← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: فوسوسَ مُنْهياً إليه وسوسته (١). ﴿قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ أضافها إلى ﴿الْخُلْدِ﴾ وهو الخلود، موهماً أنَّ كلَّ مَن أكلَ منها خُلِّدَ، فهو سببُ الخلود بزعمه. ﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾: لا يَخلَقُ ولا يضعفُ. * * * (١٢١) - ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾. ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قد سبقَ القولُ فيه. ﴿وَعَصَى﴾ العصيانُ: وقوعُ الفعل أو التَّركِ على خلاف الأمر أو النَّهي، وقد يكون عمداً فيكون ذنباً، وقد يكون خطأً فيكون زلَّةً. ﴿آدَمُ رَبَّهُ﴾ بعدم الانتهاء بالنَّهي. ﴿فَغَوَى﴾ عن الرُّشْد، حيث اغترَّ بقولِ العدوِّ، أو عن المطلوب وهو الخلد والملكُ الباقي، وفي النَّعي عليه بالغيِّ مع صِغَرِ زلَّته تعظيمٌ لها، وتشديدٌ عليه في العِتاب وتغليظٌ؛ لعلوِّ مرتبته وعدم مناسبة الزَّلَّة لمقامه، وزجرٌ بليغٌ، وموعظةٌ كافَّة لأولاده. * * * (١٢٢) - ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾. ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾: اصطفاه بالتَّوفيق للتَّوبة والقَبولِ بعدَها والتَّقريب، من جُبِيَ

стр. 2942

إليَّ كذا فاجتبيْتُه، ونحوه: جُلِيَتْ عليَّ العروسُ فاجتليتُها (١)، فأصلُ الكلمةِ الجمعُ. ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾: فقبِلَ توبتَه لَمَّا تابَ ﴿وَهَدَى﴾ إلى الثَّباتِ على التَّوبةِ. * * * (١٢٣) - ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾. ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ الخطاب لآدم وحوَّاء، لا له ولإبليس لأنَّه قد خرج منها قبلَ هذا؛ لقوله تعالى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [الحجر: ٣٤]. ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ قد سبقَ القولُ فيه. ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾: من الكتاب والرَّسول. ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ في الآخرة. * * * (١٢٤) - ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ > ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ عن الهدى الذَّاكر لي. ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾: ضيقاً، مصدر وُصِفَ به، ولذلك يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث. وقرئ: (ضَنْكَى) كسَكْرَى (٢).

стр. 2943

وذلك أنَّ المُعْرِضَ عن ذِكْرِهِ حريصٌ على الدُّنيا متهالكٌ عليها، لا يزال همُّه مصروفاً إلى الازدياد منها يجمع ويمنع، وعلى (١) ما في أيدي النَّاس فيطمع، ويغلب عليه الشُّحُّ فيضيق عيشه، بخلاف الذَّاكر المتوجِّه إليه، التَّابع للهدى، المتوكِّل عليه في أمره، فإنَّه يعلم أنَّ رزقَه على الله، فيسمح بما في يده وينفق، فيعيش عيشاً رافعاً (٢)، كما قال الله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، على أنه تعالى قد يضيِّق بشؤم الكفر ويوسِّع ببركة الإيمان، كما قال: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١]، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]. ﴿وَنَحْشُرُهُ﴾ وقرئ بالجزم (٣) عطفاً على محلِّ ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً﴾؛ فإنَّه جوابٌ للشَّرط. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ عن ابن عباس ﵄: أعمى البصر (٤)، وهو كقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا﴾ [الإسراء: ٩٧]، وهو الوجه المناسب للسُّؤال. * * * (١٢٥) - ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾. ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ في الدُّنيا.

стр. 2944

(١٢٦) - ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾. ﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾؛ أي: ذلك فعلْتَ أنت، والكاف مقحم إقحاماً كاللَّازم لا يكادون يتركونه في لغة العرب وغيرهم (١)، ثمَّ فسَّره فقال: ﴿أَتَتْكَ آيَاتُنَا﴾ واضحةً نيِّرةً ﴿فَنَسِيتَهَا﴾: فعميْتَ عنها وتركتَها غيرَ منظورة. ﴿وَكَذَلِكَ﴾: مثلَ تركِكَ إيَّاها ﴿الْيَوْمَ تُنْسَى﴾: تُتْرَك في العمى والعذاب. * * * (١٢٧) - ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾. ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ﴾ بالانهماك في الشَّهوات والإعراض عن الآيات. ﴿وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ بل كذَّبها وخالفها. ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾؛ أي: وللحَشر على العمى الذي لا يزول أبداً أشدُّ من ضيق العيش المنقضي، أو: ولَتَرْكنا إيَّاه في العمى أبداً أشدُّ وأبقى من تركه لآياتنا. * * * (١٢٨) - ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾. ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ﴾ مسنَدٌ إلى اللهِ، أو الرَّسول، أو ما دلَّ عليه: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾؛ أي: إهلاكُنا إيَّاهم، أو الجملةِ بمضمونها (٢).

стр. 2945

والفعلُ على الأوَّلينِ معلَّق يجري مجرى (أعلم)، ويدلُّ عليه القراءة بالنُّون (١). ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ كنايةٌ عن مشاهدتهم آثارَ هلاكهم. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾: لذوي العُقول النَّاهية عن التَّغافل والتَّعامي. * * * (١٢٩) - ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾. ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ الكلمة السَّابقة بتأخير عذاب (٢) هذه الأمَّة إلى الآخرة. ﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾: لكان مثلُ ما نزل بعاد وثمود من عذابنا (٣) لازماً لهؤلاء الكفرة. واللِّزامُ إمَّا مصدر وُصِفَ به، وإمَّا فِعال بمعنى مِفْعَل اسم آلة اللَّازم (٤)، سمِّي به اللَّازم لفرطِ لزومه. ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ عطف على ﴿كَلِمَةٌ﴾، أو على المستكِنِّ في (كان)، وهو ضمير ذلك المُشَار به إلى الإهلاك؛ أي: ولولا قضاءٌ سابقٌ ووعدٌ بتأخير عذاب هذه الأمَّة إلى يوم القيامة، أو يوم بدر، وأجلٌ مسمىًّ لأعمارهم لكان … إلخ، والفصل للدِّلالة على استقلال كلٍّ منهما بنفي لزوم العذاب.

