← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

قبل إملائه، فقال له (١) رسول الله ﷺ : "اكتب هكذا أنزلت" (٢)، قال عبدُ الله: إنْ كانَ محمَّد نبيًّا يُوحَى إليه فأنا نبيٌّ يُوحَى إليَّ، فلحقَ بمكَّة كافرًا، ثمَّ أسلم يومَ الفتح (٣). وهذه الرواية غيرُ صحيحة؛ لأنَّ السُّورةَ مكيَّةٌ، وارتداده كان بالمدينة على ما اعترف به الرَّاوي. * * * (١٥) - ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾: لصائرون إلى الموت لا محالة، ولذلك ذكر النَّعت الذي للثُّبوت دون اسم الفاعل، وقد قرئ به (٤). * * * (١٦) - ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ للمحاسبة والجزاء، ومعنى التَّراخي قد عُلم من الطرف، فإيراد أداته ليس لإفادته، بل لإيفاء حقِّ البلاغة.

стр. 3117

(١٧) - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾: سماوات؛ لأنَّ بعضَها طُورق فوقَ بعض مطارقةَ النَّعل، وكلُّ شيءٍ فوقه مثلُه فهو طريقُه (١)، وأمَّا العرش والكرسي فليسا مِن الطَّرائق؛ لعدم المماثلة بينهما وبينها. ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ﴾: وما كنا عنها وعن حفظها وعن إمساكها أن تقع عليكم. ﴿غَافِلِينَ﴾ وفي التَّعبير عنها بالخلق فضلُ مبالغة في تعظيم شأنها، وزيادة ﴿كُنَّا﴾ لاستمرار النَّفي، لا لنفي الاستمرار. * * * (١٨) - ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾. ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾: بتقديرٍ تقتضيه الحكمة، أو بمقدارِ ما علمنا من صلاحهم. ﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ فجعلناه ثابتًا مستقرًّا في الأرض أنهارًا وينابيع. ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ﴾: على إزالته بالإفساد أو التَّصعيد أو التَّعميق بحيث يتعذَّر استنباطه. ﴿لَقَادِرُونَ﴾ كما قدرنا على إنزاله. وفي تنكير ﴿ذَهَابٍ﴾ إيماءٌ إلى (٢) كثرة طرقه وأنواعه، ومبالغةٌ في الإيعاد (٣)،

стр. 3118

وتعديتُه بالباء تأكيدٌ له، دالٌّ على ذهاب هو (١) معه يمنعه من الظُّهور، ليس في الإذهاب ذلك، وهو في غاية البلاغة، وزعموا أنَّه ليس في قوله: ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠] هذه المبالغة والبلاغة، وليس الأمر كما زعموا على ما تقف عليه في موضعه بإذن اللّه تعالى. ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ﴾ بالماء. ﴿جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا﴾ في الجنَّة. ﴿فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ﴾ من غير الجنسَيْن المذكورين تتفكَّهون بها. ﴿وَمِنْهَا﴾: ومن الجنَّات ثمارها وزروعها. ﴿تَأْكُلُونَ﴾ تغذيًا (٢)، أو: ترزقون وتحصِّلون معايشكم، من قولهم: فلان يأكلُ مِن حرفَتِه. ويجوز أنْ يكون المراد: لكم في النَّخيل والأعناب أنواعٌ من الفواكه كالرُّطب والعنب والتَّمر والزَّبيب والبُسر والحصرم والدّبس والعصير وغير ذلك، ومنها طعامٌ تأكلونه.

стр. 3119

(٢٠) - ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾. ﴿وَشَجَرَةً﴾ عطف على ﴿جَنَّاتٍ﴾، وقُرِئَتْ بالرَّفع على الابتداء (١)؛ أي: وممَّا أنشئ لكم به شجرةٌ. ﴿تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾: جبل موسى ﵇؛ إمَّا اسمٌ مركَّبٌ من المضاف والمضاف إليه كامرئ القَيس، وإمَّا اسمٌ مضافٌ إلى بقعة اسمُها سيناء، فمَن وكسر سينَ ﴿سَيْنَاءَ﴾ (٢) منعَه من الصَّرف للتَّعريف والعجمة، أو التَّأنيث على تأويل البقعة، لا للألف؛ لأنَّ ألف (فِعلاء) ليسَتْ للتأنيث؛ فإنَّه (فِيعال) - كديماس - من السَّناء بالمد وهو الرِّفعة، أو بالقصر وهو النُّور، أو ملحق بـ (فِعلال) من السِّين (٣)؛ كعِلباء وحِرباء، ومَن فتح السِّين منعه لألف التَّأنيث كصحراء. ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ في موضع الحال؛ أي: تنبتُ ملتبِسةً بالدُّهن، ويجوز أن تكون الباء للتَّعدية كما في قولك: ذهبت بزيد، ويؤيِّده قراءة ابن مسعود ﵁: (تُخرجُ الدُّهنَ وصبغَ الآكلين) (٤). وقرئ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ من الإثبات (٥)، وهو إما من أَنْبتَ بمعنى نبَتَ، وأصلُه: دخلَ في النَّبات، وإمَّا حذف مفعوله؛ أي: تُنبِتُ زيتونَها ملتبِسًا بالدُّهن.

стр. 3120

وقرئ على البناء للمفعول (١)، وهو كالأوَّل. ﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ معطوف على ﴿بِالدُّهْنِ﴾ جارٍ على إعرابه، عُطف أحدُ وصفَي الشَّيء على الآخر؛ أي: تنبتُ بالشَّيء الجامع بين كونه دُهنًا يُدهَن به ويُسرَج منه وكونه إدامًا يُصبَغ (٢) فيه الخبز؛ أي: يغمس فيه للائتدام. وقرئ: (وصِباغٍ) (٣) كدِباغٍ في دِبْغٍ. وإنَّما خصَّ الأنواع الثَّلاثة بالذِّكر مِن بين الثِّمار لأنَّها أكرم الشَّجر وأفضلها وأجمعها للمنافع؛ فإنَّ النَّخل والعنب يجمعان التَّفكُّه والتَّغذِّيَ، والزَّيتونَ يجمع الاصطباخ والاصطباغ. * * * (٢١) - ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ تعتبِرون بها، وتستدلُّون بها. ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ من الألبان على ما نُصَّ عليه في سورة النَّحل، استئنافٌ لبيان العِبرةِ. ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ سوى الألبان. ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ فتنتفعون بأعيانها. * * *

стр. 3121

(٢٢) - ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾. ﴿وَعَلَيْهَا﴾ في البَرِّ ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ في البحرِ ﴿تُحْمَلُونَ﴾ في أسفاركم، وقد غلب استعمال الأنعام في الإبل، ولذلك قُرِنَتْ بالفُلْكِ لأنَّها سفائن البَرِّ. * * * (٢٣) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ فقصَّتُه وسائر القِصَص مسوقٌ لبيان الكفران مِن النَّاس النِّعمَ المتلاصقة حتى ابتُلوا بزوالها. ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ﴾: معبودٍ ﴿غَيْرُهُ﴾ بالرفع على المحلِّ، وبالجر على اللَّفظ (١). والجملة (٢) استئنافٌ يجري مجرى التَّعليل للأمر بالعبادة. ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾: أفلا تخافون أن يزيل نعمَه عنكم (٣) ويهلكَكم بعذابه برفضكم عبادته بعبادة غيره، وكفرانكم نعمَه التي لا تحصونها. والهمزة الدَّاخلة على الفاء لا (٤) لإنكار التَّعقيب، بل لتعقيب الإنكار. * * * (٢٤) - ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾.

