← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

﵃ من المؤمنين والمؤمنات، والهاءُ لـ (الإفك). ﴿شَرًّا لَكُمْ﴾ الشَّرُّ: ما زاد ضرُّه على نفعه، والخير ضدُّه. ﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لاكتسابكم به الثوابَ العظيم، وظهورِ كرامتكم على اللّه تعالى بإنزال ثماني عشرةَ آيةً في براءتكم، وتعظيمِ شأنكم، وتهويلِ الوعيد لمن تكلَّم فيكم، والثناءِ على مَن ظنَّ بكم خيرًا. ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾؛ أي: لكلِّ امرئٍ من العُصْبة جزاءُ إثمه على مقدار خوضه فيه مختصًّا به، وكان بعضهم ضَحِكَ، وبعضهم تكلَّم فيه، وبعضهم سَكَتَ، وليس في عبارة ﴿امْرِئٍ﴾ إخراج حَمنَةَ بنتِ جَحْش عن هذا الحكم، بل ترك ذكرها إحالةً بمعرفة حالها على الدلالة؛ تنزيلًا لشأنها وتحقيرًا لها. ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾: مُعظَمَه (١)، وقرئ بالضَّمِّ (٢)، وهو لغةٌ فيه، أي: قَرُبَ من آخرِ عمره ولم يَبعد عن المعاصي خصوصًا عن مثل هذه المعصية. ﴿مِنْهُمْ﴾: من الخائضين في الإفك، وهو (٣) ابنُ أُبَيٍّ فإنه بَدَأ به وأذاعه؛ عداوةً لرسول الله ﷺ . ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ في الآخرة. روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: لمَّا نزل عُذري قام النبيُّ ﵊ فذكر ذلك وتلا القرآن، فلمَّا نزل من المنبر أَمَر بالرجلين والمرأة فضُربوا حدَّهم (٤).

стр. 3187

وهم: حسان بن ثابت ومِسْطَح بن أثاثة وحَمْنَة بنت جَحْش. قال علماؤنا: وإنَّما لم يُحدَّ عبدُ اللّه بنُ أُبيٍّ لأن اللّه تعالى قد أعدَّ له في الآخرة عذابًا عظيمًا، فلو حُدَّ في الدنيا لكان ذلك كفارةً له فيتخلَّص من عذابه الأخروي، وإنما حُدَّ هؤلاء المسلمون ليكفَّر عنهم إثمُ ما صدر عنهم من القذف، حتى لا يبقى عليهم تَبِعةٌ ذلك في الآخرة، وقد قال ﵊ في الحدود: "إنَّها كفَّارة لمن أُقيمت عليه" (١). ففي قوله تعالى: ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ إشارة إلى عدم وجوب الحدِّ على ابن أُبَيٍّ، ولذلك لم يحدَّه النبيُّ ﵊ (٢). * * * (١٢) - ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾. ثم وبَّخ الخائضين فيه فقال: ﴿لَوْلَا﴾: هلَّا ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾؛ أي: الإفكَ ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ﴾: بالذين منهم، فالمؤمنون كنفسٍ واحدةٍ، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١]. ﴿خَيْرًا﴾: عفافًا وصلاحًا، وإنَّما عدل عن الخطاب إلى الغَيبة وعن الضمير إلى الظاهر، ولم يقل: ظننتم بأنفسِكم؛ ليبالغ في التوبيخ بطريقة الالتفات، وليدلَّ التصريحُ بلفظ الإيمان على أن الاشتراك فيه يقتضي أن لا يُصدِّق مؤمنٌ

стр. 3188

على أخيه، ولا مؤمنةٌ على أختها، قولَ عائبٍ (١) ولا طاعنٍ، و [هذا] (٢) من الأدب الحَسَن قَلَّ القائمُ به. وإنما جاز الفَضل بين (لولا) وفعلِه بالظرف؛ لأنَّه منزَّل منزلته من حيث إنَّه لا ينفكُّ عنه، ولذلك يُتَّسع فيه ما لا يُتَّسع في غيره، وذلك للاهتمام بالظرف والإيذانِ بأن لا يخلو في أوَّل وقتِ السماع بالإتيانِ بالمحضَّض (٣) عليه. ﴿وَقَالُوا﴾ كما يقول المستيقنُ المُطَّلع على حقيقة الحال، قُرن بالظنِّ التصريحُ بالقول؛ ليفيد أنَّ اللائقَ بالمؤمن أن يَبنيَ قولَه على ظنِّ الخيرِ في أوَّل وقت السماع. ﴿هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾: كذبٌ ظاهرٌ. * * * (١٣) - ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾. ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ هلَّا جاؤوا على القذف لو كانوا صادقين بأربعة شهداء. ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ﴾ الأربعة ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: في حكمه وشريعته، وفي عبارة ﴿عِنْدَ﴾ تعظيمٌ لِمَا في أحكام الشرع من العمل بالظاهر.

стр. 3189

﴿هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ من جملة المقول، تقريرٌ لكونه كذبًا، فإنَّ ما لا حجَّة عليه مكذَّب (١) في حُكم الشرع، ولذلك رتّب الحدّ عليه. * * * (١٤) - ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (لولا) هذه لامتناع وجود الشيء لوجود غيره؛ أي: ولولا أنِّي قضيتُ أن أتفضَّل عليكم في الدنيا بضروب النِّعَم التي من جملتها الإمهال للعقوبة، وأن أترحَّم عليكم في الآخرة بالعفو والمغفرة بسبب توبتكم واستسلامكم للحدَّ ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ عاجلًا ﴿فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾: بسبب ما خضتم فيه، يقال: أفاضَ في الحديثِ وخاضَ واندَفَعَ. ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ يُستَحْقَر دونه اللومُ والحدُّ. * * * (١٥) - ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾. ﴿إِذْ﴾ ظرف لـ (مسكم) أو لـ ﴿أَفَضْتُمْ﴾. ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾ التَّلقِّي كالتلقُّن والتلقُّفِ، إلَّا أن في التلقِّي معنى الاستقبال، وفي التلقُّن الحَذْق في التناول، وفي التلقُّف الاحتيال في التناول، ذكره الراغب (٢)، ولا اختصاص له بالكلام فلذلك قال:

стр. 3190

﴿بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾؛ أي: أنَّ بعضَكم كان يقول لبعض: هل بَلَغك حديثُ عائشة! حتى شاعَ فيما بينهم وانتشر، فلم يبقَ بيتٌ ولا نادٍ إلا طاَرَ فيه. ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ إنَّما قيَّد بالأفواه مع أنَّ القولَ لا يكون إلا بالفم؛ لأن المراد بيان أَنَّهم يقولون كلامًا لا يساعده القلبُ بأدنى درجات العلم، فالتنكير في قوله: ﴿مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ للتقليل. ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ سهلًا لا تَبعةَ له، فهذه ثلاثةُ آثام مترتِّبة علِّق بها مسُّ العذاب العظيم: تلقِّي الإفك بألسنتهم، والتحدُّثُ به من غير علمٍ، واستصغارهم بذلك. ﴿وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ في الوِزْر. ثم أخذ في توبيخهم على التكلُّم به، وكان الواجب عليهم إذ سمعوه أن لا يتفوَّهوا به فقال: (١٦) - ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾. ﴿وَلَوْلَا﴾: وهلَّا ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا﴾ ما ينبغي وما يصحُّ لنا ﴿أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ قد تقدَّم فائدةُ تقديم الظرف، ووجه الفَصْل به بين (لولا) و ﴿قُلْتُمْ﴾. ﴿سُبْحَانَكَ﴾ للتعجُّب من عِظَم الأمر، ومعنى التعجُّب في كلمة التسبيح: أنَّ الأصل أنَّ يُسبَّح اللّهُ عند رؤية العَجَب من صنائعه (١)، ثم كثُر حتى استُعمل في كلِّ مُتعجَّب منه، أو لتنزيه اللّه تعالى من أن تكون حرمةُ نبيِّه ﵇ فاجرةً، فإن فجورها ينفِّر عنه ويخلُّ بمقصود الزواج، بخلاف كفرها، فيكون تقريرًا لِمَا تقدَّم وتمهيدًا لِمَا تأخَّر.