стр. 2946

أو: ولولا هذه العِدَةُ لكان الأخذ العاجل وأجلٌ مسمًّى لازمَيْن لهم، كما كانا لازِمَيْن لعادٍ وثمودَ، ولم ينفرد الأجل المسمَّى عن الأخذ العاجل. * * * (١٣٠) - ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾. ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ الفاء للسَّببية، جزاءٌ لشرط مقدَّر؛ أي: إذا لم تعذِّبهم ولم تهلكهم لِمَا ذُكِرَ فاصبر. ﴿وَسَبِّحْ﴾ تقييد التَّسبيح بالأوقات المخصوصة قرينةٌ لكونه مجازاً بمعنى الصَّلاة، وإلَّا فلا وجهَ للتَّخصيص بها، وقوله: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ حالٌ؛ أي: وصلِّ وأنتَ حامدٌ (١) لربِّك على هدايتِه وتوفيقِه. ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾؛ أي: الفجر. ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾؛ أي: الظُّهر والعصر؛ لأنَّهما في النِّصف الأخير من النَّهار. ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾: ومن ساعاته، جمع إِنِّى بالكسر والقصر، وأناءٍ بالفتح والمد. ﴿فَسَبِّحْ﴾؛ أي: المغربَ والعشاءَ وصلاةَ التَّهجد، وإنَّما قدَّمَ الزَّمان فيه لاختصاصه بمزيد الفضل (٢)؛ لأنَّ الميل فيه إلى الاستراحة أقوى، فكانت العبادة فيه على النَّفسِ أشدُّ وأشقُّ، فكانَ الثَّواب أكثر، ولأنَّ القلب فيه أجمع، والفراغَ إلى الله

стр. 2947

تعالى والخلوة (١) به أيسر وأكثر، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦]. ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾: تكريرٌ لصلاتَي الصُّبح والمغرب لمزيَّتهما؛ لكونهما مختلف الملائكة ومجتمعهم. معناه: تعمَّد آناءَ اللَّيل وأطراف النَّهار مختصًّا لها بصلاتك، وفي جمع الأطراف مجاوبة الآناء مع الأمن من الإلباس. ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾؛ أي: سبِّح في هذه الأوقات طمعاً ورجاءً أن تنالَ عندَ اللهِ ما تَرْضَى به نفسُك. وقرئ بالبناء للمفعول (٢)؛ أي: يُرْضِيْكَ ربُّك. * * * (١٣١) - ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾؛ أي: نظرَ عينَيْكَ ﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾ مدُّ النَّظر: تطويلُه مستمرًّا بحيث لا يكاد يُرَدُّ؛ استحساناً للمنظور وتمنِّياً أنْ يكونَ للنَّاظر. ﴿أَزْوَاجًا﴾: أصنافاً ﴿مِنْهُمْ﴾ مِنَ الكَفَرَةِ، ويجوز أن يكون حالاً من الضَّمير في ﴿بِهِ﴾، والمفعول ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: إلى الذي متَّعنا به - وهو أصنافٌ - بعضَهم وناساً منهم (٣).

стр. 2948

﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الزَّهرةُ: الزِّينةُ والبهجة. وقرئ بفتح الهاء (١)، وهي لغة فيها، كالجَهَرة في الجَهْرة، أو جمع زاهر، كالجَهَرَة في جمع جاهر. نصبٌ على الذَّمِّ، أو على الاختصاص؛ أي: أعني أو أخصُّ، أو على المفعول الثَّاني لِمَا دلَّ عليه ﴿مَتَّعْنَا﴾، أو على تضمينه معنى أعطينا. وأمَّا نصبه على البدل من محلِّ الجار والمجرور؛ أي: ﴿بِهِ﴾، أو من ﴿أَزْوَاجًا﴾، على تقدير مضاف؛ أي: ذوي زهرة، فضعيفٌ؛ لأنَّه لا يُقال: مررت بزيد أخاك؛ ولأنَّ الإبدال من الضَّمير العائد إلى الموصول ونحوه ممَّا اختُلِفَ في جوازه. وعلى قراءة الفتح نعتٌ على أنه جمع زاهر، وجاز أن يكون حالاً، والإضافة لفظيَّة؛ لأنَّ الأصل: زاهرين الحياة الدُّنيا، وصفٌ لهم بأنهم زاهروا الدُّنيا لتنعُّمهم وبَهاءِ زِيِّهم، بخلاف ما عليه المؤمنون الزُّهَّاد. ﴿لِنَفْتِنَهُمْ﴾: لنبلوَهم ونختبرَهم ﴿فِيهِ﴾ أو: لنعذِّبهم في الآخرة بسببه. ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾: ما ادَّخر لك في الآخرة، أو ما (٢) رزقَكَ من الهدى. ﴿خَيْرٌ﴾ ممَّا متَّعناهم به في الدُّنيا ﴿وَأَبْقَى﴾ لأنَّه لا ينقطع أبداً. * * * (١٣٢) - ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾. ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ أمرَه بأن يأمر أهلَ بيته أو التابعين له من أمَّته بالصَّلاة بعدَما أمره بها وبالصَّبر؛ ليتوافقوا في الاستعانة على خصاصتهم بها، لقوله تعالى:

стр. 2949

﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، ولا تهتمُّوا بأمر الرِّزق والمعاش، ولا تلتفتوا لفتَ أربابِ الثَّروة والرِّياش. ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾: وداوم عليها. ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾؛ أي: لا نكلِّفكَ أنْ ترزقَ نفسَكَ. ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ ففرِّغ بالَك لأمرِ الآخرة؛ لأنَّ مَن كان في عمل الله كان الله في عمله. والحكم في الموضعَيْن عامٌّ في صورة الخطاب الخاصِّ (١). ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ المحمودة ﴿لِلتَّقْوَى﴾ مخصوصةٌ لها، ويلزم هذا أن تكونَ حُسْنُ العاقبة لأهلها خاصَّة، فلا حاجة إلى التَّقدير (٢). * * * (١٣٣) - ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾. ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾: هلَّا يأتينا محمَّد بآيةٍ دالَّةٍ على صحَّة نبوَّته بناءً على عادتهم في اقتراح الآيات وإنكار ما جاء به منها، وعدم الاعتداد بها تعنُّتاً وعناداً. وتنكير (آيةٍ) يأبى عن حملها على آيةٍ معهودةٍ اقترحوها، فألزمهم بالقرآن الذي هو آخر المعجزات وأعظمها، حيث قال:

стр. 2950

﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ وذلك أنَّه برهانُ ما في جميع الكتب المنزَلة من حيث إنَّه مُعْجِزٌ بلفظه دونها، فهو بالنِّسبة إليها حجَّةٌ على صحَّتها؛ لاشتماله على ما فيها، وتصديقه إيَّاها مع إعجازه. ولَمَّا كان برهاناً على ما فيها كان برهاناً على صحَّة نبوَّته؛ للدِّلالة على أنَّها مختصة بنوعٍ من العلم أعلى قدراً وأشرف من جميع العلوم، وهو خلاصة ما في الكتب الإلهيَّة من العقائد والأحكام، مع كونه أميًّا لم يتعلَّم شيئاً، وبنوع من تركيب الكلام لم يكن أحدٌ يعارضه في الفصاحة والبلاغة عندَ التَّحدي به. * * * (١٣٤) - ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾. ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ﴾: من قبلِ محمَّدٍ ﵇، أو: من قبلِ (١) البيِّنة، وتذكير الضَّمير لأنَّها في معنى البرهان والدَّليل، أو: مِن قَبل إتيانها، أو إتيانه بها. ﴿لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا﴾: هلَّا ﴿أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ﴾ بالقتل والسَّبي والجزية في الدُّنيا ﴿وَنَخْزَى﴾: بالعذاب ودخول النَّار في الآخرة. * * * (١٣٥) - ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾. ﴿قُلْ كُلٌّ﴾: كلُّ (٢) واحدٍ منَّا ومنكم.

