← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

فسبَقَه؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من المتسابِقَيْن في طلب إعجاز الآخر عن اللَّحاق به، وإذا سبقَه قيل: أعجَزَه وعجَّزَه. وقرئ: (مُعْجِّزِيْنَ) (١) على أنه حالٌ مقدَّرة؛ أي: مثبِّطينَ النَّاسَ عن الإيمان. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾: النَّارِ الموقَدةِ، وقيل: اسمُ دَركَةٍ من دَرَكاتِها. * * * (٥٢) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ قد سبق تفسيرُهما في سورة الأعراف وسورة مريم (٢)، وبيانُ الفرق بينهما بعموم الثَّاني وخصوص الأوَّل، ومَن شرَط في (٣) الرَّسول شريعةً مجدِّدة (٤) فكأنَّه نسي ما زعمه (٥) من الدِّلالة في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥١] على أنَّ الرَّسول لا يلزم أنْ يكون صاحب شريعة. ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾: تلا، قال الشَّاعِرُ: تمنَّى كتابَ اللهِ أوَّلَ ليلِهِ … تَمَنِّيَ داودَ الزَّبورَ على رِسْلِ (٦)

стр. 3082

﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ﴾: في تلاوته. قالوا: إنه ﵇ قرأ في نادي قومه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾، فلمَّا بلغَ قولَه: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ سكَتَ، فقال الشَّيطان: تلك الغرانيق العُلى، وإنَّ شفاعتهنَّ لتُرْتَجى، وقرأها متَّصلًا بقراءة النَّبيِّ ﵇، فوقعَ عند بعضهم أنَّه ﵇ هو الذي تكلَّم بها، وهذا معنى إلقاء اللَّعين في قراءة سيِّد المرسلين (١). وكان يتكلَّم في زمنِ النَّبيّ ﵇، ويُسْمَع (٢) كلامه، فقد روي أنه نادى يوم أحد: ألا إنَّ محمَّدًا قد قُتِلَ، وقال يوم بدر: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ (٣). وهذا لا يُخلُّ بالوثوق على القرآن؛ للاندفاع بقوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: يَذْهَبُ به ويُبْطلُه، ويُخْبِرُ أنَّه من الشَّيطان.

стр. 3083

﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾؛ أي: يُثْبِتُها ويحفظُها عن تطرُّق النُّقصان، ولحوق الزَيادة من الشَّيطان. ولَمَّا كان الإحكام بهذا الوجه على رتبةٍ من النَّسخ المذكور صدَّره بكلمة ﴿ثُمَّ﴾. ولا احتمال لأنْ يكون هذا الكلام ونظائرُه كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] أيضًا من زيادة الشَّيطان؛ لأنَّ ظهور الإعجاز عند انضمامه إلى ما يَبلغ به المجموع مقدار أقصر سورة من القرآن دلَّ على أنَّه من الرَّحمن؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ الآية [الإسراء: ٨٨]، فلا دلالة في الآية على جواز السَّهو على الأنبياء ﵈ وتطرُّقِ الوسوسة إليهم. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما أوحى إلى نبيِّه ﵇ وبقصَّة الشَّيطان. ﴿حَكِيمٌ﴾ يدعُه حتى يُكْشَفَ ويزيله، ثم ذكر أن ذلك ليفتنَ اللهُ تعالى به قومًا بقوله: * * * (٥٣) - ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾. ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً﴾: محنةً وابتلاءً. ﴿لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: شكٌّ وتردُّد. ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ الجازمين بمعتقدهم الباطل، مُظهَرًا كان ذلك أو مضمرًا، ومن زعم أن المراد من الأوَّل المنافق فكأَنَّه غافل عن أنَّ المنافق أقسى قلبًا من الكافر المجاهر.

стр. 3084

﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ من باب وضع الظَّاهر موضع الضَّمير تسجيلًا على الفريقَيْن بالظُّلم؛ لأنَّ القياس أن يقول بعد ذكرهما: وإنهم. ﴿لَفِي شِقَاقٍ﴾: خلافٍ ﴿بَعِيدٍ﴾ عن الحق، ويلزمه البعد عن الرَّسول وعن المؤمنين. * * * (٥٤) - ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: الاعتقادَ المطابق للواقع، وهم المؤمنون. ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أنَّ القرآن هو الحقُّ النَّازل من عند الله، فلا يلتبسه (١) ما يلقي (٢) الشَّيطانُ من الباطل ولا يدخل فيه. ﴿فَيُؤْمِنُوا﴾: فيعتقدوا ﴿بِهِ﴾ ويطيعوا بأحكامه (٣). ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ بالخشوع والخضوع والخشية. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيما أشكلَ عليهم بالتَّوفيق للنَّظر الصَّحيح، وللكشف بنور هدايته. ﴿إِلَى صِرَاطٍ﴾ طريقٍ ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ هو طريق التَّأويل لِمَا يتشابه بالتطبيق على الأصول المحكمة، فلا يلحقهم حيرة (٤) ولا يعتريهم شبهة.

стр. 3085

(٥٥) - ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾. ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ﴾ قد سبقَ في أوَّل سورة البقرة الفرق بين المرية والشَّك والرَّيب. ﴿مِنْهُ﴾: من القرآن. ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾: القيامة، والمرادُ إتيانُ الموت، فإنَّه من طلائِعها (١)، ولذلك قال ﵇: "مَن مات فقد قامت قيامته" (٢). ﴿بَغْتَةً﴾: فجأة. ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾: يومِ حربٍ يُقْتَلون فيه كيوم بدرٍ، وإنَّما وُصِفَ يومُ الحرب بالعُقْمِ لأنَّ أولاد النِّساء يُقتَلون فيه، فيَصِرْنَ كالعُقم (٣). وقيل: العقيم الذي لا خير فيه، يقال: ريح عقيم: إذا لم تُنشئ مطراً ولم تُلْقِح شجرًا (٤). * * *

стр. 3086

(٥٦ - ٥٧ ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم القيامة، والتَّنوين فيه ينوب عن الجملة التي دلَّتْ عليها الغاية؛ أي: يوم تزول مِرْيَتِهم. ﴿لِلَّهِ﴾ فلا منازع له فيه. ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ بالمجازاة، والضَّمير يعمُّ الفريقَيْنِ، دلَّ عليه تفصيل الحكم بقوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، الفاء في خبر الثَّاني دون الأوَّل تنبيهٌ على أنَّ إثابة المؤمنين بالجنَّات تفضُّل مِن الله تعالى، وأن عقاب الكافرين مسبَّبٌ عن أعمالهم، ولذلك قال: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ﴾، ولم يقل: (هم في عذاب) كما قال: ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾، وفي تقديم الجار والمجرور دلالة على أنَّ العذابَ المهين مخصوصٌ بهم لا يشاركهم فيه المؤمنون. ثمَّ خُصَّ قومٌ من الفريق (١) الأوَّل بفضيلة فقال: (٥٨) - ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ خرجوا من أوطانهم مجاهدين ﴿ثُمَّ قُتِلُوا﴾ في الجهاد ﴿أَوْ مَاتُوا﴾ حَتْفَ أنوفهم.

стр. 3087

﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ الرِّزْقُ الحسنُ: الذي لا يلحقه ألمُ الانقطاع، ولا يسبقه تعبُ الكَسْبِ، وذلك في البرزخ قبلَ دخول الجنَّة؛ لأنَّ الرِّزقَ الحسنَ في الجنَّة لا اختصاص له بالمجاهدين من المؤمنين، وإنَّما سوَّى بينَ مَن قُتِلَ في الجهاد ومَن ماتَ حَتْفَ أنفه في الموعد؛ لاستوائِهما في القَصْدِ، وما في وسعهما من العمل. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ فإنَّه يرزق بغير حساب. * * * (٥٩) - ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾. ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ الجنّة، دلَّ هذا على أنَّ ما تقدَّم من التَّرزيق قبل دخولها. بَدلٌ من قوله: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ﴾، و ﴿يَرْضَوْنَهُ﴾ صفة المُدْخَل، وهذا وصف لها بكلِّ جميل؛ لأنَّ ما وقع (١) موقعَ الرِّضى فقد كَمَلَ. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ بأحوال مَنْ قضى نحبَه مجاهدًا، وآمالِ مَن مات (٢) وهو ينتظر مُعاهِدًا ﴿حَلِيمٌ﴾ إمهال مَن قاتلهم معاندًا. رُوِيَ أنَّ طوائفَ مِنْ أصحاب رسولِ الله ﷺ قالوا: يا نبيَّ الله، هؤلاء الذين قُتِلوا قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير، ونحن نجاهد معك كما جاهدوا، فما لنا إن متنا (٣) معك؛ فأنزل الله تعالى هاتين الآيتَيْنِ (٤).

стр. 3088

(٦٠) - ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾ للفصل بين الكلامين؛ أي (١): الأمرُ ذلك، فما بعده مستأنف. ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾؛ أي: لم يزد في القَصاص، وإنَّما سُمِّيَت الجناية المبتدأة باسم جزائها الذي هو العقاب؛ لِمَا بينَ السَّبب والمسبَّب من الملابسَةِ، فأُطلقَ اسمُ المسبَّب على السبب مجازًا، أو للازدواج، وليُتصوَّر سرعة أداء السَّبب إليه. ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ بالمعاودة إلى العقوبة ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾؛ أي: مَن جازى بمثلِ ما فُعِلَ به من الظُّلم ثمَّ ظُلِمَ بعد ذلك فحقٌّ على الله أن ينصرَه. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ﴾: يمحو آثارَ الذُّنوبِ ﴿غَفُورٌ﴾: يسترُ أنواعَ العيوب. وإنَّما وعدَ المنتصِر بهما لأنَّه اتَّبع هواه في الانتقام، وأعرضَ عمَّا نَدب الله إليه بقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]. وفيه تعريضٌ بالحثِّ على العفو، فإنَّ الله تعالى مع كمالِ قدرتِه وتعالي شأنِه لَمَّا كانَ يعفو فغيرُه بذلك أولى. وتنبيهٌ على أنَّه قادرٌ على العقوبةِ؛ إذ لا يُوصَفُ بالغفور إلَّا القادر على ضدِّه. * * *

стр. 3089

(٦١) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾؛ أي: ذلك النَّصر بسببِ أنَّ اللّهَ تعالى قادرٌ على التَّصرُّف في العالم على وفقِ مشيئته ومقتضى حكمته، وما ذكر من التَّغييب خاصَّة في المَلَوَيْنِ (١) بتغييب أحدِهما في (٢) الآخر كنايةٌ عن التَّصرُّف في الأفلاك بالتَّحريك على وجهٍ عليه مَدارُ الكائنات (٣) في عالم الكون والفسادِ (٤) كيف يشاء، والنصر المذكور من جملة ما تقتضيه الحكمة. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ لما يقولون، ولا يشغله سَمْعٌ عن سَمْعٍ وإنِ اختلفَتِ (٥) الأصوات في النَّهار بفنون اللُّغات. ﴿بَصِيرٌ﴾ بما يفعلون ولا يستتر عنه شيء بشيء في اللَّيالي وإنْ توالَتِ الظُّلُمات. * * * (٦٢) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾؛ أي: ذلك الوصفُ بكمال القدرة والعلم بسبب

стр. 3090

أنَّ اللّهَ هو الحقُّ الثَّابت في نفسه، الواجب لذاته (١)، وكلُّ ما كان كذلك كان مبدأً لِمَا سِواه، عالِمًا بذاته ممَّا عداه، أو الثَّابتُ الإلهيَّة، ولا يصلح لها إلَّا مَن كان عالمًا قادرًا. ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ من دون الله إلهًا. وقرئ بالتَّاء على مخاطبة المشركين (٢)، وبالبناء للمفعول (٣)، فتكون الواو لـ ﴿مَا﴾ فإنه مِن معنى الألوهيَّة (٤). ﴿هُوَ الْبَاطِلُ﴾: المعدوم في حدِّ ذاته، أو الباطل الألوهيَّة. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾؛ أي: العالي على كلِّ شيءٍ بالقَهْرِ والسُّلطان بدون توهُّمِ المكان. ﴿الْكَبِيرُ﴾ عن أن يساوَيه شيء، فضلاً عن أن يكون أعلى منه شأنًا وأكبر سلطانًا. * * * (٦٣) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِي﴾.

стр. 3091

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ استفهامُ تقرير، ولهذا رُفع: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ عطفًا على ﴿أَنْزَلَ﴾؛ إذ لو نصب جوابًا له (١) لدلَّ على نفيِ الاخضرار، كما في قولِكَ: ألم تر أني أنعمْتُ عليكَ فتشكرُ (٢)، والمقصود إثباته، والرفع لعطفه على ﴿أَنْزَلَ﴾، وتسبُّبه منه مثبتٌ البتَّة، كذلك في المثال؛ لأنَّه عطف على (أنعمتُ)، وأما النَّصب فلا وجه له إلَّا التَّسبُّب عن الاستفهام، وَيؤُول المعنى في المثال إلى: ما رأيْتَ فما شكرْتَ؛ أي: لو رأيْتَ لشكرْتَ، وكذلك في الآية. على أنَّ فيها مانعًا آخر، وهو أنَّ إصباحَ الأرضِ مخضرَّة لا يصحُّ أنْ يتسبَّب عمَّا بعد الاستفهام، وإنما عدل عن الماضي ولم يقل: (أصبحَتْ) لاستحضار الحال الماضية، والتَّنبيه على كمال صنع الصَّانع بالمشاهدة، والدِّلالة على بقاء أثر المطر زمانًا بعد زمان. وقرئ: (مَخْضَرَة) (٣) على وزن: مَفْعَلَة؛ أي: ذاتَ خضرةٍ، كمَبْقَلَة ومَسْبَعَة (٤). ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ واصلٌ فضلُه وعلمُه إلى كلِّ شيءٍ. ﴿خَبِيرٌ﴾ بمصالح الخلق ومنافعهم. * * *

стр. 3092

(٦٤) - ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ مُلْكًا ومِلْكًا. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ﴾ في ذاته عن كلِّ شيءٍ، وما سواهُ محتاجٌ إليه. ﴿الْحَمِيدُ﴾ المستوجِبِ للحمدِ بصفاته وأفعاله. * * * (٦٥) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ مَنَّ علينا بتسخيره لنا ما بنا حاجةٌ إليه في معاشنا من الحيوان وغيره، فلا أصلبَ من الحجارة والحديد، وقد ذلَّلهما نتَّخذ منهما ما نريد، فقوله: ﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾ عامٌّ، لكنَّ المراد منه ما ينفعنا بقرينة قوله: ﴿لَكُمْ﴾. ﴿وَالْفُلْكَ﴾ عطف على ﴿مَا﴾. وقرئ بالرَّفع (١) على الابتداء. و ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ حال منهما، أو خبر. ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ﴾ بيد القدرة ﴿أَنْ تَقَعَ﴾: من أن تقعَ، أو كراهةَ أن تقع ﴿عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ إلا بمشيئته. وفيه رَدٌّ لاستمساكها بذاتها، وأما ما قيل: إنها مساوية لسائر الأجسام في الجسميَّة فتكون قابلة للميل الهابط قَبولَ غيرها (٢)؛ منظور فيه.

стр. 3093

﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ بفتحه عليهم أبوابَ المنافع، ودفعِه عنهم أسباب المضارِّ. والرَّؤوفُ أبلغ من الرَّحيم، وإنَّما قُدِّمَ عليه محافظةً على الفاصلة، وكذا تقديم ﴿بِالنَّاسِ﴾ عليهما لها (١). * * * (٦٦) - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾. ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾ بعد أن كنتم جمادًا ترابًا ونطفةً وعلقةً ومضغةً. ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ إذا جاء آجالكم ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ في الآخرة. ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾: لجحودٌ لِمَا أفاضَ عليه مِنَ النِّعَمِ مع ظهورها. * * * (٦٧) - ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾. ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ كرَّره بغير واوٍ للتَّأكيد والتَّعميم، وتعليقِ الزِّيادة به، وجيء بالواو في الأوَّل لأنَّها وقعت مع ما يناسبها من الآي الواردة في أمر النسائك (٢)، فعطف عليها، وأمَّا هذه فواقعةٌ مع أجانب من معناها، فلم تجد معطفًا (٣). ﴿هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ هم عاملون به.

стр. 3094

﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ﴾ سائرُ أرباب المِلَلِ. ﴿فِي الْأَمْرِ﴾ في أمر الدِّين والنسائك (١)؛ لأنَّهم جُهَّالٌ أو أهل عناد (٢)، أو لأنَّ أمر دينك أظهر من أن يَقبل النِّزاع. وقيل: إنَّه نهي لرسول الله ﷺ عن التَّعرُّض لمنازعتهم بالمناظرة المؤدِّية إلى نزاعهم، فإنَّها إنَّما تنفع طالب الحقِّ، وهم أهل مراءٍ وعناد؛ أي: لا تلتفِتْ إليهم ولا تمكِّنهم من أن يتنازعوا، أو عن منازعتهم (٣)، كما تقول: لا يضارِبَنَّكَ فلان؛ أي: لا تضاربه (٤) البتَّة، ولهذا إنَّما يجوز في الفعل الذي بين اثنين. وروي أنَّها نزلت في الخزاعيين قالوا للمسلمين: ما لكم تأكلون ما قتلتُم، ولا تأكلون ما قتله الله (٥)؟! يعني: الميتة. وقرئ: (فلا يَنْزِعُنَّكَ) (٦)؛ أي: اثْبُتْ في دينك ثباتًا لا يمكنهم أن يزيلوك

стр. 3095

عنه، والمرادُ: زيادةُ التَّثبيت بما يُهيِّج حميَّته ويُلهب غضبه لله ولدينه. وقال الزَّجَّاج: هو من باب المغالبة؛ أي: لا يغلِبُنَّكَ (١) في المنازعة، من نازَعْتُهُ فنزعتُه؛ أي: غلبتُه في النِّزاع (٢). ﴿وَادْعُ﴾ النَّاسَ ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾: إلى عبادة ربِّك. ﴿إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ طريقٍ إلى الحقِّ سويٍّ. * * * (٦٨) - ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: وإنْ أبَوا إلَّا المجادلة بعد وضوح أمر دينك واجتهادك في ترك النِّزاعِ، فادفعهم بأنَّ اللهَ أعلمُ بما تعملونه من الجدال الباطل والعناد، فمجازيكم عليها، وهذا وعيدٌ مع رفق. * * * (٦٩) - ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ﴾: يفصل ﴿بَيْنَكُمْ﴾ بثواب المؤمنين وعقاب الكافرين يوم القيامة، كما فَصَلَ في الدُّنيا بالآيات والبيِّنات. ﴿فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ من أمر الدِّين. الخطاب عام، وفيه تسلية لرسول الله ﷺ بما يَلقى منهم (٣).

стр. 3096

ومن تمام التَّسلية تقرير علمه بمضمون ما ذكره بقوله: (٧٠) - ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ من الغيب والشَّهادة. ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ اللَّوح المحفوظ، كتبه فيه قبل حدوثه. وتنكيره لأنَّه ليس من جنس الكتب المتعارفة. ولَمَّا كان الإثبات في اللَّوح المحفوظ مَظِنَّة الحاجة في الحفظ إلى الكَتَبة دفعه بقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾، أي: الإحاطة به وإثباته في اللَّوح المحفوظ. ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ لعدم الحاجة إلى الآلة، فإنَّ علمه تعالى بذاته، فلا يخفى عليه شيءٌ، فلا يهمَّنَّكَ أمرُهم. * * * (٧١) ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾. ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾: ما لم يتمسكوا في جواز عبادته ببرهانٍ نازلٍ بالوحي من عند الله (١)، ولا بعلمٍ ضروريٍّ أو نظريٍّ، أي: ليس لهم في ذلك مستندٌ لا من جهة النَّقل ولا من جهة العقل، وإنَّما قدَّم الوجه

стр. 3097

النَّقلي لأنَّه الأصل في أمر العبادة، وفي العبارة عنه بما ذكر إشارةٌ إلى أنَّه مع انقسامه إلى أربعة أقسام مذكورة في علم الأصول مرجعُه إلى الوحي. وإعادة عبارة ﴿مَا﴾ مع عدم الحاجة إليها في إفادة المعنى المذكور كإعادتها في قوله: ﴿مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾ [الحج: ١٢]. ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾: وما للذين ظلموا هذا الظُّلمَ الشَّنيع ﴿مِنْ نَصِيرٍ﴾ يُعِينهم بدفع العذاب عنهم (١)، ووُضع (٢) الظَّاهر موضعَ الضَّمير للتَّسجيل على المشركين بالظُّلم. * * * (٧٢) - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ من القرآن ﴿بَيِّنَاتٍ﴾: واضحاتِ الدِّلالة على العقائد الحقَّة. ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: يظهر فيها ظهورًا بيِّنًا حتى يَعرفُه كلُّ مَن يراه. ﴿الْمُنْكَرَ﴾: الإنكارَ؛ لفرط نكيرهم للحقِّ وغيظهم لأباطيل أخذوها تقَليدًا. وهذا مُنتَهى الجهالة، وللإشعار بذلك وضع ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ موضع الضَّمير. أو: الأمرَ المنكَرَ الفظيع من آثار الغيظ وما يقصدونه من الشَّر.

стр. 3098

﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ السَّطوُ: الوثبُ والبَطشُ. ﴿بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ هم النَّبيُّ ﷺ وأصحابُه ﵃. ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ﴾: من غيظكم على التَّالِينَ (١) وسطوِكم عليهم، أو: ممَّا أصابكم من الكراهة والضَّجر بسبب ما يُتلَى عليكم. ﴿النَّارُ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ، كأنَّ قائلاً قال: ما هو؟ فقيل: النَّار، أو مبتدأ خبره: ﴿وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. وقرئ بالنَّصب (٢) على الاختصاص، وبالجر (٣) بدل من (شرٍّ)، وعلى هذين الوجهَين يحتمل أن تكون الجملة حالًا بإضمار (قد)، وأن تكون استئنافًا كما إذا وقعت خبرًا. ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ النَّارُ. * * * (٧٣) ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ بُيِّنَ لكم حالة غريبة، سُمِّيَتْ مثلًا على سبيل

стр. 3099

الاستعارة؛ لأنَّ الأمثال إنَّما سُيِّرَتْ لكونها مستغربةً، فلهذا نودي النَّاس لها (١). وأكَّد غرابتها بقوله: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ وأبهم وبيَّن. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾؛ أي: تدعونه، وقرئ: (يُدْعَوْنَ) مبنيًّا للمفعول (٢). ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ آلهةً، يعني: الأصنام. ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ الذُّبابُ: مِنَ الذَّبِّ؛ لأنَّه يُذَبُّ سُمِّي ذبابًا؛ لأنَّه كُلَّما ذُبَّ استقذارًا منه آبَ لاستكباره، وتخصيصُه لمهانته (٣) وضعفه، وتأكيدُ النَّفيِّ بـ ﴿لَنْ﴾ للدِّلالة على استحالة خلق الذُّباب منهم (٤)، كأنَّه قال: محالٌ أن يخلقوه (٥). ﴿وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ بجوابه (٦) المقدَّرِ له المدلولِ عليه بالمذكور في موضع الحال، جيء بها للمبالغة؛ أي: لا يقدرون على خلقه مجتمعين له متعاونين عليه، فكيف إذا كانوا منفردين؟ ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾؛ أي: هذا الخلق الأذلُّ الأقلُّ لو اختطف منهم شيئًا فاجتمعوا على أن يستخلِصوه منه لم يقدروا عليه. عن ابن عباس ﵄: أنهم كانوا يَطْلونها بالزَّعفران ورؤوسَها بالعسل، فإذا سلبَه الذُّباب عجز الأصنام عن أخذه (٧).

стр. 3100

والظَّاهر: أنَّ المرادَ جعلُ امتناعِ خلقِهم ذبابًا وامتناعِ استنقاذِهم منه عند سلبه شيئًا منهم مثلًا لانتفاءِ قدرتهم المستلزِمة لانتفاء الألوهيَّة التي تستلزم الاقتدار على جميع المقدورات، ويُستحقُّ بها العبادة، فإنَّ ما (١) لا يقدر على خلقِ أحقر (٢) شيءٍ - بل على الاستنقاذ منه - كيف يَستحق أن يُعْبَد عبادةَ مَن له كمالُ القدرة على إيجاد كلِّ شيءٍ وتستخيره؟! وهذا غايةٌ في تجهيلِهم واستركاك عقولهم. ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ الصَّنم الطالبُ للاستنقاذ، والذُّبابُ المطلوب أن يُستَنقَذ منه. وفي هذا التَّذييل إيهامُ التَّسوية، وتحقيقُ أنَّ الطَّالبَ - يعني: الصَّنم - أضعفُ لأنَّه قدّم عليه أنَّ هذا الخلق الأذلَّ هو السَّالب، وذلك طالبٌ خاب عن طَلِبته (٣). ولَمَّا أجراهم مجرى العقلاء بإثبات الطَّلب لهم، وبيَّنَ ألَهم أضعف من أذلِّ الحيوان، فقد نبَّه به على مكان آلهتهم في ذلك. * * * (٧٤) ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾: ما عرَفوه حقَّ معرفته، حيث أشركوا به، وسمَّوا باسمه ما هو أبعد الأشياء عنه مناسبةً، وأَوغلُ في الاتِّصاف بأضداد صفاته. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ﴾: قادرٌ على خلق الممكِنات كلِّها.

стр. 3101

﴿عَزِيزٌ﴾: غالبٌ على كلِّ شيءٍ، ولا يغلبه شيء، فكيف يُشْرَكُ به شيء، سيَّما أحقر الأشياء وأعجزها وأذلُّها؟! ولَمَّا قرَّر الوحدانيَّة ونفى إلهيَّة الأنداد أرادَ أن ينفي عنها ما يدَّعون لها من التَّوسل بها إلى الله تعالى والتَّقربِ إليه بتوسُّطها فقال: (٧٥) - ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي﴾: يختارُ ﴿مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ يتوسَّطون بينَه وبينَ الأنبياء ﵈ بالوحي. ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ رُسُلاً يبلِّغون رسالته إلى مَن دونهم، ويدعونهم إليه ويشفعون لهم، فلا وسيلة غير هذَيْن الصِّنْفَيْن، ولا تقرُّب إلى الله تعالى بغيرهما. ففيه نفيٌ لما ادَّعوه من قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣٩]، وقولهم: الملائكةُ بناتُ اللهِ، وردٌّ لمذهبهم واعتقادهم أنَّ الرَّسولَ لا يكون من البشر. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لأقوال الرَّسول فيما تقبله العقول ﴿بَصِيرٌ﴾ بأحوال الأمم في الرَّدِّ والقَبولِ. * * * (٧٦) - ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: ما مضى وما غَبَر، لا تخفى منهم خافيةٌ. ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾: وإليه مرجعُ الأمور كلِّها؛ لأنَّه مالكُها ومدبِّرُها، فلا اعتراض لأحدٍ على حكمه وتدبيره واختيار رسله. * * *

стр. 3102

(٧٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ درجَ في هذه الأوامر من الأخصِّ إلى الأعمِّ، فأمر بالصَّلاة المشتمِلة على أصناف الطَّاعات من القلبيَّات والقوليَّات والبدَنيَّات، وعبَّرَ عنها بالرُّكوع والسُّجود لأنَّهما (١) أعظم أركانها، ثمَّ بمطلق العبادات كالصَّوم والزَّكاة والحجِّ، ثمَّ بسائر الخيرات كصلة الأرحام ومكارم الأخلاق والإصلاح بين النَّاس وأمثالها. وقيل: كان النَّاسُ في أوَّلِ الإسلام يركعون بلا سجودٍ، ويسجدون بلا ركوعٍ، فأُمِرُوا بالجمع بينهما في الصَّلاة (٢). ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؛ أي: افعلوا هذا كلَّه وأنتم راجون الفلاح غيرَ متيقِّنين به، متَّكلين على أعمالكم. وعن عقبةَ بن عامر ﵁ قال: قلْتُ: يا رسولَ اللهِ، في سورة الحجِّ سجدتان؟ قال: "نعم، إن لم تسجدهما فلا تقرأهما" (٣). وعن عبد الله بن عمر ﵄: "فُضِّلَتْ سورةُ الحجِّ بسجدتَيْن" (٤).

стр. 3103

وبذلك احتجَّ الشَّافعي فرأى السَّجدتَيْن فيها، وأبو حنيفة وأصحابه لا يرون فيها إلا سجدة واحدةً؛ لأنَّهم يقولون: قُرِنَ السُّجودُ بالرُّكوع، فدلَّ ذلك على أنها سجدةُ صلاة لا سجدةُ تلاوة (١). * * * (٧٨) - ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾. ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ﴾ في شأنِه ومن أجلِه، أمرٌ بالغزوِ، أو بمجاهدة النَّفس والهوى، وهو الجهاد الأكبر؛ لقوله ﵇ عند رجوعه من غزوة تبوك: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" (٢). ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾ أصله: جهادًا حقًّا؛ أي: خالصًا لوجه الله، فأضيف الحقُّ إلى الجهاد للمبالغة، كقولك: هو حقُّ عالمٍ، ثم أضيف الجهاد إلى ضمير ﴿اللَّهِ﴾ إمِّا للملابسة لاختصاصه به من حيث إنَّه مفعول لأجله، أو للاتِّساع في الظُّروف. ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾: اختاركم لدينه ونصرته، وبناء الفعل على الضَّمير للاختصاص المفيد لوجوب الجهاد؛ أي: هو وحده اجتباكم دون غيره، والذي اجتباه الله بنفسه لا بُدَّ له من الجهاد الأكبر لقضاء حقِّ القرب والولاية، والأصغرِ

стр. 3104

لقوَّة (١) يقينه، ووثوقه بحفظه وكلاءته، ولإعلاء كلمته، وإعزاز دينه، ففيه دليل على المقتضي للجهاد في قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾: ضِيقٍ بتكليفِ ما يشتدُّ القيام به عليكم، على أنَّه لا مانع لهم عنه (٢)، ولا عذر لهم في تركه، وضمَّنه الإشارة إلى الرُّخصة في إغفال بعض ما أمرهم به حيث شقَّ عليهم لقوله ﵇: "إذا أمرتُكُمْ بشيءٍ فأتوا به ما استطعْتُم" (٣). وقيل: ذلك بأنْ جعل لهم من كل ذنبٍ مخرجًا، بأن رخَّص لهم في المضايق، وفتح عليهم بابَ التَّوبةِ، وشرعَ لهم الكفَّارات في حقوقه، والأروشَ والدِّيَات في حقوق العباد، فلا ذنْبَ إلَّا وقد جعل لكم منه مخرجًا. وَيرِدُ عليه: أنَّ الحرج لا ينتفي بوجود (٤) المحرج في الجملة، لِمَا عرفْتَ أنَّه عبارة عن الضِّيق، لا عن عدم المخلَصِ. ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ﴾ نصبٌ على الاختصاص؛ أي: أعني بالدِّين ملَّة أبيكم، أو على الإغراء؛ أي: الْزَموا ملَّة أبيكم، أو بمضمون ما تقدَّم على المصدر؛ أي: وسَّع دينكم توسعةَ ملَّةِ أبيكم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامَه. ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ عطف بيان. وإنَّما جعله أبًا لأنَّ كلَّ نبيٍّ أبو أمَّته من حيث الحقيقة، وهو كان أبا محمَّدٍ ﵇، وأبُ الأبِ أبٌ، أو لأنَّ أكثرَ العرب كانوا من ذرَّيته، فغلِّبوا على غيرهم.

стр. 3105

﴿هُوَ﴾؛ أي: الله تعالى ﴿سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ من قبلِ القرآن في الكتب المتقدِّمة. ﴿وَفِي هَذَا﴾؛ أي: في القرآن. وقيل: الضَّمير لإبراهيم ﵇، وهو وإنْ لم يسمِّهم فيه المسلمين، لكن سُمُّوا به بسبب تسميته إياهم (١) مسلمين من قبلُ في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]. وقولُه: ﴿وَفِي هَذَا﴾ تقديره: وفي هذا بيانُ تسميته إيَّاكم مسلمين. ويشهد للأوَّل قراءة أُبيٍّ ﵁: (اللهُ سمَّاكم) (٢)؛ أي: هو خصَّكم بالاجتباء وسمَّاكم بهذا الاسم الأكرم. ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ﴾ يومَ القيامة، متعلِّق بـ ﴿سَمَّاكُمُ﴾، أو بـ ﴿اجْتَبَاكُمْ﴾. ﴿شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ بأنَّه بلَّغكم، أو بعصيانِ مَن عصى وطاعةِ مَن أطاع. ﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ بأنَّ الرُّسلَ قد بلَّغَتْهم. ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾؛ أي: وإذ قد خصَّكم بهذه الكرامة والشَّرف فاعبدوه وتوبوا إليه بأنواع الطَّاعات. ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ وثقوا به في مجامعِ أمورِكم. ﴿هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾ فلا تطلبوا النَّصرَ والولايةَ إلَّا منه. ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ حيث لا يمنعُكم رزقَكم بعصيانِكم، ويعينكم على جلب المسارِّ ويدفَعُ عنكم المضارَّ.

стр. 3106

سُورَةُ المُؤْمِنُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) - ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾. ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (قد) تُثبت المتوقَّع كما أنَّ (لمَّا) تنفيه، وإذا دخلَتْ على الماضي دلَّتْ على ثباته. والفَلاحُ: الظَّفرُ بالمطلوب، والنَّجاةُ عن المهروب؛ أي: فازوا بما طلبوا ونجوا عمَّا هربوا. و ﴿أَفْلَحَ﴾: دخلَ في الفَلاح، كأبشرَ دخلَ في البِشارةِ، ويقال: قد أفلحه: إذا أوصله إلى الفلاح، وعليه قراءة: (قَدْ أفلِحَ) على البناء للمفعول (١). وقرئ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ بإلقاء حركة الهمزة إلى الدَّال وحذفها (٢). وقرئ: (قد أفلحوا) (٣) على الإبهام والتفسير، أو على لغة: أكلوني البراغيث. و: (أفلحُ) بضمة اكتفاء بها عن الواو (٤).

стр. 3107

لَمَّا كان المؤمنون متوقِّعين بمثل هذه البشارة من فضل الله بُشِّروا بما دلَّ على ثبوت ما توقَّعوه. والمؤمنون في اللُّغة: المصدِّقون، وأمَّا في الشَّريعة فقد اختُلِفَ فيه على أقوال قد سبق تفصيلُها في تفسير (سورة البقرة). * * * (٢) - ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ الخشوعُ في الصَّلاةِ: خشيةُ القلبِ مع التَّواضع، وإلبادُ البصر (١) موضعَ السُّجود. رُوي أنَّه ﵇ كان يصلِّي رافعًا بصره إلى السَّماء فنزلَتْ، فنظر نحو مسجده (٢). * * * (٣) - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ لِمَا بهم مِن الجِدِّ ما يشغلهم عن اللَّغو، وهو ما لا يعنيك مِن قولٍ أو فعلٍ، كالهزلِ واللَّعب، وكلُّ ما تُوجِب المروءة إلغاءه.

стр. 3108

لَمَّا ذكرَ الخشوعَ أَتْبعَه الإعراضَ عن اللَّغو ليجمعَ بينَ فعلِ ما ينبغي أنْ يُفعَلَ وتركِ ما ينبغي أنْ يُترَكَ، وهما الأصلان اللَّذان عليهما مدار التَّكليف. وبالغَ في أوصاف المؤمنين بإيرادِ الصِّلات جملًا اسميَّة، وتقديمِ صلة الإعراض، والتَّعبيرِ بالاسم دون الفعل، وإيرادِ الإعراض مكانَ التَّرك؛ لأنَّ أصلَه أن يكون في عُرْضٍ (١) غيرِ عُرْضه ليدلَّ على التَّجنُّب والبعد عنه بالكلِّيَّة مباشرةً وتسبيبًا وميلًا وحضورًا، وكذلك قوله: (٤) - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾؛ أي: للتَّزكية فاعلون؛ لأنَّ الفاعل لا يفعل إلَّا الحدث الذي هو المصدر، ولهذا سُمِّيَ المفعول المطلق، ويمكن أن يُفسَّر بالعَيْن ويُقدَّر مضاف، أي: لأداء الزَّكاة. وإنَّما لم يقلْ: (مؤدُّون) لأنَّ في زيادة فاعلون دلالةً على المداومة. * * * (٥) - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ الفرجُ يشتمل على سَوءة الرَّجل والمرأة. ﴿حَافِظُونَ﴾ من قولهم: احفظْ عليَّ عَنان فرسي؛ بمعنى: أمسك، ولا بُدَّ فيه من تضمين معنى النَّفي ليصح الاستثناء؛ أي: يمسكون لا يُطْلقونها على أحدٍ. * * * (٦) - ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾.

стр. 3109

﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ حال؛ أي: والِينَ على أزواجهم، أو: قوَّامين عليهنَّ، والمعنى: حافظون في كلِّ حالٍ إلَّا في حال ولايتهم على أزواجهم. أو متعلِّق بمحذوف دلَّ عليه: ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾، أي: يلامون على كلِّ مباشرة إلَّا على ما أُطلق لهم فإنَّهم غير ملومين عليه. ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، أي: إمائهم، ولم يقل: (مَن)، إجراءً للماليك مجرى غير العقلاء (١)، إذ الملك أصل في غيرهم والحريَّةُ فيهم (٢)؛ أو لأنَّ الإناث لنقصان عقلهنَّ من جنسٍ غيرهم. وإنَّما قال: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، ولم يقل: ما ملكوا، إظهارًا لمِلك اليمين في مقابلةِ مِلك المتعة الظَّاهر من قرينه؛ إشعارًا بانحصار سبب حلِّ الوطء في المِلْكَين المذكورَيْن لا يتعدَّى إلى مِلك الرَّقبة؛ فإنَّها (٣) إذا خلَتْ مِن ملك اليمين كما في المكاتَب لا يوجد الحِلُّ المذكور. ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ الضَّمير لـ ﴿حَافِظُونَ﴾، أو لِمَن دلَّ عليه الاستثناء؛ أي: فإنْ أطلقوها لأزواجهم أو إمائهم فإنَّهم غير ملومين على ذلك. * * * (٧) - ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾. ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ جَعل المستثنى حدًّا وجَب الوقوف عنده، وحَذف مفعول الابتغاء للتَّعميم، وجاء باسم الإشارة، أي: فأولئك المبتغون،

стр. 3110

ووسَّط الضَّمير، وعرَّف ﴿الْعَادُونَ﴾؛ أي: مَن أحدثَ ابتغاء وراء ذلك الحدِّ بعدَ هذه الفسحة والاتِّساع فأولئك الكاملون في العدوان المتناهون فيه، كلُّ ذلك مبالغةٌ في التَّحذير عن الزِّنا. وأفرده بالذِّكر بعد تعميم قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ لأنَّ المباشرة أشهى الملاهي إلى النَّفس وأعظمُها خطرًا. * * * (٨) - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ﴾ قيل: لِمَا يؤتَمنون عليه ويعاهَدون عليه من جهة الحقِّ أو الخلق. وفيه: أنَّه لا حاجة إلى الصَّرف عن الظَّاهر؛ فإنَّ العهد وكذا الأمانة ممَّا يُرَاعى. ﴿رَاعُونَ﴾ الرَّاعي: القائمُ على الشَّيء بالحفظ والإصلاح، كراعي الغنم والرَّعيَّة. وقرئ: ﴿لِأَمَانَاتِهِمْ﴾ على الإفراد (١)؛ لأنَّها في الأصل مصدر، أو لأمنِ الإلباس. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾: يواظبون عليها ويؤدُّونها في أوقاتها، وجاء بلفظ الفعل معها (٢) لِمَا فيها مِن التَّجدُّد والتِّكرار، والفعل المضارع في الجملة الاسميَّة يدلُّ على دوام التَّجدُّد. وقرئ بلفظ الجمع هنا (٣) ليفيدَ المواظبة على أعدادها وأنواعها، ولم يُقرأ به (٤)

стр. 3111

فيما سبق؛ لأنَّ الكلام هناك في الخشوع، وهو مطلوب في جنس الصَّلاة وفي بدء الأوصاف، وختمُها بذكرها تعظيمٌ لشأنها وإعلاءٌ لقدرها. * * * (٩) - ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾ الجامعون لهذه الصِّفات. ﴿هُمُ الْوَارِثُونَ﴾: هم الأحقَّاء بأنْ يُسمَّوا وارثاً دون غيرهم. * * * (١١) - ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾؛ أي: يَصلون إليه وإلى ما فيه مِن النَّعيم المقيم بلا تعبِ الكسب، ويبقى في أيديهم، فإن الوراثة أقوى سببٍ للتَّملُّك، حيث لا يُعقب بفسخٍ ولا استرجاع، ولا يُبطل بردٍّ ولا إسقاط. والفردوسُ: هو البستان الواسع الجامع لأصناف الثَّمر. وفي إطلاق الوارثين وتقييدهم، وما ترى من التَّفخيم لِمَا يرثونه وتعظيمِه، واستعارته الوراثة (١)، وإيراد اسم الإشارة= إشعارٌ بانهم استحقُّوا ذلك الخطبَ الجليل من تلك الأعمال والصِّفات لا بسببيتها له (٢)، بل بمقتضى وعده، وهذا القَدْر يكفي في التَّحريض. ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أنَّثَ الضَّمير على تأويل الجنَّة أو الطَّبقة، فإنَّه أوسط الجنان

стр. 3112

وأعلاها طبقةً، ومن هنا تبيَّن أنَّ ما قيل: إنَّهم يرثون من الكفَّار منازلهم فيها حيث فوَّتوها على أنفسهم لأَنَّه تعالى خلق لكلِّ إنسان منزلًا في الجنَّةِ ومنزلًا في النَّار= لا يُناسِبُ المقامَ (١). * * * (١٢) - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ﴾ السُّلالةُ: صفوةُ الشَّيء التي (٢) تُخرج منه كأنَّها تُستلُّ (٣) منه؛ كالصُّفاوة، فُعالة بمعنى مَفعولٍ، فيه معنى القِلَّة، كالقُلامة والقُمامة (٤).

стр. 3113

و ﴿مِنْ﴾ هنا للابتداء متعلِّقة بـ ﴿خَلَقْنَا﴾، وفي قوله: ﴿مِنْ طِينٍ﴾ للبيان، صفة لـ ﴿سُلَالَةٍ﴾؛ أي: سلالة من طين (١). * * * (١٣) - ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾. و ﴿الْإِنْسَانَ﴾: آدم ﵇، ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ﴾: ثم جعلنا نسلَه، على حذف المضاف؛ لقوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٧ - ٨]. أو الجنسُ (٢)؛ لأنَّه لَمَّا خُلِقَ أوَّلُ فردٍ منه من سلالة من طين، وسائرُ أفراده خُلِقوا من ذلك الفرد، كان الجنس مخلوقًا من سلالة من طين. وأمَّا ما قيل: المراد بالطِّين: آدم ﵇؛ لأنَّه خُلقَ منه، والسلالةُ نطفتُه؛ فلا وجهَ له لِمَا قيل من إخراجه ﵇ من الجنس المذكور، حيث جُعِلَ مخلوقًا مِن نطفته. ﴿نُطْفَةً﴾ بأنْ خلقناه منها. ﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾: مستقَرٍ حصينٍ؛ يعني: الرَّحِم، سُمِّيَ المستقَرُّ بالقَرار مبالغةً كانه نفسُ القَرار، ووُصِف بالمكانة التي هي صفة المستقِرِّ فيه (٣) على الإسناد المجازي؛ تتميمًا لأمر المبالغة. * * *

стр. 3114

(١٤) - ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾. ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ بأنْ أَحَلْنا النطفة البيضاء علقةً حمراءَ بتدريج بعدَ زمانٍ. ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ فصيَّرناها قطعةَ لحمٍ. ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ بأنْ صلَّبناها ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ فأثبتنا عليها لحمًا فصار لها كاللِّباس. وقرئ: (عَظَمًا) (١) وضعًا للواحد موضعَ الجمعِ لعدم اللَّبس، واختلافُ العواطف (٢) لاختلاف الاستحالات والتَّكوُّنات (٣) في التَّراخي وعدمه، ف (ثمَّ)

стр. 3115

للاستحالة الزَّمانيَّة، والفاء للتَّكوُّن الآتي، إلا ﴿ثُمَّ﴾ في قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ﴾ فإنها مستعارة لِمَا بينَ الخلقَيْن مِن التَّفاوت. ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ التَّنكير للتَّنويع؛ أي: نوعًا آخر مِن الخلق مباينًا للخلق الأوَّل - بنفخ الرُّوح فيه، وجعلِه حيوانًا - مباينةً ما أبعدها (١)؛ إذ كان جمادًا فجعله حيًّا سميعًا بصيرًا، ذا أعضاء ظاهرة وباطنة، في كلِّ واحدٍ منها عجائبُ حكمِه، وغرائبُ صنعِه، ولطائفُ قوةٍ (٢) لا يفي بها وصفُ واصفٍ، ولا يبلغها شرحُ شارحٍ. واحتجَّ به أبو حنيفة على أنَّ مَن غصب بيضة فأَفرخت عنده لزمَهُ ضمانُ البيضةِ لا الفَرْخ؛ لأنَّه خلقٌ آخرُ. ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ﴾: فتعالى شأنُه في قدرته وحكمته. ﴿أَحْسَنُ﴾ بدل أو خبرُ مبتدأ (٣) محذوف، وليس بصفةٍ لأنَّه نكرةٌ وإنْ أُضِيفَ؛ لأنَّ المضاف إليه عوضٌ مِن (مِن) (٤). ﴿الْخَالِقِينَ﴾: المقدِّرين تقديرًا، فحذف المميِّز لدلالة ﴿الْخَالِقِينَ﴾ عليه. رُوي أنَّ عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب لرسول اللّه ﷺ ، فنطق بذلك

стр. 3116

قبل إملائه، فقال له (١) رسول الله ﷺ : "اكتب هكذا أنزلت" (٢)، قال عبدُ الله: إنْ كانَ محمَّد نبيًّا يُوحَى إليه فأنا نبيٌّ يُوحَى إليَّ، فلحقَ بمكَّة كافرًا، ثمَّ أسلم يومَ الفتح (٣). وهذه الرواية غيرُ صحيحة؛ لأنَّ السُّورةَ مكيَّةٌ، وارتداده كان بالمدينة على ما اعترف به الرَّاوي. * * * (١٥) - ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾: لصائرون إلى الموت لا محالة، ولذلك ذكر النَّعت الذي للثُّبوت دون اسم الفاعل، وقد قرئ به (٤). * * * (١٦) - ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ للمحاسبة والجزاء، ومعنى التَّراخي قد عُلم من الطرف، فإيراد أداته ليس لإفادته، بل لإيفاء حقِّ البلاغة.

стр. 3117

(١٧) - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾: سماوات؛ لأنَّ بعضَها طُورق فوقَ بعض مطارقةَ النَّعل، وكلُّ شيءٍ فوقه مثلُه فهو طريقُه (١)، وأمَّا العرش والكرسي فليسا مِن الطَّرائق؛ لعدم المماثلة بينهما وبينها. ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ﴾: وما كنا عنها وعن حفظها وعن إمساكها أن تقع عليكم. ﴿غَافِلِينَ﴾ وفي التَّعبير عنها بالخلق فضلُ مبالغة في تعظيم شأنها، وزيادة ﴿كُنَّا﴾ لاستمرار النَّفي، لا لنفي الاستمرار. * * * (١٨) - ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾. ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾: بتقديرٍ تقتضيه الحكمة، أو بمقدارِ ما علمنا من صلاحهم. ﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ فجعلناه ثابتًا مستقرًّا في الأرض أنهارًا وينابيع. ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ﴾: على إزالته بالإفساد أو التَّصعيد أو التَّعميق بحيث يتعذَّر استنباطه. ﴿لَقَادِرُونَ﴾ كما قدرنا على إنزاله. وفي تنكير ﴿ذَهَابٍ﴾ إيماءٌ إلى (٢) كثرة طرقه وأنواعه، ومبالغةٌ في الإيعاد (٣)،

стр. 3118

وتعديتُه بالباء تأكيدٌ له، دالٌّ على ذهاب هو (١) معه يمنعه من الظُّهور، ليس في الإذهاب ذلك، وهو في غاية البلاغة، وزعموا أنَّه ليس في قوله: ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠] هذه المبالغة والبلاغة، وليس الأمر كما زعموا على ما تقف عليه في موضعه بإذن اللّه تعالى. ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ﴾ بالماء. ﴿جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا﴾ في الجنَّة. ﴿فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ﴾ من غير الجنسَيْن المذكورين تتفكَّهون بها. ﴿وَمِنْهَا﴾: ومن الجنَّات ثمارها وزروعها. ﴿تَأْكُلُونَ﴾ تغذيًا (٢)، أو: ترزقون وتحصِّلون معايشكم، من قولهم: فلان يأكلُ مِن حرفَتِه. ويجوز أنْ يكون المراد: لكم في النَّخيل والأعناب أنواعٌ من الفواكه كالرُّطب والعنب والتَّمر والزَّبيب والبُسر والحصرم والدّبس والعصير وغير ذلك، ومنها طعامٌ تأكلونه.

стр. 3119

(٢٠) - ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾. ﴿وَشَجَرَةً﴾ عطف على ﴿جَنَّاتٍ﴾، وقُرِئَتْ بالرَّفع على الابتداء (١)؛ أي: وممَّا أنشئ لكم به شجرةٌ. ﴿تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾: جبل موسى ﵇؛ إمَّا اسمٌ مركَّبٌ من المضاف والمضاف إليه كامرئ القَيس، وإمَّا اسمٌ مضافٌ إلى بقعة اسمُها سيناء، فمَن وكسر سينَ ﴿سَيْنَاءَ﴾ (٢) منعَه من الصَّرف للتَّعريف والعجمة، أو التَّأنيث على تأويل البقعة، لا للألف؛ لأنَّ ألف (فِعلاء) ليسَتْ للتأنيث؛ فإنَّه (فِيعال) - كديماس - من السَّناء بالمد وهو الرِّفعة، أو بالقصر وهو النُّور، أو ملحق بـ (فِعلال) من السِّين (٣)؛ كعِلباء وحِرباء، ومَن فتح السِّين منعه لألف التَّأنيث كصحراء. ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ في موضع الحال؛ أي: تنبتُ ملتبِسةً بالدُّهن، ويجوز أن تكون الباء للتَّعدية كما في قولك: ذهبت بزيد، ويؤيِّده قراءة ابن مسعود ﵁: (تُخرجُ الدُّهنَ وصبغَ الآكلين) (٤). وقرئ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ من الإثبات (٥)، وهو إما من أَنْبتَ بمعنى نبَتَ، وأصلُه: دخلَ في النَّبات، وإمَّا حذف مفعوله؛ أي: تُنبِتُ زيتونَها ملتبِسًا بالدُّهن.

стр. 3120

وقرئ على البناء للمفعول (١)، وهو كالأوَّل. ﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ معطوف على ﴿بِالدُّهْنِ﴾ جارٍ على إعرابه، عُطف أحدُ وصفَي الشَّيء على الآخر؛ أي: تنبتُ بالشَّيء الجامع بين كونه دُهنًا يُدهَن به ويُسرَج منه وكونه إدامًا يُصبَغ (٢) فيه الخبز؛ أي: يغمس فيه للائتدام. وقرئ: (وصِباغٍ) (٣) كدِباغٍ في دِبْغٍ. وإنَّما خصَّ الأنواع الثَّلاثة بالذِّكر مِن بين الثِّمار لأنَّها أكرم الشَّجر وأفضلها وأجمعها للمنافع؛ فإنَّ النَّخل والعنب يجمعان التَّفكُّه والتَّغذِّيَ، والزَّيتونَ يجمع الاصطباخ والاصطباغ. * * * (٢١) - ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ تعتبِرون بها، وتستدلُّون بها. ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ من الألبان على ما نُصَّ عليه في سورة النَّحل، استئنافٌ لبيان العِبرةِ. ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ سوى الألبان. ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ فتنتفعون بأعيانها. * * *
следующие страницы →