стр. 3191

﴿هَذَا﴾ الإشارة إلى القول المخصوص، ويجوز أن يكون إلى نوعِه؛ فإن قذفَ آحادْ الناس مُحرَّم شرعًا، فضلًا عن تعرُّض الصِّدِّيقة بنتِ الصِّدِّيق حرمةِ رسول الله ﷺ . ﴿بُهْتَانٌ﴾ زُورٌ يَبهتُ (١) مَن يَسمع ﴿عَظِيمٌ﴾. وفي بعض الأخبار: أنَّ أمَّ أبي أيوبَ قالت لأبي أيوبَ الأنصاريِّ ﵁: أمَا بَلَغك ما تقول الناسُ في عائشة ﵂؟! فقال أبو أيوبَ: سبحانك، هذا بهتان عظيم (٢). فنزلت الآية على وفق قوله. * * * (١٧) - ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: يُحذِّركم اللّهُ ﴿أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾: في أن تعودوا إلى مِثْلِ ما فعلتُم من القولِ به وسماعِه وتلقِّيهِ (٣). ﴿أَبَدًا﴾ ما دمتم أحياءً مكلَّفين. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فيه تهييجٌ لهم ليتَّعظوا، وتذكيرٌ بما يوجب تركَ العَود، وهو الإيمانُ الصادُّ عن كلِّ قبيح. * * * (١٨) - ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ الدالَّةَ على الشرائع ومحاسن الآداب كي تتَّعظوا وتتأدَّبوا.

стр. 3192

﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما يَأمر وَينهى ﴿حَكِيمٌ﴾ فيه. * * * (١٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ﴾: يُؤثِرون ﴿أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾: أن تنتشرَ الفاحشة؛ أي: ما قَبُحَ جدًّا، والمعنى: يحبُّون شيوعها ويُشيعونها؛ لأنَّ عذاب الدنيا لا يكون إلَّا بعد إشاعتها، وليس هذا من قَبيل الكناية ولا من قبيل المجاز المرسل؛ لأن كلًّا من معنى المحبَّة والإشاعةِ مقصودٌ، بل من قَبيل الاكتفاء عن ذِكْر الشيء بذكر ما يقتضيه (١)؛ تنبيهًا على القوَّة في المقتضي. ويجوز أن يكون المعنى: أتُشيعون الفاحشةَ محبِّين شيوعها، على التضمين. ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾: في حقِّ المؤمنين (٢)، وهم المقذوفون منهم، أو فيما بين المؤمنين. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا﴾ بالحدِّ ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ بالنار. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ بواطنَ الأمور وسرائرَ الصدور ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ فعاقِبوا في الدنيا على ما دلَّ عليه الظاهر، واللّهُ يعاقِبُ على السرائر من حبِّ الإشاعةُ وغيرِه إن لم يتوبوا عنها. * * * (٢٠) - ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.

стр. 3193

﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ لعجَّل لكم بالعذاب (١)، كرَّر المنَّة بترك المعاجلة بالعقاب مع حذف الجواب مبالغةً في تعظيم الجريمة والتوبيخ لهم. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ حيث أظهر براءةَ المقذوف وأثابَ ﴿رَحِيمٌ﴾ بغفرانه جنايةَ القاذف إذا تاب، وهذا لأن الرأفةَ رقَّةُ الرحمة، وهي تناسب حالَ المقذوف. * * * (٢١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا﴾ الاتِّباعُ: الاقتداءُ بالدَّاعي الذاهبِ في جهةٍ باقتفاء أَثَره في الذهاب في تلك الجهة، فالمتَّبَع في الحقيقة نفسُ الداعي لا أَثَرُه، وإنَّما أُضيف الاتِّباع هنا إلى الأثَر تنزيلًا له منزلةَ الداعي مبالغةً. ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ أريد بخُطُوات الشيطان تعدِّيه حدودَ اللّه تعالى بالوسوسة وتجاوزُه عنها. ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ حذف جزاؤه لظهوره، وأُقيم علَّته مقامَه. ﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ﴾ تعليل للجزاء المحذوف، والجملة الشرطية قائمةٌ مقام تعليل النهي. ﴿بِالْفَحْشَاءِ﴾: ما أفرط قُبْحُه ﴿وَالْمُنْكَر﴾: ما أنكره الشرعُ في الجملة، فهو تعميمٌ بعد التخصيص، وفائدته التنبيه بتقديم الخاصِّ على اختصاصه بزيادة الاعتناء في شأنه من جهة الأمر.

стр. 3194

﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ بتوفيقِ التوبة الماحية للذنوب، وشَرْعِ الحدود المكفِّرة لها ﴿مَا زَكَى﴾ ما طهر من دَنَسها ﴿مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ ما دام حيًّا مكلفًا. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ بحمله (١) على التوبة وقَبولها ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ بمقالاتهم ﴿عَلِيمٌ﴾ وبِنيَّاتهم. * * * (٢٢) - ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾: ولا يَحلِفْ، افتعالٌ من الأَليَّة، يُرشد إليه أنه قرئ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ (٢)، وأنَّه نزل في أبي بكرٍ ﵁ وقد حَلَف أن لا يُنفِق على مِسْطَح بَعْدُ، وكان ابنَ خالته وكان من فقراء المهاجرين (٣). ﴿أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ في الدِّين، وفيه دليل على فَضْل أبي بكر ﵁. ﴿وَالسَّعَةِ﴾ في المالِ. ﴿أَنْ يُؤْتُوا﴾ كراهة أن يؤتوا، وقرئ بالتاء على الالتفات (٤). ﴿أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ صفاتٌ لموصوفٍ واحد؛ أي: ناسًا جامعين لها؛ لأن الكلام فيمَن كان كذلك، أو لموصوفاتٍ أُقيمت مقامها، فيكون أبلغَ في تعليل المقصود.

