعدَ قوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] لقطع مجاز السَّير (١) السَّريع.
стр. 2572
والتَّنكير لتقليل مدَّة الإسراء، فإنَّه كما يدلُّ على البعضية في الأفراد كذلك يدلُّ على البعضية في الأجزاء، دلَّ على ذلك قول الشَّيخ عبد القاهر في "دلائل الإعجاز": إن التَّنكير في ﴿حَيَاةٌ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] للدِّلالة على أنَّ تلك الحياة بعض حياة المهموم بقتله (١).
والثَّاني (٢) هو المراد، يشهد لذلك قراءة: (مِنَ اللَّيلِ) (٣)، أي: بعضه.
وهذا الإسراء كان جسمانيًّا، ولذلك كذَّبَتْ قريش به، وفي عبارة العبد إشارةٌ إلى ذلك.
﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ بعينه، أو من الحَرَم؛ فإنَّه مسجدٌ كلُّه.
﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾: بيتِ المقدس، سُمِّي أقصى لأنَّه لم يكن وقتئذ مسجد وراءَه.
﴿الَّذِي بَارَكْنَا﴾ البركةُ: دُرور الخير وثبوتُه، وهي دينيَّة ودنيويَّة (٤)، وكلاهما مُرادٌ هاهنا؛ لأنَّه مَهبط الوحي ومعبدُ الأنبياء ﵈ (٥)، ومحفوف بالأنهار والأشجار.
والالتفات من الغيبة إلى التَّكلُّم لتعظيم تلك البركات والآيات.
стр. 2573
﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ كقطعه مسيرةَ شهرٍ، ومشاهدتهِ بيتَ المقدس في برهةٍ من الزَّمان، وتمثُّلِ الأنبياء ﵈، والوقوفِ على مقاماتهم.
وأمَّا البُراق وسرعة سيره فليسا منها؛ لأنَّه ﵇ رأى الأوَّل قبل السَّير، والثاني قبل الوصول إلى المسجد الأقصى، فلا ترتُّب لرؤيتهما على السَّير إليه (١).
﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ بلا أُذُنٍ ﴿الْبَصِيرُ﴾ بلا بَصَرٍ. دلَّ على ذلك صورةُ الحصر، فلا تحتاج إلى قرب المسموع وحضور المبصَر (٢)، فلا يختصُّ بمكانٍ دونَ مكانٍ، فلم يكن الإسراء لأجله، بل أَجْلِ عبدِه.
بدأَ بعبارة التَّنزيه، وختم بإشارته، فتجاوبَ طَرَفا الكلام.
* * *
(٢) - ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾.
﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ التَّوراة.
﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا ﴿تَتَّخِذُوا﴾ (٣) قرئ بالياء على: لئلَّا يتَّخذوا، وبالتَّاء (٤) على: أنْ لا تتخذوا، كقولك: كتبت إليه أن افعل كذا (٥).
﴿مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾: ربًّا (٦) تَكِلون إليه أموركم.
стр. 2574
(٣) - ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾.
﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ نصب على الاختصاص، أو النّداء إن قرئ بالتَّاء الفوقانيَّة على النَّهي، أو على أنَّه أحد مفعولَي (لا تتخذوا)، و ﴿مِنْ دُونِي﴾ حال من ﴿وَكِيلًا﴾.
وقرئ بالرَّفع (١) على أنه خبر مبتدأ (٢) محذوف، أو بدلٌ من واو ﴿تَتَّخِذُوا﴾.
وفيه تذكيرٌ بإنعام الله تعالى عليهم في إنجاء آبائهم من الغرق، وإيماءٌ إلى أنَّ ذلك لكونهم أتباعَ نوح ﵇.
ثم قال في تعليل تلك الفضيلةِ الجليلةِ الثَّابتةِ له ﵇:
﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ وفيه حَثٌّ للذُّرية على الاقتداء به.
* * *
(٤) - ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾.
﴿وَقَضَيْنَا﴾ أصل القضاءِ: الإحكام والإتمام، وإنَّما قال:
﴿إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ لتضمين معنى الإنزال؛ أي: أعلمنا إعلامًا محكَمًا متمَّمًا منزلًا إليهم في التَّوراة. وتفسير القضاء بالوحي يأباه.
