← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

﴿فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ كانا في الأصل مبتدأً وخبرًا انتَصَبا بمفعولي ﴿جَاعِلٌ﴾ من (جَعَل) المتعدِّي إلى مفعولين بمعنى (صيَّر)، والمعنى: إني جاعلٌ في الأرض خليفةً مني؛ أي: مَن يخلُفني ويقومُ بأمري في الأرض. وقيل: منكم؛ أي: مَن يخلُفكم ويسكنُ مكانَكم؛ لأنهم كانوا قبل آدم سكانَ الأرض، فخلَفهم منها آدمُ وذرَّيتُه، واستُغنيَ بذكر آدم عن ذكر ذريته كما يُستغنَى بذكر أبي القبيلة عنها في قولك: مُضَرُ وهاشمٌ. أو أُريدَ به الجنس؛ أي: مَن يخلُفكم. وإنما أخبرهم بذلك ليَعرفوا بسؤالهم وجوابه حكمةَ الله تعالى في قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ إذ الملائكةُ تطَّلع على تفاصيل وجوده وخواصِّ قُواه؛ من الإفسادِ في الأرض وسفكِ الدماء المختصَّين بالقُوى الشَّهْوانية والغَضَبية، ولا تطَّلع على خواصِّ الهيئة الاجتماعية، وعلى خواصِّ ما فوق أطوارهم من المعارف والأسرار الإلهية، أو قاسُوا الإنسَ على الجنِّ حيث أُسكنوا الأرض قبل الملائكة فأفسدوا فيها، ولذلك استبعَدوه وتعجَّبوا منه. وليس فيه تعليمُ المشاوَرة؛ لأنَّه ليس بطريقِ المشورة؛ قال الراغب: ليس قولُه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ على [سبيل] الاستشارة، فإنَّ (١) الاستشارةَ استمدادٌ في العلم من المستشار، واللهُ منزَّهٌ عن ذلك، وإنَّما هو إعلامٌ كإعلامه إيانا كثيرًا من الكائنات لمصلحةٍ مّا (٢). ولا البشارةُ بوجود المجعول؛ لأنها إنما تكون بالخبر السارِّ، والقيدُ المذكور مقصودُ (٣) هاهنا على ما يُفصح عنه قولُهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ﴾ … إلخ.

стр. 317

﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ لمَّا كان قول الملائكة مع عصمتهم ظاهرَ الاعتراض، تأوَّله العلماء على وجوهٍ أحسنُها عندي: أنهم كانوا حين الخطاب لهم مجمَلين، وإبليسُ مندرجٌ في جملتهم، فورد منهم الجوابُ مجمَلًا، فلمَّا انفصل إبليس عن جملتهم بإبائه واستكباره انفصَل الجواب إلى نوعين: فنوعُ الاعتراض كان عن إبليس، ونوعُ التقديس والتسبيح كان من الملائكة، فانقسم الجواب إلى قِسمَين كانقسام الجنس إليهما، وناسَبَ كلُّ جوابٍ لمن ظَهر عنه. وكان (١) الظاهر المطابق للخطاب السابق أن يقولوا: أتجعلُ فيها خليفةً مَن يُفسد؟ وإنما عدَلوا عنه إلى ما ذُكر صرفًا للتعجُّب إلى جعلِ المفسِد وخلْقهِ في الأرض مع قطع النظر عن معنى الخلافة، يعني: إن وجودهم فيها محلُّ استبعادٍ فأنَّى كونُهم خليفة. وَيحتمِل أن يكون القصد تجريدَ التعجب عن شَوْب التعصب، فإن في ذكرهم بوَصْفِ الخلافة تعرُّضًا لِمَا هو مطمحُ نظرهم. وأمَّا قصدُ الاستكشاف عمَّا خَفي عليهم من الحكمة التي بهرت تلك المفاسدَ، والاستخبارِ عمَّا يرشدهم ويزيحُ شبهتهم كسؤالِ المتعلِّم معلِّمَه (٢)، فيأباه ما في توصيفهم أنفسَهم بالتسبيح والتقديس من التَّعريض، وما في قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من عدمِ البيان لِمَا اشتَبهَ عليهم لا يناسبه. ﴿مَنْ يُفْسِدُ﴾ أحد مفعولي (تَجعلُ)، والثاني ﴿فِيهَا﴾ وإنما قدَّم للاهتمام، وفي تكرير ﴿فِيهَا﴾ تنبيهٌ على أنَّ ما كان محلًّا للعبادة لا يناسب أن يكون محلًّا للفساد.

стр. 318

والسَّفْكُ والسَّبْكُ والسَّفْحُ والسَّنُّ والشَّنُّ والصَّبُّ متقاربةٌ وبينها فروق: فالصبُّ أعمُّ من هذه الألفاظ والسَّفكُ يقال في الدم والدمع، والسبكُ في الجواهر المذابة، والسفحُ في الصبِّ من أعلى، والشَّنُّ والسَّنُّ للصبِّ عن القِربة ونحوِها. ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ الواو في ﴿وَنَحْنُ﴾ للحال؛ كما تقول: أتُحْسِنُ إلى فلان وأنا أحقُّ منه بالإحسان؟! وقوله: ﴿بِحَمْدِكَ﴾ في محل الحال؛ أي: ملْتبِسِينَ بحمدك، بمعنى: حامِدِينَ لك. والتسبيح: تنزيهُ الله (١) تعالى من النقص والسوء قولًا واعتقادًا، أصله من السَّبْحِ وهو سرعةُ الذهاب في الماء، واستُعير لمرِّ النجوم في الفلك ولجَرْي الفَرَس، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧]؛ أي: سعةَ ذهاب. وسبَّحْتُه عن كذا؛ أي: نزَّهْتُه. والتقديس: التطهير، من قَدَسَ في الأرض إذا ذهب فيها وأَبْعَدَ، ثم استُعمل في التطهير لأنَّ مطهِّر الشيء مبعدُه عن الأقذار. ومعنى (نقدِّس لك): نقدِّسُك، واللامُ مزيدةٌ. وقيل: نقدِّس نفوسَنا لأجلك، كأنهم قابَلوا الفسادَ بالتسبيح، وسفكَ الدماء بتطهير النفس، وليس ذلك إظهارًا للمنة، بل هو على حسَبِ ما يقول مجتهدٌ يجب أن يفوِّض صاحبه إليه خدمةً مّا، فيقول: تأمر الخدمة لغيري (٢) وأنا مجدٌّ فيها، وعلى ذلك قولهم: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٥ - ١٦٦].

стр. 319

﴿قَالَ﴾ تعالى في جوابهم (١): ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فعرَّض ولم يصرِّح هاهنا؛ ليُريَهم فضيلة الإنسان وما خُصوا به من العلم والعمل اللذَين يَقصُر الملَك عنهما عِيانًا ومشاهَدةً، وإنما أَبْهم بيانَ استحقاقه فيه ليُقرُّوا بالعبودية، ويعرفوا أن له وراء علمهم علمًا هم عنه محجوبون، وكفى العبادَ علمُهم بذلك ليزدادوا تعظيمًا له، ويتبيَّنوا نقصَهم وكمالَه. ثم بيَّن لهم بعضَه فيما بعدُ ليَعظُم عندهم وقعُه، فيرجعوا ويسلِّموا ويعترفوا بنقصهم، وتلينَ شكائمُهم. هنا جملةٌ محذوفة يَتمُّ بها المعنى ويصحُّ (٢) العطف، وتقديرُها: فجعل في الأرض خليفةً، وسماه آدمَ، فالواوُ المذكورةُ فصيحةٌ. (٣١) - ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ التعليم حقيقةً: فعلٌ يترتَّب عليه العلم ولا يتخلف عنه، وقد يُطلق مجازًا على إلقاء مقدِّمات العلم، وهو الذي يترتب عليه العلم غالبًا، وقد يتخلف عنه، وهو المراد في قولهم: علَّمتُه فلم يَتعلَّم. ومعنى تعليمِ الأسماء: أنه أراه أجناس المخلوقات، وبيَّن أن هذا اسمُه فرس وأن هذا اسمُه بقر، على أن المراد من (الأسماء): الألفاظُ الموضوعة للمعاني مفردةً كانت أو مركَّبةً مخبَرًا عنها أو خبرًا، أو رابطةً بينهما.

стр. 320

أو بيَّن أن هذا للركوب وهذا للحرث، على أن المراد منها سماتُ (١) الأشياء وخصائصُها. ولا علم لنا بطريق تعليمه تعالى آدم الأسماء (٢). واعلم أنهم بعدما اتفقوا على أن دلالة الألفاظ وضعيَّةٌ اختلفوا في تعيين الواضع: فذهب قوم إلى أنه هو الله تعالى، ويسمى هذا المذهب مذهبَ التوقيف. وذهب قوم إلى أنه هو الناس، ويسمى هذا المذهب مذهبَ الاصطلاح. وبعضُهم إلى التوزيع (٣)؛ أي: بعضُه توقيفيٌّ وبعضُه اصطلاحيٌّ. وذهب بعضهم إلى التوقُّف (٤). فإن كان النزاع في الظهور لا في القطع فالظاهرُ من الآية (٥) هو الأول المذكور، وعلى المذهب الثاني لا يلزم من الحاجة إلى سابقةِ اصطلاحٍ التسلسل؛ إذ يجوز أن يُعرف القَدْرُ المحتاجُ إليه في الاصطلاح بالترديد والقرائن كما يُعرف الأطفال، والله أعلم بحقيقة الحال. وآدمُ وزنه فاعَل - كآزرَ وعازَرَ وشالَخَ وفالَغَ - إن كان عجميًا (٦)، وأَفْعَلَ على أنه مشتقٌّ من أديم الأرض إنْ كان عربيًّا.