стр. 3195

﴿وَلْيَعْفُوا﴾ ما فرَط منهم ﴿وَلْيَصْفَحُوا﴾ الصَّفْح: الإعراض، ولْيتجاوزوا عن الجفاء، ولْيُعرِضوا عن العقوبة. ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ هذا غايةُ تلطُّفٍ في الخطاب؛ أي: فإذا أحببتم مغفرة اللّه لكم فاغفروا لغيركم. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: فتأدَّبوا بأدب اللّه واعفوا وارحموا. ولمَّا نزل ﴿أَلَا تُحِبُّونَ﴾ قال أبو بكر ﵁: بلى يا ربِّ، ثم عاد بمِسْطَح (١) إلى ما كان وكفَّر يمينه (٢). * * * (٢٣) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾: العفائفَ ﴿الْغَافِلَاتِ﴾ ممَّا قُذفنَ به، كناية عن براءتهنَّ منه ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ بما يجب الإيمان به، استباحةً لعرضهنَّ وطعنًا في الرسول والمؤمنين كابنِ أُبَيٍّ. أُريدت عائشةُ ﵂ وحدها، وإنَّما جمع لأن مَن قَذَفَ واحدةً من نساء النبيِّ ﵊، فكأنَّه قد قذفهنَّ. وأعاد الكلام دفعًا لِمَا عسى أن يَسبق إلى الأوهام من قضية مِسْطَحٍ أنَّ سائر (٣) قذفَةِ عائشة مغفورون بالجَلْد والتوبة.

стр. 3196

﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ يتكلَّم المؤمنون في الدنيا بلعنهم والملائكةُ في الآخرة. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لعِظَم ذنوبهم، ودلَّ ذلك على معنى: يعذَّبون، وهو العامل في: ﴿يَوْمَ﴾ لا العذاب؛ لأنَّه موصوفٌ. * * * (٢٤) - ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ﴾ وقرئ بالياء (١)، للتقدُّم والفَصْل. ﴿أَلْسِنَتُهُمْ﴾ هذا في حقِّ القَذَفة، وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ الآية [يس: ٦٥] في حقِّ المشركين، فلا منافاة. ﴿وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يعترفونَ بها بإنطاق اللّه تعالى، على ما نطَق به قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] بغير اختيارهم على ما دلَّ عليه قولهم: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٢١] وفي ذلك مزيد تهويلِ العذاب. * * * (٢٥) - ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾. ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ﴾: جزاءَهم ﴿الْحَقَّ﴾ بالنصب، وصفًا لـ ﴿اللَّهَ﴾ على المدح، لقراءة مجاهد بالرفع (٢) وقراءةِ أَبَيٍّ: (يوفِّيهم اللّهُ الحقُّ دينَهُم) (٣)، والأصل في القراءات التوافق.

стр. 3197

﴿يَعْمَلُونَ﴾ عند ذلك ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ الثابتُ بذاته، الظاهرُ ألوهيتُه، لا يُشاركه في ذلك غيُره، لارتفاع الشكوك وحصولِ العلم الضروريِّ. ولم يغلِّظ اللّهُ تعالى في القرآن في شيءٍ من المعاصي تغليظَه في إفكِ عائشةَ ﵂، فأَوجز في ذلك وأَشبع، وفصَّل وأَجمل، وأكَّد وكرَّر، وما ذلك إلَّا الإِصْر (١). * * * (٢٦) - ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. ﴿الْخَبِيثَاتُ﴾ من القول والعمل ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ من الرجال، وعلى هذا بقيَّته. وقيل: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، وكذا بقيَّته. ﴿وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ وفيه تنزيهُ عائشة ﵂ لِمَا أنها زوجةُ الرسول ﷺ ، فهي طيِّبةٌ لزوجٍ طيِّبٍ، وامرأةُ المنافق القاذفِ خبيثة لزوجٍ خبيثٍ. ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾، أي: فيهم، و ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى الطيبين وأَنَّهم مبرَّؤون ممَّا يقول الخبيثون مِن خبيثات الكَلِم، وهو كلامٌ جارٍ مجرى المَثَل لعائشةَ ﵂ وما رُميَت من قولٍ لا يُطابِق حالها في النزاهة والطِّيب. ويجوز أن يكون ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارةً إلى أهل البيت، وأنَّهم مبرَّؤون ممَّا يقول أهلُ الإفك.

стр. 3198

﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ في المحشر، مستأنفٌ، أو خبرٌ بعد خبرٍ ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ في الجنة. * * * (٢٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ التي اختصَّ بكم سُكناها، سواءٌ سكنتُم فيها أو لم تسكنوا؛ أي: لا تدخلوا بيوتًا يَسكنها غيرُكم. وهذا يعمُّ مسكنَ الأمِّ فإنه لا يجوز أن يدخل عليها مغافصة (١)، روي أنَّ رجلًا قال للنبيِّ ﷺ : أَستأْذِنُ على أمِّي؟ قال: "نعم"، قال: لا خادمَ لها غيري، أستأذِنُ عليها كلَّما دخلت؟ قال: "أتحبُّ أن تراها عريانةً"؟ قال: لا، قال: "فاستَأذِن" (٢)، وهو تأديبٌ بما يرجع إلى التحرُّز عن الاطِّلاع على عورةِ الغير. ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ (٣)؛ أي: تَستَعْلِموا مَن في البيت بأيِّ وجهٍ أَمْكن (٤)، قال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦]؛ أي: عَلِمتم، وفي "سنن ابن ماجه" عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ قال: قلنا: يا رسول الله، هذا السلام فما الاستئناس؟ قال:

стр. 3199

"يتكلَّم الرجلُ بتسبيحةٍ وتكبيرةٍ وتحميدةٍ، وتَنحْنُحٍ، ويُؤذِن أهلَ البيتِ" (١). ﴿وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ بأن تقولوا: السلامُ عليكم، أَأَدخُل، وعنه ﵊: "التسليم أن يقول: السلامُ عليكم، أَأَدخُل"، ثلاث مرات، فإن أُذنَ له دَخَلَ، وإلَّا رجع (٢). وقيل: إنْ تلاقَيَا يُقدِّم التسليم، وإلَّا فالاستئذان. ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: الاستعلامُ والتسليم ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من تحيَّة الجاهليةِ والدُّمُور - وهو الدخول بغير إذنٍ - وكان الرجل من أهل الجاهلية إذا دخل بيتَ غيرِه يقول: حُيِّيتُم صباحًا، و: حُيِّيتُم مساءً، ثم يدخل، فربَّما أصاب الرجلَ مع امرأته في لحافٍ واحد. ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ متعلِّق بمحذوف؛ أي: أُنزل إليكم - أو: قيل لكم هذا - إرادةَ أن تَذكروا وتَعملوا بما هو أصلحُ لكم. * * * (٢٨) - ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.

стр. 3200

﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا﴾ يَأذنُ لكم، وإنما قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا﴾ دون: لم يكن؛ لمكان التفقُّد المأمور به في ضمن الأمر بالاستئناس. ﴿فَلَا تَدْخُلُوهَا﴾ يعني: إن كان لكم فيها حاجة. ﴿حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ لا لأن التصرُّف في ملك الغير بغير إذنه محظور؛ لأنَّه لا ينتظِم ما إذا كان الداخل مُعِيرًا (١)، بل لأن المانع عن الدُّمور ليس الاطِّلاعَ على العورات فقط، بل وعلى ما تُخفيه الناس عادةً. والمراد من الإذن: ما يعمُّ الإذن دلالةً كما إذا عَرَض حرقٌ أو غرقٌ أو نحوُ ذلك، وأمَّا الذي فيه مُنكَرٌ فلا يكون خاليًا، فلا يكون في معرض الاستثناء. ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ ولا تُلحُّوا ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾: الرجوع أطهرُ لكم عمَّا لا يخلو عنه الإلحاح من الكراهة. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ يَعلم ما تَأتون وما تَذرون ممَّا خوطبتم به، فيجازيكم عليه. * * * (٢٩) - ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾. ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾: في أن تدخلوا ﴿بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ كالخانات والرِّباطات والحوانيت ﴿فِيهَا مَتَاعٌ﴾: استمتاع ﴿لَكُمْ﴾ كالاستِكْنان من الحَرِّ والبرد، وإيواءِ الرحال والسِّلع، والجلوسِ للشِّرى والبيع، وذلك استثناء (٢) من الحكم السابق؛ لشموله البيوتَ المسكونة وغيرَها.