﴿فِي الْكِتَابِ﴾ كما لا يخفى على ذوي الألباب.
стр. 2575
﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ﴾ جوابُ قسمٍ محذوف، ويجوز أن يجري القضاء المبتوت مجرى القسم كأنه قال: وأقسمنا لتفسدن.
﴿مَرَّتَيْنِ﴾ أولاهما: مخالفة أحكام التَّوراة وقتلُ شعيا (١) ﵇، وثانيهما قتل يحيى وزكريا ﵉.
ولا حاجة (٢) إلى ما (٣) قيل: إن المقتول في الأولى زكريَّا ﵇، وفي الثَّانية يحيى ﵇؛ لأنَّ الكرَّة الآتي ذكرها (٤) لم تتخلَّل بينهما.
﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ هو غلبة المفسدين منهم على المصلِحين إفراطًا مجاوزًا عن القَدْر. والعُلُوُّ لغةً: هو الغلبة، بحقٍّ كانَ أو باطلٍ.
* * *
(٥) - ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾؛ أي: وقتُه، والوعد بمعنى الموعود، وهو العقاب، فلا حاجة إلى تقديره (٥).
стр. 2576
﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ﴾ هذا البعث من قبيل تولية بعض الظالمين على بعض، وكان على مقتضى الحكمة ولذلك أسنده تعالى إلى نفسه دون الجَوْس الآتي ذكره، فلا حاجة لصرفه (١) عن معناه إلى معنى التَّخلية.
﴿عِبَادًا لَنَا﴾ سنحاريب (٢) وجنوده، وقيل: بُخْتَ نصَّر، وقيل: جالوت.
قطع إضافتهم عن نفسه (٣) لعدم استحقاقهم للتَّشريف المستفاد منها، وأيضًا ما في التَّنكير من التَّهويل يناسب المقام.
﴿أُولِي بَأْسٍ﴾: ذي قوَّة وبطش في الحرب.
﴿شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ وقرئ: (خَلَلَ) (٤)، وهو واحد الخِلال، كجَبَلٍ وجِبالٍ، ويجوز أن يكون الخِلال أيضًا واحدًا، أي: تردَّدوا وتخلَّلوا بين الدُّور في طلبكم للقتل (٥) والسَّبي.
وقرئ بالحاء (٦)، وهما أخوان.
﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾؛ أي: لا بُدَّ أنْ يُفعَل.
* * *
стр. 2577
(٦) - ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾.
﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ﴾؛ أي: الدَّولة والغَلَبة ﴿عَلَيْهِم﴾؛ أي: على الذين بُعِثوا عليكم.
﴿عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ ممَّا (١) كنتم.
والنَّفيرُ: مَن ينفرُ معَ الرَّجلِ، ولا يلزم أن يكون من قومه، وقيل: جمعُ نَفَرٍ، وهم المجتمعون لأمرٍ، ولا يلزم أن يكون للذَّهاب إلى العدوِّ.
* * *
(٧) - ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾.
﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ لأنَّ جزاءَه لها.
﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾، أي: فالإساءة لها، واللام للاستحقاق كما في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الرعد: ٣٤].
ولا وجهَ للحمل على الاختصاص؛ لأنَّ نفعَ الإحسان وضررَ الإساءة قد يتعدَّيان إلى الغير، على ما دلَّ عليه الأخبار وشهد له الآثار، وأمَّا الازدواج فإنَّما يصارُ إليه عند تعذُّر المعنى الحقيقيِّ.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾: وقتُ موعودِ المرَّة الآخرة، وجوابُ (إذا) محذوفٌ دلَّ عليه جواب الأولى، أي: بعثناهم، وإنَّما عطف بالفاء مع أنَّه مِنْ تفصيل المجمل
стр. 2578
- والظَّاهر فيه العطف بالواو - للدِّلالة على أنَّ مجيءَ وعدِ الآخرة لم يتراخَ عن كثرتهم وثروتهم، وذلك أنَّهم كلَّما ازدادوا عددًا وعُدَّة ازدادوا عدوانًا وطغيانًا، إلى أن تكاملَتْ أسبابُ العزَّة، ففاجأهم الله تعالى على العزَّة.
﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ بياء الغائبة على الجمع (١)؛ أي: ليسوءَ هؤلاء وجوهكم، وإنَّما عدَّى المساءَة إلى الوجوه وإن كانت عليهم لأنَّ آثار الأعراض النَّفسانية ظهورها (٢) في الوجه.
وقرئ بياء الغائبة على الواحد (٣)، والضَّمير للقائهم للقراءة السابق (٤) ذكرها، أو لله تعالى للقراءة بالنُّون وفتح الواو (٥).
﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾: بيت المقدس، ويخرِّبوه ﴿كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وخرَّبوه.
﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾؛ أي: ليدمِّروا (٦) ﴿مَا عَلَوْا﴾: ما غلبوه واستولَوا عليه، أو: مُدَّةَ علوِّهم.
﴿تَتْبِيرًا﴾: تفتيتًا. ومنه: التِّبرُ، لفُتاتِ الذَّهبِ.
* * *
стр. 2579
(٨) - ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾.
﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ وعدٌ مِنَ الله تعالى أن يكشف (١) عنهم بعد المرَّة الآخرة.
﴿وَإِنْ عُدْتُمْ﴾ نوبةً أخرى ﴿عُدْنَا﴾ مهو مرَّة ثالثةً إلى عقوبتكم. وقد عادوا فبعثَ اللهُ تعالى عليهم نبينا ﵇.
هذا مآلهم في الدُّنيا، ثمَّ ذكرَ مآلهم في الآخرة بقوله:
﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾: محبسًا ضيِّقًا. قال القشيري: يُقال للذي يُفرَش: حصير؛ لحَصْر بعضه على بعض بالنَّسج (٢).
* * *
(٩) - ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾.
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي﴾: للطَّريقة (٣) التي ﴿هِيَ أَقْوَمُ﴾ الطُّرق.
﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ الفسقُ لا ينافي الإيمان ولا العمل الصَّالح، فلا خروجَ للفسَقَة بأحد القيدَيْن المذكورين، فلا حاجة إلى المكابرة بأن يُقال: كان النَّاس حينئذ إمَّا مؤمن تقي وإمَّا مشرك، وإنَّما حدث الفاسق بعد ذلك.
* * *
стр. 2580
(١٠) - ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ عطفٌ على ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا﴾.
والمعنى أنَّه يبشِّر المؤمنين ببشارَتَيْن: ثوابهم (١)، وعقابِ أعدائهم.
﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ في زيادة ﴿أَعْتَدْنَا﴾ هاهنا إنباءٌ عن شدَّة الغضب في حقِّهم.
* * *
(١١) - ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾.
﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ﴾ حذفت الواو من (يدعو) لفظًا لاستقبال اللَّام السَّاكنة، كما في قوله تعالى: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨]، وحذفت في الخطِّ أيضًا (٢)، لكنَّها غير محذوفة معنًى.
﴿بِالشَّرِّ﴾ هو دعاؤه على نفسِه وأهله (٣) ومالِه عندَ الضَّجر بما لا يحبُّ (٤) أن يُستجاب له.
﴿دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾: مثلَ دعاءِه بالخير.
يعني أنَّ القرآن يهديهم إلى ما فيه السَّلامة، وهم يأبون إلَّا أنْ يأتوا بما فيه النَّدامة.
ثمَّ ذكرَ أنَّ ذلك مِنْ عدمِ تثبُّته وقلَّة صبره فقال:
стр. 2581
﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ العَجلَةُ: طلبُ الشَّيء قبلَ وقته الذي ينبغي أن يقعَ فيه، والسُّرعةُ: عملُ الشَّيء في أوَّلِ وقته.
* * *
(١٢) - ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾.
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ تدلَّان على القادر الحكيم (١) بتعاقُبهما على نسقٍ يترتَّب عليه آثارٌ غريبة وأحكامٌ (٢) عجيبةٌ.
﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ الفاء فصيحة؛ كأنَّه قيل: وخالفنا بين الآيتين: فَجعلنا الآيةَ التي هي اللَّيل لِمَحْوِهِ؛ أي عديمَ النُّور، والآيةَ التي هي النَّهار مبصرةً؛ أي: مضيئةً أهلَه مبصرةً للنَّاس، مِن أبصره فبصُر، فإنَّ الإضاءة لازم الإبصار، على أنَّ الإضافة في الآيتين للتَّبيين.
