← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

(١٠٦) - ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾. ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾: نزَّلناه مفرَّقًا منجَّمًا، وقرئ بالتَّشديد (١)؛ لكثرة نجومه. ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾: تثبُّتٍ وترسُّلٍ (٢)، فإنَّه أيسر للحفظ، وقرئ بالفتح (٣)، وهو لغةٌ فيه. ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ على حسب الأسباب ومقتضى الحكمة. * * * (١٠٧) - ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾. ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾ يتضمَّن الإعراض عنهم، والاحتقار لهم، وعدمَ الاكتراث بهم، فإنَّ إيمانهم بالقرآن لا يزيده (٤) فضلًا، وامتناعَهم عنه لا يورثه نقصًا. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ وهم مؤمنو أهل الكتاب مثلَ عبد اللّه بن سلام وأضرابِه - تعليل له؛ أي: إن لم تؤمنوا به فقد آمن به مَن هو خيرٌ منكم. ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾: من قبلِ نزولِ القرآنِ. ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ القرآن (٥) ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾: تعظيمًا لأمر اللّه تعالى، وشكرًا لإنجاز وعده في الكتب السابقة ببعثة محمَّد ﵇.

стр. 2662

والخُرورُ: السُّقوط بسرعة، وإنما ذكر الأذقان مبالغةً في التَّحامل على الجبهة والأنف، حتى كانه يلصقُ الذقن (١) بالأرض، واللَّام بمعنى: على، وقيل: للاختصاص. وفيه ما فيه. وانتصابُ ﴿سُجَّدًا﴾ على الحال. * * * (١٠٨) - ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾. ﴿وَيَقُولُونَ﴾؛ أي: في سجودهم: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾. عن خُلف الوعد ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾: إنه (٢) كانَ وعدُه كائنًا لا محالة. * * * (١٠٩) - ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾. ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ كرَّره لاختلاف الحال أو السَّبب، فإنَّ الأول للشكر عند إنجاز الوعد، والثَّاني لِمَا أثر فيهم من مواعظ القرآن (٣). ﴿يَبْكُونَ﴾ أتى هاهنا بالفعل إشعارًا للتَّجدد، فإنَّ منشأ البكاء - وهو (٤) التَّفكُّر والتَّذكُّر - ممَّا يتجدَّد، بخلاف منشأ السُّجود. ﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾ سماعُ القرآن ﴿خُشُوعًا﴾ كما (٥) يزيدهم علمًا ويقينًا باللّه، وقد مرَّ تفسير الخشوع في سورة البقرة (٦).

стр. 2663

(١١٠) - ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ نزلت حين سمع المشركون رسول الله ﷺ يقول: "يا اللّه، يا رحمن"، فقالوا: إنه ينهانا أن نعبدَ إلهًا آخر، وهو يدعوه (١)! والمراد: التَّسوية بين اللَّفظين بأنهما يطلَقان على ذاتٍ واحدة وإن اختلفا في اعتبار الإطلاق: عباراتُنا شتَّى وحُسْنُكَ واحدٌ … وكلٌّ إلى ذاك الجمالِ يشيرُ (٢) والدُّعاء بمعنى التَّسمية، وهو يتعدَّى إلى مفعولَيْن، حذف أولهما استغناءً عنه. و ﴿أَوِ﴾ للتخيير. وقيل: نزلت حين قالت اليهود: إنَّك لَتُقِلُّ ذكرَ الرَّحمن وقد أكثرَه الله - تعالى - في التَّوراة (٣). والمعنى: أنهما سيَّان في حسن الإطلاق والإفضاء إلى المقصود، ويعضده قوله: ﴿أَيًّا مَاتَدْعُوا﴾. أصله: إلَّا ما تدعوه فهو حسنٌ، فوُضِعَ موضعَه. ﴿فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ للمبالغة والدَّلالة على ما هو الدَّليل عليه. وكونها حُسنى لدلالتها على صفات الجلال والإكرام

стр. 2664

والتَّنوين في ﴿أَيًّا﴾ عوض عن المضاف إليه، و ﴿مَّا﴾ صلة لتأكيد ما في (أيّ) من الإبهام، والضَّمير في (له) للمسمَّى؛ لأنَّ التَّسمية له لا للاسم. ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾: بقراءةِ صلاتك، على حذف المضاف؛ حتى لا يَسمع المشركون؛ فإن ذلك يحملهم على السَّبِّ واللَّغو فيها. ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ كلَّ المخافتة حتى لا تُسمع مَن خلفَك من المؤمنين. والمخافتةُ: خفضُ الصَّوت. ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ﴾: بينَ الجهر والمخافتة ﴿سَبِيلًا﴾: وسطًا؛ فإنَّ خير الأمور أوسطُها. وقيل: معناه: لا تجهر بصلاتك كلِّها، ولا تخافت بها بأسرها، وابتغ بين ذلك سبيلًا؛ بالإخفات نهارًا والجهرِ ليلًا. * * * (١١١) - ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾. ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ فيه ردٌّ لمن قال: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، ولمن قال: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، ولمن قال: الملائكة بنات اللّه. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾: في الألوهيَّة، وفيه رَدٌّ للثَّنويَّة القائلين بتعدُّد الآلهة. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ من اليهود؛ لأنَّهم أذلُّ النَّاس، ففيه رد لقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨].

стр. 2665

وقال الحسين بن الفضل: يعني: لم يذلَّ فيحتاجَ إلى وليٍّ وناصرٍ، فيجيرَه من الذُّلِّ بعزَّته وكبريائه (١). وهذا قول حسن يعضده قوله: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ التكبير أبلغ لفظةٍ للقرب في معنى التَّعظيم والإجلال، وإنَّما أكِّدَ بالمصدر تحقيقًا له، وإبلاغًا في معناه. ولَمَّا كان اتِّخاذ الوليِّ قد يكون للانتصار والاعتزاز به والاحتماءِ من الذُّلِّ، وقد يكون بالتَّفضُّل والرَّحمة لمن والى (٢) من عباده الصَّالحين، كانَ النَّفيُ لمن ينتصر به من أجل المذلَّة، أو كان مورد الولاية يحتمل هذين الوجهَيْن، فنفى الجهةَ التي لأجْل النقص (٣)، بخلافِ الولد والشَّريك فإنهما نُفيا على الإطلاق لعدم احتمالهما الوجهَين في شأنه تعالى. وإنَّما رتَّب الحمد على وصفه بنفي الولد والشَّريك (٤) والذُّل؛ لأنَّ مَن هذا وصفه هو الذي يقدر على إيلاء كلِّ نعمة، فهو الذي يستحق كلَّ الحمد. وهذه السُّورة الكريمة ابتدأت بتنزيه اللّه تعالى واختُتمت به. * * *

