← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

﴿جَزَاءً﴾ نصبٌ على المصدر بإضمار فعله، أو بما في ﴿جَزَاؤُكُمْ﴾ من معنى: تُجازَون، أو حالٌ موطِّئة لقوله: ﴿مَوْفُورًا﴾: مكمَّلًا لا نقصان فيه عن قَدْرِ الاستحقاق، مِنْ وَفَرْتُه وَفْرًا (١). * * * (٦٤) - ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾. ﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾: واستَخِفَّ، أصله القطع بشدَّةٍ، يقال: فزَّزَ الثَّوبَ: إذا قطَّعه بشدَّةِ تخريق، والمعنى (٢): استَزِلَّه بقطعك إيَّاه عن الحقِّ. ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ﴾ أن تستفزَّ ﴿بِصَوْتِكَ﴾: بدعائك إلى الفساد. ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ﴾ الإجلاب: السَّوق بجلَبَةٍ من السَّائق، وهو الصِّياح. ﴿بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾: بأعوانك من راكب وراجلٍ، والرَّجْل: اسم جمعٍ لراجل، كرَكْبٍ وصَحْبٍ، اسم جمعِ راكبٍ وصاحبٍ. وقرئ بكسر الجيم (٣)، [وبالضم] وهي لغة فيه كنَدِسٍ ونَدُسٍ (٤). ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾ بحملهم على جمعها من غير وجهها (٥) وإنفاقها في غير حقِّها.

стр. 2627

﴿وَالْأَوْلَادِ﴾ بالحثِّ على تحصيلهم بالوجه المحرَّم، والاشتراك فيهم بتسميتهم بعبد العُزَّى ونحوه، والتَّضليل بالحمل على الأديان الزَّائغة. ﴿وَعِدْهُمْ﴾ المواعيدَ الباطلة، كشفاعة الآلهة والاتِّكال على كرامة الآباء، وتأخير التَّوبة بطُول الأمل. ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ اعتراضٌ لبيان مواعيده. والغرورُ: ما اغتُرَّ به. * * * (٦٥) - ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾. ﴿إِنَّ عِبَادِي﴾ يعني: المخلصين، والإضافة للتَّشريف. ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ﴾: على إغوائهم ﴿سُلْطَانٌ﴾: قدرة (١). ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ (٢) يتوكَّلون به في الاستعاذة منك. * * * (٦٦) - ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي﴾؛ أي: هو الذي يزجي، والإزجاءُ: السَّوق. ﴿لَكُمُ﴾: لمنافعكم ﴿الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾: من رزقه. ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ حيث سهَّلَ لكم ما تعسَّر من أسبابه. * * *

стр. 2628

(٦٧) - ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾. ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ﴾: خوفُ (١) الغرق ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ﴾: ذهب عن أوهامكم (٢) مَن تدعونه في حوادثكم. ﴿إِلَّا إِيَّاهُ﴾ وحدَه؛ فإنَّه حينئذ لا يخطر ببالكم سواه، ولا تدعون لكشفه إلَّا إيَّاه. وقيل: ضَلَّ كلُّ مَنْ تعبدونه من إعانتكم إلَّا إيَّاه. وفيه: أنَّ هذا المعنى لا اختصاص له بوقتِ الخوف. ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ﴾: خلَّصكم عن هول البحر وأخرجكم ﴿إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ عن الإخلاص في العبادة. ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ كالتَّعليل للإعراض، ولم يخاطبهم بذلك، بل أسنده إلى الجنس لطفًا بهم. * * * (٦٨) - ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾. ﴿أَفَأَمِنْتُمْ﴾ الهمزةُ للإنكار، والفاء للعطف على محذوفٍ تقديره: أنجوْتُم فأمِنْتم فحملكم ذلك على الإعراض. ﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ الخسفُ: أنْ تُهارَ الأرضُ بالشَّيء، وتعديتُه بنفسه، و ﴿بِكُمْ﴾ حالٌ؛ أي: مصحوبًا بكم.

стр. 2629

قال الجوهري: خَسَفَ به الأرضَ؛ أي: غاب به فيها (١). ﴿جَانِبَ الْبَرّ﴾: ناحيةُ الأرض، وسمَّاه جانبًا؛ لأنَّه يصير بعد الخسف جانبًا. ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾: ريحًا تَحصِبُ؛ أي: ترمي بالحصباء رميًا متتابعًا. ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾ يحفظكم من ذلك. وفي (٢) عبارة ﴿ثُمَّ﴾ إشارةٌ إلى أنَّه تعالى يحفظهم مرَّة، ولا يعود إليه بعد الكفران والعودِ إلى الشِّرك. * * * (٦٩) - ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾. ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ﴾ (٣): في البحر، لم يقل: (إليه)؛ إذ لا يلزم من العود إلى الشَّيء التَّلبّس (٤) به. ﴿تَارَةً أُخْرَى﴾ بخَلْق الدَّاعي إلى ذلك. ﴿فَيُرْسِلَ (٥) عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾: لا تمرُّ بشيءٍ إلا قصَفته؛ أي: وكسرته بشدَّة. ﴿فَيُغْرِقَكُمْ﴾ قرئ بالتَّاء (٦)، على إسناده إلى ضمير الرِّيح.

стр. 2630

﴿بِمَا كَفَرْتُمْ﴾: بسبب كفرانكم نعمة الإنجاء. ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ﴾: بسبب ما فعلنا ﴿تَبِيعًا﴾: مُطالبًا به (١) يَتْبعنا بانتصار. قال الفرَّاء: التَّبيعُ: طالبُ الثَّأرِ (٢). * * * (٧٠) - ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾. ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ تكريمًا مشتركًا فيما بينهم، بحيث لا يختصُّ ببعض دون آخر (٣)، ولهذا أتى بصيغة الجمع، والمراد: الكرامة البدنيَّة، ولهذا عبَّرَ عنهم بوصف البنوَّة. وعبارته وإن كانت لم تتناول آدم ﵇، لكن دلالته متناولة له ﵇، وذلك أنَّ ترتيب التَّكريم على وصف البنوَّة المضافة إليه لا تخلو عن دلالة على أنَّه ﵇ منشأُ التَّكريم ومبدؤه، فلا حاجة إلى تأويل بني آدم بنوع الإنسان، بل لا وجه له؛ إذ حينئذ تفوت الدِّلالة على التَّكريم المشترك (٤). ولما أَبهم في جهة التَّكريم للتَّعظيم، وأَتى بالتَّعميم في جانب المكرَّم حيث ذكره بصيغة الجمع النَّصِّ في التَّكثير، دون اسم الجنس المحتمِل للقليل والكثير (٥)،

