← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ أي: القتلِ والأسرِ يومَ بدرٍ. ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ فما خضَعوا، وما تذلَّلوا، ولم يوجَدْ منهم تضرُّعٌ. استكانَ: استفعل مِن الكون؛ لأنَّ المُتَذَلِّلَ انتقل مِن كونٍ إلى كونٍ، كالمستحيل للمتنقِّلِ مِن حالٍ إلى حالٍ، أو افتعل مِن السُّكون أُشبع فتحتُه. * * * (٧٧) - ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾: بابَ الجوع الذي هو أشدُّ مِن القتل والأسر. ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ الإبلاسُ: اليأسُ (١) مِن كلِّ خيرٍ. وقيل: السُّكوتُ مع التَّحيُّر؛ أي: فأُبلسوا ساعتئذٍ وخضعَتْ رقابُهم، حتى جاء أعتاهم يستعطفُكَ. رُوي أنَّه لمَّا أسلمَ ثُمامَةُ بنُ أُثالٍ الحنفيُّ ولحقَ اليمامة ومَنع المِيْرَةَ من أهل مكَّة، وأخذهم الله تعالى بالسِّنين حتى أكلوا العِلْهِزَ (٢)، جاءَ أبو سُفيانَ رسولَ اللّه ﷺ فقال له: أَنشدُكَ الله والرَّحمَ! ألستَ تزعمُ أنَّك بُعِثْتَ رحمةَّ لَلعالمين؟ فقال: "بلى"، قال: قتلْتَ الآباءَ بالسَّيفِ والأبناءَ بالجوعِ، فنزلَتْ (٣). وهذا صريح في أنَّها مدنيَّة.

стр. 3152

(٧٨) - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾. ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴿قَلِيلًا﴾ نصب على المصدر، و ﴿مَا﴾ زائدة للتَّوكيد بمعنى حقًّا؛ أي: شكرًا قليلًا تشكرون حقًّا، وإنَّما خَصَّ ﴿السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ بالذِّكر في مقام الامتنان لأَنَّها أصول المُدْرَكات المُنتفَع بها في المنافع الدِّينيَّة والدنياوَّية، ولا يمكن الاستكمال إلَّا بها، فإنه موقوف على الاعتبار والاستماع والاستبصار بالنَّظر والاستدلال، فهي أصولُ النِّعَمِ الموجبةُ للشُّكر، ولَمَّا كان العمدة في الشُّكر استعمالَها فيما خُلِقَتْ لأجله، ومقدمتُها الإقرار بواهبها ومُنشِئها قال: (٧٩) - ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: خلقَكم فيها بالتَّناسُلِ. ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾: تُجمَعون يومَ القيامة بعدَ تفرُّقكم. * * * (٨٠) - ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ قد سبق تفسيرُه؛ أي: هو المختصُّ باعترافكم بإنشاء الجوارح المذكورة وإنشائكم، والمختصُّ بالإحياء والإماتة، ﴿وَلَهُ﴾ خاصَّةً ﴿اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، وهو متولِّيه، لا يقدر على تصريفهما (١) غيره، والاختصاصُ مستفادٌ مِن تقديمِ الضَّمير والظَّرف. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أبعْدَ هذه الدَّلائل الواضحة لا تعقلون بالنَّظر والاستدلال

стр. 3153

واستعمال المُدْرَكات المذكورة أنَّ الكلَّ منَّا، وأنَّ قدرتنا تعمُّ الممكنات كلَّها، وأنَّ البعث مِن جُملتها، فلا تنكرونه. والالتفات مِن التَّكلُّم إلى الغيبة ممَّا لا تخفى فائدته مِن التَّعظيم كما في ﴿رَبِّهِمْ﴾ (١)، وقرعِ العصا بالتكرير والافتنانِ فيه (٢). وقرئ: (يعقلون) بالياء (٣) على الالتفات أيضًا، أو على أنَّ الخطاب السَّابق لتغليب المؤمنين. * * * (٨١) - ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ﴾. ﴿بَلْ قَالُوا﴾؛ أي: كفار مكَّة ﴿مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ﴾: كما قال الكفَّار قبلَهم. * * * (٨٢) - ﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾. ﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ قد سبقَ وَجْهُ تأخير قوله: ﴿وَعِظَامًا﴾ عن قوله: ﴿تُرَابًا﴾. ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ تكرار الهمزة للمبالغة في الإنكار والاستبعاد. والتَّأكيد بـ (إنَّ) واللَّام لتوجيه الإنكار إلى الجزم بالبعث، واعتقادِ تحقُّقه، والإتيانِ به كما عليه الرَّسول والمؤمنون، ويُخبرون عنه. * * *

стр. 3154

(٨٣) - ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا﴾؛ أي: البعث ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: مِن قبلِ مجيءِ محمَّدٍ ﵇. ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ الأساطيرُ: جمعُ أسطورةٍ، وهذا البناء لِما يُتلهَّى به، كالأضحوكة والأعجوبة والألعوبة (١). وقيل: جمع أسطارٍ، جمع سطر، وهي ما كتبه الأوَّلون ممَّا لا حقيقة له. * * * (٨٤) - ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾ إنَّما قيل: (مَن) تغليبًا للعقلاء، أو لأنَّه يلزم أن يكون له غيره (٢) من طريق الأَولى. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: إنْ كنتم مِن أهل العلم، أو: مِن العالمين بذلك، زيادة استهانة بهم (٣)، وتقريرُّ لفَرْط جهالتهم. * * * (٨٥) - ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ لأنهم مقرُّون بأنَّه الخالق. ﴿قُلْ﴾؛ أي: بعد ما قالوه: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ فتعلموا أنَّ مَن فطرَ الأرض ومَن فيها كان قادرًا على إعادة الخلق، وكان حقيقًا بأنْ لا يُشرَك به بعضُ خلقه في الرُّبوبيَّة.

стр. 3155

(٨٦) - ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾. ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ في توصيفه بـ ﴿الْعَظِيمِ﴾ تصغير للسَّماوات السَّبع مع هذه العظمة في جنبه، وهذا غاية في التَّعظيم. * * * (٨٧) - ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾. ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ لأنَّ ذلك أيضًا قد تقرَّر عند العرب بإخبار أهل الكتاب. وقرئ: ﴿لِلَّهِ﴾ بغير لام فيه وفيما بعده (١) على ما يقتضيه لفظ السُّؤال، والأوَّل محمولٌ على المعنى؛ لأنَّ قوله: ﴿لِلَّهِ﴾ معناه: لله هذه الأشياء، وهذا جوابٌ صحيحٌ، قال الشَّاعرُ: إذا قِيلَ مَنْ رَبُّ القيانِ (٢) بموقِفٍ … ورَبُّ الجيادِ الجرْدِ قيل لخالد (٣) ﴿قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾: أفلا تخافونه فلا تشركوا به (٤)، ولا تنكروا قدرته على بعض مقدوراته. * * *

