← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

(٢٢) - ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾. ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الخطاب للإنسان، أو للنَّبيِّ ﵇ والمراد أمَّته. والجَعْلُ بمعنى التَّصيير بالعقد (١). ﴿فَتَقْعُدَ﴾: فتبنى عاجزًا؛ فإن القعود ممَّا يُكنى به عن العجز. ﴿مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾: جامعًا على نفسك الذَّمَّ من الملائكة والمؤمنين، والخذلانَ من اللّه تعالى. * * * (٢٣) - ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾. ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾: أمرَ أمرًا مقطوعًا به ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾: بأن لا تعبدوا ﴿إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ويجوز أن تكون (أنْ) مفسِّرة، و (لا) ناهية. قال القرطبي: في مصحف عبد الله: (ووصَّى ربك)، وذكر أبو حاتم عن ابن عباس ﵄ أنه (٢): (ووصَّى ربك) فالتصقت إحدى الواوين بالصَّاد، فقُرِئتْ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾، إذ لو كان على القضاء ما عصى اللهَ أحدٌ. وقالَ الضَّحَّاك مثلَ ذلك.

стр. 2592

ثم أبى أبو حاتم أن يكون ابن عبَّاسٍ قال ذلك، وقال: لو قلنا هذا لطعن الزَّنادقة في مصحفنا، وأمَّا التَّعليل الذي نسبوه إليه فهو منافٍ لِمَا نُقِلَ عنه مِن أنَّه ليسَ قضاءَ حكمٍ بل هو قضاءُ أمرٍ (١). ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾: وبأن تحسنوا بالوالدين ﴿إِحْسَانًا﴾ ويجوز أن تتعلَّق الباء بالإحسان، وقد مرَّ في تفسير سورة (٢) الأنعام تحقيقُ وجهِ جواز تقدُّم صلة المصدر. ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ ﴿إِمَّا﴾ هي (إنْ) الشَّرطيَّة زيدت عليها (ما) تأكيدًا لها، ولذلك صحَّ دخول النُّون المؤكِّدة في الفعل، و ﴿أَحَدُهُمَا﴾ فاعل ﴿يَبْلُغَنَّ﴾، وبدلٌ من الألف الراجع إلى الوالدين على قراءة: (يَبْلُغَانِّ) (٣)، و ﴿كِلَاهُمَا﴾ عطف على ﴿أَحَدُهُمَا﴾ على الاحتمالَين، ولا احتمال لأن يكون تأكيدًا لضمير (يبلغان)، لا لكونه معطوفًا على البدل؛ لأنَّه لا يقتضي أن يكون بدلًا فإن عطف التأكيد على البدل شائع، بل لأنَّ فيه دلالة على أنَّ التَّأكيد غير مراد في المقام؛ لأنَّ فائدة تأكيد التَّثنية الشُّمول والإحاطة، ولو قصدت تلك الفائدة لَمَا قيل: ﴿أَحَدُهُمَا﴾، فالمانع ذكره لا عطفه على البدل. وإنَّما قيَّد بقوله: ﴿عِنْدَكَ﴾ لأنَّ مراعاة الأدب مع طول المصاحبة أشقُّ، فكانت مظنَّة التَّقصير، فتدُورك به.

стр. 2593

وإنَّما خَصَّ حالةَ الكبر لأنَّ مَنْ بلغَها يسوءُ خُلُقُه، فكان فيه تقويةٌ لِمَا ذُكِرَ آنفًا من المظنَّة، وأيضًا هي حالة يحتاجان فيها إلى برِّه؛ لتغيُّر الحال عليهما بالضَّعف. ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا﴾ أراد تعميم النَّهي لكلٍّ منهما، لا تقييدَه بحالة اجتماعهما؛ لعدم تحمُّله أحدَ التَّقديرَيْن. ﴿أُفٍّ﴾: صوتٌ يدلُ على التَّضجُّر، وقيل: اسم الفعل الذي هو أتضجَّر، وهو مبني على الكسر لالتقاء الساكنين. وتنوينه في قراءة نافع وحفص للتَّنكير، وقرئ بالفتح على التَّخفيف (١)، وقرئ منونًا وبالضَّم للإتباع (٢). والنَّهي عن هذه اللَّفظة الدَّالة على التَّضجر والبَرَم (٣) يُفصح عن النَّهي عن سائر أنواع الإيذاء بطريق الدِّلالة. وقال الأصمعيُّ: الأفُّ: وسخ الأذن، والتُّفُّ وسخ الأظفار، فكثر استعماله حتى ذكر في كلِّ ما يُتأذَّى به (٤). وعلى هذا يكون النَّهي عن الكلِّ بطريق العبارة. ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ النَّهْرُ: الزَّجْرُ والغِلْظَة. ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ وهو السَّالمُ عن كلِّ عيب.

стр. 2594

(٢٤) - ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾؛ أي: قل لهما قولًا كريمًا بدلَ القول اللَّئيم، وهو أفٍّ، وافعل لهما الفعل اللَّطيف بدل الفعل العنيف، وهو النَّهْرُ. نهى (١) عن قولٍ وفعلٍ، وأمر بقولٍ وفعلٍ بدلًا عنهما. وفي تقرير الثَّاني وجهان: أحدهما: الطَّائر إذا أراد الطَّيران والارتفاع نشرَ جناحه (٢)، وإذا أراد ترك ذلك خفض جناحه، فصار خفض الجناح مجازًا مرسلًا مرتَّبًا على الكناية عن فعل التَّواضع. والثَّاني: أنَّ الطَّيرَ (٣) إذا ضمَّ فرخه إليه للتَّربية خفضَ له جناحَه، فخفضُ الجناح في الأصل كناية عن حسن التَّدبير، فكأنَّه قيل للولد: اكفل والديك بضمِّهما إلى نفسك كما فُعِلَ ذلك بك حال صغرك، يرشدك إلى هذا قوله: ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾، ويقوِّي الأوَّل إضافة الجناح إلى الذُّل بطريق الاستعارة التَّخييلية. وقرئ: (الذِّلِّ) بالكسر (٤)، وهو الانقياد. ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾: من فَرْط رحمتك إليهما، حيث افتقرا إلى مَن كان (٥) أفقر خلق الله إليهما.

