← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

(٦٨) - ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾. ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ﴾ ممَّا توهَّمْتَ، صيغة النَّهي للتَّشجيع وتقوية القلب، لا للنَّهي عن الخوف المذكور؛ لأنَّه ليس أمرًا اختياريًّا. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ تعليلٌ لِمَا قُصِدَ بصيغة النَّهي، وتقريرٌ لغلبته، مؤكَّدًا بالاستئناف، وحرفِ التَّحقيق، وتكريرِ الضَّمير، ولفظِ العلوِّ الدَّال على الغلبة الظَّاهرة، وصيغةِ التَّفضيل، ولامِ التَّعريف. و ﴿الْأَعْلَى﴾ لمجرَّد الزِّيادة؛ لأنَّه لم يكن للسَّحرة علوٌّ حتى يكون هو أعلى منهم (١)، لا بمعنى العالي، كقول الشاعر: تمنَّى أناسٌ أنْ أموتَ وإنْ (٢) أَمُتْ … فتلكَ طريقٌ لسْتُ فيها بأوحد (٣) أي: بوحيد. * * * (٦٩) - ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾. ﴿وَأَلْقِ﴾ عطف على محذوفٍ دلَّ عليه سياقُ الكلام، تقريره: أثبت (٤) في مقام الإقدام وألقِ، فالواو فصيحةٌ. ﴿مَا﴾ أبهم هنا، وعيَّن في سورة الأعراف حيث قال: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾، ومَن

стр. 2907

غفل عنه زعم (١) أن الإبهام للتَّحقير أو للتَّعظيم، وإنما قال: ﴿فِي يَمِينِكَ﴾ ولم يقل: في يدك؛ لما في لفظ اليمين من معنى اليُمن والبركة. ﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾؛ أي: تأخذْ ما زوَّروه بفيها ابتلاعًا، وأصله: تتلقَّف، فحذفت إحدى التَّاءين، وتاء المضارعة تحتمل التَّأنيث والخطاب على إسناد الفعل إلى المسبِّب. وقرئ بالرَّفع (٢) على الحال أو الاستئناف، وبالجزم والتَّخفيف (٣) على أنَّه مِن لقفتُه بمعنى تلقَّفته، وبتشديد التاء (٤). ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا﴾؛ أي: الذي زوَّروا وافتعلوا. ﴿كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ بالرَّفع على أنَّ (ما) موصولة، والنَّصب على أنَّها كافَّة، وهو مفعول ﴿صَنَعُوا﴾. وقرئ: ﴿سَاحِرٍ﴾ (٥) بمعنى: ذي سحر (٦)، أو بإطلاق السِّحر على السَّاحر مبالغةً، أو بإضافة الكيد إلى السِّحر للبيان، كقولهم: علم (٧) فقه.

стр. 2908

وإنَّما (١) وحَّد السَّاحر لأنَّ المراد به الجنس، والتَّنكيرُ للتَّحقير، لا لتنكير المضاف؛ لأنَّ المقصود من تنكيره حاصل بالإضافة. ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ أي: لا فلاح لهذا الجنس، وقال في موضع آخر: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾ [يونس: ٧٧]؛ أي: لا يغني جمعُهم، ولا تجدي كثرتهم، وله أيضًا وجه. ﴿حَيْثُ أَتَى﴾ بسحره (٢). * * * (٧٠) - ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾. ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ اقتَصر هنا (٣) على حاشيتي القصَّة؛ اكتفاءً بما هو المقصود، وقد أتى بنوع تفصيل في (سورة الأعراف)، فالفاء فصيحة. ﴿سُجَّدًا﴾ للهِ توبةً عمَّا صنعوا وتعظيمًا لِمَا رأوا. قال الأخفش: مِن سرعة ما سجدوا كأنَّهم أُلقوا (٤). فما أعجبَ أمرُهم، قد ألقوا حبالهم وعصيَّهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشُّكر والسُّجود، فما أعظم الفرقَ بينَ الإلقائَيْن! روي أنَّهم رأوا الجنَّة ومنازلهم فيها في السُّجود فرفعوا رؤوسهم ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ قدِّم موسى ﵇ في الأعراف لأصالته في الرِّسالة والدَّعوة، وأخِّر هاهنا لا لكبر سنِّ هارون ﵇؛ لأنَّه لا (٥) يعارض وجهَ تقديم موسى

стр. 2909

﵇ المناسبِ للمقام رعايتُه (١)، ولا لأنَّ فرعون ربَّى موسى ﵇ في صغره، فلو قُدّمَ لتُوُهِّم أنَّ المراد فرعون، وذكر هارون على سبيل (٢) الاستتباع لأنَّ المقام لا يتحمَّله، كيف وقد سجدوا تعظيمًا لِمَا رأوا من موسى؟ وأيضًا تقديمه في موضع آخر صريح في أنَّه ليس في التَّرتيب نكتة معنويَّة = بل لمحافظة الفاصلة، والواو لا توجب التَّرتيب. * * * (٧١) - ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾. ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ﴾ أي: بالله لأجله ودعوته، وقرئ على الاستفهام للإنكار (٣). ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ في الإيمان له. ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ لعظيمكم في فنِّكم ﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وأنتم تواطأتم على ما فعلْتُم. ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ قد سبق تفسيره في سورة الأعراف. ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ شبِّه تمكُّن المصلوب في الجذع بتمكُّن المظروف في الظَّرف، فاستعير ﴿فِي﴾ لتصوير (٤) الاستقرار، وخصَّ النَّخل لطول جذوعها، والمراد تشهيرُ العقوبةِ.

стр. 2910

﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا﴾ أنا على إيمانكم بربِّ موسى، أو هو (١) على ترك الإيمان به؟ وقيل: يريد نفسه وموسى ﵇، لقوله: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾، نفاجة منه (٢) وفخر باقتداره وقهره، وتوضيع واستضعاف لموسى ﵇ واستهزاء به؛ لأنَّه لم يكن من التَّعذيب في شيءٍ قطُّ. قيل: اللَّام مع الإيمان في كتاب الله تعالى لغير الله (٣)، والحقُّ أنَّها للتَّعليل ليس بصلة للإيمان، ولا دلالة في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ على ذلك؛ إذ معناه: ويصدر عنه الإيمان لأجل المؤمنين وموافقتهم ودعوتهم، وإلَّا لقيل: يؤمن بالله وللمؤمنين. ﴿وَأَبْقَى﴾: أدومُ عذابًا وعقابًا. * * * (٧٢) - ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾. ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾: لن نختارك ﴿عَلَى مَا جَاءَنَا﴾ موسى ﵇ به ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾: المعجزات الواضحات. ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ عطف على ﴿مَا جَاءَنَا﴾، أو قسم.