стр. 3122

﴿فَقَالَ الْمَلَأُ﴾: الأشرافُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ قد سبق في تفسير سورة الأعراف وجهُ توصيف الملأ بهذا الوصف. ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ كنايةٌ على زعمهم عن نفي الرِّسالة عنه. ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾: أنْ يطلبَ الفضلَ ويترفَّعَ عليكم بالرِّئاسة. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ أن يرسل رسولًا ﴿لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ رسلًا. ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ بكون البشر رسولًا، أو بنوحٍ ونبوَّته، أو بما يأمرهم من تخصيص اللّه تعالى بالعبادة ونفيِ كلِّ مَن دونه مِن الآلهة، أي (١): بمثل هذا الكلام، وذلك لكونهم في فترة متطاولة، أو لعنادهم وانهماكهم في الغيِّ، فتكذَّبوا (٢) في ذلك لأنْ يدفَعوا الحقَّ بما أمكنهم، ولهذا جنَّنوه حيث قالوا: (٢٥) - ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾. ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ مع علمهم أنَّه أرجحُ النَّاس عقلًا. والجِنَّةُ: الجنون. ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ﴾: فانتظروا ﴿حَتَّى حِينٍ﴾؛ أي: هو مجنون فلا تعجلوا في عقوبته، بل دعوه إلى مدَّة؛ فإمَّا أن يموت، أو يرجع عن هذا، أو تفعلون به ما شئتم. * * * (٢٦) - ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾. ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ عليهم بإهلاكهم وبإنجاز ما وعدتهم من العذاب. ﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾ بسبب تكذيبهم إيَّايَ، أو: بدل تكذيبهم إيَّايَ.

стр. 3123

(٢٧) - ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾. ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾؛ أي: أجبنا دعاءه فأوحينا إليه. ﴿أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ مبالغةً في الحفظ، كان معه من اللّه تعالى حُفَّاظ (١) يحفظونه بعيونهم لئلا يُفْسِدَ عليه مفسدٌ عملَه. ﴿وَوَحْيِنَا﴾: وأمرنا وتعليمنا كيف يصنع. ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾: عذابُنا، والمراد من مجيئه: ظهورُ طليعته، وهو (٢) فوران الماء مِن التَّنور، وإنما قال: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ مبالغةً، أخرجَ سبَبَ (٣) الغرقِ مِن موضعِ الحَرقِ؛ ليكونَ أبلغ في الإنذار والاعتبار. روي أنَّه قيل لنوح ﵊: إذا رأيْتَ الماء يفور مِن التَّنور فاركب أنت ومَن معك في السَّفينة، فلمَّا نبعَ الماء مِن التَّنور أخبرتْهُ امرأتُه فركِبَ (٤). ﴿فَاسْلُكْ﴾: فأدخل ﴿فِيهَا﴾ سلك يجيء لازمًا ومتعدِّيًا، وجاء: أَسْلكه، بالنَّقل مِن اللَّازم.

стр. 3124

﴿مِنْ كُلٍّ﴾ بالتَّنوين؛ أي: مِن كلِّ أمَّةٍ ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ تأكيدٌ، وبالإضافة (١)؛ أي: مِن كلِّ أمَّتي الذَّكر والأنثى واحدَيْن مزدوجَين. ﴿وَأَهْلَكَ﴾ أي: أهلَ بيتك ومَن آمنَ معك. ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾؛ أي: القولُ من اللّه بهلاكه بكفره، وإنَّما جيء بـ (على) لأنَّ السَّابق ضارٌّ، كما جيء باللَّام حيث كان نافعًا في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١]. ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: مِن أهلِك، وهذا يأبى عن تخصيص تفسيره بمَن آمنَ. ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهذا نهيٌ عن الدُّعاء لهم بالإنجاء على وجهٍ أبلغ، ومَن خصَّ الخطاب بالدُّعاء فقد أخلَّ بحقِّ البلاغة. جعل النَّهي عن الدُّعاء معلَّلًا بالظُّلم، فلذلك وضع الموصول مع الصِّلة موضع الضَّمير، ولم يقل: ولا تخاطبني فيهم؛ إيماءً إلى العلَّة. ولَمَّا لوَّح إلى (٢) أنَّ الحكمة تقتضي هلاك الظَّالم استأنفَ قوله: ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ بالتَّأكيد؛ أي: لا محالةَ لظلمهم بالإشراك والمعاصي؛ ثمَّ بالغ في ذلك بأمره بالحمد على هلاكهم والنَّجاةِ منهم عُقَيْبَ النَّهي عن الدُّعاء. * * * (٢٨) - ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾: فإذا تمكَّنتم عليها راكبين.

стр. 3125

﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أمرَهُ بالحمد على نجاته ونجاة مَن معه؛ إشارة إلى أنَّ نجاةَ أتباعه أيضًا نعمةٌ جليلةٌ في حقِّه، وامتنانًا بها أيضًا، ولو قال: (فقولوا) لم يحصل هذا المعنى. وأيضًا كبرياء الرُّبوبيَّة يقتضي أنْ (١) لا يترقَّى إلى الخطاب بحضرتها إلَّا نبيٌّ مثله (٢)، وأنَّ (٣) كلامه يغني عن كلامِهم، ولا يستأهل الإجابة إلا مثلُه. * * * (٢٩) - ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾. ﴿وَقُلْ رَبِّ﴾ لَمَّا نهاه عن الدُّعاء لإنجائهم أمرَه بدعاء هو أهمُّ وأنفعُ؛ وهو أنْ يُنزلَ منزلًا مباركًا. ﴿أَنْزِلْنِي﴾ في الأرض من السَّفينة، لا في السَّفينة؛ لأنَّه عَبَّرَ عنه سابقًا بعبارة تدُّل على الصُّعود، وقد حصل الفراغ عنه وعن إظهار الامتنان بما ترتَّب عليه مِن نعمةِ النَّجاة. ﴿مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾: يُبارَك لي فيه، ويتسبَّب لزيادة خير الدَّارَيْن. وقرئ: ﴿مُنْزَلًا﴾ (٤) بمعنى إنزالًا، أو موضعَ إنزال. ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ ثناءٌ مطابقٌ لمسألته، أمرَه بأن يُشفِعَه بها مبالغةً فيها وتوسُّلًا