стр. 2631

تضمَّنَ أوَّل الكلام وآخره المبالغة، فكان أحرى أن يصدَّر طرف الكلام بحرف التَّأكيد مرَّة بعد أخرى. قيل: ومن جملة كرامته أنَّ كلَّ حيوان يتناول طعامه بفمه إلَّا الإنسان، فإنَّه يرفعه إليه بيده. وفيه نظر؛ لأنَّ القردة مع أنَّها من الحيوانات الخسيسة تشاركه فيما ذكر، فلا يصلح كرامةً، ولا أنْ يُعَدَّ خاصيَّة له. ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾؛ أي: حفظناهم فيهما، فإنَّ الحمل يتضمَّن الحفظ عادة، حتى لم تُخسف بهم الأرض، ولم يُغرقهم الماء، أو: حملناهم على الدَّوابِّ والسُّفنِ، من حملْتُه: إذا جعلْت له ما يركبه. ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ مِنْ ضُروب الملاذِّ وفنون النِّعَم ما لم يجعله لشيءٍ من سائر (١) الحيوانات. لَمَّا فرغَ عن تفصيل بعض (٢) وجوه تكريمهم (٣) البدنيِّ شرعَ في الإخبار عن تكريمهم النَّفسانيِّ، وأجملَ فيه إشعارًا بقصور العبارة عن تفصيله. ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ﴾ تفضيلًا مشتركًا كذلك ﴿عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ بالشَّرف والكرامة. أتى بالتَّأكيد هاهنا اهتمامًا لكونه معنويًّا، بخلاف تلك الأحوال الثَّلاثة، ولأنَّ

стр. 2632

الأحكام المذكورة من شواهد هذا (١) الحكم، فكأنَّ شهاداتها تأكَّدَتْ بعضُها ببعض، فظهر أثر تلك الشَّهادات في الدَّعوى. ولَمَّا كان سياق الكلام في النِّعم المشتركة بين أفراد الإنسان شريفِها وخسيسِها - على ما نبَّهت عليه آنفًا - ظهرَ وجه تخصيص الحكم المذكور بالكثير؛ فإنَّ كلَّ فردٍ من أفراد الإنسان غيرُ مفضَّل على جميع ما عداها، وذلك ظاهر فيه (٢)، ولا دلالة فيه (٣) على عدم تفضيل جنسه على جنس الملائكة؛ لأنَّ في تفضيل جنسٍ على جنسٍ آخر لا حاجة إلى تفضيل جميع أفراد الثَّاني، بل يكفي تفضيل فردٍ من الأوَّل على جميع أفراد الثَّاني. * * * (٧١) - ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. ﴿يَوْمَ نَدْعُو﴾ نصب بإضمار (اذكر)، أو ظرفٌ لِمَا دلَّ عليه ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ﴾. وقيل: هو على الإغراء؛ أي: احذروا يوم ندعو. [وقرئ: (يُدْعَو)] على قلب الألف واوًا في لغةِ مَن يقول: أَفْعَو، [في: أَفْعَى]، ويجوز أن يقال: إنها علامة الجمع، كما في: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣]، أو ضميرُه، و ﴿كُلَّ﴾ بدل منه، والنونُ محذوفة لقلَّة المبالاة بها؛ فإنَّها ليست إلا علامة الرَّفع، وهو قد يقدَّر كما في: يدعى (٤).

стр. 2633

﴿كُلَّ أُنَاسٍ﴾: كلَّ جماعةٍ من الإنس. والأناس (١): أصل النَّاس، وهو اسم جمعٍ، وقد مرَّ بيانه في أوائل سورة البقرة. ﴿بِإِمَامِهِمْ﴾: بمن ائتموا به من نبيٍّ أو مقدَّمٍ في الدِّين أو كتابٍ أو دِين. وقيل: بكتاب أعمالهم؛ فإنه يرجع إليه في تعرّف الأعمال. ويردّه: أنَّ المدعوَّ إلى كتاب الأعمال كلُّ واحد من الإنس، لا كلُّ جماعة منه؛ لعدم الاشتراك بين الاثنين في كتابٍ واحدٍ. وقيل: بأمَّهاتهم، جمع أمٍ، كخِفافٍ في جمع خُفٍّ، والحكمة في ذلك: إجلال عيسى ﵇، وإظهار شرف الحسنينِ، وأن لا يفتضح [أولاد] الزنا (٢). ويردُّه أيضًا ما أشرنا إليه من كلِّ أمٍّ ليست مما يشترك فيه (٣) جماعة من الإنس. ثم إنَّ ثالث ما ذكر من وجوه الحكمة مردودٌ بما ذكر في الصَّحيحَيْن من الحديث الدَّال على أنَّ النَّاس يُدعَوْن في الآخرة بأسمائِهم وأسماءِ آبائهم (٤).

стр. 2634

﴿فَمَنْ أُوتِيَ﴾ من المدعوِّين ﴿كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾؛ أي: كتابَ عمله. ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أورده جمعًا على معنى (مَن)، وقد حُمل على اللفظ أوَّلًا فأُفرد في قوله: ﴿كِتَابَهُمْ﴾، وفي قوله: ﴿بِيَمِينِهِ﴾. ﴿يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ﴾ لكمال صحوهم، ووفور عقلهم، والذين يؤتَون كتابهم بشمالهم فهم لتحيُّرهم وتردُّدهم لا يقرؤون كتابهم، وأشير إليه في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥] حيث لم يذكر (١) القراءة فيه. وفي قوله: ﴿يَالَيْتَنِي﴾ دلالة ظاهرة على أنَّه لا يحبس ألسنتهم عن التَّكلُّم، وتعليق القراءة على إتيان الكتاب باليمين لا يخلو عن الدِّلالة على ما أشير (٢) إليه بعدم ذكر القراءة في مقابله. ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أي: لا يُنقصون عمَّا يَستحِقُّون من الجزاء أدنى شيءٍ، وقد مرَّ شرح الفتيل في سورة النِّساء. * * * (٧٢) - ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾. ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾؛ أي: مَن كان في هذه الدَّار أعمى عن النَّظر في آيات اللّه تعالى وغيره فهو في الآخرة أعمى. ولما نزل هذه الآية جاء عبد اللّه بن أمِّ مكتوم إلى رسول الله ﷺ وقال:

стр. 2635

يا رسول اللّه، أنا في الدُّنيا أعمى أفأكون في الآخرة أعمى؟ فأنزل اللّه تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] (١). فلا دلالةَ فيما ذكر على أنَّ مَنْ أوتي كتابَه بشماله لا يقدر على القراءة لعدم بصرِه، وقد مرَّ في تفسير قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ ما يقلع عِرْق الشُّبهة. وقد جُوِّزَ أن يكون الثَّاني بمعنى التَّفضيل، ويعضد ذلك ظاهر ما عطف عليه من قوله: ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾، ومنْ ثمَّة قرأ أبو عمرو الأوَّل ممالًا والثَّاني مفخَّمًا (٢)، لا لأنَّ أفعل التَّفضيل تمامه بـ (مِن)، فكانت ألفُه في حكم الواقعة في وسط الكلام، وأمَّا الأوَّل فلم يتعلَّق به شيء، فكانت ألفه واقعةً في الطَّرف متعرِّضة (٣) للإمالة (٤)؛ لأَنَّه منقوض بالإمالة في قوله تعالى: ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ [البقرة: ٦١]، بل لأنَّه أراد أبو عمرو أنْ يفرِّق بينهما لَمَّا اختلف معناهما، واجتمعا في آيةٍ واحدةٍ، وإنَّما أمال الأوَّل دون الثَّاني لِمَا ذُكِرَ؛ فإنَّه يصلح للإحجاز (٥) وإن لم يصلح للغلبة. ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ منه؛ لبطلان الاستعداد وفقدان الآلة والمهلة. * * *

стр. 2636

(٧٣) - ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾. ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ (إن) هي المخفَّفة، واللَّام هي الفارقة، والمعنى: إنَّ الشَّأن قاربوا بمبالغتهم أن يخدعوك فاتنين بالاستنزال. ﴿عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ من الأحكام. ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾: غيرَ ما أوحينا إليك. نزلت في ثَقيفٍ، قالوا: لا ندخل في (١) أمرك حتى تعطيَنا خصالًا نفتخرُ بها على العرب، لا نُعْشَر ولا نُحْشَر ولا نُجبِّي في صلاتنا، وكلُّ ربًا لنا فهو لنا، وكلُّ ربًا علينا فهو موضوع عنَّا، وأنْ تمتِّعنا باللَّات سنةً، وأنْ تحرِّم واديَنا كما حرَّمتَ مكَة، وإن قالت العربُ: لم فعلْتَ ذلك؟ فقل: إنَّ اللّه أمرني به (٢). وقيل: في قريش، قالوا: لا نمكِّنكَ من استلام الحجر حتى تُلِمَّ بآلهتنا وتمسكها بيدك (٣).

стр. 2637

• أي: لو اتَّبعْتَ مرادهم ﴿لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ وخليلُهم بريءٌ من خلَّة اللّهِ تعالى. (٧٤) - ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾. ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾ ولولا تثبيتُنا إيَّاكَ ﴿لَقَدْ كِدْتَ﴾: ﴿تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ جواب ﴿وَلَوْلَا﴾ يقتضي إذا كان مثبتًا امتناعَه لوجود ما قبله، فمقاربةُ الشَّيء القليل من الرُّكون - وهو الميل اليسير - لم يقع منه ﵇، فضلًا عن وقوع ذلك الشَّيء القليل من الميل اليسير، وهذا غايةُ المبالغة في تنزيهه ﵇ عن الميل إلى أهوائهم (١)، والكون في صدد نفيه دلالة ظاهرة على أن قوله تعالى: ﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾ بيانُ قصدهم، لا فعلُه ﵇، أي: لو (٢) قاربْتَ. * * * (٧٥) - ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾. ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ الضِّعفُ بمعنى (٣): المضاعف، وكان أصل الكلام: لأذقناك عذابًا ضِعفًا في الحياة الدُّنيا وعذابًا ضِعفًا في الممات، ثم حذف الموصوف، وأُقيْمَتِ الصِّفة مقامَه، وهو الضِّعف، ثم أضيف الصِّفة إضافة الموصوف، فقيل: ﴿ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾، والمعنى: لضاعفنا لك العذاب المعجَّل للعصاة في الحياة الدُّنيا، وما نؤخِّره لهم لِمَا بعد الموت.

стр. 2638

وفي ذكر الكيدودة وتقليلِ الميل مرَّة بعد أخرى مع إتْباعها الوعيدَ الشَّديد بالعذاب المضاعف في الدَّارين دليل بيِّن على أنَّ مَن كانت درجته أرفعَ وَنِعَمُ اللّه تعالى عليه أسبغَ كانَ وعدُ اللّه تعالى في حقِّه أبلغَ. ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ يدفع عنك عذابَنا بالغلَبة علينا. * * * (٧٦) - ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. ﴿وَإِنْ كَادُوا﴾ الضَّمير لأهل مكَّة ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ قد مرَّ معنى الاستفزاز. ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾؛ أي: من أرض مكَّة ﴿لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ متعلِّق بـ ﴿كَادُوا﴾. ﴿وَإِذًا﴾؛ أي: لو أخرجوك منها ﴿لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ﴾: بعدَكَ، وقرئ: ﴿خِلَافَكَ﴾ وهو لغة فيه (١)؛ أي: لم ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾: قَدْرَ ما ينزل بهم العذابُ. وما أخرجوه ﵇ منها، بل خرجَ بنفسه امتثالًا لأمر الهجرة، نعم أزعجوه ﵇، لكن التَّعليق على الإخراج لا على الإزعاج. وقيل: الضَّمير ليهود المدينة، و ﴿الْأَرْضِ﴾ أرضُها، وذلك أنَّهم أرادوا المكرَ برسول الله ﷺ ، [فقالوا له: إن هذه الأرض ليست بأرض الأنبياء، وإنما أرض الأنبياء بالشام] (٢) ولكنَّك تخاف الرُّوم، فإنْ كنْتَ نبيًّا فأخرج إليها، فإنَّ اللّه سيحميك كما

стр. 2639

حمى سائر الأنبياء ﵈، فوقع ذلك في قلبه لِمَا يحبُّ (١) من إسلامهم، فرحل من المدينة مرحلةً، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية (٢). وعلى هذا أيضًا لم يوجد إخراجه ﵇، كما هو الظَّاهر من قوله: ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وقرئ: (لا يلبثوا) (٣)، منصوبًا بـ ﴿وَإِذًا﴾ (٤) على أنَّه معطوف على قوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا﴾، لا على خبر (كاد)، فإنَّ ﴿وَإِذًا﴾ لا يعمل إلَّا إذا كان معتمِدًا ما بعدها على ما قبلها. * * * (٧٧) - ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾. ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ نصب على المصدر؛ أي: سَنَّ اللّهُ ذلك سُنّةً، وهو أن يُهلك كلَّ أمَّة أخرجوا رسولهم من بين أظهرهم، فالسنَّة للمرسِل، والإضافة إلى المرسَل (٥) لأدنى ملابَسةٍ، دلَّ على ذلك قوله: ﴿وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ هو: تغييرًا. * * *

