وقرئ: (حيًّا) (١) على أنَّه صفة ﴿كُلَّ﴾ أو مفعول ثانٍ والظَّرفُ لغوٌ.
﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ مع ظهور الآيات.
* * *
(٣١) - ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾.
﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾: ثابتات، مِن رَسى: إذا ثبتَ.
﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ مفعول له؛ أي: كراهةَ أنْ تميدَ بهم، وقيل: لئلَّا تميدَ بهم، فحذف (لا) لأَمْن اللَّبس (٢).
﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾: في الأرض أو الرَّواسي (٣).
﴿فِجَاجًا﴾: جمع فجٍّ، وهو الطَّريق الواسع، وإنَّما قُدِّمَ على: ﴿سُبُلًا﴾ - وهو صفةٌ له - ليصير حالاً مقدَّرةً، فيدلَّ على أنَّه حين خلقَها خلقَها مستعدَّة لذلك، أو ليُبدل منها ﴿سُبُلًا﴾ فيدلَّ ضمناً على أنَّه خلقَها ووسَّعها للسَّابلة، مع ما يكون فيه من التَوكيد، وأُخَر في قوله: ﴿سُبُلًا فِجَاجًا﴾ [نوح: ٢٠] للبيان والتَّوضيح بعد الإبهام.
﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾؛ أي: ليهتدوا بها إلى مقاصدهم.
* * *
стр. 2977
(٣٢) - ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾.
﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ بقدرتنا من أنْ تقع على الأرض بغير عَمَدٍ (١).
﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا﴾: أحوالِها الدَّالةِ على وجود الصَّانع وكمال قدرته وحكمته، وهو ما يُحَسُّ منها من الكواكب وحركاتها وأوضاعها، وما يُعلَمُ مِنْ عِلْمَي الهيئة والطَّبيعة.
﴿مُعْرِضُونَ﴾؛ أي: هم قوم عادتهم الإعراض (٢).
* * *
(٣٣) - ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ بيانٌ لبعضِ تلك الآيات، والمراد بـ ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ جنسَ الطَّوالع؛ اكتفاءً بأَبْيَنهما.
﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ﴾ التَّنوين في ﴿كُلٌّ﴾ عوضٌ من المضاف إليه؛ أي: كلُّهم.
﴿يَسْبَحُونَ﴾ حالٌ من ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾، كقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢]، أو استئناف، أو خبر ﴿كُلٌّ﴾.
والمراد بالفُلْكِ: الجنسُ، كقولهم: كساهم الأميرُ الحُلَّة.
стр. 2978
قالوا: إنَّ تحتَ السَّماء فُلكاً هو موجٌ مكفوفٌ فيه الكواكب كلُّها، ولذلك قال: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ كما يسبح الإنسان في الماء.
وقيل: شُبِّهَتْ حركتُهما في الإسراع بسباحة السَّابح.
ويردُّه: أنَّ حقَّ التَّشبيه أن يكون المشبَّه به أقوى من المشبَّه في وجه الشَّبه، وعكسه اللَّازم على ما ذُكِرَ مردودٌ في الكلام البليغ، فكيف في المعجِزِ؟!
وإنَّما جُمِعَ جمعَ العقلاء لأَنَّهم وُصِفُوا بوصفِهم.
* * *
(٣٤) - ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾.
﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ كانوا يقولون: نتربَّص به ريب المنون، فنزلَتْ (١).
والفاء في قوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ لتعليق الشرطيَّة بما قبلَها من التَّمهيد، والهمزةُ لإنكارها بعدما تقرَّر ذلك.
* * *
(٣٥) - ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾.
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾؛ أي: كلُّ نفسِ حيوانٍ تذوقُ مرارة مفارقتها جسدها، وهو تقريرٌ لِمَا مهَّده، وبرهانٌ على ما أنكره.
﴿وَنَبْلُوكُمْ﴾: ونعاملكم معاملةَ المختبِر ﴿بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾: بما يجبُ فيه الصَّبر من البلاء، وما يجب فيه الشُّكر من النِّعم، وإنَّما قدَّم الشَّرَّ لأنَّه أنسبُ بالابتلاء.
стр. 2979
﴿فِتْنَةً﴾: ابتلاءً، مصدر من غير لفظه.
﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ فنجازيكم على حسَب ما يوجد منكم من الصَّبر والشُّكر، والجزَع والكفر.
وفيه إيماءٌ إلى أنَّ المقصودَ من هذه الحياة الدُّنيا الابتلاءُ، والتَّعريضُ للثَّواب والعقاب؛ تقريراً لما سبق.
* * *
(٣٦) - ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾.
﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾؛ أي: ما يتخذونك إلا مهزوًّا به، ويقولون:
﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾؛ أي: بسوءٍ، وإنَّما أطلقَه لدلالة الإنكار والتَّعجُّب المفهومَيْن مِن قولهم: ﴿أَهَذَا﴾.
﴿وَهُمْ﴾ خاصَّةً ﴿بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾؛ أي: بذكرك للرَّحمن بالخير، وما يجب أن يُذْكَر به كالتَّوحيد والثَّناء عليه بما هو أهله من التَّسبيح والتَّمجيد.
﴿هُمْ كَافِرُونَ﴾ فهم أحقُّ أنْ يُتَّخذوا هزواً؛ لأَنَّك محقٌّ وهم مبطلون، فتقديم ذكر الرَّحمن على الكفر دلالةٌ على تخصيصهم الكفرَ بذكر الرَّحمن دون آلهتهم، فإنَّهم عاكفون على ثنائهم وتعظيمهم.
والجملة في محلِّ النَّصب على الحال؛ أي: يتخذونك هزواً وحالُهم أنَّهم على شيءٍ هو أصل الهزءِ والسُّخرية.
* * *
стр. 2980
(٣٧) - ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾.
﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ جعلَ ما طُبِعَ عليه بمنزلةِ ما طُبِعَ هو منه مبالغةً في فرط استعجاله وقلَّة تأنِّيه، وهو تمهيد لنهيهم عن الاستعجال، ومِن عَجَلَتِه استعجالُ الوعد.
﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي﴾: نقماتي في الدُّنيا كوقعة بدر، وفي الآخرة عذاب النَّار.
﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ بالإتيان بها.
والمفهومُ ممَّا تقدَّم أنَّ الإنسان إذا خُلِّيَ وطبعَه يكون على العجلة، وهذا لا ينافي النَّهي عنها بل يستوجبه.
* * *
(٣٨) - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾: وقتُ وعدِ العذاب، أو القيامةِ.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يعنون النَّبيَّ ﵇ وأصحابَه ﵃.
* * *
(٣٩) - ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.
﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ﴾ ذكر الوجوه لأنَّها أشرف ما (١) في ظاهر الإنسان، ومحلُّ حواسِّه، وهو أحرص على الدِّفاع عنه من غيره من أعضائه.