стр. 2951

﴿مُتَرَبِّصٌ﴾: منتظِرٌ لِمَا يَؤول إليه أمرُنا وأمرُكم في العاقبة. ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾: فانتظروا، وقرئ: (فتمتَّعوا) (١). ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾: المستقيم، وقرئ: (السَّواء) (٢)؛ أي الوسط، و (السُّوَّى) (٣)، و (السَّوْءِ) (٤)؛ أي: الشَّر، و (السُّوَيِّ) (٥)، وهو تصغيره. ﴿وَمَنِ اهْتَدَى﴾ إلى النَّعيم المقيم. و ﴿مَنِ﴾ في الموضِعَيْن للاستفهام، ومحلُّ الأولى الرَّفعُ بالابتداء، والثَّانية عطفٌ عليها عطفَ الجملة على الجملة، ويجوزُ أن تكون الثَّانية موصولة بخلاف الأولى - لعدم العائد - فتكون معطوفةً على محلِّ الجملة الاستفهاميَّة المعلَّق عنها الفعل، على أنَّ العلم بمعنى المعرفة، أو على ﴿أَصْحَابُ﴾، أو على ﴿الصِّرَاطِ﴾، على أنَّ المرادَ به النَّبيُّ ﵊. * * *

стр. 2952

سُورَةُ الأَنبيَاءِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) - ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾. ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾؛ أي: دنا وقتُ إظهار ما للعبد وما عليه ليُجازَى بهما. والحسابُ: إخراجُ الكميَّة من مبلغ العِدَّةِ. والاقترابُ بالنِّسبة إلى ما مضى، لا عند الله تعالى؛ إذ لا نسبة للكائنات بالقرب والبعد إليه تعالى، أو لأنَّ مبدأه الموت، أو هو كنايةٌ عن ظهور بعض أماراته، ويناسبه: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ تنكيرُها للتعظيم؛ أي: وهم مستقرُّون في غفلة عظيمة لا يُعرف كُنْهُها، وهذا من قَبيل نسبة فعل الأكثر إلى الكلِّ، فلا ينافي كونَ تعريف (النَّاس) للجنس، كما في قوله: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ﴾ الآية [مريم: ٦٦]. واللَّام صلة لـ ﴿اقْتَرَبَ﴾، أو تأكيدٌ لإضافة (الحساب) إليهم، كما في قولهم: لا أبا لك، والأصل: اقترب حساب النَّاس، ثمَّ: اقترب للنَّاس الحساب، ثمَّ: اقترب للنَّاس حسابهم، ونحوُه في التَّأكيد تكرير الظَّرف، كقولهم: فيك زيد راغب فيك.

стр. 2953

﴿مُعْرِضُونَ﴾ عن أسباب التَّنبيه؛ كلَّما كُرِّرَ عليهم التَّنبيه (١)، وجُدِّدَ لهم التَّذكير، وقُرِعَتْ لهم العصا (٢)، وأُحْدِثَ لهم ذِكْرٌ من الآيات التي تُتلى وقتاً بعد وقتٍ = ما تنبَّهوا بواحدٍ من تلك الأذكار، وما استيقظوا مرَّة من تلك المِرَار، إلَّا استمعوه مستسخرين لاهين يلعبون، فقوله: (٢) - ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾. ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ﴾ تقرير لتماديهم في الإعراض والغفلة بأنَّ الله تعالى يجدِّد لهم الذِّكر ويكرِّر على أسماعهم الوعظ ليتَّعظوا، فما يزيدهم استماعُ ذلك إلَّا لعباً واستخساراً وتلهِّياً راسخاً في قلوبهم، وجدًّا وعزيمةً في اللَّهو؛ يعني أنَّهم وإنْ فطِنوا فهُم في قلَّة جدوى فطنتهم، وتمادي ذُهولهم وغفلتهم عن التَّأمُّل والتَّبصُّر، كأنَّ الذُّهولَ مركوزٌ في قلوبِهم، لا فطنةَ لهم أصلاً. قوله: ﴿فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ خبران، أو الظَّرف حال من المستكِنِّ في ﴿مُعْرِضُونَ﴾. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ صفة لـ ﴿ذِكْرٍ﴾، أو صلة لـ ﴿يَأْتِيهِمْ﴾. ﴿مُحْدَثٍ﴾ لم يُرَدْ به حدوثُ نفسه بمعنى مسبوقيَّته بالعدم وإنْ كان صحيحاً؛ لأنَّ الكلام اللَّفظي حادث عند الجمهور، ولا حدوثُ تنزيله كما زعمته الحنابلة المنكِرون حدوثه؛ لأنَّ كلًّا منهما لا يناسب المقام، ولا يلائم

стр. 2954

مساقَ الكلام، بل المراد تجدُّد الذكر وقتاً بعد وقت؛ لِمَا عرفْتَ أنَّه أشدُّ تأثيراً في التَّذكير. وقرئ بالرَّفع حملاً على المحلِّ (١). ﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ حال عن الواو، وكذلك: (٣) - ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾. ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: استمعوه جامعين بين الاستهزاء والتَّلهِّي، فهما حالان مترادفان. وهي من لَهِيْتُ عن الشيء لُهِيًّا ولُهْياناً: إذا سَلَوْتُ عنه وتركْتُ ذِكْرَه وأضربْتُ عنه، ويعدَّى بـ (عن) و (من) عند الأصمعي (٢)، وهو في الحديث من باب عَلِمَ؛ أي: مِن لَهِيَ عنِّي يَلْهَى: إذا ذَهَل وغَفَل. ويجوز أن يكون حالاً من واو ﴿يَلْعَبُونَ﴾، فالحالان متداخلان، وقرئت بالرَّفع (٣) على أنَّه خبر آخر، فالحال واحدة. وفي قوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ مبالغةٌ؛ لأنَّ النَّجوى لا تكون إلَّا خفيَّة؛ أي: بالَغوا في إخفائها (٤).

стр. 2955

﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بدل من واو ﴿وَأَسَرُّوا﴾، وفائدةُ الإبدالِ: الإشعارُ بأنَّهم الموسومون بالظُّلم الفاحش فيما أسرُّوا به، أو منصوب على الذَّمِّ، أو مرفوع بالابتداء، خبره ﴿وأسروا النَّجوى﴾، قُدِّمَ عليه. وفائدةُ التَّقديمِ: الاهتمامُ ببيان إسرارهم النَّجوى بالتَّسجيل عليهم بأنَّه ظلمٌ؛ لأنَّ الأصل: وهم أسرُّوا النَّجوى، فوُضع المظهَرُ موضع المضمَر، وقدِّم الإسرار؛ لِيُفهَم منه أنَّ الإسرارَ هو الظُّلمُ. ثم بيَّنَ أنَّ النَّجوى ما هو؟ بقوله: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ليتمكَّنَ في أنفس السَّامعين بالإبهام (١) والتَّبيين، ويتحقَّق عندهم أنَّ ذلك هو الظُّلم الفاحش بالدَّليل الواضح؛ لتسميتهم المعجِزَ سحراً مُبيناً، وادِّعائهم أنَّ كونه سحراً مشاهداً بيِّنٌ، واعتقادِهم أنَّ رسولَ اللهِ لا يكون إلَّا مَلَكاً، وأنَّ مَن ادَّعى الرِّسالة من البشر فهو ساحرٌ، وإنكارِهم أن يَحضروا السِّحر الذي لا شكَّ فيه. وإنَّما أسرُّوا تشاوراً في استنباط ما يهدم أمرَه، ويُظهر للنَّاس فسادَه؛ تثبيطاً عنه، وعادةُ المتشاورِين الكتمانُ. وما ذكر كلُّه في محلِّ النَّصب بدلاً من ﴿النَّجْوَى﴾، أو مفعولاً لـ (قالوا) مضمراً. (٤) - ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. ﴿قُلْ﴾ وقرئ: ﴿قَالَ﴾ (٢)؛ إخباراً عن الرَّسول وحكاية لقوله: ﴿رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ هو آكد من قوله: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ [طه: ٧]؛ لأنَّه