стр. 3201

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ وعيدٌ لمن دخل مَدخلًا لفسادٍ، أو يطَّلعَ على عورات. * * * (٣٠) - ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾. ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ لم يذكر ما يُغَضُّ البصرُ عنه ويُحفظ الفرج؛ لأن ذلك معلوم بالعادة، فإن مَن سمعه يَعلم أن المراد منه المحرَّمُ دون المحلَّلِ، فلا حاجة إلى الاستثناء، وليس كلُّ المحرَّم ممَّا يَجب غضُّ البصر عنه، بخلاف حفظ الفرج، فإن كلَّ ما يَحرُم يجب حفظه عنه، فلذلك أدخل (١) حرفُ التبعيض في الأول، وأطلق الثاني. ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ لما فيه من البُعد عن دَنَس الإثم. ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ من إجالة النظر واستعمالِ سائر الآلات وما يقصدون بها، فليكونوا على حَذَرٍ منه في كلِّ حركة وسكون. * * * (٣١) - ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

стр. 3202

﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ إنَّما قدّم غضّ الأبصار على حفظ الفروج؛ لأن النظرَ بريدُ الزنى ورائدُ الفجور، وبذرُ الهوى طموحُ العين. ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الزِّيْنة: ما تزيَّنت به المرأةُ من حُلِيٍّ أو كُحْلٍ أو خضابٍ، والمنهيُّ (١) إظهارُ مواضعِ الزينة، إذ إظهارُ عينِها (٢) مباحٌ، فالمراد بها مواضعها مجازًا، أو إظهارها وهي في مواضعها لا إظهار أعيانها. ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أي: بلا إظهار منهنَّ، كما إذا هبَّت الريحُ وكشفت عنها الستر، والاستثناء عن الحكم الثابت بطريق الإشارة، وهو الاستحقاق بالمؤاخَذة في دار الجزاء بسبب ظهورها، وقد مرَّ وجه هذا النوع من الاستثناء في تفسير قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]. وما ظهر بإظهارٍ منهنَّ ضرورةً - كالمعالجة وتحمُّل الشهادة ونحوِ ذلك - في حُكم ما ظهر بلا إظهارٍ منهنَّ، وأمَّا جريان المعادة والجِبِلَّةِ على ظهوره، فلا يَصلح وجهًا للاستثناء المذكور. ﴿وَلْيَضْرِبْنَ﴾: ولْيَضعنَ، من قولك: ضَربتُ بيدي على الحائط، إذا وضعتَها عليه. ﴿بِخُمُرِهِنَّ﴾: جمع خِمارٍ ﴿عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ كانت جيوبهنَّ واسعةً تَبدو منها صدورهنَّ وما حواليها، وكنَّ يَسدُلنَ الخُمُرَ من ورائهنَّ فتبنى مكشوفة، فأُمِرن أن يَسدُلْنها من قُدَّامهنَّ حتى يغطينها.

стр. 3203

﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ كرَّره لبيان مَن يحلُّ له الإبداء ومَن لا يحل له: ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾: لأزواجهنَّ. ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ ويدخل فيه الأجدادُ. ﴿أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ فقد صاروا محارمَ أيضًا. ﴿أَوْ أَبْنَائِهِنَّ﴾ ويدخل فيه النوافل. ﴿أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ فقد صاروا محارمَ أيضًا. ﴿أَو إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾ ويدخل فيهم النوافل وسائر المحارم كالأعمام والأخوال وغيرهم دلالةً. ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ أي: الحرائر المؤمنات، فإن مُطلَق هذا اللفظ للحرائر، والإضافة لإخراج الكافرات فإنهنَّ لا يتحرَّجن عن وصفهنَّ للرجال. ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يعمُّ الإماء والعبيد؛ لما روي عن النبيِّ ﷺ أنه (١) أتى فاطمةَ ﵂ بعبدٍ وَهَبهُ لها وعليها ثوبٌ إذا قنَّعت به رأسَها لم يَبلغ رجليها، وإذا غطَّت رجليها لم يَبلغ رأسَها، فقال ﵊: "إنه ليس عليك بأسٌ، إنما هو أبوك وغلامك" (٢). وقال سعيد بن المسيب: لا تغرنَّكم سورةُ النور، فإنَّها في الإماء دون الذكور (٣).

стр. 3204

وَيرِدُ عليه أنه حينئذٍ يَلزم أن يكون في المذكور إطنابٌ مخلٌّ، واللازم مُنتفٍ بلا شبهة. ﴿أَوِ التَّابِعِينَ﴾: الذين يَتْبَعون القومَ فيأكلون معهم ويرتفقون بهم. ﴿غَيْرِ﴾ بالنصب على الاستثناء أو الحال، وبالجرِّ على البدل أو على الوصفية (١). ﴿أُولِي الْإِرْبَةِ﴾: الحاجةِ إلى النساء، وهم الذين لا يَشتهون النساء، فلا يحتاجون إليهنَّ من هذه الجهة، وهذا ليس بواقعٍ على الخصيِّ والمجبوب والمخنَّث؛ لأنهم يُشتهَون وَيشتهُون النساء. ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ﴾ هو جنسٌ، فصلح أن يُراد به الجمع بدلالة الوصف. ﴿لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ لعدم تمييزهم؛ من الظهور بمعنى الاطِّلاع، أو: لعدم بلوغهم إلى حدِّ الشهوة؛ من الظهور بمعنى الغلبة. ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ﴾؛ أي: الأرضَ عند المشي ﴿لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ ليَتَقعقَع خَلْخالها فيُعلم أنها ذاتُ خَلْخال، وإنما نهى عنه لأن سماع هذه الزينة أشدُّ تحريكًا للشهوة من إبدائها، فلا دلالة فيه على أن إبداءَ الزينة نفسه مقصودٌ بالنهي فيما تقدَّم. ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إذ لا يكاد يخلو أحدٌ منكم من تفريط سيَّما في الكَفِّ عن الشهوات، وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ بيانُ أنه أَمَرهم بالتوبة لينتفعوا بذلك، لا أن يكون للحقِّ سبحانه بها تجمُّل.

стр. 3205

(٣٢) - ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ الأَيامى: جمع أَيِّم، وهو مَن لا زوجَ له، رجلًا كان أو امرأةً، بكرًا كان أو ثيِّبًا، وأصله: أيايم فقُلب. والخطاب للأولياء والسادة، والأمرُ للندب، لا يقال: في الآية دليل على أن تزويج النساء الأيامى إلى الأولياء، كما أن تزويج العبيد والإماء إلى الموالي؛ لأنَّا نقول: الرجلُ لا يَلي الرجلَ الأيِّمَ إلَّا بإذنه، فكذا لا يلي على المرأة إلَّا بإذنها؛ لأن الأيِّم ينتظِمُهما، ولا فارق من جهة النظم. ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ تخصيصُهم لأنَّ إحصانَ دينِهم والاهتمامَ بشأنهم أهمُّ. ﴿مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾؛ أي: من غلمانِكم وجواريكم. ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وعدٌ من اللّه تعالى بالإغناء؛ لقوله ﵇: "اطلبوا الغنى في هذه الآية" (١)، ولقوله ﵇: "التمِسوا الرزق بالنكاح" (٢). ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾: ذو سعة لا يرزؤه إغناءُ الخَلْق ﴿عَلِيمٌ﴾ يبسط الرزق ويقدره على ما تقتضيه حكمته.