стр. 2981
﴿وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ جواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، و ﴿حِينَ﴾ مفعول ﴿يَعْلَمُ﴾؛ أي: لو يعلمون الوقت الذي يستسخرون عنه بقولهم: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾، وهو وقتٌ صعبٌ تحيط بهم النَّار فيه من قدَّامٍ وخلف، فلا يقدرون على دفعها من (١) أنفسهم، ولا يجدون ناصراً ينصرهم = لَمَا كانوا بتلك الصِّفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال، ولكنَّ جهلهم به هو الذي هوَّنه عليهم، أو: لَمَا استعجلوا مستهزئين.
أو منصوب بمضمَر، و ﴿يَعْلَمُ﴾ مطلَق بلا مفعول، مُجرًى إجراء اللَّازم؛ أي: لو كان لهم علم لَمَا كانوا مستعجلين، حين (٢) لا يكفُّون عن وجوههم النَّار ولا عن ظهورهم يعلمون أنَّهم كانوا على الباطل، وينتفي عنهم هذا الجهل العظيم.
وإنَّما وُضعَ الظَّاهر فيه موضِعَ المضمَر (٣) للدِّلالة على ما أوجب لهم ذلك.
* * *
(٤٠) - ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.
﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾: فجأة، مصدر أو حال، أضرب عن كفِّ النَّار عن وجوههم وظهورهم؛ أي: لا يكفُّونها، بل تفجأهم.
﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾: فتغلبُهم، يقال للمغلوب في المحاجَّة: مبهوت.
стр. 2982
وقرئ الفعلان على التَّذكير (١)، والضَّمير للوعد أو للحين، وعلى التَّأنيث يجوز أن يرجع إلى العِدَةِ أو الموعدة أو الحين، على تأويل السَّاعة أو النَّار أو البغتة.
﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا﴾: فلا يقدرون على دفعها.
﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾: يمهلون، وفيه تذكيرٌ لهم بإمهالهم في الدُّنيا.
* * *
(٤١) - ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾: تسلية لرسول الله ﷺ .
﴿فَحَاقَ﴾: فحلَّ ونزلَ ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ﴾ جزاء ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وعدٌ له ﵇ بأنَّه يحيق بهم ما يفعلونه به (٢)، كما حاقَ بالمستهزئين بالأنبياء ما فعلوا.
* * *
(٤٢) - ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾.
﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أمرَ رسولَه ﵇ بسؤال المستهزئين عمَّن يحفظهم دائماً، وإنَّما قدَّم اللَّيل لأنَّ الحاجة إلى الحفظ أكثر وأظهر.
﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾: مِن بأسِه إن أراد بكم.
стр. 2983
قيل: في ذكر اسم ﴿الرَّحْمَنِ﴾ تنبيهٌ على أنْ لا كالئ غيرُ رحمته العامة، وأنَّ اندفاع البأس عن النَّاس لا يكون إلَّا بها.
وعندي أنَّ التَّنبيه فيه على أنَّ رحمته العامةَ لا تمنعه عن الغضب، فلا تغترُّوا بها، ولا يخفى أنَّ هذا هو الأنسب للمقام.
﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ إضرابٌ عن مقدَّر؛ أي: إنهم غير معرضين عن ربهم، وليسوا بغافلين عنه، حتى لا يجدي السُّؤال عنه، كيف وهم يتَّخذون الآلهة ويعبدونها في كلِّ وقت للشَّفاعة عنده تعالى، بل معرضون عن ذكره، فالتذكير يناسب حالهم (١).
وهذا المعنى مع ظهوره من مَساق الكلام، ووضوح انطباقه لمقتضى المقام، قد خفي على النَّاظرين فيه حتى قالوا (٢): لا يُخْطرونه ببالهم، فضلاً أن يخافوا بأسه، حتى إذا كُلِئوا منه عرفوا مَنِ الكالئ، وصلحوا للسؤال عنه.
ولم يتنبَّهوا أنَّه حينئذ لا يبقى وجه للأمر بالسُّؤال، وأيضاً حينئذٍ تضيع عبارة الذِّكر، بل تخلُّ بالمقصود؛ لإيهامها الشُّعور في الجملة.
* * *
(٤٣) - ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾.
﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ﴾ تحفظهم مانعين العذاب ﴿مِنْ دُونِنَا﴾ أضربَ عمَّا تقدَّم، منكراً لكلاءة آلهتهم ومنعهم من العذاب متجاوزاً منه تعالى، أو من عذاب
стр. 2984
يكون من عنده، بما في ﴿أَمْ﴾ من معنى (بل) والهمزةِ، وهذا الإضراب ليس للإبطال ولا للتَّرقي بل للانتقال من كلام إلى آخر.
قيل: والإضرابان عن الأمر بالسُّؤال على التَّرتيب، فإنَّه عن المعرِض الغافل عن الشَّيء بعيد، وعن المعتقِد لنقيضه أبعد.
وقد عرفْتَ فساد مبناه، ثمَّ إنَّه لا ينتظِم مع ذلك الاعتبارِ ما في الإضراب الثاني من زيادة الإنكار، وبعد اللُّتيا والَّتي قوله (١): المعتقِد لنقيضه، فريةٌ ما فيها مريةٌ؛ لِمَا نبَّهت عليه آنفاً.
﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾: يجارون، يُقال: صَحِبَكَ الله؛ أي: حفظك وأجارَك، استئناف بإبطال ما ذُكِرَ؛ فإنَّ مَن لا يقدر على نصر نفسه ولا يحفظه الله كيف ينصرُ غيرَه ويحفظه؟!
* * *
(٤٤) - ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾.
﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ ثمَّ أضرب عن المتوهَّم المتبادِر من ظاهر حالهم بعدما أنكره ببيان أنَّ ما هم عليه من الحفظ والكلاءة إنَّما هو منَّا لا من مانعٍ يمنعهم من إهلاكنا، وإنَّما حفظناهم للاستدراج، وهو تمتيعه تعالى إيَّاهم وآباءهم بما قُدِّرَ لهم من الأعمار، حتى حسبوا بسبب طول (٢) مدَّة الإمهال أنَّهم لا يزالون كذلك، وأنَّه بسبب (٣) ما هم عليه.
стр. 2985
ثمَّ عقَّبه بما يدلُّ على أنَّه أملٌ (١) كاذب وغرورٌ باطل، وهو قوله تعالى:
﴿يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ﴾: أرض الكفر ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ بتسليط المسلمين عليها، وهو تصوير ما كان الله تعالى يجريه على أيدي المسلمين، وفي إضافة إتيانهم بأمره إلى نفسه تعظيمٌ لشأنه.
﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ إنكارٌ لغلبتهم على الرَّسول ﵇ والمؤمنين بعدَ هذه المغلوبيَّة المتجدِّدة دائماً.
وفي التَّعريف تعريضٌ بأنَّ أعداءهم هم (٢) المعروفون المتعيِّنون بالغلبة دونهم.