стр. 2956

عامٌّ يشملُ السِّرَّ والجهرَ، كأنَّه قال: يعلمُ السِّرَّ كلَّه وغيره، كما أنَّ قولَه: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ آكَد من قوله: ﴿يَعْلَمُ سِرَّهُمْ﴾ [التوبة: ٧٨]؛ لعمومه، فعمَّم ولم يقل في مقابلة: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾: (يعلم السِّرَّ)؛ ليؤكِّدَ بالطَّريق البرهانيِّ. ثم قرَّر ذلك وبيَّن بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾؛ أي: مطلقاً دون غيره، فكيف يخفى عليه ما يسرُّون. * * * (٥) - ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾. ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ ﴿بَلِ﴾ الأولى: إضرابٌ عن تجاوزهم في شأن الرَّسول ﵇ وما ظهر عليه من الآيات إلى تقاوُلهم في أمر القرآن. والثَّانية: لإضرابهم عن كونه أباطيل خُيِّلَتْ إليه وخُلِّطَتْ عليه إلى كونه مفتريات اختلقَها من تلقاء نفسه. والثَّالثة: لإضرابهم منه إلى أنَّه كلامٌ شعريٌّ يُخيِّلُ إلى السَّامع معاني لا حقيقة لها، ويرغِّبه فيها. ثمَّ إنَّهم تفنَّنوا في مدارج الإضراب، واعتبروا في كلِّ نحوٍ منه نوعاً من الاعتبار اللَّطيف. قيل: أضربوا عن قولهم: ﴿هو سحر﴾ إلى قوله (١): ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾؛

стр. 2957

أي: تخاليط رؤيا، ثمَّ إلى أنَّه كلام افتراء، ثمَّ إلى أنَّه قولُ شاعرٍ، على عادة كلِّ مبطِلٍ في اللَّجلَجةِ والتَّزلزل في التحيُّر واللعثمة (١)، وذلك يدلُّ على فساد قولهم وبطلانه. ولا يذهبْ عليك أنَّ حقَّ النَّظم حينئذ: (قالوا بل)، لا: ﴿بَلْ قَالُوا﴾. وأمَّا ما قيل: يجوز أن يكون الكلُّ من اللهِ تعالى تنزيلاً لأقوالهم في دَرْج الفساد؛ لأنَّ كونه شعراً أبعدَ من كونه مفترًى؛ لأَنَّه مشحون بالحقائق، والحكم ليس فيه ما يناسب قول الشُّعراء، وهو من كونه أحلاماً (٢)؛ لأنَّه مشتملٌ على مغيَّبات طابقَتِ الواقع، والمفترَى لا يكون كذلك، بخلاف الأحلام، وهو [أبعد] من كونه سحراً لأنَّه يجانسه من حيث إنهما من الخوارق (٣) = فمبناه على أن يكون بين الشِّعر والحكمة بوناً بعيداً، وعلى أن يكون السِّحر كالمعجزة من خوارق العادات، ولا صحَّة لواحدٍ منها: أمَّا الأوَّل: فظاهرٌ، وكأنَّ هذا القائل غافل عن قوله ﵇: "إنَّ مِنَ الشِّعرِ لحكمةٌ" (٤). وأمَّا الثَّاني: فلأنَّ الحقَّ أنَّ السِّحر إمَّا تمويهٌ لا حقيقةَ له، أو ترتيبٌ لأسبابٍ خفيَّة، وعلى كِلَا التَّقديرين ليس فيه شيءٌ مِن خَرْقِ العادة.

стр. 2958

﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ﴾: بمعجزةٍ عظيمةٍ، وصحة التشبيه في قوله: ﴿كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ من حيث إنَّه في معنى: كما أتى الأوَّلون بالآيات العظيمة كاليدِ والعصا وإحياء الموتى وإبراء الأكمَهِ؛ لأنَّ إرسالَ الرُّسلِ متضمِّنٌ للإتيان بها. هذا إذا كان (ما) مصدرَّيةً، وأمَّا إذا كانت موصولة، والمعنى: كالتي أرسل بها الأوَّلون، فالتَّشبيه على ظاهره (١). * * * (٦) - ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أراد بالقرية: أهلَها، فالإيجاز من جهة المجاز لا من جهة الحذف، ولذلك قال في التَّوصيف: ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ دون (أهلكناهم)، يريد (٢): إهلاكهم عند إنكارهم ما اقترحوا من الآيات لَمَّا جاءتهم. ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ عند إتيانها، وفي إيلاء الهمزة فاءَ التَّعقيب إنكارُ إيمانهم بعدما لم يؤمن أولئك؛ لأنَّ هؤلاء أعتى منهم وأشدَّ عناداً وتعنُّتاً، فلو أتوا بما يقترحون لكانوا أعصى منهم وأشدَّ كفراً، وتنبيهٌ على أنَّ عدم الإتيان (٣) بما اقترحوا إبقاءٌ عليهم؛ إذ لو أتوا به لم يؤمنوا، واستوجبوا عذاب الاستئصال كمَنْ قبلَهم. * * *

стр. 2959

(٧) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ جوابٌ لقولهم: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾. فإنْ شككتم فيه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ إنَّما أمَرَهم بذلك ليخبروهم أنَّ الرُّسلَ كانوا بشراً ولم يكونوا ملائكةً. والمراد من ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾: أهلُ الكتاب، وإنما أحالهم إليهم للإلزام؛ فإنَّهم كانوا يشاورونهم في أمرِ الرَّسولِ والرَّدِ عليه، ويثقون بقولهم. وبهذا التَّقرير تبيَّن ما في تحرير القاضي من التَّقصير والخلَل، فتأمَّل. أو: علماءُ الأخبار، والإحالةُ إليهم لأنَّ إخبارَ الجمِّ الغفير يوجب العلم وإن كانوا كفَّاراً، وتمام الكلام في هذا المقام قد سبق تفسيره في (سورة النحل). * * * (٨) - ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾. ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ﴾؛ أي: ما جعلنا كلَّ واحدٍ منهم، كقوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥]. ﴿جَسَدًا﴾ الجسدُ: جسم الحيوان، مخصوصٌ به كالبدن، بخلاف الجسم والجِرم، وهو عبارة عن روح وجسد، والرُّوح ما لطف، والجسد ما غلظ، وأصله لجمع الشَّيء واشتداده؛ أي: ما جعلناهم جسداً محضاً ليس فيه (١) روحٌ متصرف حتى يتحلَّل فيحتاجَ إلى البدل، فقوله:

стр. 2960

﴿لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ تقريرٌ وتأكيدٌ لذلك المعنى، وجوابٌ لقولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٧]، ولما كان التَّغدي به من لوازم التَّحليل المؤدِّي إلى الفَناء كان قوله: ﴿وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ تقريراً وتأكيداً له، ونفيٌ عن الرُّسل لِمَا اعتقدوا اختصاصه بالملَك؛ تحقيقاً لكونهم من جنس البشر. * * * (٩) - ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾. ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ﴾؛ أي: في الوعيد، فنصب بانتزاع الخافض. ﴿فَأَنْجَيْنَاهُمْ﴾ ممَّا حَلَّ بقومِهم ﴿وَمَنْ نَشَاءُ﴾، يعني: المؤمنين، ومَن في إنجائه (١) حكمة كَمَن سيؤمن هو أو بعض ذرِّيته، ولذلك حُميت العرب عن عذاب الاستئصال. ﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾: المجاوزين الحدَّ بالكفر، ويفهم منه دخول بعض الكافرين تحتَ ﴿وَمَنْ نَشَاءُ﴾. * * * (١٠) - ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾: صِيْتُكم وشرفُكم (٢)، كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]، أو: موعظتُكم، أو: ما تطلبون به حُسنَ الذِّكر من مكارم الأخلاق.