стр. 3156

(٨٨ - ٨٩) - ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾. ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: مالكيتُه ومدبِّريَّته. قيل: الملكوتُ: الملك، والواو والتَّاء للمبالغة، فينبئ عن عظم الملك. ﴿وَهُوَ يُجِيرُ﴾: وهو يغيثُ مَن يشاءُ، مِن أجرْتُ فلانًا على فلان: إذا أغثته منه ومنَعْته (١). ﴿وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾: ولا يغيثُ أحدٌ منه أحدًا، وتعديته بـ (على) لتضمُّنه معنى النُّصرة. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ تُخدَعون فتُصرَفون عن توحيده وطاعته مع ظهور الأمر وتظاهر الأدلَّة. وهذه الأسوِلة (٢) استهانةٌ بهم، وتقريرٌ لفرط جهالتهم في الأمور الدِّينيَّة، حيث جَهِلوا مثلَ هذا الجليِّ الواضح، وإلزامٌ بما لا يمكن مَن له أدنى مُسْكَةٍ مِن العلم إنكارُه، ولذلك أخبر عن جوابهم قبل أن يجيبوا بقوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ لأنَّ العقل الصَّريح قد اضطرهم إلى الإجابة بما أجابَ، فلا يمكن لعاقلٍ (٣) أن يجيب بجواب آخر. ثمَّ إنَّه رُوعِيَ في السُّؤالِ قضيَّة التَّرقي، فسئل عمَّن له الأرض وما فيها، ثمَّ سُئِلَ عمَّنْ له السَّماوات والعرش العظيم، والأرض بالنِّسبة إليه كلا شيءٍ، ثمَّ سُئِلَ

стр. 3157

عمَّنْ بيدِه ملكوتُ كلِّ شيءٍ، فأُتي بأعمِّ العامِّ وكلمةِ الإحاطة، وأُوثر الملكوت وهو الملك الواسع، وقيل: ﴿بِيَدِهِ﴾ تصويرًا وتخييلًا. وكذلك روعي هذه النُّكتة في الفواصل، فعبِّر أولًا بعدم التَّذكُر، فإنَّ أيسر (١) النَّظر يكفي في انحلال عقدهم، ثمَّ بعدم الاتقاء (٢)، وفيه وعيدٌ، ثمَّ بالتَّعجُّب مِن خَدْع عقولهم فتخيِّل (٣) الباطل حقًّا والحقَ باطلًا، وأنَّى لها التَّذكُّر والخوف. * * * (٩٠) - ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ﴾: بالتَّوحيد، واستحالةِ نسبة الولد والشَّريك إليه. ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ حيث أنكروا ذلك، وادَّعوا أنَّ له ولدًا ومعه شريكًا. * * * (٩١) - ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ لتقدُّسه عن مماثلة أحدٍ. ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ﴾ في الوجود ﴿مِنْ إِلَهٍ﴾ يساهمه في الألوهية.

стр. 3158

﴿إِذًا﴾ جوابٌ لمحاجَّتهم، وجزاءُ الشَّرط محذوف لدلالة ما قبله عليه؛ أي: لو كان معه آلهة كما يقولون إذًا (١). ﴿لَذَهَبَ﴾: لانفرد ﴿كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾: بخَلْقه الذي خلَقَه، واستبَدَّ به، ولرأيتم امتيازَ مُلكِ كلِّ واحدٍ عن مُلك الآخرين، ووقع بينهم التَّحاربُ والتَّغالبُ. ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: ولغلَبَ بعضُهم بعضًا كما هو حالُ ملوكِ الدُّنيا، ممالكُهم متمايزة، وهم متغالبون، وحين لم تروا أثرًا لتمايز الممالك والتَّغالُب فاعلموا أنَّه إلهٌ واحدٌ بيده ملكوتُ كلِّ شيءٍ. وأمَّا ما قيل: فلَمْ يكن بيده [وحده] ملكوت كلِّ شيءٍ، ولم يكن واحدٌ منهم إلهًا مطلقًا، واللَّازم باطل بالإجماع والاستقراءِ وقيامِ البرهان على استناد جميع الممكنات إلى واجبٍ واحدٍ (٢). فيَرِدُ عليه: أنَّ الإجماع والاستقراء لا يناسب المقام، وأمَّا البرهان فإنَّما قام على وجوب انتهاء سلسلة الموجودات إلى واجبٍ بالذَّات، ولا يلزم منه أنْ لا يتعدَّد الواجب، ولا يكون في الوجود سلاسل ينتهي بعضها إلى واجبٍ وبعضها إلى واجب آخر.

стр. 3159

﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾: عمَّا يصفونه مِن نِسبة الولد والشَّريك إليه؛ لِمَا سبق من الدَّليل على فساده. * * * (٩٢) - ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ خبرُ مبتدأ محذوف، وقرئ بالجرِّ (١) على الصِّفة، دليل آخر على نفي الشَّريك بناءً على توافقهم في أنَّه المنفرد بذلك، ولذلك رتَّب عليه: ﴿فَتَعَالَى﴾ اللهُ ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بالفاء. * * * (٩٣) - ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾. ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾ (إنْ) هي الشَّرطيَّة، و (ما) والنُّون مؤكِّدتان لمعنى الشَّرط، وجواب الشَّرط: ﴿فَلَا تَجْعَلْنِي﴾؛ أي: إن كان لا بُدَّ مِن أنْ تريَني ما تعدُهم مِن العذاب في الدُّنيا أو في (٢) الآخرة. * * * (٩٤) - ﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿رَبِّ﴾ تكرارٌ ما بين الشَّرط والجزاء، معترِض للتَّنبيه على فضل التَّضرع والجؤار.

стр. 3160

﴿فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: فلا تجعلني قرينًا لهم في العذاب. عن الحسن: أخبره الله تعالى أنَّ له في أمَّته نقمةً، ولم يُخبره أفي (١) حياته أم بعد موته، فأمره أن يدعو بهذا الدُّعاء (٢). وهو إمَّا لهضم النَّفس والقيام بحقِّ (٣) العبودية مع علمه بأنَّه لا يفعله، وإمَّا للإعلام بأنَّ شؤم الظَّلمة قد يَحيق بمَن وراءهم (٤)؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]. * * * (٩٥) - ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾ كانوا يستعجلون العذاب إنكارًا وعنادًا (٥)، ويضحكون منه استهزاء، فقيل لهم: إنَّ اللّهَ قادرٌ على إنجاز ما وعدَ عاجلًا، لكِنْ يُؤخِّرُه علمًا بأن بعضهم أو بعض أعقابهم يؤمنون، أو: لا يعذبهم وأنت فيهم. وقيل: قد أراه (٦) يوم بدر أو يوم فتح مكَّة. * * *

