← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

(١٨) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: ألم تعلمْ علماً يقومُ مَقامَ العَيانِ. ﴿أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ استُعِيْرَ السُّجودُ للانقياد والمطاوعة لِمَا يريدُ الله تعالى من الأفعال؛ لأنَّه هيئةٌ من هيئات المكلَّف، لا هيئةَ أدَلَّ منها على الذِّلَّةِ والتَّسخير. و ﴿مَنْ﴾ يعمُّ أولي العَقلِ وغيرهم للتَّغليب، فيكون قوله: ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ إفراداً لها بالذِّكْرِ لِشُهرَتِها واستبعادِ ذلك منها في العادة. ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ بعدَ التَّعميم، للإيماءِ إلى أنَّ مِن النَّاس مَن لا ينقاد لحكمِه ولا يتسخَّر لأمره. ولا يلزمُ مِن (١) عطفِه على سائر السَّاجدين المحذورُ عند (٢) الجمهور - لِمَا فيه مِن استعمال اللَّفظ الواحد مجازاً وحقيقةً في حالة واحدة - إذ يجوز أن يُجْعَلَ فاعلَ فعلٍ مُضمَرٍ دلَّ عليه ﴿يَسْجُدُ﴾؛ أي: يسجد له كثيرٌ مِنَ النَّاسِ السُّجودَ الحقيقيَّ، ويجوز أن يكون مبتدأً محذوفَ الخبر، مدلولاً عليه بخبرِ قسيمه؛ أي: حَقَّ له الثواب، أو الخبر مذكور (٣) على ما سيأتي.

стр. 3047

﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ بكفرِه وإبائِه عن الطَّاعة، ويجوز أن يكون (كثيرٌ) الثَّاني تكريراً للأوَّل مبالغةً في تكثير المحقوقِين بالعذاب، وأن يُعطَفَ به على السَّاجدين بالمعنى العامِّ، موصوفاً بما بعدَه. وقرئ: (حقٌّ) بالضَّمِّ، و (حقًّا) (١)؛ أي: حقَ عليهم العذاب حقًّا. ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ﴾ بأنْ حكم عليه بالشَّقاوة. ﴿فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ يجعله سعيداً، وقرئ بالفتح (٢) بمعنى الإكرام. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ من الإهانة والإكرام. * * * (١٩) - ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾. ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾؛ أي: فريقان يختصمان، ولذلك قال: ﴿اخْتَصَمُوا﴾ حملاً على المعنى، ولو عكَس وقال: هؤلاء خصمان اختصما، جاز. والمرادُ بهما: المؤمنون والكافرون. ﴿فِي رَبِّهِمْ﴾ في دينِه، أو: في ذاته وصفاته. روي أنَّ أهل الكتاب والمؤمنين تخاصموا، فقال أهلُ الكتاب: نحنُ أحقُّ بالله وأقدم منكم كتاباً، ونبيُّنا قبل نبيِّكم، وقال المؤمنون: نحن أحقُّ بالله، آمنَّا

стр. 3048

بمحمَّدٍ ونبيَّكم، وبما أنزل الله من كتابٍ، وأنتم تعرفون نبيَّنا وكتابَنا ثمَّ كفرتم به حسداً. فنزلَتْ (١). ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فصلٌ لخصومتهم، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الحج: ١٧]. ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ﴾ على مقادير جثثِهم ﴿ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ نيرانٌ تُحِيطُ بهم إحاطةَ الثِّياب. واختير لفظ الماضي لأنَّه كائن لا محالة. ﴿يُصَبُّ﴾ خبرٌ ثانٍ، أو حالٌ من الضَّمير في ﴿لَهُمْ﴾. ﴿مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾: الماء الحارُّ. * * * (٢٠) - ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾. ﴿يُصْهَرُ بِهِ﴾: حالٌ من ﴿الْحَمِيمُ﴾، أو مِنَ الضَّمير في ﴿رُءُوسِهِمُ﴾، والصَّهرُ: الإذابةُ. وقرئ بالتَّشديد (٢) للتَّكثير. ﴿بُطُونِهِمْ﴾ من الشُّحوم ﴿وَالْجُلُودُ﴾ فأنَّى اللحوم؟! أي: يؤثر من فرط حرارته في باطنهم تأثيره في ظاهرهم، فيُذابُ ما في باطنهم (٣) وظاهرهم. * * *

стр. 3049

(٢١) - ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾. ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾: سِياطٌ منه، جمع مِقْمَعة (١)، وحقيقتُها: ما يُقْمَعُ به؛ أي: يُكَفُّ بعنف. * * * (٢٢) - ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ من النَّارِ ﴿مِنْ غَمٍّ﴾ بلُ اشتمالٍ من ﴿مِنْهَا﴾ بإعادة الجارِّ، أو الأُولى لابتداء الغاية، والثَّانيةُ بمعنى: مِن أَجْل؛ يعني: كلَّما أرادوا الخروجَ مِنَ النَّار مِن أجلِ غَمٍّ يلحقهم. وإرادةُ الخروجُ كنايةٌ عن القرب منه، كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] (٢). ﴿أُعِيدُوا فِيهَا﴾ بالمقامِعِ. والمرادُ إعادتُهم إلى معظم النَّار، لا أنَّهم يخرجون منها ثمَّ يعودون إليها؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧]، ولقوله: ﴿فِيهَا﴾ دون: إليها. ﴿وَذُوقُوا﴾ أي: وقيل لهم: ذوقوا ﴿عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾: النَّارَ البالغةَ في الإحراق. ثمَّ ذكر جزاء الخصم الآخر بقوله: * * *

стр. 3050

(٢٣) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ تغييرُ النَّظم في التَّفصيل بترك العطف، واستئنافِ الكلام، وإدخال حرف التَّأكيد، وإسناد الإدخال إلى الله تعالى، تعظيمٌ لشأن المؤمنين وإحمادٌ لحالهم. ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ من حَلِيَتِ المرأةُ: إذا لبست الحليَّ، فهي حاليَةٌ، شُدِّدَ للنَّقل (١)، وقرئ مخففاً مبنيًّا للمفعول (٢). ﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ صفة مفعول محذوف، والأساور: جمع أَسْوِرة، وهي جمع سِوَارٍ. ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ بيانٌ له. ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ عطف على ﴿أَسَاوِرَ﴾، أو ﴿ذَهَبٍ﴾ على أنَّها مرصَّعة [به] (٣). وقرئ منصوباً (٤) على إضمار فعلٍ؛ أي: يلبسون أو يُؤتون، أو عطفاً على محلِّ الجارِّ والمجرور. ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ تغيير الأسلوب فيه للدَّلالة على أنَّ الحريرَ لباسُهم المعتاد، مع رعاية الفاصلة. * * *