стр. 2640

(٧٨) - ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾: لزوالها، وقيل: لغروبها، وأصله: الميل، وهو ينتظِم المعنيين؛ قال ابن عطيَّة: الدُّلوكُ: هو الميل في اللُّغة (١) فأوَّلُ الدُّلوك هو الزَّوال، وآخرُه هو الغروب (٢). وقال الماوردي: مَن جعل الدلوك اسمًا لغروبها فلأنَّ الإنسان يدلُكُ عينيه براحته ليتبيَّنها حالةَ المغيب، ومَن جعله اسمًا لزوالها فلأنَّه يدلك عينيه لشدَّة شعاعها عند ذلك (٣). واللَّام للسَّبب؛ لأنَّها إنَّما تجب بزوال الشَّمس. ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾: هو اجتماع اللَّيل وظلمته، وهو وقت صلاة العشاء الأخيرة. وقيل: المراد بالصَّلاة: صلاة المغرب، وقوله: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ بيانٌ لمبدأ الوقت ومنتهاه، على أنَّ الدُّلوك هو الغروب، واستُدلَّ به على امتداد الوقت إلى غروب الشَّفق. ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾: وصلاةَ الصُّبح، سُمِّيَتْ قرآنًا لأنَّه ركنُها (٤) كما سُمِّيَتْ ركوعًا وسجودًا لذلك، ولكنْ لا دلالة فيه على ذلك (٥)، كما لا دلالة في تسميتها

стр. 2641

قنوتًا على أنَّ القنوت ركنها، وكذا لا دلالة فيه على وجوب القراءة فيها، لجواز أن يكون التجوُّز بها لكونها (١) مندوبة في الصَّلاة، نعم لو كان المجاز في ﴿الْفَجْرِ﴾ بأن يكون المراد منه الصلاةَ في ذلك الوقت لدلَّ الأمر بإقامتها على الوجوب فيها (٢) عبارةً، وفي غيرها دلالة. وانتصب ﴿قُرْآنَ﴾ عطفًا على ﴿الصَّلَاةَ﴾ قاله الفرَّاء (٣). أو على الإغراء، أي: فعليك بقراءة الفجر، قاله الزَّجَّاجُ وعزاه إلى البصريِّين (٤). ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ "تشهده ملائكة اللَّيل وملائكة النَّهار"، رواه الترمذي عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ ، وقال: هذا حديث حسن صحيح (٥). والآية جامعةٌ للصَّلوات الخمس إنْ فُسِّرَ الدُّلوكُ بالزَّوال، ولصلاة اللَّيل فقط إن فُسِّرَ بالغروب. * * * (٧٩) - ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ﴾ (مِن) للتَّبعيض، والفاءُ ناسقةٌ على مضمَرٍ؛ أي: قُم فتهجَّد به، أي: بالقرآن.

стр. 2642

والتَّهجُّد: التَّيقُّظ من النَّوم، لا تركُ النَّوم (١) مطلقًا. قال الحجَّاج بنُ عمرٍو صاحبُ النَّبيِّ ﵇: أيحسب أحدكم إذا قام في اللَّيل كلِّه أنَّه قد تهجَّد؟! إنَّ التهجُّدَ الصلاةُ بعد رقدة، ثمَّ الصَّلاة بعد رقدة، ثم الصَّلاة بعد رقدة، كذلك كانت صلاة رسول اللّه ﷺ (٢). وهو من الهجود، يقال: تهجَّد: إذا ألقى الهجود - وهو النَّوم - عن نفسه، وهذا الفعل جارٍ مجرى تَحوَّبَ وتَحرَّجَ وتأثَّمَ وتحنَّثَ: إذا ألقى ذلك عن نفسِه. ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾: زائدةً على (٣) تلك الفرائض المذكورة في الآية السَّابقة، والزَّائد حقُّه أن يكون من جنس المزيد عليه، فالتَّهجدُ من الفرائض، وإنَّما قال ﴿لَكَ﴾: لأنَّه ليس بفرض في حقِّ أمَّته، وقد روي عنه ﵇: "ثلاثة عليَّ فريضة ولأمَّتي تطوُّع: قيام اللَّيل، والوتر، والسِّواك" (٤). ومَن زعمَ أنَّه تطوُّع في حقِّه أيضًا فسَّر النَّافلةَ بالزِّيادةِ؛ أي: زيادةً لك في الدَّرجات، وذلك لأنَّه ﵇ مغفورٌ له، فهو إذا تطوَّع بما ليس بواجب عليه كان ذلك زيادةً في درجاته، وغيرُه من الأمَّة تطوُّعهم كفَّارات لذنوبهم، وتدارُكٌ لخللٍ يقعُ في الفرائض.

стр. 2643

﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ﴿مَقَامًا﴾ نصب على الظَّرف على تقدير العامل أو تضمينه، إذ لا يصلحُ (١) للعمل في مثل هذا الظَّرف إلَّا فعل فيه معنى الاستقرار، ويجوز أن يكون حالًا؛ أي: ذا (٢) مقامٍ محمود. وروى التِّرمذي عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "المقام المحمود هو المقام الذي أشفع فيه لأمَّتي"، وقال: هذا حديث حسن (٣). فالمقام: الموضع الذي يقوم فيه الإنسان للأمور الجليلة، ومعنى كونه محمودًا: أنه تعالى يقيمه ﵇ فيه فيشفع، فيَحمده الخلقُ. * * * (٨٠) - ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾. ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ المدخل والمخرج بضم الميم بمعنى: الإدخال والإخراج. والصِّدق: بمعنى المرضيِّ، يقال: رجلُ صِدْقٍ؛ أي: مرضيُّ الخُلُق. وقرئ: (مَدْخَلَ) و (مَخْرَجَ) بفتح الميم (٤)، بمعنى الدُّخول والخروج، على معنى: أدخلْني فأدخلَ دخولًا وأخرجْني فأخرج خروجًا. وقيل: المراد إدخاله مكَّة ظاهرًا عليها، وإخراجه منها آمنًا.

стр. 2644

وقيل: إدخاله الغار وإخراجه منه سالمًا. وقيل: إدخاله المدينة وإخراجه من مكَّة. وفيه: أنَّ المناسب حينئذٍ تقديم (١) الإخراج على الإدخال. وقيل: ﴿أَدْخِلْنِي﴾ فيما أمرتَني به، ﴿وَأَخْرِجْنِي﴾ عمَّا نهيتَني عنه. والظَّاهرُ أنَّه عامّ في جميع موارده ﵇ ومصادره، دنياويَّةً وأخراويَّةً. وقيل: المراد: الإدخال في القبر والإخراجُ منه، ليتَّصل بقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. ﴿وَاجْعَل لِى مِنْ لَّدُنكَ﴾ مَرَّ تفسير (لدن) في آل عمران. ﴿سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾: حجَّة تنصرني على المخالف، أو: مُلْكًا ينصر الإسلام على الكفر، فاستجاب له بقوله: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦]. والنَّصرُ: التَّمكينُ من الانتصار من العدوِّ. * * * (٨١) - ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾. ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ الإسلامُ ﴿وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾، أي: ذهب الكفر، يقال: زهق (٢) روحُه: إذا خرج. ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ أي: لم يزل مضمحِلًّا. * * *