стр. 3161

(٩٦) - ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾. ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ حثَّه على مكرمةٍ هي أفضل المكارم، ما لم تؤدِّ إلى ثَلمٍ في الدِّين أو إزراء (١) بالمروءة، وهو أبلغ مِن أنْ يُقالَ: بالحسنة السَّيئة؛ لِمَا فيه مِن صيغة التَّفصيل والإجمال، والتفصيل (٢) بإبهام الموصول، وتبيين الصِّلة؛ أي: زدْ (٣) على الصَّفح عن الإساءة بمقابلة السيَّئة بما يمكن من الإحسان، حتى إذا اجتمع الصَّفح والإحسان وبذل الوسْعِ فيه كانت حسنةً مضاعفةً بإزاء سيئةٍ، ودفعًا لها بالتي هي أحسن. ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾: بما يصفونك به من صفات السُّوء، أو بوصفِهم لكَ وسوءِ ذكرِهم، وهو وعيدٌ لهم وتسليةٌ له ﵇؛ أي: والله أعلم بقولهم وفعلهم، وهو يجازيهم. * * * (٩٧) - ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾. ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ﴾ أمرٌ (٤) بالتَّعوذ مِن نخساتهم بلفظ المبتهِل إلى ربِّه، المكرِّر لندائه تضرُّعًا وابتهالًا بالتَّعوُّذ مِنْ أنْ يَحضروه أو يحوموا حوله (٥). ﴿مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ شبَّه حثَّ الشَّياطين النَّاسَ على المعاصي بالوساوس

стр. 3162

بهمزِ الرَّاضةِ للدَّوابِّ على المشي بالمهماز، والجمع إمَّا لتعدُّد الوساوس، أو لتنوُّعها، أو لتنوُّع المضاف إليه وتعددهم (١). * * * (٩٨) - ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾. ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ عن ابن عبَّاسٍ ﵄: عند تلاوة القرآن، وعن عكرمةَ: عند النَّزْعِ (٢). وقيل: عند الصَّلاة. والتَّخصيص بأحدها لأَنها أحرى الأحوال بأنْ يُخاف عندَه. * * * (٩٩) - ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ يتعلَّق (٣) بـ ﴿يَصِفُونَ﴾، غايةٌ لها؛ أي: لا يزالون يذكرونك بسوءٍ إلى هذا الوقت، وما بينهما اعتراض للإغضاء عنهم، مستعينًا بالله على (٤) الشَّيطان أن يستزلَّه (٥) عن الحلم ويغريَه على الانتصار منهم. أو بقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (٦).

стр. 3163

﴿قَالَ﴾ تحسُّرًا على تفريطه السَّابق لَمَّا اطلع على الأمر اللَّاحق. ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾: رُدُّوني إلى الدُّنيا. والخطاب بلفظ الجمع للتَّعظيم، أو لتكرير (ارجعني)، كما قيل: في قِفَا وأَطْرِقا، وهو يناسب الجؤار والتَّضرُّع. * * * (١٠٠) - ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾: في الإيمان الذي تركْتُه، أو لعلِّي آتي بما تركْتُه من الإيمان وأعمل فيه صالحًا. وقيل: فيما تركْتُ فيه مِن المال، أو في الموضع الذي تركْتُ، وهو الدُّنيا. ﴿كَلَّا﴾ رَدعٌ عن طلب الرَّجعة واستبعادٌ لها. ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ﴾؛ أي: طائفةٌ مِن الكلام المنتظِم بعضُها مع بعض، وهو قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ إلخ. ﴿هُوَ قَائِلُهَا﴾ لا محالةَ، لا يسكُتُ عنها؛ لاستيلاء الحسرة والنَّدامة عليه، أو: هو قائلها وحده، لا يُجابُ ولا يُسمَعُ منه. ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ﴾: أمامِهم، والضَّمير للجماعة ﴿بَرْزَخٌ﴾ البرزَخُ: الحاجزُ. قال الضَّحَّاكُ: هو الحاجز بين الدُّنيا والآخرة (١). وقيل: بينهم وبين الرُّجوع إلى الدُّنيا. ويأباه قوله:

стр. 3164

﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ لأنَّه لا يصلح غايةً لعدمِ الرُّجوع المذكور، والعلمُ بأنَّه لا رجعةَ يومَ البعث إلى الدُّنيا يفيد الإقناطَ الكليَّ عن الرُّجوع إلى الدُّنيا، ولكنَّه لا يصلح أمرًا لغايته (١). * * * (١٠١) - ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾. ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ للبعث والنُّشور. والقراءة بفتح الواو، وبه (٢) وبكسر الصَّاد (٣)، يؤيِّده أنَّ الصُّوْرَ أيضًا جمع الصُّورة، إذ الأصل في القراءة التَّوافُق. ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ المنفيُّ نفعُ الأنساب لا نفيُها، فإنَّ لكلِّ امرئٍ يومَئذٍ ما اكتسَبَ لا ما انتسَبَ. قيل: لزوال التَّعاطف والتَّراحم مِن فَرط الحيرة واستيلاء الدَّهشة، بحيث يفرُّ المرء من أخيه وأمِّه وأبيه وصاحبته وبنيه، وفيه نظر (٤). ﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ كما يفعلون اليومَ، وهذا ليس عقيب نفخة البعث، بل بعد

стр. 3165

زمانٍ؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا﴾ [يس: ٥٢]، فإنَّه صريحٌ في أنَّهم يتساءلون، وقوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧]، قال ابن عبَّاسٍ ﵄: ذلك عند القيام بالنَّفخةِ الثَّانيةِ (١). والفاءُ الجزائيَّةُ لا تدلُّ على التَّعقيبِ. * * * (١٠٢ - ١٠٣) - ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾. ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ قد سبق تفسيره في سورة الأعراف. ﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ بدلٌ مِن ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، والجملتان في حكم الصِّلة، فلا محلَّ لهما (٢) من الإعراب، أو خبرٌ بعد خبر لـ ﴿فَأُولَئِكَ﴾، فهو في محلِّ الرَّفع كـ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ. * * * (١٠٤) - ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾. ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾: تُحرقُها. قال الزَّجَّاجُ: اللَّفْحُ كالنَّفْخِ، إلَّا أنَّ اللَّفْحَ أشدُّ تأثيرًا (٣). ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ مِن شدَّة الإحراق.

стр. 3166

والكُلوحُ: أنْ تتقلَّصَ الشَّفتان، وتتشمَّرا (١) عن الأسنان كما ترى الرُّؤوس المشويَّة. روي (٢) عن النَّبيِّ ﵊ أنه قال: "تَشْوِيْهِ النَّارُ فَتَتقلَّصُ شَفَتُهُ العُلْيا حتى تبلغَ وَسطَ رأسِهِ، وتَسْتَرخِي شَفَتُهُ السُّفلى حتى تبلغَ سُرتَهُ" (٣). * * * (١٠٥) - ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾. ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ على إضمارِ القَولِ، أي: يُقالُ لهم: ألم تكن تُتلَى عليكم آياتي (٤) في الإنذار. ﴿فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ تعنيفٌ وتذكيرٌ ممَّا استحقُّوا هذا العذابَ بسببِه. * * * (١٠٦) - ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾. ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ مَلَكَتنا (٥)، من قولك: غلبني فلان على كذا: إذا أخذه منك وامتلكه. والشَّقاوةُ: سوءُ العاقبة.