стр. 3126

به إلى الإجابة، إنَّما أمرَه بالقولَيْن المذكورَيْن لا بالحمد والدُّعاء تعليمًا (١) لطريقهما، وإظهارًا لفضيلة الحمد والدُّعاء (٢) بالعبارَتَيْن المذكورَتَيْن. * * * (٣٠) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ فيما فُعِلَ بنوحٍ وقومِه. ﴿لَآيَاتٍ﴾ يَستدلُّ بها وَيعتَبِر أولو الاستبصار والاعتبار. ﴿إِنَّ﴾ هي المخفَّفة مِن الثَّقيلة، واللَّام هي الفارقة بينها وبين النَّافية، والمعنى: إنَّ الشَّأن والقصَّة. ﴿كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ لمختَبِرين بهذه الآيات عبادَنا لننظر مَن يعتبر ويذَّكَّر؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥]. وقيل: لمصيبين قومَ نوحٍ ببلاءٍ عظيمٍ. وليس في الإخبار به كثيرُ فائدةٍ. * * * (٣١) - ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾. ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾: عادًا قوم هود ﵇؛ لقولِه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩]- فإنَّه قولُ هود ﵇ لا قولُ صالح ﵇ ومجيءِ قصة هود على (٣) إثر قصَّة نوح ﵉ في سورة الأعراف وهود والشُّعراء.

стр. 3127

(٣٢) - ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾. ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ﴾؛ أي: بين ظهرانيهم وفي زمرتهم، ولم يأتهم مِن موضِعٍ آخر. ﴿رَسُولًا﴾ التَّنكير للتَّعظيم ﴿مِنْهُمْ﴾: مِن قبيلَتِهم. ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (أنْ) مفسِّرة لـ (أرسلنا)؛ أي: قلنا لهم على لسان الرَّسول: اعبدوا اللّه. ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ عذابَه، وإدخال الهمزة على الفاء لإنكار عدم التَّقوى بعد العلم بأنَّه لا إله لهم غيره. وفيه تنزيلٌ لهم منزلةَ العالم به؛ لتمكُّنهم مِن العلمِ به، وتنبيهٌ على ظهور الدِّلالة على ذلك. * * * (٣٣) - ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾. ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لَمَّا تضمَّن ﴿فَأَرْسَلْنَا﴾ معنى القَول عطفَ عليه قولهم بالواو (١)؛ أي: اجتمع في الحصول ذاك (٢) الحقُّ وهذا الباطلُ. ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: بلقاء ما فيها من الحساب والجزاء، يعني: بالبعث. ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ﴾: ونعَّمناهم ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بكثرة الأموال والأولاد:

стр. 3128

﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ في الحال والصَّفة. ﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ تقريرٌ للمماثلة، ولذلك تُرِكَ في قصَّة نوح ﵇ لترك فيد المماثلة. و (ما) خبريَّة، وحذف العائد إلى الثَّاني لدلالة ما قبلَه، أو لشياع حذف المنصوب؛ أي: تشربونه. * * * (٣٤) - ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾. ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ﴾ فيما يأمركم به وينهاكم عنه. ﴿إِنَّكُمْ إِذًا﴾ واقعٌ في جزاء الشَّرط، وجوابٌ للذين قاولوهم مِن قومهم. ﴿لَخَاسِرُونَ﴾ بالانقياد لمثلكم، ومن حمقهم أنَّهم (١) أبَوا اتِّباع أمثالهم وعبدوا أعجزَ منهم. * * * (٣٥) - ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾. ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ لَمَّا كان كونه ترابًا معلومًا بطريق العقل وكونُهم عظامًا مشاهَدًا معلومًا بطريق الحسِّ، كان الثَّاني أشدَّ دفعًا في الاستبعاد عندَ العامَّة، فلذلك أخَّره، بل نقول: لولا مشاهدة العظام لكان الوهم يعارض العقل في كونه ترابًا، فهو كالتَّتميم للأوَّل، ولذلك تراه يُذكَرُ مؤخَّرًا في جميع المواضع. ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ من العدم إلى الوجود تارةً أخرى.

стр. 3129

وثنَّى ﴿أَنَّكُمْ﴾ للتَّأكيد، وحَسُنَ ذلك لطول الفصل بين الأوَّل والثَّاني، و ﴿مُخْرَجُونَ﴾ خبرٌ عن الأوَّل، و ﴿إِذَا﴾ لمجرَّد الظَّرفيَّة، أو محذوف الجواب لدلالة (أنَّ) مع اسمها وخبرها عليه. أو (١) ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ مبتدأ خبره الظَّرف، والجملة خبر (أنَّ) الأولى؛ أي: أنكم إخراجكم إذا متم، أو مرفوع بفعل مقدَّر هو جواب الشَّرط، والشرطيَّة خبر؛ أي: أنكم إذا متم وقعَ إخراجكم (٢). * * * (٣٦) - ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾. ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ من أسماء الأفعال، واقعٌ موقع بَعُدَ، وفاعلها مُضمَر؛ أي: بَعُدَ التَّصديق أو الوقوع، واللَّام في: ﴿لِمَا تُوعَدُونَ﴾ للبيان، كما في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣]، كأنَّهم لَمَّا صوَّتوا بكلمة الاستبعاد قيل: فما الذي له هذا الاستبعاد؟ قالوا: لما توعدون. أو فاعلها ﴿لِمَا تُوعَدُونَ﴾ واللَّام زائدة؛ أي: بَعُدَ ما توعَدُون مِن البعثِ. وقيل: ﴿هَيْهَاتَ﴾ بمعنى: البُعْدُ، وهو مبتدأٌ خبرُه ﴿لِمَا تُوعَدُونَ﴾. وقرئ بالفتح منوَّنًا للتَّنكير (٣)، وبالضَّمِّ منونًا على أنَّه جمع هيهةٍ، وغيرَ منوَّنٍ

стр. 3130

تشبيهًا بـ (قبلُ)، وبالكسر على الوَجهَيْن (١)، وبالسُّكون على لفظ الوقف (٢)، وبإبدال التَّاءِ هاءً (٣). * * * (٣٧) - ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ أصله: إنِ الحياةُ إلَّا حياتُنا الدُّنيا، فوضع ﴿هِيَ﴾ موضعَ (الحياة) لدلالة الخبر عليها؛ حذرًا عن التِّكرار، وإشعارًا بأنَّ تعيينها مغنٍ عن التَّصريح، كقوله: هي النَّفسُ ما حَمَّلتَها تَتحمَّلِ (٤) والمعنى: لا حياةَ إلَّا هذه الحياة الدُّنيا؛ لأنَّ (إنْ) النَّافية دخلَتْ على (هي) التي بمعنى الجنس، فوازنت (لا) التي لنفي الجنس. ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ يموت منَّا بعضٌ ويُولَد بعضٌ ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ بعدَ الموتِ. * * * (٣٨) - ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾.