стр. 2911

﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾: ما أنت قاضيهِ؛ أي: صانعُه أو حاكمه. ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ نصب على الظَّرف، وقرئ: (تُقْضَى) على البناء للمفعول ورفع (الحياةُ) (١)، كقولهم: صِيْمَ يومُ الجمعة، بالإسناد إلى الظَّرف، كالتَّعليل لِمَا قبلَه، والتَّمهيد لِمَا بعدَه من الاستئناف، أي: تصنع ما تهواه، أو تحكم ما تراه في هذه الحياة الدُّنيا السَّريعة الزَّوال، ونحن نطلب بالإيمان الغفرانَ والثَّواب السَّرمديَّ، فهو علينا هين. * * * (٧٣) - ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾ من الكفر والمعاصي. ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾: مِن تعلُّمه، روي أن رؤوس السَّحرة كانوا اثنين وسبعين، اثنان من القبط، والباقون من السِّبط، وكان فرعون أكرههم على تعلُّم السِّحر. وقيل: من العمل به في معارضة المعجزة، لِمَا روي أنَّهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائمًا، ففعلَ، فوجدوه تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر؛ لأنَّ السَّاحر إذا نام بطل سحرُه، فأبى إلَّا (٢) أن يعارضوه (٣). ويردُّه قوله تعالى: ﴿قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء: ٤١]، فإنَّه ظاهر في

стр. 2912

الرِّضا، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤]، فإنَّ الظَّاهر منه (١) عدمُ علمهم بشأن موسى ﵇. ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ جزاءً، أو ﴿خَيْرٌ﴾ ثوابًا ﴿وَأَبْقَى﴾ عذابًا. * * * (٧٤) - ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾. ﴿إِنَّهُ﴾: إنَّ (٢) الأمر ﴿مُجْرِمًا﴾ بالموت على الكفر والعصيان. ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا﴾ فيستريحَ بالموت ﴿وَلَا يَحْيَى﴾ حياةً ينتفع بها، وهو كالمثل فيما هو من شدَّة الحال التي يتمنَّى فيها الموت. * * * (٧٥) - ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾. ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ بأن مات على إيمانه ﴿قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ في الدُّنيا بعد الإيمان. ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾: جمع العُلْيا؛ أي: المنازلُ الرَّفيعة. وأمَّا إيثار الجمع هنا والإفراد في مقابِله فللإشارة إلى ما ذُكِرَ في موضعه مِن أنَّ كلًّا من الكفرة يُعذَّبُ منفردًا عن الآخر زيادةَ في عذابهم بألم الوحشة، وأنَّ المؤمنين يتنعَّمون على سررٍ متقابلين، زيادةً في لذَّاتهم بسرورِ (٣) الأُنْسِ. * * *

стр. 2913

(٧٦) - ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾. ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بدل من ﴿الدَّرَجَاتُ﴾. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حال، والعامل فيها معنى الإشارة أو الاستقرار. ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ تطهَّر من الكفر وأدناس الذُّنوب. والآياتُ الثلاث الأخيرة تحتمِل أن تكون من كلام السَّحرة، وأن تكون ابتداءَ كلامٍ من الله تعالى. * * * (٧٧) - ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾. ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ لَمَّا أرادَ الله تعالى إهلاك فرعون وقومه أمرَ موسى ﵇ أن يخرج بهم من مصر ليلًا ويأخذَ (١) بهم طريق البحر، فمعنى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ﴾: فاجعل لهم، من قولهم: ضرب له سهمًا في ماله (٢)، أو: فاتَّخِذ، مِن ضَرَبَ اللَّبِنَ: إذا عمله. والإضافة في ﴿بِعِبَادِي﴾ للتَّشريف. ﴿طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾: يابسًا، مصدر وصف به، يُقال: يبس يَبَسًا ويُبْسًا، كالعَدَم والعُدْم، ولذلك وُصِفَ به المؤنَّث، فقيل: شاةٌ يَبَسٌ وناقةٌ يَبَسٌ: إذا جفَّ لبنُها.

стр. 2914

وقرئ: (يابسًا) (١). و: (يَبْسًا) بالسكون (٢)، وهو إمَّا تخفيفُ يَبَسٍ، أو وصفٌ على فَعْلٍ، كصَعْب وجَلْد، أو جمع يابس - كصاحب وصَحْب - وصف به الواحد مبالغةً، أو لتعدُّده معنًى، فإنَّه جَعَلَ لكلِّ سِبْطٍ منهم طريقًا. ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ حال من الضَّمير في ﴿فَاضْرِبْ﴾ أي: آمنًا مِن أنْ يدرككم العدو، أو صفة ثانية للطَّريق، والعائد محذوف؛ أي: لا تخاف فيه. والدَّرَكُ والدَّرْكُ اسمان من الإدراك. وقرئ: ﴿لَا تَخَفْ﴾ (٣) على جواب الأمر. ﴿وَلَا تَخْشَى﴾ استئناف؛ أي: فأنت لا تخشى، بمعنى: ومن شأنك أنَّك لا تخشى، أو عطف عليه والألف فيه للإطلاق (٤)، كقوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠]، أو حال بالواو، والمعنى: لا تخشى الغرق. * * * (٧٨) - ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾. ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ ﴿فَأَتْبَعَهُمْ﴾ بمعنى: فاتَّبعهم، يرشدك إليه القراءةُ به (٥)؛ أي: فأدركهم مع جنوده؛ أي: كاد أن يلحقهم (٦).

стр. 2915

قال ابن السِّكِّيت: يقال: أتبعْتُ القوم: إذا كانوا قد سبقوك فلحقتَهم (١)، فهو من المتعدِّي إلى مفعولٍ واحدٍ، لا إلى مفعولَيْن كما توهَّم مَن قال: فأتبعهم فرعونُ نفسَه ومعه جنوده (٢). وأمَّا ما قيل: الباء مزيدة، والمعنى: فأتبعهم فرعون جنودَه. فمبناه الغفول عن قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾، ثمَّ إنَّ فيه إيهام عدم اتِّباع فرعون بنفسه. ﴿فَغَشِيَهُمْ﴾ الضَّمير له ولجنوده معًا. ﴿مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ الإبهام للتَّعظيم والمبالغةِ في التَّهويل مع الإيجاز؛ أي: ما (٣) لا يمكن وصفه ولا يَعلم كُنْهَهُ إلَّا الله تعالى. وقرئ: (فَغَشَّاهم) من التَّغشية، وهي التَّغطية، والفاعل: (ما غَشَّاهم) (٤) (٥). * * * (٧٩) - ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾. ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾: عدلَ بهم عن سبيل الرَّشاد.

стр. 2916

﴿وَمَا هَدَى﴾؛ أي: ما هداهم إلى الحقِّ، وكان ردًّا لقوله: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩]، وليس هذا من باب التَّهكم. * * * (٨٠) - ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾. ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ خطابٌ لهم بعد إنجائهم من البحر وإهلاك فرعون وقومه، على إضمار: (قلنا)، أو للذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ امتنانًا عليهم بما فُعِلَ بآبائهم. ﴿قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ فرعون ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ﴾ بإيتاء الكتاب ﴿جَانِبَ الطُّورِ﴾ وذلك أنَّه تعالى وعد موسى ﵇ أن يأتي هذا المكان ويختار سبعينَ رجلًا يحضرون معه لنزول التَّوراة، وإنما نَسب إليهم المواعدة لأنها كانت لنبيِّهم ونقبائهم، وإليهم رجعَتْ منافعُها التي قام بها شرعُهم ودينُهم. ﴿الْأَيْمَنَ﴾ نصب لأنَّه صفة ﴿جَانِبَ﴾، وقرئ بالجرِّ (١)، لا على الجوار؛ لأنَّه شاذٌّ، بل على أنَّه نعت للطُّور؛ لِمَا فيه من اليُمن. ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ فيه، وقلنا لكم: (٨١) - ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾. ﴿كُلُوا﴾ إذن لمطلَقِ التَّصرُّف، وتخصيص الأكل بالذِّكْرِ لشدَّة الحاجة إليه. ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ حلالات أو لذائذ.

