ليصبروا (١) كما صبرَ، فيثابوا كما أُثِيْبَ في الدُّنيا والآخرة، أو: لرحمتنا للعابدين، وأنَّا نذكُرهم بالإحسان ولا ننساهم (٢).
وإذا أوقعنا الرَّحمةَ والذِّكْرَ على العابدين، ولم نخصِّص الرَّحمةَ بأيُّوب، دخل هو فيهم دخولاً أوَّليًّا، وأفاد أنَّ الرَّحمة والذِّكر بالإحسان إنَّما كانا بسبب العبادة والصَّبر، فكلُّ عابدٍ مرحومٌ مذكورٌ بالإحسان، وكان مِن باب إقامةَ المظهَر مقامَ المضمَر، فكان آكَدَ وأبلغ لإثبات الرَّحمة له بالبرهان.
* * *
(٨٥) - ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.
﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ﴾ هو إلياسُ ﵇، وقيل: يوشعُ، وقيل: زكريَّا، سُمِّيَ بذلك لأنَّه كان ذا الحظِّ مِنَ الله تعالى، أو تكفَّل أمَّته.
وقيل: كان له ضِعفُ عمل أنبياء زمانه وضِعفُ ثوابهم، والكِفْلُ يجيء بمعنى النَّصيب والكفالة والضِّعف.
﴿كُلٌّ﴾ أي: كلُّ هؤلاء ﴿مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ على مشاقِّ التَّكاليف وشدائد النَّوائب.
* * *
(٨٦) - ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا﴾ قد سبق تفسيره، وتفسير: ﴿إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
стр. 3012
(٨٧) - ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَذَا النُّونِ﴾: وصاحبَ الحوت يونسَ ﵇ ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ لقومِه؛ لكثرة ما قاسى في دعوتهم، وشدَّةِ سآمته لطول ما ذكَّرهم فلم يذَّكَّروا، فهاجر عنهم، أو: أغضبهم بمهاجرته لخوفِهم لحوق العذاب بهم، وكان عليه أن ينتظر الإذن، فلم يصبر، وظنَّ أنَّ المهاجرة أولى لكونها للغضب لله ودينه، والبغضِ للكفر وأهله، فابتليَ ببطن الحوت، وهو بناء المغالبة للمبالغة (١)؛ لأنَّ المغالب يُنفذ وسعه في الفعل.
أو بمعنى: مُغْضَباً، وقد قرئ به (٢).
﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ من القَدْر وهو التَّضييق، لا من القدرة، ويعضده أنَّه قرئ مثقَّلاً (٣)، ويجوز أن يكون ﴿نَقْدِرَ﴾ مخفَّفاً من القدرة، بمعنى: أنْ لن نُعمل قدرتنا فيه.
﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ أي: في الظُّلمة الشَّديدة المتكاثفة في بطن الحوت.
стр. 3013
وقيل: ظلمات بطن الحوت والبحر واللَّيل.
﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ﴾: بأنَّه لا إله إلا أنت، أو بمعنى: أيْ.
﴿سُبْحَانَكَ﴾ أنْ يعجزك شيء.
﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ لنفسي بالمبادرة إلى المهاجَرة.
* * *
(٨٨) - ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ بأنْ قذفه الحوت إلى السَّاحل. و ﴿الْغَمِّ﴾: غمُّ الالتقام.
﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ من غمومٍ دعَوا الله بالإخلاص. وقرئ: (ننجِّي) مثقَّلاً (١).
وفي "الإمام": ﴿نجي﴾، فلذلكَ أخفى الجماعة النُّون الثَّانية؛ فإنَّها تخفى مع حروف الفم (٢)، ومَنْ شدَّد الجيم (٣) فوجهُ صحَّته مشكلٌ، لا يكاد يتمشَّى.
стр. 3014
(٨٩) - ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾.
﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾: وحيداً؛ أي: ارزقني ولداً يرثني.
﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ استسلام وتفويض بعد السُّؤال؛ لأنَّه اقتراح وجرأة على الله تعالى؛ أي: الأمرُ إليك، فإنْ لم ترزقني فلا بأسَ، وأنتَ خيرُ الوارثين.
* * *
(٩٠) - ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾.
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ أي: حسَّنَّا خُلُقَها، وكانت سيِّئة الخُلُقِ.
وقيل: جعلناها صالحة للولادة بعد عُقرها.
وفيه: أنَّ حقَّ النَّظم والتَّرتيب أن يذكر ﴿وَأَصْلَحْنَا﴾ قبل ﴿وَوَهَبْنَا﴾.
﴿إِنَّهُمْ﴾؛ أي: الأنبياءَ المذكورين ﴿كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ المسارعةُ: المبادرة، وتعديتُها بـ (إلى)، وإنَّما عدلَ عنها إلى ﴿فِي﴾ للدِّلالة على أنَّهم لا يغترُّون (١) بتحصيل بعض الخيرات، بل يُظهرون الجِدَّ والرَّغبة إلى تحصيل بعضٍ آخر منها، وهذه الدلالة تجعل الخيرات ما فيه المسارعة، لا ما إليه.
﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾؛ أي: طمعاً وخوفاً، كقوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّه﴾ [الزمر: ٩]، وهما مصدران في موضع الحال، أو المفعولِ له؛ أي:
стр. 3015
للرَّغبة فينا والرَّهبة منَّا، وهو بإشارته إلى أنَّهم يعلمون أنَّ النَّفع والضُّرَّ مِن الله تعالى تمهيدٌ لِمَا دلَّ عليه قوله:
﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ من ثباتهم واستمرارهم، على تخضيص الخشوع له تعالى، وقد سبقَ تفسير الخشوع، والمعنى: أنَّهم ما استحقُّوا الإجابة إلى طلباتهم، وما نالوا من الله تعالى ما نالوا، إلَّا بهذه الخِصَال.
* * *
(٩١) - ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَالَّتِي﴾ واذكر التي؛ يعني: مريم، وإنَّما ذكرها بطريق الكناية لأنَّ تنويه الشَّأن بالأسماء حقُّ الرِّجال.
﴿أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا﴾ الإحصانُ: إحرازُ الشَّيء عن الفساد، والفاء التفريعية في قوله:
﴿فَنَفَخْنَا﴾ قد دلَّت على أنَّ المراد: حفظُها من الحرام فقط؛ لأنَّ النكّاح مستحبٌّ، بل سُنَّة قديمة، فلا يصلح الاحتراز عنه منشأً للفضيلة.