стр. 3206

(٣٣) - ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾ ولْيَجتهدْ في العفَّة وقَمْع الشهوة، كأنَّ المستعفِف طالبٌ من نفسه العَفَاف. ﴿الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ استطاعةَ تزوُّجٍ من المهر والنفقة ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. انظر كيف رتَّب هذه الأوامر؛ فأَمر أولًا بما يعصم من الفتنة ويُبعد من موافقة (١) المعصية وهو غضُّ البصر، ثم بالنكاح الذي يُحصَّن به الدِّين، المغني عن الحرام، ثم بعزف (٢) النفس الأمَّارة بالسوء عن الطموح إلى الشهوة عند العجز عن النكاح إلى أن يقدر عليه. ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: والمماليك الذين يطلبون الكتابةَ فـ (الذين) مرفوع بالابتداء، أو منصوبٌ بفعل يفسِّره: ﴿فَكَاتِبُوهُم﴾ وهو للندب، ودخلت الفاء لتضمُّن معنى الشرط، والكِتاب والمكاتبة كالعِتاب والمعاتبة، وإنَّما سمِّي ذلك العقدُ به؛ لأن السَّيِّد كَتبَ على نفسه عتقه إذا أدَّى المال، ويجوز حالًّا ومؤجَّلًا، منجَّمًا وغيرَ منجَّم؛ لإطلاق الأمر،

стр. 3207

وعدمُ المال لا يَستلزم العجز عن الأداء في الحال؛ لأنَّه قادرٌ على الاستقراض. ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾: قدرةً على الكسب، أو أمانةً، أو ديانةً، والنَّدْبيَّة متعلِّقة بهذا الشرط كما أن النَّدْبية في إنكاح الأيامى متعلِّقة بشرط الصلاح. ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ أمر للمسلمين على وجه الوجوب بإعانة المكاتَبين وإعطائهم سهمهم من الزكاة؛ لقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وعند الشافعيِّ معناه: حُطُّوا من بدل الكتابة شيئًا قلَّ أو كثر، ويأباه عبارة الإيتاء؛ لأنها تقع على التمليك لا على الحطِّ. ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ كنَّى بالفتى والفتاة عن العبد والأمة، والبِغاء: الزنى للنساء خاصَّة، وهو مصدر البغي. ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ تعفُّفًا عن الزنى، وإنما قيَّد بهذا الشرط لا لأنَّ الإكراه لا يتحقَّق بدونه؛ لأنَّه على تقدير التسليم يكون سببًا للترك لا للذكر، بل لأنها نزلت في ابن أُبَيٍّ وكانت له جَوارٍ يُكرههنَّ على البغاء، وفيه توبيخٌ بالموالي؛ أي: إذا رغبنَ في التحصُّن، فأنتم أحقُّ بذلك، وإيثار (إن) على (إذا)؛ لأن إرادة التحصُّن من الإماء كالشاذِّ النادر. ﴿لِتَبْتَغُوا﴾: لابتغائكم، فإن الفعل هنا منزَّل منزلةَ المصدر، كما في قوله: تَسمعُ بالمُعيدِيِّ خيرٌ من أن تراه، وذلك لأنَّ الابتغاء المذكور يكون سببًا مقدَّمًا، ولا يكون غاية متأخِّرة. ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ من أجورهنَّ وأولادهنَّ. ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ﴾ حذف جوابه؛ أي: فعليه وبالُ إكراهه لا يتعدَّى إليهنَّ، وأُقيم تعليل هذا مقامه وهو قوله:

стр. 3208

﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: لهنَّ، وفي مصحف ابنِ مسعود ﵁ كذلك (١). وإنما قال: ﴿مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ﴾ لشدَّة المعاتبة على المُكرِه؛ فإن المُكرَهة مع قيام العذر إذا كانت بصدد المعاتبة حتى احتاجت إلى المغفرة، فما حال المُكرِه؟! وللدلالة على أنَّ حدَّ الإكراه الشرعيِّ والمصابرةِ إلى أن يُنتَهى إليه فيرتكبَ ضَيِّقٌ (٢)، واللّه يغفرُ ذلك بلطفه. * * * (٣٤) - ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾. ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ المراد: الآياتُ التي بُنيِّت في هذه السورة وأُوضحت في معاني الأحكام والحدود، وجاز أن يكون الأصل: مبيَّنًا فيها، فاتُّسع في الظرف، وقرئ بالكسر (٣)؛ أي: بيَّنت من الأحكام والحدود، وجُعل الفعل لها مَجازًا، أو من بَيَّن بمعنى: تبيَّن، ومنه المَثَل: قد بَيَّن الصُّبحُ لذي عينين (٤). ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: ومَثَلًا من أمثالِ مَن قبلكم؛ أي: وقصَّةً عجيبةً مثلَ قصصهم، وهي قصَّة عائشة فإنَّها كقصَّة (٥) يوسفَ ومريمَ ﵉. ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: هم المنتفعون بها وإن كانت الموعظة للكلِّ.

стр. 3209

(٣٥) - ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: بيَّن وضوح الدلالات وجلاء البينات، وأنَّ مَن ضلَّ عن الحقِّ فليس لخفاءِ الدليل واشتباهِ السبيل، فقال: اللهُ هادي أهل السماوات والأرض؛ أي: إلى ما بهم الحاجةُ إليه في مصالحِ دينهم ودنياهم، وهي كلمة مُطلَقة في هذا المعنى، يقال: فلانٌ نورُ بلدِه، أي: به يَهتدون إلى أمورهم، وعن رأيه يَصدرون إلى مصالحهم. ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، أي: صفةُ نورِه العجيبة الشأن في الإضاءة، والمراد به: دلائلُه التي يَهتدي بها عباده. ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾: كصفةِ مشكاة، وهي الكُوَّة في الجدار غيرِ النافذة. ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾: سراجٌ ضخمٌ ثاقبٌ. ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ في قنديلٍ من زجاجٍ شاميٍّ أَزْهَرَ. ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾: مُضِيء، بضمِّ الدال وتشديد الياء، منسوبٌ إلى الدُّرّ لفَرْط ضيائه وصفائه. وقرئ بالكسر والهمز (١)، كأنَّه يَدْرأ (٢) الظلامَ بضوئه.