стр. 2917

﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾؛ أي: في أكله بالتَّعدي إلى ما لا يحلُّ أكلُه، والإخلالِ بشكره، أو بالتَّلهي والإسراف والبَطَر والمنع عن (١) المستحِقِّ. ﴿فَيَحِلَّ﴾ بالكسر بمعنى الوجوب، مِنْ حَلَّ الدَّين: إذا وجب أداؤه، وبالضَّم (٢) بمعنى النُّزول. ﴿عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾: عذابي وعقوبتي ولذلك وصف بالنزول صريحًا أو كناية. ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾: سقطَ سقوطًا لا نهوضَ بعدَه؛ أي: هلك، وأصله: أن يسقط من جبل أو نحوه فيَهْلِكَ (٣). وقيل: وقع في الهاوية. * * * (٨٢) - ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾. ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ عن الكفر ﴿وَآمَنَ﴾ بما يجب التَّصديق به. ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ ﴿ثُمَّ﴾ مستعار للتَّراخي الرُّتْبي؛ لأنَّ المراد بالاهتداء: الاستقامة والثَّبات على الهدى المذكور من التَّوبة والإيمان والعمل الصالح. * * * (٨٣) - ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى﴾. ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ﴾ العَجَلةُ: طلبُ الشَّيء وتحرِّيه قبلَ أوانه، وهي من مقتضى

стр. 2918

الشَّهوات، فلذلكَ صارَتْ مذمومةُ في عامَّة القرآن، حتى قيل: إنَّ (١) العجلة من الشيطان (٢). ﴿عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى﴾؛ أي: أيُّ شيءٍ عجَّلك (٣) عنهم. وذلك أنَّ موسى ﵇ قد مضى مع النُّقباء إلى الطُّور على الموعد المضروب، فلمَّا دنا منه تقدَّمهم شوقًا إلى مكالمة ربِّه وتنجيز موعده، بناءً على اجتهاده، وظنِّه أنَّه أقرب إلى رضاء الله تعالى، فالقوم الذين (٤) عجَّل عنهم هم النُّقباء، والمفتونون هم الذين خلَّفهم مع هارون ﵇. وهو سؤالٌ عن سبب العَجَلة عن قومه على سبيل الإنكار؛ لأنها رذيلة في نفسها مقتضيةٌ لإهمال القوم، وإيهامِ التَّعظُّم عليهم، فلذلك أجاب عن الأمرَيْن، وقدَّم جواب الأمر الثَّاني الذي هو إغفال القوم بما فيه بسطُ العذر وتمهيدُ العلَّة؛ لأنَّه أهمُّ. هذا ما قالوا، وعندي: أن تعدية (أعجل) بـ (عن) لتضمين معنى الانقطاع والانفصال، كأنَّه قيل: ما الحامل على انفصالك عن (٥) قومك مستعجلًا؟ فكان أصل السُّؤال في المعنى عن الانفصال عن قومه، وإن كان في اللَّفظ عن العجلة، فقدَّم جوابه اعتبارًا للمعنى، كما هو الأصل. * * * (٨٤) - ﴿قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾.

стр. 2919

﴿قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾، أي: على خلفي، ما تقدَّمتُهم إلَّا بخطًى يسيرة لا يُعتدُّ بها عادةً. وقرئ بالكسر وبالضَّم (١)، والأُثْر بالضَّم بمعنى الأثر غريب، وبمعنى فِرِند السيف مرويٌّ، وجاز أن يكون مجازًا عنه (٢). ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ فإنَّ المسارعة إلى امتثال الأمر تستوجب الرِّضا، يعني: إنَّ العجلة وإن كانت مذمومةً، فالذي دعاني إليها - وهو طلب الرِّضا منك - محمودٌ. * * * (٨٥) - ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾. ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا﴾: ابتلينا ﴿قَوْمَكَ﴾؛ يعني: بعبادة العجل. ﴿مِنْ بَعْدِكَ﴾: من بعد خروجك من بينهم، ففي زيادته (٣) تعيينُ أنَّ المراد من هذا القومِ غيرُ المراد مِنَ الأوَّل، فالفاء (٤) لترتيب مدخوله على مدلول ما تقدَّم من بيان زيادة حرصه ﵇ على المناجاة، وكمالِ شوقه للمكالمة مع ربِّه، وما يلزمها من الغفلة عن حال قومه، فكأنَّه قال: لا تتوغَّل فيما كنْتَ فيه، ولا تغفل عمَّا وراءك، فإنَّا قد فتنَّاهم. ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ بدعائه إيَّاهم (٥) إلى عبادة العجل بعد ذهاب موسى ﵇ إلى الميقات، وقد مرَّ التَّفصيل في سورة الأعراف. وهو منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لهم: السَّامرة، وقيل غيرُ ذلك.

стр. 2920

وقرئ: (أضلُّهم) (١)؛ أي: أشدُّهم ضلالًا؛ لأنَّه كان ضالًّا مضلًّا. (٨٦) - ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾. ﴿فَرَجَعَ مُوسَى﴾ بعدما استوفى الأربعين، وأخذ التَّوراة ﴿إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ﴾ عليهم ﴿أَسِفًا﴾: حزينًا بما فعلوا. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾: وعدهم الله تعالى أن يعطيَهم التَّوراة التي فيها هدًى ونور، ولا وعدَ أحسنُ من ذلك. ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾؛ أي: تأخَّر الموعود فطال عليكم الزَّمان؛ يعني: زمانَ مفارقته لهم. ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ﴾: يجبَ عليكم ﴿غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: أردتُم أن تفعلوا فعلًا يستوجب الغضب. ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ وَعَدوه أن يقيموا على أمرِه وما تركهم عليه من الثَّبات على الإيمان، فأخلفوا موعدَه باتِّخاذ العجل. * * * (٨٧) - ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾. ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾: بأنْ مَلَكْنا أمرَنا؛ أي: لو مَلَكْنا (٢) أمرنا وخُلِّينا وراءنا لَمَا أَخْلَفناه، ولكن غُلِبنا من جهة السَّامري وكيده. وقرئ: ﴿مَلكنا﴾ بالفتح وبالضَّم (٣)، والكلُّ في الأصل لغاتٌ مِنْ مَلَكْت الشَّيء.