وقيل: آيةُ اللَّيل القَمَرُ، ومحوه: إخلاؤه عن (٣) النُّور؛ فإنَّ ما يُرَى فيه نورُ الشَّمس، وآيةُ النَّهار الشَّمسُ، وإبصارُها: نورُها الذي يقع به الإبصارُ.
﴿لِتَبْتَغُوا﴾ تعليل لجعلِ آيةِ النَّهار مبصرةً.
﴿فَضْلًا﴾: رزقًا ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ والابتغاءُ: الطَّلبُ، والمعنى: لتقدروا في بياض النَّهار على تحصيل أسباب المعاشِ.
стр. 2582
وفي عبارة الفضل إشارة إلى أنَّه لا يجبُ على اللّه تعالى أن يرزقَ عبادَه، وإنَّما ذلك تفضُّلًا، ففيه رَدٌّ على المعتزلة.
﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ تعليل لمحو آية اللَّيل؛ أي: تعلموا باختلاف الجديدين عددَ السِّنين وجنسَ الحساب، وما تحتاجون إليه منه، أو: الحسابَ المتعلِّق بالأوقات، على أنَّ (١) التَّعريف للعهد، بقرينة ﴿عَدَدَ السِّنِينَ﴾، أو بنقص نور القمر شيئًا فشيئًا؛ لأنَّ معرفة السَّنة القمريَّة المعتبَرة عند العرب بذلك.
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ كلمة ﴿وَكُلَّ﴾ للتَّكثير والتَّفخيم، لا للتَّعميم والإحاطة، كما سبق إلى وَهمِ مَن قال: مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم (٢).
﴿شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ بيَّنَّاه بيانًا كافيًا. والمقامُ مقامُ الامتنان بإتمام الإحسان، لا مقام الإلزام والإفحام (٣)، كما سبق إلى بعض الأفهام.
* * *
(١٣) - ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾.
﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ﴾ أرادَ بالطَّائر: حظَّه من الخير والشَّر، كأنَّه طير إليه من عشِّ الغيب ووكر (٤) القدر.
لما كانوا يتيمَّنون ويتشاءمون بسُنوح الطَّائر وبُروحه، استُعِيْرَ لِمَا هو (٥) سببُ الفرحِ والتَّرح مِنْ قدَرِ اللهِ تعالى.
стр. 2583
﴿فِي عُنُقِهِ﴾ خصَّ العُنُقَ بالإضافة إليه مِن بين سائر الأعضاء؛ لأنَّ فيه يكون الزائن من القلائد والأطواق، والشَّائن من الأغلال والأوهان، فاستُعِيْرَ لمحلِّ إلزام الخير والشَّرِّ.
﴿وَنُخْرِجُ لَهُ﴾ اللَّام للاختصاص ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يعني: وقتَ الموت، فإنَّه القيامة الصُّغرى. قال ﵇: "مَن مات فقد قامَتْ قيامتُه" (١).
﴿كِتَابًا﴾: هيكلًا مصوَّرًا يصوِّر (٢) أعمالَه.
﴿يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ لظهور تلك الهيئات فيه بالفعل مفصَّلةً، لا منطويةً كما كانت قبلَ ذلك عندَ كونها فيه بالقوَّة، وهما صفتان للكتاب، أو الأوَّل صفة والثاني حال من مفعوله.
وقرئ: (يُلقَّاهُ) على البناء للمفعول (٣)، مِنْ لُقِّيتُه كذا.
* * *
(١٤) - ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾.
﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ على إرادة القول، فيقرأُ قارئًا كان أو غيرَ قارئ؛ لأنَّ الأعمال
стр. 2584
هناك متمثلةٌ (١) بصورها وهيئاتها، يعرفها كلُّ أحد، لا على سبيل الكتابة بالحروف فلا يعرفَها إلا مَن يقرأ، وهذا وجهُ ما روي عن قتادة: يقرأ ذلك اليومَ مَن لم يكن في الدنيا قارئًا.
﴿كَفَى بِنَفْسِكَ﴾ الباء مزيدة للإشارة إلى لصوق ذلك الوصف ولزومه لها.
﴿الْيَوْمَ﴾ قدِّم الظرف لتخصيص الحكم المذكور بذلك الوقت.