стр. 3051

(٢٤) - ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾. ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أُبهم الفاعل، ولم يُقل: (وهداهم الله)؛ إيفاءً لحقِّ التَّعظيم، وأُبهمَ القولُ، وجيء بـ ﴿الطَّيِّبِ﴾ ثمَّ بُيِّن تفخيماً لشأنه، وإيماءً إلى أنَّه هذا الملقَّبُ بالطَّيِّب، وهو قولهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] أو كلمةُ التَّوحيد. ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ كرَّر ﴿وَهُدُوا﴾ تنبيهاً على أنَّ كلَّ واحدٍ منها أمرٌ مرضيٌّ بالأصالة، تامٌّ معتدٌّ به في الهداية إليه. واختير اسم ﴿الْحَمِيدِ﴾ من أسماء الله تعالى للإشارة إلى خصوصيَّة القول الطَّيِّب؛ أي: إلى طريق المستحِقِّ لذاته الحمدَ، وهو الله تعالى، أو أرادَ: المحمود عاقبتُه، وهو الإسلام. وقيل: طريق الجنَّة، وأضيف إلى الله تكريماً للجنَّة بنسبتها إليه، وأن طريقَها طريقُه. * * * (٢٥) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ محذوفٌ، دلَّ عليه جواب الشَّرط؛ أي: إنَّ الذين كفروا نذيقهم من عذاب أليم. ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ﴾ عطف على ﴿كَفَرُوا﴾؛ لقوله تعالى في موضع آخر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٧]؛ أي: يواظبون على الصُّدود، وهو الصَّرف عن الخير خاصَّة، وليس المراد الحالَ أو الاستقبال، بل

стр. 3052

استمرارُ وجودِ الصَّدِّ منهم في جميع الأزمان، كقولهم: فلانٌ يُحسن للفقراء (١) ويكرم الضِّيفان، ولذلك حَسُن عطفه على الماضي. ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ عطف على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾. ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ مطلقاً من غير فرقٍ بين حاضر وبادٍ، فإنْ أُرِيدَ بالمسجد الحرام مكَّةُ، ففيه دليل على أنَّه لا يجوز بيع أرض مكَّة ولا إجارتُها، ولا يعارضه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [الحج: ٤٠] لأنَّ الإضافة باعتبار أنَّهم يملكون البناء، ولا شراءَ عمر ﵁ داراً يسجنُ فيها؛ لأنَّه اشترى البناءَ دونَ الأرضِ (٢). وإن أريد به البيت فالمعنى: أنَّه قِبلةٌ لجميع النَّاس، والأوَّل هو الظَّاهر؛ لقوله تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ﴾: المقيمُ بمكَّة ﴿وَالْبَادِ﴾ أي: السَّاكنُ في البادية؛ أي: ليسَ لأحدٍ أن يمنعَ أحداً عنه. قيل: كانت بيوتُ مكَّةَ لا يُتَّخذُ لها أبوابٌ حتى ظهرَتِ السَّرقةُ فيهم، فقال عمر ﵁ لرجلٍ منهم - وهو أوَّل مَنِ اتَّخذ باباً -: اتخذْتَ باباً لتحتَجِبَ به؟ فقال: لا، ولكنْ أحرزْتُ المتاعَ عن السَّرقة. فقال له: إنَّه لا يحلُّ لأهل مكَّة أن يأخذوا أجورَ بيوتهم (٣).

стр. 3053

وفي جوازِ بيعِ أرضِ مكَّةَ عن أبي حنيفةَ روايتان، قال في "الجامع الصغير": لا يجوز (١). وروى ابن زياد عنه أنَّه يجوز (٢). و ﴿لِلنَّاسِ﴾ مفعول ثانٍ لـ ﴿جَعَلْنَاهُ﴾، و ﴿سَوَاءً﴾ خبر مقدَّم، و ﴿الْعَاكِفُ﴾ مبتدأٌ، والجملة حالٌ، أو مفعول ثانٍ، و ﴿لِلنَّاسِ﴾ حال. وقرئ: ﴿سَوَاءً﴾ بالنَّصب (٣) على أنه مفعول ثانٍ أو حالٌ. و ﴿الْعَاكِفُ﴾ مرفوع على الفاعلية؛ أي: مستوياً العاكفُ فيه والباد، وقرئ: (العاكفِ) بالجرِّ (٤) على أنَّه بدل من (النَّاس). ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ﴾ تُرِكَ مفعولُه ليتناولَ كلَّ متناوَلٍ، وقرئ بالفتح (٥) من الورود. ﴿بِإِلْحَادٍ﴾ الإلحادُ: العدولُ عن القَصْد، وأصلُه: إلحادُ الحافرِ. ﴿بِظُلْمٍ﴾ بغير حقٍّ. وهما حالان مترادفان، أو الثَّاني بدل من الأوَّل بإعادة الجارِّ، أو صلةٌ له، أي:

стр. 3054

ملحداً بسبب الظُّلم، كالإشراك واقتراف الآثام، وعلى قراءة فتح الياء في (يَرِدْ) تكون الباء في ﴿بِإِلْحَادٍ﴾ للتَّعدية؛ أي: ومن أتى فيه بإلحاد ظالماً. ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ جواب لـ (مَن). * * * (٢٦) - ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾. ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾؛ أي: واذكرْ حين جعلنا لإبراهيمَ مكانَ البيت مباءةً؛ أي: مرجعاً يَرجع إليه للعبادة، ولَمَّا كان المقصود من التَّبوئة العبادةَ فُسِّرَتْ بالنَّهي عن الشِّرك والأمرِ بتطهير البيت، فـ ﴿أَنْ﴾ في قوله: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ مفسِّرةٌ، كأنَّه قيل: تعبَّدْنا إبراهيم قلنا له: لا تشرك بي شيئاً وطهِّر بيتي عن الأوثان والأقذار أنْ تُطرح حوله للطَّائفين والمصلِّين، وإنَّما عَبَّرَ عن الصَّلاة بأركانها للدِّلالة على أنَّ كلَّ واحدٍ منها مستقلٌّ باقتضاء ذلك، كيف وقد اجتمعَتْ. وفصلَ بين الأوَّلِ والأخيرَيْنِ بالواو، وجمع بينَ الأخيرَيْن بغير واو؛ لأنَّ القيامَ تعظيمُ اللهِ تعالى، والرُّكوعَ والسُّجودَ تذلُّلٌ له، فاتَّحد هذان وغايرهما (١) الأوَّل. وقيل: هي مصدرَّية موصولة بالنَّهي؛ أي: فعلنا ذلك لئلَّا تُشرك بعبادتي، وتطهِّرَ (٢) بيتي. * * *

стр. 3055

(٢٧) - ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾. ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ﴾: نادِ فيهم. وقرئ: (آذِنْ) من الإيذان (١). ﴿بِالْحَجِّ﴾ بدعوته والأمر به. والحجُّ: القصْدُ البليغُ إلى مقصدٍ منيعٍ. روي أنَّه (٢) ﵇ صعد أبا قبيس فقال: يا أيها النَّاس، حجُّوا بيتَ ربِّكم، فأجابَ مَن قُدِّرَ له أن يحجَّ من الأصلاب والأرحام بـ: لبَّيْكَ اللَّهمَّ لبَّيْكَ (٣). وعن الحسن: أنَّه خطابٌ لرسول الله ﷺ ، أمِرَ أنْ يفعلَ ذلك في حجَّة الوداع (٤). والأوَّل أظهر. وجواب الأمر: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾: مشاةً، كقائم وقيام. ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ معطوف على (رِجَال)، كأنَّه قال: رجالاً وركباناً. والضَّامرُ: البعيرُ المهزولُ. والإطناب المعنوي، وزيادة لفظ ﴿كُلِّ﴾؛ للمبالغة في تعميم الأمر لكلِّ مَن يقدر على المركب ولو ضعيفاً، وقدِّم الرِّجال على الرُّكبان إظهاراً لفضيلة المشاة، كما ورد في الحديث (٥).