* * *
(٤٥) - ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾.
﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾: بما أوحيَ إليَّ من الله تعالى، لا مِن قِبَلِ نفسي.
﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ﴾ وقرئ: ﴿وَلَا يَسْمَعُ﴾ من الإسماع - على خطاب الرَّسولِ - ونصبِ ﴿الصُّمُّ﴾ (٣)، وبالياء على إضماره (٤)، و: ﴿لَا يَسْمَعُ﴾ مبنياً للمفعول (٥)، من أُسْمِعَ.
стр. 2986
وفي قراءة: ﴿يَسْمَعُ﴾ المبني للفاعل التفاتٌ وتنويهٌ بذكر الرسول وتعظيمٌ له.
وإنَّما سمَّاهم الضُمَّ ووضعه موضع ضميرهم للدِّلالة على فرط تصامِّهم، وعدمِ انتفاعهم بالأسماع (١)، وإنْ جعلنا اللَّام للجنس كان أبلغَ؛ لِمَا فيه من معنى البرهان بالتَّعميم، ونوع من الكناية، وهو أبلغ مِن التَّصريح.
﴿إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾ منصوب بـ ﴿يَسْمَعُ﴾ لا بـ ﴿الدُّعَاءَ﴾ لأنَّه مصدر، فلا يعمل إلَّا منوَّناً.
والتَّقييد به لكون الكلام في الإنذار، وللمبالغة في أنَّهم لا يتأثرون به وقت الإنذار، فضلاً عن أن يسمعوه ثم يَذهلوا عنه، ولكونه كالقرينة في الكناية، كأنَّه أمره بقوله: ﴿إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾، ثمَّ قال: ولا يؤثر فيكم، فأنتم صمٌّ، ولا يسمَعُ هذا الجنسُ الدُّعاءَ.
* * *
(٤٦) - ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.
﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ﴾ أصل النَّفْحِ: هبوب رائحة الشَّيء، ويستعمل في كلِّ قلَّة، يُقال: نفحَتْهُ (٢) الدَّابةُ: إذا رمحتْه رَمحاً يسيراً، ونفحه بعطيَّة: إذا رضخه (٣)، ففيه مبالغة من جهة مادَّته الدَّالة على معنى النَّزارة، ومن جهة صيغته؛ أي: بناءِ المَرَّة، فإنَّها لأقلِّ ما ينطلق عليه الاسم، ومن جهة تنكيره الدَّال على التَّقليل.
стр. 2987
وأمَّا المس فهو أقوى من الإصابة؛ لِمَا في مفهومه من قيدٍ زائد عليها (١)، وهو أنْ تتأثر منه حاسَّة الممسوس (٢)، فإيثاره هنا على الإصابة للدِّلالة على أن عذاب الله تعالى وإنْ كان في غاية (٣) يتأثر منه مَن يصيبُه.
﴿مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾؛ أي: ولئن مسَّهم أدنى شيءٍ من العذاب الذي يُنذَرون به لأذعنوا واعترفوا بظلمهم في تصامِّهم وإعراضهم، داعين على أنفسهم بالويل.
* * *
(٤٧) - ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾.
﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾: صفة ﴿الْمَوَازِينَ﴾، ولم يُجمَع لأنَّه مصدر وصفت به للمبالغة كلِّها في أنفسها، عدل، وجاز أن يكون على حذف المضاف؛ أي: ذواتِ القسط، وقد سبق ما يتعلَّق بوضع الموازين في سورة الأعراف، وما يدل على أنَّه حقيقةٌ لا تمثيل.
واللام في: ﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ للوقت؛ أي: في يوم القيامة.
وقيل: معناه: لجزاء يوم القيامة، أو لأهلهم؛ أي: لأجْلهم، على الحذف.
стр. 2988
﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ بنقصٍ من ثوابه الموعود، أو زيادةٍ في عذابه المعهود، ويجوز أن يكون معناه: شيئاً من الظُّلم.
﴿وَإِنْ كَانَ﴾ أي: ما يُفعَل به مِنَ النَّقص والزِّيادة أو الظُّلم ﴿مِثْقَالَ﴾ مقدارَ ﴿حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ وقرئ: ﴿مِثْقَالَ﴾ بالرَّفع (١) على (كان) التَّامة.
وتأنيثُ ضمير المثقال في: ﴿أَتَيْنَا بِهَا﴾ لإضافته إلى الحبَّة، كقولهم: ذهبتْ بعضُ أصابعه.
أي: أحضرناها، وقرئ: (آتينا) (٢)، بمعنى: جازينا بها، من الإيتاء، فإنَّه بمعنى الإعطاء (٣)، أو من المؤاتاة، فإنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء.
﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ إذ لا مزيد على علمنا وعدلنا.
* * *
(٤٨ - ٤٩) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا﴾ هذه الثَّلاثة هي التَّوراة؛ فهي فرقانٌ بينَ الحقِّ والباطل، وضياءٌ يُستضاءُ به ويُتوصَّل به إلى سبيل النَّجاة في ظلمات الحيرة والجهالة، وذِكْرٌ؛ أي: شرفٌ، أو وَعْظٌ وتنبيهٌ، أو ذِكْرُ ما يحتاج إليه النَّاس في مصالح دارهم.
стр. 2989
ودخلت الواو على الصِّفات كما في قوله: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا﴾ [آل عمران: ٣٩] ٣٩]، وقرئ: (ضياءً) ثم بغير واو (١)، على أنَّه حال من ﴿الْفُرْقَانَ﴾.
ولَمَّا انتفعَ بذلك المتَّقون خصَّهم الله تعالى بقوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾، ومحلُّ: ﴿الَّذِينَ﴾ جرّ على الوصفيَّة، أو نصبٌّ على المدح، أو رفع عليه.
﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ حال من الفاعل أو المفعول.
﴿وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ﴾: القيامة وأهوالها.
﴿مُشْفِقُونَ﴾ الإشفاقُ: خوفٌ مع اعتناء.
وفي تصدير الضَّمير وبناء الحكم عليه مبالغةٌ وتعريضٌ.
* * *
(٥٠) - ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾.
﴿وَهَذَا﴾ القرآن ﴿ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾: كثيرٌ خيرُه ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ على محمَّدٍ ﵇.
﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ استفهامُ توبيخ بعد وضوح إعجازه ووفور بركته.
* * *
(٥١) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ﴾: الاهتداءَ لوجوه (٢) الصَّلاح، وإضافتُه ليدلَّ على أنَّه رُشْدُ مِثْله (٣)، وأنَّ له شأناً.
стр. 2990
وقرئ (رَشَدَه)، وهو لغة (١).
﴿مِنْ قَبْلُ﴾: مِن قبلِ موسى وهارون ﵉، أو: مِن قبلِ محمَّد ﵇.
﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ علمنا أنَّه أهلٌ لما آتيناه، أو جامعٌ لمحاسن الأوصاف ومكارم الأخلاق.