﴿فِيهَا﴾ أي: فعلنا النَّفخ في مريم.
﴿مِنْ رُوحِنَا﴾: من جهته، والمراد من الرُّوح: جبريلُ ﵇، فإنه نفخ في جيب درعها، فوصل النَّفخ إلى جوفها، وإضافتُه إليه تعالى للتَّشريف.
﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا﴾؛ أي: حالها وهي ولادتها إيَّاه من غير فحلٍ (١)، ولذلك وحَّدَ قوله:
стр. 3016
﴿آيَةً﴾ والتَّقدير: وجعلناها آية وابنها كذلك، ويعضدُه قراءة: (آيتين) (١).
﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ فإنَّ مَن تأمَّل حالَهما تحقَّق كمال قدرة الصَّانع تعالى.
* * *
(٩٢) - ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾.
﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ الأمَّة: الملَّة، والإشارة إلى ملَّة التَّوحيد والسَّلام؛ أي: إنَّ هذه الملَّةَ ملَّتكم التي يجب أن تكونوا عليها.
﴿أُمَّةً﴾: ملَّةً، حالٌ من معنى الإشارة في ﴿هَذِهِ﴾ أي: يُشار إليها أمَّة.
﴿وَاحِدَةً﴾ غيرَ مختلفةٍ فيما بين الأنبياء ﵈.
قرئ: (أمَّتكم) بالنَّصب على البدل من ﴿هَذِهِ﴾ و (أمَّةٌ) بالرَّفع على الخبر (٢).
وقرئ برفعهما (٣) على أنهما خبران أو قدِّر للثَّاني مبتدأ على: هي أمَّة.
﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ﴾ ربٌّ واحدٌ لا إلهَ غيري ﴿فَاعْبُدُونِ﴾ لا غيري.
* * *
(٩٣) - ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾.
﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ كان الخطاب السَّابق عامًّا للنَّاس كافَّة، فالتفتَ إلى الغيبة لينعى على الذين تفرَّقوا في الدِّين وكانوا شيعاً تقبيحَ فعلهم إلى غيرهم؛
стр. 3017
تمثيلاً لاختلافهم فيه، وصيرورتهم فِرَقاً وأضراباً شتَّى؛ أي: جعلوا أمرَ دينهم فيما بينهم قطعاً، كما يتوزَّع الجماعة الشَّيء ويقسمونه قطعة قطعة (١).
﴿كُلٌّ﴾ ثمَّ توعَّدهم بأنَّ كلَّ واحدة من تلك الفِرَق.
﴿إِلَيْنَا﴾ خاصَّة لا إلى غيرنا ﴿رَاجِعُونَ﴾ فنجازيهم.
* * *
(٩٤) - ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾.
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ بالله ورسوله.
﴿فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ استُعير الكفران لمنع الثَّواب والحرمان كما استُعير الشُّكر لإعطائه وقيل: إنَّ اللهَ شكورٌ (٢)، ونُفِيَ (٣) نَفْيَ الجنس للمبالغة، فمانَّه أبلغ من أن يُقال: فلا نكفر سعيه.
ثمَّ بُولِغَ وأكِّد في عدم تضييع سعيه بـ (إنَّ) وتقديم الجارِّ والمجرور فقيل:
﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾؛ أي: لذلك السَّعي في صحيفة عمله مُثْبتون له، فلا تضييع بوجهٍ مّا.
* * *
стр. 3018
(٩٥) - ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾.
﴿وَحَرَامٌ﴾ وقرئ: ﴿وَحَرَامٌ﴾ (١)، وهما لغتان، كحَلالٍ وحِلٍّ.
﴿عَلَى قَرْيَةٍ﴾ أي: ممتنعٌ على أهل قرية.
﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾: أردنا إهلاكها باستئصال أهلها.
﴿أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾: رجوعُهم إلى التَّوبة أو الحياة، و ﴿لَا﴾ صلةٌ، أو: عدمُ رجوعهم للجزاء، و (إنَّ) مع اسمها وخبرها مبتدأ، خبره (حرام).
وقرئ: (إنهم) بالكسر (٢)، على أنَّ الكلام تمَّ قبله، والمبتدأ محذوفٌ دلَّتْ عليه الآية المتقدمة؛ أي: وحرام على قرية أهلكناها ذلك؛ أي: العملُ الصَّالح والإيمانُ والسَّعيُ المشكور غيرُ المكفور، ثمَّ استُؤنف على سبيل التَّعليل، فقيل: إنَّهم لا يرجعون عن الكفر.
وعلى قراءة الفتح أيضاً لا يَبعد هذا الوجه؛ أي: لأنهم لا يرجعون.
* * *
(٩٦) - ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾.
﴿حَتَّى﴾ هي التي يُحكى بعدها الكلام، والكلام المحكيُّ الجملة من الشَّرط والجزاء؛ أعني:
﴿إِذَا﴾ وما في حيِّزها.
﴿فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ المفتوح حقيقةً هو السَّدُّ المنسوب إليهما، وإنَّما
стр. 3019
أسند إليهما على التَّجوُّز؛ لعلاقةٍ ظاهرة، ونكتةٍ لا يَخْفَى لطفُ موقعها.
و ﴿حَتَّى﴾ متعلِّقة بـ ﴿وَحَرَامٌ﴾، أو بمحذوفٍ دلَّ عليه الكلام؛ أوبـ ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: يستمر الامتناع، أو الهلاك، أو عدم الرُّجوع، إلى قيام السَّاعة، وفتحُ السَّد من أمارتها كُني به عنه.
﴿وَهُمْ﴾ يعني: يأجوج ومأجوج ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ﴾: مرتفَعٍ من الأرض، ولفظة ﴿كُلِّ﴾ للمبالغة في الكثرة.
أو المراد النَّاس كلُّهم، ويعضده قراءة ابن عباس ﵁: ﴿حَدَبٍ﴾ بالجيم والثَّاء (١)، وهو القبر.
﴿يَنْسِلُونَ﴾: يسرعون.
* * *
(٩٧) - ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.
﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾؛ أي: القيامة.
﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جواب الشَّرط، و (إذا) للمفاجأة سدَّ مسدَّ الفاء الجزائيَّة؛ كقوله: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦]، فإذا جاء الفاء معها تظاهرت على وصل الجزاء بالشَّرط، فيتأكَّد (٢)، وتوهُّمُ الجمع بين البدل والمبدَل ساقطٌ؛ لأنَّ (إذا) باقية على حالها، لم تُمحَّض بدلاً حتى يلزم الامتناع.