стр. 321

قال الجواليقي في "المعرَّب": أسماء الأنبياء كلُّها أعجمية إلا أربعةَ أسماء، وهي: آدمُ وصالحٌ وشعيبٌ ومحمدٌ ﵈ (١). وقد صحَّ عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إنَّما سُمي آدمُ لأنَّه خُلق من أديم الأرض. أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٢). وورد مثلُه عن عليٍّ وابن مسعود ﵄ أخرجه ابن جرير (٣). وأديمُ الأرض: ظاهرُ وجهِها. وقرئ: (عُلِّمَ) على البناء للمفعول ورفعِ (آدمُ) (٤). ومُنِعَ الصَّرفَ للعَلَمية والعُجمة أو وزنِ الفعل. ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ الضميرُ للمسمَّيات المدلولِ عليها - كما في قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ [النساء: ١١]- إن كان الألف واللام في ﴿الْأَسْمَاءَ﴾ للجنس، أو المقدَّرةِ إن كان التعريف باللام عوضًا عن التعريف بالمضاف إليه على أن المراد: أسماء المسميات؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤]، وإنما ذكِّر الضمير للتغليب فإن في المسمَّيات العقلاءَ. ولفظة ﴿ثُمَّ﴾ للدلالة على تأخير الغرض عن التعليم وذلك ليتحقَّق (٥)

стр. 322

ويظهرَ فضلُ آدم وجهةُ أحقِّيَّته للخلافة وقتَ قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فإنه يَدلُّ على أنهم غيرُ صادقين في زعمهم أنهم أحقَّاءُ للخلافة، وذلك بثبوت فضل آدم في ذلك الوقت. ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ الإنباء: إخبارٌ فيه إعلامٌ، ولذلك أُجري مُجرى كل واحد منهما، فقيل: أنبأتُه بكذا، كقولك: أخبرتُه بكذا، وأنبأته كذا، كقولك: أَعلمتُه كذا. ولمَّا كان المراد هاهنا معنى الإخبار قال: ﴿بِأَسْمَاءِ﴾. ثم إنه لا يقال: (نبأٌ) إلا لخبرٍ فيه خطرٌ، ففي عبارة الإنباء تعظيمٌ لشأن علمِ الأسماء. وإنما استنبأهم للتبكيت، والردِّ عليهم فيما أظهَروا من عدمِ استحقاقه للخلافة، وما أبطَنوا من أولويَّتهم بذلك، لا للتكليف، لا لأنَّه من باب التكليف بالمُحال لأنَّه معلَّق، بل لأن التعليق المذكورَ لا يناسبُ التكليفَ. وجواب الشرط في ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ محذوف دل عليه ﴿أَنْبِئُونِي﴾. فإن قيل: الصدق إنما يتعلق بالخبر، وهم استَخبَروا ولم يُخبِروا، فكيف يصدَّقون أو يكذَّبون؟ قلتُ: الصدق والكذب وإن كانا لا يتعلقان بالاستخبار بالقصد الأول ومن حيث المنطوقُ، فقد يتعلقان به بالقصد الثاني ومن حيث المفهومُ، وذلك إذا كان الاستخبار على وجهٍ يُفهم منه معنى الخبر، وقد نبَّهت فيما تقدَّم أن الأمر فيما نحن فيه كذلك، فإن مَساق كلامهم لمَّا كان كاشفًا عن زعمهم أنَّهم أحِقَّاءُ للخلافة كان استخبارُهم متضمِّنًا لمعنى الخبر.

стр. 323

فإن قيل: أليس زعمهم المذكورُ فاسدًا متضمنًا لتجويزهم صدورَ ما (١) يخالف الحكمة عن الله تعالى، وشأنُ الملائكة أعلى من ذلك؛ لأنهم عِبَاد مُكرمون لا يَسبقونه بالقول وهم بأمرِه يعملون. قلت (٢): الآن قَوِيَ الإشكال، وقد مرَّ منَّا الإشارةُ إلى وجه الانحلال بإرجاع الزعم المذكور إلى إبليس، واللهُ أعلم. (٣٢) - ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ تنزيه منهم له تعالى عن فعلِ ما لا مصلحةَ فيه ولا حكمةَ؛ أي: نُبعِّدك عن فعلِ ما يمكنُ أن يكون أصلحُ منه. وأمَّا الإشعارُ بأن سؤالهم كان استفسارًا محضًا فلا يناسب المقام؛ لِمَا فيه من التَّلبيس، ولأنه مردودٌ بقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ على ما تقف عليه بإذن الله تعالى. و (سبحان) من المصادر اللازمِ حذفُ فعلها سماعًا، وهو عَلَم التسبيح يجري ذِكْرُه مَجرى ذكر الفعل؛ أي: نسبِّحك تسبيحًا. ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ اعترافٌ منهم بالنَّقص ولزومِ الحدِّ؛ أي: لا يمكننا الاكتساب والتَّرقِّي. ولمَّا كان قولهم: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ من باب الشكر، أفادت الآية أن العبد ما ينبغي له أن يغفل عن نقصانه، وعن فضل الله وإحسانه.

стр. 324

وفي وجه هذا الجوابِ من الحُسن ما يبهر الألباب، حيث قدَّموا بين يديه تنزيهَ الله تعالي، ثم اعترفوا بالجهل، ثم نَسبوا العلم لله تعالى، وأَردفوا صفةَ العلم صفةَ الحكمة، إذ بان لهم وصفُ الحكمة في قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، وقدَّموا وصف العلم لأن الذي ظهرت به المزيَّةُ لآدم هو العلم، ولأن الحكمة من آثاره. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ سلبٌ للعلم والحكمة عن أنفسهم بقَصْرهما عليه، وإنَّما قصَروهما عليه بتوسيط الضمير، وإيرادِ اللام وصدَّروا الجملة بـ (إنَّ) التوكيديِّ الرافعِ للشكِّ والإنكار؛ لإيهام كلامهم بأن استخلافَ آدمَ على خلافِ مقتضى العلم والحكمة، ودعواهم العلمَ لأنفسهم، وشكِّهم في استحقاقه وإنكاره لمزيَّته (١) عليهم، فرجعوا عن ذلك وأقرُّوا بأنَّ ماهيةَ العلم والحكمة مخصوصةٌ به دون غيره، وأنَّه محقَّق عندهم. و (الحكيم) فعيلٌ بمعنى مُفْعِلٍ؛ أي: محكِمٌ لمبدَعاته، وذلك لأنَّه لا يفعل إلا ما فيه حكمةٌ بالغة. (٣٣) - ﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. ﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ ناداه باسمه العَلَمِ، وكذا سائرُ الأنبياء ﵈، وهو خطابُ تعريفٍ، ونادى محمدًا ﵇: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال: ٦٤] و: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١] وهو خطاب تشريف، فانظر تفاوتَ ما بين النداءَين (٢)،

стр. 325

وقال الله تعالى: ﴿أَنْبَأَهُمْ﴾ فجَعل مَن اعترضوا به معلِّمًا لهم، ومنبئَهم بما تقاصرت علومُهم عنه؛ ليظهر بذلك فضلُه عليهم. ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ بَيْنَ هذه الجملة والتي قبلها جملةٌ محذوفة تقديرها: فأنبأهم، فالفاءُ المذكورة فصيحةٌ؛ أي: أخبَرهم بها وعَلِموا فضلَه وظهر عجزهم وقصورهم. ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ إنكارٌ داخلٌ على النفي فيفيدُ التقريرَ؛ لأن نَفْيَ النَّفي إثباتٌ. ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ استحضارٌ لقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ لكنه جاء به (١) على وجهِ البَسْطِ ليكونَ كالحجة عليه، وإضافةُ ﴿غَيْبَ﴾ بمعنى (في) كـ: ضَرْبُ اليومِ؛ أي: ما غاب في السماوات والأرض. والغيبُ هاهنا: ما خفي عنهم فيهما، وفي الأصل: ما غاب عن الحس؛ أي: الغائبُ المقابلُ للشهادة بمعنى الشاهد. ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ عطفٌ على ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ لا على ﴿أَعْلَمُ﴾؛ لأنَّه ما كان مقولًا لهم في قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فهو مقولٌ لذاك (٢). ويجوز أن يكون واوَ الحال، والمراد بـ (ما تبدون): ما صدَر عنهم من التصريح والتلويح، فينتظمُ ما تعرَّضوا له بطريق التعريض، وبـ (ما تكتمون): ما أسرَّه إبليسُ من الكبر والعصيان، فهو من قبيل خطاب الجمع بفعلِ الواحد منهم كما في قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ [هود: ٦٥].