стр. 2595

﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾: وادعُ اللهَ تعالى أن يرحمهما برحمته الباقية، ولا تكتفِ برحمتك الفانية، والكفر لا يمنع عن ذلك ما داما حيَّيْن؛ لأنَّ الهداية إلى الإيمان من جملة الرَّحمة بل من معظمها. وصحَّة التَّثنية في قوله: ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ باعتبار أن التربية لا تكون إلا عن رحمة، فذكرُ تلك التربيةِ ذكرٌ للرحمة اقتضاءً، فكأنه قال: كما رحماني وربَّياني صغيرًا، وبالعبارة المذكورة نبّه على العلة الموجِبة للإحسان إليهما واسترحامَ الله تعالى لهما، وهي تربيتُهما له صغيرًا، وتلك الحالة مما يزيد إشفاقًا لهما ورحمةً؛ إذ هي تذكير بحالة إحسانهما له وقتَ أنْ لا يقدر على الإحسان لنفسه. * * * (٢٥) - ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ من قَصْدِ البرِّ إليهما، واعتقادِ ما يجب لهما من التَّوفير. وكأنَّه تهديدٌ على أنْ يُضْمِرَ لهما كراهةً واستثقالًا (١). ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾: قاصدين الصلاح ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ﴾ الأوَّابُ: الرَّجَّاعُ عن ذنبه بالتَّوبة. ﴿غَفُورًا﴾ ما فرط منهم عند حرج الصَّدر من أذيَّة أو تقصير، وفيه تشديدٌ عظيمٌ. ويجوز أن يكون عامًّا لكل تائبٍ، ويندرج فيه الجاني على أبويه التَّائبُ من جنايته اندراجًا أوَّليًّا؛ لوروده على أثره. * * *

стр. 2596

(٢٦) - ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾. ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ لَمَّا أمرَ ببرِّ الوالدين أمرَ بصلة القرابة. والحقُّ هنا: ما يتعيَّن له من صلة الرَّحم، وسدِّ الخلَّة، والمواساة عند الحاجة بالمال والمعونة بكلِّ وجهٍ. ﴿وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ قد مرَّ تفسيرهما. ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ أصل التَّبذير: التَّفريق، من إلقاء البِذر في الأرض، وهو تفريق حبَّاته. والفرق بينه وبين الإسراف: أنَّ الإسراف تجاوز في الكميَّة، وهو جهل بمقادير الحقوق، والتَّبذيرُ تجاوزٌ عن موضع الحقِّ، فهو جهلٌ بمواقعها، وكلاهما مذمومان، والثَّاني أدخلُ في الذَّمِّ، ويُفصح عن التَّفاوت بينهما قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وقوله: (٢٧) - ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾. ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾: أتباعَهم الملازِمين لهم، فإنَّ العرب تسمِّي الملازم للشيء أخًا له، فتقول: أخو المكارم: إذا كان مواظبًا عليها. ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾: كثيرَ الكفران لِنِعَمه، جَحودًا لحقوقه. ودخول (كان) فيه إخبارٌ لعادته ومذهبه (١). * * *

стр. 2597

(٢٨) - ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾. ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾؛ أي: إن عرضَتْ لك حاجةٌ أحوَجَتْك إلى الإعراض عن هؤلاء المحتاجين لضيقِ يدٍ انتظارَ الرِّزق ترجوه من اللّه تعالى. ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ فلا تدعْ تعهُّدَهم بالقول الجميل، والميسورُ مَن يُسِرَ الأمرُ، مثل: سُعِد ونُحِس. كان النَّبيُّ ﵇ إذا سُئِلَ ولم يكن عنده ما يعطيه سكتَ انتظارًا لرزقٍ يأتي من اللّه تعالى؛ كراهةَ الرَّدِّ، فنزلَتْ هذه الآية، فكان بعد ذلك إذا سُئِلَ ولم يكن عنده ما يعطي قال: "رزقنا اللّه وإيَّاكم من فضله" (١). وذلك قوله: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾؛ أي: لا تسكت فيكونَ إيحاشًا لهم، ولا تؤيسهم (٢) فيكونَ إيلامًا لهم. ولا يجوز أن يتعلق ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ﴾ الجواب؛ لأنَّ ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها في غير باب (أمَّا) وما يلحق بها في المذهب المنصور، إلَّا إذا أريد التَّعلُّقُ المعنويُّ، فيُضمَرُ ما يَنصبه (٣)، ويُجعل المذكور جاريًا مجرى التفسير. * * *

стр. 2598

(٢٩) - ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾. ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ تمثيلان لمنع الشَّحيح وإتلاف المبذر، نهى عنهما أمرًا بالاقتصاد الذي هو بين التَّبذير والإمساك، وأمَّا الكرم فلا اختصاصَ له ببذل النَّوال، بل يعمُّ سائر الأحوال. ﴿فَتَقْعُدَ﴾: فتبنى عاجزًا. ﴿مَلُومًا﴾: يلومُك النَّاسُ على الشُّحِّ، وهذا أثر المنهيِّ أولًا (١). ﴿مَحْسُورًا﴾: منقطعًا عن النَّفقة والتَّصرُّف بسبب التَّبذير، وهذا أثر المنهي ثانيًا. والأوجه أن يكون كلاهما مرتَّبًا على الثَّاني، وأمَّا الأوَّل فقد اكتُفي فيه (٢) بما فُهم من تمثيله على أقبح وجهٍ في التَّصوير. * * * (٣٠) - ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾. ﴿رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾: يوسعه ويضيِّقه لمن يشاءُ، لا لعجزٍ ولا لبخلٍ. ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ عالمًا بخفيَّات أمورهم. ﴿بَصِيرًا﴾ بمصالحهم، فيوسع لقومٍ ويضيِّق لآخرين على مقتضى علمه وحكمته. ويجوز أن يكون المعنى: أنَّ البسط والقبض يليق له تعالى العالِمِ بالسَّرائر

стр. 2599

والظَّواهر، وأمَّا العباد فحقُّهم أن يقتصدوا، أو أنَّه تعالى يبسط تارة ويقبض أخرى، فاستنُّوا بسنَّته ولا تُفْرِطوا (١) ولا تُفرِّطوا، وعلى كِلا التَّقديرَيْن يكون جاريًا مجرى الاستئناف للتَّعليل. ويجوز أن يكون تمهيدًا لقوله: * * * (٣١) - ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾. ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾: مخافة فقرٍ، وكان هذا نهيًا عن وأدِ البنات، وكانوا يفعلونه. ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ﴾ لا أنتم، فلا وجهَ لقتلهم بسبب الرِّزق، وزيادة قوله: ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ لبيان أنَّ رزق الآباء أيضًا على الله تعالى، فكيف يتولَّى رَزْقَ الغير مَن يعجزُ عن رَزْق نفسه. ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ لِمَا فيه من قطع التَّناسل وانقطاع النَّوع. قرأ الجمهور: ﴿خِطْئًا﴾ بكسر الخاء وسكون الطاء والهمزة والقصر، وقرأ ابن عامر: (خَطَأً) بفتح الخاء والطَّاء والهمزة والقصر (٢)، وقرأ ابن كثير: (خِطَاءً) بكسر الخاء وفتح الطَّاء والهمزة (٣) والمدِّ (٤).