* * *
(٥٢) - ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾.
﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ متعلِّق بـ ﴿آتَيْنَا﴾، أوبـ ﴿رُشْدَهُ﴾، أو بمحذوفٍ؛ أي: اذكر من أوقات رشده وقتَ قوله:
﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ تجاهلٌ منه وتَغَالبٍ لتحقيرِ شأنها وتوبيخهم على إجلالها؛ فإنَّ التِّمثالَ جمادٌ لا يضرٌّ ولا ينفعُ، أصله: الصُّورة المصنوعة مشبَّهةً (٢) بمخلوقٍ من مخلوقات الله تعالى، ومنه تمثَّلْتُ الشَّيءَ بالشَّيءِ: إذا شبَّهْتهُ به.
واللام للتَّعليل؛ أي: لتعظيمها، و ﴿عَاكِفُونَ﴾ مجرًى إجراءَ اللَّازم، غيرُ منويَّ
стр. 2991
المفعول؛ أي: فاعلون العكوفَ لأجلها، وهو اللُّزوم لأمرٍ من الأمورِ، أو لتضمُّنِ العكوف معنى العبادة؛ لزيادة التَّوبيخِ، ويعضده ما في جوابهم (١) من قولهم: ﴿لَهَا عَابِدِينَ﴾
* * *
(٥٣) - ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾.
﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ جوابٌ عن التَّوبيخ بأنَّه طريقة أسلافنا، ما أحدثناها.
ولَمَّا ضمَّنوا جوابهم دعوى سواءِ (٢) طريقهم بالإسناد إلى الآباء والأجداد، ردَّ عليهم حيث:
(٥٤) - ﴿قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
﴿قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ﴾ تأكيدٌ للمتَّصل في ﴿كُنْتُمْ﴾ ليصحَّ العطفُ عليه.
﴿وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ مستقرُّون في ضلالٍ ظاهر.
والتَّأكيد بالقسم ووصفُ الضَّلال بالمبين؛ لإفادة وضوح استقرار المقلِّدين في ضلالٍ لا يخفى على مَن له أدنى عقلٍ؛ لعدم تمسُّك الفريقَيْن بدليلٍ، والتَّقليد في الأصول غير جائزٍ أصلاً، وفي الفروع إنَّما يجوز لمن علم في الجملة كونَ المقلَّدِ على الحقِّ.
* * *
стр. 2992
(٥٥) - ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾.
﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ لاستبعادهم تضليلَه إيَّاهم وآباءَهم، حسبوا أنَّه إنَّما قال ما قال (١) على وجه المزاح والملاعبة، فقالوا: أبجدٍّ تقولُ أم أنت لاعبٌ؟
وإنَّما غيَّروا النَّظم بإدخال الهمزة على الجملة الفعلية وقرينتها الجملة الاسميَّة لتوطينهم (٢) أنفسَهم على أنَّه من اللَّاعبين، ورسوخِ ذلك الاعتقاد عندهم، وأمَّا القِسْمُ الأول فلم يثبت عندهم فأظهروا أنَّه إنْ ثبتَ فشيء اختلجَ في ظنِّه.
* * *
(٥٦) - ﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾.
﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ إضراب عن كونه لاعباً بإقامة البرهان على ما ادَّعاه.
والضَّمير في ﴿فَطَرَهُنَّ﴾ لـ ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: أنشأهنَّ من غير شيءٍ، أو لـ ﴿التَّمَاثِيلُ﴾، وهو أَدخَلُ في تضليلهم وإلزام الحجَّة عليهم، فكأنه قيل: إنَّه تعالى خالقٌ وهنَّ مخلوقُه، فأنَّى يُعبَد المخلوق ويُجحَدُ الخالق! ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ﴾ المذكور من التَّوحيد.
стр. 2993
﴿مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾؛ أي: من المحققِّين له؛ لأنَّ الشَّاهد هو الذي تحقَّق لشَّيءَ وحققَّه، كأنَّه قال: وأنا أحقِّق ذلك وأُثْبته بالبرهان، لستُ مثلكم فأقولَ ما لا أقدر على إثباته (١) بالحجَّة، وأتمسَّكَ بالتَّقليد كما تمسَّكتم به.
* * *
(٥٧) - ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾.
﴿وَتَاللَّهِ﴾ قرئ بالباء على الأصل (٢)، والتَّاء بدل من الواو المبدلة منها.
والتَّاء في القَسَم تفيد معنى التَّعجب من المقسَم عليه، كأنَّه تعجَّب من تسهُّل ذلك الأمر الصَّعب على يده، ولهذا عبَّر عنه بالكيد المشتمِل على نوعٍ من الحيل.
﴿لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ الكيدُ: الاحتيال في وصول الضَّرر إلى المَكيد.
﴿بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾: بعد (٣) ذهابكم عنها.
وعن قتادة: أنَّه قال ذلك سرًّا (٤).
وقيل: سمعه رجلٌ واحدٌ (٥).
فلمَّا ذهبوا بقي إبراهيم ﵇ فكسر الأصنام، فالفاء في قوله:
стр. 2994
(٥٨) - ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾.
﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ فصيحةٌ، والجُذَاذُ: فُعالٌ بمعنى مَفعولٍ - كالحُطام - من الجذِّ وهو القَطْع، أو جمع جُذَاذة كزُجاجة وزُجاج.
وقرئ بالكسر (١)، وهو لغةٌ فيه، أو جمع جَذيذٍ، كخِفافٍ وخَفيفٍ.
وقرئ بالفتح (٢)، و: (جُذُذاً) جمع جَذيذ، و: (جُذَذاً) جمع جُذَّةٍ (٣). ﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾: للأصنام، أو للكفَّار. وروي أنه ﵇ كسرها كلَّها بالفأس إلَّا كبيرَها فعلَّق الفأس في عنقه (٤):
﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ﴾: إلى الكبير ﴿يَرْجِعُونَ﴾ فيسألونه عن كاسرها، فيتبيَّن (٥) لهم عجزُه.
وقيل: إلى إبراهيم ﵇، فيحاجُّهم بقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ فيَحُجُّهم.
أو: إلى الله؛ أي: يرجعون إلى توحيده عند تحقُّقهم عجز آلهتهم، ويرِدُ عليه أنَّه حينئذ يكون قوله: ﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ أجنبيًّا في البَيْن.
* * *
стр. 2995
(٥٩) - ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿قَالُوا﴾ حين رأوا ذلك بعدَ ما رجعوا:
﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾: لشديدُ الظُّلم؛ لجراءته على الآلهة الحقيقَةِ بالإعظام.
* * *
(٦٠) - ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾.
﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ بسوءٍ، صفةٌ لـ ﴿فَتًى﴾ مصحِّحةٌ لتعلُّق السَّمع به، وهو أبلغ في نسبة الذِّكْرِ إليه، وقيل: مفعولٌ ثانٍ لسمع، وليس يَثبت.
﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ صفةٌ أخرى، و ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ فاعلٌ، يُقال: لأنَّ المراد به الاسمُ لا المسمَّى.
* * *
(٦١) ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾.
﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ في محلِّ النَّصب على الحال؛ أي: بمرأًى منهم ومَنظرٍ، بمعنى: معايَناً مشاهَداً متمكِّناً صورتُه (١) في أعينهم تمكُّنَ الرَّاكب على المركوب.
﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ عليه بما فعله، أو بما يُسمع منه، أو يحضرون عقوبتنا له.
* * *
стр. 2996
(٦٣ - ٦٢) - ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾.
﴿قَالُوا﴾ بعدما أحضروه: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ﴾ إبراهيمُ ﵇:
﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ أَسند الفعل إلى السَّبب مجازاً؛ إذ الحاملُ على كسرهم هو؛ لأنَّه لَمَّا غاظه زيادةُ تعظيمهم له تسبَّب لمباشرته إيَّاه.
والأحسنُ الأفصح أنَّه من مَعاريض (١) الكلام، وذلك أنَّه لم يُرِدْ أن ينسبَ الفعل إلى الصَّنم، بل أراد تقريرَه لنفسه على أسلوبِ تعريضٍ مع الاستهزاء بهم بالغًا به غرضَه (٢) من إلزامهم (٣) الحجَّة وتبكيتهم، لا نفيَه (٤) عنْ نفسه وإثباتَه للصَّنم؛ لأنَّ إثباته للعاجز - والأمر دائرٌ بينهما - استهزاءٌ به وإثباتٌ للقادر، وما روي أنه ﵇ قال: "كذَب إبراهيمُ ثلاثَ كذبات" (٥)، تسميةٌ للمَعاريض (٦) بالكذب لَمَّا شابهت صورتُها صورتَه.
ويجوز أن يكون حكايةً لِمَا يؤدي إليه مذهبهم من جوازه، كأنَّه قال: ليس بمنكَرٍ أن يفعل هذا وأشدَّ منه مَن يُدْعى إلهاً.
стр. 2997
وقرئ: (فَعَلَّهُ كبيرُهم) (١) بمعنى: فلعلَّه كبيرهم (٢)؛ أي: فلعلَّ الفاعل كبيرهم.
* * *
(٦٤) - ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ ورجعوا إلى عقولهم ﴿فَقَالُوا﴾: فقال بعضهم لبعض: ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ بعبادةِ مَن لا ينطقُ ولا يمكنه دفعُ الضرر عن نفسه، لا مَن ظلمتُموه بقولكم: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
* * *
(٦٥) - ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾.
﴿ثُمَّ نُكِسُوا﴾ النَكسُ: جعلُ الشَّيء أسفلَه أعلاه، ومنه نُكِس المريضُ: إذا رجعَ أوَل حاله.
وهو عبارةٌ عن إطراقهم رؤوسَهم خجلاً، وللمبالغة في هذا المعنى ضمَّنه معنى السُّقوط؛ أي: نُكِسُوا ساقطين ﴿عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾، وقولهم: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ رميٌ عن حيرةٍ، ولهذا (٣) أتَوا بما هو حجَّةٌ عليهم.
وقيل: انقلبوا إلى المجادلة بعدما استقاموا بالمراجعة، شبَّه عَودهم إلى الباطل بصيرورة أسفلِ الشَّيءِ أعلاه.
وَيرِدُ عليه أنَّه حينئذٍ يضيع قوله: ﴿عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾.
стр. 2998
وقرئ: (نكِّسوا) بالتَّشديد (١)، و: (نَكَسوا) على البناء للفاعل (٢)؛ أي: نَكَسوا أنفسَهم على رؤوسهم.
﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ فكيف تأمرنا بسؤالها؟ وهو على إرادة القول، كان أمرُه ﵇ بالسُّؤال للتَّوبيخ والتَّبكيت، وحملوه على الحقيقة تجاهلاً، ثم نزَّلوا المخاطب منزلةَ الجاهل بمضمون الخبر، فلذلك أكَّدوه بـ (قد) ولامِ القسم، فكأنَّهم قابلوا توبيخه بنوعٍ من التَّشنيع.
* * *
(٦٦) - ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾.
﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ﴾ إنكار لعبادتهم لها بعد اعترافهم بأنَّها جمادات لا تنفع ولا تضرُّ.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ﴾ إنْ عبدتموه ﴿شَيْئًا﴾ في موضع المصدر؛ أي: نفعاً مّا ﴿وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ إن لم تعبدوه.
* * *
(٦٧) - ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
﴿أُفٍّ﴾: صوتٌ إذا صُوِّتَ به عُلِمَ أنَّ صاحبه متضجِّرٌ، أضجره ما رأى من ثباتهم على عبادتها بعد انقطاع عذرهم، وإصرارهم على الباطل بعد وضوح الحقِّ، فتأفًف بهم.
стр. 2999
واللام في: ﴿لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ لبيان المتأفَّف به؛ أي: لكم ولآلهتكم هذا التَّأفُفُ.
وقيل: معناه: قبحاً ونَتْناً.
ثمَّ وبَّخهم (١) على تمادي جهلهم بقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: أَبَعْدَ وضوحِ الحقِّ وزهوق الباطل لا تدركون قُبْحَ صنيعكم؟!
* * *
(٦٨) ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾.
﴿قَالُوا﴾ أخذاً (٢) في المضارَّة عند العجز عن المحاجَّة: ﴿حَرِّقُوهُ﴾ بالنَّار؛ فإنَّها أهون ما يُعاقب به وأفظع.
﴿وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ بالانتقام منه ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ فعلاً، وفيه تنزيلٌ لسائر أنواع العذاب منزلةَ العدم في هذا الباب، ولا يخفى لطف هذا التَّعبير البليغ على ذوي الألباب.
* * *
(٦٩) - ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾.
﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا﴾ شُبِّهَتِ النَّار لمطاوعتها إرادة الله تعالى وأمرَه بمأمورٍ مطيعٍ لا يتوقَّف في الامتثال عند أمرِ الآمر المُطَاع، وبُولغ في ذلك بإقامة:
стр. 3000
كوني ذاتَ بردٍ، مقامَ: ابرُدي (١)، ثمَّ حذف المضافَ وأقيم (٢) المضافُ إليه مقامه.
﴿وَسَلَامًا﴾؛ أي: ابرُدي برداً غيرَ ضارٍّ، وقيل: نصبُه (٣) بفعله؛ أي: وسلَّمنا سلاماً عليه.
روي: أنَّهم وضعوه في المنجنيق مغلولاً فرموه في نارٍ عظيمة (٤)، ولم يحترق منه إلَّا وثاقه، وعلى هذا تكون النَّار على حالها. ولا يناسبه المبالغةُ المذكورة في أمر تبريدها؛ فإنَّها ظاهرة في تحوُّلها (٥) من الحرارة إلى البرودة.