стр. 2645

(٨٢) - ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾. ﴿وَنُنَزِّلُ﴾ قرئ بالتَّخفيف والتَّشديد (١). ﴿مِنَ الْقُرْآنِ﴾ ﴿مِنَ﴾ للتَّبيين، كقوله تعالى: ﴿مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] قدِّم المبهَم اهتمامًا؛ أي: كلُّ شيءٍ نزلَ من القرآن فهو شفاء للمؤمنين، يستصلِحون به دينهم، ويتَّعظون به في دنياهم، فموقعُه منهم (٢) موقعُ الشِّفاء من المرضى. وعن النَّبيِّ ﵇: "مَنْ لم يستشفِ بالقرآنِ فلا شفاهُ اللّهُ" (٣). أو للتَّبعيض، وليس معناه أَنَّه منقسمٌ إلى ما هو شفاء، وإلى ما ليس بشفاء، بل المعنى أنَّه نزلَ شيئًا فشيئًا، فالنَّازل في كلِّ وقتٍ بعضٌ. ﴿مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ كلُّه ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بتفريج الكروب، وتطهير العيوب، وتكفير الذُّنوب، مع ما تفضَّل به تعالى من الثَّواب في تلاوته. ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾؛ أي: نقصانًا؛ لتكذيبهم وكفرهم، قال قتادةُ: ما جالسَ أحدٌ القرآنَ إلَّا قامَ بزيادةٍ أو نقصانٍ (٤). * * *

стр. 2646

(٨٣) - ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾ ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ بالصِّحة والسَّعة ﴿أَعْرَضَ﴾ عن ذكر اللّه كأَنَّه مستغنٍ عنه ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ تأكيدٌ للإعراض؛ لأن الإعراضَ عن الشَّيء: أن يولِّيه عرضَ وجهِه. والنَّأي بالجانب: أن يلوِيَ عنه عطفه ويولِّيه ظهره. ويجوز أن يكون كنايةً عن الاستكبار؛ لأنَّه من عادة المتكبِّرين. وقرئ: ﴿نَاءَ﴾ على القلب (١) "أو على أنه بمعنى: نهض. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾؛ أي: مرض أو فقر ﴿كَانَ يَئُوسًا﴾: شديدَ اليأس من رَوح اللّه تعالى. * * * (٨٤) - ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾. ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾: على طريقته التي تشاكل حاله في الهدى والضَّلالة، يقال: طريق ذو شواكِلَ؛ وهي الطُّرق (٢) التي تتشعَّب منه، ويشهدُ لذلك قوله: ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾: أسدُّ مذهبًا وأبيَنُ طريقةً. * * * (٨٥) - ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الذي يحيَى به بدن الإنسان ويدبِّره (٣).

стр. 2647

﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ من الإبداعات الكائنة بأمر (كنْ) من غير مادَّةٍ ومدَّةٍ وتولُّدٍ من أصلٍ كأعضاء جسده. وفيه إشارة إلى أن الرُّوح ممَّا لا يمكن معرفة ذاته إلَّا بعوارضَ تميِّزه (١) عمَّن يلتبس به، فلذلك اقتصر على هذا الجواب كما اقتصر موسى ﵇ في جواب: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣﴾ بذكر بعض صفاته، وهذا القدْر من البيان لا ينافي الإبهام المذكور فيما روي أنَّ اليهود قالوا لقريش: اسألوه عن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الرُّوح؛ فإنْ أجابَ عنها أو سكتَ فليس بنبيِّ، وإنْ أجابَ عن بعضٍ وسكتَ عن بعضٍ فهو نبيٌّ، فبيَّنَ لهم القصَّتين وأبهم أمر الرُّوح (٢)؛ لأنَّ السُّؤال كان عن حقيقته، وهي باقية على إبهامها. وقيل: ﴿الرُّوحِ﴾ جبريلُ ﵇. وقيل: خلق أعظم (٣) من الملَك. ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ تستفيدونه بتوسُّط حواسِّكم؛ فإنَ اكتساب العلوم النَّظرية من الضَّروريَّات المستفادة من المحسوسات غالبًا، ولذلك قيل: مَن فقدَ حسًّا فقد (٤) فقدَ علمًا، وأكثر الأشياء لا يدركه الحسُّ. * * * (٨٦) - ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾.

стр. 2648

﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ ﴿لَنَذْهَبَنَّ﴾ جوابُ قسمٍ محذوف مع نيابته عن جزاء الشَّرط، واللَّام الدَّاخلة على (إنْ) موطِّئةٌ للقسم، والمعنى: إنْ شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه عن الصُّدور والمصاحف. ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾ أي: لا تجد بعد الذَّهاب مَن يتوكَّل علينا باسترداده (١) وإعادته محفوظًا مسطورًا. * * * (٨٧) - ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾. ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ لكن لا نشاء ذلك رحمةً من ربِّك. وقيل ة إلَّا أن يرحمك ربُّك فيردَّه عليك، كأن رحمته تتوكل (٢) عليه بالردِّ، وهذا امتنانٌ من اللّه تعالى ببقاء القرآن محفوظًا بعد المنَّة العظيمة في تنزيله. ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ إذ جعلَك سيِّد ولدِ آدم، وأعطاكَ المقامَ المحمود، وأنزل عليك هذا الكتاب، وأبقاه محفوظًا. * * * (٨٨) - ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾. ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ لم يذكر الملَكَ معهما، لا لأَنَّه قادر على الإتيان بمثله؛ لأنَّه مردود بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾

стр. 2649

[النساء: ٨٢]، بل لأنَّ الفعل المذكور ممَّا لا يليق لشأنه، ولا يجوز أن يُنْسَبَ إليه؛ لأنهم معصومون لا يفعلون إلا ما يُؤْمَرون. ﴿عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ﴾ في كمال بلاغته وحسنِ نظمه وجَودةِ تأليفه. ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ جواب قسم محذوف دلَّ عليه اللَّام الموطِّئة، ولولا هي لكان جوابَ الشرط بلا جزمٍ؛ لكون الشَّرط ماضيًا. والعدول عن الضمير إلى الاسم الظاهر لتفخيم شأن ما عَجزَ عنه الثَّقلان. ولما كان الاجتماع على أمرٍ قد يُوجَد بدون المظاهرة فيما بينهم كاجتماع المجتهدين على حكمٍ شرعيٍّ قال: ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾: ولو تظاهروا على ما اتَّفقوا عليه من المعارضة بإتيان مثله، ولا يصلح هذا أن يكون تقريرًا لقوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾؛ لأنَّ المقدِرة (١) على الإتيان بمثله أصعب من القدرة على استرداد عينه، ونفيُ الشَّيء إنَّما يقرِّر نفيَ (٢) ما دونه، لا ما فوقَه. * * * (٨٩) - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾. ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ﴾ تفسيرُه في هذه السُّورة. ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ من كل معنًى هو كالمثل في غرابته وحُسن موقعه. ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ (أبى) مُتأوَّل بالنَّفي؛ أي: فلم يرضوا ﴿إِلَّا كُفُورًا﴾: إلَّا جحودًا.