стр. 326

واعلم أن في (١) هذه الآيات دلالةً على شرف الإنسان، ومزيَّةِ العلم وفضلهِ على العبادة، وأنَّه شرطٌ في الخلافة، بل العمدةُ فيها، وأن التعليم يصحُّ إسناده إلى الله تعالى وإن لم يصحَّ إطلاقُ المعلِّم عليه؛ لاشتهاره فيمَن يَحترف بالتعليم وإن لم يكن مختصًا به، على ما يُفصِح عنه تلقيبُ الفارابيِّ بالمعلِّم الثاني. (٣٤) - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾ نَظْمُه بما قبلَه من حيث إنَّ في أول هذه الآية كشفَ ما أُجمل في ضمِّ تلك الآية مما نُسب إليهم من كتمان إبليس من الكبرِ والعصيان. و (إذ) هذه عطفٌ على التي قبلَها إنْ نصَبْتَها بإضمارِ: اذْكُرْ، وإنْ نصبْتَها بـ ﴿قَالُوا﴾ فهذه منصوبةٌ بـ (اذكُرْ) مقدَّرٍ، والواو حينئذٍ عاطفةُ الجملة على الجملة. ولك أن تقول: إن العامل محذوف بتقدير (٢): انقادوا فسجدوا؛ لأن السجود كان ناشئًا عن الانقياد. وفي ﴿قُلْنَا﴾ خروجٌ عن ضميرِ المتكلِّم المفرَد إلى ضمير الجمع؛ لأن التعظيم (٣) من حيث إنه أَدْعى لامتثالِ الأمر من غير بُطءٍ يناسبُ المقام. ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فيه إيجازٌ ونقلٌ للأمر التعليقيِّ إلى صورة التنجيز اعتبارًا للحاصل، على ما دل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ﴾

стр. 327

سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] فإنه صريحٌ في أن الأمر بالسجود كان قبلَ تسوية خلق آدم ﵇، فلمَّا لم يكن أمرُهم بالسجود (١) مرتَّبًا على إنبائهم بالأسماء بل على ظهورِ شأنِ نفخِ الروح في قالبِ آدمَ ﵇، لم يَصلُح (٢) أن يكون ذلك اعترافًا بفضله وأداءً لحقِّه واعتذارًا عمَّا قالوا فيه. قال أبو عمرٍو: يقال: سجد: إذا طأطأ رأسَه وانحنى (٣). فالسجود: التطأطؤُ مع خفضِ الرأس، وبه يفارقُ الركوعَ. وأمَّا التذلُّلُ فاعتبارُه في مفهومه العُرفيِّ دون اللغويِّ، وقد جاء في المثَل: (أَسْجَدُ مِن هُدْهُدٍ) (٤) وليس في سجوده تذلُّلٌ. وفي الشرع: وضعُ الجبهة على الأرض، ولا يَلزم أن يكون على قَصْدِ العبادة، فإنَّ صلاة المُرائي صلاةٌ حقيقةً وليست على قَصْدِ العبادة. والسجودُ المأمورُ كان على سبيل التَّكرمة؛ كسجودِ إخوةِ يوسفَ ﵇ له. وكونُ السجود لله تعالى على أن يكون آدمُ ﵇ قِبلةً يَردُّه قوله تعالى نقلًا

стр. 328

عن إبليس: ﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] لأن الاعتراض بكونه طينًا إنما يتَّجه أنْ لو كان مسجودًا حقيقةً لا قبلةً للسجدة (١) كالكعبة شرَّفها الله تعالى. قال الإمامُ أبو منصورٍ: فيه دليل على أن الكتاب نُسخ بالسنَّة، فإن جواز السجود لغير الله تعالى ثبت بقصةِ آدم ﵇، ثم نُسخ ذلك بالخبر (٢). وقيل: هو بيانُ استغنائه عن عبادتهم إياه، وإنكارِه عليهم قولَهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ فقال لهم: لا حاجة إلى عبادتكم وخدمتكم فاخدموا عبدًا من عبادي لم يخدمني كثيرَ خدمةٍ. ﴿فَسَجَدُوا﴾ عن وهب قال: أولُ مَن سجد (٣) جبريلُ ﵇، ثم ميكائيلُ، ثم إسرافيلُ، ثم عزرائيلُ، ثم سائرُ الملائكة، وكان ذلك كما نُفخ فيه الروحُ من غيرِ تأخيرٍ بقوله : ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] فإن الفاء للتعقيب بلا تراخٍ. ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ استثناءٌ متَّصلٌ، لا لأنَّه من جنس الملائكة ولا ينافيه قولُه تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ لأن صنفًا منهم يُطلق عليه الجنُّ على ما دلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨]، ولا لأنَّه كان جنيًّا واحدًا بين أظهُر الألوف من الملائكة مغمورًا بهم فغلِّبوا عليه في قوله: ﴿لِلْمَلَائِكَةَ﴾ ثم استُثنيَ منهم استثناءَ واحدٍ منهم؛ لِمَا في قوله تعالى: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥] دلالةٌ على أنَّ تناوُلَ الأمر إياه بطريق الدلالة؛ لأن المعنى: أمرُكَ دائرٌ بين أن تكونَ أدنى من المأمورين بالسجود فيتناولكَ الأمر دلالةً فيلزم الاستكبار،

стр. 329

أو أعلى منهم فتكونَ من زمرة العالينَ الذين لم يتناولهم الأمر= بل لأنَّ تقدير الكلام: فسجد المأمورون (١) به تبعًا، إلا إبليسَ فإنه امتنع عن السجود، واستَعظَمَ نفسَه، ورفَعها عن حيِّزِ المأمورين تبعًا. وهذا ما قيل: إن الجن أيضًا كانوا مأمورين مع الملائكة، إلا أنه استُغنيَ بذكر الملائكة عن ذكرهم؛ لأنَّه إذا عُلم أن الأكابر مأمورون بالتذلُّل لأحد عُلم أن الأصاغر أيضًا مأمورون به، وليس مَبْنَى هذا على أنْ يرجعَ الضمير في ﴿فَسَجَدُوا﴾ إلى القبيلَين؛ لأن قوله: ﴿فَسَجَدُوا﴾ هنا في موضع: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ﴾ [الحجر: ٣٠] في آيات أُخَر. وامتَنع (إبليس) من الصرف للعَلَمية والعُجْمة، ومَن جعله مشتقًّا من الإبلاس بمعنى اليأس قال: وشِبْهِ العُجْمة؛ لكونه لم يُسمَّ به أحدٌ من العرب، فصار خاصًا بمَن أطلقه الله عليه، فكأنه دخيلٌ في لسانهم، وهو عَلَمٌ مُرْتجَل. والإباء: امتناعٌ بالاختيار. والتكبُّر: أن يرى الرجلُ نفسَه أكبرَ من شأنه، والاستكبارُ: طلبُ ذلك بالتشبُّع، فهو من أفعال القلوب، وإنما قُدِّم الإباءُ عليه وإن كان أدلَّ؛ لأن مفهوم الاستثناء - وهو عدمُ صدور السجود عنه - ناشٍ عن إبائه، وإباؤه ناشٍ عن استكباره، فرُوعيَ هذا الترتيبُ واستُؤنف في ﴿أَبَى﴾ لأنَّه موضعُ سؤالٍ؛ لاحتمالِ أن يكون تركُ السجود لعذرٍ دون استكبارٍ (٢)؛ لظهورِ أن الامتناع بالاختيار أمرٌ فيه تذلُّلٌ لا يكون إلا عن الاستكبار، وكان استكبارُه مسبَّبًا (٣) عن كفره الأصليِّ، ولهذا ذيَّله بالجملة الاعتراضيَّة للتعليل، وهو قوله:

стр. 330

﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: كان أصله من كَفَرة الجنِّ، فلذلك ارتكبَ المعصية، على ما أَفصح عنه قولُه تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]. قيل: أي: صار منهم باستقباحه أمرَ الله تعالى. ولو كان المعنى هذا لقيل: فكان من الكافرين. (٣٥) - ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ﴾ عطف على (إذ قلنا) لا على (قلنا)، وفائدةُ النداء تنبيهُ المأمور لِمَا يُلقى إليه من الأمر. ﴿اسْكُنْ﴾ من السُّكنَى؛ أي: اتَّخِذْها مسكَنًا، ولهذا ذُكر متعلَّقُه بدون (في)، لا من السكون بمعنى تركِ الحركة، وإن كان ذلك في الحقيقةِ راجعاً إلى السكونِ؛ لأنَّه نوعٌ من اللَّبْث والاستقرار. ﴿أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ معطوفٌ على الضميرِ المستكنِّ في ﴿اسْكُنْ﴾ المؤكَّدِ بـ ﴿أَنْتَ﴾، والفصلُ بالتأكيدِ لتصحيحِ الوصلِ على سبيل التغليب؛ إشعارًا بدنوِّ رُتبتها وتَبَعيَّتِها، وكأنَّ فيه توطئةٌ للاكتفاء بذكره في قوله ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. ﴿الْجَنَّةَ﴾ اللام للعهد، والمعهودُ دار الثواب لا غير. ﴿وَكُلَا مِنْهَا﴾ عدل هاهنا عن أسلوب التغليب تنبيهًا على أن تبعيَّتها لزوجها في السُّكنَى دون الأكل. ﴿رَغَدًا﴾ وصفٌ للمصدر؛ أي: أكلًا رغدًا، والرَّغَدُ: العيشُ الدارُّ الهنيُّ الذي لا عناءَ فيه كما ذكره القرطبيُّ (١).