стр. 2666

سُوْرَةُ الكَهْفِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ في ترتيب استحقاق الحمد على إنزال القرآن تنبيهٌ على عظمِ شأنه مِن بينِ النِّعم الجِسام، وذلك بهدايته إلى ما فيه كمالُ العباد، ودعوتهِ إلى ما به انتظامُ صلاح المعاش والفلاح في المعاد. ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ مِنْ تتمَّة الصِّلة على أنَّه عطف بيان، إذ المعنى: أنزل على عبده الكتاب الكامل في بابه. قال ابن السِّكيت؛ كلُّ ما ينتصبُ كالحائط والعُود يقال فيه: عَوَج بالفتح، والعِوَج بالكسر: ما كان في أرضٍ أو دِينٍ أو معاشٍ (١). وما قيل: إنه بالكسر في المعاني، مردود (٢) بقوله تعالى: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٧]. وتنكيره لتعميم النَّفي أنواعَ الانحراف عن سَنَن الاستقامة، من جهة الاختلال في التَّركيب، والاختلاف في النظم، والتنافي في المعنى. * * *

стр. 2667

(٢) ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾. ﴿قَيِّمًا﴾ على الكتب السَّابقة بالتَّغيير (١) والتَّقرير، أو بمصالح العباد، فيكون وصفًا له بالتَّكميل بعد وصفه بالكمال. وقيل: المراد إثبات الاستقامة والاعتدال. فاتَّجه عليه السُّؤال عن فائدة الجمع بينه وبين العوج؛ فإن المفهوم من أحدهما عَيْنُ ما فُهم من الآخر. وأجيب: بأنَّ فائدته التَّأكيد، فربَّ مستقيمٍ مشهودٍ له بالاستقامة لا يخلو عن أدنى عوج عند السَّبر والتفحُّص (٢). ويَرِدُ عليه (٣) - بعد الإغماض عن أنَّ ما ذكر فيما شهد له العباد -: أنَّ ذلك إنما يصحِّح ذكرَ النَّفي عقيب الإثبات دون العكس، وبعدَ اللُّتَيَّا والتي أنَّ التَّأسيس خيرٌ من التَّأكيد، والإفادة أولى من الإعادة. وانتصابه على الحال من ﴿الْكِتَابَ﴾، لا من الضمير في ﴿لَهُ﴾ (٤)؛ لِمَا فيه من الرَّكاكة التي يجب تنزيه كلام (٥) اللّه تعالى عنها.

стр. 2668

ولا حاجة إلى تقدير مضمر (١)؛ لأنَّ مبناه أن يتعيَّن عطف ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ﴾ على ﴿أَنْزَلَ﴾، وقد عرفتَ فساد ذلك المعنى (٢). ﴿لِيُنْذِرَ﴾ أطلقه لعموم الجنس وعدم اختصاصه بأحد الفريقين، على ما أفصح عنه قوله تعالى: ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يونس: ٢] وفي إطلاقه هنا (٣) دفعُ وهم الاختصاص السابق إلى الفهم من قوله: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا﴾ [الكهف: ٤]. ﴿لِيُنْذِرَ﴾ عذابًا ﴿بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾. تقدَّم الكلام عليه في سورة هود ﵇. ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾: بأنَّ لهم، وإنْ ضمَّن ﴿وَيُبَشِّرَ﴾ معنى يبيِّن لم يحتجْ إلى الباء. ﴿أَجْرًا حَسَنًا﴾: ثوابًا جميلًا في الجنَّة، وأمَّا نفس الجنَّة ففي التَّبشير بها يكفي الإيمان، ولا حاجة إلى العمل الصَّالح عند أهل الحقِّ. * * * (٣) - ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾. ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ﴾: في الأجر، أو (٤) في محلِّه ﴿أَبَدًا﴾ لا إلى غاية. * * * (٤) - ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾. ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾. خصَّهم بالإنذار بعدَ ما عمَّ الجميعَ؛

стр. 2669

لغاية فحش صنيعهم، ورتَّبه على القول إشعارًا بأنهم استحقُّوا الإنذار به مع قطع النَّظر عن الاعتقاد، وأبهم المنذَر به ليذهب الوهم كلَّ مذهب، وفيه ما لا يخفى من التَّهويل به. * * * (٥) - ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾. ﴿مَا لَهُمْ بِهِ﴾؛ أي: بما قالوا ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾: شيءٌ من العلم؛ لاستحالة المعلوم. والجملة في موضع الحال؛ أي: قالوا جاهلين به. ﴿وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾؛ أي: قلَّدوا (١) فيه آباءهم وهم مثلُهم في الجهل. ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ (٢)؛ عظُمَتْ مقالتُهم هذه في الافتراء على اللّه تعالى. قراءة الجمهور بالنَّصب على التَّمييز، وقرئ بالرَّفع على الفاعليَّة (٣)، والأوَّل أولى وأبلغ؛ لما فيه من الإبهام والتَّبيين. وفيه معنى التَّعجُّب، ومرجعُه إلى تعظيم الأمر في قلوب السَّامعين، كأنَّه قيل: ما أكبرَ كلمةً! ﴿تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ صفة للكلمة، ووصفها بذلك مع أنَّ العلم الضَّروري حاصلٌ بأنَّ شأن جنسها ذلك، فلا بُدَّ له من فائدة، وهي الإشعار بأنَّه لا ينبغي أن

стр. 2670

تتَّصف هذه الكلمة بقصد قلبي (١) لوضوح بطلانها، فكأنَّه قيل: تخرج بنفسها بلا إخراج منهم، ففيه تأييد لقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾. ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾: إلَّا قولًا كذبًا. * * * (٦) - ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾. ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ (لعلَّ) للتَّرجي في المحبوب والإشفاق في المحذور. والبخع والبخوع: الإهلاك من شدَّة الوَجد. ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ عبَر عن إدبارهم وتباعُدهم عن التَّصديق بالقرآن على وجهٍ فصيحٍ، شبَّهه وإياهم حين تولَّوا عنه ولم يؤمنوا به، وما تداخله من الوَجْد والأسف على تولِّيهم، بمَن فارقَه أحبَّتُه، فهو يتساقط حسراتٍ على آثارهم، وَيبخَع على نفسه وجدًا عليهم، فالاستعارة تمثيليَّة. وقرئ على الإضافة (٢)، وهو للاستقبال إن قرئ: ﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ بالكسر، وللمضي إن قرئ بالفتح (٣)، بمعنى: لأنْ لا يؤمنوا، فلا يجوز إعمال ﴿بَاخِعٌ﴾ إلَّا إذا جعل حكاية حال (٤) ماضية لتصوير تلك الحالة في ذهن السَّامع واستحضارها.