стр. 3167

وقرئ: ﴿شِقْوَتُنَا﴾ و: ﴿شَقَاوَتُنَا﴾ بفتح الشِّين وكسرها (١)، كالسَّعادة والكِتابة؛ أي: غلبَتْ علينا الأعمالُ الرَّديَّة والأحوال القبيحة التي شقينا بها. ﴿وَكُنَّا﴾ بها ﴿قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ عن الحقِّ والصَّواب. وليس هذا باعتذارٍ، بل هو اعترافٌ منهم بسوء الصَّنيعِ، ولا صحَّة لِما قيلَ: غلبَتْ علينا ما كُتِبَ علينا مِن الشَّقاوة؛ لأنَّه إنَّما يُكْتَبُ ما يَفْعلُ العبدُ، وما يُعْلَمُ أنَّه يختارُه، ولا يُكْتَبُ غيرُ الذي عُلِمَ أنَّه يختارُه، والعلمُ تابعٌ للمعلومِ لا العكس، فلا يكون مَغلوبًا ومُضطرًا في الفعل بسببِ التَّقديرِ الأزليِّ. * * * (١٠٧) - ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾. ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ مِن النَّارِ ﴿فَإِنْ عُدْنَا﴾ إلى الكفر والتَكذيب ﴿فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ لأنفسنا. * * * (١٠٨) - ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾. ﴿قَالَ اخْسَئُوا﴾: انْزَجِروا ﴿فِيهَا﴾ أذلَّاءَ، انزجارَ الكلابِ إذا زُجِرَتْ، يُقال: خَسَأَ الكَلْبُ وأخساتُه لازمًا ومتعدِّيًا. شُبِّهوا بالكلبِ في الذُّلِّ والهَوانِ فَطُرِدوا بـ ﴿اخْسَئُوا﴾. ﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ في رفعِ العذاب، أو: ولا تكلِّمونِ أصلًا.

стр. 3168

قيل: هو آخِرُ كلامٍ يتكلَّمون به، ثمَّ لا كلامَ بعدَ ذلك إلَّا الشَّهيق والزَّفير والعِواء كعواء الكلاب (١)، لا يَفهمون ولا يُفهِمون. * * * (١٠٩ - ١١٠) - ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾. ﴿إِنَّهُ﴾: إنَّ الشَّأنَ، وقرئ بالفتح (٢)؛ أي: لأنَّه. ﴿كَانَ﴾ تعليلٌ لوجوبِ انزجارهم. ﴿فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي﴾ يعني: المؤمنين، قيل: هم الصَّحابة ﵃، وقيل: أهل الصُّفَّة خاصَّة. ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ في تفريعِ طلبِ (٣) المغفرةِ والرَّحمةِ على الإيمان دلالةٌ على كفايته فيها. ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ هُزُوًا، واشَّاغلتم (٤) ساخرين. ﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ﴾ بكثرةِ تشاغُلِكم بهم ﴿ذِكْرِي﴾ أي: تركتم أن تذكروني فتخافوني في أوليائي. والسخريُّ بالضم والكسر: مصدر سَخِر كالسُّخُرِ، إلَّا أنَّ في ياء النَّسب زيادةَ قوَّة في الفعل ومبالغة، كما قيل: الخصوصية في الخصوص، وعن الكسائي

стр. 3169

والفرَّاء: أنَّ المكسور من الهزؤ، والمضموم من السُّخرة، بمعنى الانقياد والعبودية؛ أي: سخَّروهم واستعبدوهم (١). والأوَّلُ مذهب الخليل وسيبويه (٢). ﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ استهزاءً بهم. * * * (١١١) - ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ على أذاكم. ﴿أَنَّهُمْ﴾ بالفتح، ثاني مفعولي ﴿جَزَيْتُهُمُ﴾، وبالكسر (٣) استئنافٌ، كأنَّه لَمَّا أبهمَ الجزاء للتَّعظيم ولم يبيِّنه اتَّجه أنْ يَسألَ سائلٌ: كيف حالهم؟ قال: إنهم. ﴿هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ مخصوصون بالفوزِ بجميع مراداتهم. * * * (١١٢) - ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾. ﴿قَالَ﴾، أي: اللهُ تعالى، أو المأمور بسؤالهم من الملائكة، وقرئ على الأمر (٤) لمالك (٥)، أو لبعض رؤساء أهل النَّار. ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: في الدُّنيا أحياءً وأمواتًا في القبور.

стр. 3170

﴿عَدَدَ سِنِينَ﴾، أي: كم عددُ سنين لبثتم؟ فـ ﴿كَمْ﴾ نصب بـ ﴿لَبِثْتُمْ﴾، و ﴿عَدَدَ﴾ بـ ﴿كَمْ﴾. * * *. (١١٣) - ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾. ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ استقصَروا مدَّة لبثهم فيها بالنِّسبة إلى خلودهم في النَّار، أو لأنَّها كانَتْ أيَّام سرورهم، وأيَّامُ السُّرور قِصارٌ، أو لأنَّها منقضيةٌ، والمنقضي في حكم المعدوم الذي يستحقُّ أنْ يُعبَّرُ عنه بالقِلَّةِ. ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾: الذين يتمكَّنون مِن عدِّ أيامها (١) إنْ أردْتَ تحقيقَها، فإنَّا لِمَا نحن فيه من العذاب مشغولون عن تذكُّرها وإحصائها، أو: الملائكةَ الذين يَعدُّون أعمارَ النَّاس ويُحصون أعمالهم. وقرئ: (المعادِيْنَ) بالتَّخفيف (٢)؛ أي: الظَّلمةَ، فإنَّهم يقولون كما نقول. وقرئ: (المعادِيِّين) (٣)؛ أي: القدماء (٤) المعمَّرين فإنهم يستقصرونها، فكيف بمن دونهم؟! ﴿قَالَ﴾ وقرئ: (قل) (٥). * * *

стр. 3171

(١١٤) - ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: ما لبثتم إلَّا زمنًا (١) قليلًا، أو لبثًا قليلًا. ﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ صدَّقَهم اللهُ في مقالهم لِسِني لبثِهم في الدُّنيا، ووبَّخهم على غفلتهم التي كانوا عليها. * * * (١١٥) - ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾. ﴿أَفَحَسِبْتُمْ﴾ توبيخٌ آخر على تغافلهم، وتجهيلٌ معَ إنكارٍ. ﴿أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ حال؛ أي: عابثين، أو مفعول له؛ أي: ما خلقناكم للعبث، وإنَّما خلقناكم لنتعبَّدكم ونجازيكم على أعمالكم، وهو كالدَّليل على البعث. ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ عطفٌ على ﴿أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ﴾، ويجوز أن يكون معطوفًا على ﴿عَبَثًا﴾؛ أي: للعبث ولترككم غيرَ مرجوعين. وقرئ: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ بفتح التَّاء (٢). * * * (١١٦) - ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾. ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾ مِن أنْ يخلقَ عبثًا، تعليلٌ لِمَا تقدَّم. ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾: الذي يحقُّ له الملك؛ لأنَّ كلَّ شيء منه وإليه، أو: الثَّابتُ