стр. 3020
ويجوز أن يكون الضَّمير بعدها ضميرَ القصَّة، و ﴿أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مبتدأ، ﴿شَاخِصَةٌ﴾ خبره، وأن يكون ضميراً مبهماً يفسِّره ﴿أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
﴿يَاوَيْلَنَا﴾ مقدَّر بالقول، واقع موقع الحال من الموصول.
﴿قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ اليوم.
﴿بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ أنفسَنا بعدم الاعتبار بإنذار المنذِرين، إضرابٌ عن الإخبار عن استقرارهم في الغفلة، وإبطالٌ له بالاعتراف بما هو الحقُّ.
* * *
(٩٨) - ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾.
﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أراد الأوثان؛ إذ الخطاب لقريش، لا الشَّيطانَ وأعوانَه؛ لِمَا سيأتي أن (ما تعبدون) لا يتناول ذوي العقول، ولا دلالة على ذلك فيما روي: أنَّه ﵇ لَمَّا تلا الآية على المشركين قال له ابن الزِّبَعْرَى: خَصَمْتُك وربِّ الكعبة! أليس اليهود قد عبدوا عزيراً، والنَّصارى المسيحَ، وبنوا مليح الملائكة، فقال ﵇: "بل هم عبدوا الشَّياطين التي أمرتْهم بذلك"، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ الآية [الأنبياء: ١٠١] (١).
стр. 3021
وليس فيه تخصيصٌ تأخَّر عن الخطاب؛ لأن (ما) لمن لا يعقل، فلا يتناولهم، دلَّ على ذلك ما رُوي أن النبيَّ (١) ﵇ قال له: "ما أجهلك بلغة قومك! أما علمت أنَّ (ما) لما لا يعقل" (٢)، فعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ﴾ الآيةَ لدفع احتمال المجاز والتَّغليب، لا لتخصيص العامِّ كما سبق إلى بعض الأوهام.
﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ الحَصَبُ: ما يُرْمَى به، فَعَلٌ بمعنى مفعولٍ؛ أي: يُحصب بهم في النَّار، وقرئ بسكون الصَّاد (٣) وصفاً بالمصدر.
﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾: استئناف أو بدل من ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾، واللَّام معوَّضة من (على) للاختصاص والدِّلالةِ على أنَّ ورودهم لأجلها.
* * *
(٩٩) - ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾؛ لأنَّ الورود للنَّار (٤) - وإن لم يلزمه العذابُ على ما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]- ليس مِن شأنَّ المعبودِ المختارِ.
﴿وَكُلٌّ﴾ أي: العابد والمعبود.
﴿فِيهَا خَالِدُونَ﴾ إنَّما قُرِنوا بآلهتهم لزيادة تعذيبهم؛ فإنَّ ما أصابهم إنَّما أصابهم
стр. 3022
بسببهم، فإذا قُرِنوا بهم ازداد غمُّهم وحسرتهم للِّقاء المؤذي، ولأنَّهم قدَّروا انتفاعهم في الآخرة بهم، وإذا وجدوا الأمر على عكس ما قدَّروا لم يكن شيءٌ بلا أبغضَ إليهم منهم، ومن هنا اتَّضح وجهُ خلودها في النَّار.
* * *
(١٠٠) - ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾.
﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾: أنينٌ وتنفُّسٌ شديد، وفيه تجوُّزٌ من جهة نسبة فعل البعض إلى الكلِّ، وتغليبٌ من جهة إطلاقهم على مجموع العقلاء وغيرهم، ولا تأثير للتَّغليب في الأوَّل.
﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ من الهولِ وشدَّة العذاب، وذلك بعد حين؛ لِمَا وردَ في بعض الآيات من مكالمتهم مع (١) خزنةَ النَّار.
* * *
(١٠١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾: الخصلة الحسنى، وهي السَّعادة القصوى، أو البُشرى بالثَّواب، أو التَّوفيق للطَّاعة.
﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ بدخول الجنَّة، سبقت الغاية في البداية، فظهرت الولاية في النِّهاية.
وفي عبارة ﴿مُبْعَدُونَ﴾ إشارةٌ إلى أنَّهم يَرِدونها ويقربون منها أوَّلاً، ولمَّا كان ذلك مظنّةَ أن يتأذَّوا عنها عند ورودهم إيَّاها وقُربهم منها دفعَه بقوله:
والعامل في ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ﴾، أو ﴿الْفَزَعُ﴾، أو ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ﴾.
والطَّيُّ: ضدُّ النَّشرِ، أو: المحوُ، من قولك: اطوِ عنِّي هذا الحديث.
﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾: كطيِّ الطُّومار لأجل الكتابة، أو: لِمَا يُكْتَب، أو كُتِبَ فيه، ويؤيِّده القراءة على الجمع (١)؛ أي: للمعاني الكثيرة المكتوبة فيه.
وقيل: السِّجلُّ: مَلَكٌ يطوي كتبَ الأعمال إذا رُفِعَتْ إليه.
وفيه: أنَّ حقَّ التَّشبيه أن يكون بالمعهود المعروف، وطيُّ ذلك (٢) الملَك لم يُعرَف إلَّا مِن هذا الكلام.
وقيل: كاتبٌ كانَ لرسول الله ﵇.
وفيه: أنَّه ليس لطيِّه خصوصيَّةٌ زائدة، وتخصيصُ التَّشبيه به يقتضي ذلك.
وقرئ: (السَّجْلِ) كالدَّلْو، و: (السُّجُلِّ) كالعُتُلِّ، وهما لغتان فيه (٣).
﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ ﴿أَوَّلَ خَلْقٍ﴾ مفعول ﴿بَدَأْنَا﴾، ومحلُّ الكاف النَّصبُ على المصدر، و (ما) كافَّة، أو مصدريَّة؛ أي: مثلَ ما بدأنا أوَّل خلقٍ نعيده.
أو مفعول (نعيد) مضمرٍ يفسِّره ما بعده (٤)؛ أي: نعيدُ أوَّل خلقٍ كما بدأناه.