стр. 2961

والكتابُ: القرآنُ، والخطابُ لقريشٍ أو لعامَّة العرب. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ فتؤمنوا به، والفاء كالتي في: ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٦]، وكذا الاستفهام. * * * (١١) - ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾. ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا﴾ واردةٌ عن غضبٍ (١) شديدٍ؛ لأنَّ القَصْمَ أفظعُ الكسر؛ لأنَّه كسرٌ يَبيْنُ تلاؤمَ الأجزاء، بخلاف الفصم - بالفاء -، ولإيردها في صورة التَّكثير. ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾ لَمَّا أُقيْمَتِ القريةُ مقامَ أهلِها، أو تجوُّزَ بها عن (هم) (٢)، وُصِفَتْ بصفتهم، فقيل: ﴿كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا﴾: بعد إهلاكها. ﴿قَوْمًا آخَرِينَ﴾ مكانهم، وللدلالة على تعدِّي الغضب في شأنهم - أي: إهلاك قريتهم أيضاً بإخراجها عن صلاحية الانتفاع بها - قال: ﴿بَعْدَهَا﴾، ولم يقل: (بعدهم)؛ إظهاراً للتَّوسُّع السَّابق، واعتباراً لما يقتضيه اللَّاحق، فإنَّ الضَّمير في قوله: (١٢) - ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾.

стр. 2962

﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا﴾ لأهل القرية ﴿بَأْسَنَا﴾؛ أي (١): أدركوا بالحسِّ عياناً ومشاهدةً شدَّة عذابنا، على الاستعارة في الإحساس، ويجوز أن يكون من قَبيل الاستعارة في البأس. ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا﴾: من القرية، و ﴿إِذَا﴾ للمفاجأة. ﴿يَرْكُضُونَ﴾ الرَّكضُ: ضربُ الدَّابة بالرِّجْلِ؛ أي: يهربون مسرعين، على الكناية. ويحتمِلُ التَّمثيلَ على تشبيههم في الإسراع وشدَّة العَدْوِ بمَنْ (٢) يرَكِضُ الدَّابةَ، وأن يكون: (١٣) - ﴿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾. ﴿لَا تَرْكُضُوا﴾ قولاً بلسان الحال يشير إلى أنَّهم خُلقاء بأنْ يُقال لهم ذلك وإن لم يُقَلْ، أو يُقالُ (٣) استهزاءً، والقائل (٤) مَلَكٌ أو مَن ثمَّةَ مِنَ المؤمنين. أو حديثاً تُحدِّثُ به أنفسُهم تحسُّراً. ﴿وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ من العيش الرافهِ (٥) والتَّنعُّم. والإترافُ: إبطار النِّعمة، والاسم: التَّرفه. أو: ارجعوا إلى وبالِ ما أُترفتم فيه. ﴿وَمَسَاكِنِكُمْ﴾ في النَّار، أو: التي كانت لكم.

стр. 2963

﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ غداً عن أعمالكم، أو كنايةٌ عن العذاب؛ فإنَّ السُّؤال مُقدِّمتُه، أو تهكُّمٌ وتوبيخٌ؛ أي: ارجعوا واجلسوا كما كنتم في مجالسكم حتى يَسألَكم مَن ينفذ فيه أمرُكم ونهيُكم، أو يسألكم النَّاس في أنديتكم المعاونة (١) في نوازل الخطوب أو يسألكم الوافدون عليكم ويستمطِرون (٢) سحابَ ما في أيديكم. * * * (١٤) - ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. ولَمَّا أخذهم العذاب ولم يروا وجهَ النَّجاة: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ اعترفوا بالاقتراف حين لا ينفع الاعتراف. * * * (١٥) - ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾. ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ الإشارة إلى ﴿يَاوَيْلَنَا﴾ لأَنَّها دعوى؛ أي: فما زالَتْ تلك الدَّعوى دعواهم. والدَّعوى: الدَّعوة؛ لأن المُوَلْوِلُ يدعو الويلَ، ويقول: يا ويلُ تعال (٣) فهذا أَوانُكَ. والويلُ: الوقوعُ في الهلكة.

стр. 2964

﴿تِلْكَ﴾ اسم ﴿فَمَا زَالَتْ﴾، و ﴿دَعْوَاهُمْ﴾ خبرُه، أو بالعكس، وتعيُّنُ الأوَّل إنَّما هو في نحو: ضرب موسى عيسى، مما يَختلف أصل المعنى باختلاف الإعراب. ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ﴾ الضَّمير المنصوب هو الذي كان مبتدأً، و: ﴿حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ كانا خبرين، فنصبَهما (جَعَل) جميعاً على المفعوليَّة، لا على أنها تقتضي ثلاثة مفاعيل، بل على أن الأخيرين (١) في حكم الواحد؛ أي: جعلناهم جامعِينَ لمماثلة (٢) الحصيد والخمود، كقولهم: هذا حلوٌ حامضٌ؛ أي: جامعٌ للطَّعْمَين. شُبِّهوا في استئصالهم وسقوطهم بالزَّرع المحصود، وفي دمارهم وسكونهم بالنَّار الخامدة. وإفراد ﴿حَصِيدًا﴾ دلَّ على أنَّ المِثْلَ مرادٌ، فخرج الكلام عن حدِّ الاستعارة إلى حدِّ التَّشبيه. * * * (١٦) - ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ﴾: ما في جهة العلوِّ والسُّفلِ. ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من العجائب والبدائع ولطائف الصَّنائع. ﴿لَاعِبِينَ﴾ كما يصنع أبناء الدُّنيا، إنَّما خلقناهما تسبيباً لِمَا تنتظِم به أمورُ

стр. 2965

العباد في المعاش والمعاد، وتبصرةً لأولي الألباب والأبصار، وتذكرةً لذوي الاعتبار من النُّظَّار، فليَعتبرْ بها طلَّابُ الكمال، ولا يغترُّوا بزخارفها، فإنَّها سريعةُ الزَّوال، ثمَّ بيَّنَ بقولِه: (١٧) - ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾. ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ﴾ أنَّ السبَّبَ في تركِ اتِّخاذ اللَّهوِ هو الحكمةُ البالغةُ، وإلَّا فالقدرة الباهرة (١) لا تنحسر عن ذلك إن أراد فعله، فإنَّه على كلِّ ما يشاء قدير، والحكمةُ وإنْ لم تكن منافيةً لاتخاذ (٢) اللَّهوِ - وهو ما يُتلهَّى به، ويندرج فيه اللَّعب - لكنَّها منافيةٌ لأنْ يَفعلَ فعلاً يكون به لاهياً. ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾؛ أي: مِن عالَم الغيب، لا من عالَم الشَّهادة؛ لأنَّه أشنعُ وأبعدُ من شأن الحكيم. ﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ذلك، ويدل على جوابه الجوابُ المتقدِّمُ. وقيل: ﴿إِنْ﴾ نافية، وزيادة ﴿كُنَّا﴾ لاستمرار النَّفي، لا لنفي الاستمرار؛ لأنَّه لا يناسب المقام، والجملة كالنَّتيجة للشَّرطيَّة. * * * (١٨) - ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾. ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ إضراب عن اتِّخاذ اللَّهو، وتنزيهٌ لذاته من