стр. 2650

(٩٠) - ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾. ﴿وَقَالُوا﴾ تعنُّتًا واقتراحًا بعدما لزمتْهم الحجَّة ببيان إعجاز القرآن وانضمام غيره من المعجزات: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ﴾ قرئ بالتَّخفيف والتَشديد (١). ﴿لَنَا مِنَ الْأَرْضِ﴾: أرضِ مكَّة. ﴿يَنْبُوعًا﴾: هو عينٌ ينبع ماؤه؛ أي: يفور، يَفْعولٌ من نبعَ الماءُ، كيَعْبوبٍ من عبَّ الماء (٢): إذا زَخَر. * * * (٩١) - ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾. ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ﴾ هذا بالتَّشديد بالإجماع (٣) لمكان ﴿الْأَنْهَارَ﴾. ﴿خِلَالَهَا﴾ وسطها ﴿تَفْجِيرًا﴾؛ أي: يكون لك بستانٌ يشتمِل على ذلك. * * * (٩٢) - ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾. ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ يعنون قولَ الله تعالى: ﴿أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ: ٩] وهو القطَع (٤) لفظًا ومعنًى.

стр. 2651

وقرئ: ﴿كِسْفًا﴾ بالسُّكون (١)، وهو فِعْلٌ بمعنى مفعولٍ، كالطِّحْن، أو مخفَّف من المفتوح كسِدَرٍ وسِدْرٍ. ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾؛ أي: عيانًا، والقَبيل بهذا المعنى المناسب للمقام الخالي عن التعسُّف مذكورٌ في "الصِّحاح" (٢). * * * (٩٣) - ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾. ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾: من ذهبٍ، وقد قرئ به (٣)، وأصله الزِّينة. ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ في معارجها، يقال: رقَى في السلَّم: إذا صعد إليها. ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾: ولن نصدِّق لرقيِّك، فاللَّام للصِّلة، يقال: آمن له: إذا أذعن له، على ما مرَّ في سورة يوسف ﵇. ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا﴾ من السَّماء فيه تصديقك. ﴿نَقْرَؤُهُ﴾ فلا يحتاج إلى نقلك إيَّاه. وهذا القيد لعدم اعتمادهم النَّبيَّ ﵇ في تبليغ القرآن. ﴿قُلْ﴾ وقرئ: ﴿قَالَ﴾ (٤)؛ أي: قال رسول الله ﷺ :

стр. 2652

﴿سُبْحَانَ رَبِّي﴾ تعجُّبًا (١) من اقتراحاتهم عليه، أو تنزيهًا للّه تعالى من أن يأتي، أو يُتحكَّم عليه. ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ كسائر الرُّسل بشرًا مثلهم، وكان الرُّسل لا يأتون قومهم إلَّا بما (٢) يُظهِرُ اللّهُ تعالى عليهم من الآيات، فليس أمرُ الآيات إليَّ، إنَّما هو إلى اللّه تعالى، فما بالُهم يتجبَّرون (٣) عليَّ. * * * (٩٤) - ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾. ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ﴾ قد مرَّ تفسير المنع في هذه السُّورة. ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى﴾: وما منعهم عن الإيمان بعد نزول الوحي ومجيء القرآن. ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾: إلَّا قولُهم هذا، وكان المانع اعتقادَهم بموجَب ما قالوا مِن أنَّ اللّهَ تعالى أجَلُّ مِنْ أن يكون رسولُه من جنس البشر، إلَّا أنَّه عبر عنه بالقول تنزيلًا له وإخراجًا عن حيِّز الاعتقاد. * * * (٩٥) - ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾.

стр. 2653

﴿قُلْ﴾ في جوابهم: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ يتصرَّفون فيها بمشي قاطنين (١) فيها، وليس لهم قدرة الصُّعود إلى السماء، فيسمعون من أهلها ويعلمون ما يجب علمُه. ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ ليكون من جنسهم فيفهمون كلامه ويسكنون إليه، فأمَّا أنتم فبشرٌ (٢)، فبعثني اللّه إليكم بشرًا مثلكم؛ لتكون قلوبكم أسكن إليه، وأنتم لكلامه أفهم؛ فإنَّ مقتضى الحكمة أن يكون الرَّسول من جنس المرسَل إليه. ﴿مَلَكًا﴾ حال من ﴿رَسُولًا﴾، ويحتمِل أن يكون موصوفًا به، وكذا الحال في ﴿بَشَرًا﴾. * * * (٩٦) - ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾. ﴿قُلْ﴾ جوابًا لهم - حين قالوا: مَنْ يشهدُ لك (٣) بأنَّك رسولُ اللّه؟ -: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ نصبَ ﴿شَهِيدًا﴾ على التَّمييز؛ أي: حسبي اللّه تعالى من الشهداء، أو على الحال؛ أي: كفى باللّه تعالى في حال شهادتنا. والعدول من (بينَنا) إلى ما فيه (٤) التَّكريرُ للتَّأكيد.

стр. 2654

﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ بخفيَّات أسرارهم ﴿بَصِيرًا﴾: مطَّلعًا على ما يظهر من أفعالهم وأقوالهم فيجازيهم عليه. وفيه تسلية لرسول الله ﷺ ﷺ ، وتهديدٌ للكفَّار. * * * (٩٧) - ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾. ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ﴾ أتى هاهنا بضمير الجمع؛ تنبيهًا على أنَّ نسبة الضَّالين إلى المهتدين نسبةُ الجماعة إلى الواحد، ولذلك قال: ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ مع أن نفي الولي الواحد أبلغ. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ يهدونهم. ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ مسحوبين عليها، أو: ماشين عليها. روي في "الصحيحين" أنه قيل لرسول ﷺ اللّه ﷺ : كيف يمشون على وجوههم؟ قال: "إنَّ الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على (١) أن يمشيَهم على وجوههم" (٢). ﴿عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ إنهم يحشرون على هذه الصِّفة، ثم يخلق لهم ذلك قبل دخولهم في النَّار: فأبصَروا؛ لقوله تعالى ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣]. وتكلموا؛ لقوله تعالى: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣].