стр. 3131

﴿إِنْ هُوَ﴾: ما هو ﴿إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ﴾ فيما يدَّعيه مِن إرساله (١)، وفيما يعدنا مِن البعث، والمفتري قد يكون صادقًا في نفسه، ويكون الكذب في نسبته إلى المفترى عليه، فقوله: ﴿كَذِبًا﴾ لدفع هذا الاحتمال، وهذا غاية الضَّلال. ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾: بمصدِّقين، وتقديم ﴿لَهُ﴾ للمحافظة على الفاصلة. * * * (٣٩) - ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾. ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ عليهم، وانتقم لي منهم ﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾ قد سبق تفسيره. فأجاب اللّه ﵎ حيث: (٤٠) - ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾. ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ﴾ (عن) يتعلَّق بـ (يصبحُنَّ)، و (ما) زائدة لتوكيد معنى القلَّة، أو بمعنى شيء، أو زمن، و ﴿قَلِيلٍ﴾ صفةٌ له، وجواب القسم المحذوف. ﴿لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ على ما فعلوا إذا عاينوا ما يحلُّ بهم. * * * (٤١) - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾: العقوبةُ الهائلةُ، لا صيحةُ جبريل ﵇ وعلى إخوانه من الملائكة والنَّاس؛ لِمَا عرفْتَ أنَّ القصَّة قصَّة هود ﵇ وعلى إخوانه (٢)، لا قصَّةُ صالح ﵇.

стр. 3132

﴿بِالْحَقِّ﴾ باستحقاقهم ذلك، أو: بالوجه الثَّابت الذي لا دافع (١) له، أو: بالعدل من اللّه ﵎، أو: بالوعد (٢) الصِّدق. ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ شبَّههم في دمارهم بالغُثاء، وهو حميل السَّيل ممَّا بَلِيَ واسودَّ من الورق والعيدان، وهذا التَّشبيه يناسب حال قوم هود ﵇. ﴿فَبُعْدًا﴾ مصدر بَعُدَ: إذا هلك، وهو من المصادر المنصوبة بأفعال لا يُستعمل إظهارها. واللَّام في: ﴿لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ لبيان مَن دُعِيَ عليه بالبُعْدِ، ووُضع الظَّاهر موضع المضمر (٣) للتَّعليل، ويحتمِل الإخبارَ. * * * (٤٢) - ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾. ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم ﵇. * * * (٤٣) - ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾. ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ﴾ مزيدةٌ للاستغراق ﴿أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾: الوقتَ الذي عُيِّنَ لهلاكها وكُتِبَ.

стр. 3133

﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ الأجلَ. * * * (٤٤) - ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ فَعْلى، والألف للتَّأنيث؛ لأنَّ الرُّسل جماعة. وقرئ: ﴿تَتْرَى﴾ بالتَّنوين (١) على أنَّه مصدر بمعنى المتواترة وقع حالًا، والتَّاء بدل من الواو كما في تَوْلَج وتَيْقُور (٢)؛ أي: متواترين واحدًا بعد واحدٍ، مِن الوتر، وهو الفرد. ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ أضاف الرُّسل مع الإرسال إلى المرسَل ومع المجيء إلى المرسَل إليهم؛ لأنَّ مبدأ الإرسال (٣) منه ومنتهى المجيء إليهم، فالرَّسول يلابسُهما (٤) جميعًا، فتصحُّ إضافتُه إليهما. ﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ﴾: فأتبعنا بعضَ الأمم أو القرون ﴿بَعْضًا﴾ في الإهلاك. ﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ﴾: أخبارًا يُسْمَر بها، ويُتعجَّب منها. والأحاديثُ تكون اسمَ جمعٍ للحديث، ومنه أحاديث الرَّسول عليه

стр. 3134

السلام، وتكون جمعًا للأحدوثة، وهي ما يتحدَّث به النَّاسُ تلهِّيًا وتعجُّبًا، وهو المراد هنا. ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ﴾: سبق تفسيره آنفًا ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ به. * * * (٤٥) - ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ﴾ للإشعار بأنَّ إرساله ﵇ كان تَبعًا لموسى ﵇، تعرَّض لأخوَّته له، ونزَّل ذلك الوصفَ منزلةَ الأصل، حيث جعل اسمه بدلًا عنه. ﴿بِآيَاتِنَا﴾ بالآيات التِّسع. ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ وحجَّةٍ واضحةٍ تظهِرُ بُطلانَ المخالِف، ويجوز أنْ يُراد به العصا، وإفرادُها بالذِّكرِ لأنَّها أمُّ المعجزات وأُولاها، وتعلَّقَتْ بها معجزاتٌ شتَّى كما ذكر، كأنَّها (١) ليست بعضَها لِمَا استندت به من الفضل، ويجوز أنْ يُرادَ الآياتُ أنفسها؛ لأنَّها آياتٌ وحجَّةٌ بيِّنةٌ. * * * (٤٦) - ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾. ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ لاستخلاص بني إسرائيل عن أيديهم على ما أفصح عنه في سورة الشعراء، حيث قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٦، ١٧] أي: خلِّهم يذهبوا معنا إلى الشَّام.

стр. 3135

﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن تصديقِهما في الرِّسالة المذكورة، وعن الائتمار بأمرِهما، لا عن المتابعة؛ لأنهما ﵉ لم يَدْعوهم إليها، دلَّ على ذلك قولهما: خلِّهم يذهبوا معنا إلى الشَّام. ﴿وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾: متكبرين. * * * (٤٧) - ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾. ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ﴾: أنذعَنُ وننقادُ ﴿لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ البَشرُ اسم الجنس، كما يُطلَق على الجمع كقوله: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم: ٢٦]، يُطلَق على الواحد كقوله: ﴿بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧]، وبهذا الاعتبار يثنَّى. و (مثْل) كغير: يُوصَفُ به الاثنان والجمع، والمذكَر والمؤنَّث، كقوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]، ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، ويقال أيضًا: هما مثلاه، وهم أمثالهم. ﴿وَقَوْمُهُمَا﴾ يعني: بني إسرائيل. ﴿لَنَا عَابِدُونَ﴾ على الحقيقة، كأنَّه كان يدَّعي الإلهيَّة فادَّعى للنَّاس العبادةَ. * * * (٤٨) - ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾. ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ بالغرق. * * * (٤٩) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾.