стр. 331

وقال الليث (١): الرَّغد أن يأكل ما شاء إذا شاء حيث شاء. ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ (حيث) للمكان المبهَم، أي: أيَّ مكانٍ من الجنة شئتُما، ومحلُّ ﴿حَيْثُ﴾ مضافًا إلى الجملة النصبُ على الظرفيَّة علَّقه بالأكل مع ظهورِ تعلُّقه بالسُّكنى؛ لأن إباحة الأكل من أيِّ مكانٍ كان وفي أيِّ وقتٍ كان مستلزِمةٌ لإباحة السُّكنى فيه بحسَب العادة، بدون العكس. وإنما أُطلق لهما الأكلُ من الجنة حيث شاءا ومتى أرادا مع سعتها وكثرةِ أشجارها، ولم يقيَّد بوقتٍ ولا موضعٍ ولا أكلٍ مخصوصٍ بشيءٍ دون شيءٍ؛ كي لا يبقى لهما عذرٌ في التناول من شجرةٍ واحدةٍ مَنْهيِّ عنها بتلك المبالَغة. ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ نهى عن الأكل منها بطريق الكناية مبالغةً، فلا نهي عن القرب منها، وقد أفصحَ عن هذا قو له: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٠] حيث أشار بما يشار به إلى القريب. ثم إنه لم يقل: عن القُرْب من هذه الشجرة. و ﴿الشَّجَرَةِ﴾ نعتٌ أو عطفُ بيانٍ، واختلفوا في تعيينها، وقال ابن جَريرٍ: والأَوْلى أنْ لا تُعيَّن؛ لأنَّ العلم بها علمٌ لا ينفعُ، والجهلَ بها جهلٌ لا يَضُرُّ (٢). ولك أن تقول: في التَّعيين بأنها الكَرْمةُ - كما ذهب إليه بعضُهم - فائدةُ الإشارةِ إلى أنَّ الخمر أمُّ الخبائث؛ لأنَّ أصلها هو الذي كان السببَ في الخروج من الجنة أولًا، فيجب الاجتنابُ عنها لئلَّا يكونَ مانعًا من العَوْدِ إليها.

стр. 332

﴿فَتَكُونَا﴾ مجزومٌ عطفٌ على ﴿تَقْرَبَا﴾، أو منصوبٌ بتقدير (أنْ) جوابًا للنَّهي، والفاء تفيدُ السببيَّة سواءٌ جعلْتَه للعطف على النَّهي أو الجوابِ له. وفي جَعْلِه سببًا للكون المذكورِ مبالغةٌ أخرى في تأكيدِ النهي. ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أنفسَهم بنقصِ حقوقِها بالعصيانِ، وحطِّها عن درجةِ القُرْبِ والكرامات إلى مَهُول الحرمانِ والهوان، و (الظالم) أبلغُ من (الذي ظَلَم) ففيه أيضًا مبالغةٌ. (٣٦) - ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: حملهما على الزَّلَّةِ. والضمير في: ﴿عَنْهَا﴾ للشجرة؛ أي: بسببها، وتحقيقُه: أَصدر الشيطان زلَّتَهما عنها، و (عن) هذه مثلُها في قوله تعالى ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]. قيل: يجوز أن يكون الضمير للجنة؛ أي: أذهبهما عنها وأبعدهما، مِن زلَّ: إذا ذهب، يقال: زلَّت عن الشهر (١) كذا: إذا ذهبت، ويأباه قراءةُ حمزة: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ (٢) إذ على هذه القراءةِ لا يكون إلا للجنة، والفرقُ بينهما: أنَّ (أزلَّ) من الزَّلَل وهو عثورُ القدم، و (أَزالَ) من الزَّوال وهو التنحية ويقوِّي هذه القراءةَ أنهما أُمرا بالثبات والاستقرار في الجنة، فناسب أن يقال بعد ذلك: فأزالهما

стр. 333

الشيطان بالمعصية عن المكان الذي أُمرا بالثبات فيه على وجهِ الطاعة. وإزْلالُه بقوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠] وقوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠] ومقاسمتِه إياهما بقوله: ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] وهذا صريحٌ في أن إلقاءَه إليهما كان مشافَهةً لا على طريق الوسوسة، وهو قولُ ابن عباس وابن مسعود (١) وجمهورِ العلماء. واختُلف في كيفية توصُّله إلى إزْلالهما بعدما قيل له: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [الحجر: ٣٤ وص: ٧٧]. فقيل: إنه مُنع من الدخول على جهةِ التقريب والتكرمة كدخول الملائكة، ولم يُمنع من الدخول على جهةِ الوسوسة ابتلاءً لآدمَ وحواءَ (٢). وقيل: قام عند الباب فناداهما. ويردُّه قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠] لأن الوسوسة لا تُجامِع النداء. وقيل: أَرسل بعضَ أتباعه فأزلَّهما. ورجِّح هذا الوجهُ بأنهما يَعْرفانه، وَيعْرفان ما عنده من العداوة والحسد، فيستحيل في العادة أنْ يقبَلا قوله.

стр. 334

ويردُّه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢] لأنَّه صريحٌ في مباشَرة الشيطان للإزلال، والله أعلمُ بحقيقة الحال. ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ من النعيم والكرامة، والإبهامُ للتعظيم؛ أي: مما لا يدخل تحت الوصف، أو من الجنة إنْ خُصَّ الضمير في ﴿عَنْهَا﴾ بـ ﴿الشَّجَرَةَ﴾. والإسناد هنا وفيما تقدَّم مَجازيٌّ؛ لأن الفاعل في الحقيقة هو الله تعالى، والشيطانُ سببٌ عادي. ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا﴾ هبط لازمٌ ومتعدٍّ، ومصدر المتعدي: الهَبْط، ومصدر اللازم: الهبوطُ، وهو النزولُ من عُلوٍ إلى سُفلٍ. والخطابُ لآدم وحواء؛ لقوله تعالى في موضعٍ آخَرَ: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [طه: ١٢٣]، والخطابُ تلوينٌ على ما تقف عليه، فلا مجال للتعدُّد، فلا وجه لِمَا قيل: المراد هما وإبليسُ، وكذا لِمَا قيل: المراد هما وذريتُهما؛ لأن ما وُضع لخطابِ المشافَهة لا يَنتظِم المعدومَ حالَ الخطاب، لا عبارةً ولا دلالةً، خلافًا للحنابلة. وإنما جُمع الضمير هنا رفعًا لشأنهما؛ كما جُمع الضمير (١) في قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]. ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ جملة في محلِّ النصب بالحال، استُغني بالضمير عن الواو؛ أي: مُتعَادِينَ، والمعاداةُ: فقدانُ الملاءَمةِ والموافَقة، ومنه قيل: مكان ذو عدوٍّ، و (٢) قومٌ عِدًى، للأعداء والغرباء (٣)؛ لِمَا بينهم من فقدانِ الملائمة، وذلك بين الرجل

стр. 335

والمرأةِ كثيرٌ في الخَلْق والخُلُق، حتى إن عامَّة ما يُحمد من أخلاق الرجال يُذمُّ من المرأة، وليس الأمر تكليفيًّا حتى يَلزمَ الإذنُ في المعاداة بناءً على أن الحال قيدٌ والأمرُ بالمقيَّد يتناول القيدَ. ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ إمَّا حالٌ برأسها بالواو، وإمَّا عطفٌ عليها. والمستقَرُّ: إما موضعُ استقرارٍ أو استقرارٌ (١)، والقرارُ: هو السكونُ عن برودةٍ، ولمَّا كان من شأنِ البرودة السكونُ ومن شأن الحرارةِ الحركةُ قيل في الساكن: بَرَد، وفي المتحرِّك: اشتَعَلَ والْتَهَبَ، حتى يشبَّهُ السريع بنارٍ متَّقدةٍ والساكنُ بماءٍ (٢) جامد. ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ المتاع: انتفاعٌ ممتدُّ الوقت، ومنه قيل: متَّعه الله بكذا، والمراد بالحِين: وقتُ الحَين (٣)، إذ لا انتفاعَ تمتُّعٍ بعده. وجَعْلُ ابتداءِ يومِ القيامة من الموت تكلُّفٌ مستغنًى عنه، وكذا جَعْلُ السُّكنى في القبر تمتُّعًا في الأرض. (٣٧) - ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ التَّلَقِّي كالتَّلَقُّنِ، إلا أن التَّلقِّيَ يقتضِي استقبالَ الكلام وتصوُّرَه، والتَّلَقُّنَ يقتضِي الحذقَ في تناوله، والتلقُّفُ يُقارِبُه لكنْ يقتضِي الاحتيالَ في التناول. وصيغةُ التفعُّل للتكلُّف؛ أي: تكلَّف في لقائها بالجهد في التفصُّل والتوجُّه.