стр. 3210

وقرئ بالضَّمِّ والهمز (١)؛ شبَّهه في زهرتِه بأحدِ (٢) الكوكبِ الدراري، كالمشتري والزُّهَرة ونحوهما. ﴿يُوقَدُ﴾ بالياء والبناء للمفعول من أَوْقَد، وقرئ بالفوقانية كذلك (٣) على إسناده إلى ﴿الزُّجَاجَةُ﴾ بحذف المضاف. وقرئ: ﴿يُوقَدُ﴾ (٤) بمعنى: تتوقَّد؛ بحذف التاء لاجتماع الزيادتين. ﴿مِنْ شَجَرَةٍ﴾؛ أي: ابتداءُ ثُقوبه (٥) من شجرة الزيتون، يعني: رَوَيت ذُبالتُه بزيتها (٦). ﴿مُبَارَكَةٍ﴾: كثيرة المنافع، أو لأنَّها تنبت في الأرض التي بارك فيها للعالمين. ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ بدل من ﴿شَجَرَةٍ﴾، نعتُها: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾؛ أي: لا نابتةٍ في شَرق المعمورة ولا في غربها، بل في وسطها وهو الشام، فإنَّ زيتونَها أجودُ. أو: لا في مضحًى تُشرق الشمس عليها دائمًا فتحرِقُها، أو في مقنأة تغيبُ عنها دائمًا فتتركها نيئًا، وفي الحديث: "لا خيرَ في شجرةٍ ولا في نباتٍ في مقنأةٍ، ولا خير فيهما في مضحى" (٧).

стр. 3211

وقيل: أي: ليس بحيث تقع الشمسُ عليها حينًا دون حينٍ، بل بحيث تقع عليها طول النهار، كالتي تكون على قُلَّة أو صحراءَ واضحة، فإن ثمرتها تكون أنضجَ وزيتها أصفى، ويردُّه ما دلَّ عليه الحديث المذكور (١) من أنه لا خيرَ فيها؛ لأن إشراق الشمس عليها دائمًا يحرقها. ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ وصف الزيت بالصفاء (٢) والوميض، وأنَّه لتلألؤه يكاد يُضيء من غير نارٍ. ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ أي: هذا النور الذي شبِّه به الحقّ نورٌ مُتضاعف قد تناصَر فيه المشكاةُ والزجاجةُ والمصباحُ والزيتُ حتى لم يبق بقيَّةٌ ممَّا يقوِّي النور، وهذا لأنَّ المصباح إذا (٣) كان في مكان متضايق كالمشكاة كان أجمعَ لنوره، بخلاف المكان الواسعِ فإنَّ الضوء ينتشر فيه، والقنديل أعونُ شيءٍ على زيادة الإنارة، وكذلك الزيتُ وصفاؤه، وضَرْبُ المَثَل يكون بدنيٍّ (٤) محسوسٍ معهودٍ لعليٍّ غيرِ معايَنٍ ولا مشهودٍ (٥). ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ﴾ أي: لهذا النور الثاقب ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ فإن الأسباب إنَّما تتمَّشى بمشيئته.

стр. 3212

﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ تقريبًا إلى أفهامهم وتسهيلًا لسبيل الإدراك. ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فيبيِّن كلَّ شيء بما حقُّه أن يُبيَّن به. * * * (٣٦) - ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾. ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ متعلِّق بـ (مشكاة)؛ أي: كمشكاةٍ في بعضِ بيوتِ الله تعالى وهي المساجد. أو: بـ ﴿توقد﴾ أي: توقد في بُيوتٍ، فيكون تقييدًا للمُمَثَّل (١) به بما يكون تحبيرًا (٢) ومبالغةً، فإن قناديل المساجد تكون أعظمَ، ولا ينافي جمعُ البيوت وحدةَ المشكاة؛ إذ المراد بها ما له هذا الوصف بلا اعتبارِ وحدةٍ ولا كثرةٍ. أو: بـ ﴿يُسَبِّحُ﴾؛ أي: يُسبِّح له رجالٌ في بيوت، وفيها تكرير فيه توكيد، نحو: زيدٌ في الدار جالسٌ فيها.

стр. 3213

أو: بمحذوف؛ أي: سبّحوا في بيوت، والمراد بها المساجد؛ لأن الصفة تلائمها. ﴿أَذِنَ اللَّهُ﴾ أي: أَمَرَ ﴿أَنْ تُرْفَعَ﴾ بالبناء أو التعظيم ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ عامٌّ لِمَا يتضمَّن ذِكْرَه، حتى المذاكرة في أفعاله والمباحثة في أحكامه. ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ قال ابنُ عباس: كلُّ تسبيحٍ في القرآن صلاةٌ (١). أي: يُصلِّي له فيها بالغداة صلاةَ الفجر، وبالآصال سائرَ الصلوات، ولهذا وحّد الغدوّ، وجمع قرينه. والأصيلُ في الأصل: الوقتُ الذي بعد العصر إلى المغرب، صرَّح به الجوهريُّ (٢) وصدر الأفاضل، وجمعه: أُصُل وآصَال؛ فمَن قال: والآصال جمع أصيل، وهو العشيُّ، فقد أخطأ مرَّتين. وقرئ: (والإيصال) (٣)، وهو الدخول في الأصيل. * * * (٣٧) - ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾. وقرئ: ﴿يُسبَّح﴾ بالفتح (٤)، على إسناده إلى أحد الظروف الثلاثة، ورفع ﴿رِجَالٌ﴾ بما يدلُّ عليه ﴿يسبَّح﴾.

стр. 3214

وقرئ بالتاء مكسورًا (١)؛ لتأنيث الجمع، ومفتوحًا (٢)؛ على إسناده إلى أوقات الغدوِّ. وإنَّما خصَّ الرجالُ بالذِّكر؛ إذ ليس على النساء والصبيان الحضورُ في المساجد. ﴿لَا تُلْهِيهِمْ﴾ لا تشغلهم ﴿تِجَارَةٌ﴾؛ أي: بالسفر ﴿وَلَا بَيْعٌ﴾؛ أي: في الحَضَر، وحملناهما على هذين ليكون لزيادةِ إفادةٍ لا لمجرَّد إعادةٍ. ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: خارجَ الصلاة ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾؛ أي: وعن إقامة الصلاة، التاء في (إقامة) عوضٌ من العين الساقط للإعلال، إذ الأصل: إقوام، فلمَّا قُلبت الواوُ ألفًا اجتمع ألفان، فحُذفت إحداهما لالتقاء الساكنين، فبقي (٣): إقامًا، فأدخلت التاء عوضًا عن المحذوف، فلمَّا أضيفت أُقيمت الإضافةُ مقام التاءِ فأُسقطت. ﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ يعني: أنَّهم يَسلكون سبلَ الكسبِ ولكن (٤) إذا حضر حقُّ اللهِ تعالى أو حقُّ عبادِه بدؤوا به. ﴿يَخَافُونَ﴾ حال من الضمير في ﴿تُلْهِيهِمْ﴾، أو صفة أخرى لـ ﴿رِجَالٌ﴾. ﴿يَوْمًا﴾: يوم القيامة؛ أي: الحاملُ لهم على إقامة هذه الأشياء خوفُ القيامة. ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ﴾ لبلوغها إلى الحناجر ﴿وَالْأَبْصَارُ﴾ بالشُّخوص والزُّرْقة (٥).