стр. 3056

﴿يَأْتِينَ﴾ صفة لـ ﴿كُلِّ ضَامِرٍ﴾؛ لأنَّه في معنى الجمع، وقرئ: (يأتون) (١) صفة للرِّجال والرُّكبان، أو استئناف فيكون الضمير للناس. ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ﴾؛ أي: طريق واسع. ﴿عَمِيقٍ﴾ وإنَّما عبَّرَ عن البعد بالعمق ليناسب الغرض المعتبَر في مفهوم الفجِّ (٢). وقرئ: (مَعِيْقٍ) (٣)، والمعنى واحد. * * * (٢٨) - ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾. ﴿لِيَشْهَدُوا﴾: ليحضروا، متعلِّق بـ ﴿وَأَذِّنْ﴾، أو ﴿يَأْتُوكَ﴾.

стр. 3057

﴿مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ دينيَّةً ودنيويَّة، وتنكيرها لأنَّ المراد نوعٌ منها مختصٌّ بهذه العبارة. ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ عندَ إعداد الهدايا والضَّحايا وذبحها. وقيل: كُني بالذِّكر عن النَّحْرِ لأنَّ ذبح المسلمين لا ينفكُّ عنه؛ تنبيهاً على أنَّه المقصود ممَّا يُتقرَّب به إلى الله تعالى. ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ هي عشر ذي الحجَّة وأيَّام النَّحر ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ﴾ الله ﴿مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ علَّقَ الفعل بالمرزوق وبيَّنه بالبهيمة تحسيناً للكلام بنوعٍ من البلاغة لم يوجد في غير هذه العبارة، وتنبيهاً على الكناية بالقرينة، وتعظيمُ المرزوق بالإبهام والتَّوضيح للتَّحريض على التَّقرُّب به، وقد سبق في (المائدة) ما يتعلَّق بتفسير ﴿بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (١). ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ أمر إباحةٍ؛ إزاحةً لِمَا عليه أهل (٢) الجاهلية من التَّحرُّج فيه، أو ندباً لِمَا فيه من مواساة الفقراء ومساواتهم، واستعمالِ التَّواضع، وهذا في هَدْي التَّطوُّع والمتعة والقِران؛ لأنَّه دمُ (٣) نُسكٍ فأشبهَ الأضحية دونَ سائر الهدايا. ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ﴾: الذي أصابه بأسٌ؛ أي: شدَّة ﴿الْفَقِيرَ﴾: المحتاج. لأمر فيه للوجوب، وقد قيل به في الأوَّل.

стр. 3058

(٢٩) - ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا﴾: ثم ليزيلوا عنهم أدرانهم، كذا قال نفطويه (١). وقيل: قضاء التَّفث: قصُّ الشَّارب والأظفار ونتف الإبط والاستحداد، وذلك عند الإحلال، ولذلك صدَّره بكلمة التَّراخي. ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾: مواجبَ حجِّهم، والعرب تقول لكلِّ مَن خرج عمَّا وجبَ عليه: وفَّى بنذره وإن لم ينذر، أو: ما ينذرونه من أعمال البر في حجِّهم. ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ طوافَ الزِّيارة الذي هو ركن الحجِّ، ويقع (٢) به تمامُ التَّحلُّل. وقيل (٣): طواف الوداع. ﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾: القديم؛ لأنَّه أوَّل بيت وُضِعَ للنَّاس، أو: الكريم، ومنه: عِتاق الخيل، لكرائمها، وعتاق الرَّقيق: الخروج مِنْ ذُلِّ (٤) العبودية إلى كرم الحريَّة، أو: المعتَق من الغرق لأنَّه رُفِعَ من الطُّوفان، أو مِنْ تسلُّط الجبابرة، فكم مِن جبَّار سارَ إليه ليهدمه فمنعه الله تعالى، وأمَّا الحَجَّاجُ فإنَّه قصدَ إخراج ابن الزُّبير ﵁ الذي تحصن (٥) به - منه، دون التَّسلُّط عليه. * * *

стр. 3059

(٣٠) - ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الأمرُ ذلك، وهو وأمثاله للفصل بين كلامَيْن. ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ الحرمة: ما لا يَحلُّ هتكُه (١)، وجميع ما كلَّفه اللّه تعالى بهذه الصِّفة، فيجوز أن يكون عامًّا في جميع أحكامه، وأن يكون خاصًّا فيما يتعلَّق بالحجِّ. وقيل: ﴿حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾: البيت الحرام، والمشعَر الحرام، والشَّهر الحرام. ﴿فَهُوَ﴾؛ أي: التَّعظيم ﴿خَيْرٌ لَهُ﴾ والتَّعظيمُ: القيامُ بمراعاتها مع اعتقاد أنَّها واجبة المراعاة. ﴿عِنْدَ رَبِّهِ﴾ يعني: في الآخرة. ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ تحريمُه، وهو ما حُرِّمَ منها لعارض كالميتة وما أُهلَّ به لغير الله، فلا تحرِّموا منها (٢) غيرَ ما حرَّم الله تعالى كالبَحيرة والسَّائبة. وفي عبارة ﴿يُتْلَى﴾ إشارةٌ إلى أنَّ التَّحريم لا يكون إلَّا من الشَّارع بنصٍّ متلوٍّ.

