← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾؛ أي: مشيئةَ ربِّك، وقل: إن شاء الله، كما رُوي أنَّه لما أنزل قال ﵇: "إن شاء الله" (١). ﴿إِذَا نَسِيتَ﴾ إذا فرَط منك نسيانٌ لذلك ثمَّ تذكَّرتَه. وعن ابن عباس ﵄: ولو بعد سنةٍ ما لم يحنث (٢). قال القرطبي: هذا في تداركه التبرُّك (٣) بالاستثناء للتَّخلُّص (٤) عن الإثم، وأما الاستثناء المغيِّر حكماً فلا يصحُّ إلَّا متَّصلاً (٥). ويجوز أن يكون المعنى: واذكر ربَّك بالتَّسبيح والاستغفار إذا نسيت الاستثناء؛ مبالغةً في الحثِّ عليه. ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي﴾: يدلَّني ﴿لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾: لأقرب رشداً وأظهرَ دلالةً على أنِّي نبيٌّ مِن نبيٌّ أصحاب الكهف، وقد فعل ذلك، من حيث آتاه من قصص الأنبياء والإخبار بالغيوب ما هو أعظم من ذلك وأدلُّ (٦). والظَّاهر أن يكون المعنى: إذا نسيْتَ شيئاً فاذكر ربَّك عند نسيانه (٧)، وذِكْرُ ربِّك عند نسيانه أن تقول: عسى ربِّي أن يهديني لشيء آخر بدلَ هذا المنسيِّ أقرب منه

стр. 2697

رشداً، أو (١) أدنى خيراً ومنفعةً منه، ولعلَّ النِّسيان كان خيراً، لقوله تعالى: ﴿أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. * * * (٢٥) - ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾. ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾ يريد لبثهم فيه أحياءً مضروباً على آذانهم. ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ قرأ حمزة والكسائي بالإضافة (٢)، على وضع الجمع موضع الواحد في التَّمييز، كقوله: ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف: ١٠٣]. ومَن قال: على وضع الجمع موضع الواحد، ويحسِّنه هاهنا أنَّ علامة الجمع فيه جبر لِمَا حذف من الواحد، وأنَّ الأصل في العدد إضافته إلى الجمع (٣) = فقد تدافع طرفا كلامه؛ لأنَّ مبنى قوله: (على وضع الجمع موضع الواحد) هو أن يكون الأصل الإضافةَ إلى الواحد (٤). وقرأ الجمهور بتنوين ﴿مِائَةٍ﴾ ونصبِ ﴿سِنِينَ﴾ على أنَّه عطفُ بيان، وحملُه على البدليَّة ضعيفٌ؛ لأنَّه يلزم أن لا يكون العدد مقصوداً (٥). ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ قيل: إنهم لبثوا ثلاثَ مئةِ سنةٍ شمسيَّةٍ بحساب الأمم، ولما

стр. 2698

كان الإخبار هنا للعرب ذُكرت التِّسع؛ إذ المفهوم عندهم من السِّنين القمريَّة، فهذه الزِّيادة هي ما بين الحسابَيْن، فهو بيان لما أجمله تعالى قبلُ. وقيل: إنَّه حكاية كلام أهل الكتاب؛ فإنَّهم اختلفوا في مدَّة لبثهم، كما اختلفوا في عددهم؛ فقال بعضهم: ثلاث مئةٍ، وقال بعضهم: ثلاثَ مئة وتسعَ سنين. * * * (٢٦) - ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾. ويعضده قراءةُ ابن مسعود ﵁: (وقالوا لبثوا) (١)، وقولُه تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾. ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ما غاب فيهما وخفيَ من أحوال أهلهما (٢)، وأنَّه هو وحده العالمُ به. ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ أمران معناهما: إنشاءُ التَّعجب. والهاء في ﴿بِهِ﴾ لله، محلُّه الرَّفع على الفاعليَّة عند سيبويه؛ لأنَّ أصله عنده: صار ذا بصر، كأَغَدَّ البعيرُ: صار ذا غدة، ثمَّ نُقِلَ إلى التَّعجُّب، وغُيِّرَ إلى صيغة الأمر؛ لأَنَّه إنشاءٌ، والتَّعجُّب إنشاءٌ، فبرزَ الضَّمير لأنَّ ضمير الغائب لا يستتر في أمر المخاطب، وزيدَ الباء. فيه لتأكيد التَّعجُّب، ولخلوه عن الضم لم تختلف صيغته بحسب اختلاف المخاطب إفراداً وتثنية وجمعاً (٣).

стр. 2699

وعند الأخفش: منصوبٌ على المفعوليَّة، والفاعل ضمير المخاطب، وهو كلُّ أحدٍ، والهمزة للتعدية، والباء مزيدة. وعند بعضهم: الهمزة للصيرورة والباء للتعدية (١). والإتيان بصيغة التَّعجب للدِّلالة على أنَّ أمره تعالى في الإدراك خارج عمَّا عليه إدراك السَّامعين والمبصِرين؛ إذ لا يحجبه شيء، ولا يتفاوت دونه لطيف وكثيف، وصغير وكبير، وخفيٌّ وجليٌّ. ﴿مَا لَهُمْ﴾: لأهل السَّماوات والأرض ﴿مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾: من متولٍّ لأمورهم. ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ﴾: في قضائه ﴿أَحَدًا﴾ منهم، ولا يجعل له فيه مدخلاً (٢). وقرئ بالتاء والجزم على النَّهي (٣). * * * (٢٧) - ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾. ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾: من القرآن، ولا تَسمع لما يَهذون به من طلب التَّبديل. ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾؛ أي: لا يقدر أحدٌ غيره على تبديلها.

стр. 2700

﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾: ملتجأً تعدِل إليه إن هممْتَ به. * * * (٢٨) - ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾: واحبسها وثبِّتها ﴿مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ قد مرَّ تفسيره في سورة الأنعام. ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾؛ أي: لا تَصرف عيناك النَّظرَ عنهم إلى غيرهم، من عدَوْتُه عن الأمر: صرفتُه عنه، وما تصرفُه العين ليس إلا النَّظر، فحُذِفَ لظهوره. قيل: ولا تجاوزهم نظرَك إلى غيرهم، وتعديتُه بـ (عن) لتضمينه معنى نبا (١). وفيه: أنَّ عدا بمعنى جاوز يتعدَّى بنفسه وبـ (عن). قال الجوهري: عدَاه: جاوزه، وما لي عن فلان مَعْدًى؛ أي: تجاوُزٌ إلى غيره (٢) ثمَّ إنَّ معنى الصَّرف أمسُّ للمقام من معنى التَّجاوز. وقرئ: (ولا تُعْدِ) [و: (لا تُعَدِّ)] من أعداه وعدَّاه (٣).