стр. 2600

وقال النَّحاسُ: لا أعرف لهذه القراءة وجهًا (١)، ولذلك جعلها أبو حاتم غلطًا. وقال أبو علي: هي مصدر خاطأ يُخاطئ، وإنْ كنَّا لا نجد: خاطأ، ولكن وجدنا: تخاطأ، وهو مطاوع خاطأ فدلَّنا عليه (٢). والخِطْءُ والخَطَأ مصدر خَطِئ يَخْطأُ كالحِذْر والحَذَر. ويقال: خَطِئَ: إذا أثم، وأخطأ: ضدُّ تعمَّد. والخِطْءُ - بالكسر - لا يكون إلَّا تعمُّدًا، والخَطَأ - بالفتح - قد يكون عمدًا، وقد يكون خطأً. * * * (٣٢) - ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ بمباشرةِ مقدِّماته، وهذا نهيٌ عنه بأبلغ وجهٍ. ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾: فعلةً ظاهرةً في القبح متناهيةً فيه. ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾: وبئس طريقًا طريقُه، لا لأَنَّه غصب على الإبضاع؛ لأَنَّه غير لازم له، بل لأَنَّه يؤدِّي إلى النَّار. * * * (٣٣) - ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾.

стр. 2601

﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ قَتْلَها بأنْ عصَمها وحقن دمها بالإسلام، أو بالعهد. ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلَّا بحقٍّ يوجب قتلَها كالرَّجم، أو يبيحه كالقِصاص. قيل: إلَّا بإحدى ثلاثٍ: كفرٍ بعد إيمانٍ، وزنًا بعد إحصانٍ، وقتلِ مؤمن معصوم عمدًا. وفيه نظرٌ ذكرناه في تفسير (١) سورة الأنعام (٢). ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ غير موجَب لقتله، ولا مبيحٍ له، سواءٌ كان محمدًا أو خطأ، فإن الظُّلم غير مشروط بالعمد، شهد (٣) بذلك أنهم شرطوا الأوَّل في الشَّهيد دون الثَّاني. ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ﴾: هو مَن له حقُّ الطَّلب بدمه شرعًا. ﴿سُلْطَانًا﴾ تسلُّطًا بالمؤاخذة بمقتضى القتل على مَن عليه. ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ نهيٌ عمَّا كانت الجاهلية تفعلُه مِن قتلِ الجماعة بالواحد. قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بتاء المخاطبة جزمًا، والخطاب للوليِّ، وقرأ الباقون بياء الغائبة جزمًا، والضمير يرجع إلى الوليِّ (٤). ورجوعه إلى القاتل وتوجيهُ الخطاب إليه، تأباه عبارة الإسراف؛ فإنَّ حقَّه النَّهيُ عن القتل مطلقًا.

стр. 2602

﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ تعليلٌ للنَّهي على الاستئناف، والضَّمير للوليِّ لتناسق الضَّمائر. ونصرُه بتسليط الله تعالى إيَّاه على القاتل، وأمرِ (١) الولاة بمعاونته. ووجه التَّعليل: أنَّ الوليَّ إن (٢) أسرف في القتل وتجاوز عن حدِّ الشَّرع ينقلب عليه الأمر ويدخل تحت القاتلِ ظلمًا. * * * (٣٤) - ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾. ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ قد مرَّ الكلام في نظيره (٣). والنَّفسُ ميَّالة إلى المال والمباشرةِ دون القتل، ولهذا خُصَّ النَّهيُ عن القربان بالأوَّلَين. ﴿إِلَّا بِالَّتِي﴾: إلَّا بالطَّريقة الَّتي ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ الطَّرائق. ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ قد مَرَّ في (سورة الأنعام). ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ عامٌّ لِمَا عقده الإنسان بينه وبين ربِّه، وما عقده بينه وبين آدميِّ في غير معصية. ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾؛ أي: مسئولًا عنه، فحذف الجارُّ وأوصل ﴿مَسْئُولًا﴾ إلى الضَّمير، كما في قوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] أي: به.

стр. 2603

وقيل: إنَّ العهد يُسألُ تبكيتًا لناقضه، فيُقال: لم نقضْتَ؟ كما تسألُ الرَّحم عن وصلِها وقطعها. قيل: ويجوز أنْ يُراد: صاحبُ العهد كان مسؤولًا، وعلى هذا لا يظهر وجهٌ للعدول (١) عن الضَّمير إلى الاسم الظاهر. وقيل: أي: مطلوبًا يُطلَب من العاهد أن لا يضيِّعه ويفيَ به. وفيه تعسُّف لفظًا ومعنًى؛ أمَّا الأوَّل فظاهر إذ حينئذٍ يكون المسؤول عدمَ تضييعه لا نفسَه، وأمَّا الثَّاني فأظهر؛ لأنَّه حينئذ لا يزيد على معنى: أوفوا بالعهد، وقد ذُكِرَ في مقام التَّعليل له على الاستئناف. * * * (٣٥) - ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ﴾؛ أي: لا تبخَسوا فيه، وفائدةُ قوله: ﴿إِذَا كِلْتُمْ﴾ - أي: وقتَ كيلِكم - تضمُّنُ النَّهي عن الكيل بنقصانٍ ما ثم تكميلِه (٢) بعد زمان. ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ القسطاسُ: الميزانُ صغيرًا كان أو كبيرًا، وقيل: هو القبَّان، لفظٌ روميٌّ عُرِّبَ، والإجراء على قانون لغة العرب ليس بشرط في التَّعريب على ما حقَّقناه في رسالتنا المعمولة فيه. و ﴿الْمُسْتَقِيمِ﴾: السَّويُّ. ﴿ذَلِكَ خَيْر﴾ في الدُّنيا؛ لأنَّه أمانةٌ توجب المحمَدة والرَّغبة في معاملته.

стр. 2604

﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾: عاقبةً، إذ لا يبقى عليه تَبعة في الآخرة، تفعيل من آل: إذا رجع. ففيه نفع الدَّارين. * * * (٣٦) - ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ لا تَتبع (١) ما لا علم لك به من قولٍ أو فعلٍ، نهى أنْ يقولَ ما لا يعلمُ وأنْ يعملَ بما لا يعلم، ويدخل فيه التَّقليد على العمياء، يقال: قَفَوْتُه وقَفَيْتُه: إذا تَبِعْتَ أثره، ومنه القافَة (٢) لتتبُّعهم الآثار، وقافيةُ كلِّ شيء (٣) آخرُه. ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ﴾: إشارة إلى الثلاثة المذكورة، ولا اختصاص له بالعقلاء. قال الزَّجَّاج ووافقه الطَّبري: إنَّ العرب تعبِّر عمَّا يعقل وعمَّا لا يعقل بـ (أولئك)، وأنشد قول الشاعر: والعيشَ بعدَ أولئكَ الأيَّامُ (٤)

стр. 2605

وإنْ نُظر إلى (١) غلبة استعماله في العقلاء فنقول: لَمَّا كانت تلك الأعضاء مسؤولةً عن أحوالها شاهدةً على صاحبها أُجْرِيَتْ مجرى العقلاء. ﴿كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ ﴿عَنْهُ﴾ في موضع نصب، والضَّمير عائد على معنى ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أي: عن كلِّ واحدٍ ممَّا تقدَّم، و ﴿مَسْئُولًا﴾ فيه ضمير يعود على ﴿كُلُّ﴾ (٢) من حيث اللَّفظ، وهذا الضَّمير هو المفعول الذي لم يُسمَّ فاعله. ويجوز أن يكون ﴿مَسْئُولًا﴾ مسندًا إلى ﴿عَنْهُ﴾ كقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، والمجرور بالحرف لا يلتبس بالمبتدأ، ومنع تقديم الفاعل وما يقوم مقامه كان لذلك. ولا دلالة في الآية على أنَّ العبدَ مؤاخذٌ بالعزيمة؛ إذ يجوز أن يكون ما سُئِلَ عنه الفؤاد الظُّنونَ والعقائد. * * * (٣٧) - ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾. ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ﴾ المشي إنَّما يكون في الأرض، فالتَّقييد به لقطع المجاز شائعٌ فيه كما في الذَّهاب. ﴿مَرَحًا﴾ نصب على الحال؛ أي: ذا مرح (٣)، ولا بُدَّ مِنَ التَّقدير؛ لأنَّ المبالغة المستفادةَ من التَّوصيف بالمصدر لا تناسب المقام؛ لأنَّ المرادَ النَّهيُ عن أصل المرح، لا عن المبالغة.