стр. 3060

﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ صدَّره بالفاء السَّببيَّة لأنَّه لَمَّا حثَّ على تعظيم حرمات اللّه تعالى لزم وجوب المحافظة على حدوده وأعظمُها التَّوحيد، فدخل وجوب الاجتناب من عبادة الأوثان فيه دخولاً أوَّليًّا، وتسبَّبَ منه. و ﴿مِنَ﴾ للبيان؛ أي: الرِّجسَ الذي هو الأوثان، وهو غاية المبالغة في النَّهي عن تعظيمها، حيث سمَّاها ﴿الرِّجْسَ﴾، وعرفه بلام الجنس، وأمر بالاجتناب عن عينه، وبيَّنه بـ ﴿الْأَوْثَانِ﴾، كأنَّ جنس الرِّجس ما هو الأوثان، كلُّ ذلك تنفيراً عن عبادتها خصوصاً جَعْلُها الرِّجس الذي ينفر الإنسان عنه بطبعه. ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ قرنه بالشِّركِ في وجوب الاجتناب عنه، ولم يعطف، بل كرَّر (اجتنبوا) تنبيهاً على أصالة تحريمه، وتعميماً لِمَا ذُكِرَ؛ فإنَّ الشِّركَ يلزمه قول الزُّور؛ إذ المشرك يدَّعي ألوهيَّةَ الوثن، ويدخل فيه تحريم البَحائر وغيره من مفترياتهم (١)، فيكون كالعلَّة لتحريم الشِّرك بتحريمِ لازِمه الأعم. وقيل: المراد بـ ﴿قَوْلَ الزُّورِ﴾: شهادةُ الزُّور؛ لِمَا روي أنَّه ﵇ قال: "عَدَلَتْ شهادةُ الزُّور الإشراكَ بالله" ثلاثاً، وتلا هذه الآية (٢). والأظهرُ العمومُ ليتناول الشَّهادةَ وسائرَ الأكاذيب.

стр. 3061

والزُّورُ: مِنَ الزَّوَرِ، وهو الانحراف، كما أنَّ الإفْكَ مِن الأَفْكِ وهو الصَّرفُ، فإنَّ الكذبَ منحرِفٌ ومصروفٌ عن الواقع. * * * (٣١) - ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾. ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾: مستقيمي الطَّريقة على أمر الله، وأصلُ الحَنَفِ: الاستقامةُ، وقيل للمائلِ القدمِ: أحنف؛ تفاؤلاً بالاستقامة. ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ غيرَه في العبادة. وهما حالان (١) من الواو. ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ لَمَّا أخذَ في التَّمثيل عدلَ عن الضَّمير إلى الاسم الظَّاهر في التَّفخيم المناسب لمقام التَّهويل. ﴿فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾: سقطَ منها ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾: الخَطْفُ: الاستلابُ بسرعةٍ. ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾؛ أي: تسقطُه (٢)، والهُويُّ: السُّقوطُ. ﴿فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾: بعيدٍ، شبَّهَ حالَ المشرك في هلاكه هلاكاً لا خلاص معه (٣) بحالِ مَن يخرُّ مِنَ السَّماء فاختطفه الطَّير فتفرَّقَ قطعاً في حواصلها (٤)، أو عصفَتْ به

стр. 3062

الرِّيح فهوَتْ به في بعض المهالك البعيدة، هذا إذا جعلْتَه من باب التَّشبيه المركَّب وتمثيلِ صورةِ حاله بصورةِ حالِ مَن هلك على إحدى الصُّورتَيْن (١). وإنْ جعلْتَه مِنْ بابِ التَّشبيه المفرَّق (٢): شُبِّهَتِ الفطرةُ القابلة للتَّوحيد في علوِّ رتبتها بالسَّماء، والمشرك بالسَّاقط، والأهواءُ المُرْديَةُ الموزِّعةُ أفكارَه (٣) بالطَّير المختطفة، والشيطان الذي يطوحُ به في تيه الضَّلال بالرِّيح التي تهوي بما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة (٤)، والشرك الذي فيه (٥) بالمكان السَّحيق. و ﴿أَوْ﴾ للتخيير كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: ١٩] أو للتَّنويع، فإنَّ مِن المشركين مَن لا خلاص له أصلاً، ومنهم مَن يمكن خلاصُه بالتَّوبة لكن على بُعْدٍ (٦). * * * (٣٢) - ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: الأمر ذلك.

стр. 3063

﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ معالمَ دينه، أراد بها الهدايا؛ لأنَّها من معالم الحجِّ، والمخصِّص ما قبلها وما بعدها (١). وتعظيمُها: اعتقادُ كونِ التَّقرُّب بها من معاظم الطَّاعات، واختيارُها حِساناً سماناً غاليةَ الأثمان، وتركُ المكاس في شرائها. روي أنَّ عمرَ ﵁ أهدى نَجِيْبَةً طلبت منه بثلاث مئة دينار (٢). جزاؤه محذوفٌ تقديرُه: فهم متَّقون حقًّا (٣)؛ لدلالة التَّعليل القائم مقامه، ولهذا أدخل الفاء الجزائية عليه. والضمير في: ﴿فَإِنَّهَا﴾ لتعظيمات مَن عظَّموا (٤) شعائر الله. ﴿مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ أي: ناشئةٌ منها. واللَّام عوض عن (٥) المضاف إليه؛ أي: مِن تقوَى قلوبهم، وإضافتُها إليها للاحتراز عن تَقْوَى المُرائي.

стр. 3064

(٣٣) - ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ كثيرةٌ؛ دينيَّةٌ ودنيويَّة، مِن دَرِّها ونسلها وظهرها وصوفها، والتَّصدُّقِ بفوائدها (١). ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: إلى وقتِ نحرها. ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾: ثمَّ موضِعُ حِلِّ نحرها ينتهي إلى البيت أو قريب إليه (٢)، وهو الحرم، و ﴿ثُمَّ﴾ يَحتمِل التَّراخيَ في الوقت والتَّراخيَ في الرُّتبة، أي: لكم فيها منافع دنيويَّة إلى وقت النَّحر، وبعده منافع دينيَّة أعظمُ منها. * * * (٣٤) - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾. ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾: أهلِ دِيْنٍ ﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾: متعبَّداً، أو قرباناً (٣) يتقرَّبون به إلى الله تعالى. وقرئ بالكسر (٤)؛ أي: موضِعَ نُسكٍ. ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ﴾ علَّة للجَعْلِ مبيِّنةً أنَّ المقصودَ مِن المناسكِ ذكرُ اللهِ عزَ اسمُه عليها. ﴿مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ فيه تنبيهٌ على أنَّ القربان لا يكون إلَّا مِنَ النَّعم.

стр. 3065

﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ الفاء في الموضعين للسَّببية، وتقديم (له) للتَّخصيص؛ أي: لَمَّا كان المقصدُ الأصليُّ (١) مِن وَضْعِ المناسك ذكرَ اللّهِ تعالى وتوحيدَه، فاعلموا أنَّ إلهكَم وإلهَ جميعِ الأمم إلهٌ واحدٌ، فله خاصَّة أخلصوا الذِّكْرَ دون غيره، واجعلوه له سالماً؛ أي: خالصاً لا تشوبوه بالإشراك البتَّة. ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾: المتواضعين الخاشعين، مِن الخَبْتِ، وهو المطمئن من الأرض. * * * (٣٥) - ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ﴾: خافَتْ ﴿قُلُوبُهُمْ﴾ منه هيبةً لإشراق أشعَّة جلاله عليها. ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ من المحنِ والمصائب. ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ في أوقاتها. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ في وجوه الخير. * * * (٣٦) - ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.