стр. 2671

﴿بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾: القرآن. ﴿أَسَفًا﴾ مفعول له؛ أي: لفَرْط الحزن، ويجوز أن يكون حالًا. * * * (٧) - ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ﴾ من الزَّخارف، يرشدك إلى هذا قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ [يونس: ٢٤]. ﴿زِينَةً لَهَا﴾ مفعول ثانٍ لـ ﴿جَعَلْنَا﴾ مهو بمعنى: صبَّرنا، ويحتمل الحالَ على أنَّه بمعنى: أوجدنا. ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ في تعاطيه، وحسنِ عمل (١) الزُّهد فيها، وترك الاغترار بها، ثمَّ زهَّد في الميل بقوله: (٨) - ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾. ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾: ترابًا لا نبات فيه. والجُرُز: الأرض (٢) التي قطع نباتها، من الجَرْزِ بمعنى القَطْع. فيه (٣) تسلية لرسول اللّه ﷺ وفقراء المؤمنين عمَّا احتوته أيدي المترَفين من زينتها. * * *

стр. 2672

(٩) - ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾. ﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾: بل أحَسِبْتَ ﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ الكهف: الثُّقْب المتَّسع في الجبل، وما لا يتَّسع منه فهو غار. ذكره القرطبيُّ (١). والرَّقيم: اسمُ الجبل، أو الوادي، أو القرية (٢)، أو الكلب، أو لوحٌ رُقِمَتْ فيه أسماؤهم وجُعِلَتْ على باب الكهف. وقيل: الرَّقيم: أصحاب الغار الذي انطبق عليهم فذكرَ كلُّ واحدٍ منهم (٣) أصلحَ عمله، وفي هذا خبر معروف أُخْرِج في "الصحيحين" (٤). وقال قومٌ: أخبر الله عن أصحاب الكهف، ولم يخبر عن أصحاب الرَّقيم بشيء. ﴿كَانُوا﴾ في بقائهم أحياءً مدَّةً مديدة بلا غذاء. ﴿مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾؛ أي: أحسبْتَ أنَّ أصحاب الكهف والرَّقيم كانوا مِنْ بينِ (٥) آياتنا عجبًا؟ فليس كذلك، بل كلُّ آياتنا عجبٌ، وفي آياتنا ما هو أعجب منهم. وقال القشيريُّ: أزال موضع الأعجوبة من أوصافهم حيث أضافه إلى نفسه بقوله: ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾، فقلبُ (٦) العادة من اللّه ليس بمستبدَعٍ (٧). * * *

стр. 2673

(١٠) - ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾. ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ حين الالتجاء إليه، وروي أنَّهم كانوا شبَّانًا من أبناء الأشراف أرادهم دقيانوس الملك على الشِّرك، فأبوا وهربوا إلى الكهف (١). ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾: من خزائن رحمتك الموجبة للمغفرة والرِّزق والأمن. ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا﴾ الذي نحن عليه من مفارقة الكفار. ﴿رَشَدًا﴾ نصير بسببه مهتدين، أو اجعل (٢) أمرنا كلُّه هدًى. والرَّشَد: إصابة الطَّريق المؤدِّي إلى البغية، وكذا الرُّشْد والرَّشاد. وأصل التَّهيئة: إحداث هيئة الشَّيء. * * * (١١) - ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾. ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾؛ أي: منعناهم أن يسمعوا. قال قطرب: هذا كقول العرب: ضرب الأمير على يد الرَّعية؛ أي: منعهم عن الفساد، وضرب السَّيِّد على يد عبده المأذون [له في التجارة]: إذا منعه من التَّصرف (٣).

стр. 2674

وتخصيص الآذان بالذِّكر لأنَّ النَّوم قلَّما ينقطع إلَّا من جهتِهِنَّ، ولا يستحكِم إلَّا مع تعطُّلها، أشير إلى ذلك في قوله ﵇: "ذاك رجلٌ بالَ الشَّيطان في أذنه" (١). والذَّاهبون إلى أنَّ المعنى: ضربنا عليها حجابًا من أنْ تَسمعَ، ذاهلون عن أنَّ الحجاب لا يناسب آلةَ السمع، ولذلك أُدخل السَّمعُ في قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] تحت الختم دون التَّغشية، على ما اعترفوا به وذكروه في تفسيره. ﴿فِي الْكَهْفِ سِنِينَ﴾ ظرفان لـ ﴿فَضَرَبْنَا﴾. ﴿عَدَدًا﴾ قال الزَّجَّاج: أي: تُعَدُّ عدًّا (٢) لكثرتها؛ لأنَّ القليل يُعرَف مقداره من غيرِ عَدٍّ (٣)، فإذا كثر عُدَّ (٤). وأمَّا قوله: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ فهو على القلَّة؛ لأنَّهم كانوا يَعدُّون القليل ويزنون الكثير. * * * (١٢) - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾. ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾؛ أي: من نومهم، يقال لمن أُحيى أو أقيم من نومه: مبعوث؛ لأنَّه كان ممنوعًا من الانبعاث والتَّصرف.

стр. 2675

﴿لِنَعْلَمَ﴾ عبارة عن خروج ذلك الشَّيء إلى الوجود ومشاهدتهِ، وهذا على نحو كلام العرب، وإلَّا فقد كان الله عَلِمَ. ذكره القرطبي (١)، فلا حاجة إلى إثبات التَّعليقَين لعلمه تعالى حاليٍّ أو استقباليّ (٢). ﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ المختلفَيْن؛ منهم أو من غيرهم. ﴿أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ ضَبَط أمدًا لزمانِ لبثهم. والأمدُ: الغايةُ، وما في ﴿أَيُّ﴾ من معنى الاستفهام علِّق عنه ﴿لِنَعْلَمَ﴾، فهو مبتدأٌ و ﴿أَحْصَى﴾ خبره، وهو فعل ماضٍ، و ﴿أَمَدًا﴾ مفعوله (٣)، و ﴿لِمَا لَبِثُوا﴾ حالٌ منه (٤)، أو مفعول له (٥). وقيل: إنه المفعول، واللَّام مزيدةٌ، و (ما) موصول (٦)، و ﴿أَمَدًا﴾ تمييز. وقيل: ﴿أَحْصَى﴾: اسم تفضيل من الإحصاء بحذف الزَّوائد، كقولهم: هو أحصى للمال، وأفلسُ من ابن المُذَلَّق (٧).