стр. 2701

﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ حال من الكاف على المشهورة (١)، ومن الضَّمير المستتر في الفعل على غيرها، والعامل على الأوَّل أيضاً الفعل السَّابق؛ كما (٢) سبق في قوله: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (٣). ويجوز أن يكون حالاً من الفاعل، وتوحيد الضَّمير لأنهما عضوٌ واحد في الحقيقة، أو لاتحاد الإحساس، أو للاكتفاء بأحدهما عن الآخر، واستبشاعُ (٤) إسناد الإرادة إلى العين مندفعٌ بأنَّها كناية عن إرادة صاحبها، كما يقال: تستلذُّه العين أو السَّمع، وإنَّما المستلِذُّ الشَّخصُ. ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾: مَن جعلنا قلبه غافلاً ﴿عَنْ ذِكْرِنَا﴾ وقرئ: (أغفَلَنَا قَلْبُهُ) (٥) بإسناد الفعل إلى القلب، على معنى: حَسِبَنا قلبُه غافلين (٦) عن ذكرنا إيَّاه بالمؤاخذة. ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ قيل: نزلَتْ في أميَّة بن خلف، وذلك أنَّه دعا النَّبيَّ ﵇ إلى تبعيد الفقراء عنه وتقريب صناديد قريش (٧).

стр. 2702

﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾؛ أي: مجاوزاً فيه الحدَّ. ذكره الجوهري (١). * * * (٢٩) - ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾. ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ﴿الْحَقُّ﴾ خبرُ مبتدأ محذوف، و ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ حال مؤكِّدة، أو خبرٌ بعد خبر؛ أي: جاء الحقُّ وزاحت (٢) العلل، فلم يبقَ إلَّا اختيارُكم لأنفسكم ما شئتم. ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ليس هذا بترخيص وتخييرٍ بين الإيمان والكفر، وإنَّما هو وعيدٌ وتهديدٌ، وجيء بلفظ الأمر والتَّخيير لأنَّه لمَّا مكِّن مِن اختيار أيِّهما شاء، فكأنَّه مخيَّر (٣) مأمورٌ بأنْ يتخيَّر ما شاء من النجدَيْن. قيل: هو لا يقتضي استقلالَ العبدِ بفعله؛ فإنَّه وإن كان بمشيئته، فمشيئتُه ليست بمشيئة (٤). وكأنَّه زعم أنَّ الأمر بالإيمان والكفر يكون أمراً بجعلهما وإيجادهما حتى قال ما قال، والحقُّ كون (٥) العبد مأموراً بالكسب فقط، وماذا بعد الحقِّ إلَّا الضَّلال.

стр. 2703

﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾: هيَّأنا ﴿لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ هو ما يُمَدُّ فوقَ صحن الدَّار. ذكره الجوهري (١). فارسيٌّ معرَّب، أصله: سَراطاق، لا سَرَايَرْدَه، كما تُوهَّم. وما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ على ما خرَّجه الترمذي - وقال فيه: حسن صحيح - من قوله ﵇: "لِسُرادق النَّار أربعُ جُدُرٍ … " (٢) يعضدُ ما ذكرنا، ويردُّ ما قيل: إنَّه الحجرة (٣) التي تكون حول الفسطاط، وما قيل: إنَّه الحائط. ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا﴾ من العطش. ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ أي: يؤتوا بماء كالمهل (٤)، وإنَّما قال: يُغاثوا على طريقة: تحيَّة بينهم ضربٌ وجيعُ (٥)

стр. 2704

تهكُّماً. والمُهْلُ: هو ماءٌ غليظٌ كدُرْديِّ الزَّيت (١). ذكره ابن عباس ﵄ (٢)، ويوافقه ما في حديث التِّرمذي عن النَّبيِّ ﵇ أنَّه قال: "كعَكَرِ الزَّيْتِ" (٣). ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾: من فَرْط حرارته إذا قُدِّمَ ليُشرَب، وهو صفة ثانية لـ (ماءٍ)، أو حال منه؛ لأنَّه قد وُصِفَ فحَسُن مجيء الحال منه، أو من (المهل)، أو الضميرِ في الكاف. ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ المخصوصُ بالذَّمِّ محذوف تقديره: بِئْسَ الشَّرَابُ هو؛ أي: الماء الذي يغاثون به. ﴿وَسَاءَتْ﴾ النَّارُ ﴿مُرْتَفَقًا﴾: متَّكأً، وأصله: الاتِّكاء على المرفق، وهذا لمشاكلة قوله: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾، وإلَّا فلا ارتفاق لأهل النَّار ولا اتِّكاء، إلَّا أن يكون كنايةً عن عدم النُّوم، كما في قوله: نام الخليُّ وبِتُّ اللَّيل مرتفِقاً (٤)

стр. 2705

(٣٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ التَّنكير للتَّقليل. * * * (٣١) - ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾. ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾: إقامةٍ؛ إذ هو وسَط (١) الجنان. وإنما جيء بلفظ الجمع لسعتها، بحيث كان كلُّ بقعة منها صالحةً لأنْ تكون جنَّة. ويجوز أن يراد بالجنَّات: سائر الجنان، وإضافتها إلى ﴿عَدْنٍ﴾ لأنَّه معظمُها. والجملة خبر ﴿إِنَّ﴾، وما بينهما اعتراض؛ أو (٢) هو أيضاً خبرٌ على قيام ﴿مَنْ أَحْسَنَ﴾ مقامَ الضمير؛ لأنَّ ﴿مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾: ﴿الَّذِينَ (٣) آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ويأباه التَّقليل (٤) المستفاد من التَّنكير في ﴿عَمَلًا﴾، أو على أن الضمير (٥) مستغنًى عنه بعموم ﴿مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾، كما هو مستغنًى عنه في قولك: نِعْمَ الرَّجلُ زيدٌ. وأمَّا حذفه على أنَّ المعنى: مَن أحسن عملاً منهم. ففيه أنَّه يؤذِنُ تنوُّع ﴿الَّذِينَ