стр. 3066

﴿وَالْبُدْنَ﴾: جمع بَدَنة، كخُشْبٍ وخَشَبة (١)، وأصله الضَّم، وقد قرئ به (٢). وإنَّما سُمِّيَتْ به لِعِظَمِ بَدَنها، مأخوذ من بَدُنَ بَدَانَةً، وهي الإبل خاصَّة، وقد دلَّ عليه إلحاق رسول الله ﷺ البقرَ بالبَدَنَةِ حين قال: "البُدْنُ عن سبعةٍ، والبقر عن سبعةٍ" (٣)، ولا دلالة فيه على صيرورة البدنة متناوِلة للجنسين في الشريعة. وانتصابه بفعلٍ يفسِّرُه: ﴿جَعَلْنَاهَا لَكُمْ﴾ وقرئ بالرَّفع (٤) على الابتداء، كقوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ﴾ [يس: ٣٩]. ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾؛ أي: من أعلام الشَّريعة التي شرَعَها الله تعالى، وإضافتُها إلى اسمه تعظيم. ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ منافعُ دينيَّة ودنيويَّة. ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ بأن تقولوا عند النَّحْرِ: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، واللّه أكبر، اللَّهمَّ منك وإليك (٥). ﴿صَوَافَّ﴾ حال من الهاء؛ أي: قائماتٍ، من صففْنَ أيديهنَّ وأرجلهنَّ.

стр. 3067

وقرئ: (صَوَافِنَ) (١) مِنْ صُفونِ الفرس، وهو أنْ يقومَ على ثلاثٍ، وطَرَفِ سُنْبُكِ الرَّابعةِ؛ لأنَّها تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث. و: (صوافنًا) بالتَّنوين عوضًا من حرف الإطلاق عند الوقف (٢). و: (صَوَافيَ) (٣)؛ أي: خوالصَ لوجه الله. و: (صَوَافٍ) (٤) على لغةِ مَن يسكِّن الياء مطلقًا، نحو مثل العرب: أعطِ القوسَ باريها (٥). ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾؛ أي: سقطت على الأرض بعد نحرها قائمةً، وهو كناية عن موتها. ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾؛ أي: إذا مات حلَّ لكم الأكل منها والإطعام. والقانع: الرَّاضي بما عندَه، وبما يُعطى من غير سؤالٍ، مِن قَنِعْتَ قُنوعًا وقَناعةً، يؤيِّده أنَّه قرئ: (القَنِعَ) (٦)، وهو الرَّاضي.

стр. 3068

والمعترُّ: المتعرِّض بالسُّؤال (١). وقيل: القانع: السَّائل، مِن قَنَعْتُ إليه: إذا خضعْتَ له وسألتَه، قُنوعًا. والمعترُّ: المتعرِّض بغير سؤال. وقرئ: (والمُعْتَرِي) (٢)، يقال: عَرَّهُ وعَرَاهُ، واعْترهُ واعْتَراهُ بمعنى. ﴿كَذَلِكَ﴾ مثلَ ما وصفناها قيامًا معقولةً أيديها ﴿سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾ عظمها وفَرْط قوَّتها، حتى تأخذوها فتعقلوها وتحبسوها صافَّةً قوائمها، ثم تطعنون في لَبَّاتها (٣). ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ إنعامَنا عليكم بالتَّقرُّب والإخلاص. * * * (٣٧) - ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾. ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ﴾: لن يصيبَ رضاه، ولن يقعَ منه موقعَ القَبولِ ﴿لُحُومُهَا﴾ المتصدَّقُ بها ﴿وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ المهراقةُ عندَ النَّحر من حيث إنها لحوم ودماء. ﴿وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾: ولكن يصيبُه ما يصحبه من تقوى قلوبكم التي تدعوكم إلى تعظيم أمر الله، والتَقرُّب إليه، والإخلاص له، والتَّحرُّز عنها.

стр. 3069

قيل: كانَ أهلُ الجاهليَّة إذا نحروا البُدْنَ نضحوا الدِّماءَ حول البيت ولطَّخوه بالدَّم، فلمَّا حجَّ المسلمون أرادوا مثل ذلك، فنزلَتْ (١). ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾ كرَّرَ التَّسخيرَ؛ تذكيرًا للنِّعمة، وتعليلًا بقوله: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾؛ أي: لتَعْرفوه (٢) بإقداره إيَّاكم، وتعلموا أنَّه القادر على ما لا يقدر عليه غيره، فتصفوه بالكبرياء، وتشكروه على إنعامه عليكم بالهداية إلى طريق تسخيرها وكيفيَّة التَّقرُّب بها. فتعديتُه بـ ﴿عَلَى﴾ على تضمين معنى الشكر. ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾: المخلصين فيما يأتون به ويذرونه، وإنَّما ترك المُبَشَّر به للإشارة إلى أنَّه ممَّا لا يُعيِّنه العبارة (٣). * * * (٣٨) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَدْافَعُ﴾ وقرئ: ﴿يُدَافِعُ﴾ (٤)؛ أي: يبالغ في الدَّفع مبالغةَ مَن يُغالِبُ فيه. ﴿عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حذف المفعول للتَّعميم، ثمَّ علَّلَ بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ﴾ في أمانةِ اللهِ ﴿كَفُورٍ﴾ لنعمته؛ أي: لا يحب

стр. 3070

أضدادهم (١)، وضمَّنه الإيماءَ إلى أن أعاديَهم الواجبَ دفعُهم هم المشركون، والتَّنصيصَ عليهم بأنَّهم الخوَّانون الكفَّارون، والتَّعريضَ بأنَّ أضدادهم المؤمنين هم الأمناء الشَّاكرون، وأنَّ الله تعالى يحبُّهم، وعلى مقتضى ما ضمَّنه أتى بصيغة المبالغة، وإلَّا فمقتضى الظَّاهر نفي محبَّته عن كلِّ خائنٍ وكافرٍ، بل إثباتُ بغضه لهما. * * * (٣٩) - ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾. ﴿أُذِنَ﴾: رُخِّصَ ﴿لِلَّذِينَ﴾ حذف المأذون فيه لدلالة: ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ عليه، وقرئ: ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ بفتح التَّاء (٢)؛ أي: للَّذين يقاتلهم المشركون. ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾: بسبب أنَّهم ظُلِموا، وهم أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ ، كان المشركون يؤذونهم، وكانوا يأتونَه مِن بين مضروبٍ ومشجوجٍ يتظلَّمون إليه، فيقولُ لهم: "اصبروا فإنِّي لم أؤمر بالقتال "، حتى هاجر، ثم نزلَتْ هذه الآية (٣). وهي أوَّلُ ما نزلَ في القتال (٤)، بعدَما نُهي عنه ﵇ في نيفٍ وسبعين آيةً.