стр. 2606

وقرئ: (مَرِحًا) بالكسر (١). والمرحُ: هو الخيلاء والكبر، وقد دلَّ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨] على أنَّ المرح هو مشي المختال. ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ بشدَّة وَطأتك ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ بتطاوُلك، وهو تهكُّم بالمختال. * * * (٣٨) - ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾. ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ﴾ قرئ بالرَّفع والإضافة إلى السَّيِّئ منه؛ لأنَّه سبق ذكر المأمور به والمنهيِّ عنه، فكان القبيح بعضَه. وقرئ منوَّنًا غيرَ مضافٍ (٢)، على أنَّها خبرُ ﴿كَانَ﴾، والاسم ضمير ﴿كُلُّ﴾، والإشارة إلى المنهيات من الخصال المذكورة. ﴿عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ بدل من ﴿سَيِّئُهُ﴾ أو صفةٌ لها، ولا حاجة إلى الحمل على المعنى؛ لأنَّها في حكم الصِّفات، ولا اعتبار بتأنيثه، ويجوز أن يكون حالًا من المستكِنِّ في ﴿كَانَ﴾، أو [في] الظرف (٣) على أنه صفةٌ لـ ﴿سَيِّئُهُ﴾. والمراد به: المبغوض المقابل للمرضيِّ، لا ما يقابل المراد (٤).

стр. 2607

(٣٩) - ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى الأحكام المتقدِّمة ﴿مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾؛ أي (١): من الأشياء الموضوعة في مَواضعَها، متعلق بـ ﴿أَوْحَى﴾، أو بدلٌ من ﴿مِمَّا﴾ (٢)، أو حال من الضَّمير المنصوب المحذوف العائد على ﴿مَا﴾. ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ للتَّنبيه على أنَّ التَّوحيد مبدأ الأمر (٣) ومنتهاه، ورتَّب عليه أوَّلًا ما هو عائدُه في الدُّنيا، وثانيًا ما هو نتيجته (٤) في العُقْبى، فقال: ﴿فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا﴾ تلوم نفسك ﴿مَدْحُورًا﴾: مطرودًا مبعَدًا، على سبيل الإهانة والاستخفاف به. * * * (٤٠) - ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾. ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ خطاب للذين قالوا: الملائكة بنات الله تعالى. والهمزة للإنكار؛ [أي] (٥): أفخصَّكم ربُّكم على وجه الخلوص والصَّفاء بأفضل الأولاد وهم البنون، لم يجعل فيهم نصيبًا لنفسه.

стр. 2608

﴿وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾: بناتًا لنفسه، هذا خلاف المعقول، والتَّعبير عن البنات بالإناث لإظهار جهةِ خساستهن. ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ بإضافة الأولاد إليه، وهي خاصَّةُ بعض الأجسام لسرعة زوالها، ثمَّ بتفضيل أنفسكم عليه حيث تجعلون له ما تكرهون، ثم بجعل الملائكة الذين هم من أشرف (١) الخلائق أدونَهم. * * * (٤١) - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾. ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾: كرَّرنا هذا المعنى بوجوهٍ مِنَ التَّقرير، فتركُ الضَّمير لأنَّه معلوم. ﴿فِي هَذَا الْقُرْآنِ﴾: في مواضعَ منه، ويجوز أنْ يُرادَ بـ ﴿هَذَا الْقُرْآنِ﴾: إبطالُ إضافة (٢) البنات إليه تعالى؛ لأنَّه ممَّا صرَّفه وكرَّر ذكره، بتقدير: ولقد صرَّفنا القولَ في هذا المعنى، أو أوقعنا التَّصريف (٣) فيه. وقرئ: (صَرَفْنا) بالتَّخفيف (٤)، وكذلك: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ قرئ مشددًا ومخففًا (٥)؛ أي: كرَّرناه ليتَّعظوا ويعتبروا ويطمئنُّوا إلى ما يحتجُّ به عليهم.

стр. 2609

﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ﴾ التَّصريف المذكور ﴿إِلَّا نُفُورًا﴾ عن الحقِّ، والنُّفورُ مقابلُ الطَّمأنينة. * * * (٤٢) - ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾. ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾ أيَّها المشركون، والكاف في موضع نصب؛ أي: مثلَما، وقرئ بالياء (١)، على أنَّ الكلام مع الرَّسول ﵇. ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا﴾؛ أي: طلبوا متواصلين ﴿إِلَى ذِي الْعَرْشِ﴾؛ أي: مغالَبته وإفساد ملكه، أشير إلى ذلك بالتَّعبير عنه تعالى بـ ﴿ذِي الْعَرْشِ﴾. ﴿سَبِيلًا﴾ لأنهم شركاؤه على الغرض المذكور، كما يفعل الملوك بعضُهم بعضًا، وهذا على وفق قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]. * * * (٤٣) - ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. ﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزَّه تنزيهًا ﴿وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا﴾: تعاليًا ﴿كَبِيرًا﴾: متباعدًا غايةَ البُعْد عمَّا يقولون. * * * (٤٤) - ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾. ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ وينزِّه عما هو

стр. 2610

من عوارض الإمكان ولواحق الحدوث بدلالته على الصَّانع القديم الواجب لذاته قطعًا لسلسلة الحاجة. ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ﴾ إيُّها القاصرون عن النَّظر الصَّحيح ﴿تَسْبِيحَهُمْ﴾ في (١) عبارة قوله: ﴿تَفْقَهُونَ﴾ دلالة على أنَّ تسبيحهم من جنس ما يُفْهَم بدقَّة النَّظر؛ لا (٢) من جنس ما يدرك بآلة السَّمع، فتعيَّن حمله على معنى الدِّلالة، ولم يبنَ وجهٌ للحمل على المشترك بينها وبين اللَّفظ. ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾ حيث لم يعاجلكم بالعقوبة على الغفلة والشِّرك ﴿غَفُورًا﴾ لمن تاب منكم. * * * (٤٥) - ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾. ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا﴾ هو يسترك عنهم. عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: لما نزلت سورة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١]، أقبلت العوراء أمُّ جميل بنت حرب وفي يدها فِهْرٌ والنَّبيُّ ﷺ قاعد في المسجد ومعه أبو بكر ﵁، فلمَّا رآها أبو بكر قال: يا رسول اللّه، لقد أقبلَتْ وأخاف أن تراك، قال رسول اللّه ﷺ : "إنها لن تراني"، وقرأ قرآنًا، فوقفَتْ على أبي بكرٍ ولم ترَ رسولَ اللّهِ ﷺ (٣).