стр. 2676

ورُدَّ عليه بأن بناء اسم التَّفضيل من غير الثَّلاثي المجرد شاذٌّ فلا يُقاس عليه، ولأنَّ ﴿أَمَدًا﴾ لا ينصب بأفعل؛ لأنَّه لا يعمل، ولا بـ ﴿لَبِثُوا﴾؛ لعدم سداد المعنى عليه، فإنْ زعمْتَ نصبه بإضمار فعل يدلُّ عليه ﴿أَحْصَى﴾ كما في قوله: وأضربَ منَّا بالسُّيوفِ القوانسا (١) [على: نضرب القوانسا] فقد أبعدْتَ المتناوَل وهو قريب، حيث أبيْتَ أنْ يكون فعلًا، ثمَّ رجعْتَ مضطرًا إلى تقديره (٢). لكنَّه مردودٌ: أمَّا أوَّلًا: فلأنَّ دعواه الشُّذوذَ مذهب أبي عليٍّ، وعند سيبويه هو قياس، وبه أخذ الزَّجَّاج، وعلى اختيار ابن عصفور: أنَّ الهمزة إذا كان لغير النَّقل كـ: أشكلَ الأمرُ، وأظلمَ اللَّيل، يجوز أن يقال: ما أشكلَ هذه المسألة! و: ما أظلم هذا اللَّيل! والهمزة في ﴿أَحْصَى﴾ ليست للنَّقل (٣). وأما ثانيًّا: فلأنَّ قولَه: إن أفعل لا يعمل؛ ليس بصحيح؛ لأنَّه يعمل في التَّمييز، ومَن زعم أن ﴿أَحْصَى﴾ اسم تفضيل لم يجعله مفعولًا به، بل جعله تمييزًا، ومثله ما (٤) يقال: زيد أقطع النَّاس سيفًا.

стр. 2677

وأمَّا ثالثًا: فلأنه يجوز أن يكون (١) نصب ﴿أَمَدًا﴾ على نزع الخافض، تقديره: لما لبثوا من أمدٍ، على أنَّ الأمد بمعنى المدَّة. ولعل هذا مراد الطَّبري حيث ذهب إلى (٢) نصب ﴿أَمَدًا﴾ بـ ﴿لَبِثُوا﴾ (٣). وأمَّا رابعًا: فلأن اسم التفضيل ينصب المفعول به في مذهب الكوفيين، فلا اضطرار إلى تقدير فعل، إنما ذلك على تقدير ثبوت نزول القرآن على مذهب البصريين، وأنَّى ذلك (٤). * * * (١٣) - ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾. ﴿نَحْنُ نَقُصُّ﴾ قد مرَّ تفسيره في سورة يوسف ﵇. ﴿عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ﴾ النَّبأُ: خبرٌ ذو شأن ﴿بِالْحَقِّ﴾: بالصِّدق. ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ﴾: جمع فتًى، كصبيٍّ وصِبْيَة ﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ الرَّبُّ: السَّيِّد النَّاظر في مصلحة عبيده، وللإشعار بذلك عدل عن: آمنوا بنا. ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ بالتَّثبيت. * * *

стр. 2678

(١٤) - ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾. ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ من المجاز: ربط الله على قلبه: صبَّره، ومنه: رابط الجأش، لمَّا كانَ الخوف والقلق يزعج القلوب عن مقارِّها - ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]- قيل في مقابِله: ربط قلبه، إذا تمكَّن وثبت، وهو تمثيل. والعدول من التَّعدية إلى (على) من باب: (يجرحْ في عراقيبها) (١)؛ للمبالغة. ﴿إِذْ قَامُوا﴾ على قدم الصِّدق، مجازٌ؛ يُقال: قام إلى أمر كذا: إذا عزم عليه بغاية الجِدِّ. ﴿فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾ لم يقل: (رباً) لأنَّ جهة توحُّده تعالى ألوهيَّةً لا ربوبيَّة. ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ والله لقد قلنا إذاً قولاً (٢) شططاً. والشَّططُ: الخروج عن الحدِّ بالغوا فيه، يقال: شَطَّ منزلُ فلان: إذا جاوز القَدْر في البعد، مصدر وُصِفَ به للمبالغة. * * * (١٥) - ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾.

стр. 2679

﴿هَؤُلَاءِ﴾ مبتدأ ﴿قَوْمُنَا﴾ عطف بيان ﴿اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ خبره. وهو إخبار في معنى إنكار. ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ﴾ ﴿لَوْلَا﴾ حرف تخضيضٍ بمعنى: هلَّا، صحبه الإنكار. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ على ألوهيَّتهم ﴿بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾: بحجَّة بالغة ظاهرة. فيه دليل على فساد التَّقليد في أصول الدِّين. ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بنسبة الشَّريك إليه تعالى. * * * (١٦) - ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾. ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ خطاب مِن بعضِهم لبعضٍ، والاعتزال يشمل الجسمانيَّ والقلبي من مفارقة قومهم ومعتقداتهم. ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ عطف على الضَّمير المنصوب، سواءٌ كان (ما) موصولة (١) أو مصدرَّية، والاستثناء متَّصل إن كانوا يعبدون الله تعالى مع آلهتهم، ومنقطِع إن لم يعرفوه (٢) تعالى. ويجوز أن تكون ﴿وَمَا﴾ نافيةً على أنَّه إخبار من الله تعالى عن الفتية (٣) بالتَّوحيد، معترِض بين (إذ) وجوابه تحقيقاً لمضمون الجملة.

стр. 2680

﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾: يبسطِ الرِّزق لكم ويوسِّع عليكم ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ في الدَّارين. ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾: ما ترتفقون به؛ أي: تنتفعون. قالوا ذلك ثقةً بفضل الله وقوَّةً في رجائهم. وقرئ: ﴿مَرْفِقاً﴾ بفتح الميم وكسر الفاء (١). قال الجوهري: مَنْ قرأ: ﴿مِرْفَقًا﴾، جعله مثل مِقْطَعٍ، ومن قرأ: ﴿مِرْفَقًا﴾ جعله اسماً مثل مَسْجِدٍ، ويجوز: مَرْفَقاً؛ أي: رفقاً، مثل: مَطْلَعٍ، ولم يُقرأ [به] (٢). * * * (١٧) - ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾. ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ﴾ الخطاب للنَّبيِّ ﵇، أو لكلِّ أحد (٣)، والمعنى: إنَّك لو رأيتهم لرأيتهم كذا، لا أنَّ المخاطب رآهم على التَّحقيق. ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾: تنحَّى وتميل، فلا يقع شعاعها عليهم فيؤذيَهم، وأصله: تتزاور، فأُدغمت التَّاء في الزَّاي.