стр. 3172

الذي لا يزول، ولا يزولُ (١) ملكُه، ومَن عداه مملوكٌ له (٢) بالذَّات، مالكٌ بالعَرَض زائلُ الملك. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فإنَ ما عدَاه عبيد. ﴿رَبُّ الْعَرْشِ﴾ الذي يحيط بالأجرام. ﴿الْكَرِيمِ﴾ بالجرِّ على أنَّه (٣) صفة العرش، وإنَّما وصفه بالكرم لأنَّ الرَّحمةَ والخير والبركة الإلهيَّة تنزل منه، ويجوز أن يكون توصيفُه بالكرم لنسبته إلى أكرم الأكرمين مجازًا، كما يُقال: بيتٌ كريمٌ: إذا كان ساكِنوه كرامًا. وقرئ بالرَّفع (٤) على أنَّه صفة لـ ﴿رَبُّ﴾. * * * (١١٧) - ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ يعبدُه إفرادًا أو إشراكًا (٥). ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ صفةٌ أخرى لـ (إله)؛ أي: لا حجَّة له عليه؛ لأنَّ البرهان عقليٌّ أو نقليٌّ، وليس في واحدٍ منهما ما يجوز أنْ يكون معه إلهٌ آخر، وهذا

стр. 3173

وإنْ كان مذكورًا في موضع الصِّفة فليس للتَّمييز؛ لأنَّ الباطلَ بمعزلٍ عن أنْ يكون له دليل ضعيفٌ، فضلًا عن برهانٍ، وإنَّما جيءَ بها للتَّأكيد، ولبناء الحكم بالوعيد عليه؛ تنبيهًا على أنَّ التَّديُّن بما لا دليل عليه ممنوعٌ، فضلًا عمَّا دلَّ الدَّليل على خلافِه. أو اعتراضٌ (١) بين الشَّرط والجزاء لبيان الملازمة، كقولك: مَن أحسنَ إلى زيدٍ لا أحقَّ بالإحسان منه، فاللهُ مُثيبُهُ (٢). قوله: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ كنايةٌ عمَّا ذُكِرَ؛ أي: فهو مُجازٍ له بما يستحقُّه. ﴿إِنَّهُ﴾ أي: إنَّ الشَّأنَ. وقرئ بالفتح (٣)؛ أي: لأنَّه، أو على أنه خبر؛ أي: حسابُه ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، من باب وضع الظَّاهر موضِعَ المُضْمَر؛ إذ أصله: حسابُه أنَّه لا يُفْلِحُ هو؛ لأنَّ (مَن يَدْعُ) في معنى الجمع، فمعنى حسابه أنَّه لا يفلح: حسابهم أنَّهم لا يفلحون، فغيّر تفظيعًا لشأنهم، وتفضيحًا لصورة حالهم، وإيماءً إلى عدم الفلاح لكفرهم. وصيغة الجمع للتَّنبيه على أنَّه لا يُغني اجتماعهم (٤)، وإلَّا فالظَّاهر أنْ يُؤتَى بصيغة الإفراد؛ لأنَّ الفلاحَ منتفٍ عن جنسهم. وزاوَجَ (٥) بين فاتحة السُّورة وخاتمتها بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ في الفاتحة، و ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ في الخاتمة.

стр. 3174

ثمَّ علَّمنا سؤال المغفرة والرَّحمة بقوله: (١١٨) - ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾. ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾؛ لأنَّ رحمَته إذا أدركَتْ أحدًا أغنَتْه عن رحمةِ غيره، ورحمة غيره لا تغنيه عن رحمته (١). * * *

стр. 3175

سُورَةُ النُّورِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) - ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. ﴿سُورَةٌ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أو مبتدأٌ لأنها مخصَّصةٌ بالتنكير الدالِّ على التعظيم كقولهم: شرٌّ أهرَّ ذا نابٍ (١). ﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾ صفةٌ أو خبرٌ، ومَن نصبَها (٢) جعلها مفسِّرة لناصبها، فلا يكون لها محلٌّ إلَّا إذا قدِّر: اتلُ، ونحوُه، ولا يجوز تقدير ذلك؛ لأن أداة الإغراء لا تُحذَف. ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾؛ أي: فرضنا ما فيها من الأحكام. وقرئ بالتشديد (٣) للتكثير أو للمبالغة. ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: دلائلَ واضحاتٍ ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ لكي تتَّعظوا. * * *

стр. 3176

(٢) - ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿الزَّانِيَةُ﴾؛ أي: المرأةُ التي مَكَّنت في الزنى - فالمُكرَهة خارجةٌ عن حدِّها - قدِّمت هنا لأصالتها في الزنى، أي: حرمة الوطء التي بها يتحقَّق الزنى منشؤها خلوُّ المحلِّ عن الملكية وشبهتها (١)، كما قدِّم الزاني في الحكم الآتي ذكرُه لأصالته فيه. ﴿وَالزَّانِي﴾ رُفعا بالابتداء، والخبر: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ والفاء لتضمُّنها معنى الشرط؛ لأن اللام بمعنى (الذي). وقرئ بالنصب (٢) على إضمار فعلٍ يفسِّره الظاهر. والجَلْد: ضَرْب الجِلْد، وفيه إشارة إلى أنه لا يبالغ ليصل الأثر (٣) إلى اللَّحم. والخطابُ لجماعة المسلمين، إلَّا أنه لمَّا لم يُمْكِنهم الاجتماع، فينوب الإمامُ منابهم، وعموم الآية يتناول المُحصَن وغيرَ المُحصَن، ثم خُصَّ منه المُحصَن بحديث الرَّجْم. وشرائطُ إحصانِ الرجم: العقل، والبلوغ، والإسلام، والحرية، والدخول بنكاحٍ صحيحٍ وهما على صفة الإحصان.