стр. 2966

اللَّعب؛ أي: بل من شأننا أن نغلِّبَ الحقَّ الذي من جملته الجدُّ على الباطل الذي من عداده (١) اللَّهو. ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾: فيَمحقُه ويُفنيه، من دُمِغ الرَّجلُ: إذا شُجَّ شجَّةً تبلغُ أمَّ الدِّماغ، فلا يحيى صاحبُها بعدَها أبداً (٢). استعار القذف - الذي هو الرَّميُ البعيدُ المستلزِمُ لصلابة المرميِّ - لإبطال الباطل بالحقِّ؛ تصويراً لإبطاله به ومحقِه في صورة جِرمٍ صلبٍ - كالصَّخرة مثلاً - قُذِفَ به على جِرْمٍ رخوٍ أجوفَ فدمغه؛ قضاءً لحقِّ البلاغة. وقرئ: (فيدمَغَه) بالنَّصب (٣)، ووجهُه - مع بُعْدِه - الحملُ على المعنى، والعطف على ﴿بِالْحَقِّ﴾. ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾: هالكٌ، الزُّهوق: ذهابُ الرُّوح، وذكرُه لترشيح المجاز. ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾: ممَّا تصفونه ممَّا ينافي حكمته ويستحيل عليه، وهو في موضع الحال، و (ما) مصدرَّية، أو موصولة، أو موصوفة. * * * (١٩) - ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾. ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خلقاً وملكاً.

стр. 2967

﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ منزلةً ومكانةً، لا منزلاً ومكاناً؛ يعني: الملائكة. شُبِّهوا في كرامتهم عندَ الله وقربهم بالمقرَّبين عند الملوك من زمرة خواصِّهم؛ بياناً لشرفهم. ويوقف على ﴿وَالْأَرْضِ﴾؛ لأنَّ (مَن) مبتدأٌ خبرُه: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾: لا يتعظَّمون عنها. ويجوز أن يكون معطوفاً على ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، والمعنى: له مَن في عالَم الشَّهادة ومَن في عالَم الغيب. ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾: ولا يَعيَون منها، وإنَّما نُفي الاستحسارُ - وهو مبالغةٌ في الحسور - للإيماء إلى أن ما هم فيه من دوام العبادة والدور بلا فترةٍ يوجب غاية الحسور (١)، وهم لا يحسرون، وإلَّا لكان نفي أدنى حسورٍ أبلغ (٢). * * * (٢٠) - ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾. ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ ينزِّهونه ويعظِّمونه دائماً. ﴿لَا يَفْتُرُونَ﴾ حال من الواو في ﴿يُسَبِّحُونَ﴾، وهو استئنافٌ، أو حالٌ مِن الضمير قبلَه (٣).

стр. 2968

(٢١) - ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾. ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً﴾ ﴿أَمِ﴾ هي المنقطعة بمعنى: (بل) والهمزة؛ للإضراب عمَّا قبلها، والإنكارِ لِمَا بعدَها، وهو اتِّخاذُ آلهةٍ أرضيَّة، وفي قوله: ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ سواءٌ كانَ صفة للآلهة، أو متعلِّقاً بالفعل على معنى الابتداء، تجهيلٌ لهم واستركاك لقولهم، وقوله: ﴿هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ تهكُّم بهم، ولومٌ لهم؛ فإنَّهم وإن كانوا لا يصرِّحون بذلك لكنَّه يلزمهم بادِّعاء الإلهيَّة لها، فإنَّ الإلهَ هو الذي يقدر على كلِّ ممكن، والإنشار من جملتها (١)، وهم يُنكِرون نسبةَ البعث وإنشار الموتى إلى الله تعالى القادرِ على كلِّ شيء، ويثبتون الإلهيَّة لأصنام نحتوها فلزمهم حصر الإنشار فيهم، فلذلك (٢) أورد ﴿هُمْ﴾ المفيدَ للحصر؛ مبالغةً في التَّجهيل والتَّوبيخ والتَّهكُّم بآلهتهم، وهو توبيخٌ في توبيخ. * * * (٢٢) - ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ﴾: صفة لـ ﴿آلِهَةٌ﴾، بمعنى: غيرُ الله؛ لتعذُّر الاستثناء (٣)، فإنَّ ﴿آلِهَةٌ﴾ جمعٌ منكورٌ غيرُ محصور، لا يشمل الله حتى يُستثنى منه، ولدلالته على أنَّ الفساد إنَّما يلزم من وجود آلهة فيهما دونه، والمرادُ لزومُ الفسادِ من وجودِها مطلقاً سواءٌ (٤) كانت معه أولا.

стр. 2969

ثمَّ إنَّ الفسادَ الآتيَ ذكرُه لزومُه - على ما ستقف عليه - على تقدير مطلق التَّعدُّد في الإله، وإنَّما فَرَض الآلهةَ غيرَ الله تعالى على وَفق معتقَدِهم؛ لزيادة تجهيلهم في هذا الأمر الجليل الشَّأن، فكأنَّه ضمَّنَ إثباتَ مطلقِ (١) التَّوحيد إبطالَ معتقدهم على أفحشِ وجهٍ وأشنعِه (٢). ﴿لَفَسَدَتَا﴾: لبطلتا؛ لِمَا يكون بينهما من التَّمانُع؛ إذ لا مجال للتَّوافق في المراد، وإلَّا يلزم أن تتطارد عليه القُدَر. ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ﴾ المحيطِ بجميعِ الأجرام، الذي هو محلُّ التَّدابير، ومنشأ التَّقادير. ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾: عمَّا يصفونه به ممَّا لا يليق بشأنه. * * * (٢٣) - ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ لعلوِّ سلطنته، وكمالِ علمِه وعظمتِه، وتفرُّدِه بالألوهيَّة، ولَمَّا كان الملوك والجبابرة عادتهم أن لا يُسألوا عن أفعالهم وتدابيرهم في ملكهم تهيُّباً وإجلالاً مع جواز الخطأ عليهم، فلَأَنْ لا يُسأل ربُّ الأرباب ومَلك الملوك خالقُ الكلِّ أولى، مع استحالة ذلك عليه. ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ لأنَّهم مملوكون مستعبَدون، والضَّمير للآلهة أو للعباد. * * *