стр. 3071

﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ وعدٌ لهم واردٌ على سَنَنِ كلام الملوك المقتدرين الجبَّارين، وتأكيدٌ لِمَا سبقَ من الوعد بدفع أذى الكفَّار؛ فإنَّ النَّصر ليسَ مطلقَ العون، بل العونُ بدفع الضَّرر. * * * (٤٠) - ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. ﴿الَّذِينَ﴾ في محل الجرِّ، بدل من (الذين)، أو نصب بـ (أعني)، أو رفع بإضمار: (هم). ﴿أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ يعني: مكَّة ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾: بغير (١) موجِبٍ استحقُّوا به الإخراج. ﴿إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ إبدال ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ من ﴿حَقٍّ﴾، تأكيدٌ للمدح بما يشبه الذَّمَّ على طريق قول النَّابغة: ولا عيْبَ فيهِمْ غيرَ أنَّ سيوفَهُم … بهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِراعِ الكَتائِبِ (٢) أي: بغير موجِبٍ سوى التَّوحيدِ الموجِبِ للإعزاز والتَّمكين والإكرام. ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ بتسليط المؤمنين على المشركين بالجهاد. ﴿لَهُدِّمَتْ﴾ الهدمُ كنايةٌ عن الإبطال والتَّعطيل على وجه أبلغ؛ أي: لاستولى المشركون على أهل المِلَلِ وعطَّلوا متعبداتهم.

стр. 3072

﴿صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ الصَّوامعُ: جمع صومعةٍ، وهي متعبَّد الرَّهابنة. والبِيَعُ: جمعُ بِيْعَةٍ، وهي متعبَّد النَّصارى ومصلَّاهم. والصَّلوات وهي كنيسةُ اليهود، سُفَيَتْ صلاة لأنَّها يُصلَّى فيها، وقيل: كلمة معرَّبة أصلها بالعبرانيَّة: صلاة. ﴿وَمَسَاجِدُ﴾ ومساجد المسلمين، إنَّما خصَّ التَّعبير بالمسجد عن مصلَّاهم (١) لأنَّ السَّجدة من أركان صلاتهم خاصَّة، وإنَّما أُخّرَتْ عن غيرها لِمَا في التَّقديم مِن القُرْبِ من التَّهديم. ﴿يُذْكَرُ فِيهَا﴾ لا في المساجد خاصَّة، بل في جميع ما ذُكِرَ؛ لأنَّه كالتَّعليل لصونها عن التَّهديم بالدَّفع المذكور. ﴿اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ صفةُ مصدرٍ محذوفٍ؛ أي: ذكرًا كثيرًا. ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾؛ أي: ينصرُ دينَه ورسلَه. إخبارٌ من الله عن الغيب، ووعدٌ أنجزه بتسليط المهاجرين والأنصار على صناديد العرب وأكاسرة العجم وقياصرة الروم. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ﴾ على نصرهم ﴿عَزِيزٌ﴾ غالبٌ على أمره، وفيه تأكيد لوعده. * * * (٤١) - ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾.

стр. 3073

﴿الَّذِينَ﴾ بدل مِن ﴿مَنْ يَنْصُرُهُ﴾، أو صفةٌ أخرى لـ ﴿لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾، وقوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ﴾ إلخ اعتراضٌ بين الصِّفتَيْن (١). ﴿إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ وبسطنا لهم في الدُّنيا. ﴿أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾؛ أي: قاموا (٢) بأمر الدِّين حقَّ القيام. وعن عثمان ﵁: هذا والله ثناءٌ قبل بلاءٍ (٣)؛ أي: أثنى عليهم قبلَ أن يُحْدِثوا من الخير ما أَحْدثوا، وفيه دليل على صحَّة أمر الخلفاء الرَّاشدين؛ إذ لم يَسْتَجمع ذلك غيرُهم (٤) من المهاجرين. ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾؛ أي: مرجعُها إلى حكمِه وتقديرِه، وفيه أيضًا تأكيدٌ لو عدِه. * * * (٤٢) - ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ﴾. ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ تسلية لرسوله ﵇ من تكذيبِ قومِه إيَّاه؛ أي: لسْتَ بأوحديٍّ في التَّكذيب.

стр. 3074

﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾: قبلَ قومَكِ ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ نوحًا ﵇ ﴿وَعَادٌ﴾ هودًا ﵇ ﴿وَثَمُودُ﴾ صالحًا ﵇. ولم (١) يقل فيهما: (قوم صالح وقوم هود)؛ لأنَّ الأصل في التَّعبير هو العَلَم، والعدول في غيرهما إلى التَّعبير بالأمر العام لضرورة فَقْدِ العلم. * * * (٤٣) - ﴿وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ﴾. ﴿وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ﴾ إبراهيمَ ﵇ ﴿وَقَوْمُ لُوطٍ﴾ لوطًا ﵇. * * * (٤٤) - ﴿وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾. ﴿وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ﴾ شعيبًا ﵇، ولم (٢) يقل هاهنا: (وقوم شعيب) لأنَّ المكذِّبين له من قومِه أصحابُ مدين خاصَّة. ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ غُيِّر النَّظم فيه، ولم يُقَلْ: (وقوم موسى)؛ لأنَّ قومَه بنو إسرائيل لم (٣) يكذِّبوه، وإنَّما كذَّبه القِبْط، وأُفرد له الفعلُ لتعظيمه وبيان أنَّ تكذيبه كان أشنع، وآياتِه كانت أعظمَ وأسبغ، كأنَّه قيل: وكُذِّبَ موسى مع عظم آياته ووضوح معجزاته، فما ظنُّك بغيره؟!

стр. 3075

وبُني الفعل للمفعول إتمامًا للكلام بالتَّجريد لِمَا سِيْقَ له. ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾؛ أي: فأمهَلْتُهم (١) إلزامًا للحُجَّةِ. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ عاقَبْتُهم على كفرهم. ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾: إنكاري عليهم بتغيير النِّعمةِ نَقمةً، والحياةِ هلاكًا، والعمارةِ خرابًا، والبقاءِ استئصالًا. * * * (٤٥) - ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾. ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ منصوبُ المحلِّ (٢) بفعل مقدَّرٍ يفسِّرُهُ: ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ أو مرفوعةٌ بالابتداء، والخبر ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾. يعني: بإهلاكِ أهلها. ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾؛ أي: أهلُها، حال. ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ جملة معطوفة على ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ لا محلَّ لها من الإعراب على الأوَّل، وفي محلِّ الرَّفع على الثَّاني. ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ متعلقة بـ ﴿خَاوِيَةٌ﴾، أو خبرٌ بعد خبرٍ. والخاوي: السَّاقط، من خَوَى المنزل: إذا خلا من أهله. والعرشُ: كلُّ مرتفعٍ مُظِلٍّ من سقفٍ أو خيمةٍ أو كَرْم. أي: ساقطةٌ على عروشها بأنْ خَرَّتِ (٣) السُّقوف على الأرض، ثمَّ سقطَتْ