стр. 3136

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾ بعدَ إهلاكِهم ﴿مُوسَى الْكِتَابَ﴾: التَّوراةَ. لَمَّا كان إيتاؤه موسى ﵇ في حكم إيتائه قومه قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي: يعملون بشرائِعِها ومواعظها؛ فإنَّ الاهتداءَ بالكتبِ الإلهيَّةِ إنَّما يحصل بالعملِ بما فيها، لا بعلْمِها. * * * (٥٠) - ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾. ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ﴾ عَبَر عنه بكنيته دون اسمه؛ لما فيها من الإشارة إلى وجه كونه آية، وهو ولادته مِن غير أب، وذلك أنَّ الأصل في النَّسب هو الأب، فلا يُعدَلُ عنه إلَّا عندَ فقدِه. ﴿وَأُمَّهُ آيَةً﴾ بولادتها إيَّاه من غير مسيسٍ، فهما معًا آيةٌ واحدةٌ. أو: وجعلنا ابنَ مريم آيةً بأنْ تكلَّم في المهد وظهرَتْ منه معجزاتٌ أُخَر، وأمَّه آيةً بأنْ ولدَتْ مِن غيرِ مَسيسٍ، فحذف الأولى لِدلالةِ الثَّانية عليها. ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾: هي الأرضُ المرتفعة، قيل: هي بيت المقدس، وقيل غيره. ﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾: مستقرٍّ مِن أرضٍ منبسطةٍ، وقيل: ذات ثمارٍ وزروعٍ، فإنَّ ساكنيها يستقرُّون فيها لأجلها. ﴿وَمَعِينٍ﴾ المَعينُ الماءُ الجاري على وجه الأرض، مفعول مِن عَانَه: إذا أدركه بالعَيْن، نحو رَكَبَهُ: إذا ضربَه بالرُّكْبَةِ؛ أي: يُدْرَكُ بالعَيْن لظهوره، فميمه على هذا زائدة.

стр. 3137

أو فعيل مِن مَعَنَ الماء: إذا جرى، وأصله: الإبعاد في الشَّيء، أو مِن الماعون الذي هو المنفعة؛ أي: نفَّاع، فميمُه أصليَّةٌ. * * * (٥١) - ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ هذا النِّداءُ والخطاب ليسا على ظاهرهما؛ لأنهم أُرْسِلوا متفرِّقين في أزمنةٍ مختلفةٍ، وإنَّما المعنى الإعلام بأنَّ كلَّ رسولٍ في زمانِه نُودِيَ لذلك ووصِّي به؛ ليعتقد السَّامع أن أمرًا نودي له جميع الرُّسل ووُصُّوا به حقيقٌ أنْ يُؤْخَذ به ويُعْمَل عليه، أو خطابٌ لمحمَّدٍ ﵊ لفضله وقيامه مقامَ الكلِّ في زمانه، وكان يأكل من الغنائم، أو لعيسى ﵇ لاتِّصال الآيةِ بِذِكْرِه، وكان يأت مِن غَزْل أمِّه، وهو أطيب الطَّيِّبات. والمراد بـ ﴿الطَّيِّبَاتِ﴾: ما (١) حل، والأمرُ للتَّكليف، أو: ما يُستطَابُ ويُستَلَذُّ، والأمرُ للتَّرفيه (٢) والإباحة، ومع الاحتمال لا يتمُّ الاحتجاج به على الرَّهبانيَّة (٣) في رفض الطَّيِّباتِ بالمعنى الثاني. ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾: موافقًا للشريعة. ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ فأجازيكم على أعمالكم. * * *

стр. 3138

(٥٢) - ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾. ﴿وَإِنَّ هَذِهِ﴾ بالكسر على الاستئناف، وبالفتح (١) بمعنى: ولأنَّ، والمعلَّل ﴿فَاتَّقُونِ﴾، أو هو معطوف على ما قبله؛ أي بما تعملون عليم وبأنَّ هذه، أو تقديره: واعلموا أن هذه. وقرئ بالتَّخفيف (٢). ﴿أُمَّتُكُم﴾: مِلَّتكم وطريقَتكم. ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ في أصول الشَّرائع والمعتقدات، أو: جماعتكم جماعة واحدة متِّفقة في التِّوحيد والإيمان، ونصبُها على الحال. ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ﴾ وحدي ﴿فَاتَّقُونِ﴾ في شقِّ العَصا ومخالفة الكلمة. * * * (٥٣) - ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾ تقطَّع بمعنى قطَّع، والضَّمير لِمَا دلَّ عليه (الأمَّة) مِن أربابها، أو لها. ﴿أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾: ما أُمِروا به مِن الشَّرائع والأحكام. ﴿زُبُرًا﴾: جمع زبور؛ أي: كُتُبًا مختلفة؛ يعني: جعلوا دينهم أديانًا، وقيل: تفرَّقوا في دينهم كلٌّ ينتحل (٣) كتابًا.

стр. 3139

وعن الحسن: قطَّعوا كتابَ الله قطعًا (١). ويؤيده قراءة: (زُبَرًا) بفتح الباء (٢)، جمع زُبْرةٍ مستعارة من زُبَر الحديد، ويجوز أن يكون حالًا من ﴿أَمْرَهُمْ﴾، أو من الواو. ﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾: كلُّ فرقةٍ مِنْ فِرَقِ هؤلاء المختلفين المتقطِّعين دينهم. ﴿بِمَا لَدَيْهِمْ﴾ مِن الكتاب والدِّين، أو مِن الهوى والرَّأي. ﴿فَرِحُونَ﴾: معجبون معتقدون أنَّهم على الحقِّ. * * * (٥٤) - ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾. ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾: في جهالتهم، شبَّهها في غلبتها عليهم بالماء الذي يَغْمُرُ القامةَ؛ لأَنَّهم مغمورون فيها، أو شُبِّهوا باللَّاعبين في غمرةِ الماءِ؛ لِمَا هم عليه مِن الباطل. ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ إلى أن يُقتلوا أو يموتوا (٣). سُلِّيَ به رسول اللّه ﷺ ، ونُهي عن الاستعجالِ بعذابِهم. * * * (٥٥) - ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾. ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ﴾: أنَّ ما نعطيهم ونجعله مددًا لهم ﴿مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾ بيانٌ

стр. 3140

لـ (ما) لا خبرٌ له، فإنَّه غيرُ مُعابٍ عليه، وإنَّما المعاب عليه اعتقادهم أنَّ ذلك خيرٌ لهم، فخبرُه: * * * (٥٦) - ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ والعائد مِن خبر (أنَّ) إلى اسمها محذوفٌ؛ أي: نسارع لهم به، والمعنى: إنَّ هذا الإمداد ليس إلَّا استدراجًا لهم إلى المعاصي، وهم يحسبونه مسارعةً لهم في الخيرات، ومعاجلةً بالثَّواب جزاءً على حُسن صنيعهم، ويجوز أن يُراد: في جزاء الخيرات كما يُفعل بأهل الخير من المسلمين. ﴿بَلْ﴾ إضراب عمَّا يحسبونه. ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: بل (١) هم أشباهُ البهائم، لا فِطنةَ بهم ولا شعور حتى يتأمَّلوا ويتفكَّروا (٢) في ذلك، فيعلموا أنه استدراجٌ لا مسارعةٌ في الخير. * * * (٥٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ﴾ الخشيةُ: خوفٌ يَشوبُه التَّعظيمُ. ﴿مُشْفِقُونَ﴾: قاضُون لحقِّ الهيبة والعظمة على حذرٍ ورقْبَةٍ. والإشفاقُ: خوفٌ معَ اعتناءٍ. * * *