ولا إشعار في قوله: ﴿عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ بعدم التَّحوُّل؛ لأَنَّه متعلِّق بقوله: ﴿وَسَلَامًا﴾، لا بقوله: ﴿بَرْدًا﴾، فالمفهوم منه اختصاصُ عدم إضرار البرد به ﵇ (٦).
* * *
(٧٠) - ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾.
﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ احتيالاً في إضراره.
﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ بتصييرِ سعيهم برهاناً قاطعاً على أنَّه على الحقَ وأنَّهم على الباطل، وموجباً لارتفاع درجته واستحقاقهم أشدَّ العذاب.
* * *
стр. 3001
(٧١) - ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ أي: من العراق إلى الشَّام.
وبركاتُه الدِّينيَّة العامَّة: بعثُ أكثر الأنبياء ﵈، وانتشار شرائعهم التي هي مَبادي الخيرات في جميع أهل العالم.
وبركاته الدُّنيويَّة: كثرةُ النِّعم والخصب بكثرة الرَّوْضِ (١) والماءِ والشَّجر، والرُّخصِ فيه، فهي الأرض التي بورك فيها مطلقاً.
و ﴿بَارَكْنَا فِيهَا﴾ أبلغ من: باركناها؛ لدلالته على الظَّرفية والاستقرار، فكأنَّ تلك الأرض محيطة لأنواع البركات إحاطةَ الظَّرف للمظروف، وهي مستقرَّة فيها لا تزول عنها.
وروي: أن إبراهيم ﵇ نزل بفلسطين، ولوطاً (٢) ﵇ بالمؤتفكة، وبينهما مسيرة يوم وليلة (٣).
* * *
(٧٢) - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾.
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ النَّافلةُ: ولد الولد، وهي في الأصل: الزِّيادة والفضل.
قيل: ﴿نَافِلَةً﴾ زيادةً على ما سألَ؛ لأنَّه ﵇ سأل إسحاق فأُعْطِيَه، وأُعْطِيَ يعقوب زيادة على ما سأل وفضلاً، حال مختَّصة، ولا بأس به للقرينة.
стр. 3002
﴿وَكُلًّا﴾؛ أي: من (١) الأربعة المذكورين ﴿جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ لأنَّ الأنبياء هم المصلحون، وشرطُ الإصلاح هو الصَّلاح.
* * *
(٧٣) - ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾.
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ يقتدون بهم ﴿يَهْدُونَ﴾ النَّاسَ إلى الحقِّ ﴿بِأَمْرِنَا﴾ لهم بذلك.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾ للاهتداء أوَّلاً، ثمَّ القيام بالهداية حتى يشملَهم وأممَهم (٢) فعلُها، ويتمَّ كمالهم بانضمام العمل إلى العلم.
وأصلُه: أن تُفعل الخير ات، ثم: فِعلاً الخيراتِ، ثم: ﴿فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾ بالإضافة، وكذلك قوله:
﴿وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ وهو عطف الخاصِّ على العامِّ للتَّفصيل.
وحذف تاء الإقامة المعوَّضة من أحد (٣) الألفين لقيام المضاف إليه مقامه.
﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ مخصِّصين بنا العبادة (٤).
* * *
стр. 3003
(٧٤) - ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾.
﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾: حكمةً، وهو فعلُ ما ينبغي فعلُه وجوباً أو ندباً.
وقيل: نبوَّة، أو فصلاً بين الخصوم.
﴿وَعِلْمًا﴾ بما ينبغي علمُه للأنبياء ﵇.
﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ﴾ هي سدوم.
﴿الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ من اللِّواطة وسائر المنكرات التي كانوا يأتونها في ناديهم، وصَفها بصفة أهلها، وأسندَها إليها على حذف المضاف وإقامتها مقامه، على ما دلَّ عليه التعليل بقوله:
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ ونكتةُ ذلك الإشعارُ بعلامة السَّببية، فإنَّ للتُّربة تأثيراً في تغيير طبيعة أهلها من السَّداد إلى الفسادِ، ولذلك قال: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ﴾؛ أي: أخلصناه من تلكَ التُّربة الخبيثة.
* * *
(٧٥) - ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا﴾؛ أي: في أهل رحمتنا، أو: في الجنَّة.
﴿إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الذين سبقَتْ لهم منَّا الحسنى، وهو كالتَّعليل لِمَا تقدَّمَ.
* * *
(٧٦) - ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾.
стр. 3004
﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى﴾؛ أي: دعا ربَّه على قومِه بالهلاك ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ المذكورين ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ دعاءَه.
﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ هو الطُّوفان، أو أذى قو مه، والكربُ: الغمُّ المفرِط.
* * *
(٧٧) - ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
﴿وَنَصَرْنَاهُ﴾ فانتصر (١) ﴿مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ فتعديتُه بـ ﴿مِنَ﴾ بمدلوله إشارةً، لا بما في مفهومه من معنى المنع، ولا بتأويل (٢): جعلناه منتصراً (٣).
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ تعليلٌ لِمَا تقدَّم، وتمهيدٌ لِمَا تأخَّرَ.
﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ﴾ لذلك ﴿أَجْمَعِينَ﴾ عذاب الاستئصال لشدَّة الغضب، وهي لكمال استحقاقهم له.
* * *
(٧٨) - ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾.
стр. 3005
﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ نصب باذْكُرْ، ﴿إِذْ﴾ بدلٌ منهما ﴿يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ هو محلُّ الزَّرع.
﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ قال ابن السِّكِّيْتُ: والنَّفْشُ: مصدر نفشْتُ القطنَ وغيره، والنَّفْشُ: أن تَنْفُشَ الإبلُ باللَّيل فترعى (١).
﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ﴾ جمع الضَّمير لأنَّه أرادهما والمتحاكمَينِ إليهما، وقرئ: (لِحُكْمِهِما) (٢).
﴿شَاهِدِينَ﴾: عالِمِين.
* * *
(٧٩) - ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ الضَّمير للحكومة، أو الفتوى.
روي (٣) أن داود ﵇ حكم الغنم لصاحب الحرث، فقال سليمان ﵇ وهو ابن إحدى عشر سنة -: غير هذا أرفق بالفريقَيْن، فعزم عليه ليحكمَنَّ، فقال: أرى أن تدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها وأصوافها، والحرث إلى أرباب الغنم يقومون عليه حتى يعود كهيئة يوم أُفْسِدَ،
стр. 3006
ثم يترادَّان، فقال: القضاءُ ما قضيْتَ، وأمضى الحكم بذلك (١).
وكان ذلك باجتهاد منهما، وهذا كان في شريعتهم، وعدمُ انتقاض حكم الاجتهاد باجتهادٍ آخر في شريعتنا، فلا دلالة فيه على أنَّهما حَكَمَا بالوحي، أو كان حكم سليمان ﵇ وحدَه بالوحي.