стр. 2706

آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ إلى مَن أحسن عملاً، وإلى مَن لم يحسنه، ولا صحَّة له (١). أو الخبر هو، و ﴿أُولَئِكَ﴾ كلام مستأنَف لبيان الأجر المبهَم. ويجوز أن يكون الثَّاني بدلاً عن الأوَّل، فلا يحتاج الأوَّل إلى خبر، كما في قول الشَّاعر: إنَّ الخليفةَ إنَّ اللهَ سربلَهُ … سِرْبالَ مُلْكٍ به تُرْجَى الخواتيمُ (٢) ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ قد مرَّ تفسيره في سورة البقرة. ﴿يُحَلَّوْنَ﴾: يُجعل لهم حليًّا، بنى التَّحلية للمفعول إشعاراً بأنَّهم يكرَّمون بذلك ولا يتعاطونه بأنفسهم. ﴿فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ الأولى للابتداء، والثَّانية للتَّبيين صفةٌ لـ ﴿أَسَاوِرَ﴾، وتنكيرها لإبهام أمرها في الحسن، وهي جمع أسورة، والأسورة: جمع سِوار بالكسر: زينةٌ تُلْبَسُ في الزِّند من اليد. وقال أبو عمرو: واحد الأساور: الأُسْوار بالضَّم (٣)، وهو بمعنى السِّوار، لا جمعُه. ﴿وَيَلْبَسُونَ﴾ أسند فعل اللُّبس إليهم لأنَّ الإنسان يتعاطى ذلك بنفسه، خصوصاً إذا كان باديَ العورة (٤).

стр. 2707

﴿ثِيَابًا خُضْرًا﴾ لأنَّها أحسن الألوان وأكثرها طراوة، وقد روي فيها في ذلك أثر أنها تزيد في ضوء البصر (١). ﴿مِنْ سُنْدُسٍ﴾: ما رقَّ من الدِّيباج ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾: ما غلظ منه، معرَّب فارسيُّه: اصطبرك. جمع بين النَّوعَيْن للدِّلالة على أنَّ فيها ما تشتهي الأنفس وتلذُّ الأعين. ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾: جمع أريكة (٢)، وهي السَّرير في الحجال، خصَّ الإتِّكاء لأنَّه هيئة المتنعِّمين. ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ﴾ الجنَّة ونعيمها ﴿وَحَسُنَتْ﴾ الأرائك ﴿مُرْتَفَقًا﴾: متَّكأً. * * * (٣٢) - ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾.

стр. 2708

﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ﴾ للكافرين والمؤمنين ﴿مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ حالَ رجلَيْن مفروضَيْن أو موجودَيْن. ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا﴾ وهو الكافر ﴿جَنَّتَيْنِ﴾: بُستانَيْن ﴿مِنْ أَعْنَابٍ﴾: من كروم. والجملة بتمامها بيان التَّمثيل، فلا محلَّ لها من الإعراب (١)، أو صفة الرَّجلَيْن، [فموضعها النصب]. ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾؛ أي: جعلناه مُطيفاً (٢) بهما، وهذا مما يُؤْثِره الدَّهاقين؛ أي: يجعلوها مؤزرةً (٣) بالأشجار المثمرة. ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾: جعلها أرضاً جامعة للأقوات والفواكه. وصف العمارة بأنها متواصلةٌ متشابكة لم يتوسطها ما يقطعُها ويفصل بينهما، مع الشَّكل الحسن والتَّرتيب الأنيق. * * * (٣٣) - ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾. ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾: ثمرها، وإفراد الضَّمير لإفراد ﴿كِلْتَا﴾، ولو قيل: (أتتا) على المعنى لجاز، والمختار هو الأوَّل. ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ﴾؛ أي: لم تنقص مِنْ أُكُلِها ﴿شَيْئًا﴾ يُعهَد في سائر البساتين.

стр. 2709

﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾ ليدومَ شربها، فإنَّه الأصل، ويزيد بهاؤها. * * * (٣٤) - ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾. ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾؛ أي: أنواع المال؛ مِن ثمَّر ماله: إذا كثَّره. ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ﴾ الظَّاهر منه أنَّهما ليسا بأخوَين. ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾؛ أي: يراجعه في الكلام ويجاوبه، من حارَ: إذا رجع. ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾: أولاداً، دلَّ على ذلك قول صاحبه: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾، والمراد الذُّكور؛ لأنهم ينفرون معه دون الإناث. * * * (٣٥) - ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾. ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ بصاحبه ليريَه ما فيها، ويعجِّبَه منها، ويفاخرَه بما ملَكَ من المال دونه. وإفراد الجنَّة تجريد الكلام (١) لما سبق من الغرض، وصوناً له عمَّا يخيِّل أمراً آخر، والغرض هاهنا: بيان ما قاله عند دخول (٢) جنَّته، والتَّعرُّض لتعدُّدها فضلةٌ في ذلك، وهذا كما تقول إذا رأيت لباساً طويلاً على امرأة قصيرة: اللباس طويل واللَّابس قصير، ولو قلت: اللابسة قصيرة، جئْتَ بما هو لُكْنةٌ (٣)

стр. 2710

وفضولُ قول؛ لأنَّ الكلام لم يقع في ذكورة اللَّابس وأنوثته، وإنما وقع في غرضٍ وراءهما. ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بتعريضها لسَخَطِ الله تعالى، بعُجبه وكفره، وهو أفحش الظُّلم. ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ﴾؛ أي (١): تَهلِكَ ﴿هَذِهِ﴾: الجنَّة ﴿أَبَدًا﴾ وهذا لاغتراره بانتظام أحواله واطِّراح النَّظر في عواقب أمثاله. * * * (٣٦) - ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾. ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾: كائنةً. ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾ إقسامٌ منه لاعتقاده (٢) أنَّه تعالى إنَّما أولاه ما أولى لاستئهاله واستحقاقه إيَّاه لذاته، وهو معه أينما يلقاه، على أنَّه إنْ رُدَّ إلى ربِّه على سبيل الفَرْض. ﴿لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا﴾: من جنَّته. وقرئ: ﴿منهما﴾ (٣)؛ أي: من الجنتين. ﴿مُنْقَلَبًا﴾: مرجعاً وعاقبة؛ لأنها فانية، وتلك باقية، وانتصابه على التَّمييز. * * * (٣٧) - ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾.