стр. 3025
ويجوزُ أن تكون الكاف منصوبة بفعلٍ مضمرٍ يفسِّره ﴿نُعِيدُهُ﴾ (ما) موصولة و ﴿أَوَّلَ خَلْقٍ﴾ نصب على الظَّرف (١) لـ ﴿بَدَأْنَا﴾؛ أو نصب على الحال من ضمير الموصول المحذوف المقدَّر (٢) في ﴿بَدَأْنَا﴾؛ أي: نعيدُ مثلَ الذي بدأنا ونعيده في أوَّل خَلْقِنا إيَّاه، أو حالَ كونه أوَّل خلقٍ، شُبِّهَتِ الإعادة بالإبداء في تعلُّق القدرة بهما على السَّواء، والمرادُ إثبات صحَّة الإعادة بالقياس على الإبداء؛ لشمول الإمكان الذَّاتي المصحِّح للمقدورية لهما؛ أي: كما أنَّ أوَّل إيجاده من عدم نعيده ثانياً عن عدم.
وإنَّما وحَّد ﴿خَلْقٍ﴾ ونكَّر ليفيدَ تفصيلهم واحداً واحداً (٣)، والمعنى: أوَّل الخلائق، كما تقول: أوَّل رجل جاءني، بمعنى: أوَّل الرِّجال، وإنَّما نُكِّرَتْ ووُحِّدَتْ ليفيد تفصيلهم رجلاً رجلاً، هذا تحرير ما قالوا.
والذي يظهر لي: أنَّ الخلق بمعنى المخلوق، وتقييده بالأوَّل لإخراج (٤) المخلوق ثانياً - وهو الرُّوح - عن متناوَل الكلام؛ لأنَّه في إعادة البدن، وهو المخلوق أوَّلاً؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾، فتدبَّر.
﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ مصدر مؤكِّد؛ لأنَّ قوله: ﴿نُعِيدُهُ﴾ (٥) عِدَةٌ للإعادة علينا؛ أي: علينا إنجازه.
стр. 3026
﴿كُنَّا فَاعِلِينَ﴾: عازمين في الأزل على أن نفعل ذلك لا محالة، أو: قادرين على أن نفعل ذلك.
* * *
(١٠٥) - ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ﴾: في كتاب داود ﵇ ﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾؛ أي: التَّوراة.
﴿أَنَّ الْأَرْضَ﴾: أرضَ الجنَّة، أو الأرضَ المقدَّسة ﴿يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾: عامَّة المؤمنين، أو أمَّة محمَّد ﵇.
* * *
(١٠٦) - ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾.
﴿إِنَّ فِي هَذَا﴾؛ أي: فيما ذكر من الأخبار والمواعظ والمواعيد ﴿لَبَلَاغًا﴾ للغاية، أو: لسبب بلوغ إلى البغية.
﴿لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾: همُّهم العبادة دونَ العادة.
* * *
(١٠٧) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ لأنَّه (١) جاء بما يسعدهم في الدَّارين، ويصلح معاشهم ومعادهم، وازديادُ كفر بعضهم بسببه إنَّما هو من عند أنفسهم وعنادهم لا منه.
стр. 3027
وقيل: كونه رحمة للكفَّار: أمْنُهم به من عذاب الاستئصال والمسخ والخسف، وتأخيرُ عقوبتهم.
* * *
(١٠٨) - ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (ما) في ﴿إِنَّمَا﴾ كافَّة، ويجوز أن تكون موصولة بمعنى: إنَّ الذي يوحى إليَّ.
﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ لأنَّ المقصود الأصلي من بعثته (١) هو التَّوحيد.
﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾: مخلصون العبادة لله تعالى، على مقتضى الوحيِ المصدَّق بالحجَّة والتَّوحيد ممَّا يصحُّ إثباته بالسَّمع.
* * *
(١٠٩) - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ وأعرضوا (٢) عن التَّوحيد.
﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ﴾ آذنَ مِن أَذِنَ: إذا عَلِمَ؛ لكنَّه شاع استعماله في الإنذار؛ أي: أعلمتكم (٣) ما أمرْتُ به، أو حربي (٤) لكم.
стр. 3028
﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ نصب على الحال من المخاطَبين؛ أي: مستوين في الإعلام به، أو: مستوين أنا وأنتم في العلم بما أعلمتُكم به، أو في المعاداة.
أو صفة مصدر محذوف؛ أي: إيذاناً (١) على سواء.
وقيل: أعلمتكم وأنا على سواء؛ أي: عدلٍ واستقامةِ رأيٍ بالبرهان النَّيِّر.
﴿وَإِنْ أَدْرِي﴾: و ما أدري ﴿أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾: ما توعدونه من غلبة المسلمين، أو من الحشر، لكنَّه كائن لا محالة.
* * *
(١١٠) - ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾.
﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ﴾؛ أي: ما يجهرون به من (٢) الطَّعن في الإسلام.
﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾: ما تكتمونه من الإحَنِ والأحقاد للمسلمين، فيجازيكم عليه.
* * *
(١١١) - ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾.
﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾: وما أدري لعلَّ تأخير هذا الوعد افتتانٌ لكم وامتحانٌ لننظرَ كيف تعملون.
﴿وَمَتَاعٌ﴾: وتمتُّع واستدراجٌ لكم ﴿إِلَى حِينٍ﴾ ليكون ذلك حجَّة عليكم، وليقع الموعَد (٣) به في وقتٍ قدَّره فيه بمقتضى حكمته.
стр. 3029
(١١٢) - ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾: اقضِ بيننا وبين أهل مكَّة بالعدل، أمر باستعجال العذاب، فعُذِّبوا ببدر، وكان مقتضى العدل ذلك.
﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ﴾: كثير الرَّحمة على خلقه.
﴿الْمُسْتَعَانُ﴾: المطلوبُ منه المعونة.
﴿عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾: ما تصفونه من الحال بأنَّ الشَّوكة تكون لهم، وأنَّ راية الإسلام تخفق أياماً ثم تسكن، فخيَّب الله تعالى آمالهم، وكذَّب ظنونهم، ونصر رسوله ﵇ والمؤمنين عليهم.
* * *
стр. 3030
سُورَةُ الحَجِّ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(١) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ أَمرَ بني آدم بالتَّقوى، ثمَّ علَّلَ أمرهم به بفظاعة السَّاعة حيث قال:
﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ ليتصوَّروها بعقولهم، ويعلموا أنَّه لا يؤمِّنهم منها سوى التَّدرُّعِ بلباس التَّورُّع، والتَّردِّي برداء التَّقوى، ويُبْقوا على أنفسهم، وَيقوها (١) من الرَّدى (٢) بملازمة التَّقوى.
والزَّلزلةُ: شدَّةُ التَّحريك والإزعاج، وأن يُضاعَفَ زليلُ (٣) الأشياء عن مقارِّها ومراكزها.