стр. 336

وعلى قراءة النصبِ في (آدمُ) والرفعِ في (كلماتٌ) (١): تكلَّفتِ الكلماتُ في الوصول إليه؛ ليكون تزكيةً وتصفِّي قلبه بالتوبة متدرِّجًا، وفي إسنادِ التلقِّي إلى الكلمات مجازٌ، شبِّه نزولُها على التدرُّج بالتكلُّف في النزول إليه. وحاصل المعنى: استقبلَها بالقبول والعمل، أو استقبلتْه بالبلوغ والو صول إليه. واختُلف في المراد بالكلمات، وأكثر المفسرين على أنها قوله: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] وقيل غيرُه. وأصل الكلمة: الكَلْم، وهو التأثيرُ المدرَكُ بإحدى الحاسَّتين: السمعِ والبصرِ، والكلام [مُدرَكٌ بحاسَّة السَّمْع والكَلْم] بحاسَّة البصر، فكلَمْتُه: جَرَحْتُه جِراحةَ بانَ أثرُها، ذكره الراغب (٢). ولتضمُّن البناء (٣) في قوله: ﴿فَتَلَقَّى﴾ معنى التوبة قال: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ مضمِّنًا إياه معنى العطف؛ أي: فرجع متعطِّفًا عليه بالقبول والرحمة بعد إعراضه، وأُخبر عنه وحده لأنَّه هو المواجَهُ بالأمر والنهي وهي تابعةٌ له، أو طُويَ ذكرُها كما طُويَ في قوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]، وطيُّ ذكرِ النساء في القرآن والحديثِ كثيرٌ. ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ﴾ الرجَّاع على عباده بالمغفرة، وأصلُ التوبة: الرُّجوعُ، وتوبةُ العبد: رجوعُه إلى ربِّه من ذنبه، وتمامُها من العبد بالنَّدَم على ما كان، وتركِ الذنب الآنَ، والعزمِ على أن لا يعود إليه في مستأنَفِ الزمان، وفي المظالم لا بدَّ مع ذلك من إرضاءِ الخصم.

стр. 337

﴿الرَّحِيمِ﴾: المبالغُ في الرحمة، يَرحَمُ التائبَ فيغفرُ حَوبتَه ويقبلُ توبتَه. (٣٨) - ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ كُرِّر هذا لا لأنَّ الأولَ من الجنة إلى سماءِ الدنيا والثاني منها إلى الأرض؛ لأنَّه مردودٌ بقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾، ولا لاختلاف المقصود حيث دلَّ الأولُ على أن هبوطهم إلى دارِ بليَّةٍ يتعادَون فيها ولا يخلدون، والثاني أشعَرَ بأنهم أُهبطوا للتكليف؛ لأن ما ذُكر لا يقتضي التكرار، فإن الدلالتين المذكورتين يمكنُ أن تُجمعا= بل لتعليق الزيادةِ به في قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ ليدلَّ على أن هذا الغضب مسبوقٌ برحمةٍ إلى رحمةٍ، ولهذا أورد (ما) لتأكيد الملازمة، والتزموا لتقويتها زيادةَ النون في الشرط، وإنما أورد كلمة الشك - مع أنَّ إتيانَ الهدى محقَّق عنده - نظرًا إلى أنه محتملٌ في نفسه غيرُ واجب عقلًا، وفي هذا النظر إظهارٌ لِمَا (١) فيه من جهة التفضل والإحسان، فلذلك حسن. و ﴿جَمِيْعًا﴾ حال في اللفظ تأكيدٌ في المعنى، كأنه قال (٢): اهبطوا أنتم أجمعون، ولذلك لا يستدعي اجتماعهم على الهبوط في زمانٍ واحد كقولك: جاؤوا جميعًا. ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ (مَن) شرطيَّةٌ، ويجوز أن تكونَ موصولةً، ويعضدُه إتيان الموصول في قَسيمه، ودخولُ الفاء على الجملة الخبريَّةِ جائزٌ هنا، جُعل الهدى

стр. 338

بمنزلة الإمام المتبع المقتدَى به، وفي إضافته إليه من التعظيم ما لا يكونُ لو أتى (١) معرَّفًا باللام وإن كان ذلك سبيلَ ما يكون نكرةً ثم يُعاد. وجواب ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾: ﴿فَمَنْ تَبِعَ﴾. ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾؛ أي: فلا خوفٌ عليهم من الضلالة في الدنيا، ولا حزنِ الشقاوة في العُقبى؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]. وقدِّم انتفاءُ الخوف على انتفاءِ الحزن لأنَّ انتفاءَ الخوف فيما هو آتٍ أكثرُ من انتفاءِ الحزن على ما فات، ولذلك أُبرزت الجملة الأولى (٢) مصدَّرةً بالنكرة التي هي أدخلُ في باب النفي، وأُبرزت الثانيةُ مصدَّرةً بالمعرفة، وفيها إشارةٌ إلى اختصاصهم بانتفاءِ الحزن وإلى غيرهم بالحزن (٣). (٣٩) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ عطف على (من تبع هداي .. ) إلخ، قَسيمٌ له، وهو أبلغ من قوله: ومَن لم يَتْبع هُداي، وإن كان ظاهرُ التقسيم يقتضيهِ؛ لأنَّ نفي الشيء قد يكون لعدمِ القابليَّة في المحل، فأُبرز القَسيم في صورةٍ ثُبُوتيَّةٍ مُزِيلةٍ لهذا الاحتمالِ.

стр. 339

وإنَّما ذكر الصلتين ومعناهما واحد تقريرًا لقبائحهم، وتكريرًا لفضائحهم، كما قال: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [طه: ٧٩]. والآيات: العلاماتُ الدالَّةُ على وحدانيَّةِ الله تعالى وصفاتهِ؛ من الكتبِ المنزلةِ وغيرِ ذلك، وسمِّيت آيةُ القرآن بها لأنها علامة لانقطاعِ كلامٍ عن كلامٍ وانفصالهِ. وقيل: سمِّيت آيةً لأنها جماعةُ حروفٍ من القرآن وطائفةٌ من الكَلِم؛ كما يقال: خرج القوم بآيتهم؛ أي: بجماعَتِهم. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ الاصطحاب: اجتماع مع طول لبثٍ. و ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، ويجوز أن يكون عطفَ بيان أو بدلًا فيكون ﴿أَصْحَابُ﴾ خبرًا عن ﴿وَالَّذِينَ﴾، و ﴿هُمْ فِيهَا﴾ خبرٌ ثانٍ أو تفسيرٌ. ولا متمسَّك للحشويَّة في هذه القصَّة على عدم عصمةِ الأنبياء ﵈؛ لأن مبناه على أن يكون آدم ﵇ حينئذ نبيًّا، وأن يكون النهي تكليفًا، وأن لا تكون التوبة إلا عن معصيةٍ، وواحدٌ منها غيرُ مسلَّم. وأمَّا ما قيل: إنه أخطأ في اجتهاده، حيث ظنَّ أن الإشارة إلى عينِ تلك الشجرةِ فأكل غيرها من ذلك النوع، وكان الإشارةُ إلى النوع، فمردودٌ بقوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ الآية [الأعراف: ٢٠]؛ لأنَّه صريحٌ في أنه كان الإزلال في المنهيِّ عنه. (٤٠) - ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾.

стр. 340

﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ انتظامُه بخَتمِ قصةِ آدم ﵇: أنه وَعَد متَّبعَ الهدى بالجنة وأَوْعَد مخالِفَه بالنار، وحثَّهم في هذه الآية على الوفاء بعهده، وهو الإيمان به والطاعةُ، ليُوْفيَ بعهدهم وهو إدخالُ الجنة. والخطابُ لأولاد يعقوب ﵇، فإنَّ إسرائيل لقبَه معناه بالعبرانية: صفوةُ الله، وقيل: عبد الله، ولم يَنصرف للعجمة والعلَمية. وأصل (بني): بنين، وهو جمع ابنٍ سقطتْ نونُه للإضافة، والبَنونَ يطلق على الذكور والإناث من الأولاد إذا اجتمعوا. والابن (١) من البناء، وهو وضع الشيء على الشيء (٢)، شبِّه الأبً بالأسِّ والابنُ بما بُني عليه. ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ أمرٌ من الذُّكر الذي هو مضموم الذال، وهو بالقلب خاصةً، فالمراد: الحفظُ الذي يضادُّ النسيان، أمرَ بذكر النِّعَم (٣) - وكان المطلوبُ القيامَ بشكرها - إيماءً إلى أنها من النِّعم الجِسام التي لا مانعَ للعاقل من القيام بشكرها إلا الغفلةُ عنها. واختيرَ تحريكُ الياء في ﴿نِعْمَتِيَ﴾؛ لأنَّه لقيَها الألِفُ واللامُ، فلم يكن بدٌّ من إسقاطها أو تحريكِها، وكان التحريكُ أولى لأنَّه أدلُّ على الأصل، وأَشكَلَ بما يَلزمُ اللامَ في الاستئناف من فتحِ ألِفِ الوصل، وإسكانُ الياء في قوله:

стр. 341

﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣] أجودُ؛ لأن مِن حقِّ ياء الإضافة أن لا تَثبت في النداء، وإذا لم تثبت (١) فلا طريق إلى تحريكها. ﴿الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ من السابقةِ واللاحقة، والظاهرةِ والباطنة. والنعمة: اسمٌ للشيء المنعَمِ به، أضافها إلى ذاته أولًا، ثم أَسندها إليه تعظيمًا لها، ثم قيَّدها بهم هزًّا لهم، وحثًّا لطباعهم المجبولةِ على حبِّها على القيام بشكرها. وأمَّا ما قيل: لأن الإنسان غيورٌ حسودٌ بالطبع، فإذا نظر إلى ما أَنعم الله تعالى على غيره حملَه الغيرةُ والحسد على الكفران والسخط - فإنما يصلحُ وجهًا لعدم تقييدها بغيرهم، وهو بمعزلٍ عن هذا المقام؛ لِمَا عرفْتَ أن المطلوب القيامُ بالشكر لا مجردُ الذكر. ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ الوفاء: مراعاةُ العهد، والغدرُ: تضييعُه، كما أن الإنجاز: مراعاة الوعد، والخُلفَ: تضييعُه، فالوفاءُ والإنجازُ في الفعل كالصدق في القول، والغدرُ والخُلف كالكذب فيه. وأَوْفَى أبلغُ من وَفَى كما أن أَسْقَى أبلغُ من سَقَى. والعهد هو (٢) حفظُ الشيء ومراعاتُه حالًا فحالًا، قال الخليل: أصلُه الاحتفاظ بالشيء وإجدادُ العهد به، وسمِّي الموثقُ عهدًا للُزوم مراعاته، يضاف إلى المعاهِد والمعاهَد وهاهنا أضيف إلى المفعول؛ أي: أوفوا بعهدي في أنْ لا تُؤْثِروا عليَّ غيري ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ في أنْ لا أمنع منكم خيري.

стр. 342

إيفاؤه تعالى بعهدهم: هو ترتيبُ إنجاز ما وعدهم على ذلك، وإنما سمَّاه عهدًا على سبيل المقابَلة، أبرزه في صورة المشروط الملتزَمِ به. وانجزامُ ﴿أُوفِ﴾ على جواب الأمر، وهل ضمِّن الأمرُ معنى الشرط فانجزم، أو نابت عن الشرط إذ حُذفت جملتُه؟ قولان. ويجوز أن تكون إضافتُه في الأول إلى الفاعل؛ أي: أوفوا بعهدي الذي قبلتُم يومَ الميثاق أُوفِ بعهدكم الذي ضمِنْتُ لكم يومَ التَّلَاق. وقيل: هو ما أُخذ عليهم من العهد في كتابهم بالإيمان برسولنا محمدٍ ﵇؛ قال الله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ من باب الإضمار على شريطة التفسير؛ كقولك: زيدًا رهبتُه، والفاءُ بتقدير الشرط؛ أي: وإياي ارهبوا إنْ كنتُم رهبتُم شيئًا فارهبون، وهو أوكدُ في إفادةِ التخصيص من ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لتكرار (١) الرهبة مضمَرةً ومظهَرةً، وإيقاعِها على المفعول مرَّتين مع التقدُّم في الأولى، وإخراجِ الكلام على الجملة الشرطية. والرهبةُ: خوفٌ مع تحرُّز واضطرابٍ، ولتضمُّنه الاحتراز اختيرت على الخوف؛ لأن المقام مقامُ الحثِّ على التحرُّز عن نقض العهد. وحُذف الياء من ﴿فَارْهَبُونِ﴾ لدلالة الكسرة عليه، وكونِ الفواصل كالقوافي.

стр. 343

(٤١) - ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾. ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ﴾؛ أي: بالقرآن الذي أنزلتُه على محمدٍ ﵇. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ من الكتب الإلهية، حيث نزل حسب ما نُعت فيها، حالٌ وذو الحال الضميرُ في ﴿أَنْزَلْتُ﴾، أو الموصولُ، ويحتمل أن تكون (ما) مصدرَّيةً، والتقدير: آمنوا بإنزال (١) مصدِّقًا لِمَا معكم. وفيه تنبيهٌ على أنه لا منافاةَ بين ما أتى به الأنبياءُ ﵈ من أصول العبادات، وإنَّما الاختلافُ بينهم في جزئيَّات الكلام وفروعِها كفاءَ ما يقضيه مصلحةُ كلِّ قوم وزمانٍ، فكلٌّ مصدِّقٌ للآخَر فيما أتى به، من حيث إنَّ كليات شرائعهم متساويةٌ وأن فروعَها حقٌّ بحسب الإضافة إلى زمانِ كلِّ واحد منهم وأمَّتهِ، حتى لو كان أحدهم في زمنٍ الآخَرُ لم يَرَ المصلحةَ إلا فيما أتَى به الآخَرُ. وأمَّا قوله ﵇: "لو كان موسى حيًّا لما وسعه إلا اتِّباعي" (٢) فليس وجهه هذا، بل كونُه ﵇ مبعوثًا لكافةِ الناس، فلا يَسَعُ مَن في زمنه كائنًا مَن كان إلا اتِّباعُه، بخلاف سائر الأنبياء ﵈. ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ لا مفهومَ هنا لقوله: ﴿أَوَّلَ﴾ فيكونَ قد أُبيح لهم ثانيًا أو آخِرًا، وإنما ذُكرت الأوَّلية (٣) لأنها أفحشُ؛ لِمَا فيها من الابتداء بالكفر، ولأنَّ المعنى: لا تكونوا أئمَّةً في الكفر، فيقتدي بكم أتباعُكم، فتكونوا حاملين لأوزارهم،

стр. 344

كما قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] فلا بدَّ من القيد المذكور لإفادته (١). وأُضيف إلى مفردٍ وإن كان قبلَه جمعٌ؛ لأن المفرد إذا كان صفةً جاز أن يطابقَ وأن يُفرَد، وقد جاء ذلك في قوله: وإذا هم طَعِموا فأَلْأَمُ طاعِمٍ … وإذا هم جاعوا فشرُّ جِيَاعِ (٢) أَفْرَدَ في (طاعِمٍ) وطابَقَ في (جِيَاعٍ)، وتأوَّله النحاةُ فقدَّره الفرَّاء: أَلْأمُ مَن طَعِمَ (٣)، وقدَّره غيرُه: أَلْأمُ فريقٍ طاعِمٍ. والضمير في ﴿بِهِ﴾ للمنزَل أو المنزَلِ عليه، ويجوز أن يكون لِمَا معهم، فإن فيه نعتَه، فالكفرُ به كفرٌ لِمَا يصدِّقه، وعلى هذا أيضًا لا يكون القيدُ المذكور على ظاهره؛ لأنَّ مشركي العربِ سبقوهم إليه. هذا بحَسَبِ جليلِ النظر، وأمَّا الذي بحَسَب دقيقِهِ: فهو أنَّه إنَّما وُجد الخبرُ عن ضمير الجمع؛ لأنَّ حكمهم (٤) - لتَسانُدهم واتفاقِهم على ديدنٍ (٥) واحد، واتِّحادِهم لذلك والأُلفةِ (٦) فيما بينهم - كان حكمًا واحدًا فكأنهم شخصٌ واحد، وعلى هذا وردَ قوله تعالى: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦].

стр. 345

و (أوَّلُ): أَفْعَلُ، ولا فعلَ له وزنُه أفعل (١)، وأصله: ووَّل، أو أَوْأَل، أو أَأْوَل (٢). ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ استُعير الاشتراءُ للاستبدال، والثمنُ القليل هو الرياسةُ التي كانت لهم في قومهم، فاستبدلوها (٣) بآياتِ الله لأنهم خافوا فواتَها لو آمنوا بمحمدٍ ﵇ وصدَّقوا بكتابه، وما أقلَّها بالنسبة إلى الحقِّ الذي كلُّ كثيرٍ بالنسبة إليه قليل، والهدى الذي كلُّ كبيرٍ بالنسبة إليه حقيرٌ، فكيف بالمتاعِ الدُّونِ اليسيرِ، فلا مفهومَ لقوله: ﴿قَلِيلًا﴾، بل فيه التنبيهُ على خساسةِ أنفسِهم إذ يبدِّلون الشيء العظيم في تحصيل الشيء الحقير. وإنما أُوثر الثمنُ على الشيء - مع أنه أبلغُ في التحقير - للتنبيهِ على أن الحظوظَ الدنيويَّة وسائلُ لا مقاصدُ، والنَّعْىِ على تعاكُس أحوالهم وأفعالهم، حيث جعلوا المثمَّن ثمنًا والثمن مثمَّنًا، وفي كلمةِ الباء والاستعارةِ السابقِ ذكرُها وجهُ تقويَةٍ لهذا المعنى. ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ باتِّباعِ الحقِّ والإعراضِ عن الباطل، فُصلت الآية الأولى بالرهبة لأن التحذير فيها عن الكفران ونقضِ العهد وهما من المعاصي، وهذه الآيةُ بالاتِّقاء - وهو فرطُ الصيانة - لأنَّ التحذير هنا عن الكفو عَقْدًا (٤) وعملًا.