стр. 3141

(٥٨) - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ المنصوبة والمنزَّلة. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يصدِّقون مدلولَها ونزولَها مِن عند اللّه. * * * (٥٩) - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ شركًا جليًّا ولا خفيًّا. * * * (٦٠) - ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ يعطون ما أعطوه من الصَّدقات. وقرئ: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ (١)؛ أي: يفعلون ما فعلوه مِن الطَّاعات. ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أنْ لا يُقبلَ منهم، وأنْ لا يقعَ على الوجه اللَّائق فيؤاخَذوا به. والوَجَلُ: اضطرابُ النَّفسِ لتوقُّعِ ما يُكْرَه (٢). ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ لأنَّ مرجعهم إليه، وهو يعلم ما يخفى عليهم. * * * (٦١) - ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾. ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾: يرغبون فيها أشدَّ الرَّغبةِ فيبادرونها، والأحسنُ طباقًا لِما تقدَّم والأشدُّ وِفاقًا له أنَّ المعنى: أنَّهم يسارعون في نيل الخيرات

стр. 3142

الدُّنيويَّة ويتعجَّلون في الدُّنيا المنافع ووجوه الإكرام؛ لأنَّهم إذا سُورِعَ بها لهم فقد سارعوا في نيلها وتعجَّلوها؛ لقوله: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨]؛ لأنَّ فيه إثباتَ ما نُفِيَ عن الكفَّار للمؤمنين. ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ أي: لأجلها فاعلون السَّبْقَ، أو: سابقون النَّاس لأجلِها، أو: إيَّاها سابقون؛ أي: ينالونها قبلَ الآخرة، حيث عُجِّلَتْ لهم في الدُّنيا. حال من فاعل ﴿يُسَارِعُونَ﴾، أو عطف على ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ﴾ عطفَ الجملة على الجملة، ﴿لَهَا﴾ صلة ﴿سَابِقُونَ﴾، أو علته (١)، أو خبر (هم)، و ﴿سَابِقُونَ﴾ خبرٌ بعدَ خبرٍ. * * * (٦٢) - ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾: قَدْرَ طاقتها، يريد به التَّحريض على ما وصفَ به الصَّالحين وتسهيله على السَّامعين. ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ﴾ أي: ما عملوه غيرُ ضائعٍ، بل مثبَت في كتابٍ؛ أي: اللَّوحِ، أو صحيفةِ الأعمال. ﴿يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾: يبيِّنُ الصِّدق، لا يوجد فيه ما يخالفُ الواقعَ. ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ بزيادة عِقابٍ، أو نقصان ثواب، وتقديم ﴿وَهُمْ﴾ للمحافظة على الفاصلة، ثم عاد إلى ذِكْر الكافرين فقال:

стр. 3143

(٦٣) - ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾. ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾: في غفلةٍ غامرةٍ لها ﴿مِنْ هَذَا﴾: مِن الذين وُصِفَ به السَّابقون. ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ﴾ خبيثة ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ متجاوزةٌ عمَّا وُصِفُوا به، والإشارة بـ ﴿ذَلِكَ﴾ للتَّعظيم. ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾: معتادون فعلها. * * * (٦٤) - ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾. ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ﴾ متنعِّميهم. ﴿بِالْعَذَابِ﴾ وهو القَتْلُ يومَ بدرٍ، أو الجوعُ حين دعا عليهم رسولُ الله ﷺ فقال: "اللهمَّ اشدُدْ وَطْأتكَ على مُضَرَ، واجعَلْها عليهم سنينَ كسِني يوسف" (١)، فابتلاهم اللهُ تعالى بالقَحْطِ حتى أكلوا الجيَف والكلاب والعِظام المحرَّقة والقِدَّ والأولاد (٢). ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ الجؤارُ: الصُّراخُ بالاستغاثة؛ أي: فاجَؤوا به، وهو جواب الشَّرط، والجملة مبتدأ بعد ﴿حَتَّى﴾، ويجوز أن يكون الجوابُ: (٦٥) - ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾. ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ﴾ فإنَّه مُقدَّر بالقول؛ أي: يُقال لهم: لا تجأروا.

стр. 3144

﴿إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾ تعليلٌ للنَّهي؛ أي: لا تجأروا، فإنَّه لا ينفعكم إذ لا تُمنعون (١) منا، أو لا يلحقكم نصرٌ مِن جهتنا. * * * (٦٦) - ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾. ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي﴾ يعني: القرآن. ﴿تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: قد استمرَّ تجدُّد تلاوته عليكم وقتًا بعدَ وقتٍ. ﴿فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ تُعرضون عنها؛ أي: عن سماعها وتصديقها على أشنع وجه مستمرِّين على ذلك، والنُّكوص: أن يرجع القَهْقَرى، وهو أقبح مشيَةٍ لأنَّه لا يرى ما وراءه. * * * (٦٧) - ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾. ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ على المسلمين ﴿بِهِ﴾: بالبيت أو بالحرم (٢)؛ لأنَّهم يقولون: لا يظهر علينا أحدٌ لأنَّا أهلُ الحرم، والذي سوَّغ هذا الإضمار شهرتهم بالاستكبار بالبيت (٣). أو: بـ ﴿آيَاتِي﴾ لأَنَّها في معنى: كتابي، ومعنى استكبارهم به: تكذيبُهم به استكبارًا على التَّضمين، أو مستكبرين بسببه؛ أي: إذا تُتلَى عليكم حدثَ بسببِه استكباركُم.

стр. 3145

أو يتعلق الباء بقوله: ﴿سَامِرًا﴾؛ أي: تَسْمُرون (١) بذكر القرآن وبالطَّعن فيه، وذلك أنَّهم كانوا يجتمعون حولَ البيت يَسمُرونَ، وكانت (٢) عاقبةُ سَمَرِهم ذكرَ القرآن وتسميتَه سحرًا وشعرًا. والسَّامرُ نحوُ الحاضر في الإطلاق على الجمع. أو بقوله: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ وهو مِن الهَجْرِ بالفتح: الهذيان، وبالضَّم: الفُحْش. وقرئ: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ (٣)، [و: (تُهَجِّرون)] (٤)، مِن أَهْجَرَ في منطقه: إذا أَفْحَشَ، ومن هَجَّر الذي هو مبالغةٌ في هَجَرَ: إذا هَذَى؛ أي: تُعْرِضون عن القرآن وتَهْذون في شأنه، أو تُفحشون (٥). * * * (٦٨) - ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾. ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ القرآنَ؛ ليعلموا عند تدبُّره أنَّه الحقُّ المبين، فيصدِّقوا به وبمَن جاء به، أو ليخافوا (٦) عند تأمُّل أقاصيصِه مثلَ ما أنزل (٧) بمَن قبلِهم مِن المكذِّبين.