стр. 2921

﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ أثقالًا من حُليِّ القبط، أو (١) أراد بالأوزار أنَّها آثام وتَبِعات؛ لأنَّهم قد استعاروها ليلةَ الخروج من مصر لعلَّة (٢) أنَّ لنا عيدًا غدًا، فقال السَّامريُّ: إنَّما حُبِسَ ﵇ لشؤم حرمتها؛ لأنهم كانوا معهم في حكم المستأمنين في دار الحرب، على أنَّ الغنائم لم تكن تحلُّ حينئذ، فأحرقوها، فخبَّأ السَّامريُّ في صفرة النَّار قالَبَ عجلٍ، فانصاغت عجلًا. ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ في نار السَّامريِّ الذي أوقدها في الحفرة وأمرهم أن يطرحوا فيها الحليَّ. ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾؛ أي: ما معه من الحليِّ في النَّار، أو ما معه من التُّراب الذي أخذه من أثر حافر فرس جبريل ﵇، ويعضد هذا العدول عن القذف المعتَبرِ في مفهومه (٣) صلابةُ المرميِّ والبعدُ، والكاف تتعلَّق بـ ﴿أَلْقَى﴾؛ أي: مثلَ ما قذفناها ألقى السَّامريُّ، فهو صفة مصدرٍ محذوفٍ، تقديره: ألقى إلقاءً مثلَ إلقائنا. * * * (٨٨) - ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾. ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ﴾ السَّامريُّ من الحفرة ﴿عِجْلًا﴾ خلقَه اللهُ تعالى من الحليِّ التي سَبكَتْها النَّار ابتلاءً. لا يُقال: لِمَ خلقَ اللهُ تعالى العجلَ من الحليِّ حتَّى صارَ فتنةً لبني إسرائيل

стр. 2922

وضلالًا؛ لأنَّ اللهَ تعالى تعبَّدنا بالبحث عن علل أحكامه، لا عن علل أفعاله، وحتَّمَ (١) ذلك بقوله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. ﴿جَسَدًا﴾ بدل من ﴿عِجْلًا﴾ للتَّنبيه (٢) على أنَّه لم يكن ذا روح، ولذلك وصفه بقوله: ﴿لَهُ خُوَارٌ﴾: صوت العجل، فإنَّه لو كان ذا روح لكان الخوار من شأنه، فلا يُجدي توصيفه به، كما لا يجدي توصيفُ الإنسان بالضَّاحك. ﴿فَقَالُوا﴾؛ أي: السَّامريُّ ومَن تابعه وافتُتن به أوَّلَ مرَّة. ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾، أي: فنسيَه موسى هنا، وذهب يطلبه عند الطُّور، أو فنسي السَّامريُّ، أي: ترك ما كان عليه من الإيمان الظَّاهر. * * * (٨٩) - ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾. ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ﴾: أفلا يعلمون ﴿أَلَّا يَرْجِعُ﴾، أي: أنه لا يرجع ﴿إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ فـ ﴿أَن﴾ مخفَّفة من الثَّقيلة، وقرئ بالنَّصب (٣) على أنَّها النَّاصبة للفعل، وفعل الرُّؤية حينئذ من رؤية البصر على المبالغة في ظهور ما ذكر بتنزيله منزلةَ البصر. ﴿وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾؛ أي: لا يقدر على إضرارهم ولا على إنفاعهم. * * *

стр. 2923

(٩٠) - ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾. ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ﴾: مِن قبلِ رجوعِ موسى ﵇. وقيل: مِن قبلِ قولِ السَّامريِّ؛ كأنَّهم أوَّلَ ما وقعَتْ عليه أبصارهم حين طلع من الحفرة افتُتنوا به، فبادرهم هارون بالتَّحذير قبلَ أنْ ينطقَ السَّامريُّ، فقال: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ بالعجل ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ لا غير ﴿فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ في الثَّبات على الدِّين الحقَ. * * * (٩١) - ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾. ويأباه: ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ﴾: على العجل وعبادته ﴿عَاكِفِينَ﴾: مقيمين ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾، فإنَّ الظَّاهر من هذا الجواب أن يكون المراد: من قبل رجوعه ﵇. * * * (٩٢) - ﴿قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾. ﴿قَالَ يَاهَارُونُ﴾؛ أي: قال له موسى ﵇ لَمَّا رجَعَ. ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾ بعبادة العجل. * * * (٩٣) - ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾. ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾: أن تتبعني (١) في الغضب لله، وشدَّة الزَّجر عن الكفر والمعاصي،

стр. 2924

والمقاتلة (١) مع مَن كفرَ بمَن آمنَ، أو أن (٢) تلحقَ بي مع مَن أطاعَك. و (لا) مزيدة، كما في قوله: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]. ويجوز أن يكون المعنى (٣): ما صرفك إلى أن لا تتبعن؟ أي: دعاك إليه. ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ بالصَّلابة في الدِّين والمحاماة عليه (٤). ثم أخذ بشعر (٥) رأسه بيمينه ولحيته بشماله؛ غضباً وإنكاراً عليه؛ لأنَّ الغَيرة في الله تعالى ملكَتْه. * * * (٩٤) - ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ﴾ كان أخاه لأبيه وأمِّه عند الجمهور، ولكنه ذكرَ الأمَّ استعظاماً وترقيقاً. ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾؛ أي: بشَعرهما. ثمَّ ذَكَرَ عُذْرَه، ولَمَّا كان النَّهي المذكور متضمِّناً لدعوى عدم العصيان والاستحقاق بموجبه، أوردَ العذر في صورة التَّعليل فقال:

стр. 2925

﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ لو قاتلْتُ أو فارقْتُ (١) بعضَهم ببعض. ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ﴾: ولم تحفظ ﴿قَوْلِي﴾: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف: ١٤٢]؛ لأنَّ الإصلاح كان في حفظ الدَّهماء والمداراة بهم إلى أن ترجع إليهم فتَدارَكَ (٢) الأمرَ برأيك. * * * (٩٥) - ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ﴾. ثم أقبل على السَّامريِّ و ﴿قَالَ﴾ له منكراً عليه: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ﴾ (٣): سؤالَ القصَّة، فلذلك أجابَ ببيانها، ولو كان السُّؤال عن مطلوبه (٤) لَمَا انتظم الجواب. والفاء لترتيب مدخوله على مدلول ما تقدَّم من ظهور أنَّ غرض هارون ﵇ ممَّا فعله كان إصلاحاً، فكأنَّه قال: عُلِمَ خَطْبُ هذا، فمَا خَطْبُكَ؟ * * * (٩٦) - ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾.

стр. 2926

﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ قرئ بالتَّاء على الخطاب (١)؛ أي: علمتُ ما لم يعلموه، وهو أنَّ الرَّسول الذي جاءك روحاني محضٌ، لا يَمَسُّ أثرُه شيئاً إلَّا أحياه. أو: رأيْتُ ما لم يروه، وهو أنَّ جبريل ﵇ جاءَكَ على فرسِ الحياة. قيل: إنَّما عرفَه لأنَّ أمَّه ألقته حين ولدته خوفاً من فرعون، وكان جبريل ﵇ يَغْذوه حتى يستقلَّ، وكان يرى منه ذلك. ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾: من تربة موطئه، وقرأ ابن مسعود ﵁: (من أثرِ فرسِ الرَّسولِ) (٢)، ولعله سمَّاه الرَّسولَ (٣) لأنَّه لم يعرف أنَّه جبريل، أو أرادَ أنْ ينبِّه على الوقت، وهو حين أرسل إليه ليذهب به إلى الطُّور. والقَبضةُ: المرَّة من القبض، وأُطْلِقَ على المقبوض، وقرئ: (قُبضةً) بالضَّم (٤)، وهي اسم المقبوض. وقرئ: (قبصة) بالصاد المهملة (٥). والأول: الأخذ بجميع الكف، والثاني: الأخذ بأطراف الأصابع. ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ في الحليِّ المذابة، أو في جوف العجل، فظهر فيه أثر الحياة. والنَّبْذُ: طرحُ الشَّيء عن اليد خاصَّة.