﴿عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ حاسبًا أو كافيًا، نصبٌ على التمييز، وتعديتُه بـ (على) لتضمُّنه معنى الشهادة، وتذكيرُه على أن الحساب والشهادة مما يتولَّاه الرجال، فكأنه قيل: كفى بنفسك رجلًا حسيبًا، وتقديم الصلة للإشارة إلى أنَّ لكلِّ امرئٍ يومئذ شأنٌ يغنيه عن الْتفاتٍ إلى غيره.
* * *
(١٥) - ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾.
﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾: فجزاءُ اهتدائِهِ له.
﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ فوبالُ ضلالِه عليها.
وأمَّا أنَّ الغير لا ينتفع ولا يتضرَّر بضلاله فلا دلالة فيما ذكر عليه، ولا صحَّة له أيضًا؛ لِمَا قدَّمناه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾.
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ لِمَا مرَّ من تفسيره في سورة الأنعام.
стр. 2585
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ الجمهور على أنَّ هذا في حكم الآخرة خاصَّة، وقالت فرقة: إنه في حكم الدُّنيا والآخرة. ذكره القرطبي (١).
وعلى كلَا التَّقديرَيْنِ لا دلالة فيه على أنَّه لا وجوب قبل الشَّرع: أمَّا على الأوَّل فظاهر، وأمَّا على الثَّاني فلأنَّه لا يلزم من تعليقِ مجموع الحكمَيْن على البعثة تعليقُ كلٍّ منهما عليها.
وإنَّما نفى الكينونة دون البعث لأنَّ المراد الإخبار عن عادته تعالى لا الوعدُ، فعدمُ العذاب مقطوع به إلى وقت البِعْثَة.
وكلمة ﴿حَتَّى﴾ لبيان غاية الأمن عن العذاب، لا لبيان (٢) غاية عدم العذاب حتى يتعيَّنَ العذاب عند البعثة.
ولَمَّا ذكر تعالى أنَّه لا يعذِّب أحدًا حتى يبعثَ إليه رسولًا بَيَّنَ بعدَ ذلك علَّة (٣) إهلاكهم بعد البعث - وهي مخالَفة أمر المبعوث إليهم - فقال:
(١٦) - ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾.
﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ أي: إذا تعلَّقَ إرادتُنا في الأزل لإهلاك قريةٍ بما فيها في وقتٍ مخصوصٍ.
﴿أَمَرْنَا﴾ أي: وُجِدَ منَّا الأمر قبلَ مجيء (٤) ذلك الوقت.
стр. 2586
﴿مُتْرَفِيهَا﴾: منعَّميها (١)، خصَّهم بالذِّكْرِ - مع عموم الأمر (٢) للفريقَيْن بدلالةِ أنَّ الكلام في بيان سبب استحقاق أهل القرية لعذاب الاستئصال - لأنهم الرؤساء المتبوعون، ولأنهم مأمورون بنوعي العبادة البدني والمالي.
﴿فَفَسَقُوا﴾ فَوُجِدَ (٣) الفِسْقُ - وهو الخروج عن الطَّاعة - منهم؛ أي: من أهل القرية كلِّهم؛ لِمَا نبَّهْتُ على أنَّ غير المتوفين أيضًا مأمورون، لكنه استغنى بذكر المتوفين عن غيرهم كما اكتفى بذكر الملائكة عن ذكر الجنِّ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا﴾ [الإسراء: ٦١] على ما مرَّ تحقيقه في تفسير سورة البقرة.
وقرئ: (أَمِرْنا) (٤)، بمعنى: كثَّرنا، لقول العرب: أَمِرَ القومُ - بكسر الميم -؛ أي: كثروا، وأمَرهم اللّه - بالفتح -، أي: كثَّرهم، فصارَتِ الحركة مما يصير به الفعل متعدِّيًا، كما في شَتِرَتْ عينُ الرَّجل بكسر التَّاء، وشَتَرها الله بفتحها (٥).
стр. 2587
ويؤيِّده قراءة: (آمَرْنا) بالمد (١)، و: (أمَّرْنا) بالتَّشديد (٢).
﴿فِيهَا﴾ فيه دلالة (٣) على أنَّ هلاك نفس القرية أيضًا داخل (٤) تحت المراد، فلا مجاز في لفظ القرية (٥)، كما لا مجاز في الإرادة والأمر.
﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا﴾ أي: على القرية بما فيها.
﴿الْقَوْلُ﴾: هو وعيد الله تعالى الذي قاله رسولهم ﵇.
﴿فَدَمَّرْنَاهَا﴾ التَّدمير: الإهلاك مع طمس (٦) الأثر وهدم البناء مع إهلاك أهلها.
﴿تَدْمِيرًا﴾ ذكر المصدر للمبالغة في العذاب الواقع بهم.
* * *
(١٧) - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾.
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا﴾ (كم) في موضع نصب بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾، و ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾ بيان لـ (كم) وتمييز له؛ أي: كثيرًا من القرون أهلكنا.
﴿مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ خصَّه بالذِّكْرِ لأنَّه أوَّلُ مَنْ حَلَّتْ بقومه عقوبة الاستئصال.
﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ يدرِك بواطنها وظواهرها، فيعاقب عليها.
стр. 2588
وتقديم الخبير لتقدُّم متعلَّقه (١) من المعتقدات والنِّيِّات، فإنَّها أقدم على الأعمال الظَّاهرة التي هي متعلَّقات البصر، والعقاب عليها أشدُّ، والعفو عنها أقلُّ.
* * *
(١٨) - ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾.
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾: مَنِ استمرَّ على إرادة الدَّار العاجلة ولم ينقطع عنها، دلَّ على ذلك زيادة ﴿كَانَ﴾ (٢) هنا دون قَسِيمه، وأما اعتبارُ قصر الإرادة عليها بمعونة (٣) المقابلة فيردُّه عدم صحَّة اعتباره في المقابل، ولا وجه لتخصيصه (٤) مع الاشتراك في العلَّة.
﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ قيَّد المعجَّل والمعجَّل (٥) له بالمشيئة والإرادة على اختلاف العبارة؛ لأنَّه لا يجدُ كلُّ مريدٍ ما أراده، ولا كلُّ واحدٍ جميعَ مراده.
ومدلولُ الكلام: أنَّ حصول المرام موقوفٌ على مشيئة الله تعالى، وأمَّا أنَّه لا دخل فيه للهمِّ وللإرادة فلا دلالة عليه فيه؛ فإنَّه يجوز أن يكون ذلك (٦) من الأسباب العادية، ومشيئة اللّه تعالى إنَّما تتعلَّق بشيءٍ بعد تمام الأسباب العادية إلَّا في خوارق العادات.
стр. 2589
و ﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾ بدل من ﴿لَهُ﴾ بدلَ البعض من الكل.
وقرئ: (يشاء) (١)، والضمير فيه لله تعالى، ليطابق المشهورة (٢).
﴿ثُمَّ جَعَلْنَا﴾: صيَّرنا ﴿لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا﴾ حال من الضمير في (٣) ﴿لَهُ﴾، أو من ﴿جَهَنَّمَ﴾.
﴿مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾: مطرودًا من رحمة الله تعالى.
* * *
(١٩) - ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾.
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾: حقَّها من السَّعي، وهو الإتيان بالأوامر والانتهاء عن المناهي بالجدِّ.
قال الرَّاغبُ: السَّعيُ: المشيُ السَّريع، وهو دونَ العَدو، ويُستعمَل للجدِّ في الأمر خيرًا كان أو شرًّا (٤).
وفائدة اللَّام اعتبار النِّيِّة والإخلاص
﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ هو الشَّرط الأعظم، فلا ينبغي السَّعيُ إلَّا به.
стр. 2590
﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارة إلى مَنِ اتَّصف بهذه الأوصاف ﴿كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ من اللّه تعالى؛ أي: مقبولًا عنده مثابًا عليه.
* * *
(٢٠) - ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾.
﴿كُلًّا﴾ كِلَا (١) الفريقَيْن، والتَّنوين بدلٌ مِنَ المضاف إليه ﴿نُمِدُّ﴾ الإمدادُ: المواصلةُ بالشَّيء ﴿هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ﴾ بدل (٢) من ﴿كُلًّا﴾ بدل تفصيل (٣).
﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ متعلِّق بـ ﴿نُمِدُّ﴾، والعطاء بمعنى المعطَى.
﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾: ممنوعًا عن عباده؛ مؤمنًا كان أو كافرًا.
* * *
(٢١) - ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾.
﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ في العطاء، وانتصاب ﴿كَيْفَ﴾ بـ ﴿فَضَّلْنَا﴾ على الحال.
﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ﴾ من درجات الدُّنيا، و ﴿دَرَجَاتٍ﴾ نصوب على التَّمييز.
﴿وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾؛ أي: التَّفاوت فيها أكبر (٤)؛ لأنَّه بالجنَّة ودرجاتها وبالنَّار ودركاتها.
стр. 2591
(٢٢) - ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾.
﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الخطاب للإنسان، أو للنَّبيِّ ﵇ والمراد أمَّته.
والجَعْلُ بمعنى التَّصيير بالعقد (١).
﴿فَتَقْعُدَ﴾: فتبنى عاجزًا؛ فإن القعود ممَّا يُكنى به عن العجز.
﴿مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾: جامعًا على نفسك الذَّمَّ من الملائكة والمؤمنين، والخذلانَ من اللّه تعالى.
* * *
(٢٣) - ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾.
﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾: أمرَ أمرًا مقطوعًا به ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾: بأن لا تعبدوا ﴿إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ويجوز أن تكون (أنْ) مفسِّرة، و (لا) ناهية.
قال القرطبي: في مصحف عبد الله: (ووصَّى ربك)، وذكر أبو حاتم عن ابن عباس ﵄ أنه (٢): (ووصَّى ربك) فالتصقت إحدى الواوين بالصَّاد، فقُرِئتْ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾، إذ لو كان على القضاء ما عصى اللهَ أحدٌ. وقالَ الضَّحَّاك مثلَ ذلك.
стр. 2592
ثم أبى أبو حاتم أن يكون ابن عبَّاسٍ قال ذلك، وقال: لو قلنا هذا لطعن الزَّنادقة في مصحفنا، وأمَّا التَّعليل الذي نسبوه إليه فهو منافٍ لِمَا نُقِلَ عنه مِن أنَّه ليسَ قضاءَ حكمٍ بل هو قضاءُ أمرٍ (١).
﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾: وبأن تحسنوا بالوالدين ﴿إِحْسَانًا﴾ ويجوز أن تتعلَّق الباء بالإحسان، وقد مرَّ في تفسير سورة (٢) الأنعام تحقيقُ وجهِ جواز تقدُّم صلة المصدر.
﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ ﴿إِمَّا﴾ هي (إنْ) الشَّرطيَّة زيدت عليها (ما) تأكيدًا لها، ولذلك صحَّ دخول النُّون المؤكِّدة في الفعل، و ﴿أَحَدُهُمَا﴾ فاعل ﴿يَبْلُغَنَّ﴾، وبدلٌ من الألف الراجع إلى الوالدين على قراءة: (يَبْلُغَانِّ) (٣)، و ﴿كِلَاهُمَا﴾ عطف على ﴿أَحَدُهُمَا﴾ على الاحتمالَين، ولا احتمال لأن يكون تأكيدًا لضمير (يبلغان)، لا لكونه معطوفًا على البدل؛ لأنَّه لا يقتضي أن يكون بدلًا فإن عطف التأكيد على البدل شائع، بل لأنَّ فيه دلالة على أنَّ التَّأكيد غير مراد في المقام؛ لأنَّ فائدة تأكيد التَّثنية الشُّمول والإحاطة، ولو قصدت تلك الفائدة لَمَا قيل: ﴿أَحَدُهُمَا﴾، فالمانع ذكره لا عطفه على البدل.
وإنَّما قيَّد بقوله: ﴿عِنْدَكَ﴾ لأنَّ مراعاة الأدب مع طول المصاحبة أشقُّ، فكانت مظنَّة التَّقصير، فتدُورك به.
стр. 2593
وإنَّما خَصَّ حالةَ الكبر لأنَّ مَنْ بلغَها يسوءُ خُلُقُه، فكان فيه تقويةٌ لِمَا ذُكِرَ آنفًا من المظنَّة، وأيضًا هي حالة يحتاجان فيها إلى برِّه؛ لتغيُّر الحال عليهما بالضَّعف.
﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا﴾ أراد تعميم النَّهي لكلٍّ منهما، لا تقييدَه بحالة اجتماعهما؛ لعدم تحمُّله أحدَ التَّقديرَيْن.