стр. 2711

﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾ أراد: خلْقَ أصله آدم ﵇، أو أصل مادَّته، وذلك أن ماء الرَّجل يتولَّد من أغذية حاصلة من تراب، فنبَّهه أوَّلاً على ما تولَّد منه بالواسطة، ثم على ما تولَّد منه بالذَّات فقال: ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ فإنَّها مادَّته القريبة. ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾: جعلَكَ إنساناً ذكراً بالغاً مبلغَ الرِّجال سويًّا. قيل: عدَلَكَ. ويردُّه قوله تعالى: ﴿فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧]. جعل كفره بالبعث كفراً بالله تعالى؛ لأنَّ منشأ الشَّكِّ في قدرته تعالى (١)، ولذلك رتَّبَ الإنكار على خلقه إيَّاه من تراب، كأنَّه يقول: مَن اعترف بخلقه تعالى إيَّاه من التَّراب لا ينكر إعادته منها؛ لأنَّها أهون منه، فالإنكار بالثَّاني لا يجامع الاعتراف بالأوَّلى. * * * (٣٨) - ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾. ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ استدراك من قوله: ﴿أَكَفَرْتَ﴾؛ لأَنَّه استفهامُ إنكارٍ وتوبيخٍ، فهو في الحقيقة إخبار عن كفره. وأصل ﴿لَكِنَّا﴾: لكنْ أنا، فحذفت الهمزة، فتلاقَتِ النُّونان، فكان الإدغام. وقرئ بالألف في الوصل (٢)؛ لتعويضها من الهمزة، أو لإجراء الوصل مجرى الوقف.

стр. 2712

وقرئ: (لكنْ أنا) على الأصل (١)، و ﴿هُوَ﴾ ضمير الشَّأن، وهو بالجملة الواقعة خبراً له خبرُ (أنا) (٢)، أو ضمير ﴿اللَّهُ﴾ و ﴿اللَّهُ﴾ بدلٌ، و ﴿رَبِّي﴾ خبرُه، والجملةُ خبر (أنا). وقرئ: (لكنْ هو الله ربي) (٣)، و: (لكن أنا لا إله إلا الله ربي) (٤). * * * (٣٩) - ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾. ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ﴾: وهلَّا قلْتَ عند دخولها: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ﴿مَا﴾ موصولةٌ مرفوعةُ المحل على أنَّه خبر مبتدأ محذوف تقديرُه: الأمرُ ما شاء الله، أو مبتدأ خبره محذوف تقديره: ما شاء الله كائن، أو شرطيَّةٌ منصوبة الموضع والجزاء محذوف، بمعنى: أيَّ شيءٍ شاء الله كان؛ إقراراً بأنَّها وما فيها بمشيئة الله تعالى، إن شاء أبقاها، وإن شاء أبادها (٥).

стр. 2713

﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ وقلتَ: ﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ اعترافاً بالعجز على نفسك، والقدرةِ لله تعالى، وأن ما تيسَّر (١) لك من تعميرها وتدبير أمرها فبمعونته وإقداره. ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ مَن رفع ﴿أَقَلَّ﴾ (٢) جعله خبراً، وجعل ﴿أَنَا﴾ مبتدأً، والجملةَ مفعولاً ثانياً لـ ﴿تَرَنِ﴾، ومَن نصبه جعل ﴿أَنَا﴾ فصلاً أو تأكيداً للمفعول الأوَّل. * * * (٤٠) - ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾. ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾ في الدُّنيا أو في الآخرة لإيماني، وهو جواب الشَّرط. ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا﴾ على جنَّتك بكفرك ﴿حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: مراميَ، واحده: حُسبانةٌ، قاله الأخفش وأبو عبيدة. وقال ابن الأعرابي: الصَّواعق (٣). ﴿فَتُصْبِحَ﴾ دلَّ على إتيان الحسبان باللَّيل. ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾: أرضاً اصطلم جميعُ ما عليها من النَّبات، كالرَّأس إذا حُلِقَ لا يبقى عليه شعر، مصدر بمعنى المفعول، مِن زَلَق رأسه زَلْقاً: إذا حلَقه. * * *

стр. 2714

(٤١) - ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾. ﴿أَوْ يُصْبِحَ﴾ عطف على ﴿وَيُرْسِلَ﴾، على تنويع ما ترجَّى إلى آفَةٍ سماويَّة وآفَةٍ أرضيَّة. ﴿مَاؤُهَا غَوْرًا﴾؛ أي: غائراً، مصدر بمعنى الفاعل، يقال: غار الماء غوراً: إذا سفلَ في الأرض. ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ﴾؛ أي (١): للماء الغائر ﴿طَلَبًا﴾: لن تقدر على طلبه؛ لعدم بقاء الأثر منه. * * * (٤٢) - ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾. ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ الواو فصيحة عاطفة على مقدَّر هو تحقّق ظنّه، وثمرُه: أمواله، وإحاطتُه عبارةٌ عن إهلاكه بالكليَّة، وأصله من أحاط به العدو، فإنَّ قوماً قد أحاط بهم العدوُّ قلَّما ينجو منهم (٢) شخصٌ، ثم استعمل في كلِّ إهلاك (٣). ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ كنايةٌ عن التَّحسُّر والنَّدم، فإنَّ النَّادم يقلِّب كفَّيه ظهراً لبطنٍ، فكأنَّه قيل: يندم. ﴿عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾: في عمارتها، فهو متعلِّق بـ ﴿يُقَلِّبُ﴾، ويجوز أن يكون حالاً؛ أي: متحسِّراً على ما أَنفَقَ فيها.

стр. 2715

﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾: ساقطةٌ ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ بأن سقط عروشُها على الأرض، وسقط الكروم فوقها. ﴿وَيَقُولُ﴾ عطف على ﴿يُقَلِّبُ﴾، أو حال من ضميره. ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ تذكَّر موعظة أخيه، فعلم أنَّه أُتِيَ من جهة شركه وطغيانه، فتمنَّى لو لم يكن مشركاً حتى لا (١) يُهلك الله أمواله، ويحتمل أن تكون توبةً (٢) عن الشِّرك وندماً على ما سبق منه. * * * (٤٣) - ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾. ﴿وَلَمْ تَكُنْ﴾ بالتَّاء والياء (٣) ﴿لَهُ فِئَةٌ﴾ قد مرَّ ما يتعلَّق باشتقاق (فئة) في آل عمران. ولَمَّا افتخر بعزَّة نفَره أخبر تعالى أنَّه لم يكن له جماعة يُجْدونه نفعاً (٤). وحُمل: ﴿يَنْصُرُونَهُ﴾ على المعنى دون اللَّفظ؛ أي: يقدرون على نصره بدفع الإهلاك، أو ردِّ المهلَك (٥)، وأما الإتيان بمثله فليس من النَّصر؛ لأنَّه (٦) المعونة بالقهر والغَلَبة، لا مطلق المعونة.