стр. 2611

ومَن وهَم أنَّه حجاب الفَهْم، كأنَّه ما فَهِم أنَّه بينهم وبين القرآن، لا بينهم وبين النبي ﷺ . ﴿مَسْتُورًا﴾ عن أعين النَّاس؛ أي: ليس من جنس الحجُب الظَّاهرة. * * * (٤٦) - ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾. ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: أغطيةً، جمع كنان، وإنَّما لم يقل: (وجعلنا قلوبهم في أكنَّة) مع أنَّه أبلغ في تصوير المعنى المقصود؛ للإشعار بأنَّه أمرٌ عارضٌ كسبيٌّ، لا ذاتيٌّ خَلْفيٌّ، فإنَّ كلَّ مولودٍ يُولَد على الفطرة السَّليمة. ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾: كراهةَ أن يفقهوه (١)، والضَّمير لما يُدْعَون إليه، ويجوز أن يكون مفعولًا لِمَا دلَّ عليه قوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: منعناهم أن يفقهوه. ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ لم يقل: (أن يسمعوه)؛ اكتفاءً بما فُهِمَ بقرينة قرينه (٢). وهذه حكايةٌ لِمَا كانوا يقولونه، على ما دلَّ عليه قوله: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٤، ٥]. قوله (٣): ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ (٤) صريحٌ في أنَّ عدمَ سماعهم بسبب إعراضهم

стр. 2612

لا لمانعٍ في آذانهم، فقولهم: ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾ إظهارُ كراهة منهم، لا إخبارٌ عن عارضتهم، ومَن غفل عن هذا قال: ولَمَّا كان القرآن معجزًا من حيث اللَّفظُ والمعنى أثبَتَ لمنكريه ما يمنع عن فهم المعنى وإدراك اللَّفظ. ولم يدرِ أنَّ الأوَّل موقوف على الثَّاني، فالجعل الثَّاني على تقدير كونه حقيقةً كان (١) في الأمرين. وأيضًا مبنَى ما ذكره على أنْ يكون الضَّمير في ﴿يَفْقَهُوهُ﴾ للقرآن، ويأباه قوله: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ﴾ إذْ لا وجهَ للعدول عن الضَّمير إلى الاسم الظَّاهر. وأيضًا ما في الآية الأخرى قوله: ﴿مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ بدلَ: ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ ظاهر في خلافه. ﴿وَحْدَهُ﴾: واحدًا غيرَ مشفوعٍ به آلهتُهم. قال سيبويه: (وحدَه): اسمٌ موضوع موضعَ المصدر وهو: إيحاد، الموضوعُ موضع الحال وهو: مُوْحِد (٢). ﴿وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾: نافرين من استماع التَّوحيد، على أنَّ النُّفور جمعُ نافر، كشهود في جمع شاهد، ويجوز أن يكون مصدرًا على غير الصَّدر (٣)، أو كان قوله: ﴿وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ بمعنى: نفروا، وهذا دليل على أنهم قادرون على الاستماع، لا وقر في آذانهم حقيقةً. * * *

стр. 2613

(٤٧) - ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧)﴾. ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾: بسببه الدَّاعي إلى الاستماع؛ مِن الهزء بك وبالقرآن، ومن اللَّغو. ﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ ظرف لـ ﴿أَعْلَمُ﴾، وكذا: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾: يتناجَوْنَ بالطَّعْنِ في القرآن؛ أي: نحن أعلم بغرضهم من الاستماع في حالَتي الإصغاء والإعراض بالتَّناجي. و ﴿نَجْوَى﴾: مصدر، ويحتمل أن يكون جمع نَجِيٍّ. ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ بدلٌ من ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ على وضع (الظالمين) موضعَ الضَّمير للدِّلالة على أن تناجيَهم بقولهم هذا. والمسحورُ: مَنْ سُحِرَ فاختلَّ به عقلُه. * * * (٤٨) - ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾. ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ في أمر الحشر والبعث، بدلالة قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]. وإنَّما قال هنا: ﴿الْأَمْثَالَ﴾ لأنَّهم ضربوه بعبارات شتَّى وصورٍ متعدِّدة. وقيل: مثَّلوك بالشَّاعر والسَّاحر والكاهن والمجنون. ويردُّه أنَّهم ما مثَّلوه ﵇ بما ذُكِرَ (١)، بل قالوا تارةً: إنه ساحر، وأخرى:

стр. 2614

إنه شاعر .. ، إلى غير ذلك، وأيضًا لو كان المعنى ما ذكر لقيل: فيك، لا ﴿لَكَ﴾؛ لأنَّه ﵇ حينئذ يكون (١) مَن ضُرِبَ فيه الأمثال. ﴿فَضَلُّوا﴾ عن الحقِّ ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ إليه. * * * (٤٩) - ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾. ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا﴾ بيانٌ لِمَا ضربوه، ولولا الفَصْلُ بينه وبين المبيَّن بالجمل التَّفريعيَّة لكان حقُّه التَّصديرَ بالفاء التَّفصيليَّة. والعامل في (إذا) ما دلَّ عليه ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾، تقديره: أنُبعث إذا كنَّا عظامًا، والاستفهام للإنكار. ﴿وَرُفَاتًا﴾ صدِّر بالواو العاطفة إخراجًا له مخرجَ الاستقلال في كونه منشأً للاستبعاد. والرُّفاتُ: الأجزاء المفتَّتة (٢) مِنْ كلِّ شيء مكسَّر، ولمَا فيه من زيادة معنى التَّفتُّت أُوثرَ على الحُطَام، ولم يُلْتَفَتْ إلى ما فيه من صنعة الجناس. ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ على الإنكار والاستبعاد لِمَا بَيْن غضاضة الحيِّ ويبوسة الرَّميم من المباعدة والمنافاة. و ﴿خَلْقًا﴾: مصدر أو حال. * * * (٥٠) - ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾. ﴿قُلْ﴾ جوابًا لهم: ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ ردَّ قوله: ﴿كُونُوا﴾ على قولهم:

стр. 2615

﴿كُنَّا﴾، كأنَّه قيل: كونوا حجارة أو حديدًا ولا تكونوا عظامًا، فإنَّه يقدر على إحيائكم، أوثر في الحجارة صيغةُ الجمع رعاية للمناسبة لـ ﴿كُونُوا﴾، والعدول في الحديد إلى صيغة الإفراد لِمَا في مفرده من صنعة (١) الجناس مع الجديد. * * * (٥١) - ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾. ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾؛ أي: ممَّا يكبر عندكم عن قَبول الحياة؛ لكونه أبعد شيء منها، فإنَّ قدرته تعالى لا تقصُر عن إحيائكم؛ لاشتراك الأجسام في قَبول الأعراض، فكيف إذا كنتم عظامًا ورفاتًا وقد كانت غضَّة موصوفة بالحياة قبلُ (٢)؟! والشَّيء أصلٌ لِمَا عهد فيه مما لم يُعهد. وإنَّما قال: ﴿فِي صُدُورِكُمْ﴾ لأنَّ أثر الاستعظام البليغ يظهر فيها، فإنَّ القلب يضطرب عند ذلك لِمَا يعتريه من الخشية. ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وكنتم ترابًا، وما هو أبعدُ منه من الحياة. ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ يقال: أنغضَ رأسَه؛ أي: حرَّكه كالمتعجِّب من الشَّيء، وكلُّ حركة في ارتجاف نَغْضٌ. والعدول من التَّعدية إلى (إلى) لتضمُّنه التَّوجُّه والالتفات.

стр. 2616

﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ انتصابه على الخبر أو الظَّرف، و ﴿أَنْ يَكُونَ﴾ اسم ﴿عَسَى﴾، أو خبره والاسم مضمر. أجابهم بقرب وقوعه، لا لأنَّ كلَّ آتٍ قريبٌ، بل لأنَّه مضى أكثر الزَّمان وبقي أقلُّه. ولم يجبهم (١) بتعيين وقته لأنَّ ذلك مما استأثره اللّه تعالى بعلمه. ولم يوردوا تلك الأسئلة استرشادًا بل عنادًا واستهزاءً، وقد أُخْرِجَتْ أجوبتهم بطريق الجِدِّ (٢) والتَّحقيق وعدم المبالاة باستهزائهم، وفيه نوعُ تمهيد للأمر بحسن المجادلة الآتي ذكرُه. * * * (٥٢) - ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾. ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ بدلٌ من ﴿قَرِيبًا﴾. والدُّعاءُ: النِّداء إلى المحشر بكلامٍ يسمعه الخلائق؛ قال ﵇: "إنَّكم تُدْعَونَ يوم القيامة بأسمائكم وأسماءِ آبائكم، فأحسِنوا أسماءَكم" (٣). ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ الاستجابة: موافقة الدَّاعي فيما دعَا إليه بالفعل لأجْل دعائه.

стр. 2617

﴿بِحَمْدِهِ﴾ حال منهم؛ أي: حامدين لله (١) تعالى على الإحياء، أو على كمال قدرته؛ عن سعيد بن جبير ﵁: ينفضون التُّراب عن رؤوسهم، ويقولون: سبحانك اللَّهم وبحمدك (٢). ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (تظنون) معلَّقة عن العمل، فالجملة بعده في موضع نصب، وقلَّما ذكر النَّحويُّون في أدوات (٣) التَّعليق (إنْ) النَّافية. وانتصاب ﴿قَلِيلًا﴾ على أنَّه نعتٌ لزمانٍ محذوفٍ؛ أي: إلَّا زمانًا قليلًا؛ كقوله: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون: ١١٣]، ويجوز أن يكون نعتًا لمصدرٍ محذوفِ. * * * (٥٣) - ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾. ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي﴾ يعني: المؤمنين ﴿يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: الكلمةَ التي هي أحسن، ولا يخاشِنوا المشركين. ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾: يلقي بينهم الفساد بالوسوسة، ويغري بعضهم على بعض لتقعَ بينهم المشارَّة (٤) والمشاقَّة، وقد مَرَّ في آخر (الأعراف) تحقيق معنى النَّزغ. ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾: ظاهرَ العداوة.

стр. 2618

أُمِروا بحسن المجادلة، ونُبِّهوا على أنَّه قد يكون من الشيطان إجراء (١) وإغواء، وذُكِّروا بعداوته القديمة لهم. * * * (٥٤) - ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾. ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ بالتَّوفيق للإسلام ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ بالإماتة على الكفر. وكلمة ﴿أَو﴾ للدلالة على الانفصال الحقيقي بين الشَّيئين. والجملة تفسير لـ ﴿الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وما بينهما اعتراض؛ أي: قولوا لهم هذه الكلمة ونحوَها، ولا تصرِّحوا بأنَّهم مِن أهل النَّار؛ فإنه يَهيجهم على الشَّرِّ. قيل: مع أنَّ ختام أمرهم غيبٌ لا يعلمه إلَّا الله. وفيه: أنَّ الظَّاهر عموم النَّهي للتَّصريح بما ذُكِرَ، ولو كان مؤوَّلًا بمعنى: أنَّ عملَهم عملُ أهل النَّار، وهذه الضَّميمة لا تصلح علَّة له. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾: موكولًا إليك أمرهم تقسرهم على ما أُمروا به. وإنما قال: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ دون: إليهم؛ إفادةً لمعنى القسر والإلجاء. * * * (٥٥) - ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾.

стр. 2619

﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فيختارُ منهم لنبوَّته وولايته مَن يليقُ بهما (١)، وهو رَدٌّ لاستبعاد قريش أن يكون يتيمُ أبي طالب نبيًّا، وأن يكون العراةُ الجُوَّعُ أصحابَه. ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ بالرِّسالة، وبكونه صاحب شريعة، وبكونه من أولي العزم، وبكونه خاتم الأنبياء. ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ يعني: أنَّ (٢) داود ﵇ وإن لم يكن من أولي العزم، ولا صاحبَ شريعة، لكنَّه من جملة المفضلين بالرِّسالة، حيث أوتي كتابًا، وقد مَرَّ ما يتعلق بالزَّبور من الكلام في آخر سورة النِّساء (٣). * * * (٥٦) - ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾. ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أنَّها آلهة ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ تعالى، كالملائكة وعُزَيرٍ والمسيح ﵈. ﴿فَلَا يَمْلِكُونَ﴾: فلا يستطيعون ﴿كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾ كالمرض والفقر (٤) والقحط ﴿وَلَا تَحْوِيلًا﴾: ولا تحويلَ ذلك منكم إلى غيركم. * * *

стр. 2620

(٥٧) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾، أي: يدعونهم آلهةً (١) ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾: القُرْبَة بالطَّاعة. ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ بدل من واوِ ﴿يَبْتَغُونَ﴾؛ أي: ينبغي مَن هو أقربُ منهم إلى الله الوسيلة، فكيف بغيرِ الأقرب؟! ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ كسائر العباد، فكيف يزعمون أنهم آلهة؟! ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾: حقيقًا بأنْ يَحذره كلُّ أحدٍ حتى الملائكة والرُّسل. * * * (٥٨) - ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾. ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا﴾: مخرِّبوها ﴿قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ عن مقاتل: وجدت في كتب الضَّحَّاك في تفسير هذه الآية: أمَّا مكَّة فيخربها الحبشة، و تهلك (٢) المدينة بالجوع، والبصرة بالغرق، والكوفة بالتُّرك، والحبال بالصَّواعق والرَّواجف، ثمَّ ذكرها بلدًا بلدًا (٣).