стр. 3177

ورَجْمه ﵊ يهوديَّين قد زَنَيا (١)، كان بحكم التوراة ثم نُسخَ، يؤيِّده قوله ﵊: "مَن أشرك باللّه فليس بمُحصَن" (٢). والتغريبُ المرويُّ منسوخٌ بهذه الآية كالحبس والأذى في قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥] وقوله: ﴿فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦] لأن الفاء إنما تَدخل على الجزاء وهو اسمٌ للمكافئ (٣). ﴿تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ الرأفة: رقَّة الرحمة، وأخذُها كناية عن تأثيرها في النفس بحيث يظهر أَثَرُها في العمل، فمرجع النهي إلى المسامحة في إقامة الحدِّ كما ينبغي. ﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾: في طاعته، أو: في حكمه، وإنما قال: ﴿بِهِمَا﴾ ليُعلم حُكم الرأفة بأحدهما بطريق الدلالة. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فإن الإيمان يوجب الائتمارَ بأمر اللّه تعالى، وهذا من باب التهييج وإلهابِ الغضب لله ولدينه، وجواب الشرط مُضمَر؛ أي: فأقيموا الحدَّ ولا تساهلوا (٤) فيه. ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا﴾: ولْيَحضُر موضعَ حدِّهما، وتسميتُه عذابًا دليل على أنه عقوبةٌ.

стр. 3178

﴿طَائِفَةٌ﴾: فِرقة يمكن أن تكون حلقة (١)، وهي صفةٌ غالبة، كأنها الجماعة الحافَّة (٢) حول الشيء. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ليعتبروا وينزجروا فإن التفضيح قد يُنكِّل أكثر ممَّا يُنكِّل التعذيب. * * * (٣) - ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾؛ أي: لا يَميل إلَّا إلى نكاحِ واحدةٍ منهما. ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾؛ أي: لا تُمكَّن إلَّا إلى نكاح واحدٍ منهما، ومرجعُه إلى نفي ميلها عن نكاحِ غيرهما، فالقرينتان على سَنَن واحد، وإنَّما عدل في الثانية عن الصريح إلى الكناية؛ كراهةَ إسنادِ النكاح إليها. ووجهُ ما ذكر: أن المشاكَلة (٣) علَّةُ الأُلفة والتضامِّ، والمخالفةَ سببٌ للنُّفرة والافتراق، وهو نظيرُ قوله: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ الآية [النور: ٢٦]، فالآية تزهيدٌ في نكاح البغايا، إذ جعل الزنى فيها عديلَ الشرك في القُبْح.

стр. 3179

﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ لِمَا فيه من التشبُّه (١) بالفُسَّاق، وحضورِ مواضع التُّهَمة، والتسبُّبِ بسوءِ (٢) المقالة، والغِيبة، والطعن في النَّسَب، ومجالسةُ الزواني كم فيها من التعرُّض لاقتراف المفاسد والآثام، فكيف بمزاوجتهنَّ، ولذلك عبّر عن التنزيه بالتحريم مبالغة. وقيل: النفي بمعنى النهي، وقد قُرئ به (٣)، والحرمة على ظاهرها، والحكم مخصوص بالسبب الذي ورد فيه، أو منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فإنه يتناول المسافِحاتِ، ويؤيِّده أنه ﵊ سُئلَ عن ذلك فقال: "أوَّله سفاحٌ، وآخره نكاحٌ، والحرامُ لا يُحرِّم الحلالَ" (٤). * * * (٤) - ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾؛ أي: يقذفون الحرائرَ العفائفَ المسلماتِ المكلَّفاتِ بالزنى؛ لوصف المقذوفات بالإحصان، وإنَّما عدل عن القذف إلى الرمي؛ لأنَّ القذفَ: الرميُ البعيد المستلزِمُ لصلابة المَرْميِّ، والقيدان المذكوران اعتبارُهما لا يناسب المقام.

стр. 3180

وذكرُهنَّ عقيب الزواني، واشتراطُ أربعة شهداء بقوله: ﴿ثُمَّ﴾ كلمةِ التراخي، دلَّ على أنه لا يجب عليه الإتيانُ بالشهود على الفور. ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ يشهدون على زنى المقذوفة؛ لأن القذفَ بغير الزنى يكفي فيه الشاهدان، ولإيجاب الحدِّ بقوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ لأن القذف بغير الزنى لا يوجب الحدَّ، بل يوجب التعزيرَ كقذف غير المحصن بالزنى. ونُصب ﴿ثَمَانِينَ﴾ نَصْبَ المصادر، كنَصْبِ ﴿مِائَةَ﴾، ونصب ﴿جَلْدَةٍ﴾ على التمييز. ولا فرقَ فيه بين المذكَّر والمؤنَّث، وتخصيصُ المحصنات لخصوص الواقعة، أو لأن قذفهنَّ كان أغلبَ (١)، هذا ما قالوا. وأنا أقول: أُريدَ الأنفسُ المحصنات، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فلا تخصيص. ولا يشترط اجتماعُ الشهود عند الأداء، ولا شهادةُ زوج المقذوفة، ولكن يُشترط طلب المقذوف؛ لأن فيه حقَّه من حيث دفعُ العارِ، ولا خلاف فيه لأبي حنيفة. وضربُه أخفُّ من ضرب الزنى، قيل: لضعف سببه واحتماله الصدقَ، ولذلك نقص عددُه، وَيرِدُ عليه النقض بضَرْب التعزير، كما إذا كان المقذوف غيرَ محصَن، فإنه أشدُّ من ضرب الزنى مع قيام العلَّة المذكورة فيه.

стр. 3181

﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً﴾ نكَّر ﴿شَهَادَةً﴾ في موضع النفي فتعمُّ كلَّ شهادةٍ، وردُّ شهادته ليس لأنَّه مفترٍ (١)، وإلَّا لَمَا تخلَّف عنه في قذف غيرِ المحصَن، بل لأنَّه من تمام الحدِّ فيتعلَّق باستيفاء الحدِّ أو بعضه، خلافًا للشافعي فيهما (٢). لا يقال: حاله قبل الحدِّ أسوءُ ممَّا بعده؛ لأنَّه إن أريد أنه كذلك عند الناس فممنوع، وإن أريد أنه كذلك عند الله تعالى فلا يُجدي؛ لأن المعتبرَ في هذا الباب ما عند الناس، حتى قيل: تعتبر شهادة الفاسق الوجيه. وأصل الكلام: ولا تَقبلوا شهادتهم، وإنَّما غيِّر النظم بزيادة اللام لا لفائدة التنكير؛ لأنَّها تحصل بالتعريف الاستغراقي على وجهٍ أقوى، بل لإظهارِ وجه كون الرَّدّ المذكور من الحدِّ بإشعار أن في قبول الشهادة نفعًا للشاهد؛ لأنَّه يتضمَّن الإكرام، وضدُّه ويتضمَّن الإهانة. ﴿أَبَدًا﴾؛ أي: إلى آخرِ أوقاتِ أهليَّتهم للشهادة لا إلى آخرِ عمره، ولذلك تُقبَل شهادة الكافر المحدود في قذفٍ بعد إسلامه؛ لحدوث أهليةٍ أخرى للشهادة بالإسلام، ولا خلاف للشافعي هنا، وإنَّما خلافه في انصراف الاستثناء الآتي ذكرُه. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ كلامٌ مستأنَف غيرُ داخلٍ في حيِّز جزاء الشرط؛ لأنَّه حكاية حالِ الرامين عند الشرع الحاكم بالظاهر، لا عند اللّهِ العالِم بالسرائر بعد انقضاء الجملة الشرطية (٣)، وقولُه:

стр. 3182

(٥) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾؛ أي: القذفِ ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ أحوالهم بالاستسلام للحدِّ أو الاستحلال عند (١) المقذوف، استثناءٌ من الفاسقين، ويدلُّ عليه تعليل الاستثناء بقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: يغفر ذنوبهم ويرحمهم، والشافعيُّ جعل جزاء الشرط الجملتين أيضًا، وجعل الاستثناء متعلِّقًا بالجملة الثانية، وحقُّ المستثنى عنده أن يكون مجرورًا بدلًا من (هم) في (لهم)، وحقُّه عندنا أن يكون منصوبًا لأنَّه عن مُوجَبٍ تامٍّ. * * * (٦) - ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ هذا بيان حكمِ قذف الزوجات بالزنى ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ يَشهدون لهم به ﴿إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ بدلٌ من ﴿شُهَدَاءُ﴾ أو صفةٌ لهم على أن (إلَّا) بمعنى (غير). ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ﴾ قرئ بالرفع على أنه خبر، والمبتدأ ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ وبالنصب (٢)؛ لأنَّه في حكم المصدر بالإضافة إلى المصدر، وهو: ﴿شَهَادَاتٍ﴾ والعامل فيه المصدر الذي هو ﴿فَشَهَادَةُ﴾، وعلى هذا خبرُه محذوفٌ تقديره: فواجبٌ شهادةُ أحدِهم أربعُ شهادات.

стр. 3183

﴿بِاللَّهِ﴾ متعلِّق بـ ﴿شَهَادَاتٍ﴾ لقُربها، وقيل: بـ (شهادةُ) لتقدُّمها. ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾؛ أي: فيما رماها به من الزنى، وأصله: على أنه، فحذف الجارُّ وكُسرت (إنَّ)، وعلِّق العامل عنه باللام تأكيدًا. * * * (٧) - ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. ﴿وَالْخَامِسَةُ﴾: والشهادة الخامسة ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ في الرمي. * * * (٨) - ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾: ويدفع عنها الحبسَ والحد (١) ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ﴾؛ أي: الرامي ﴿لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ في الرمي. * * * (٩) - ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فيه، قرئ: ﴿وَالْخَامِسَةَ﴾ بالنصب عطفًا على أربع، وبالرفع على الابتداء، وما بعدها الخبر (٢). وخصَّ الغضبُ في جانبها لأن النساء يَستعملنَ اللعنَ كثيرًا، كما ورد به الحديث (٣)، فربَّما يجترئن على الإقدام لكثرة جري اللعنِ على ألسنتهنَّ

стр. 3184

وسقوطِ دفعه عن قلوبهنَّ، فذُكر الغضب في جانبهنَّ ليكون رادعًا لهنَّ. وإذا الْتَعَنَا كما بُيِّن في النصوص لا تقع الفُرقة حتى يفرَّق بينهما. وعند زُفَرَ والشافعيِّ يقع بتلاعنهما الفُرقة، وتكون الفُرقة تطليقة بائنة عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف وزُفر والشافعي تحريم مؤبَّد. وأمَّا أنَّ حُكمَ لعانِ الزوج سقوطُ (١) حدِّ القذف عنه وثبوتُ حدِّ الزنى عليها، فالنَّصُّ ساكتٌ عنه. * * * (١٠) - ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾. ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ تُرك جواب (لولا)، وهو أبلغ لأن النفس تَذهَب في تقدير جوابِه كلَّ مذهب (٢)، ولقد أحسن مَن قال: رُبَّ سكوتٍ أبلغُ من النُّطق. * * * (١١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ هو أبلغُ ما يكون من الكذب والافتراء، وأصله من الأفك وهو الصَّرْف؛ لأنَّه قولٌ منصرِفٌ (٣) .....................................

стр. 3185

عن وجهه، والمراد: ما أُفكَ به على أمِّ المؤمنين عائشة ﵂، وقصَّتُه معروفة (١). ﴿عُصْبَةٌ﴾: جماعةٌ، قيل: من العشَرة إلى الأربعين، ويردُّه ما في مصحف حفصة ﵂: (عُصْبةٌ أربعةٌ) (٢). يقال: تعصَّب القومُ، إذا اجتمعوا على هيئةٍ فشدَّ بعضهم بعضًا، ومنه: العُصْبة؛ لأنَّه يَجمعهم التعصُّب، ففي عبارة العُصْبة هنا حُسْنُ موقعٍ، ورجحانُها على عبارة الجماعة من جهة الدلالة على الكَمِّ والكيف، فهم: عبد اللّه بن أُبيٍّ رَأسُ المنافقين ورأس المتعصِّبين، وحسان بنُ ثابت، ومِسْطَح بن أثاثة، وحَمْنَة بنت جَحْش، ومَن ساعدهم (٣). ﴿مِنْكُمْ﴾: من المعدودين من أهل ملَّتكم، وهم ظنُّوا أنَّ الإفك وقع من الكفار، وفيه إظهارٌ لوجهِ غرابة ذلك الإفك، وخبر ﴿إِنَّ﴾: ﴿عُصْبَةٌ﴾، وقوله: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾ مستأنَف، والخطاب للرسول ﵊ وأبي بكر وعائشة وصفوان ومَن ساءه ذلك (٤) .....................................

стр. 3186

﵃ من المؤمنين والمؤمنات، والهاءُ لـ (الإفك). ﴿شَرًّا لَكُمْ﴾ الشَّرُّ: ما زاد ضرُّه على نفعه، والخير ضدُّه. ﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لاكتسابكم به الثوابَ العظيم، وظهورِ كرامتكم على اللّه تعالى بإنزال ثماني عشرةَ آيةً في براءتكم، وتعظيمِ شأنكم، وتهويلِ الوعيد لمن تكلَّم فيكم، والثناءِ على مَن ظنَّ بكم خيرًا. ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾؛ أي: لكلِّ امرئٍ من العُصْبة جزاءُ إثمه على مقدار خوضه فيه مختصًّا به، وكان بعضهم ضَحِكَ، وبعضهم تكلَّم فيه، وبعضهم سَكَتَ، وليس في عبارة ﴿امْرِئٍ﴾ إخراج حَمنَةَ بنتِ جَحْش عن هذا الحكم، بل ترك ذكرها إحالةً بمعرفة حالها على الدلالة؛ تنزيلًا لشأنها وتحقيرًا لها. ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾: مُعظَمَه (١)، وقرئ بالضَّمِّ (٢)، وهو لغةٌ فيه، أي: قَرُبَ من آخرِ عمره ولم يَبعد عن المعاصي خصوصًا عن مثل هذه المعصية. ﴿مِنْهُمْ﴾: من الخائضين في الإفك، وهو (٣) ابنُ أُبَيٍّ فإنه بَدَأ به وأذاعه؛ عداوةً لرسول الله ﷺ . ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ في الآخرة. روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: لمَّا نزل عُذري قام النبيُّ ﵊ فذكر ذلك وتلا القرآن، فلمَّا نزل من المنبر أَمَر بالرجلين والمرأة فضُربوا حدَّهم (٤).