стр. 2716

﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: هو القادر وحده على ذلك. ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾: قادراً على الانتصار بنفسه. * * * (٤٤) - ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾. ﴿هُنَالِكَ﴾: في ذلك المقام وتلك الحال ﴿الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾: النُّصرة له وحدَه، لا يقدر عليها غيره، تقرير لقوله: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. وقرئ بالكسر (١)، ومعناه: السُّلطان والملك؛ أي: هنالك السُّلطان والملك لله تعالى، لا يُغلب ولا يُمتنع عنه. أو (٢) في مثل تلك الحالة الشَّديدة يتولَّى (٣) اللهَ تعالى ويؤمنُ به كلُّ مضطر، فيكون تنبيهاً على أن قوله: ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ كان عن اضطرار وجزع ممَّا دهاه من شؤم (٤) كفره، ولولا ذلك لم يقلها. ويجوز أن يكون المعنى: هنالك الولاية لله ينصر فيها (٥) أولياءه المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم، ويشفي صدورهم من أعدائهم، يعني: أنَّه نَصَر فيما فَعَل بالكافر صاحبَه المؤمن، وصدَّق قولَه: ﴿فَعَسَى رَبِّي﴾ الآية. وقيل: ﴿هُنَالِكَ﴾ إشارة إلى الآخرة؛ أي: في تلك الدَّار الولاية لله تعالى؛

стр. 2717

كقوله (١): ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]، ويعضده قوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾. وقرئ: ﴿الْحَقِّ﴾ بالرَّفع والجرِّ (٢)، صفةً لـ ﴿الْوَلَايَةُ﴾ و ﴿لِلَّهِ﴾. وقرئ بالنَّصب (٣) على المصدر المؤكِّد (٤). وقرئ: ﴿عُقْبًا﴾ بالسُّكون وبالضَّم (٥)، وقرئ: (عُقْبَى) (٦) على فُعْلَى، وكلُّها بمعنى العاقبة. * * * (٤٥) - ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾. ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ﴾: ومثِّل لهم، من قولهم: هذه الأشياء على ضَرْبٍ واحد؛ أي: مثالٍ واحد. ﴿مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: صفتَها الغريبةَ (٧) في سرعة تَقضِّيها (٨) وذهابِ نعيمها بعد إقبالها واغترار النَّاس بها.

стр. 2718

﴿كَمَاءٍ﴾ هو كماءٍ ﴿أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ﴾، أي: بالماء، والباء للسببيَّة؛ أي: فالتفَّ بسببه وخالط بعضُه بعضاً من كثرته وتكاثفه، ويجوز أن تكون للتَّعدية؛ أي: نجع في النبات حتى رَويَ ورفَّ (١). وحقُّ هذه الباء أن تدخل في أقل المخلوطَيْن، وسلك هنا مسلك القلب؛ للمبالغة في كثرة الماء. ﴿فَأَصْبَحَ﴾؛ أي: أتى أمر الله، على ما أفصح عنه في سورة يونس ﵇، فالفاء فصيحة، نكتتها الإشعار بسرعة الزَّوال. ﴿هَشِيمًا﴾: متكسِّراً (٢) من اليبس متفتِّتاً ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾: تفرِّقه، وقرئ: (تُذْريه) (٣)، والتَّشبيه تمثيليٌّ، شبَّه الهيئة (٤) المنتزعة من أحوال الدنيا بالهيئة المنتزعة من أحوال النَّبات (٥)، إلَّا أن إيلاء أداة التَّشبيه بالماء لا يخلو عن نوع إشعارِ شَبَهِ الدُّنيا بالماء في أنَّ قليله يَروي وكثيرَه يُردي، كما ورد في الخبر قال ﵇: "ذرِ الدُّنيا وخذ منها كالماء؛ فإنَّ القليل منها يكفي، والكثيرَ منها يُطغي" (٦). ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الإنشاء والإفناء ﴿مُقْتَدِرًا﴾: قادراً.

стр. 2719

(٤٦) - ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾. ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ لأنَّ في المال جَمالاً ونفعاً، وفي البنين قُرَّة ورفعاً. ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾: الأعمال الخيِّرات التي تبقى ثمرتها للإنسان أبدَ الآباد، من أيِّ نوعٍ كان من أنواع القول والعمل. وقيل: هي النيَّات والهَمَّات؛ لأن بها (١) يُقبَل العمل ويُرْفَع. ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ من المال والبنين ﴿ثَوَابًا﴾: عائدة. ﴿وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ إذ ينال بها صاحبها في الآخرة ما كان يؤمِّل بها في الدُّنيا. * * * (٤٧) - ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾. ﴿وَيَوْمَ﴾؛ أي: اذكُرْ يومَ ﴿نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ من سُيِّرتْ، وقرئ: ﴿نُسَيِّرُ﴾ (٢) من سيَّرنا، و: (تَسِيْرُ) مِنْ سارَتْ (٣)؛ أي: تَسير في الجو كما يسير السَّحاب، كما قال في آية أخرى: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]، وهذا بعدَ كونها كالعِهن المنفوش. ومَن ذهب إلى أنها تسير سيرَ السَّحاب ذهب إلى أن يكون المعنى: يُذهَب بها بأنْ تُجعَل هباءً منبثًّا، فذهب عن صوب الصَّواب.

стр. 2720

﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾: ظاهرةً ليس عليها ما يسترها من جبلٍ ولا شجر (١) ولا بنيان. وقرئ: (وتُرَى) على بناء المفعول (٢). ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ الحشرُ: السَّوق من جهاتٍ مختلفة إلى مكانٍ واحدٍ، ومجيئه ماضيّا بعد ﴿نُسَيِّرُ﴾ و ﴿وَتَرَى﴾ لتحقيق الحشر. وقيل: للدِّلالة على أن حشرهم قبل التَّسيير ورؤيتِها بارزة؛ ليعاينوا ويشاهدوا ما وعدلهم، كأنَّه قيل: وحشرناهم قبل ذلك، فلا حاجة إلى جعل الواو للحال بإضمار (قد)، بل لا وجه له، ويردُّه ما دلَّ على أنَّ ذلك قبل الحشر من الآيات، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٣، ١٤]. ﴿فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ بالنُّون والياء (٣)، يُقال: غادره: إذا تركه، ومنه الغدر (٤)؛ لأنَّه ترك الوفاء، والغدير: ما غادره السَّيل. * * * (٤٨) - ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾. ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ﴾ شُبِّهَتْ حالهم بحال الجند المعروضين على السُّلطان، ولا