стр. 346

ولك أنْ تقول: إنَّ التقوى فوقَ الرَّهبةِ، فحيثُ ما خاطَبَ العامَّةَ عالِمَهم ومقلِّدَهم، وحثَّهم على شكر النعمة التي يشتركون فيها، أمرهم بالرهبة التي هي من مبادئ التقوى، وحيث خاطَبَ العلماءَ منهم خاصةً وحثَّهم على مراعاة آياته والتنبيهِ على ما يأتي به أولو العزم من الرسل أمرهم بالتقوى التي هي منتهَى الطاعة. (٤٢) - ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ عطف على ما قبله، واللَّبْس والسَّتر أخَوان، وضدُّ السَّتر: الكشف، وضدُّ اللَّبس: الإيضاح. واللباسُ: ما واريتَ به جسدَك، ومن جملة أسبابه الخلطُ. وقد تقدَّم الكلام في الحق، وأمَّا الباطل فممَّا لا ثبات له عند الفحص عنه، والحقُّ يناقِضُه، وذلك عامٌّ في الاعتقاد والمقال والفعال. والباء صلةٌ معناها الإلصاقُ؛ أي: لا تخلطوا الحقَّ بالباطل بأنْ تكتبوا في التوراة ما ليس منها. أو للاستعانة؛ أي: لا تجعلوه ملتبِسًا بسببِ الباطل الذي تكتبونه، فلا نظر حينئذٍ إلى معنى الاختلاطِ كما لا نظر في الأوَّل إلى معنى الاشتباه. ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ بأنْ تقولوا: ليس وصفُ محمدٍ ﵇ أو هذا الحكمُ في التوراة، فليس المراد من الحقِّ في الموضعين شيئًا واحدًا. و (تكتموا) جزمٌ داخلٌ تحت حكم النهي، بمعنى: ولا تكتموا، أو منصوبٌ بإضمار (أنْ)، والواوُ بمعنى الجمع، وحقيقتُه: لا يكنْ منكم لبسُ الحق وكتمانُ الحق، والقصدُ إلى أن يَنعيَ عليهم سوءَ فعلهم الذي هو الجمعُ بين أمرين كلُّ واحدٍ منهما مستقِلٌّ بالقُبح ووجوبِ الانتهاء عنه.

стр. 347

ويجوز أن يكون المرادُ من (الحق) في الموضعين واحدًا، ويكون إعادة صريحِ الحق دون ضميره لأنهم يكرِّرون أسماء الأجناس والأعلام كثيرًا، ولا سيَّما إذا قصدوا التفخيم، صرَّح به الإمامُ المرزوقيُّ (١) والشيخُ عبدُ القاهر. وعلى ذلك وردَ قوله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥] وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]. وحينئذٍ يجوز أن يكون النهيُ عن الجمع؛ لأنَّ الخلط بالباطل قد يكون لترويج الحق وإسماعه، فإنَّ أسماع العوامِّ يَمُجُّون عن الحق الصرف لأنَّه مرٌّ، فخلطُ الباطلِ الحلوِ به لئلا يَنفرَ (٢) عنه طبع السامع ليس مما يُنكَر كلَّ الإنكار، فإنَّ الضرر اليسيرَ قد يُتحمل للنفع الكثير، ومثلُ هذه الرخصة ترغيبًا للمخاطَب إلى الاستماع من مقتضياتِ البلاغة ومُوجبات الخطابة (٣). ألَا ترى قولَه تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] كيف سُرد فيه المقال على إبهام الحال، وإظهارِ التردُّد فيه توسعةً لدائرة الاحتمال. وفي مصحف ابن مسعود ﵁: (وتكتمون) (٤)، وهو في موضع الرفع على حذف المبتدأ؛ أي: وأنتم تكتمون. ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ في محل النصب بالحال؛ أي: في حال عِلمكم بذلك وبقبحه، وإنما قيِّد به لأن الجهل ربما يُغتفرُ ويُجعلُ عذرًا، فعلى هذا يكون الحذفُ اختصارًا ورعايةً للفاصلة.

стр. 348

ويجوز أن يكون اقتصارًا؛ أي: وأنتم من ذوي العلم، ولا يناسبُ مَن كان عالمًا أنْ يكتم الحق وَيلْبِسه بالباطل، ففيه تعييرٌ لهم بأنهم يفعلون فعلَ الجهلاء، وتذكيرٌ لِمَا فيهم من صفة العلم، وحثٌّ على العمل بمقتضاه، وذلك أَدْخلُ في قبول الحقِّ وإسماعِه من التَّقريعات الشديدة. (٤٣) - ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ التعريفُ فيهما للعهدِ والإشارةِ إلى الصلاة المعلومةِ والزكاةِ المعيَّنة، أو للجنس كقولهم: هو الرجل، كأنَّ ما عدا صلاةَ المسلمين ليس بصلاةٍ وكذا الزكاةُ؛ لكونهما منه (١) غيرَ مقبولَين. والزكاةُ مِن زَكَى الزرعُ؛ أي: نمى، فإنها تُنمِّي المالَ باستجلابِ بركةِ الله تعالى. أَمَرهم بفروع الإيمان بَعْدَما أمرهم بأصوله، فيَحْتمِلُ أن يكون الأمرُ الثاني مشروطًا بالامتثال بالأول، فلا تكون الآيةُ حجةً على المنكِرين؛ لكونِ الكفار مخاطَبين بالفروع. ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾؛ أي: في جماعتهم، فإن صلاة الجماعة تفضُل صلاةَ الفذِّ بسبعٍ وعشرين درجةً؛ لِمَا فيها من فضيلةِ المشقَّةِ وفضيلةِ الانتظار، وقد تَقرَّرَ في موضعه أنَّ مَن أدركَ الإمامَ في الركوع فقد أَدْركَ فضيلةَ (٢) الجماعة، والإدراكُ فيما قبله ليس بشرطٍ، ولا عبرةَ للإدراك فيما بعده، وهذا هو السرُّ في تخصيص الركوع بالذكر وإيثارِ عبارة ﴿مَعَ﴾ على عبارة: في.

стр. 349

وأمَّا الاحترازُ عن صلاة اليهود فلا حاجة إليه بعدما أُريد من الصلاة فيما تقدَّم صلاةُ المسلمين. وأصل الركوع: الانحناءُ، قال صاحب "العين": كلُّ شيءٍ يَنكبُّ لوجهه فتمسُّ ركبته الأرض أو لا تمسُّ بعد أن يطأطئ رأسه فهو راكعٌ (١). (٤٤) - ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ اعتراض، والبِرُّ: التوسُّعُ في أفعالِ الخير، واشتقاقُه من البَرِّ الذي هو الفضاءُ الواسع، ويتناولُ كلَّ معروف. ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ وتتركونها من البِرِّ، والنسيانُ يجيء بمعنى التركِ، ومنه: النِّسيُ، وهو ما يسقط في منازل المرتحلينَ من رُذالِ أمتعتهم. والهمزةُ للتقرير، معناه: أن الأمر الذي ورد عليه الاستفهام مكشوفٌ لا يمكن للمخاطَب إنكارُه فإنه (٢) مُلجئٌ إلى الإقرار، والتعجيبِ (٣) من حالهم، والتوبيخِ على الجمع بين الأمر بالبِر وتركه في حق أنفسهم؛ رُوي أنها نزلت في أحبارِ اليهود، كانوا يأمرون سرًّا مَن نصحوه [باتِّباع محمدٍ ﷺ ] ولا يتَّبعونه (٤). ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ يعني: التوراةَ، تبكيتٌ بالحجَّة كقوله ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾،

стр. 350

وفي عبار التلاوةِ إشارةٌ إلى وضوح ما في التوراة من النهي عن هذا الوصفِ الذميم، بحيث يقف عليه كلُّ مَن يتلوه من أهل اللسان. والتلاوة: إتْباعٌ اللفظِ اللفظَ، سواءٌ تُدُبِّر المعنى أو لا. وفي الآية التحريضُ على تقديم العمل على القول، والوعيدُ على مخالفةِ القول العملَ، والنَّعْيُ على مَن يَعِظُ الغيرَ ولا يَعِظُ نفسَه. وكان المنكَرُ تركَهم أنفسَهم لا أمرَهم غيرَهم بالمعروف، إلا أنه بدأ بالتوبيخ به إيماءً إلى أن ذلك التركَ بلَغ في الشناعة غايةً خرج ما يقارنُه من الفعل المندوبِ إلى مَعرِض المستنكَر، وفيه من المبالغة في الإنكار على سوء صنيعهم ما لا يَخفى. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ توبيخ عظيمٌ بالهمزةِ وتوسيطِ الفاء؛ أي: أتفعلون ذلك فلا تعقلون، كأنكم مسلوبو العقولِ فلا تَفْطَنون لقبح ما ترتكبون فتنتهون. والعقل أصله: المنع الشديد، ومنه: عقل البعير؛ لمنْعه إياه من الشرود، ومنه: العقل للدِّيَة لأنها تمنعُ وليَّ المقتول عن قتل الجاني. وفي إيثار نفي العقل على نفي العلم نوعُ تأييدٍ لِمَا قدَّمناه، يعني: أن المحتاج في إداركه عند التلاوة إنما هو العقلُ الجِبِلِّيُّ لا الإدراكُ المكتسَبُ، ولا دلالةَ فيه على أنَّ قُبح هذه الأشياءِ عقليٌّ، بل دلالةٌ على أنه شرعيٌّ، حيث رتَّب التوبيخَ على ما صدر عنهم بعد تلاوة الكتاب. والفاءُ للعطف، كان الأصل تقديمَها، لكنَّ الهمزة لها صدرُ الكلام فتقدَّمت على الفاء، وحكم الواو و (ثمَّ) في نحو: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الروم: ٩] و ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾ [يونس: ٥١] حكمُ الفاء.