стр. 2927

﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ﴾: زيَّنَتْ ﴿لِي نَفْسِي﴾ أن أفعله ففعلتُه اتِّباعاً لهوايَ، وهو اعتراف منه بالخطأ. * * * (٩٧) - ﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾. ﴿قَالَ﴾ له موسى: ﴿فَاذْهَبْ﴾ من بيننا طريداً ﴿فَإِنَّ لَكَ﴾ عقوبةً على فعلك ﴿فِي الْحَيَاةِ﴾ ما عشت ﴿أَنْ تَقُولَ﴾ لمن أراد مخالطتك جاهلاً بحالك: ﴿لَا مِسَاسَ﴾؛ أي: لا يمسُّني أحدٌ ولا أمسُّه. وذلك أنَّه مُنِعَ من مخالطة النَّاس منعاً كليًّا، وحُرِّمَ عليهم ملاقاته ومكالمته وكلُّ ما يعاوِن به النَّاسُ بعضَهم بعضاً، وإذا ماسَّ أحداً حُمَّ الماسُّ والممسوسُ، فتحامَى النَّاسَ وتحامَوه، وكان يصيح: لا مِساس، وعاد في النَّاس أوحشَ من الوحش النَّافر. وقرئ: (لا مَسَاسِ) كفَجار (١)، وهو علمٌ للْمَسَّةِ. ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾ في الآخرة ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾: لن يخلِف الله موعده، ينجزه لك في الآخرة بعدَما عاقبك بذلك في الدُّنيا. وقرئ: ﴿ولن تُخْلِفَه﴾ بكسر اللَّام (٢)، من أخلفْتُ الموعدَ: إذا وجدْتَه خُلْفاً. وقرئ بالنُّون (٣) على حكاية قول الله تعالى. ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ﴾ أصله: ظَلِلْتَ، فحذفت اللَّام الأولى تخفيفاً.

стр. 2928

﴿عَلَيْهِ﴾، أي: على عبادته ﴿عَاكِفًا﴾: مقيماً. ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ بالنَّار، دل عليه قراءة: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ من الإحراق (١)، وقرئ بالتَّخفيف (٢)؛ أي: لنَبْرُدنَّه بالمِبرد، وهو طريق حريقه بالنَّار، فإنَّها لا تعمل في الذَّهب بالتَّفريق إلَّا بهذا الطَّريق. ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ﴾: لنُذرِّيَنَّه رماداً، من نسفَ الطَّعام: إذا ذرَّاه (٣) لتطير منه قشوره. ﴿فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ فلا يُصادَفُ منه شيءٌ. والمقصودُ: إظهار غباوة (٤) المفتونين به. * * * (٩٨) - ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ﴾ المستحِقُّ لعبادتكم. ﴿اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إذ لا أحدَ يماثله أو يدانيه في خواصِّ الألوهيِّة. ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ وسعَ علمُه كلَّ ما من شأنه أن يُعلَم. وقرئ بالتَّشديد (٥)، فصار ﴿عِلْمًا﴾ أحدَ مفعوليه، وذلك أن ﴿وَسِعَ﴾ يتعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ، وهو ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾، و ﴿عِلْمًا﴾ نصب على التَّمييز، فهو في المعنى فاعل، فلمَّا ثُقِّلَ نقل إلى التَّعدية إليه، فصار ما كان فاعلاً مفعولاً.

стр. 2929

(٩٩) - ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾. ﴿كَذَلِكَ﴾ مثلَ ذلك الاقتصاصِ العجيب؛ أي: اقتصاصِ قصَّة موسى وفرعونَ والسَّامريِّ، والكافُ في محل النَّصب على المصدر. ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾: من الأمم السَّالفة وأحوالهم. والنَّبأُ: الخبر العجيب الشَّأن، تكثيراً للمعجزات، وتذكيراً للمستبصِرين. ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾: كتاباً مشتملاً على هذه القصص والأخبار، حقيقاً بالتَّفكُّر والاعتبار، والتَّنكير فيه للتَّعظيم، وتقديم ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ للتَّخصيص؛ أي: ذكراً لا يمكن أنْ يُؤتَى إلَّا من عندنا، وهو مقوٍّ (١) للتَّعظيم. وقيل: ذكراً جميلاً وصِيتاً جليلاً من بين النَّاس، ولا يساعدُه قولُه: * * * (١٠٠) - ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾. ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ عن هذا الذِّكْرِ، الذي هو القرآن الجامع لوجوه السَّعادة. ﴿فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾: عقوبة ثقيلة، شبَّه العقوبة الثَّقيلة على المعاقَب بالحمل الفادح (٢) للحامل؛ لصعوبة احتمالها، وكونها تَنقُض ظهره، أو سمِّيَ جزاءُ الوزر - وهو الإثم - وزراً. * * * (١٠١) - ﴿خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾.

стр. 2930

﴿خَالِدِينَ﴾ حال من الضَّمير في ﴿يَحْمِلُ﴾، وإنَّما جُمِعَ حَملاً على المعنى، ووُحِّد في ﴿فَإِنَّهُ﴾ حَملاً على لفظ ﴿مَنْ﴾. ﴿فِيهِ﴾ في الوزر، أو في حمله. ﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ ﴿سَاءَ﴾ في حكم (بئس)، وفيه ضمير مُبْهَم يفسِّره ﴿حِمْلًا﴾، وهو تمييز، واللَّام في ﴿لَهُمْ﴾ للبيان، كما في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣]، والمخصوصُ بالذَّمِّ محذوفٌ لدلالة الوزر السَّابق عليه، تقديره: وساء حملاً وزرُهم. * * * (١٠٢) - ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾. ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ﴾ قرئ بالنُّون (١) على إسناد النفخ إلى الآمر تعظيماً له، أو للنَّافخ، وقرئ بالياء المفتوحة (٢) على أنَّ فيه ضميرَ الله تعالى، أو ضميرَ إسرافيل ﵇ وإنْ لم يجرِ ذكرُه؛ لأنَّه المشهور بذلك. ﴿فِي الصُّورِ﴾ وقرئ: (في الصُّوَر) (٣)، وقد سبقَ بيانُ ذلك (٤). ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾؛ أي: عُمياً، كما قال: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا﴾ [الإسراء: ٩٧]، وهذا لأن حدقة مَن يذهب نورُ بصره تزرَقُّ. وقيل: ازرقَّتْ عيونهم من شدَّة العطش.