стр. 3187

وهم: حسان بن ثابت ومِسْطَح بن أثاثة وحَمْنَة بنت جَحْش. قال علماؤنا: وإنَّما لم يُحدَّ عبدُ اللّه بنُ أُبيٍّ لأن اللّه تعالى قد أعدَّ له في الآخرة عذابًا عظيمًا، فلو حُدَّ في الدنيا لكان ذلك كفارةً له فيتخلَّص من عذابه الأخروي، وإنما حُدَّ هؤلاء المسلمون ليكفَّر عنهم إثمُ ما صدر عنهم من القذف، حتى لا يبقى عليهم تَبِعةٌ ذلك في الآخرة، وقد قال ﵊ في الحدود: "إنَّها كفَّارة لمن أُقيمت عليه" (١). ففي قوله تعالى: ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ إشارة إلى عدم وجوب الحدِّ على ابن أُبَيٍّ، ولذلك لم يحدَّه النبيُّ ﵊ (٢). * * * (١٢) - ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾. ثم وبَّخ الخائضين فيه فقال: ﴿لَوْلَا﴾: هلَّا ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾؛ أي: الإفكَ ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ﴾: بالذين منهم، فالمؤمنون كنفسٍ واحدةٍ، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١]. ﴿خَيْرًا﴾: عفافًا وصلاحًا، وإنَّما عدل عن الخطاب إلى الغَيبة وعن الضمير إلى الظاهر، ولم يقل: ظننتم بأنفسِكم؛ ليبالغ في التوبيخ بطريقة الالتفات، وليدلَّ التصريحُ بلفظ الإيمان على أن الاشتراك فيه يقتضي أن لا يُصدِّق مؤمنٌ

стр. 3188

على أخيه، ولا مؤمنةٌ على أختها، قولَ عائبٍ (١) ولا طاعنٍ، و [هذا] (٢) من الأدب الحَسَن قَلَّ القائمُ به. وإنما جاز الفَضل بين (لولا) وفعلِه بالظرف؛ لأنَّه منزَّل منزلته من حيث إنَّه لا ينفكُّ عنه، ولذلك يُتَّسع فيه ما لا يُتَّسع في غيره، وذلك للاهتمام بالظرف والإيذانِ بأن لا يخلو في أوَّل وقتِ السماع بالإتيانِ بالمحضَّض (٣) عليه. ﴿وَقَالُوا﴾ كما يقول المستيقنُ المُطَّلع على حقيقة الحال، قُرن بالظنِّ التصريحُ بالقول؛ ليفيد أنَّ اللائقَ بالمؤمن أن يَبنيَ قولَه على ظنِّ الخيرِ في أوَّل وقت السماع. ﴿هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾: كذبٌ ظاهرٌ. * * * (١٣) - ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾. ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ هلَّا جاؤوا على القذف لو كانوا صادقين بأربعة شهداء. ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ﴾ الأربعة ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: في حكمه وشريعته، وفي عبارة ﴿عِنْدَ﴾ تعظيمٌ لِمَا في أحكام الشرع من العمل بالظاهر.

стр. 3189

﴿هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ من جملة المقول، تقريرٌ لكونه كذبًا، فإنَّ ما لا حجَّة عليه مكذَّب (١) في حُكم الشرع، ولذلك رتّب الحدّ عليه. * * * (١٤) - ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (لولا) هذه لامتناع وجود الشيء لوجود غيره؛ أي: ولولا أنِّي قضيتُ أن أتفضَّل عليكم في الدنيا بضروب النِّعَم التي من جملتها الإمهال للعقوبة، وأن أترحَّم عليكم في الآخرة بالعفو والمغفرة بسبب توبتكم واستسلامكم للحدَّ ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ عاجلًا ﴿فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾: بسبب ما خضتم فيه، يقال: أفاضَ في الحديثِ وخاضَ واندَفَعَ. ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ يُستَحْقَر دونه اللومُ والحدُّ. * * * (١٥) - ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾. ﴿إِذْ﴾ ظرف لـ (مسكم) أو لـ ﴿أَفَضْتُمْ﴾. ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾ التَّلقِّي كالتلقُّن والتلقُّفِ، إلَّا أن في التلقِّي معنى الاستقبال، وفي التلقُّن الحَذْق في التناول، وفي التلقُّف الاحتيال في التناول، ذكره الراغب (٢)، ولا اختصاص له بالكلام فلذلك قال:

стр. 3190

﴿بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾؛ أي: أنَّ بعضَكم كان يقول لبعض: هل بَلَغك حديثُ عائشة! حتى شاعَ فيما بينهم وانتشر، فلم يبقَ بيتٌ ولا نادٍ إلا طاَرَ فيه. ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ إنَّما قيَّد بالأفواه مع أنَّ القولَ لا يكون إلا بالفم؛ لأن المراد بيان أَنَّهم يقولون كلامًا لا يساعده القلبُ بأدنى درجات العلم، فالتنكير في قوله: ﴿مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ للتقليل. ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ سهلًا لا تَبعةَ له، فهذه ثلاثةُ آثام مترتِّبة علِّق بها مسُّ العذاب العظيم: تلقِّي الإفك بألسنتهم، والتحدُّثُ به من غير علمٍ، واستصغارهم بذلك. ﴿وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ في الوِزْر. ثم أخذ في توبيخهم على التكلُّم به، وكان الواجب عليهم إذ سمعوه أن لا يتفوَّهوا به فقال: (١٦) - ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾. ﴿وَلَوْلَا﴾: وهلَّا ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا﴾ ما ينبغي وما يصحُّ لنا ﴿أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ قد تقدَّم فائدةُ تقديم الظرف، ووجه الفَصْل به بين (لولا) و ﴿قُلْتُمْ﴾. ﴿سُبْحَانَكَ﴾ للتعجُّب من عِظَم الأمر، ومعنى التعجُّب في كلمة التسبيح: أنَّ الأصل أنَّ يُسبَّح اللّهُ عند رؤية العَجَب من صنائعه (١)، ثم كثُر حتى استُعمل في كلِّ مُتعجَّب منه، أو لتنزيه اللّه تعالى من أن تكون حرمةُ نبيِّه ﵇ فاجرةً، فإن فجورها ينفِّر عنه ويخلُّ بمقصود الزواج، بخلاف كفرها، فيكون تقريرًا لِمَا تقدَّم وتمهيدًا لِمَا تأخَّر.
следующие страницы →