стр. 351

(٤٥) - ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾. ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾؛ أي: اطلبوا المعونة في دفع المكاره وجلبِ المنافع، فالاختصار للتعميم. ﴿بِالصَّبْرِ﴾ وهو حبسُ النفس، وقدِّمت الاستعانةُ بالصبر لتقدُّم تكاليفَ عظيمةٍ يَشُقُ التزامُها على مَن يألَفُها. ﴿وَالصَّلَاةِ﴾ كان رسول الله ﷺ إذا حزَبه (١) أمر فزع إلى الصلاة، وهي أرفعُ منزلةً من الصَّبر؛ لأنها تجمع ضُروبًا من الصبر؛ إذ هي حبسُ الحواسِّ على العبادةِ، وحبسُ الخواطر والأفكار على الطاعة. بل نقولُ: الأمر بالصبر تمهيدٌ للأمر بالصلاة؛ فإنَّ مرجع الجمعِ بينهما أن يصلُّوا صابرينَ على تكاليف الصلاة، محتمِلينَ لمشاقِّها وما يجبُ فيها من إخلاصِ القلب بدفعِ الوسواس ومُراعاةِ الآداب، ولهذا قال: ﴿وَإِنَّهَا﴾ وخصَّها بردِّ الضمير إليها دون (الصبر)، ولولا ذكرُ الصبرِ تمهيدًا لكان حقَّ (الصلاةِ) أن يعادَ فيها حرفُ الباء الدالَّةِ إعادتُها على الأصالة، والجملةُ اعتراضيَّةٌ. وقيل: الصبر: الصوم؛ لأنَّه حبسٌ عن المفطِّرات، ومنه قيل: شهرُ رمضان شهرُ الصبر، وعلى هذا ردُّ الضميرِ إلى (الصلاة) ليس بطريقِ التخصيص، بل بطريقِ الاكتفاء بالأعمِّ أو الأقدم؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤] وقولهِ تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا

стр. 352

إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] فإن الكناية في أحدهما (١) ردّ إلى الفضة لأنها الأغلبُ والأعمّ، وفي الآخرِ إلى التجارة لأنها أفضلُ وأهمّ. ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ من كبُر بمعنى عظُم، تمثيل وتصوير لمعنى ثقلِها وكونِها شاقَّةً على غير الخاشعين، لا من كبُر بمعنى ثقُل وشَقَّ حقيقةً أو مجازًا. ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ يعني: لا تهونُ على أحد إلا على الخاشعين؛ لأنَّه استثناءٌ مفرَّغٌ من كلامٍ موجَبٍ، فلا بد من تأويل النفي. والخشوع هيئةٌ في النفس يظهرُ منها في الجوارح سكونٌ وتواضعٌ، وفيه إشارةٌ إلى أن الصلاة التي تَخِفُّ على غير الخاشع مسماةٌ باسمها وليست هي في حكمِها. فإن قيل: هلَّا يلزمُ أن يكون ثوابُ غيرِ الخاشع أكثرَ؛ لِمَا جاء في الخبر: أن أكثر الأعمال ثوابًا أشقُّها (٢). قلنا: لا يلزمُ ذلك؛ لأن مفهوم الخبر: أنَّ الأعمال المتساوية في اشتمالِ الأركان والشرائطِ وسائرِ ما يجبُ رعايتُه أو يستحبُّ أكثرُها (٣) أشقُّها. (٤٦) - ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ لمَّا كانت الملاقاةُ متعذِّرةَ الحملِ على الحقيقة

стр. 353

جُعلت كنايةً عن رؤيته تعالى، وهو الوجهُ فيما يُروى في الأخبار: "لقيَ اللهَ تعالى وهو عليه غضبانُ" (١). والظنُّ بمعنى العلم، ويعضدُه أنَّ في مصحفِ ابن مسعود ﵁: (يعلمون) (٢)، ولا يُصار إلى التضمين إلا عند قيام القرينة اللفظية، وهي ذكر ما يتعلق بالمضمَّن، وهي مفقودةٌ هنا (٣). وفي عبارة الظن إشارة إلى أنه يكفي في حصول الخشوع الذي يزول به ثقل الصلاة أدنى مراتب الاعتقاد بملاقاته تعالى. وقيل: المراد: ملاقاةُ (٤) ثوابه، وحينئذ يكون الظنُّ بمعنى التوقُّع؛ لأنَّه وإنْ عَلِم أنه لا بد من ثوابٍ أو عقابٍ، لكنْ من أين يَعلم ما يُختم به عملُه، فلا بد مِن صرفِ الظن عن معنى العلم إلى معنى التوقُّع اللازم له. ويأباه قولُه: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى مشهدِ حكومتهِ يومَ العرض والسؤال ﴿رَاجِعُونَ﴾ إذ لا يناسبه معنى التوقُّع، وتقديرُ عامل آخرَ له خلافُ الظاهر. وإنما ثقُل على غيرهم لأنهم لم يعتقدوا بالجزاء (٥)، ولم يرجوا الثوابَ، فكانت في حقهم مشقةً خالصةً، ولم تثقل عليهم لأنهم اعتقدوا بلقاء (٦) الجزاء، وتوقَّعوا ما ادَّخر للصابرين على متاعها، فزاولوها برغبةٍ ونشاط وانشراح صدرٍ،

стр. 354

واستلذُّوا بها، ومن ثَمَّةَ قال رسول الله ﷺ : "وجُعلتْ قرَّةُ عيني في الصَّلاة" (١). (٤٧) - ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ تكريرٌ تمهيدًا لتذكير نعمة التفضيل، وقد جاء تفصيلها في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠]، وذكرُ تلك النعمة على الآباء إلزامُ الشكر على الأبناء؛ لأنهم يَشْرُفون بشَرَفهم، ولذلك قال: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ ولم يقل: فضَّلت آباءكم. والفضل: الزيادة في الخير، والجملة في محلِّ النصب معطوفةٌ على معنى ما تقدم؛ أي: أنِّي أنعمتُ عليكم وأنِّي فضَّلتكم. ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ الظاهرُ هو الاستغراق، وقد خرج إلى حيِّز النصِّ بقوله: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠] ولا حاجةَ إلى الصرف إلى الاستغراق العُرفيِّ بقرينةِ أن المتبادِر من الموجود المعتبر في مفهوم العالم الموجودُ (٢) بالفعل؛ لعدم الدلالة فيه على التفضيل من كلِّ جهةٍ عمومًا، ولا من جهة القُرْب والمكانة عند الله تعالى خصوصًا، ولذلك لم يكن فيه متمسكٌ لمن فضَّل البشر على الملك.

стр. 355

(٤٨) - ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ يريد يوم القيامة، وعظَّمه بالتنكير، ثم بالتوصيف، والمقصود: بيان كون ذلك معيارًا للمخاوف بحيث لا يكون آنٌ من آنائه خاليًا عن الخوف، وهذا يجعل نفسَ اليوم مَخوفًا لا ما (١) فيه. ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾؛ أي: لا تقضي نفسٌ ما من النفوس عن نفسٍ - أيِّ نفسٍ كانت - حقًّا من الحقوق، و ﴿شَيْئًا﴾ مفعول به، ويجوز أن يكون في موضع المصدر؛ أي: قليلًا من الجزاء، وعلى قراءةِ: (لا تُجْزِئُ) (٢) من أَجْزأَ عنه: إذا أَغْنَى عنه، لا يكون إلا بمعنى: شيئًا من الإجزاء. والجملةُ في محل النصب صفة لـ ﴿يَوْمًا﴾ والعائد محذوفٌ؛ أي: لا تجزي فيه، وهل الحذف بتدريج، أم حذفٌ برمَّته ابتداءً؟ قولان. ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ أي (٣): أيَّةُ شفاعة كانت، والضمير في ﴿مِنْهَا﴾ راجعٌ إلى النفس الثانية العاصية، أي: إن جاءت بشفاعةِ شفيعٍ لم يقبل منها، ويجوز أن يرجع إلى الأولى؛ أي: لا تجزي منها شيئًا وإن شفعت لها لا يقبل، وقِسْ على هذا قولَه: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ والعدل: الفديةُ؛ لأنها تعادل المَفديَّ، والشفاعةُ من الشَّفع، كأن الجانيَ كان فردًا فجعله الشفيعُ شفعًا بضم نفسه إليه.
следующие страницы →