стр. 2621

﴿أَوْ مُعَذِّبُوهَا﴾، أي: معذِّبو أهلِها، على أنَّ المجاز في الإسناد دون المسنَد، وإلَّا لقيل: أو معذِّبوهم. ﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾ بالقتل وأنواع البليَّة. ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ﴾: في اللَّوح المحفوظ ﴿مَسْطُورًا﴾: مكتوبًا. * * * (٥٩) - ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾. ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾ المقترَحة، استُعير المنع للتَّرك؛ للمبالغة، ولا يجوز استعارته للصرف؛ لأنَّه أيضًا ممتنعٌ في حقِّه تعالى. والباء للتَّعدية، فإنَّ أرسل يتعدى بنفسه وبالباء، قال كُثَيرٌ: لقدْ كذبَ الواشونَ ما بُحْتُ عندَهم … بِسِرٍّ ولا (١) أرسلْتُهم برسولِ (٢) ﴿إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾: إلَّا لتكذيب أمثالهم في الطَّبع من الأمم السَّالفة كعاد وثمود؛ يعني أنَّها لو أُرْسِلَتْ لكذَّبوا بها تكذيبَ أولئك الأمم، واستوجبوا الاستئصال على مقتضى مستثناه، وهو خلاف مقتضى الحكمة، لا لأنَّ فيهم مَن يؤمنُ؛ لأنَّه غير مانع مِن (٣) استئصال المعاندين خاصَّة كما وقع في قوم نوح ﵇، بل لأنَّ فيهم مَنْ يلد مَن يؤمن.

стр. 2622

ثمَّ ذكرَ بعضَ مَنْ كذَّبَ بالآيات المقترحة فاستؤصِلَ بقوله: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ﴾ باقتراحهم ﴿مُبْصِرَةً﴾ نصب على الحال، وهي قراءة الجمهور، وقرئ بالرَّفع (١) على إضمار مبتدأ؛ أي: هي مبصرةٌ، أضيف الإبصار إليها مجازًا لَمَّا كانت يبصرها النَّاسُ. وقرئ: (مَبْصَرَةً) بفتح الصَّاد، اسم مفعول (٢). ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾؛ أي: جحدوا بها. ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ﴾ المقترَحة ﴿إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ من نزول العذاب المستأصِل، وإن لم يخافوا نزل. * * * (٦٠) - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾. ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ﴾: واذكر إذ أوحينا إليك ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ فهُم في قبضة قدرته، وأحاط بقريش؛ أي: أهلكهم؛ يعني في وقعة بدر، والتَّعبير بالماضي لتحقُّق وقوعه. ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ ليلةَ المعراجِ، وكانت رؤيةَ عينٍ إلا أنَّها لَمَّا كانت باللَّيل سُمِّيَت (٣) رؤيا، كما يُقال: بات يفعل كذا: إذا فعل ليلًا، فيسمَّى ما يفعله:

стр. 2623

بيوتةً (١) وإنْ لم يكن نومًا، فلا متمسَّك فيه (٢) لمن زعم أنَّها كانت في المنام، بل نقول: إنْ تمسَّكَ به يكون حجَّةً عليه لا له؛ لأنَّ رؤيا المنام لا فتنة فيها، وما كان أحدٌ ينكرها، وقد كانت تلك الرؤية فتنة على ما نطقَ به قوله: ﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ وهي ارتدادُ قومٍ من المسلمين حين أخبرهم النَّبيُّ ﵇ أنَّه أُسْرِيَ به. ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ﴾ عطف على ﴿الرُّؤْيَا﴾، وهي شجرة الزَّقُّوم، واللَّعنُ لطاعمها، وإنَّما وصفت هي به مجازًا للمبالغة، أو قيل ذلك لأنَّها في أَبْوَرِ مكانٍ من الرَّحمة، وهي أصل الحميم، أو لأنَّها مكروهة، ويأباهما قوله: ﴿فِي الْقُرْآنِ﴾ قال أبو جهل ومَنْ معه: هذا محمَّد يتوعَّدكم بنار تحرق الحجارة، ثمَّ يزعم أنها تنبت الشَّجرة، والنَّار تحرق الشَّجرة؟! وما نعرف الزَّقُّوم إلَّا التَّمر بالزُّبد. ثمَّ أمرَ أبو جهل جاريةً له فأحضر تمرًا وزبدًا، وقال لأصحابه: تزقَّموا، فافتتن بهذه المقالة (٣) بعضُ الضعُّفاء (٤). ولم (٥) يعلموا أنَّ مَنْ قدرَ أن يحمي وَبَر السَّمندل (٦) من أن تأكله النَّار،

стр. 2624

وأحشاءَ النَّعامة من أذى الجمر، قدرَ أن يخلق في النَّار شجرةً لا تحرقها. وقرئ بالرَّفع على الابتداء (١)، والخبر محذوف؛ أي: والشَّجرةُ الملعونةُ في القرآنِ كذلك. ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾ بأنواع التَّخويف ﴿فَمَا يَزِيدُهُمْ﴾ التَّخويف ﴿إِلَّا طُغْيَانًا﴾: عتوًّا ﴿كَبِيرًا﴾: متجاوزًا عن الحدِّ. * * * (٦١) - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾. ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ قد مَرَّ تفسيرُه. ﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾: لمن خلقتَه من طينٍ، فنصب على نزع الخافض، ويجوز أن يكون حالًا من الرَّاجع إلى الموصول؛ أي: خلقتَه وهو طين، إنكارٌ وتعليل على ما صرَّح به في قوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، أو من الموصول؛ أي: أسجد له وأصله (٢) طين؟! وَيرِدُ عليه أنَّه حينئذ يضيع قوله: (خلقته). * * * (٦٢) - ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

стр. 2625

﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ الكاف للخطاب لا محل له من الإعراب على ما مرَّ تحقيقه في سورة الأنعام، و ﴿هَذَا﴾ مفعول أوَّل، و ﴿الَّذِي﴾ صفتُه، والمفعول الثَّاني محذوف لدلالة صلته عليه. والمعنى: أخبرني عن هذا الذي كرَّمته عليَّ بأمري بالسُّجود له لِمَ كرمته عليَّ؟! والإكرامُ: اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يُحمَدُ عليه، وتعديته بـ (على) لتضمُّنه معنى التَّفضيل. ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ كلام مبتدأ، واللَّام موطِّئة للقسم، وجوابه: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾: لَأقود منهم حيث شئتُ، من قولهم: حنكْتُ الفرسَ: إذا جعلْتَ في فيه الرَّسَن، وكذلك: احتَنكْتُه. ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ لا أقدر على أن أقاوم شكيمتَهم، وهم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥]. قال الحسنُ: ظنَّ ذلك لأنَّه وسوسَ [إلى] آدمَ ﵇ فلم يجد له عزمًا (١). * * * (٦٣) - ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾. ﴿قَالَ اذْهَبْ﴾ لشأنك الذي اخترتَه. أمره أمرَ إهانةٍ، وعقَّبه بذكر ما جزاه بسوء فعله من جزائه وجزاء أتباعه فقال: ﴿فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ﴾: جزاؤك وجزاؤهم، فغلَّب المخاطب على الغائب.