﴿أُفٍّ﴾: صوتٌ يدلُ على التَّضجُّر، وقيل: اسم الفعل الذي هو أتضجَّر، وهو مبني على الكسر لالتقاء الساكنين.
وتنوينه في قراءة نافع وحفص للتَّنكير، وقرئ بالفتح على التَّخفيف (١)، وقرئ منونًا وبالضَّم للإتباع (٢).
والنَّهي عن هذه اللَّفظة الدَّالة على التَّضجر والبَرَم (٣) يُفصح عن النَّهي عن سائر أنواع الإيذاء بطريق الدِّلالة.
وقال الأصمعيُّ: الأفُّ: وسخ الأذن، والتُّفُّ وسخ الأظفار، فكثر استعماله حتى ذكر في كلِّ ما يُتأذَّى به (٤). وعلى هذا يكون النَّهي عن الكلِّ بطريق العبارة.
﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ النَّهْرُ: الزَّجْرُ والغِلْظَة.
﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ وهو السَّالمُ عن كلِّ عيب.
стр. 2594
(٢٤) - ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾؛ أي: قل لهما قولًا كريمًا بدلَ القول اللَّئيم، وهو أفٍّ، وافعل لهما الفعل اللَّطيف بدل الفعل العنيف، وهو النَّهْرُ. نهى (١) عن قولٍ وفعلٍ، وأمر بقولٍ وفعلٍ بدلًا عنهما.
وفي تقرير الثَّاني وجهان:
أحدهما: الطَّائر إذا أراد الطَّيران والارتفاع نشرَ جناحه (٢)، وإذا أراد ترك ذلك خفض جناحه، فصار خفض الجناح مجازًا مرسلًا مرتَّبًا على الكناية عن فعل التَّواضع.
والثَّاني: أنَّ الطَّيرَ (٣) إذا ضمَّ فرخه إليه للتَّربية خفضَ له جناحَه، فخفضُ الجناح في الأصل كناية عن حسن التَّدبير، فكأنَّه قيل للولد: اكفل والديك بضمِّهما إلى نفسك كما فُعِلَ ذلك بك حال صغرك، يرشدك إلى هذا قوله: ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾، ويقوِّي الأوَّل إضافة الجناح إلى الذُّل بطريق الاستعارة التَّخييلية.
وقرئ: (الذِّلِّ) بالكسر (٤)، وهو الانقياد.
﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾: من فَرْط رحمتك إليهما، حيث افتقرا إلى مَن كان (٥) أفقر خلق الله إليهما.
стр. 2595
﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾: وادعُ اللهَ تعالى أن يرحمهما برحمته الباقية، ولا تكتفِ برحمتك الفانية، والكفر لا يمنع عن ذلك ما داما حيَّيْن؛ لأنَّ الهداية إلى الإيمان من جملة الرَّحمة بل من معظمها. وصحَّة التَّثنية في قوله:
﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ باعتبار أن التربية لا تكون إلا عن رحمة، فذكرُ تلك التربيةِ ذكرٌ للرحمة اقتضاءً، فكأنه قال: كما رحماني وربَّياني صغيرًا، وبالعبارة المذكورة نبّه على العلة الموجِبة للإحسان إليهما واسترحامَ الله تعالى لهما، وهي تربيتُهما له صغيرًا، وتلك الحالة مما يزيد إشفاقًا لهما ورحمةً؛ إذ هي تذكير بحالة إحسانهما له وقتَ أنْ لا يقدر على الإحسان لنفسه.
* * *
(٢٥) - ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾.
﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ من قَصْدِ البرِّ إليهما، واعتقادِ ما يجب لهما من التَّوفير. وكأنَّه تهديدٌ على أنْ يُضْمِرَ لهما كراهةً واستثقالًا (١).
﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾: قاصدين الصلاح ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ﴾ الأوَّابُ: الرَّجَّاعُ عن ذنبه بالتَّوبة.
﴿غَفُورًا﴾ ما فرط منهم عند حرج الصَّدر من أذيَّة أو تقصير، وفيه تشديدٌ عظيمٌ.
ويجوز أن يكون عامًّا لكل تائبٍ، ويندرج فيه الجاني على أبويه التَّائبُ من جنايته اندراجًا أوَّليًّا؛ لوروده على أثره.
* * *