стр. 2655

وسمعوا، لقوله تعالى: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢]. وقيل: لا يبصرون ما يُقرُّ أعينَهم، ولا يسمعون ما يلذُّ مسامعهم، ولا ينطقون ما يُقبل منهم. ويردُّه: أنَّ (١) قولَه تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ [يس: ٦٥] صريح في نفي القدرة على مطلَق التكلُّم عنهم، وأن قوله تعالى: ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ دلَّ على أن ذلك في الموقف قبل الانصراف عنه إلى النَّار، وبهذا اندفع احتمالُ أن يكون ذلك بعد الدُّخول فيها أو عند المشارفة عليها. ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ﴾: سكن لهبها. الخَبْوُ: سكون النَّار عن الالتهاب، وما قيل: بأنْ أكلَتْ جلودهم ولحومهم (٢)، يردُّه قولُه تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ (٣) [النساء: ٥٦]؛ لأنَّه صريح في النَّار لا يُتجاوز في تعذيبهم عن حدِّ الإنضاج إلى حدِّ الإغراق والإفناء (٤). ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾: توقُّدًا، وإنَّما قال: ﴿زِدْنَاهُمْ﴾ دون: زدناها، بناءً على أنَّهم

стр. 2656

وَقودُها، على ما نطق به قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (١) [البقرة: ٢٤]. * * * (٩٨) - ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾. ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ قد مَرَّ تفسيرُه في هذه السُّورة. * * * (٩٩) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾؛ أي (٢) أو لم يعلموا ذلك علمًا يقوم مقام العيان في حقِّ الإيقان. ﴿أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ وإذا قدر على خلق مثلهم قدرَ على إعادتهم خلقًا جديدًا. ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ هو (٣) الموت، أو القيامة. ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾: جحودًا. * * * (١٠٠) - ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾.

стр. 2657

﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ فاعلٌ لفعلٍ محذوفٍ يفسِّرُه ما بعده، تقديره: لو تملكون، فحذف (لملك) وأبدل من الضَّمير المتَّصل الذي هو الواو ضميرٌ منفصل وهو ﴿أَنْتُمْ﴾ لسقوط ما يتَّصل به من اللَّفظ، كقوله: وإنْ هو لم يحمل على النَّفسِ ضيمها (١) وفيه دلالة على اختصاص المخاطبين في الإمساك مع الإيجاز. ﴿خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾، أي: خزائنَ نِعَمه. ﴿إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ﴾، أي: لأمسكتموها. ﴿خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾: لأجْل خوف الفقر. ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾: مضيِّقًا للنَّفقة. وزيادة ﴿وَكَانَ﴾ لبيان أنَّ الإنسان مجبول على الشُّحِّ والضِّنة، ومَن يوقَ شحَّ نفسه إنَّما يوقَ بعِصْمة اللّه تعالى إيَّاه، وما ذكر جوابٌ قولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]، حتى نتوسَّع في المعيشة؛ أي: لو توسَّعتُم لبخلتُم أيضًا. * * * (١٠١) ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ قد مَرَّ تفسيرُه في سورة الأعراف، وليس

стр. 2658

انفجار الماء من الحجر وانفلاقُ البحر ونَتْقُ الطُّور منها، بدلالة أنَّ الخطاب في قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ [الإسراء: ١٠٢] لفرعون، وهذه الآيات بعضها بعد هلاكه وبعضها عنده. ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: فاسأل علماء بني إسرائيل ﴿جَاءَهُمْ﴾؛ أي: جاء أسلافهم. والعامل في ﴿إِذْ﴾ محذوفٌ، تقديره: فاسأل عن حديث أو قصَّة بني إسرائيل إِذْ جَاءَهُمْ. ﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾؛ أي: ساحرًا، قاله الفرَّاء وأبو عبيدة (١)، فوضع المفعول موضع الفاعل، كما تقول: هذا مشؤوم وميمون؛ أي: شائم ويامن، ويشهد لذلك قوله: (١٠٢) - ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾. ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ فإنَّه ظاهر في ردِّ أن تكون تلك الآيات سحرًا. قرأ الكسائي: ﴿عَلِمْتَ﴾ هو بالضم (٢)؛ أي: قال موسى: علمْتُ أنا، وقرأ البا قون: بالفتح؛ أي: علمْتَ أنت يا فرعون؛ لأنَّه عاند مع علمه؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]. يقول: إنَّك لصحَّة عقلك وسلامة حسِّك تعلم أنَّ ما جئْتُ به من الآيات

стр. 2659

ليس بسحرٍ، بل هي حجَّة اللّه تعالى، التي مَن تأمَّلها استبصر فيها؛ أي: تيقَّنَ أنَّها مِن عنده تعالى. وانتصب ﴿بَصَائِرَ﴾ على الحال، والعامل فيه محذوف، تقديره: أنزلها بصائر. ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾: هالكًا وخاسرًا، وقيل: مصروفًا عن الخير. وكان موسى ﵇ عالمًا بذلك بيقين، وإنما قال: (أظن) إظهارًا للتَّفريط في تقرير ما ادَّعاه، وفائدته: دفع وهم المبالغة فيه، وصونُه عن مظنَّة الإفراط (١). * * * (١٠٣) - ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾. ﴿فَأَرَادَ﴾ فرعون ﴿أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ﴾: أن يُخرج موسى ﵇ وقومَه بالنَّفي أو القتل، وقد مرَّ في هذه السُّورة ما يتعلق بمعنى الاستفزاز. ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾: أرضِ مصر، أو الأرضِ مطلقًا. ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾: فحاق به مكرُه. * * * ١٠٤ - ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾.

стр. 2660

﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ﴾: من بعد فرعون وإغراقه ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ التي أراد أن يستفزَّكم منها. هذا على تقدير دخول موسى ﵇ ومَن معه من بني إسرائيل (١) مصرَ بعد هلاك فرعون ظاهرٌ (٢)، وأما على تقدير عدم ذلك - على ما ذهب إليه بعضهم - فلا بُدَّ من تعيين التَّعريف في ﴿الْأَرْضَ﴾ للجنس، أو القولِ بأنَّ الأمر المذكور (٣) لأولادِ مَن معه ﵇ لا لهم (٤). ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ يعني: قيام القيامة ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾: مختلطِين. اللَّفيف: ما اجتمع من النَّاس من قبائل شتَّى، قال الأصمعي: اللَّفيف جمعٌ، وليس له واحد، وهو مثلُ الجميع (٥). * * * (١٠٥) - ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾. ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾؛ أي: ما أنزلنا القرآن إلى سماء الدُّنيا إلَّا محفوظًا عن اعتراء البطلان، وما نزل على الرَّسول إلَّا كذلك. وتكرير (الحق) باسمه الظَّاهر للتَّفخيم. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا﴾ بالثَّواب للمطيعين ﴿وَنَذِيرًا﴾ بالعقاب للعاصين، وليس لك شيء وراء ذلك.