стр. 2970

(٢٤) - أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾؛ أي: من دون الله ﴿آلِهَةً﴾: كرَّره استعظاماً لكفرهم، واستفظاعاً لأمرهم، وتبكيتاً وإظهاراً لغاية جهلهم، وضمًّا لإنكار أن يكون لهم دليل من العقل إلى إنكار أن يكون لهم دليل من النَّقل، ولهذا رتَّب على الأوَّل دليلَ العقل، وعلى الثَّاني دليلَ النَّقل (١)؛ يعني: أوجدوا آلهة يُنشرون الموتى فاتَّخذوهم آلهة لِمَا وجدوا فيهم من خواصِّ الألوهية، أم وجدوا في الكتب الإلهيَّة المنزَّلة الأمرَ بإشراكهم (٢) فامتثلوا الأمر؟! ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ من العقل والنَّقل؛ فإنَّه لا يصحُّ القولُ بما لا دليل عليه، كيف وقد تطابقت الحُجَج على بطلانه عقلاً ونقلاً؟ ﴿هَذَا ذِكْرُ﴾؛ أي: هذا الوحي الوارد على الأنبياء ﵈ كلِّهم (٣) عِظَةُ ﴿مَنْ مَعِيَ﴾ يعني: أمَّته ﵇ ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ يعني: أممَ الأنبياء الماضين ﵈، فانظروا هل تجدون فيها إلَّا الأمرَ بالتَّوحيد، والنَّهيَ عن الشِّرك؟ وقرئ: (ذكرٌ مَن معي وذكرٌ مَنْ قبلي) بالتَّنوين (٤)، على أنَّ (مَن) منصوب المحلَّ مفعولٌ للذِّكْرِ، وهو الأصل، والإضافة عارضة.

стр. 2971

وقرئ: (مِن معي ومِن قبلي) (١) على (مِن) الجارَّة، وإدخالُها على (مع) غريب، والوجه أنَّه ظرفٌ نحو: قبلُ وبعدُ وعندَ (٢) ولَدُنْ وما أشبه ذلك، فدخلت عليه (مِن) كما دخلت على أخواته. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ بل عندهم (٣) ما هو أصل الشَّرِّ والفساد وأسُّ الغيِّ والضَّلال، وهو الجهل وعدم التَّمييز بين الحقِّ والباطل، فلذلك كانت عادتهم الإعراض عن الحقِّ من التَّوحيد واتِّباعَ الباطل. وقرئ: (الحقُّ) بالرَّفع (٤)، على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوف، وهي جملةٌ مؤكِّدة وسّطت بينَ السَّبب والمسبَّب؛ أي: كون الجهل المحض سبباً للإعراض هو الحقُّ، وقُدِّمَتْ على المسبَّب لشدَّة الاهتمام والاعتناء بأنَّ سبب الإعراض ليس إلَّا الجهل، ويجوز حمل المنصوب على هذا المعنى، كقولك: هذا عبدُ الله الحقَّ لا الباطلَ، و ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ فعلٌ منسيُّ المفعول، جارٍ مجرى اللَّازم؛ لسلب (٥) مطلق العلم عنهم رأساً، وهذا الوجه أفصح وأعرب. * * *

стр. 2972

(٢٥) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ تعميمٌ بعدَ تخصيصٍ؛ لأنَّ ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ هو خبرٌ للمُشارِ إليه بـ ﴿هَذَا﴾، فلا يتناول إلَّا ذكر الموجودين بينَ أظهُرهم، وهو الكتب الثَّلاثة، والآية مقرِّرة لِمَا سبقها من آي التَّوحيد. * * * (٢٦) - ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾. ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ نزلَتْ في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بناتُ اللهِ (٦). ﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزيهٌ له تعالى عن ذلك. ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ أضربَ عنه ثمَّ أثبت أنهم عباد، والعبوديَّة (٧) تنافي الولادةَ، لكنهم مكرَمون مقرَّبون، فمِن ذلك أخطؤوا وزلَّتْ أقدامُهم. * * * (٢٧) - ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾. ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾: لا يقولون شيئاً حتى يقولَه، كما هو دَيْدَنُ العبيد المؤدَّبين، وأصله: لا يَسبق قولُهم قولَه، فنسبَ السَّبق إليه وإليهم، وجعلَ القولَ أداتَه ومحلَّه؛ تنبيهاً على استهجان السَّبق المعرَّض به للقائلين على الله تعالى ما لم يقله.

стр. 2973

وأُنيب اللَّام مناب الإضافة اختصاراً وتحامياً (١) عن تكرير الضَّمير. وقرئ: (لا يَسبُقونه) بالضَّمِّ (٢)، من سابقتُه فسبقتُه أسْبُقُهُ. ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: كما لا يسبقونه بالقول لا يسبقونه بالعمل، فلا يعملون إلَّا ما أمرهم به. * * * (٢٨) - ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾. ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ كالعلَّة لِمَا قبلَه، والتَّمهيدِ لِمَا بعده؛ أي: إنهم بعين الله تعالى يعلَم ما قدَّموا وما أخَّروا من أعمالهم؛ أي: لا يخفى عليه خافية، فلإحاطتهم بذلك يَضبطون أنفسهم ويتحفَّظون ممَّا (٣) لم يؤمروا به قولاً وفعلاً. ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ﴾ مهابةً منه ﴿إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾: لمن ارتضاه وأهَّله للشَّفاعة. ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾؛ أي: إنَّهم مع ذلك كلِّه قاضون حقَّ الهيبة والعظمة على حذرٍ ورِقْبَةٍ (٤). والخشيةُ: خوفٌ مع تعظيمٍ، ولذلك خُصَّ بها العلماء.

стр. 2974

والإشفاقُ: خوفُ مع الاعتناء؛ فإنْ عُدِّي بـ (مِن) فمعنى الخوف فيه أظهرُ، وإنْ عُدِّيَ بـ (على) فبالعكس. * * * (٢٩) - ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾. ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ﴾: مِنَ الملائكة، أو مِنَ الخلائق: ﴿إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ بعدَ أنْ وصفَهم بالكرامة والقُرْب والأوصاف الجميلة والأفعال المرضيَّة هدَّدَ مَن أشركَ منهم على سبيل الفَرْض والتَّقدير، وأنذره بالوعيد الشَّديد، مع إحاطة علمه بأنَّه لا يكون؛ تفظيعاً لشأن المشركين، وتهديداً لهم بتهديد مدَّعي الرُّبوبيَّة، ومبالغةً في نفي الولد؛ إذ لو أمكنَ لكان ربًّا من جنسه. ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾: مَن ظلمَ بالإشراك وادِّعاء الرُّبوبيَّة. * * * (٣٠) - ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أولم (١) يعلموا، تقريرٌ، والواو للعطف على مقدَّر؛ أي: أنكروا قدرتنا على البعث ولم يعلموا، والكفرةُ وإن لم يعلموا لكنَّهم متمكِّنون من العلم به بالاستفسار من الأخبار (٢) ومطالعة الكتب، فكأنَّهم علموا.

стр. 2975

وقيل: بالنَّظر؟، فإنَّ الفتقَ به عارضٌ مفتَقِرٌ إلى مؤثِّرٍ موجِبٍ بالذَّات ابتداءً أو بوسط (١). وفيه أنَّ أصالة الرَّتق وعروضَ الفَتق ممَّا لا يستقلُّ في معرفته (٢) العقلُ. ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا﴾ إنَّما قال: ﴿كَانَتَا﴾ دون: كنَّ؛ لأنَّ المراد جماعة السَّماوات وجماعة الأرَضين. ﴿رَتْقًا﴾: ذاتَ رتقٍ، وهو الالتحام، أو: مرتوقتين؛ أي: كانتا شيئاً واحداً، وحقيقةً متَّحدةً. وقرئ: (رَتَقاً) بفتح التَّاء (٣)، على تقدير: شيئاً رَتَقاً، فَعَلٌ بمعنى مفعولٍ، كالنّقَضِ (٤) والرَّفَض. ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ بالتَّنويع والتَّمييز بالصُّوَر المختلفة. ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾: وخلقنا من الماء كلَّ حيوانٍ؛ لأنَّه أعظم موادِّه، أو لفرط احتياجه إليه وامتناع وجوده وبقائه بدونه، أو صيَّرنا كلَّ شيء حيِّ بسببٍ من الماء.