стр. 3076

جدرانها (١) فوقَ السُّقوف، أو: خاليةٌ مع بقاء عروشها وسلامتها، وعلى الوجه الثَّاني من الإعراب: فهي خاويةٌ وهي قائمة مع عروشها، أو مائلة مشرفة على السُّقوف السَّاقطة، بأنْ سقطَتِ السُّقوف على الأرض وبقيَتِ الجدران مشرفةً عليها. ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ عطف على ﴿قَرْيَةٍ﴾؛ أي: وكم بئر عامرة في البوادي فيها الماء عُطِّلَتِ وتُرِكَتْ لا يُستقى منها لهلاك أهلها. وقرئ بالتَّخفيف مِنْ أَعْطَله، بمعنى عَطَّله (٢). ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾: مجصَّصٍ، مِن الشِّيْد وهو الجصُّ، أو: مرفوعِ البنيان، مِن شادَ البناء: إذا رفَعه. أخليناه عن ساكنيه، حُذِفَ لدلالة ﴿مُعَطَّلَةٍ﴾ عليه. والأنسب لهذا أن معنى ﴿خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾: خالية مع عروشها، والأظهر أنَّ البئر والقصر على العموم؛ أي: أهلكنا (٣) البادية والحاضرة جميعًا، فخلَتِ القصور عن أربابها، والآبار عن وارديها. * * * (٤٦) - ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور﴾. ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ حثٌّ لهم على السَّفر ليعتبروا بما رأوا من مصارع

стр. 3077

المُهلَكين، وبقاء آثارهم، وهم وإن كانوا قد سافروا ولكنَّهم لم يعتبروا، فكأنَّهم لم يسافروا لعدم الفائدة لهم (١). ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾: ما يجب أن يُعْقلَ من توحيد الله تعالى وقدرته عند الاعتبار والاستبصار. ﴿أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾: ما يجبُ انْ يُسمَعَ من الوحي والتَّذكير بحالِ مَن شاهدوا آثارَهم، وإنَّما ذكَرَ الأُذنَ دون البصر - مع أنَّه أنسب أنْ يُذْكَر - نظرًا إلى اتِّساق الكلام للاعتبار بالآثار؛ لأنَّ المقصود بيانُ حصول طريقي (٢): العلمِ الاستدلالي، والأخذِ من أفواه الرِّجال، والوصولُ إليهما (٣) بالسَّير للاعتبار، والبصرُ من وسائل الطَّريق الأوَّل، فلذلك لم يُذْكَرْ أصالةً (٤). ﴿فَإِنَّهَا﴾ الضَّمير للقصَّة، وفي قراءة ابن مسعود ﵁: (فإنَّهُ) (٥) على تأويل الشَّأن، ويجوز أن يكون ضميرًا مُبْهماً يفسِّره ﴿الْأَبْصَارُ﴾، وفي ﴿تَعْمَى﴾ راجع إليه، أو الظَّاهرُ أُقِيمَ مقامَه. ﴿لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾؛ أي: ما عميت أبصارهم عن الإبصار (٦)، بل قلوبهم عن الاعتبار، والآفَةُ في قلوبهم باتِّباع الهوى والتَّقليد.

стр. 3078

﴿الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ تأكيدٌ لنفي التَّجوُّز، فإنَّه يُقال: القلبُ لُبُّ كلِّ شيءٍ، والتَّنبيه على أنَّ العمى المتعارَف الذي في البصر لا اعتبار له (١)، وليس بعمًى في الحقيقة بالنِّسبة إلى عمى القلوب، فإنَّ العمى الحقيقيَّ هو عمى القلب الذي محلُّه الصَّدر، فهو مقرِّر لِمَا ذُكِرَ أنَّ الأمر على خلاف ما عليه الجمهور مِن أنَّ العمى إنَّما هو في البصر حقيقةً وفي القلب استعارةً. قيل: لما نزل ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى﴾ [الإسراء: ٧٢] قال ابن أمِّ مكتومٍ: يا رسول الله، أنا في الدُّنيا أعمى، أفأكون في الآخرة أعمى؟ فنزلَتْ (٢). وَيرِدُ عليه أنَّه حينئذ يكون المعنى: لا تعمى الأبصار في الآخرة ولكن تعمى القلوب، ويردُّه قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا [طه: ١٢٥]. * * * (٤٧) - ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾. ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ لا بالإهمالِ ولا بالإمهال؛ لأنَّه المحال في حقِّ الملك المتعال. وحقيقة ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾: إخبار في معنى الاستفهام على سبيل الإنكار، أي: لِمَ يستعجلون بالعذاب المتوعَّد به كأنَّهم شاكُّون في وقوعه، ومحالٌ أنْ يخلفَ الله وعدَه، فلا بُدَّ من وقوعه وإن طالَ الزَّمانُ.

стр. 3079

﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾؛ أي: كيف يستعجلون بعذابٍ من يومٍ واحدٍ من أيَّام عذابه في طول ألفِ سنة من سنيكم؛ لأنَّ أيَّام الشَّدائدِ طِواك. * * * (٤٨) - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾. ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ كرَّره للتَّهويل، وتصويرِ حالهم في الإملاء، وبيانِ أنَّ الظَّلَمَةَ لا يُهمَلون غيرَ معذَّبين؛ أُمْهِلوا أو لم يُمْهَلوا، وإنَّما عطف الأوَّل بالفاء لكونها بدلًا من قوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِير﴾، وبقائها على التَّسبُّب، وأمَّا حكم هذه فحكمُ ما تقدَّمها من الجملتَيْن المعطوفَتَيْن بالواو، وهما: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾، و ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ﴾ على سبيل الاعتراض، وبيانِ أنَّ الاستعجالَ أمرٌ منكَر؛ إذ لا بدَّ من تحقُّق العذاب. ﴿أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ كما أمهلْتكم ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ مثلَكم. أصل ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾: من أهلِ قرية، فحُذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامَه في الإعراب، ورجع إليه الضَّمائر والأحكام مبالغةً في التَّعميم والتَّهويل. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهَا﴾ بالعذاب. ﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾؛ أي: حكمي مرجعُ الجميع، وتقديم (إلى) للاختصاص، والمبالغةِ في الوعيد (١)؛ أي: لا إلى غيري (٢). * * *

стр. 3080

(٤٩) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ الخطاب عامٌّ للمؤمنين والكفَّار، والمنذَر به قيام السَّاعة، وإنَّما كان ﵇ نذيرًا مبينًا لأنَّ بعثته من أشراطها، فاجتمع فيه الإنذار بها قالًا وحالًا، فقوله: ﴿أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ﴾ كقوله ﵇: "أنا النَّذير العُرْيان" (١)، وقد دلَّ على ذلك تعقيب الخطاب بالإنذار بتفصيل حال الفريقَيْن عند قيامها بقوله: (٥٠) - ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم عند الحساب؛ لأن الحسنات يُذْهِبْنَ السِّيئات. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ في الجنَّة. الكريم من كلِّ نوعٍ: ما يَجْمَج (٢) فضائلَه. * * * (٥١) - ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ بالرَّدِّ والإفساد، وبالطَّعن فيها حيث سمَّوها سحرًا أو شعرًا أو أساطير الأوَّلين (٣)، وتثبيطِ النَّاس عنها، يُقال: سعى في أمرِ كذا: إذا أصلحه أو أفسده بسَعْيه. ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: سابقين في السَّعي جادِّين فيه، مشاقِّين له، أو: سابقين في زعمهم، طامعين أنَّ كيدهم للإسلام يَتمُّ لهم. من عاجَزَه فأعجَزَه: إذا سابَقَه

стр. 3081

فسبَقَه؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من المتسابِقَيْن في طلب إعجاز الآخر عن اللَّحاق به، وإذا سبقَه قيل: أعجَزَه وعجَّزَه. وقرئ: (مُعْجِّزِيْنَ) (١) على أنه حالٌ مقدَّرة؛ أي: مثبِّطينَ النَّاسَ عن الإيمان. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾: النَّارِ الموقَدةِ، وقيل: اسمُ دَركَةٍ من دَرَكاتِها. * * * (٥٢) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ قد سبق تفسيرُهما في سورة الأعراف وسورة مريم (٢)، وبيانُ الفرق بينهما بعموم الثَّاني وخصوص الأوَّل، ومَن شرَط في (٣) الرَّسول شريعةً مجدِّدة (٤) فكأنَّه نسي ما زعمه (٥) من الدِّلالة في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥١] على أنَّ الرَّسول لا يلزم أنْ يكون صاحب شريعة. ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾: تلا، قال الشَّاعِرُ: تمنَّى كتابَ اللهِ أوَّلَ ليلِهِ … تَمَنِّيَ داودَ الزَّبورَ على رِسْلِ (٦)

стр. 3082

﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ﴾: في تلاوته. قالوا: إنه ﵇ قرأ في نادي قومه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾، فلمَّا بلغَ قولَه: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ سكَتَ، فقال الشَّيطان: تلك الغرانيق العُلى، وإنَّ شفاعتهنَّ لتُرْتَجى، وقرأها متَّصلًا بقراءة النَّبيِّ ﵇، فوقعَ عند بعضهم أنَّه ﵇ هو الذي تكلَّم بها، وهذا معنى إلقاء اللَّعين في قراءة سيِّد المرسلين (١). وكان يتكلَّم في زمنِ النَّبيّ ﵇، ويُسْمَع (٢) كلامه، فقد روي أنه نادى يوم أحد: ألا إنَّ محمَّدًا قد قُتِلَ، وقال يوم بدر: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ (٣). وهذا لا يُخلُّ بالوثوق على القرآن؛ للاندفاع بقوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: يَذْهَبُ به ويُبْطلُه، ويُخْبِرُ أنَّه من الشَّيطان.

стр. 3083

﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾؛ أي: يُثْبِتُها ويحفظُها عن تطرُّق النُّقصان، ولحوق الزَيادة من الشَّيطان. ولَمَّا كان الإحكام بهذا الوجه على رتبةٍ من النَّسخ المذكور صدَّره بكلمة ﴿ثُمَّ﴾. ولا احتمال لأنْ يكون هذا الكلام ونظائرُه كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] أيضًا من زيادة الشَّيطان؛ لأنَّ ظهور الإعجاز عند انضمامه إلى ما يَبلغ به المجموع مقدار أقصر سورة من القرآن دلَّ على أنَّه من الرَّحمن؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ الآية [الإسراء: ٨٨]، فلا دلالة في الآية على جواز السَّهو على الأنبياء ﵈ وتطرُّقِ الوسوسة إليهم. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما أوحى إلى نبيِّه ﵇ وبقصَّة الشَّيطان. ﴿حَكِيمٌ﴾ يدعُه حتى يُكْشَفَ ويزيله، ثم ذكر أن ذلك ليفتنَ اللهُ تعالى به قومًا بقوله: * * * (٥٣) - ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾. ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً﴾: محنةً وابتلاءً. ﴿لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: شكٌّ وتردُّد. ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ الجازمين بمعتقدهم الباطل، مُظهَرًا كان ذلك أو مضمرًا، ومن زعم أن المراد من الأوَّل المنافق فكأَنَّه غافل عن أنَّ المنافق أقسى قلبًا من الكافر المجاهر.

стр. 3084

﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ من باب وضع الظَّاهر موضع الضَّمير تسجيلًا على الفريقَيْن بالظُّلم؛ لأنَّ القياس أن يقول بعد ذكرهما: وإنهم. ﴿لَفِي شِقَاقٍ﴾: خلافٍ ﴿بَعِيدٍ﴾ عن الحق، ويلزمه البعد عن الرَّسول وعن المؤمنين. * * * (٥٤) - ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: الاعتقادَ المطابق للواقع، وهم المؤمنون. ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أنَّ القرآن هو الحقُّ النَّازل من عند الله، فلا يلتبسه (١) ما يلقي (٢) الشَّيطانُ من الباطل ولا يدخل فيه. ﴿فَيُؤْمِنُوا﴾: فيعتقدوا ﴿بِهِ﴾ ويطيعوا بأحكامه (٣). ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ بالخشوع والخضوع والخشية. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيما أشكلَ عليهم بالتَّوفيق للنَّظر الصَّحيح، وللكشف بنور هدايته. ﴿إِلَى صِرَاطٍ﴾ طريقٍ ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ هو طريق التَّأويل لِمَا يتشابه بالتطبيق على الأصول المحكمة، فلا يلحقهم حيرة (٤) ولا يعتريهم شبهة.

стр. 3085

(٥٥) - ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾. ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ﴾ قد سبقَ في أوَّل سورة البقرة الفرق بين المرية والشَّك والرَّيب. ﴿مِنْهُ﴾: من القرآن. ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾: القيامة، والمرادُ إتيانُ الموت، فإنَّه من طلائِعها (١)، ولذلك قال ﵇: "مَن مات فقد قامت قيامته" (٢). ﴿بَغْتَةً﴾: فجأة. ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾: يومِ حربٍ يُقْتَلون فيه كيوم بدرٍ، وإنَّما وُصِفَ يومُ الحرب بالعُقْمِ لأنَّ أولاد النِّساء يُقتَلون فيه، فيَصِرْنَ كالعُقم (٣). وقيل: العقيم الذي لا خير فيه، يقال: ريح عقيم: إذا لم تُنشئ مطراً ولم تُلْقِح شجرًا (٤). * * *
следующие страницы →