стр. 2681

وقرئ بحذفها (١)، وقرئ: ﴿تَزَاوَرُ﴾ كتَحْمَرُّ (٢)، و (تَزْوارُّ) كتَحْمَارُّ (٣)، وكلُّها من الزَّور بمعنى الميل. ﴿ذَاتَ الْيَمِينِ﴾: جهة اليمين (٤)، وحقيقتُها: الجهة المسمَّاة باليمين. ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ﴾ قال الخليل في "كتاب العين": إذا عدلْتَ عن شيء في مسيرك قلت: قرضْتُ يمنةً أو يسرةً (٥). في تعدية القرض إيَّاهم دون الكهف - على خلاف تعدية ﴿تَزَاوَرُ﴾ - دلالةٌ على أنَّ الشَّمس كانت تدخل الكهف إذا غربت إلَّا أنَّه لا يقع شعاعها عليهم كيلا ينتبهوا؛ فإنَّ لشعاع الشَّمس وحرها تأثيراً في الانتباه، وهذا من تتمَّة ما قصد بالضَّرب على آذانهم. ﴿ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ يعني: يمين الكهف وشماله؛ لقوله: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾؛ أي: هم في متَّسع داخلَ الكهف، بحيث لا يراهم مَن كان ببابه، وينالهم رَوح الهواء، ولا يؤذيهم كربُ الكهف، وهذا أيضاً مِنْ تتمَّة ما ذُكِرَ. قيل: وذلك لأنَّ باب الكهف في مقابَلة بنات النَّعش (٦)، وأقربُ المشارق

стр. 2682

والمغارب إلى محاذاته مشرقُ (١) رأس السرطان ومغربُه، والشمسُ إذا كان مدارها مدارَه تطلع مائلةً عنه مقابِلةً لجانبه الأيمن، وهو الذي يلي (٢) المغرب، وتغرب محاذية لجانبه الأيسر، فيقع شعاعها على جانبيه (٣)، ويحلِّل عفونته، ويعدِّل هواءه، ولا يقع عليهم فيؤذيَ أجسامهم ويُبليَ ثيابهم. ومَبناه الغُفول عمَّا في تعرُّضهم من الدِّلالة على دخول الشَّمس في الكهف عند غروبها، ثمَّ إنَّ ما ذكره (٤) من حكم مقابلة بنات النعش يختلف باختلاف الأقاليم طولاً وعرضاً. ثمَّ إنَّ قوله: (ولا يقع عليهم فيؤذي أجسامهم ويبلي ثيابهم) إخراجٌ لِمَا وقع في شأنهم من خوارق العادات عن حدِّها ببيان أسبابها العاديَّة، على أن ما ذكره لا يصلح سبباً كافياً. ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ قالوا: ﴿ذَلِكَ﴾ ليسَ إشارة إلى الإيواء، ولا إلى التَّزاور والتَّعرض، بل إلى حفظ الله تعالى إيَّاهم في ذلك الكهف تلك المدَّة الطَّويلة. مَن تبرَّأ عن اختياره في احتياله، وصدق رجوعه إلى الله تعالى في أحواله، ولم

стр. 2683

يستعن (١) بغير الله مِن أشكاله؛ آواه إلى كهف أفضاله، وكفاه جميع أشغاله، وهيَّأ له محلًّا يتفيَّأ فيه من برد ظلاله بكمال إقباله (٢). ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ﴾ بالتَّوفيق ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ الذي أصاب الفلاح. ثناءٌ عليهم بأنهم جاهدوا في الله تعالى، وأسلموا له وجوههم، فلطَف بهم، وأرشدهم إلى نيل تلك الكرامة. ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾ الإضلال من الله تعالى بخلقِ دواعي الإضلال، وعند المعتزلة مؤوَّل بالخذلان. ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾: مَن يليه ويرشده، والخطاب للنَّبيِّ ﷺ ، أو لكلِّ أحدٍ كما في السَّابق واللَّاحق. * * * (١٨) - ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾. ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا﴾ لانفتاح عيونهم وتنفُّسهم، وأمَّا تقلُّبُهم فإنَّما يقع أحياناً، فلا يصلح سبباً لحسبان كلِّ (٣) لكلِّ مَن يراهم. وأيقاظ: جمع يَقظ، بضم القاف وكسرها، وهو من (٤) اليقظان. ﴿وَهُمْ رُقُودٌ﴾: نيام.

стр. 2684

﴿وَنُقَلِّبُهُمْ﴾ أضاف التَّقليب (١) إلى نفسه لأنَّه بتخليقه، خالياً عن الأسباب العادية وشرائطها. ﴿ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ قال ابن عباس ﵄: ولو لم يُقلَّبوا لأكلتهم الأرض (٢). و ﴿ذَاتَ﴾ منصوب على الظَّرف؛ لِمَا مَرَّ أنَّ حقيقتها الجهة. وقرئ: (ويقلبهم) بالياء، والضَّمير لله، و: (تقلُّبَهم) على المصدر منصوباً بالفعل (٣)، يدلُّ عليه ﴿وَتَحْسَبُهُمْ﴾؛ أي: وترى تقلُّبهم. ﴿وَكَلْبُهُمْ﴾ أكثر المفسرين على أنَّه كلبٌ حقيقةً، وكان لصيد أحدهم أو زرعه أو غنمه. ذكره القرطبي (٤). فلا تأييد في قراءة: (وكالبُهم) (٥) - أي: صاحبُ كلبهم - لِمَا قيل: إنَّه كلب راعٍ مرُّوا به، فتبعهم وتبعه الكلب، بل التَّأييدُ بخلافه؛ إذ الظَّاهر منها أن يكون الكالب من الفتية. وقالت فرقة: لم يكن كلباً حقيقةً، وإنَّما كان أحدَهم وقد كان قعد عند باب الكهف طليعةً لهم؛ كما سمِّي النَّجم التَّابع للجوزاء كلباً.

стр. 2685

وقد حكى أبو عُمر المُطَرِّز أنَّه قرئ: ﴿وكالئهم﴾ (١)، وحُمل على هذا الرَّجلِ؛ إذ (٢) بَسْطُ الذِّراعين واللُّصوقُ بالأرض مع رفع الوجه للتطلُّع (٣) هيئةُ الرَّبيئةِ المستخفي بنفسه. ويحتمل أن يراد بالكالب: الكلب. ﴿بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ أُعمل اسم الفاعل وهو بمعنى المضيِّ؛ لأنَّها حكايةُ حالٍ ماضيةٍ، ولم يُقصد الإخبار عن فعل الكلب. وعند الكسائي وهشامٍ، وأبي جعفرٍ من البصريين (٤): كونُه بمعنى المضيِّ غيرُ مانعٍ من العمل. والذِّراع: من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى.