стр. 2721

حاجة إلى ما قيل: لا ليعرفهم، بل ليأمرَ فيهم (١)، إنَّما الحاجة إليه إذا شُبِّهَتْ حاله تعالى بحال السُّلطان المعروض عليه جندُه. ﴿صَفًّا﴾ مفردٌ ينزَّل منزلة الجمع؛ أي: صفوفاً؛ لِمَا ورد في الحديث الصحيح: "يَجمع الله الأوَّليْنَ والآخرِيْنَ في صَعِيْدٍ واحدٍ صُفوفاً" (٢). ومَن غفل عن هذا قال: مصطفِّين ولا يحجب أحدٌ أحداً. ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ معمولٌ لقولٍ محذوفٍ تقديرُه: وقلنا، وهو حالٌ، ولا يجوز أن يكون عاملاً في ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ﴾ لِمَا عرفْتَ أنَّه قبل الحشر، وهذا القول بعدَه. ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ؛ أي: مجيئاً مثلَ مجيء خلقكم. ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾؛ أي: "حفاةً عراةً غُرْلاً"؛ كما ورد في الحديث (٣). وقيل: عراةً لا شيء معكم من المال والولد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤]. ﴿بَلْ﴾ للإضراب بمعنى: الانتقال من كلام إلى كلام ليس بمعنى الإبطال. ﴿زَعَمْتُمْ أَلَّنْ﴾ (أنْ) مخففَّة من الثَّقيلة، وفُصل بينها وبين الفحل بحرف النفي كما فُصل في قوله: ﴿أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ [القيامة: ٣].

стр. 2722

﴿نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾: مكانَ وعدٍ أو (١) زمان وعد لإنجاز (٢) ما وُعدتم على ألسنة الأنبياء ﵈ من البعث والنشور. * * * (٤٩) - ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾: صحائفُ الأعمال في الميزان، أو في أيدي العباد، واحدٌ أريد به الجمع؛ لأَنَّه جنسٌ. ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ﴾ الإشفاق: الخوف من وقوع المكروه مع تجويز أن لا يقع. ﴿مِمَّا فِيهِ﴾ من السَّيئات. ﴿وَيَقُولُونَ﴾ الواو للحال: ﴿يَاوَيْلَتَنَا﴾ هذه لفظةُ مَن وَقعَ في شدَّةٍ. والويل: الهُلْك، والنِّداءُ لمن يحضر لهم، كأنَّهم قالوا: يا مَن بحضرتنا انظروا هلكتَنا. ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ (ما) استفهاميَّة مبتدأ، و (لِ هذا) في موضع الخبر، تقديره: أيُّ شيء لهذا الكتاب؟ تعجيبٌ لشأنه.

стр. 2723

﴿لَا يُغَادِرُ﴾ جملةٌ حاليَّة ﴿صَغِيرَةً﴾: سيِّئةً صغيرةً، قدَّمها لأنها أَدخَلُ في التَّعجيب ﴿وَلَا كَبِيرَةً﴾ يعني: لا يترك شيئاً من المعاصي. ﴿إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ الإحصاء هنا كنايةٌ عن الضَّبط والحفظ، وإسناده إلى حفظ الكتاب مجازٌ. ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا﴾ من خيرٍ وشرٍّ ﴿حَاضِرًا﴾: موجوداً (١) في الخارج، على ما دلَّ عليه قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦]، لا بوجوده (٢) في الكتابة؛ لأنَّه إعادةٌ (٣) للمعنى السابق. ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ بإحضارِ ما لم يعملوا، ولا بعدمِ إحضار (٤) بعضِ ما عملوا. * * * (٥٠) - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾. ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ لَمَّا بَيَّنَ حالَ المغرور بالدُّنيا، وكانَ السَّببُ تسويلَ الشَّيطان، زهَّدهم أوَّلاً في زخارفها، ثمَّ نفَّرهم عن الشَّيطان بتذكير (٥) ما بينهم من العداوة القديمة.

стр. 2724

﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ استئنافٌ للتعليل، كأنَّه قيل: ما له لم يسجد؟ فقيل: كان من الجنِّ. ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾: فخرج عن أمره تعالى بترك السُّجود، والفاءُ للتَّسبيب. ومَن قال: هذا الكلامُ المعترِضُ تعمُّد من الله تعالى لصيانة الملائكة عن وقوع شبهة في عصمتهم (١). فقد سها حيث أساءَ في عبارة التَّعمُّد. ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ﴾ الهمزة للإنكار والتَّعجُّب (٢)، والفاء للعطف على مقدَّرٍ تقديره: أتعلمون (٣) أنه عدوُّ الله تعالى وعدوُّ أبيكم فتتخذونه ﴿وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾: تستبدلونهم بي. قال الشَّعبيُّ: سألني رجل فقال: هل لإبليس زوجة؟ فقلْتُ: إنَّ ذلك عرسٌ لم أشهده، ثمَّ ذكرْتُ قولَه: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ﴾، فعلمْتُ أنَّه لا يكون ذريَّةٌ إلَّا من زوجة، فقلْتُ: نعم (٤). ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ ولم يقل: أعداءٌ، في مقابَلة ﴿أَوْلِيَاءَ﴾؛ إنباءً عن اتِّحادهم في أمر العداوة، وشدَّة اتفاقهم على ذلك. ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ من الله تعالى إبليسُ وذريَّتُه. * * *

стр. 2725

(٥١) - ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾. ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ﴾ وقرئ: (ما أشهدناهم) (١). ﴿خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: [و] لا أشهدْتُ (٢) بعضهم خلقَ بعضٍ، كقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، ففي إحضار إبليس وذريَّتِه خلقَ السَّماوات والأرض وإحضارِ بعضهم خلقَ بعضٍ توطئةٌ لنفي الاعتضاد، والذي (٣) ذكره بقوله: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ﴾؛ يعني: ما كنْتُ متَّخذُهم ﴿عَضُدًا﴾؛ أي: أعواناً. فوُضع ﴿الْمُضِلِّينَ﴾ موضعَ الضَّمير ذمًّا لهم بالإضلال واستبعاداً للاعتضاد (٤) بهم، فإذا لم يكونوا عضداً لي في الخلق، فما لكم تتخذونهم شركاءَ لي في العبادة؟! وقيل: الضَّمير للمشركين، والمعنى: ما أشهدتُهم خلقَ ذلك؛ أي: لم أستعنْ بهم وبرأيهم، وما أوقفتُهم على أسرار ملكي، فلا فضيلة (٥) لهم دون غيرهم، حتى لو آمنوا تبعهم النَّاس كما يزعمون، فلا تلتفت إلى قولهم طمعاً في نصرتهم للدِّين؛ فإنَّه لا ينبغي لي أن اعتضد بالمضلِّين لديني.