стр. 3215

أو: تتقلَّب القلوبُ إلى الإيمان بعد الكفران، والأبصارُ إلى العيان بعد إنكاره للطغيان، كقوله: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]. * * * (٣٨) - ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ متعلِّق بـ ﴿يُسَبِّحُ﴾ أو: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ﴾ أو: بـ ﴿يَخَافُونَ﴾. ﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ وأدناه المندوبُ، واحترز بالأحسن عن الحسن وهو المباح؛ إذ لا جزاء له. ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ أي: يزيدهم على الثواب الموعود على العمل تفضُّلًا. ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ﴾: يُثيب ﴿مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ثوابًا لا يَدخل في حسابِ الخلق، تقريرٌ للزيادة، وتنبيهٌ على كمال القدرة، ونفاذِ المشيئة، وَسَعة الإحسان. * * * (٣٩) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾؛ أي: الذين كفروا حالهم على ضدِّ ذلك، فإن أعمالهم التي يظنُّونها صالحةً نافعة عند الله، يَجدونها لاغيةً مخيِّبةً في العاقبة كالسراب، وهو ما (١) يُرى في الفَلَاة من لمعانِ الشمس عليها وقت الظهيرة يَسرب على وجه الأرض كأنَّه ماءٌ يجري.

стр. 3216

﴿بِقِيعَةٍ﴾ بمعنى القاع، أو جمعُ قاعٍ، وهو المنبسِطُ المستوي من الأرضِ كجيرةٍ في جارٍ. ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ﴾ الظمأ: شدَّة العطش ﴿مَاءً﴾ التشبيهُ في شدَّة الخيبة عند مسيسِ الحاجة. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ﴾: إذا جاء إلى ما توهَّم أنه ماء ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ نافعًا، يقال: هذا ليس بشيءٍ، يُراد به نفيُ نفعِه، هذا إذا كان المعنى: إذا جاء السرابَ. وأمَّا إذا كان المعنى: إذا جاء موضعَه، فمعنى ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾: لم يجد في ذلك الموضع شيئًا كان يَتراءى له؛ لأنَّه لا يرى ذلك إذا حضر (١)، وكذلك الكافر إذا قدِم يوم القيامة على أعماله التي هي خيراتٌ عنده، لم يجدها نافعةً، أو لا يراها؛ لأنها صارت هباءً منبثًّا. ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ﴾ أي: وجد عقابَ الله ﴿عِنْدَهُ﴾؛ أي: تبطُل حسناته ويبقَى عقابُ سيئاته معدًّا له عند قدومه. ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾؛ أي: أعطاه جزاءَ عمله وافيًا كاملًا. وحَّد بعد تقدم [الجمع] حملًا على كلِّ واحد من الكفار (٢). ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ لأنَّه لا يحتاج إلى عدٍّ (٣) وعقد، ولا يشغله حسابٌ عن حسابٍ.

стр. 3217

قوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ﴾ عطف على ما تقدَّم من التمثيل على سبيل العطف على المعنى، ومَن غفل عن هذا زعم أنه من تتمَّة التمثيل، فتعسَّف في توجيهه. * * * (٤٠) - ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾. ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ﴾ ﴿أَوْ﴾ هنا كـ (أو) في ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: ١٩]. وما قيل: ﴿أَوْ﴾ للتنويع؛ فإنَّ أعمالهم إن كانت صالحةً فكالسراب، وإن كانت قبيحةً فكالظلمات = يردُّه قوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ لأن الأعمال الصالحة وإن لم تكن نافعة مع الكفر، لا يكون في عاقبتها وخامةٌ. ﴿لُجِّيٍّ﴾: عميقٍ كثيرِ الماء، منسوبٌ إلى اللُّجِّ وهو معظم الماء. ﴿يَغْشَاهُ﴾: يغشى البحرَ، أو من فيه؛ أي: يعلوه ويغطِّيه. ﴿مَوْجٌ﴾ هو ما ارتفع من الماء. ﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾؛ أي: من فوق الموجِ موجٌ آخرُ. ﴿مِنْ فَوْقِهِ﴾؛ أي: من فوق الموجِ الأعلى ﴿سَحَابٌ﴾ غطَّى النجوم وحَجَب أنوارها. والجملة صفة أخرى لـ ﴿بَحْرٍ﴾ (١). ﴿ظُلُمَاتٌ﴾؛ أي: هذه ظلماتٌ (٢) ﴿بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾: ظلمةُ الموج على ظلمةِ البحر، وظلمةُ الموج على الموج، وظلمةُ السحاب على الموج.

стр. 3218

﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ﴾ أقربَ ما تُرى إليه ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ لم يقرُب أن يراها، فضلًا عن أن يراها، والضمائر للواقع في البحر وإن لم يَجْرِ ذِكْره (١)؛ لدلالة المعنى عليه. ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ أي: مَن لم يَهدهِ اللهُ لم يَهتدِ، عن الزجَّاج (٢)، في الحديث: "خَلقَ اللهُ الخلقَ في ظلمةٍ، ثم رَشَّ عليه من نورِه؛ فمَن أصابه من ذلك النورِ اهتدى، ومن أَخطأه ضَلَّ" (٣). * * * (٤١) ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: أَلم تَعلم علمًا يقوم مقام العيَان في الإيقان (٤) ﴿أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ﴾ ينزِّه ذاتَه عن كلِّ نقص وآفَةٍ ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ و ﴿مَنْ﴾ لإسناد التسبيح، فلا حاجة إلى التغليب هنا وفي ﴿يَفْعَلُونَ﴾، أو أُريد به الملائكة والثقلان. ﴿وَالطَّيْرُ﴾ على الأول تخصيصٌ؛ لِمَا فيها من الصنع الظاهر والدليل الباهر، ولذلك قيَّدها بقوله: ﴿صَافَّاتٍ﴾ فإنَّ إعطاءَ الأجرام الثقيلة ما به تَقْوَى على الوقوف في الجوِّ صافَّةً

стр. 3219

باسطةً أجنحتها لِمَا فيها من القبض والبسط حجَّة قاطعة (١) على كمال قدرة الصانع ولُطفِ تدبيره (٢). ﴿كُلٌّ﴾: كلُّ واحد ممَّا ذكر أو من الطير ﴿قَدْ عَلِمَ﴾ الضميرُ لـ ﴿كُلٌّ﴾، وكذا في: ﴿صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾. ولا يَبعد أن يُلهم اللهُ الطيرَ دعاءَه وتسبيحه كما أَلهمه سائر (٣) العلوم الدقيقة التي لا يَكاد العقلاءُ يهتدون إليه. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ من الصلاة والتسبيح وغيرِهما. * * * (٤٢) - ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لا شريكَ له فيه ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ مرجِعُ الكلِّ، وإنَّما عدل عن الضمير تفخيمًا. * * * (٤٣) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ معنى ﴿يُزْجِي﴾: يَسوق (٤) قليلًا قليلًا، ويُستعمل في

стр. 3220

سوق الثقيل برفقٍ، كالسحاب والإبل، والسحاب: اسمُ جنسٍ، واحده: سحابة، والمعنى: يَسوق سحابةً إلى سحابةٍ. ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ تذكيره للَّفظ؛ أي: يضمُّ بعضه إلى بعض. ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾: متراكِمًا بعضُه فوقَ بعض. ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾: المطر ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾: من فُتُوحه، جمع خَلَلٍ، كجبال في جبل. ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ ماءً من الغمام، وكلُّ ما علاكَ فهو سماء. ﴿مِنْ جِبَالٍ فِيهَا﴾: من قِطَعٍ عظامٍ تشبه الجبال مِن عِظَمها. ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾ بيانٌ للجبال، والمفعول محذوف؛ أي: يُنزِّل مبتدئًا من السماء من الجبال فيها من بَرَدٍ بَرَدًا. ويجوز أن تكون (مِن) الثانيةُ أو الثالثةُ للتبعيض واقعةً موقعَ المفعول. ﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾ بالبَرَد ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ فيضرُّه في نفسه أو في زرعه، ﴿وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ فلا يُصيبه. ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾: ضوؤُه (١) ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ بأبصار الناظرينَ إليه من فَرْطِ الإضاءة، وذلك أقوى دليلٍ على كمال القدرة من حيث إنه توليد الضِّدِّ من الضِّدَّ. وقرئ: ﴿يَذْهَبُ﴾ على زيادة الباء (٢). * * *