стр. 2686

﴿بِالْوَصِيدِ﴾: بالباب، ولم يكن للكهف بابٌ، فالمراد منه موضع الباب، ولذلك قال أبو روق: فم الشِّعب. ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: لو شاهدتَهم، أصله: الإشراف على الشَّيء ناظراً إليه، ويكنى به (١) عن المشاهدة الكاملة، والخطاب لمن في: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ﴾. وقرأ ابن كثير بالتَّشديد للمبالغة (٢)، وقرئ بضم الواو (٣). ﴿لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾: لأعرضْتَ بوجهك عنهم، وانتصب ﴿فِرَارًا﴾ على المصدر إمَّا لـ (فررْتَ) محذوفةً، وأما لـ (ولَّيت)؛ لأنَّه بمعنى: لفررْتَ، أو على العلَّة، أو على الحال. ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾: خوفاً يملأ صدرَك بما ألبسهم الله تعالى من الهيبة. وقيل: لطول أظفارهم وشعورهم وأجرامهم. وقيل: لوحشة مكانهم. ويأباه قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾. والصَّحيح في أمرهم على ما قال ابن عطية: أنَّ الله تعالى حفظ لهم الحالة التي ناموا عليها ليكون لهم ولغيرهم فيهم آيةٌ، ولم يُنكر النَّاهض إلى المدينة

стр. 2687

إلَّا معالم الأرض والبناء، ولو كانت في نفسه حالة ينكرها لكانت عليه أهمَّ (١) وأيضاً لَمَا قال بعضهم لبعض (٢): ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. وقيل: لانفتاح (٣) عيونهم. وقيل: لوحشة مكانهم (٤). وبالجملة: كان النَّاس محجوبين عنهم (٥) بالرُّعب، لئلَّا يصلوا إليهم. وقرئ: ﴿وَلَمُلِئْتَ﴾ بالتَّشديد (٦) للمبالغة. و ﴿رُعْبًا﴾ مفعول ثانٍ، أو تمييز، وقرئ ﴿رُعْبًا﴾ بضمِّ العين (٧). * * * (١٩) - ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾. ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ﴾ البعثُ: التَّحريك عن سكون، أي: أيقظناهم من نومهم على ما كانوا عليه من هيآتهم لم يتغيَّر شيء من أبدانهم وثيابهم.

стр. 2688

﴿لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾: ليسأل بعضُهم بعضاً، ويتعرَّفوا ما لهم وما صنع الله تعالى بهم، فيَعتبروا ويستدلُّوا على عظم قدرة الله تعالى، ويزدادوا يقيناً، ويشكروا ما أنعم الله به عليهم، ويستبصِروا به أمر البعث. ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ دخلوا الكهف في أوَّل النَّهار فنظروا حين استيقظوا فإذا هو آخرُه (١)، فقالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا﴾، ثمَّ رأوا من الشمس بقيَّة فقالوا: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، وكان عندهم كذلك، فلم يوصَفوا فيه بالكذب، ولم (٢) يؤاخَذوا به. ﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ إنكاراً عليهم من بعضهم. استدلَّ ابنُ عبَّاس ﵄ بهذه الآية على أنَّ الصَّحيح من الأقوال في عددهم أنهم سبعة؛ بناءً على أنَّ أقلَّ الجمع ثلاثة (٣). قيل: إنهم دخلوا الكهف غدوةً، وكان انتباههم بعد الزَّوال، فظنُّوا أنَّهم في يومهم، فلمَّا نظروا إلى طول أظفارهم وأشعارهم قالوا ذلك. وفيه نظر قد مرَّ وجهه. ولَمَّا أخذهم ما يأخذ مَن نام طويلاً من الحاجة إلى الطَّعام قالوا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ﴾ كأنَّهم قالوا: خذوا فيما يهمُّكم، ودعوا أمر ذلك إلى الله تعالى. ﴿بِوَرِقِكُمْ﴾ قرئ بكسر الرَّاء وسكونها، والتَّثقيل وإدغام القاف في الكاف،

стр. 2689

وبالتَّخفيف مكسور الواو مدغماً وغير مدغم، ورُدَّ الإدغام لالتقاء السَّاكنين على غير حدِّه (١). والوَرِقُ: الفضَّةُ المضروبة. نصَّ عليه في "الصحاح" و"القاموس" (٢). كانوا قد استصحبوا حين خرجوا دراهمَ لنفقتهم، وكانت حاضرةً عندهم، فلهذا أشاروا إليها بقولهم: ﴿هَذِهِ﴾. ﴿إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ هي طَرَسوس. ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا﴾ الضَّمير للمدينة والمراد أهلها بطريق الاستخدام، والمصير في أمثال هذا إلى الحذف مِن ضِيق العَطَن (٣). ﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾: أكثر بركة، قال ابنُ عبَّاس وعليٌّ ﵄: إنَّه الأرزُّ (٤)؛ فإنَّه يزاد بالطَّبخ، وهو من تدبير قليل البضاعة.

стр. 2690

وفي "تفسير القرطبي": قيل: إنهم أمروه أن يشتري ما يُظنُّ أنَّه طعام اثنين أو ثلاثة لئلا يُطَّلَع عليهم، ثم إذا طبخ كفى جماعة، ولهذا قيل: ذلك الطعام الأرز (١). ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ﴾؛ أي: ويتكلَّفْ في استعمال (٢) دقائق التَّدبير في دخول المدينة وشرائه الطَّعام، فلا يُعلم به في ذهابه وإيابه. ﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾: ولا يفعلنَّ ما يؤدي إلى الشُّعور بكم. * * * (٢٠) - ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾. والضمير في: ﴿إِنَّهُمْ﴾ عائدٌ على ما دلَّ عليه المعنى من أهل تلك المدينة. ﴿إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾: إنْ يطَّلعوا عليكم، أو إن يظفروا بكم ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾: يقتلوكم برمي الحجارة ﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾: يصيِّروكم فيها. وقيل: العود على معناه الشَّائع؛ لأنهم كانوا أوَّلاً على دينهم ثم آمنوا، وإنما لم يقل: (إليها) لأنَّه لا يلزم من العود إلى الشيء التلبُّسُ به. ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾: ولن تفوزوا بخير أبداً إن ارتدَّيتُّم (٣). * * *