стр. 2661

(١٠٦) - ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾. ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾: نزَّلناه مفرَّقًا منجَّمًا، وقرئ بالتَّشديد (١)؛ لكثرة نجومه. ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾: تثبُّتٍ وترسُّلٍ (٢)، فإنَّه أيسر للحفظ، وقرئ بالفتح (٣)، وهو لغةٌ فيه. ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ على حسب الأسباب ومقتضى الحكمة. * * * (١٠٧) - ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾. ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾ يتضمَّن الإعراض عنهم، والاحتقار لهم، وعدمَ الاكتراث بهم، فإنَّ إيمانهم بالقرآن لا يزيده (٤) فضلًا، وامتناعَهم عنه لا يورثه نقصًا. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ وهم مؤمنو أهل الكتاب مثلَ عبد اللّه بن سلام وأضرابِه - تعليل له؛ أي: إن لم تؤمنوا به فقد آمن به مَن هو خيرٌ منكم. ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾: من قبلِ نزولِ القرآنِ. ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ القرآن (٥) ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾: تعظيمًا لأمر اللّه تعالى، وشكرًا لإنجاز وعده في الكتب السابقة ببعثة محمَّد ﵇.

стр. 2662

والخُرورُ: السُّقوط بسرعة، وإنما ذكر الأذقان مبالغةً في التَّحامل على الجبهة والأنف، حتى كانه يلصقُ الذقن (١) بالأرض، واللَّام بمعنى: على، وقيل: للاختصاص. وفيه ما فيه. وانتصابُ ﴿سُجَّدًا﴾ على الحال. * * * (١٠٨) - ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾. ﴿وَيَقُولُونَ﴾؛ أي: في سجودهم: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾. عن خُلف الوعد ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾: إنه (٢) كانَ وعدُه كائنًا لا محالة. * * * (١٠٩) - ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾. ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ كرَّره لاختلاف الحال أو السَّبب، فإنَّ الأول للشكر عند إنجاز الوعد، والثَّاني لِمَا أثر فيهم من مواعظ القرآن (٣). ﴿يَبْكُونَ﴾ أتى هاهنا بالفعل إشعارًا للتَّجدد، فإنَّ منشأ البكاء - وهو (٤) التَّفكُّر والتَّذكُّر - ممَّا يتجدَّد، بخلاف منشأ السُّجود. ﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾ سماعُ القرآن ﴿خُشُوعًا﴾ كما (٥) يزيدهم علمًا ويقينًا باللّه، وقد مرَّ تفسير الخشوع في سورة البقرة (٦).

стр. 2663

(١١٠) - ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ نزلت حين سمع المشركون رسول الله ﷺ يقول: "يا اللّه، يا رحمن"، فقالوا: إنه ينهانا أن نعبدَ إلهًا آخر، وهو يدعوه (١)! والمراد: التَّسوية بين اللَّفظين بأنهما يطلَقان على ذاتٍ واحدة وإن اختلفا في اعتبار الإطلاق: عباراتُنا شتَّى وحُسْنُكَ واحدٌ … وكلٌّ إلى ذاك الجمالِ يشيرُ (٢) والدُّعاء بمعنى التَّسمية، وهو يتعدَّى إلى مفعولَيْن، حذف أولهما استغناءً عنه. و ﴿أَوِ﴾ للتخيير. وقيل: نزلت حين قالت اليهود: إنَّك لَتُقِلُّ ذكرَ الرَّحمن وقد أكثرَه الله - تعالى - في التَّوراة (٣). والمعنى: أنهما سيَّان في حسن الإطلاق والإفضاء إلى المقصود، ويعضده قوله: ﴿أَيًّا مَاتَدْعُوا﴾. أصله: إلَّا ما تدعوه فهو حسنٌ، فوُضِعَ موضعَه. ﴿فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ للمبالغة والدَّلالة على ما هو الدَّليل عليه. وكونها حُسنى لدلالتها على صفات الجلال والإكرام

стр. 2664

والتَّنوين في ﴿أَيًّا﴾ عوض عن المضاف إليه، و ﴿مَّا﴾ صلة لتأكيد ما في (أيّ) من الإبهام، والضَّمير في (له) للمسمَّى؛ لأنَّ التَّسمية له لا للاسم. ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾: بقراءةِ صلاتك، على حذف المضاف؛ حتى لا يَسمع المشركون؛ فإن ذلك يحملهم على السَّبِّ واللَّغو فيها. ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ كلَّ المخافتة حتى لا تُسمع مَن خلفَك من المؤمنين. والمخافتةُ: خفضُ الصَّوت. ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ﴾: بينَ الجهر والمخافتة ﴿سَبِيلًا﴾: وسطًا؛ فإنَّ خير الأمور أوسطُها. وقيل: معناه: لا تجهر بصلاتك كلِّها، ولا تخافت بها بأسرها، وابتغ بين ذلك سبيلًا؛ بالإخفات نهارًا والجهرِ ليلًا. * * * (١١١) - ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾. ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ فيه ردٌّ لمن قال: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، ولمن قال: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، ولمن قال: الملائكة بنات اللّه. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾: في الألوهيَّة، وفيه رَدٌّ للثَّنويَّة القائلين بتعدُّد الآلهة. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ من اليهود؛ لأنَّهم أذلُّ النَّاس، ففيه رد لقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨].

стр. 2665

وقال الحسين بن الفضل: يعني: لم يذلَّ فيحتاجَ إلى وليٍّ وناصرٍ، فيجيرَه من الذُّلِّ بعزَّته وكبريائه (١). وهذا قول حسن يعضده قوله: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ التكبير أبلغ لفظةٍ للقرب في معنى التَّعظيم والإجلال، وإنَّما أكِّدَ بالمصدر تحقيقًا له، وإبلاغًا في معناه. ولَمَّا كان اتِّخاذ الوليِّ قد يكون للانتصار والاعتزاز به والاحتماءِ من الذُّلِّ، وقد يكون بالتَّفضُّل والرَّحمة لمن والى (٢) من عباده الصَّالحين، كانَ النَّفيُ لمن ينتصر به من أجل المذلَّة، أو كان مورد الولاية يحتمل هذين الوجهَيْن، فنفى الجهةَ التي لأجْل النقص (٣)، بخلافِ الولد والشَّريك فإنهما نُفيا على الإطلاق لعدم احتمالهما الوجهَين في شأنه تعالى. وإنَّما رتَّب الحمد على وصفه بنفي الولد والشَّريك (٤) والذُّل؛ لأنَّ مَن هذا وصفه هو الذي يقدر على إيلاء كلِّ نعمة، فهو الذي يستحق كلَّ الحمد. وهذه السُّورة الكريمة ابتدأت بتنزيه اللّه تعالى واختُتمت به. * * *
следующие страницы →