стр. 2626

﴿جَزَاءً﴾ نصبٌ على المصدر بإضمار فعله، أو بما في ﴿جَزَاؤُكُمْ﴾ من معنى: تُجازَون، أو حالٌ موطِّئة لقوله: ﴿مَوْفُورًا﴾: مكمَّلًا لا نقصان فيه عن قَدْرِ الاستحقاق، مِنْ وَفَرْتُه وَفْرًا (١). * * * (٦٤) - ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾. ﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾: واستَخِفَّ، أصله القطع بشدَّةٍ، يقال: فزَّزَ الثَّوبَ: إذا قطَّعه بشدَّةِ تخريق، والمعنى (٢): استَزِلَّه بقطعك إيَّاه عن الحقِّ. ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ﴾ أن تستفزَّ ﴿بِصَوْتِكَ﴾: بدعائك إلى الفساد. ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ﴾ الإجلاب: السَّوق بجلَبَةٍ من السَّائق، وهو الصِّياح. ﴿بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾: بأعوانك من راكب وراجلٍ، والرَّجْل: اسم جمعٍ لراجل، كرَكْبٍ وصَحْبٍ، اسم جمعِ راكبٍ وصاحبٍ. وقرئ بكسر الجيم (٣)، [وبالضم] وهي لغة فيه كنَدِسٍ ونَدُسٍ (٤). ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾ بحملهم على جمعها من غير وجهها (٥) وإنفاقها في غير حقِّها.

стр. 2627

﴿وَالْأَوْلَادِ﴾ بالحثِّ على تحصيلهم بالوجه المحرَّم، والاشتراك فيهم بتسميتهم بعبد العُزَّى ونحوه، والتَّضليل بالحمل على الأديان الزَّائغة. ﴿وَعِدْهُمْ﴾ المواعيدَ الباطلة، كشفاعة الآلهة والاتِّكال على كرامة الآباء، وتأخير التَّوبة بطُول الأمل. ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ اعتراضٌ لبيان مواعيده. والغرورُ: ما اغتُرَّ به. * * * (٦٥) - ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾. ﴿إِنَّ عِبَادِي﴾ يعني: المخلصين، والإضافة للتَّشريف. ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ﴾: على إغوائهم ﴿سُلْطَانٌ﴾: قدرة (١). ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ (٢) يتوكَّلون به في الاستعاذة منك. * * * (٦٦) - ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي﴾؛ أي: هو الذي يزجي، والإزجاءُ: السَّوق. ﴿لَكُمُ﴾: لمنافعكم ﴿الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾: من رزقه. ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ حيث سهَّلَ لكم ما تعسَّر من أسبابه. * * *

стр. 2628

(٦٧) - ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾. ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ﴾: خوفُ (١) الغرق ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ﴾: ذهب عن أوهامكم (٢) مَن تدعونه في حوادثكم. ﴿إِلَّا إِيَّاهُ﴾ وحدَه؛ فإنَّه حينئذ لا يخطر ببالكم سواه، ولا تدعون لكشفه إلَّا إيَّاه. وقيل: ضَلَّ كلُّ مَنْ تعبدونه من إعانتكم إلَّا إيَّاه. وفيه: أنَّ هذا المعنى لا اختصاص له بوقتِ الخوف. ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ﴾: خلَّصكم عن هول البحر وأخرجكم ﴿إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ عن الإخلاص في العبادة. ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ كالتَّعليل للإعراض، ولم يخاطبهم بذلك، بل أسنده إلى الجنس لطفًا بهم. * * * (٦٨) - ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾. ﴿أَفَأَمِنْتُمْ﴾ الهمزةُ للإنكار، والفاء للعطف على محذوفٍ تقديره: أنجوْتُم فأمِنْتم فحملكم ذلك على الإعراض. ﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ الخسفُ: أنْ تُهارَ الأرضُ بالشَّيء، وتعديتُه بنفسه، و ﴿بِكُمْ﴾ حالٌ؛ أي: مصحوبًا بكم.

стр. 2629

قال الجوهري: خَسَفَ به الأرضَ؛ أي: غاب به فيها (١). ﴿جَانِبَ الْبَرّ﴾: ناحيةُ الأرض، وسمَّاه جانبًا؛ لأنَّه يصير بعد الخسف جانبًا. ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾: ريحًا تَحصِبُ؛ أي: ترمي بالحصباء رميًا متتابعًا. ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾ يحفظكم من ذلك. وفي (٢) عبارة ﴿ثُمَّ﴾ إشارةٌ إلى أنَّه تعالى يحفظهم مرَّة، ولا يعود إليه بعد الكفران والعودِ إلى الشِّرك. * * * (٦٩) - ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾. ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ﴾ (٣): في البحر، لم يقل: (إليه)؛ إذ لا يلزم من العود إلى الشَّيء التَّلبّس (٤) به. ﴿تَارَةً أُخْرَى﴾ بخَلْق الدَّاعي إلى ذلك. ﴿فَيُرْسِلَ (٥) عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾: لا تمرُّ بشيءٍ إلا قصَفته؛ أي: وكسرته بشدَّة. ﴿فَيُغْرِقَكُمْ﴾ قرئ بالتَّاء (٦)، على إسناده إلى ضمير الرِّيح.

стр. 2630

﴿بِمَا كَفَرْتُمْ﴾: بسبب كفرانكم نعمة الإنجاء. ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ﴾: بسبب ما فعلنا ﴿تَبِيعًا﴾: مُطالبًا به (١) يَتْبعنا بانتصار. قال الفرَّاء: التَّبيعُ: طالبُ الثَّأرِ (٢). * * * (٧٠) - ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾. ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ تكريمًا مشتركًا فيما بينهم، بحيث لا يختصُّ ببعض دون آخر (٣)، ولهذا أتى بصيغة الجمع، والمراد: الكرامة البدنيَّة، ولهذا عبَّرَ عنهم بوصف البنوَّة. وعبارته وإن كانت لم تتناول آدم ﵇، لكن دلالته متناولة له ﵇، وذلك أنَّ ترتيب التَّكريم على وصف البنوَّة المضافة إليه لا تخلو عن دلالة على أنَّه ﵇ منشأُ التَّكريم ومبدؤه، فلا حاجة إلى تأويل بني آدم بنوع الإنسان، بل لا وجه له؛ إذ حينئذ تفوت الدِّلالة على التَّكريم المشترك (٤). ولما أَبهم في جهة التَّكريم للتَّعظيم، وأَتى بالتَّعميم في جانب المكرَّم حيث ذكره بصيغة الجمع النَّصِّ في التَّكثير، دون اسم الجنس المحتمِل للقليل والكثير (٥)،
следующие страницы →