وإضافتها إلى ﴿السَّاعَةِ﴾ إضافةُ المصدر إلى الفاعل على التَّجوُّز في الإسناد، كأنَّها هي التي تزلزل الأشياء، أو إلى الظَّرف على إجرائه مجرى
стр. 3031
المفعول به، أو بتقدير (١) (في) كقوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣].
وهذه الزَّلزلة هي المذكورةُ في قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ السورة.
عن الحسن: أنها تكون يوم القيامة (٢).
وعن علقمة والشَّعبي: عند طلوع الشَّمس من مغربها (٣).
وإضافتها إلى ﴿السَّاعَةِ﴾ لأنَّها من أشراط السَّاعة.
﴿شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ لَمَّا وصفه (٤) بالعِظَم وأبهمها تعظيماً بأنَّها شيءٌ لا يُكتَنَهُ كُنْهُ عظمته، أخذ في تصوير هولها بصورةٍ منكرة (٥)، فليسَ المرادُ من قوله:
(٢) - ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾.
﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ﴾ ذهولَ المرضعة ووضعَ الجنين، بل شدَّةُ الهول، هذا على القول الأوَّل.
والضمير للزَّلزلة، و ﴿يَوْمَ﴾ منتصبٌ بـ ﴿تَذْهَلُ﴾، وقرئ: ﴿تَذْهَلُ﴾ معروفاً
стр. 3032
ومجهولاً (١)؛ أي: تذهلها الزَّلزلةُ، من الذُّهول، وهو الذَّهاب عن الأمر دهشةً وحيرة، لا من الذَّهْل لأنَّه بمعنى السُّلوِّ، قال الشَّاعرُ:
صَحا قلبُه يا عزُّ أوكادَ يَذْهَلُ (٢)
و (ما) مصدرَّية أو موصولة.
والمرضعةُ: هي الَّتي تكون في حال الإرضاع ملقِمةً ثديَها الصَّبيَّ، والمرضعُ التي شأنها أن ترضعَ وإن لم تباشِر الإرضاع.
وأمَّا المعنى على القول الثَّاني - وعليه الجمهور - أنَّ هولها (٣) بحيث إذا فوجئَتْ به التي ألقمَتْ الرَّضيع ثديَها نزعَتْه مِن فيه وذَهِلَتْ عنه دهشةً، ولقد أحسنَ مَن قال: تَذهَلُ المرضعةُ عن ولدِها لغيرِ (٤) فِطامِ، وتضعُ الحاملُ ما في بطنِها لغيرِ تمامِ (٥).
﴿وَتَرَى﴾: وتظن ﴿النَّاسَ سُكَارَى﴾ حقيقة، لا على التَّشبيه ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ في الواقع.
стр. 3033
﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ أذهبَ عقولَهم لشدَّته، وطيَّرَ تمييزَهم بِهَوْلِهِ، فجعلَهم بحيث لا يُفَرَّقُ بينَهم وبينَ مَن يَذهبُ السُّكرُ بعقله وتمييزه.
وإنَّما جمعَ فاعل الرُّؤية أوَّلاً وأفرد ثانياً لأنَّ الأُولى عُلِّقَتْ بالزَّلزلة، والزَّلزلةُ يراها النَّاس كلُّهم، والثَّانيةَ عُلِّقَتْ بكون النَّاس على حال السُّكر، فلا بُدَّ أن يُجعَلَ كلُّ واحدٍ منهم رائياً لأثر السُّكر على صاحبه.
وقرئ: (تُرى) بالضَّم ونصبِ (النَّاسَ) (١) من أُريتُكَ قائماً، أو: رأيْتُكَ قائماً (٢)، ورفعِه على إسناد (تُرَى) إليهم (٣)، [وأنثه] على تأويل الجماعة (٤).
و ﴿سُكَارَى﴾ حال، وقرئ: (سَكْرى) كعطشى (٥)؛ إجراءً للسُّكْر مجرى العِلَل.
* * *
стр. 3034
(٣) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾.
﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ لا يخفى ما في هذا التَّعبير من التَّحقير بشأنه؛ حيث نزَّله بمنزلة مَن احتاج إلى الإخبار عنه بأنَّه من جنس الإنس.
﴿مَنْ يُجَادِلُ﴾: مَن يخاصِمُ خُصومةً شديدةً.
﴿فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ نزلَتْ في النَّضر بن الحارث، وكان جَدِلاً يقول: الملائكة بنات الله تعالى، والقرآن أساطير الأولين، ولا بعْثَ بعد الموت (١).
وهي عامَّة في كلِّ مجادلٍ لا يرجعُ إلى علمٍ.
﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ في جداله وسِيرته، والمَرِيدُ: المتجرِّدُ للفسادِ.
* * *
(٤) - ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾.
﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾: على الشَّيطان ﴿أَنَّهُ﴾: الضَّمير للشَّأن ﴿مَنْ تَوَلَّاهُ﴾؛ أي: جعله وليًّا وتبعه.
وقرئ: (إنَّه) بالكسر (٢)، على حكاية المكتوب، أو إضمار القول، أو تضمينِ الكتب معناه.
﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ خبر لـ ﴿مَنْ﴾، أو جواب له.
стр. 3035
﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ ولا يحصل من ولايته إلَّا الضَّلالُ عن طريق الحقِّ أو الجَنَّةِ، والهدايةُ إلى عذاب النَّار، بإغوائه وإغرائه إلى ما يؤدِّي إليه وحمله عليه؛ أي: يلزمه ذلك كأنَّه كُتِبَ عليه إضلال (١) مَن يتولَّاه؛ لأنَّه مجبول عليه.
وقرئ: ﴿فَأَنَّهُ﴾ بالفتح (٢) على أنَّه مبتدأ محذوف الخبر؛ أي: فحقٌّ أنَّه يضلُّه، أو خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي: فشأنُه (٣) أنَّه يضلُّه، ولا وجه للعطف إلَّا أنْ يُجعَلَ الضَّمير للمجادِل و ﴿مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ خبر (أنَّ)، وجاز على هذا أن يكون الضَّمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ له أيضاً.
* * *
(٥) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ من إمكانه وكونه مقدوراً.
وقرئ: (من البَعَثِ) بالتَّحريك كالجَلَبِ والطَّرَدِ (٤).
стр. 3036
وتنوين ﴿رَيْبٍ﴾ للتَّحقير والتَّقليل، ولذلك جيء بكلمة الشَّكِّ؛ أي: اتَّضح دليله، فإنْ بقيَ فيكم أدنى ريبٍ فالنَّظر في بدءِ خلقكم يزيلُه (١).
﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ كخلقِ آدم منه، أو من الأغذية المتكوِّنة منه.
﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ وهي الماء القليل، من النَّطْفِ: وهو الصَّبُّ، والمراد: المنيُّ.
﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾: قطعةٍ من الدَّم الجامد.
﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ وهي اللَّحمة الصَّغيرة قَدْرَ ما يُمْضَغُ.
﴿مُخَلَّقَةٍ﴾ يُقال: خَلَّق العودَ: إذا سوَّاه وملَّسه، من قولهم: صخرةٌ خَلْقاءُ: إذا كانت ملساءَ.
﴿وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ أي: مسوَّاةٍ وغيرِ مسوَّاةٍ؛ كأنَّ اللهَ تعالى خَلَق المُضَغ متفاوتةً (٢) في التَّسوية والتَّعديل، فتبع ذلك تفاوتُ النَّاس في الصُّورة والقامة والشَّكل والتَّمام والنَّقص.
أو: مصوَّرةٍ وغيرِ مصوَّرةٍ، أو: تامَّةٍ وناقصةٍ (٣).
﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ بهذا التَّدريجِ قدرتَنا وحكمتنا، وأنَّ مَن قدرَ على تغييره وتصويره أوَّلاً قدر على ذلك ثانياً، بل هذا أهون عند العقل وأدخلُ في المقدورَّية، وإطلاق التَّبيين غير متعدٍّ إلى مفعولٍ؛ إيماءً إلى أنَّ أفعاله هذه يُتبيَّن بها من قدرته وحكمته ما لا يَدخل تحت الذِّكْرِ ولا يُوْصَفُ.
стр. 3037
﴿وَنُقِرُّ﴾: نُثبتُ ﴿فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ ثبوتَه ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو وقتُ الوَضْعِ، وعلم منه (١) حالُ قرينهِ المقابلِ له بطريق المفهوم.
﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ﴾ منها ﴿طِفْلًا﴾ حالٌ وُحِّدَت لإرادة الجنس، أو لأنَّه مصدر في الأصل، أو على تأويل: كلّ واحدٍ.
وقرئ: (نُقِرَّ) بالنَّصب وكذا (نخرجَكُمْ) عطفاً على (نبيِّنَ) (٢).
والمعنى: إنَّا خلقناكم مدرَّجين لغرضَيْن؛ أحدهما: التَّبيين، والثَّاني: الإقرار في الأرحام حتى تُولَدوا وتنشؤوا وتبلغوا حَدَّ التَّكليف.
والغرضُ في الحقيقة هو الأخير؛ أعني: بلوغَ الأشُدِّ والصُّلوحَ للتَّكليف، لكن لَمَّا كان الإقرار وما تلاه من مقدِّماته صحَّ إدخاله في التَّعليل.
وقرئ بالياء رفعاً ونصباً (٣).
و: (نَقُرُّ) بالضَّم (٤)، من قررْتُ الماء: إذا صَبَبْتَه.
﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ الأَشُدُّ: كمالُ القوَّةِ والعقلِ والتَّمييزِ، وهو من ألفاظ الجموع التي لم يُستَعمل لها واحدٌ، وكأنَّها شدَّةٌ في غير شيءٍ واحدٍ، فبُنِيَتْ لذلك على لفظ الجمع.
стр. 3038
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾ عند بلوغ الأشُدِّ، أو قبلَه، أو بعدَه قبل الهرم.
وقرئ: (يَتوفَّى) (١)؛ أي: يتوفَّاه الله تعالى.
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾: الهَرمِ والخَرَف.
﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾: ليعودَ كهيئته الأُولَى في أوان طفوليَّته، سخيفَ العقل، قليلَ الفهم.
والاستغراق المستفاد في ذكر ﴿شَيْئًا﴾ في سياق النَّفي للمبالغة في نسيانِه ما عَلِمَه، وإنكارِه لِمَا عَرَفَهُ.
﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾: ميِّتة يابسة، من همدَتِ النَّارُ: إذا صارَتْ رماداً.
﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ﴾: تحرَّكَتْ بالنَّباتِ.
﴿وَرَبَتْ﴾: وانتفخَتْ، وقرئ: ﴿وَرَبأَتْ﴾ (٢)؛ أي: ارتفعَتْ.
﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾: مِنْ كلِّ صِنْفٍ ﴿بَهِيجٍ﴾ البهيجُ: الحسنُ السَّارُّ للنَّاظرِ إليه.
وهذه دلالة ثانية على البعث، كرَّرها الله تعالى في كتابه لظهورها وكونها مشاهَدة.
* * *
стр. 3039
(٦) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾: إشارة إلى ما ذُكِرَ مِن خلق الإنسان في أطوارٍ مختلفةٍ، وتحويله على أحوالٍ متضادَّةٍ، وإحياءِ الأرض بعد موتها، وهو مبتدأٌ خبرُه:
﴿بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾، أي: حاصلٌ بسببِ أنَّ اللهَ هو الحقُّ الثَّابت الوجودِ في نفسه، الذي تتحقَّق به الأشياء.
﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾ وأنَّه يقدر على إحيائها، وإلَّا لَمَا أَحيَى النُّطفةَ والأرضَ الميتةَ.
﴿وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لأنَّ قدرته لذاته، ونسبتُها إلى الكلِّ سواءٌ، فَلَمَّا دلَّتْ المشاهدة على إحياء بعض الأموات لزم اقتدارُه على الكلِّ.
* * *
(٧) - ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾.
﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ لا ينبغي أن يُرتَابَ فيها؛ لأنَّ التَّغيُّرَ من مقدِّمات الانصرام وطلائعه.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾، أي: إنَّه تعالى حكيمٌ لا يُخْلِفُ ميعادَه، وقد وَعَدَ السَّاعةَ والبعثَ، فلا بُدَّ أن يفيَ بما وعدَ، ولَمَّا كان المرادُ إحياءَ موتى الإنسان عبَّر عنها بما هو مِن خصائصهم، فمعنى ﴿مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾: مَن ماتَ مِن جنسِ الإنسانِ بطريق الكنايةِ.
* * *
стр. 3040
(٨) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾: في صفاتِه، فيصفُه بغير ما هو له، نزلَتْ في أبي جهل (١).
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ضروريٍّ ﴿وَلَا هُدًى﴾ كسبيٍّ، فإنَّه غالباً يكون بتعليم الغير وإرشاده ﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾؛ أي: وحي.
أي: يجادلُ بتخمينٍ وتقليدٍ، لا بأحدِ هذه الثلاثة.
* * *
(٩) - ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.
﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ ثنيُ العَطْفِ كنايةٌ عن الكِبْر والخيلاء بالتَّبختُرِ، أو عن الإعراض عن الحقِّ استخفافاً. وقرئ بفتح العين؛ أي: مانعَ تَعَطُّفِهِ (٢).
﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تعليلٌ للمجادَلة.
وقرئ بفتح الياء (٣)، على أنَّ إعراضَه عن الهدى المتمكِّن منه بالإقبال على الجدال الباطل خروجٌ من الهدى إلى الضَّلال، وأنَّه من حيث هو مؤدَّاه كالغرض له.
﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ هو ما أصابَه يوم بدرٍ.
﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾: عذابَ النَّار المحرقة.
* * *
стр. 3041
(١٠) - ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾: إشارةٌ إلى الخزيِ والعذابِ، وغيَّر النَّظمَ بالالتفات إلى الخطاب، وأتى بلفظ البعيد؛ للتَّنبيه، وتعظيمِ الموعَدِ به وتهويله، والإيماءِ إلى تفاقم الخَطْبِ، وإلى أَنَّه بسبب ما اقترفه من الكفر والمعاصي.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ عطف على ﴿بِمَا﴾، أي: وبأنَّ الله تعالى؛ يعني: أنَّ العدلَ هو الذي (١) اقتضى ذلك، لا الظُّلمَ، ولفظ المبالغة لأنَّ قليلَ الظُّلم منه مانعٌ مع علمه بقبحه واستغنائه كالكثير منَّا، وللإيماء إلى أنَّ مَن هو في غاية الكمال شأنُه أن يكون وصفُه كذلك.
* * *
(١١) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ على طرفٍ من الدِّين، لا في وسطِهِ.
﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ كالَّذي يكون على طرفِ الجيش؛ فإنَّ أحسَّ بالظَّفر قَرَّ؛ وإلَّا فَرَّ.
روي أنَّها نزلَتْ في أعاريب قدموا المدينةَ، وكان أحدهم إذا صحَّ بدنه ونُتِجَتْ فرسُه مُهراً سريًّا، وولدَت امرأتُه غلاماً سويًّا، وكثر ماله وما يشتهيه قال: ما أصبْتُ منذ دخلْتُ في ديني هذا إلَّا خيراً، واطمأنَّ (٢)، وإنْ كانَ الأمرُ بخلافه قال: ما أصبْتُ إلَّا شرًّا، وانقلَبَ (٣).
стр. 3042
وذِكْرُ الفِتنةِ في مقابلةِ الخيرِ للتَّنبيه على أنَّ الشَّرَّ لا يصدر عنه تعالى قصداً، إنَّما المقصود منه الابتلاء.
﴿خَسِرَ الدُّنْيَا﴾ بذهاب عصمته ﴿وَالْآخِرَةَ﴾ بحبوط عمله بالارتداد.
وقرئ: (خاسِرُ) بالنَّصب على الحال وبالرَّفع (١) على الفاعليَّة، أو على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوف، وعلى الأوَّل يكون من باب وضع الظَّاهر موضع الضَّمير تنصيصاً عليه بالخسران.
﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾: الظَّاهر الذي لا يخفَى على أحدٍ.
* * *
(١٢) - ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾.
﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾؛ أي: لا يقدرُ على شيءٍ أصلاً، فإنَّ النَّفع والضُّرَّ في التَّعبير بهما عن جميع الآثار كالسَّماء والأرض في التَّعبير بهما عن جميع الأجسام.
وإعادة كلمة ﴿مَا﴾ للدِّلالة على استقلالِ كلٍّ من الوصفَيْنِ المذكورَيْنِ في إخراج موصوفه إلى معرض الذَّمِّ.
﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ عن المقصدِ، مستعارٌ من ضلالِ مَن أبعدَ في التِّيهِ فطالَتْ وبَعُدَتْ مسافةُ ضلالِه.
* * *
стр. 3043
(١٣) - ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾.
﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ بكونه معبوداً لإيجابه القتلَ في الدُّنيا والعذابَ في الآخرة.
﴿أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ الذي يُتوقَّع بعبادته، وهو الشَّفاعةُ والتَّوسُّلُ بها إلى الله تعالى.
وإنَّما قال: ﴿أَقْرَبُ﴾ ولا قُرْبَ للنَّفع؛ تهكُّماً واستهزاءً بهم.
واللَّام معلِّقة لـ ﴿يَدْعُو﴾ من حيث إنَّه بمعنى: يَزعم، والزَّعمُ قولٌ مع اعتقادٌ.
وقيل: إنَّها داخلةٌ على الجملة الواقعة مقولاً؛ إجراءً له مجرى (يقول)؛ أي: يقول الكافر ذلك بدعاءٍ وصُراخٍ حين يرى استضراره به.
ويأباه ما في عبارة ﴿أَقْرَبُ﴾ من معنى التَّفضيل.
ويجوز أن تكون مستأنفة على أنَّ ﴿يَدْعُو﴾ تكريرٌ للأوَّل، و ﴿مِنْ﴾ مبتدأ خبرُه: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾: النَّاصرُ ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾: المخالطُ.
* * *
(١٤) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ من إثابةِ المؤمن الصَّالح، وعقابِ الكافر الطَّالح، لا دافِعَ له ولا مانِع.
* * *
(١٥) - ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾.
стр. 3044
﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ كلامٌ فيه اختصارٌ، معناه: أنَّ اللهَ تعالى ناصرٌ رسولَه في الدُّنيا والآخرة، فمَن كانَ يظنُّ من حاسديه وأعاديه أنْ لا يفعل ذلك ويغيظه ما يفعل الله:
﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ فلْيَستفرغْ وُسْعَهُ في إزالة غيظِه إلى سماءِ بيتِه، كما يفعل مَن بلغَ به الغيظ كلَّ مَبلغٍ، ثمَّ ليختنق. سمَّى الاختناقَ قَطعاً لأنَّ المختنِقَ يقطعُ نَفَسَهُ بحبسِ مجاريه، ومنه قيل للبُهْر: القُطْع (١).
أو فليمدُدْ حبلاً إلى السَّماءِ المُظلَّة وليصعَدْ عليه، ثمَّ ليقطعِ الوَحيَ أنْ ينزلَ عليه.