ولَمَّا كان المتبادِر إلى الوهم من تخصيص سليمان ﵇ بتفهيم الحكومة أنْ لا يكون ما قضاه داود ﵇ حكماً شرعيًّا دفعَه بقوله:
﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ فالقول السَّابق دلَّ على أنَّ الأصوبَ كان حكمَ سليمان ﵇، وهذا القولُ دلَّ على أنَّهما جميعاً على الصَّواب، ففيه دليل على أنَّ كلُّ مجتهِدٍ مصيبٌ.
﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ حال بمعنى: مسبِّحاتٍ، أو استئنافٌ على تقدير سؤال سائل قال: كيف سخرهنَّ (٢)؟ فقال: يسبِّحنَ؛ أي: يقدِّسْنَ اللهَ تعالى. و ﴿مَعَ﴾ متعلِّقة به، أوبـ ﴿وَسَخَّرْنَا﴾، وتتمَّة الكلام تأتي في (سورة سبأ) بإذن الله تعالى.
﴿وَالطَّيْرَ﴾ عطف على ﴿الْجِبَالَ﴾، أو مفعول معه، وإنَّما قدَّم الجبال على الطَّير، وجعلَتْ أصلاً في التَّسبيح؛ لأنَّ تسخيرها وتسبيحها أدلُّ على القدرة، وأدخَلُ في الإعجاز، وأخرقُ للعادة؛ لأنَّها جماد. وقرئ بالرَّفع على الابتداء (٣).
стр. 3007
﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾: قادرين على أمثاله، ليس ببِدْعٍ منَّا وإنْ كان عجيباً عندكم، أو: فاعلين للأنبياء أمثالَ ذلك.
* * *
(٨٠) - ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾.
﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾ اللَّبوسُ: اللِّباسُ، والمراد الدِّرع؛ قال قتادة: كانت صفائح، فأوَّل مَن حلَّقها وسَرَدها داود ﵇، فجَمَعَتِ الخفَّةَ (١) والتَّحصين (٢).
﴿لَكُمْ﴾ متعلِّق بـ (علَّم)، أو صفةٌ لـ ﴿لَبُوسٍ﴾.
﴿لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ بدل منه بدلَ الاشتمال بإعادةِ الجارِّ، والضَّمير لداود ﵇، أو لـ ﴿لَبُوسٍ﴾.
وقرئ بالتَّاء للصَّنعة، أو لـ ﴿لَبُوسٍ﴾ على تأويل الدِّرع، وقرئ بالنُّون لله تعالى (٣).
﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ أصله: فهل تشكرون؟ لاقتضاء الاستفهام الفعل، فعدل عن الجملة الفعلية إلى الاسميَّة (٤)، ولم يقل: فهل أنتم تشكرون (٥)؛ لئلا يُفْهَم منه رائحة التَّجدد، ويفهم منه طلبُ دوام الشُّكر، وهو أمرٌ أُخرِجَ
стр. 3008
في صورة الاستفهام، وأُفرغ في هذا القالب؛ للمبالغة في طلب دوام الشُّكر مع التَّقريع.
* * *
(٨١) - ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾.
﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾: وسخَّرناها له، وإنَّما جيء باللَّام فيه وبـ ﴿مَعَ﴾ في داود ﵇ على تعلُّقه بـ (سخرنا)؛ لأنَّ نفع تسخير الرِّيح - وهي جريانها بأمره - مختصٌّ به، بخلاف تسبيح الجبال، بعد اشتراكهما في خرق العادة (١).
﴿عَاصِفَةً﴾ وصف الرِّيحَ هنا بالعصف، وهو شدة الهبوب، وفي سورة (ص) بالرَّخاوة لكونها في نفسها رخيَّةً طيِّبةً كالنَّسيم (٢)، وفي فعلها بكرسيه ﵇ وإذهابهِ في مدَّةٍ يسيرة عاصفةً.
وقيل: كانت عاصفةً تارة، ورُخاءً أخرى، على حسب إرادته.
﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾: بمشيئته، حال ثانية، أو بدلٌ من الأولى، أو حالٌ من ضميرها.
﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾؛ أي: حاملةً لكرسيِّه إليها؛ أي: إلى الشَّام، وكان (٣) منزله بها، وتحمله الرِّيح من نواحي الأرض إليها.
﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ فنُجْريهِ على ما تقتضيه الحكمة.
* * *
стр. 3009
(٨٢) - ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾.
﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ في البحار فيستخرجون نفائسها.
و ﴿مَنْ﴾ منصوب المحلِّ، عطف على ﴿الرِّيحَ﴾، أو مرفوع بالابتداء، و ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ﴾ خبره قدِّم (١) عليه، فساغ الابتداء بها وهي نكرة على أنَّها موصوفة.
﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾: ويتجاوزون ذلك إلى أعمالٍ أُخَر، على ما فصَّلَ في سورة (ص).
﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ أن يزيغوا عن أمره، أو يميلوا إلى الفساد الذي هو مقتضى جِبِلَّتهم.
* * *
(٨٣) - ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ نصب بإضمار (اذكر)، و ﴿إِذْ﴾ بدل منه.
﴿أَنِّي مَسَّنِيَ﴾؛ أي: بأني، وقرئ بالكسر (٢) على إضمار القول، أو تضمُّنِ النِّداء معناه.
﴿الضُّرُّ﴾ بالفتح شائع في كلِّ ضرر، وبالضَّمِّ مختصّ بما في النَّفس من مرضٍ وهُزال.
стр. 3010
﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ وصف ربَّه بغاية الرَّحمة بعدما وصفَ نفسَه بما يوجبها، واكتفى بذلك عن عرض المطلوب؛ رعايةً لحسن السُّؤال ولطفه، وقضاءً لحقِّ الأدب.
وكان روميًّا من ولد عيص بن إسحاق ﵇، استنبأه الله تعالى، وكثر أهله وماله، فابتلاه الله تعالى بهلاك أولاده، وذهاب أمواله، والمرضِ في بدنه ثماني عشرةَ سنة، وقالت له امرأته يوماً: لو دعوْتَ اللهَ تعالى، فقال لها: كم كانت مدَّة الرَّخاء؟ قالَتْ: ثمانين سنة، فقال: أنا أستحي (١) من الله تعالى أن أدعوَه وما بلغَتْ مدَّةُ بلائي مدَةَ رجائي (٢).
* * *
(٨٤) - ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾.
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ عظيمٍ بالشِّفاء من مرضه.
﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ لَمَّا كشفَ اللهُ تعالى عنه أَحْيَى ولدَه بأعيانهم، ورزقَه مثلَهم معهم (٣).
﴿رَحْمَةً﴾ على أيُّوب ﴿مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾: وتذكرةً لغيره من العابدين،
стр. 3011
ليصبروا (١) كما صبرَ، فيثابوا كما أُثِيْبَ في الدُّنيا والآخرة، أو: لرحمتنا للعابدين، وأنَّا نذكُرهم بالإحسان ولا ننساهم (٢).