стр. 2691

(٢١) - ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾. ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ المفعول محذوف، تقديره (١): أعثرناهم عليهم؛ أي: كما أنمناهم وبعثناهم لتزداد (٢) بصيرتهم أطلعناهم عليهم، وأصله: أنَّ مَنْ عثر برجله على شيء وهو غافل نظر إليه حتى يعلمه، فاستُعير العثور للظهور. ﴿لِيَعْلَمُوا﴾؛ أي: ليعلم الذين أطلعناهم على حالهم ﴿أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بالبعث، أو الموعود الذي هو البعث ﴿حَقٌّ﴾ لأنَّ حالهم في نومتهم (٣) وانتباههم بعد المُدَد المتطاولة كحالِ مَن يموت ثم يُبعَث. ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾: وأنَّ القيامة لا ريب في إمكانها؛ فإنَّ مَنْ توفَّى أنفسهم وأمسكها ثلاث مئةٍ سنينَ حافظاً أبدانَهم عن التَّحلُّل والتَّفتُّت، ثمَّ أرسلها إليهم قَدَرَ أن يتوفَّى نفوس جميع النَّاس ممسكاً إيَّاها إلى أن يَحشر أبدانها فيردَّها عليهم. ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ﴾ ظرف لـ ﴿أَعْثَرْنَا﴾. ﴿بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ أمْرَ الفتية حين أماتهم الله تعالى ثانياً، فقال بعضهم (٤): ماتوا، وقال آخرون: ناموا نومَهم أوَّل مرَّة.

стр. 2692

﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ﴾، أي: على باب كهفهم ﴿بُنْيَانًا﴾ لئلَّا يتطرَّق إليهم النَّاس والدَّواب، ولا يتعرضَ لهم السِّباع. ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ بأحوالهم أنَّهم ماتوا أو ناموا. ﴿قَالَ﴾ ولم يقل: (وقال) لأنَّه لم يُذْكَر في معرض المنازعة. ﴿الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾؛ أي: قال عظماؤهم بعد الاتِّفاق على البناء عليهم: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ يُصلَّى فيه ويُتبرَّك بمكانهم. * * * (٢٢) - ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾. ﴿سَيَقُولُونَ﴾ الضمير لمن خاض في قصَّتهم في زمن رسول الله ﷺ من أهل الكتاب والمؤمنين: ﴿ثَلَاثَةٌ﴾ هم ثلاثة رجال ﴿رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، أي: جعَلهم أربعةً بانضمامه إليهم، قيل: هو قول اليهود. ﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ قاله النَّصارى، وإنما لم يذكره بالسِّين اكتفاء بعطفه على ما هو فيه. ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾: يرمون رمياً بالخبر الخفيِّ الذي لا مطَّلع لهم عليه. ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ قاله المسلمون بإخبار الرَّسول عليه

стр. 2693

السلام عن جبريل (١) على ما أنبأ عنه إخراج هذا القول (٢) عن حيِّز الرَّجم بالغيب. وأمَّا إتباعُه قولَه: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ فلا دخل له في الإنباء المذكور. ولا دلالة في قوله: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ أنَّ ذلك القليل من جنس الإنس حتى يتمشَّى أن يُقال: أثبت العلم بهم لطائفةٍ بعد ما حصر أقوال الطَّوائف في الثَّلاثة المذكورة؛ فإنَّ عدم إيراد الرَّابع في نحو هذا المحل دليل العدم، مع أنَّ الأصل ينفيه، ثم ردَّ الأوَّلَيْنِ بالإتباع المذكور ليتعيَّن الثَّالث (٣). وأمَّا التَّمسُّك بالواو بأنْ يقال: إنَّها (٤) دخلت على الجملة الواقعة صفةً للنَّكرة، تشبيهاً لها بالواقعة حالاً عن المعرفة؛ لتأكيد لصوق الصِّفة بالموصوف، والدِّلالة على أنَّ اتِّصافه بها أمر ثابت (٥) = فضعيفٌ؛ لأنها من المحكيِّ لا من الحكاية، فدلالتُها على الثُّبوت عند القائل، لا عند الله تعالى. نعم لو قيل: إنَّها تدلُّ على تصديق القائلين بأنَّهم سبعة؛ لأنَّها عاطفة على كلام (٦) مصدَّق، تقديره: نعم وثامنهم كلبهم؛ كما إذا قال قائل: زيدٌ شاعرٌ، وقيل: وفقيهٌ أيضاً؛ أي: نعم، وفقيه أيضاً.

стр. 2694

وفي الخبر: سئل النبي ﷺ أنتوضأ بما أَفضلت الحمر؟ قال: "وبما أفضلت السِّباع" (١). قال السُّهيْلي: يريد: نعم وبما أفضلت السِّباع (٢). وقال جماعة ومنهم الإمام أبو منصور الماتُريدي: لم يبيِّن اللهُ تعالى ذلك لأهل الكتاب ولا لنبيِّه ﵇، ولو كان أعلمه لم يقل: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾؛ لأن علمه به يغنيه عن السُّؤال عنهم (٣). ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾: فلا تجادل أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف إلَّا جدالاً ظاهراً غير متعمّق فيه، وهو أن تقصَّ عليهم (٤) ما أوحى الله تعالى إليك فحسب، من غير تجهيلٍ لهم ولا تعنيفٍ لهم في الرَّدِّ عليهم. ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾: ولا تستفتِهم من جهتهم. قاله (٥) ابن عبَّاس ومجاهد وقتادة (٦). روي أنه ﵇ سأل نصارى نجران عنهم فنهي عن السُّؤال. ذكره القرطبي (٧).

стр. 2695

(٢٣) - ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾. ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾: لأجل شيء تعزم عليه ﴿إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ﴾ الشَّيء. إنَّما قال: ﴿فَاعِلٌ﴾ بالتَّنوين دون الإضافة لمكان قوله: ﴿غَدًا﴾ ومبنَى ذلك على قاعدةٍ ذكرناها في تفسير: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]. * * * (٢٤) - ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾. ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: إلَّا بأنْ يشاء الله؛ أي: إلا ملْتبساً بمشيئة الله (١) قائلاً: إن شاء الله. وهذا نهيُ تأديبٍ مِن اللهِ تعالى لنبيِّه ﵇ حين قالت اليهود لقريش: سلوه عن الرُّوح، وعن أصحاب الكهف، وذي القرنين. فسألوه فقال: "ائتوني غداً أخبركم" ولم يَستثنِ، فأبطَّأ (٢) عليه الوحي حتَّى شقَّ عليه، وكذَّبته قريشٌ (٣). فقوله: ﴿غَدًا﴾ بمعناه الحقيقيِّ، لا بمعنى ما يُستقبل من الزَّمان، وعدمُ اختصاص الحكم به من جهة دلالة النَّص لا من جهة عبارته.