стр. 3221

(٤٤) - ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ بالمعاقبة بينهما، أو بنقصِ أحدهما وزيادة الآخر. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: فيما تقدَّم ذكره ﴿لَعِبْرَةً﴾: لدلالةً على جود الصانع القادر العليم. وللتنبيه على وضوح الدلالة قال: ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ دون: لأولي البصائر. ثم بيَّن دليلًا آخر فقال: * * * (٤٥) - ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ﴾: حيوانٍ يدبُّ على وجه الأرض، وقرئ: ﴿خالقُ كلِّ دابَّةٍ﴾ بالإضافة (١). قال الراغب: والدبيبُ (٢) أصلُه: حكايةُ صوتِ حركة المشي، ثم قيل: دبَّ، إذا مشى، ويقال لكل ما يمشي: دابَّة، ثم خُصَّ الفرس (٣). ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ هو جزءُ مادَّته وسببُ حياته، على ما أشير إليه في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]. وقيل: من ماء مخصوصٍ وهو النطفة، ولا يلزم حينئذٍ أن يُرتكب إلى ادِّعاء الغَلَبة في المخلوق من النطفة، وتنزيلِ الغالبِ منزلةَ الكُلِّ؛ لجواز أن يُراد بالدابَّة ما

стр. 3222

يُخلَق بالتوالُد بقرينة ﴿مِنْ مَاءٍ﴾؛ أي: من نطفة، كما أريد من الشيء في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] ما به الحياةُ بقرينة ﴿حَيٍّ﴾ (١). ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ كالحيَّة والحوت، يُسمَّى الزحفُ مشيًا؛ استعارة، لقيامه مقام الشيء، وليس هذا من قَبيل ذكر المقيَّد وإرادة المطلق، كما إذا ذكر المِشْفَر وأُريد به الشَّفَة مطلقًا؛ لأن خصوصية الزحف مقصودة (٢)، والمشاكلة البديعية طريقةٌ أخرى لا يُصار إليها عند صحَّة الاستعارة البيانيَّة (٣). ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾ كالإنس والطير. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ كالنَّعم والوَحْش. قيل: ويندرج فيه ما له أكثرُ من أربعٍ كالعناكب؛ فإن اعتمادها إذا مشت على أربعٍ. ولا يخفى ما فيه من التعسُّف. وتذكير الضمير لتغليب العقلاء، والتعبيرُ بـ (مَن) عن الأوصاف ليوافق التفصيلُ الجملةَ. قيل: قدّم ما هو أعرفُ (٤) ...................................................

стр. 3223

بالقدرة، وهو الماشي بغير آلةِ مشي، ثم الماشي على رجلين، ثم الماشي على أربعٍ. وفيه نظرٌ؛ لأن مبناهُ الغفولُ عن أنَّ المشي في الأول مستعارٌ للزحف. ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيفعل ما يشاء. * * * (٤٦) - ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ للحقائق بأنواع الدلائل ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ بالتوفيق للنظر فيها والتدبُّر لمعانيها ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو دينُ الإسلام الذي يُوصِل إلى جنته، والآياتُ لإلزام حجته. لمَّا ذَكر إنزال الآيات ذَكر بعدها افتراقَ الناس إلى ثلاث فرق: فرقة صدَّقت ظاهرًا وكذَّبت باطنًا وهم المنافقون. وفرقة صدَّقت ظاهرًا وباطنًا وهم المخلصون. وفرقة كذَّبت ظاهرًا وباطنًا وهم الكافرون، على هذا الترتيب، فبدأ بالمنافقين فقال: (٤٧) - ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾.

стр. 3224

﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ﴾ بألسنتهم ﴿وَأَطَعْنَا﴾ الله والرسولَ ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى﴾؛ أي: يُعرِض عنهما، فإن الإعراضَ عن الرسول ﵊ بعدم إطاعته في أوامره إعراضٌ عنه تعالى ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: بعد قولهم هذا. وفائدةُ (ثم) الاستبعاد؛ إظهارًا لقُبح صنيعهم. ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ الإشارة إلى القائلين بأَسرهم، فيكون إعلامًا من الله تعالى بأن جميعهم وإن آمنوا بلسانهم لم يؤمنوا بقلوبهم، لاشتراكهم في فساد الاعتقاد وظهور الإعراض، وإن كان من بعضهم فالرضا به من كلِّهم. أو إلى الفريق المذكور خاصةً، وإنما أتى بالواو دون الفاء؛ لأن عدم إيمانهم ليس لتولِّيهم، بل الأمر بالعكس، والتعريف للدلالة على أنَّهم ليسوا بالمؤمنين الذين عرَفْتَهم (١)، وهم المخلصون في الإيمان أو الثابتون (٢) عليه. ومرجعُ العهد إلى وصف الإيمان الخالص، ولِمَا فيه من التنصيص على نفي ذلك الوصفِ عنهم لم يقل: وما أولئك من المؤمنين؛ لِمَا فيه من احتمالِ أن يرجع العهد إلى الموصوفين به، إذ لا يلزم من عدم كونهم من المعروفين بذلك الوصفِ أن لا يكون موصوفًا به أصلًا. * * * (٤٨) - ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الدعوة إلى الرسول ﵊، وذِكْرُ الله

стр. 3225

تمهيدٌ لتعظيم دعوته وإظهارِ مكانته، وليس هذا طريقةَ الإبدال (١). ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: ليَحكم الرسولُ ﵊؛ لأنَّه الحاكم ظاهرًا، وإنما لم يقل: ليَحكم عليهم، إشعارًا بأن إعراضَهم غيرُ مخصوصٍ بصورة الظَّنِّ بالحكم عليهم، بل شاملٌ لصورة الشَّكِّ، فشأنهم الإعراضُ فيما إذا اشتَبه الأمر حالًا وإن كان الحكم لهم مآلًا. ومَن غَفَلَ عن هذا الاعتبار اللطيفِ قال في تفسير (٢) قوله تعالى: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾: فأجأ فريقٌ منهم الإعراضَ إذا كان الحقُّ عليهم؛ لعلمهم بأنك لا تَحكُم لهم، وهو شرح للتولِّي ومبالغةٌ فيه. ولم يَدْرِ أن شرحَه على وجه أبلغَ فيما ذكرناه لا فيما ذكره. * * * (٤٩) - ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾. ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ﴾؛ أي: الحكم في اعتقادهم ﴿يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ طلبًا لحقِّهم لا رضًى بحُكم رسولهم، قال الزجَّاج: الإذعانُ: الإسراعُ مع الطاعة، فباعتبار ما في الإسراع من معنى الإتيان يجوز أن يكون (إلى) صلةً لـ ﴿مُذْعِنِينَ﴾، ويكون تقديمه للاختصاص ومحافظةِ الفواصل. * * *
следующие страницы →