стр. 2726

ويعضده قراءة: ﴿وَمَا كُنْتُ﴾ (١) على خطاب الرَّسول ﵇. ويجوز أن يقال: فيه ردٌّ لأرباب التَّنجيم وأصحاب الهيئة والمتبحِّرين في علم الطِّب (٢). وقرئ: ﴿مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ﴾ على الأصل، و: (عَضداً) بالتَّخفيف، و: (عُضُداً) بالإتْباع، و: (عَضَداً) كخَدَمٍ (٣): جمع عاضد، مِن عضده: إذا قوَّاه، والأصل فيه: عَضُدُ اليد، ثم وُضع موضع العون والتَّقوية؛ لأنَّ اليد قوامُها العَضُدُ، وإنَّما أُوقع الواحد موقعَ الجمع؛ لأنَّه في سياق النَّفي أبلغ. * * * (٥٢) - ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾. ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾؛ أي: للكفَّار؛ وقرئ بالنَّون (٤)، وإنَّما لم يقل: (شركاءنا) على هذه القراءة (٥) لأنَّ المقامَ مقامُ إظهار التَّوحيد. ﴿نَادُوا شُرَكَائِيَ﴾ في عبادتكم ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أنَّهم شفعاؤكم، ليمنعوكم من عذابي.

стр. 2727

﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ فنادوهم للإعانة ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾: فلم يغيثوهم (١). ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ بين الدَّاعين والمدعوِّين ﴿مَوْبِقًا﴾: حاجزاً؛ لقوله: ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٢٨]. قال ابن الأعرابيِّ: كلُّ شيء حاجزٍ بين شيئين فهو مَوْبِقٌ. أو: جعلنا تواصلهم في الدُّنيا مهْلِكاً في الآخرة. قاله الفراء (٢). يقال: وَبَقَ يَبِقُ وُبُوقاً، ووَبِقَ يَوْبَقُ وَبَقاً (٣): إذا هلك، والموبِقُ: اسمُ مكانٍ أو مصدرٌ. * * * (٥٣) - ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾. ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾: رأوها مِن مكانٍ بعيدٍ فظنُّوا أنَّها تأخذهم في الحال، وفي الخبر: "إنَّ الكافرَ يرى جهنَّم ويَظنُّ أنَّها مواقِعَتُه مِنْ مسيرةِ أربعينَ سنةً" (٤). والمواقعةُ: ملابسةُ الشَّيءِ بشدَّة، ومنه: وقائع الحروب (٥).

стр. 2728

﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾: انصرافًا، أو: مكانًا ينصرفون إليه. * * * (٥٤) - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾. ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾: من كلِّ نوعٍ من أنواع المعاني الغريبة. وتصريفُه: تنقيله في وجوه البيان على تمكين الأفهام. ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾: أكثرَ الأشياء التي يتأتَّى منها الجدال. والجَدْلُ (١): شدَّة الفَتْل من المذهب (٢) بطريقِ الحِجاجِ، ولا يلزم أن يكون بالباطل، ولذلك احتيجَ إلى التَّقييد به في قوله تعالى: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ﴾ [الكهف: ٥٦]. وانتصابه على التَّمييز. * * * (٥٥) - ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾. ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا﴾: من الإيمان (٣) ﴿إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى﴾: الرَّسولُ أو القرآن ﴿وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾: ومن الاستغفار عن الذُّنوب.

стр. 2729

﴿إِلَّا﴾ تقديرُ أو طلبُ ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾: وهو الاستئصال، فحذف المضاف وأُقِيْمَ المضافُ إليه مقامَه. ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ﴾: عذاب الآخرة. ﴿قُبُلًا﴾ بكسر القاف وفتح الباء: عيانًا، وقرئ بضمهما (١)، وهو لغة فيه، أو جمع قبيل بمعنى: ضُروب، وقرئ بفتحتين، وهو أيضًا لغة (٢)، وانتصابه على الحال من أحد المفعولين. * * * (٥٦) - ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾. ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ بالثَّواب والعقاب، للمطيعين والعاصين. ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ﴾: باقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات، وإنكارِ كون البشر رسلًا (٣) من الله تعالى. ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ﴾: ليزيلوا بالجدل ﴿الْحَقَّ﴾ عن مقرِّه ويُبطلوه، من إدحاض القدم وهو إزلاقها (٤). ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي﴾؛ يعني: القرآنَ ﴿وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾: والذي أُنذروه من العقاب، أو: إنذارهم.

стр. 2730

﴿هُزُوًا﴾: استهزاء، وقرئ بالسُّكون (١)، وهو ما يُستهزء به. * * * (٥٧) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾: بالقرآن. ﴿فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾: فلم يتذكر حين ذُكِّرَ ولم يتدبَّر. ﴿وَنَسِيَ﴾ عاقبةَ ﴿مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾؛ أي: لم يتذكَّر ما يترتَّب على فعله من العذاب. والتَّعبير عن عدم التَّذكُّر (٢) بالنِّسيان للمبالغة، وإنما حَسُن التجوُّز عن الجملة باليدين لأنَّ المسْنَد (٣) ممَّا يُكسب، وهما أقوى آلته. ﴿إِنَّا جَعَلْنَا﴾ مرتبط بقوله: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ على أنَّه تعليل لإصرارهم على ما كانوا عليه، وما بينهما من قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ إلخ جملةٌ معترضةٌ في تقبيح حالهم. ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ قد مزَ تفسيرُه في سورة بني إسرائيل. ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ فلا يكون منهم اهتداء البتَّة لشدَّة تصميمهم. ﴿إِذًا أَبَدًا﴾ مدَّة التَّكليفِ كلِّها، و ﴿إِذًا﴾ جزاءٌ وجوابٌ للرَّسول ﵇،