стр. 3146

والهمزةُ للتَّقرير والتَّوبيخ؛ أي: أبعدَ وضوحِ آياتي المتلوَّة عليهم لم يتدبَّروه؟! و ﴿أَمْ﴾ في قوله: ﴿أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ منقطعةٌ؛ أي: عدم تدبُّرهم أجاءَهم ما لم يأتِ آباءَهم الأقدمين مِن كتاب أو رسولٍ أو أَمْنٍ مِن عذابِ الله تعالى فلم يخافوا كما خاف آباؤهم الأقدمون كإسماعيل ﵇ وأعقابه؟! فالهمزة هذه للإنكار، ويجوز أن يكون المراد بـ ﴿الْأَوَّلِينَ﴾: الذين مَضوا ممَّنْ سبقوهم مِن الأقربين الذين قلَّدوهم، فتكون الهمزة للتَّقرير أيضًا. * * * (٦٩) - ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾. ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ إضراب عَّما ذُكِرَ، وإنكارٌ لعدم معرفتهم إيَّاه؛ لأنَّهم عرفوه بالأمانة والصِّدق، وحسن الخُلُق، وكمال العلم مع عدم التَّعلُّم، إلى غير ذلك مما هو صفة الأنبياء. ﴿فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ تفريغٌ على عدم معرفتهم إيَّاه، فيدخل تحت الإضراب والإنكار. ولا وجه لِمَا قيل: لأحد هذه الوجوه (١)؛ لأنَّ الآتي بعده مِن جملة الوجوه، فلا وجه للفصل بينها بما ذُكِر. * * *

стр. 3147

(٧٠) - ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾. ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ إضرابٌ وإنكارٌ أيضًا لقولهم: ﴿بِهِ جِنَّةٌ﴾ لأنَّهم كانوا يعلمون أنَّه أرجحُهم عقلًا، وأتقنُهم رأيًا، وأصوبُهم نظرًا. ويجوز أن تكون الهمزة للاستفهام، و ﴿أَمْ﴾ هي المتصلة، ويكون الكلام على طريق المجادلة بالتي هي أحسن؛ أي: أيّ هذه الأمور كائنٌ، كما يقول المناظر: إنَّ الأمر لا يخلو مِن أحد هذه الأقسام، لكنَّ الأقسامَ (١) كلَّها باطلة إلَّا القسمَ الأوَّل، وهو عدم التَّدبُّر، وعبَّرَ عنه بقولِه: ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ بمخالفته أهواءَهم، فلذلك لم يتدبَّروا، وإنَّما قيَّد الحكم بالأكثر لأنَّه كان منهم مَن تركَ الإيمان استنكافًا مَن توبيخِ قومِه، أو لقلَّة فطنتِه ولعدمِ فكرَتِه، لا لكراهةِ الحقِّ. * * * (٧١) - ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾. ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ﴾ على سبيل الفَرْضِ والتَّقدير كما تُفْرَضُ المحالاتُ ﴿أَهْوَاءَهُم﴾ في الشِّرك بأنْ كان في الوجود آلهةٌ شتَّى ﴿لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ كما سبق تقريره في تفسير قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]. أو: وَلَوِ اتَّبع الحقُّ الذي قام به السَّماوات والأرضُ أهواءَهم لانقلَبَ باطلًا، ولذهبَ ما قام به العالم فلا يبقى شيءٌ منه (٢).

стр. 3148

أو: وَلَوِ اتَّبع الحقُّ الذي جاء به محمَّدٌ ﵇ وهو الإسلام - أهواءَهم وانقلب شركًا لجاء اللّه تعالى بالقيامة وأهلك العالَم مِن فرط غضبه ولم يؤخّر. وأمَّا ما قيل: معناه: ولو كان اللّه إلهًا يَتَّبع (١) أهواءهم ويأمر بالشِّرك والمعاصي لَمَا كان إلهًا ولكن شيطانًا؛ ففيه ما لا يخفى من جرأةٍ (٢) على الله تعالى، وسوءِ أدبٍ فاحشٍ. ﴿وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ خصَّ العقلاء تنبيهًا على أنَّ وجودَ الغيرِ تبعٌ لهم. ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾: بالكتاب الذي هو ذكرهم؛ أي: وَعْظُهم، أو: صِيْتُهم وفَخْرُهم، أو بالذِّكْرِ الذي كانوا يتمنَّونه بقولهم: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨]. ﴿فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ لا يلتفتون إليه، وإنما أعاد الذِّكْرَ باسمه تفخيمًا. * * * (٧٢) - ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. و ﴿أَمْ﴾ في: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ﴾ منقطعةٌ. ﴿خَرْجًا﴾ وقرئ: (خَرْاجًا) (٣).

стр. 3149

والخَرْجُ: ما تُخرجُه إلى الإمام مِن زكاة أرضك، وإلى كلِّ عاملٍ مِن أجرته وجعله. وقيل: الخرْجُ: ما تبرَّعْتَ به، والخَراجُ: ما لزمَكَ أداؤُه. والوجهُ: أنَّ الخَرْجَ أخَصُّ مِن الخَراجِ بقولِكَ: خَراجُ القرية وخَرْجُ الكَرْدة (١)، زاد اللَّفظ لزيادة المعنى، ولهذا حسنت القراءة الأولى؛ يعني: أم تسألهم على هدايتك لهم قليلًا مَن عطاء الخَلْقِ. ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ﴾ فالكثيرُ مِن عطاء الخالق ﴿خَيْرٌ﴾ ففيه مندوحةٌ لكَ عن عطائِهم. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ تقرير لخيريَّة خراجه. * * * (٧٣) - ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قد سبقَ تفسيرُه في الفاتحة. والتَّنكير ها هنا للتَّعظيم. ولَمَّا ألزمهم الحجَّةَ وأزاح العلَّة بحصر الأقسام التي تقتضي الإنكار والاتهام (٢)، وبيَّنَ انتفاءها إلا عدم (٣) التَّدبُّر وكراهتهم الحقَّ لمخالفته أهواءهم، وأقام الدَّلائل على امتناع موافقته لِمَا هم عليه مِن التَّقليد واتِّباع الهوى؛ لِمَا يلزم

стр. 3150

ذلك مِن الفساد الكلِّيِّ= ثبتَ أنَّ ما عليه هو الصِّراط المستقيم البيِّن استقامتُه بشهادة العقول السَّليمة والفطرة الصَّافية، وأنَّه يدعوهم إليه، وأنَّهم لكفرهم عن الصِّراط المذكور لعادلون (١). * * * (٧٤) - ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾. وإنَّما عدل في قوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ عن الضَّمير إلى الموصول؛ للتَّنصيص على علَّة عدولهم، وليكون كالبرهان على عدولهم؛ لدخولهم في الموصول دخولًا أوَّليًّا. * * * (٧٥) - ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾ يعني: القَحْطَ. ﴿لَلَجُّوا﴾: لتمادَوا ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾: في إفراطهم في الكفر والاستكبار عن الحقِّ وعداوة الرَّسول ﵇ والمؤمنين ﴿يَعْمَهُونَ﴾؛ أي: لعادُوا إلى ما كانوا عليه مِن اللَّجاجِ في الطُّغيان، ولذهبَ عنهم هذا الإبلاس (٢) والتَّمسكُن بينَ يديه يسترحمونه، عَمِهِيْنَ عن الهدى. ثمَّ استشهد على ذلك بقوله: (٧٦) - ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾.