стр. 2696

﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾؛ أي: مشيئةَ ربِّك، وقل: إن شاء الله، كما رُوي أنَّه لما أنزل قال ﵇: "إن شاء الله" (١). ﴿إِذَا نَسِيتَ﴾ إذا فرَط منك نسيانٌ لذلك ثمَّ تذكَّرتَه. وعن ابن عباس ﵄: ولو بعد سنةٍ ما لم يحنث (٢). قال القرطبي: هذا في تداركه التبرُّك (٣) بالاستثناء للتَّخلُّص (٤) عن الإثم، وأما الاستثناء المغيِّر حكماً فلا يصحُّ إلَّا متَّصلاً (٥). ويجوز أن يكون المعنى: واذكر ربَّك بالتَّسبيح والاستغفار إذا نسيت الاستثناء؛ مبالغةً في الحثِّ عليه. ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي﴾: يدلَّني ﴿لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾: لأقرب رشداً وأظهرَ دلالةً على أنِّي نبيٌّ مِن نبيٌّ أصحاب الكهف، وقد فعل ذلك، من حيث آتاه من قصص الأنبياء والإخبار بالغيوب ما هو أعظم من ذلك وأدلُّ (٦). والظَّاهر أن يكون المعنى: إذا نسيْتَ شيئاً فاذكر ربَّك عند نسيانه (٧)، وذِكْرُ ربِّك عند نسيانه أن تقول: عسى ربِّي أن يهديني لشيء آخر بدلَ هذا المنسيِّ أقرب منه

стр. 2697

رشداً، أو (١) أدنى خيراً ومنفعةً منه، ولعلَّ النِّسيان كان خيراً، لقوله تعالى: ﴿أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. * * * (٢٥) - ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾. ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾ يريد لبثهم فيه أحياءً مضروباً على آذانهم. ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ قرأ حمزة والكسائي بالإضافة (٢)، على وضع الجمع موضع الواحد في التَّمييز، كقوله: ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف: ١٠٣]. ومَن قال: على وضع الجمع موضع الواحد، ويحسِّنه هاهنا أنَّ علامة الجمع فيه جبر لِمَا حذف من الواحد، وأنَّ الأصل في العدد إضافته إلى الجمع (٣) = فقد تدافع طرفا كلامه؛ لأنَّ مبنى قوله: (على وضع الجمع موضع الواحد) هو أن يكون الأصل الإضافةَ إلى الواحد (٤). وقرأ الجمهور بتنوين ﴿مِائَةٍ﴾ ونصبِ ﴿سِنِينَ﴾ على أنَّه عطفُ بيان، وحملُه على البدليَّة ضعيفٌ؛ لأنَّه يلزم أن لا يكون العدد مقصوداً (٥). ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ قيل: إنهم لبثوا ثلاثَ مئةِ سنةٍ شمسيَّةٍ بحساب الأمم، ولما

стр. 2698

كان الإخبار هنا للعرب ذُكرت التِّسع؛ إذ المفهوم عندهم من السِّنين القمريَّة، فهذه الزِّيادة هي ما بين الحسابَيْن، فهو بيان لما أجمله تعالى قبلُ. وقيل: إنَّه حكاية كلام أهل الكتاب؛ فإنَّهم اختلفوا في مدَّة لبثهم، كما اختلفوا في عددهم؛ فقال بعضهم: ثلاث مئةٍ، وقال بعضهم: ثلاثَ مئة وتسعَ سنين. * * * (٢٦) - ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾. ويعضده قراءةُ ابن مسعود ﵁: (وقالوا لبثوا) (١)، وقولُه تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾. ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ما غاب فيهما وخفيَ من أحوال أهلهما (٢)، وأنَّه هو وحده العالمُ به. ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ أمران معناهما: إنشاءُ التَّعجب. والهاء في ﴿بِهِ﴾ لله، محلُّه الرَّفع على الفاعليَّة عند سيبويه؛ لأنَّ أصله عنده: صار ذا بصر، كأَغَدَّ البعيرُ: صار ذا غدة، ثمَّ نُقِلَ إلى التَّعجُّب، وغُيِّرَ إلى صيغة الأمر؛ لأَنَّه إنشاءٌ، والتَّعجُّب إنشاءٌ، فبرزَ الضَّمير لأنَّ ضمير الغائب لا يستتر في أمر المخاطب، وزيدَ الباء. فيه لتأكيد التَّعجُّب، ولخلوه عن الضم لم تختلف صيغته بحسب اختلاف المخاطب إفراداً وتثنية وجمعاً (٣).

стр. 2699

وعند الأخفش: منصوبٌ على المفعوليَّة، والفاعل ضمير المخاطب، وهو كلُّ أحدٍ، والهمزة للتعدية، والباء مزيدة. وعند بعضهم: الهمزة للصيرورة والباء للتعدية (١). والإتيان بصيغة التَّعجب للدِّلالة على أنَّ أمره تعالى في الإدراك خارج عمَّا عليه إدراك السَّامعين والمبصِرين؛ إذ لا يحجبه شيء، ولا يتفاوت دونه لطيف وكثيف، وصغير وكبير، وخفيٌّ وجليٌّ. ﴿مَا لَهُمْ﴾: لأهل السَّماوات والأرض ﴿مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾: من متولٍّ لأمورهم. ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ﴾: في قضائه ﴿أَحَدًا﴾ منهم، ولا يجعل له فيه مدخلاً (٢). وقرئ بالتاء والجزم على النَّهي (٣). * * * (٢٧) - ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾. ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾: من القرآن، ولا تَسمع لما يَهذون به من طلب التَّبديل. ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾؛ أي: لا يقدر أحدٌ غيره على تبديلها.

стр. 2700

﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾: ملتجأً تعدِل إليه إن هممْتَ به. * * * (٢٨) - ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾: واحبسها وثبِّتها ﴿مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ قد مرَّ تفسيره في سورة الأنعام. ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾؛ أي: لا تَصرف عيناك النَّظرَ عنهم إلى غيرهم، من عدَوْتُه عن الأمر: صرفتُه عنه، وما تصرفُه العين ليس إلا النَّظر، فحُذِفَ لظهوره. قيل: ولا تجاوزهم نظرَك إلى غيرهم، وتعديتُه بـ (عن) لتضمينه معنى نبا (١). وفيه: أنَّ عدا بمعنى جاوز يتعدَّى بنفسه وبـ (عن). قال الجوهري: عدَاه: جاوزه، وما لي عن فلان مَعْدًى؛ أي: تجاوُزٌ إلى غيره (٢) ثمَّ إنَّ معنى الصَّرف أمسُّ للمقام من معنى التَّجاوز. وقرئ: (ولا تُعْدِ) [و: (لا تُعَدِّ)] من أعداه وعدَّاه (٣).
следующие страницы →