﴿فَلْيَنْظُرْ﴾: ولْيتصوَّرْ في نفسه ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ هل يُذْهِبُ نصرَ اللهِ الذي يغيظه إنْ فعلَ ذلك!
وسمَّى فعلَه كيداً لأنَّه وضعَه موضعَ الكيدِ، حيثُ اجتهدَ فلم يقدِرْ إلَّا عليه، أو على سبيل الاستهزاء؛ لأنَّه لم يَكِدْ به محسودَه إنَّما كادَ به نفسَهُ.
﴿يَغِيظُ﴾ غيظَه، أو: الذي يَغيظُه من نصر الله.
* * *
(١٦) - ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾.
﴿وَكَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك الإنزال، والإشارةُ إلى مصدر الفعل المذكور بعدَه، لا إنزالٍ آخر يُقصد تشبيهُ هذا الإنزال به (٢)، فالكافُ مُقْحَمٌ إقحاماً كاللَّازم، لا يكادون يتركونه في لغة العرب وغيرهم.
стр. 3045
﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾: أنزلنا القرآنَ كلَّه ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: واضحاتٍ.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي﴾: ولأنَّ الله يهدي به، أو يثبِّتَ على الهداية.
﴿مَنْ يُرِيدُ﴾ هدايته، أو ثباته، أنزله لذلك (١) مبيِّناً.
* * *
(١٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ يعني: عبدةَ الأوثانِ.
قيل: الأديان خمسةٌ؛ أربعةٌ للشَّيطان وواحدٌ للرَّحمن. والصَّابئون نوعٌ من النَّصارى، فلا تكون ستَّةً.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ في الأحوال والأماكن، فلا يجازيهم جزاءً واحداً، ولا يجمعهم في موطنٍ واحدٍ، أو: بالحكومة بينهم وإظهارِ المُحِقِّ منهم مِن المُبْطِلِ.
وإنَّما دخلَتْ ﴿إِنَّ﴾ على كلِّ واحدٍ من طَرَفي الجملة لمزيد التَّأكيد.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ عالمٌ به، مراقِبٌ لأحواله، فلينظرْ كلُّ امرئ معتقدَه وقولَه وفعلَه. وهو أبلغُ وعيدٍ.
* * *
стр. 3046
(١٨) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ﴾: ألم تعلمْ علماً يقومُ مَقامَ العَيانِ.
﴿أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ استُعِيْرَ السُّجودُ للانقياد والمطاوعة لِمَا يريدُ الله تعالى من الأفعال؛ لأنَّه هيئةٌ من هيئات المكلَّف، لا هيئةَ أدَلَّ منها على الذِّلَّةِ والتَّسخير.
و ﴿مَنْ﴾ يعمُّ أولي العَقلِ وغيرهم للتَّغليب، فيكون قوله:
﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ إفراداً لها بالذِّكْرِ لِشُهرَتِها واستبعادِ ذلك منها في العادة.
﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ بعدَ التَّعميم، للإيماءِ إلى أنَّ مِن النَّاس مَن لا ينقاد لحكمِه ولا يتسخَّر لأمره.
ولا يلزمُ مِن (١) عطفِه على سائر السَّاجدين المحذورُ عند (٢) الجمهور - لِمَا فيه مِن استعمال اللَّفظ الواحد مجازاً وحقيقةً في حالة واحدة - إذ يجوز أن يُجْعَلَ فاعلَ فعلٍ مُضمَرٍ دلَّ عليه ﴿يَسْجُدُ﴾؛ أي: يسجد له كثيرٌ مِنَ النَّاسِ السُّجودَ الحقيقيَّ، ويجوز أن يكون مبتدأً محذوفَ الخبر، مدلولاً عليه بخبرِ قسيمه؛ أي: حَقَّ له الثواب، أو الخبر مذكور (٣) على ما سيأتي.
стр. 3047
﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ بكفرِه وإبائِه عن الطَّاعة، ويجوز أن يكون (كثيرٌ) الثَّاني تكريراً للأوَّل مبالغةً في تكثير المحقوقِين بالعذاب، وأن يُعطَفَ به على السَّاجدين بالمعنى العامِّ، موصوفاً بما بعدَه.
وقرئ: (حقٌّ) بالضَّمِّ، و (حقًّا) (١)؛ أي: حقَ عليهم العذاب حقًّا.
﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ﴾ بأنْ حكم عليه بالشَّقاوة.
﴿فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ يجعله سعيداً، وقرئ بالفتح (٢) بمعنى الإكرام.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ من الإهانة والإكرام.
* * *
(١٩) - ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾.
﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾؛ أي: فريقان يختصمان، ولذلك قال: ﴿اخْتَصَمُوا﴾ حملاً على المعنى، ولو عكَس وقال: هؤلاء خصمان اختصما، جاز. والمرادُ بهما: المؤمنون والكافرون.
﴿فِي رَبِّهِمْ﴾ في دينِه، أو: في ذاته وصفاته.
روي أنَّ أهل الكتاب والمؤمنين تخاصموا، فقال أهلُ الكتاب: نحنُ أحقُّ بالله وأقدم منكم كتاباً، ونبيُّنا قبل نبيِّكم، وقال المؤمنون: نحن أحقُّ بالله، آمنَّا
стр. 3048
بمحمَّدٍ ونبيَّكم، وبما أنزل الله من كتابٍ، وأنتم تعرفون نبيَّنا وكتابَنا ثمَّ كفرتم به حسداً. فنزلَتْ (١).
﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فصلٌ لخصومتهم، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الحج: ١٧].
﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ﴾ على مقادير جثثِهم ﴿ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ نيرانٌ تُحِيطُ بهم إحاطةَ الثِّياب.
واختير لفظ الماضي لأنَّه كائن لا محالة.
﴿يُصَبُّ﴾ خبرٌ ثانٍ، أو حالٌ من الضَّمير في ﴿لَهُمْ﴾.
﴿مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾: الماء الحارُّ.
* * *
(٢٠) - ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾.
﴿يُصْهَرُ بِهِ﴾: حالٌ من ﴿الْحَمِيمُ﴾، أو مِنَ الضَّمير في ﴿رُءُوسِهِمُ﴾، والصَّهرُ: الإذابةُ. وقرئ بالتَّشديد (٢) للتَّكثير.
﴿بُطُونِهِمْ﴾ من الشُّحوم ﴿وَالْجُلُودُ﴾ فأنَّى اللحوم؟! أي: يؤثر من فرط حرارته في باطنهم تأثيره في ظاهرهم، فيُذابُ ما في باطنهم (٣) وظاهرهم.
* * *