стр. 3151

﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ أي: القتلِ والأسرِ يومَ بدرٍ. ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ فما خضَعوا، وما تذلَّلوا، ولم يوجَدْ منهم تضرُّعٌ. استكانَ: استفعل مِن الكون؛ لأنَّ المُتَذَلِّلَ انتقل مِن كونٍ إلى كونٍ، كالمستحيل للمتنقِّلِ مِن حالٍ إلى حالٍ، أو افتعل مِن السُّكون أُشبع فتحتُه. * * * (٧٧) - ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾: بابَ الجوع الذي هو أشدُّ مِن القتل والأسر. ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ الإبلاسُ: اليأسُ (١) مِن كلِّ خيرٍ. وقيل: السُّكوتُ مع التَّحيُّر؛ أي: فأُبلسوا ساعتئذٍ وخضعَتْ رقابُهم، حتى جاء أعتاهم يستعطفُكَ. رُوي أنَّه لمَّا أسلمَ ثُمامَةُ بنُ أُثالٍ الحنفيُّ ولحقَ اليمامة ومَنع المِيْرَةَ من أهل مكَّة، وأخذهم الله تعالى بالسِّنين حتى أكلوا العِلْهِزَ (٢)، جاءَ أبو سُفيانَ رسولَ اللّه ﷺ فقال له: أَنشدُكَ الله والرَّحمَ! ألستَ تزعمُ أنَّك بُعِثْتَ رحمةَّ لَلعالمين؟ فقال: "بلى"، قال: قتلْتَ الآباءَ بالسَّيفِ والأبناءَ بالجوعِ، فنزلَتْ (٣). وهذا صريح في أنَّها مدنيَّة.

стр. 3152

(٧٨) - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾. ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴿قَلِيلًا﴾ نصب على المصدر، و ﴿مَا﴾ زائدة للتَّوكيد بمعنى حقًّا؛ أي: شكرًا قليلًا تشكرون حقًّا، وإنَّما خَصَّ ﴿السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ بالذِّكر في مقام الامتنان لأَنَّها أصول المُدْرَكات المُنتفَع بها في المنافع الدِّينيَّة والدنياوَّية، ولا يمكن الاستكمال إلَّا بها، فإنه موقوف على الاعتبار والاستماع والاستبصار بالنَّظر والاستدلال، فهي أصولُ النِّعَمِ الموجبةُ للشُّكر، ولَمَّا كان العمدة في الشُّكر استعمالَها فيما خُلِقَتْ لأجله، ومقدمتُها الإقرار بواهبها ومُنشِئها قال: (٧٩) - ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: خلقَكم فيها بالتَّناسُلِ. ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾: تُجمَعون يومَ القيامة بعدَ تفرُّقكم. * * * (٨٠) - ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ قد سبق تفسيرُه؛ أي: هو المختصُّ باعترافكم بإنشاء الجوارح المذكورة وإنشائكم، والمختصُّ بالإحياء والإماتة، ﴿وَلَهُ﴾ خاصَّةً ﴿اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، وهو متولِّيه، لا يقدر على تصريفهما (١) غيره، والاختصاصُ مستفادٌ مِن تقديمِ الضَّمير والظَّرف. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أبعْدَ هذه الدَّلائل الواضحة لا تعقلون بالنَّظر والاستدلال

стр. 3153

واستعمال المُدْرَكات المذكورة أنَّ الكلَّ منَّا، وأنَّ قدرتنا تعمُّ الممكنات كلَّها، وأنَّ البعث مِن جُملتها، فلا تنكرونه. والالتفات مِن التَّكلُّم إلى الغيبة ممَّا لا تخفى فائدته مِن التَّعظيم كما في ﴿رَبِّهِمْ﴾ (١)، وقرعِ العصا بالتكرير والافتنانِ فيه (٢). وقرئ: (يعقلون) بالياء (٣) على الالتفات أيضًا، أو على أنَّ الخطاب السَّابق لتغليب المؤمنين. * * * (٨١) - ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ﴾. ﴿بَلْ قَالُوا﴾؛ أي: كفار مكَّة ﴿مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ﴾: كما قال الكفَّار قبلَهم. * * * (٨٢) - ﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾. ﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ قد سبقَ وَجْهُ تأخير قوله: ﴿وَعِظَامًا﴾ عن قوله: ﴿تُرَابًا﴾. ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ تكرار الهمزة للمبالغة في الإنكار والاستبعاد. والتَّأكيد بـ (إنَّ) واللَّام لتوجيه الإنكار إلى الجزم بالبعث، واعتقادِ تحقُّقه، والإتيانِ به كما عليه الرَّسول والمؤمنون، ويُخبرون عنه. * * *

стр. 3154

(٨٣) - ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا﴾؛ أي: البعث ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: مِن قبلِ مجيءِ محمَّدٍ ﵇. ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ الأساطيرُ: جمعُ أسطورةٍ، وهذا البناء لِما يُتلهَّى به، كالأضحوكة والأعجوبة والألعوبة (١). وقيل: جمع أسطارٍ، جمع سطر، وهي ما كتبه الأوَّلون ممَّا لا حقيقة له. * * * (٨٤) - ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾ إنَّما قيل: (مَن) تغليبًا للعقلاء، أو لأنَّه يلزم أن يكون له غيره (٢) من طريق الأَولى. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: إنْ كنتم مِن أهل العلم، أو: مِن العالمين بذلك، زيادة استهانة بهم (٣)، وتقريرُّ لفَرْط جهالتهم. * * * (٨٥) - ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ لأنهم مقرُّون بأنَّه الخالق. ﴿قُلْ﴾؛ أي: بعد ما قالوه: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ فتعلموا أنَّ مَن فطرَ الأرض ومَن فيها كان قادرًا على إعادة الخلق، وكان حقيقًا بأنْ لا يُشرَك به بعضُ خلقه في الرُّبوبيَّة.

стр. 3155

(٨٦) - ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾. ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ في توصيفه بـ ﴿الْعَظِيمِ﴾ تصغير للسَّماوات السَّبع مع هذه العظمة في جنبه، وهذا غاية في التَّعظيم. * * * (٨٧) - ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾. ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ لأنَّ ذلك أيضًا قد تقرَّر عند العرب بإخبار أهل الكتاب. وقرئ: ﴿لِلَّهِ﴾ بغير لام فيه وفيما بعده (١) على ما يقتضيه لفظ السُّؤال، والأوَّل محمولٌ على المعنى؛ لأنَّ قوله: ﴿لِلَّهِ﴾ معناه: لله هذه الأشياء، وهذا جوابٌ صحيحٌ، قال الشَّاعرُ: إذا قِيلَ مَنْ رَبُّ القيانِ (٢) بموقِفٍ … ورَبُّ الجيادِ الجرْدِ قيل لخالد (٣) ﴿قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾: أفلا تخافونه فلا تشركوا به (٤)، ولا تنكروا قدرته على بعض مقدوراته. * * *
следующие страницы →