стр. 2731

على تقدير قوله: مالي لا أدعوهم (١)؟ فإنَّ حرصه ﵇ على إسلامهم يدلُّ عليه. * * * (٥٨) - ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾. ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ﴾: البليغ المغفرة ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ هو: الموصوف بالرَّحمة. ثم استشهد على ذلك بإمهال أهل مكَّة مع إفراطهم في عداوة الرسول ﵇، فقال: ﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ في الدُّنيا. ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ﴾ وهو يوم القيامة، أو يوم بدر. ﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾: منجًا ولا ملجأً، يقال: وألَ: إذا نجا، [و] وألَ إليه: إذا التجأ إليه. * * * (٥٩) - ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾. ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى﴾ يريد: قرى الأوَّلين من ثمودَ وعادٍ وقوم لوط وأضرابهم، إشعارٌ لهم إليها ليعتبروا. و ﴿وَتِلْكَ﴾ مبتدأ، و ﴿الْقُرَى﴾ صفةٌ أو عطفُ بيان، والخبر:

стр. 2732

﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ ويجوز أن تكون ﴿الْقُرَى﴾ الخبر، و ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ جملةٌ حاليَّة، كقوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢]، وأن تكون ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى﴾ نصبًا بإضمار: (أهلكنا) على شريطة التَّفسير. و ﴿الْقُرَى﴾ مجازٌ عن أهلها، وذلك خير من تقدير المضاف، ولا بدَّ من أحدهما؛ ليكون مرجع الضمائر. ﴿لَمَّا ظَلَمُوا﴾ هو مثلَ ظلم أهلِ مكَّة (١)، وفيه إشعارٌ بعلَّةِ الإهلاك تحذيرًا منها، وبهذا استدلَّ ابنُ عصفور على حرفيَّة المَّا)، وأنها ليست بمعنى (حين)؛ لأنَّ الظَّرف لا دلالة فيه على العلَّة (٢). وإنَّما تُرك مفعول ﴿ظَلَمُوا﴾ تنزيلًا له منزلة اللَّازم؛ ليذهبَ الوهمُ كلَّ مذهبٍ. ﴿وَجَعَلْنَا﴾: وضربْنا ﴿لِمَهْلِكِهِمْ﴾ المُهْلَك بضم الميم وفتح اللَّام: الإهلاك. ﴿مَوْعِدًا﴾: وقتًا معلومًا لا يتأخَّرون عنه، كما ضربنا لأهل مكَّة يوم بدر. وقرئ بفتح الميم واللَّامُ مفتوحة أو مكسورة (٣)؛ أي: لهلاكهم. * * * (٦٠) - ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾.

стр. 2733

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾ مقدَّر بـ: اذكُر (١). ﴿لِفَتَاهُ﴾ هو (٢) يوشع بن نون، ابنُ أخت موسى ﵇، وإنَّما قيل: (فتاه)؛ لأنَّه كان يخدمه ويتبعه، وقيل: كان يأخذ منه العلم، والعرب تسمِّي التِّلميذ فتًى وإن كان شيخًا. ﴿لَا أَبْرَحُ﴾: لا أزال أسير، فحذف الخبر لدلالة حالهِ - وهو السَّفر - وقولهِ: ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ من حيث إنها غاية مضروبة تستدعي ما هي غاية له. ويجوز أن يكون الخبر ﴿حَتَّى أَبْلُغَ﴾ على أن يكون أصل الكلام: لا يَبرح مسيري (٣)، فينقلب الضَّمير والفعل بحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. وأن يكون (٤) المعنى: لا أبرح ما أنا عليه؛ يعني: ألزمُ المسيرَ والطَّلبَ ولا أتركه ولا أفارقه حتى أبلغَ، كما تقول: لا أبرح المكانَ، فلا يستدعي الخبرَ. و ﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾: ملتقاهما، وهما: الكُرُّ والرَّسُّ بأرمينية. قاله السُّديُّ (٥). وقيل: بحرا فارس والرُّوم. ويَرِدُ عليه: أنهما لا يلتقيان، ولا يقرب أحدهما من الآخر.

стр. 2734

وفي "التَّيسير" (١): كان البحرُ الذي (٢) يعملون فيه أصحابُ السَّفينة ما بين بحر فارس إلى بحر الروم. وإذ لا اتِّصال بينهما فلا صحَّة لهذا الكلام أيضًا. ولعل (فارس) (٣) محرَّف من: فاس، وهي بالمغرب (٤) حاضرةُ البحر، من أجلِّ المدن القديمة، ويعضده ما قاله محمَّد بن كعب: إنَّ مجمعَ البحرين عند طنجة (٥)، وما قاله أبيُّ بن كعب: إنَّه بإفريقية (٦). وقول الخضر لموسى ﵉ حين سلَّم عليه: "وأنَّى بأرضك السَّلام " (٧) يدلُّ على أنَّ ملاقاتهما لم تكن بين بحر فارس والزُوم؛ لأنَّ تلك الأرض أرضُ بني إسرائيل وما يقرب منها، وهي منشأ السَّلام (٨) ومعدن الإسلام. وقرئ: (مَجْمِعَ) بكسر الميم (٩). قال الجوهري: الموضع مَجْمَعٌ ومَجْمِعٌ؛ كمَطْلَعٍ ومَطْلِعٍ (١٠).

стр. 2735

﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ الحُقُبُ: الدَّهر، وقيل: ثمانون سنة، وقيل: تسعون؛ أي: أسير زمانًا طويلًا، والمعنى: حتى بلوغ المجمع ومُضيِّ الحُقب. روي في "الصحيحين": أنَّ موسى ﵇ قام خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أيُّ النَّاس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب اللهُ عليه إذ لم يردَّ العلم إليه، فأوحى إليه: إن لي عبدًا بمجمع البحرين هو أعلم منك. فقال موسى: يا ربِّ، وكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتًا فتجعله في مِكْتَلٍ، فحيثما فقَدْتَ الحوت فهو ثَمَّ، فأخذ حوتًا فجعله في مكتل ثمَّ انطلق، وانطلق معه فتاه يوشَعُ بنُ نونٍ، حتى إذا أتيا الصَّخرة وضعا رؤوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه، فسقط في البحر (١). قيل: اضطراب الحوتِ كان بعد ما استيقظَ يوشع ﵇، وتوضَّأ من عين الحياة، فانتضح الماء عليه، فعاش ووثب في الماء (٢). * * * (٦١) - ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾. ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾؛ أي: مجمع البحرين، و (بين): ظرف أضيف إليه على الإتباع. ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [أي: نسيا] تفقُّدَ أمره وما يكون منه [مما جعل] أمارةً على الظَّفر بالمطلوب (٣).
следующие страницы →