стр. 2976

وقرئ: (حيًّا) (١) على أنَّه صفة ﴿كُلَّ﴾ أو مفعول ثانٍ والظَّرفُ لغوٌ. ﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ مع ظهور الآيات. * * * (٣١) - ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾: ثابتات، مِن رَسى: إذا ثبتَ. ﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ مفعول له؛ أي: كراهةَ أنْ تميدَ بهم، وقيل: لئلَّا تميدَ بهم، فحذف (لا) لأَمْن اللَّبس (٢). ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾: في الأرض أو الرَّواسي (٣). ﴿فِجَاجًا﴾: جمع فجٍّ، وهو الطَّريق الواسع، وإنَّما قُدِّمَ على: ﴿سُبُلًا﴾ - وهو صفةٌ له - ليصير حالاً مقدَّرةً، فيدلَّ على أنَّه حين خلقَها خلقَها مستعدَّة لذلك، أو ليُبدل منها ﴿سُبُلًا﴾ فيدلَّ ضمناً على أنَّه خلقَها ووسَّعها للسَّابلة، مع ما يكون فيه من التَوكيد، وأُخَر في قوله: ﴿سُبُلًا فِجَاجًا﴾ [نوح: ٢٠] للبيان والتَّوضيح بعد الإبهام. ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾؛ أي: ليهتدوا بها إلى مقاصدهم. * * *

стр. 2977

(٣٢) - ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾. ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ بقدرتنا من أنْ تقع على الأرض بغير عَمَدٍ (١). ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا﴾: أحوالِها الدَّالةِ على وجود الصَّانع وكمال قدرته وحكمته، وهو ما يُحَسُّ منها من الكواكب وحركاتها وأوضاعها، وما يُعلَمُ مِنْ عِلْمَي الهيئة والطَّبيعة. ﴿مُعْرِضُونَ﴾؛ أي: هم قوم عادتهم الإعراض (٢). * * * (٣٣) - ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ بيانٌ لبعضِ تلك الآيات، والمراد بـ ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ جنسَ الطَّوالع؛ اكتفاءً بأَبْيَنهما. ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ﴾ التَّنوين في ﴿كُلٌّ﴾ عوضٌ من المضاف إليه؛ أي: كلُّهم. ﴿يَسْبَحُونَ﴾ حالٌ من ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾، كقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢]، أو استئناف، أو خبر ﴿كُلٌّ﴾. والمراد بالفُلْكِ: الجنسُ، كقولهم: كساهم الأميرُ الحُلَّة.

стр. 2978

قالوا: إنَّ تحتَ السَّماء فُلكاً هو موجٌ مكفوفٌ فيه الكواكب كلُّها، ولذلك قال: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ كما يسبح الإنسان في الماء. وقيل: شُبِّهَتْ حركتُهما في الإسراع بسباحة السَّابح. ويردُّه: أنَّ حقَّ التَّشبيه أن يكون المشبَّه به أقوى من المشبَّه في وجه الشَّبه، وعكسه اللَّازم على ما ذُكِرَ مردودٌ في الكلام البليغ، فكيف في المعجِزِ؟! وإنَّما جُمِعَ جمعَ العقلاء لأَنَّهم وُصِفُوا بوصفِهم. * * * (٣٤) - ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾. ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ كانوا يقولون: نتربَّص به ريب المنون، فنزلَتْ (١). والفاء في قوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ لتعليق الشرطيَّة بما قبلَها من التَّمهيد، والهمزةُ لإنكارها بعدما تقرَّر ذلك. * * * (٣٥) - ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾؛ أي: كلُّ نفسِ حيوانٍ تذوقُ مرارة مفارقتها جسدها، وهو تقريرٌ لِمَا مهَّده، وبرهانٌ على ما أنكره. ﴿وَنَبْلُوكُمْ﴾: ونعاملكم معاملةَ المختبِر ﴿بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾: بما يجبُ فيه الصَّبر من البلاء، وما يجب فيه الشُّكر من النِّعم، وإنَّما قدَّم الشَّرَّ لأنَّه أنسبُ بالابتلاء.

стр. 2979

﴿فِتْنَةً﴾: ابتلاءً، مصدر من غير لفظه. ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ فنجازيكم على حسَب ما يوجد منكم من الصَّبر والشُّكر، والجزَع والكفر. وفيه إيماءٌ إلى أنَّ المقصودَ من هذه الحياة الدُّنيا الابتلاءُ، والتَّعريضُ للثَّواب والعقاب؛ تقريراً لما سبق. * * * (٣٦) - ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾. ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾؛ أي: ما يتخذونك إلا مهزوًّا به، ويقولون: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾؛ أي: بسوءٍ، وإنَّما أطلقَه لدلالة الإنكار والتَّعجُّب المفهومَيْن مِن قولهم: ﴿أَهَذَا﴾. ﴿وَهُمْ﴾ خاصَّةً ﴿بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾؛ أي: بذكرك للرَّحمن بالخير، وما يجب أن يُذْكَر به كالتَّوحيد والثَّناء عليه بما هو أهله من التَّسبيح والتَّمجيد. ﴿هُمْ كَافِرُونَ﴾ فهم أحقُّ أنْ يُتَّخذوا هزواً؛ لأَنَّك محقٌّ وهم مبطلون، فتقديم ذكر الرَّحمن على الكفر دلالةٌ على تخصيصهم الكفرَ بذكر الرَّحمن دون آلهتهم، فإنَّهم عاكفون على ثنائهم وتعظيمهم. والجملة في محلِّ النَّصب على الحال؛ أي: يتخذونك هزواً وحالُهم أنَّهم على شيءٍ هو أصل الهزءِ والسُّخرية. * * *

стр. 2980

(٣٧) - ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾. ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ جعلَ ما طُبِعَ عليه بمنزلةِ ما طُبِعَ هو منه مبالغةً في فرط استعجاله وقلَّة تأنِّيه، وهو تمهيد لنهيهم عن الاستعجال، ومِن عَجَلَتِه استعجالُ الوعد. ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي﴾: نقماتي في الدُّنيا كوقعة بدر، وفي الآخرة عذاب النَّار. ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ بالإتيان بها. والمفهومُ ممَّا تقدَّم أنَّ الإنسان إذا خُلِّيَ وطبعَه يكون على العجلة، وهذا لا ينافي النَّهي عنها بل يستوجبه. * * * (٣٨) - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾: وقتُ وعدِ العذاب، أو القيامةِ. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يعنون النَّبيَّ ﵇ وأصحابَه ﵃. * * * (٣٩) - ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ﴾ ذكر الوجوه لأنَّها أشرف ما (١) في ظاهر الإنسان، ومحلُّ حواسِّه، وهو أحرص على الدِّفاع عنه من غيره من أعضائه.
следующие страницы →