стр. 2931

وقيل: أي: تُشوَّه خلقتهم (١) فتسودُّ وجوهُهم وتزرقُّ عيونُهم. * * * (١٠٣) - ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾. ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾: يخفضون أصواتهم لِمَا يملأ صدورهم من الرُّعب والهول، والخفْتُ: خفضُ الصَّوت وإخفاؤه. ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ﴾؛ أي: في الدُّنيا ﴿إِلَّا عَشْرًا﴾ لا حاجةَ إلى التَّأويل في ﴿عَشْرًا﴾؛ لما نُقِلَ عن أئمَّة النَّحو أنَّه إذا كان المعدود مذكَّراً وحذفْتَه فلك فيه وجهان. يستقصرون مدَّة لبثهم فيها: إمَّا لتقضِّيها؛ لأنَّ المتقضِّيَ (٢) وإنْ طالَ قَصُرَ بالانتهاء، وإمَّا لاستطالتهم مدَّة الآخرة، فإنَّ الأبد السَّرمد تُستقصَر مدَّة الدُّنيا ويُستحقر لبث أهلها فيها بالنسبة إليه، ولهذا استَرجَحَ [الله] قول مَن هو أشدُّ تقالًّا (٣) واستحقاراً منهم (٤). وقيل: في القبر؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ٥٥]. * * * (١٠٤) - ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾. ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ وهو مُدَّة لبثهم. ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ﴾: أفضلهم ﴿طَرِيقَةً﴾: سيرة، أو: أسدهم رأياً. ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ وجهُ رجحانه: أنَّه أبلغ في الطَّريقة المذكورة آنفاً.

стр. 2932

(١٠٥) - ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾؛ أي: عن مآل أمرِها، وقد سأل عنه رجلٌ من ثقيف بعد النُّزول (١). ﴿فَقُلْ﴾ ذكر هنا الفاء في الجواب، ولم يذكر في سائر السُّؤالات: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ﴿عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، و ﴿عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩]، و ﴿عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧]، و ﴿عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ﴾ [الإسراء: ٨٥]، و ﴿عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو﴾ [الكهف: ٨٣]؛ لأنَّ الجواب فيها عن السُّؤالات الواقعة قبل النُّزول، وهنا عن سؤالٍ علمَ اللهُ تعالى وقوعَه وأخبر عنه ولم يقع بعدُ، ولذلك أجاب بالفاء الفصيحة، فكان المعنى: إذا سألوك فقل. ﴿يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ قال الخليل: يقلعها (٢). * * * (١٠٦) - ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾. ﴿فَيَذَرُهَا﴾: فيتركها، والضَّمير للأرض للعِلْم بها، كقوله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا﴾ [فاطر: ٤٥]، ولو كان المعنى كما قالوا: يجعلها كالرَّمل ثم يرسل الرِّياح عليها فتفرِّقها وتذريها كما تذري الحبَّ؛ لكانَ حقُّ ﴿فَيَذَرُهَا﴾ أن يصدَّر بالواو الفصيحة.

стр. 2933

﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾ القَاعُ: الأرضُ المستوية (١)، والصَّفصفُ: الأرضُ الملساء. * * * (١٠٧) - ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾. فقوله: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾ مؤكِّد للأوَّل، وقوله: ﴿وَلَا أَمْتًا﴾ مؤكِّد للثَّاني؛ فإنَّ الأَمْتَ: النُّتوءُ اليسير. ولا اختصاص للعِوج - بالكَسْر - بالمعاني؛ قال ابن السِّكِّيت (٢): وكل ما ينتصب كالحائط والعود قيل: عَوَج بالفتح، والعِوَج بالكسر: ما كان في أرضٍ أو دِيْنٍ أو مَعاش (٣). * * * (١٠٨) - ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف لـ ﴿يَتَّبِعُونَ﴾ مضاف إلى وقت النَّسْفِ؛ أي: يوم إذ نُسِفَتْ، أو بدل ثانٍ من يوم القيامة. ﴿يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ﴾: داعي الله تعالى إلى المحشر. وقيل: هو إسرافيل ﵇ يدعو النَّاس قائماً على صخرةِ بيت المقدس، فيُقْبِلُون مِن كُلِّ أَوْبٍ إلى صوته. ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ في مَدعوِّه؛ أي: لا يَعوجُّ له مدعوٌّ ولا يَعدل عنه، بل يستوون إليه من غير انحرافٍ عن سَمْتِ صوته.

стр. 2934

﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ هيبةً وإجلالاً، والخشوع كالخضوع من صفات النَّفس، إلَّا أنَّ مُظْهِرَ الأوَّل منهما الصَّوت، ومُظْهِرَ الثَّاني العُنُق، فيُسنَد كلٌّ منهما إلى مُظْهِره (١). ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾: صوتا خفيًّا، وقيل: هو مِن هَمْسِ الإبل، وهو صوت أخفافها إذا مشت؛ أي: لا تسمع إلَّا خفق الأقدام ونقلها إلى المحشر. * * * (١٠٩) - ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾. ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ ﴿مَنْ﴾ مرفوع المحلِّ بدل من ﴿الشَّفَاعَةُ﴾، على تقدير حذف المضاف؛ أي: لا تنفع الشَّفاعة إلَّا شفاعةُ مَن أذِنَ له الرَّحمن. و ﴿تَنْفَعُ﴾ على هذا من جملة الأفعال التي جُعِلَ مفاعيلها نسياً منسيًّا، وأجريت مجرى الفعل اللَّازم للمبالغة في التَّعميم، كقولهم: فلان يعطي ويمنع. أو منصوب المحلِّ على المفعوليَّة، والاستثناء مفرَّغ ومعنى ﴿أَذِنَ لَهُ﴾ على هذا: أذِنَ لأجله؛ أي: أذن للشَّافع (٢)، و ﴿أَذِنَ﴾ يحتمل أن يكون من الإِذْنِ، ومن الأَذَنِ بفتح الهمزة (٣). ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾؛ أي: ورضي لمكانه عند الله في الشَّفاعة، أو رضي لأجله قولَ الشَّافع في شأنه، أو قوله لأجله وفي شأنه (٤).

стр. 2935

(١١٠) - ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾. ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: ما تقدَّمهم من الأحوال ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: وما يستقبلونه، أو على العكس. ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ الضَّمير لأَحَدِ الموصولَيْن، أو لمجموعهما. * * * (١١١) - ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾. ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾: ذلَّتْ وخضعَتْ. وخصَّ الوجوه لأنَّ آثار الذُّلِّ إنَّما تظهر أوَّلاً فيها. وظاهرها يقتضي العموم، ويجوز أن يكون التَّعريف باللَّام بدلاً عن التَّعريف بالإضافة، على أنَّ المُرَادَ: وجوه المجرمين، ويؤيِّدُه: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ يحتمل الحال، والاستئناف لبيان ما لأجله عَنَتْ وجوهُهم، والاعتراضَ ولا يأباه كونه في مقابَلة قوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾؛ لأنَّ التَّقابل المعنوي كافٍ، فإن الاعتراضَ كالاستئناف لا يتقاعد عن الحال. * * * (١١٢) - ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾: بعضَ الطَّاعات ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ إذِ الإيمانُ شرطُ قَبولها. ﴿فَلَا يَخَافُ﴾، وقرئ: ﴿فَلَا يَخَافُ﴾ على النَّهي (١).

стр. 2936

﴿ظُلْمًا﴾: مَنع ثوابٍ يُستَحَقُّ بالوعد، والظلم أن يؤخَذ من صاحبه فوقَ حدِّه. ﴿وَلَا هَضْمًا﴾: ولا كسراً منه بنقصانٍ. أو: جزاءَ ظلم. وهَضْمٍ؛ لأنَّه لم يظلم غيرَه ولم يَهضم حقَّه. * * * (١١٣) - ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾. ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا﴾ عطف على ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ﴾؛ أي: مثلَ ذلك الإنزال من أنباء الأوَّلين، أو مثل إنزال هذه الآيات المتضمِّنة للوعيد إنزالاً عظيماً أنزلنا القرآن كلَّه. ﴿عَرَبِيًّا﴾: بلسان العرب. ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾: كرَّرنا القولَ فيه من أنواع الوعيد صارفينَ له من نوعٍ إلى آخر. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ لكي يتَّقوا المعاصي، فتصيرَ التَّقوى لهم مَلَكَةً. ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ عِظَةً واعتباراً، أسندَ التَّقوى إليهم، وإحداثَ التَّذكُّر والاتِّعاظ إلى القرآن مع كلمة التَّرجي بعد ذكر تصريف الوعيد في القرآن؛ لأنَّ التِّكرار يفيد مَلَكة التَّقوى لهم غالباً، فيكونون في صورة المرجوِّ المترجِّح فيه عادة التَّقوى، وإلَّا فلا أقلَّ من إحداث العِظة فيهم حينَ سماعه فيتثبَّطون عنها (١). * * *

стр. 2937

(١١٤) - ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾: ارتفعَ عن فنون الظُّنون وأوهام الأفهام، وتنزَّه عن مضاهاة الأنام ومشابهة الأجسام، فلا يُماثلُ كلامُه كلامَهم، كما لا تماثلُ ذاتُه ذواتِهم؛ استعظامٌ له تعالى ولمَا نزَّل وصرَّف على عباده من الوعيد (١). ﴿الْمَلِكُ﴾: النَّافذ أمرُه ونهيُه، الحقيقُ بأن يُترجَّى وعدُه ويُخشى وعيدُه. ﴿الْحَقُّ﴾: العدلُ في حكمِه وملكوته، أو المستحِقُّ للملك بذاته، أو الثَّابت (٢) في ذاته وصفاته. ولَمَّا ذَكَرَ القرآنَ وإنزالَه قال استطراداً: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ نهيٌ عن الاستعجال في تلقِّي الوحي؛ أي: تأنَّ فيه ريثما يُسمعُكَ جبريلُ ﵇ ويُفْهِمُكَ، ثم ابدأ بالتَّحفُّظ؛ لقوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]. وقيل: لا تبلِّغ ما كان مجمَلاً حتى يأتيك بيانُه. ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾: واسأل الله تعالى زيادةَ العلم بدلَ الاستعجال، فإنَّ ما أُوْحِيَ إليك تنالُه لا محالةَ. * * * (١١٥) - ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ﴾ يقال: عزمَ عليه وعهدَ إليه: إذا أمرَه وأوحى إليه، عطفَ

стр. 2938

قصَّة آدم ﵇ على قوله: ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾؛ للدِّلالة على أنَّ أساس أمر بني آدم على العصيان، وعِرْقُهم راسخٌ في (١) النِّسيانِ، فلهم مزيدُ حاجة إلى تكرار الوعيد وصرفه، واللَّام جوابُ قسمٍ محذوفٍ. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: من قبلِ هذا الزَّمان. ﴿فَنَسِيَ﴾ العهدَ، ولم يفِ به، حتى غفل عنه واغترَّ بقول الشَّيطان، أو: تركَ ما وصَّى به إليه من الاحتراز عن الشَّجرة. وقرئ: (فَنُسِّيَ) مشدداً مبنياً للمفعول (٢)؛ أي: نسَّاه الشَّيطان. ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾: تصميمَ (٣) رأيٍ وثباتاً على ما عُهِدَ إليه؛ إذ لو كان ذا عزيمةٍ وجِدٍّ لم يقبل وسوسةَ الشَّيطان ولم يغترَّ بقوله، والوجود إن كان بمعنى العلم فمفعولاه ﴿لَهُ عَزْمًا﴾، وإن كان بمعنى المصادفة (فعزماً) مفعوله، و ﴿لَهُ﴾ متعلِّق به، أو حال. * * * (١١٦) - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾. ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾؛ أي: اذكر وقتَ قولنا ﴿لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ وإباءَ إبليس، وتحذيرَنا إيَّاه من كيده، حتى يتبيَّنَ لك أنَّه نسيَ ولم يكن ذا عزيمةٍ وثباتٍ، ومن هنا تبيَّنَ أنَّ ما قيل: إنَّ المعنى: ولم نجد له عزماً على الذَّنب لأنَّه أخطأ ولم يتعمَّد؛ لا يناسب مساقَ الكلام.

стр. 2939

﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ قد سبقَ القولُ فيه. ﴿أَبَى﴾ جملة مستأنفة على تقدير سؤالِ سائلٍ، كأنَّه قيل: لِمَ لَمْ يسجدْ؟ فقيل: أبى؛ أي: أظهر الإباءَ وتثبَّط، ويرشدك إلى هذا ما في سورة (ص) من قوله: ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾ [ص: ٧٤] بدل ﴿أَبَى﴾. * * * (١١٧) - ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾. ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ أعادَ الجارَّ للدِّلالة على أنَّ عداوته لها أيضاً أصالةً، لا تبعاً لزوجها. ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ﴾ نهيٌ عن كونهما بحيث يؤثِّر فيهما وسوسة الشَّيطان ويتسبَّب لإخراجهما، فهو مبالغة في النَّهي عن قَبولها، مع الإشعار بعلَّة النَّهي. ﴿فَتَشْقَى﴾ أفرده بإسناد الشَّقاء إليه بعد إشراكهما (١) في الخروج اكتفاءً لاستلزام شقائه شقاءَها؛ لأنَّه القيِّم عليها، والمحافظ لها، مع الإيجاز والمراعاة مع الفاصلة. ويجوز أن يكون المراد بالشَّقاء: التَّعبُ في طلب المعاش، وذلك وظيفةُ الرَّجل وحدَه، ويعضده قوله: (١١٨ - ١١٩) - ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾. ﴿إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى وَإنَّكَ لا تظمأ فيها ولا تضحى﴾ فإنَّه بيانٌ وتذكيرٌ لِمَا له في الجنَّة من أسباب الكفاية وأقطاب الكَفَاف التي هي الشِّبَع والرَّي والكِسْوة والكِنُّ، مستغنياً عن اكتسابها والسَّعي في تحصيل

стр. 2940

أعواضِ ما عسى ينقطع ويزول بِذِكْرِ (١) نقائِضِها، ليطرُقَ سمعَه بأصناف الشِّقوَة المحذَّرِ منها (٢). وإنَّما عدلَ عن الأصل المألوف في الذِّكرِ - أي: المنزَّل - تنبيهاً على أنَّ الأوَّلَيْن أصلان، وأنَّ الأخيرَيْن متمِّمان على التَّرتيب (٣)، فالامتنان على هذا الوجه أظهر، ولهذا فرَّقَ بين القرينَيْن (٤)، فقيل أوَّلاً: ﴿إِنَّ لَكَ﴾، وثانياً: ﴿إِنَّكَ﴾. وقرئ ﴿وَأَنَّكَ﴾ بالفتح (٥)، عطفاً على ﴿أَلَّا تَجُوعَ﴾ وإنْ لم يجز دخول (إنَّ) على (أنَّ)؛ لأنَّ الواو ليس حكمها حكم (إنَّ)؛ لأنها نائبة عن كلِّ عامل، لا عن (٦) خصوص (إنَّ) لتعلَّل بامتناع توارد حرفين يعملان عملاً واحداً، وكذلك لم توضع للتَّحقيق خاصَّة لتعلَّل بامتناع اجتماع حرفَيْن لمعنًى (٧) واحدٍ، على أنَّها وإنْ كانت نائبة إلَّا أنَّها ليست في قوَّة المنوب عنه، فلذلك عُومِل معها ما لا يعامَل معه، كقولك: ليس زيدٌ قائماً ولا قاعداً، ولا يجوز أن تقول: ليس لا قاعداً. * * * (١٢٠) - ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾.

стр. 2941

﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: فوسوسَ مُنْهياً إليه وسوسته (١). ﴿قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ أضافها إلى ﴿الْخُلْدِ﴾ وهو الخلود، موهماً أنَّ كلَّ مَن أكلَ منها خُلِّدَ، فهو سببُ الخلود بزعمه. ﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾: لا يَخلَقُ ولا يضعفُ. * * * (١٢١) - ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾. ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قد سبقَ القولُ فيه. ﴿وَعَصَى﴾ العصيانُ: وقوعُ الفعل أو التَّركِ على خلاف الأمر أو النَّهي، وقد يكون عمداً فيكون ذنباً، وقد يكون خطأً فيكون زلَّةً. ﴿آدَمُ رَبَّهُ﴾ بعدم الانتهاء بالنَّهي. ﴿فَغَوَى﴾ عن الرُّشْد، حيث اغترَّ بقولِ العدوِّ، أو عن المطلوب وهو الخلد والملكُ الباقي، وفي النَّعي عليه بالغيِّ مع صِغَرِ زلَّته تعظيمٌ لها، وتشديدٌ عليه في العِتاب وتغليظٌ؛ لعلوِّ مرتبته وعدم مناسبة الزَّلَّة لمقامه، وزجرٌ بليغٌ، وموعظةٌ كافَّة لأولاده. * * * (١٢٢) - ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾. ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾: اصطفاه بالتَّوفيق للتَّوبة والقَبولِ بعدَها والتَّقريب، من جُبِيَ

стр. 2942

إليَّ كذا فاجتبيْتُه، ونحوه: جُلِيَتْ عليَّ العروسُ فاجتليتُها (١)، فأصلُ الكلمةِ الجمعُ. ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾: فقبِلَ توبتَه لَمَّا تابَ ﴿وَهَدَى﴾ إلى الثَّباتِ على التَّوبةِ. * * * (١٢٣) - ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾. ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ الخطاب لآدم وحوَّاء، لا له ولإبليس لأنَّه قد خرج منها قبلَ هذا؛ لقوله تعالى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [الحجر: ٣٤]. ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ قد سبقَ القولُ فيه. ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾: من الكتاب والرَّسول. ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ في الآخرة. * * * (١٢٤) - ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ > ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ عن الهدى الذَّاكر لي. ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾: ضيقاً، مصدر وُصِفَ به، ولذلك يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث. وقرئ: (ضَنْكَى) كسَكْرَى (٢).

стр. 2943

وذلك أنَّ المُعْرِضَ عن ذِكْرِهِ حريصٌ على الدُّنيا متهالكٌ عليها، لا يزال همُّه مصروفاً إلى الازدياد منها يجمع ويمنع، وعلى (١) ما في أيدي النَّاس فيطمع، ويغلب عليه الشُّحُّ فيضيق عيشه، بخلاف الذَّاكر المتوجِّه إليه، التَّابع للهدى، المتوكِّل عليه في أمره، فإنَّه يعلم أنَّ رزقَه على الله، فيسمح بما في يده وينفق، فيعيش عيشاً رافعاً (٢)، كما قال الله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، على أنه تعالى قد يضيِّق بشؤم الكفر ويوسِّع ببركة الإيمان، كما قال: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١]، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]. ﴿وَنَحْشُرُهُ﴾ وقرئ بالجزم (٣) عطفاً على محلِّ ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً﴾؛ فإنَّه جوابٌ للشَّرط. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ عن ابن عباس ﵄: أعمى البصر (٤)، وهو كقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا﴾ [الإسراء: ٩٧]، وهو الوجه المناسب للسُّؤال. * * * (١٢٥) - ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾. ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ في الدُّنيا.

стр. 2944

(١٢٦) - ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾. ﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾؛ أي: ذلك فعلْتَ أنت، والكاف مقحم إقحاماً كاللَّازم لا يكادون يتركونه في لغة العرب وغيرهم (١)، ثمَّ فسَّره فقال: ﴿أَتَتْكَ آيَاتُنَا﴾ واضحةً نيِّرةً ﴿فَنَسِيتَهَا﴾: فعميْتَ عنها وتركتَها غيرَ منظورة. ﴿وَكَذَلِكَ﴾: مثلَ تركِكَ إيَّاها ﴿الْيَوْمَ تُنْسَى﴾: تُتْرَك في العمى والعذاب. * * * (١٢٧) - ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾. ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ﴾ بالانهماك في الشَّهوات والإعراض عن الآيات. ﴿وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ بل كذَّبها وخالفها. ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾؛ أي: وللحَشر على العمى الذي لا يزول أبداً أشدُّ من ضيق العيش المنقضي، أو: ولَتَرْكنا إيَّاه في العمى أبداً أشدُّ وأبقى من تركه لآياتنا. * * * (١٢٨) - ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾. ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ﴾ مسنَدٌ إلى اللهِ، أو الرَّسول، أو ما دلَّ عليه: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾؛ أي: إهلاكُنا إيَّاهم، أو الجملةِ بمضمونها (٢).

стр. 2945

والفعلُ على الأوَّلينِ معلَّق يجري مجرى (أعلم)، ويدلُّ عليه القراءة بالنُّون (١). ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ كنايةٌ عن مشاهدتهم آثارَ هلاكهم. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾: لذوي العُقول النَّاهية عن التَّغافل والتَّعامي. * * * (١٢٩) - ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾. ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ الكلمة السَّابقة بتأخير عذاب (٢) هذه الأمَّة إلى الآخرة. ﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾: لكان مثلُ ما نزل بعاد وثمود من عذابنا (٣) لازماً لهؤلاء الكفرة. واللِّزامُ إمَّا مصدر وُصِفَ به، وإمَّا فِعال بمعنى مِفْعَل اسم آلة اللَّازم (٤)، سمِّي به اللَّازم لفرطِ لزومه. ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ عطف على ﴿كَلِمَةٌ﴾، أو على المستكِنِّ في (كان)، وهو ضمير ذلك المُشَار به إلى الإهلاك؛ أي: ولولا قضاءٌ سابقٌ ووعدٌ بتأخير عذاب هذه الأمَّة إلى يوم القيامة، أو يوم بدر، وأجلٌ مسمىًّ لأعمارهم لكان … إلخ، والفصل للدِّلالة على استقلال كلٍّ منهما بنفي لزوم العذاب.
следующие страницы →