وإذا أوقعنا الرَّحمةَ والذِّكْرَ على العابدين، ولم نخصِّص الرَّحمةَ بأيُّوب، دخل هو فيهم دخولاً أوَّليًّا، وأفاد أنَّ الرَّحمة والذِّكر بالإحسان إنَّما كانا بسبب العبادة والصَّبر، فكلُّ عابدٍ مرحومٌ مذكورٌ بالإحسان، وكان مِن باب إقامةَ المظهَر مقامَ المضمَر، فكان آكَدَ وأبلغ لإثبات الرَّحمة له بالبرهان.
* * *
(٨٥) - ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.
﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ﴾ هو إلياسُ ﵇، وقيل: يوشعُ، وقيل: زكريَّا، سُمِّيَ بذلك لأنَّه كان ذا الحظِّ مِنَ الله تعالى، أو تكفَّل أمَّته.
وقيل: كان له ضِعفُ عمل أنبياء زمانه وضِعفُ ثوابهم، والكِفْلُ يجيء بمعنى النَّصيب والكفالة والضِّعف.
﴿كُلٌّ﴾ أي: كلُّ هؤلاء ﴿مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ على مشاقِّ التَّكاليف وشدائد النَّوائب.
* * *
(٨٦) - ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا﴾ قد سبق تفسيره، وتفسير: ﴿إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
стр. 3012
(٨٧) - ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَذَا النُّونِ﴾: وصاحبَ الحوت يونسَ ﵇ ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ لقومِه؛ لكثرة ما قاسى في دعوتهم، وشدَّةِ سآمته لطول ما ذكَّرهم فلم يذَّكَّروا، فهاجر عنهم، أو: أغضبهم بمهاجرته لخوفِهم لحوق العذاب بهم، وكان عليه أن ينتظر الإذن، فلم يصبر، وظنَّ أنَّ المهاجرة أولى لكونها للغضب لله ودينه، والبغضِ للكفر وأهله، فابتليَ ببطن الحوت، وهو بناء المغالبة للمبالغة (١)؛ لأنَّ المغالب يُنفذ وسعه في الفعل.
أو بمعنى: مُغْضَباً، وقد قرئ به (٢).
﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ من القَدْر وهو التَّضييق، لا من القدرة، ويعضده أنَّه قرئ مثقَّلاً (٣)، ويجوز أن يكون ﴿نَقْدِرَ﴾ مخفَّفاً من القدرة، بمعنى: أنْ لن نُعمل قدرتنا فيه.
﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ أي: في الظُّلمة الشَّديدة المتكاثفة في بطن الحوت.
стр. 3013
وقيل: ظلمات بطن الحوت والبحر واللَّيل.
﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ﴾: بأنَّه لا إله إلا أنت، أو بمعنى: أيْ.
﴿سُبْحَانَكَ﴾ أنْ يعجزك شيء.
﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ لنفسي بالمبادرة إلى المهاجَرة.
* * *
(٨٨) - ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ بأنْ قذفه الحوت إلى السَّاحل. و ﴿الْغَمِّ﴾: غمُّ الالتقام.
﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ من غمومٍ دعَوا الله بالإخلاص. وقرئ: (ننجِّي) مثقَّلاً (١).
وفي "الإمام": ﴿نجي﴾، فلذلكَ أخفى الجماعة النُّون الثَّانية؛ فإنَّها تخفى مع حروف الفم (٢)، ومَنْ شدَّد الجيم (٣) فوجهُ صحَّته مشكلٌ، لا يكاد يتمشَّى.
стр. 3014
(٨٩) - ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾.
﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾: وحيداً؛ أي: ارزقني ولداً يرثني.
﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ استسلام وتفويض بعد السُّؤال؛ لأنَّه اقتراح وجرأة على الله تعالى؛ أي: الأمرُ إليك، فإنْ لم ترزقني فلا بأسَ، وأنتَ خيرُ الوارثين.
* * *
(٩٠) - ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾.
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ أي: حسَّنَّا خُلُقَها، وكانت سيِّئة الخُلُقِ.
وقيل: جعلناها صالحة للولادة بعد عُقرها.
وفيه: أنَّ حقَّ النَّظم والتَّرتيب أن يذكر ﴿وَأَصْلَحْنَا﴾ قبل ﴿وَوَهَبْنَا﴾.
﴿إِنَّهُمْ﴾؛ أي: الأنبياءَ المذكورين ﴿كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ المسارعةُ: المبادرة، وتعديتُها بـ (إلى)، وإنَّما عدلَ عنها إلى ﴿فِي﴾ للدِّلالة على أنَّهم لا يغترُّون (١) بتحصيل بعض الخيرات، بل يُظهرون الجِدَّ والرَّغبة إلى تحصيل بعضٍ آخر منها، وهذه الدلالة تجعل الخيرات ما فيه المسارعة، لا ما إليه.
﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾؛ أي: طمعاً وخوفاً، كقوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّه﴾ [الزمر: ٩]، وهما مصدران في موضع الحال، أو المفعولِ له؛ أي:
стр. 3015
للرَّغبة فينا والرَّهبة منَّا، وهو بإشارته إلى أنَّهم يعلمون أنَّ النَّفع والضُّرَّ مِن الله تعالى تمهيدٌ لِمَا دلَّ عليه قوله:
﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ من ثباتهم واستمرارهم، على تخضيص الخشوع له تعالى، وقد سبقَ تفسير الخشوع، والمعنى: أنَّهم ما استحقُّوا الإجابة إلى طلباتهم، وما نالوا من الله تعالى ما نالوا، إلَّا بهذه الخِصَال.
* * *
(٩١) - ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَالَّتِي﴾ واذكر التي؛ يعني: مريم، وإنَّما ذكرها بطريق الكناية لأنَّ تنويه الشَّأن بالأسماء حقُّ الرِّجال.
﴿أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا﴾ الإحصانُ: إحرازُ الشَّيء عن الفساد، والفاء التفريعية في قوله:
﴿فَنَفَخْنَا﴾ قد دلَّت على أنَّ المراد: حفظُها من الحرام فقط؛ لأنَّ النكّاح مستحبٌّ، بل سُنَّة قديمة، فلا يصلح الاحتراز عنه منشأً للفضيلة.
﴿فِيهَا﴾ أي: فعلنا النَّفخ في مريم.
﴿مِنْ رُوحِنَا﴾: من جهته، والمراد من الرُّوح: جبريلُ ﵇، فإنه نفخ في جيب درعها، فوصل النَّفخ إلى جوفها، وإضافتُه إليه تعالى للتَّشريف.
﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا﴾؛ أي: حالها وهي ولادتها إيَّاه من غير فحلٍ (١)، ولذلك وحَّدَ قوله: