(٤٤) - ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾.
﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ بالمعاقبة بينهما، أو بنقصِ أحدهما وزيادة الآخر.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: فيما تقدَّم ذكره ﴿لَعِبْرَةً﴾: لدلالةً على جود الصانع القادر العليم.
وللتنبيه على وضوح الدلالة قال: ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ دون: لأولي البصائر. ثم بيَّن دليلًا آخر فقال:
* * *
(٤٥) - ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ﴾: حيوانٍ يدبُّ على وجه الأرض، وقرئ: ﴿خالقُ كلِّ دابَّةٍ﴾ بالإضافة (١).
قال الراغب: والدبيبُ (٢) أصلُه: حكايةُ صوتِ حركة المشي، ثم قيل: دبَّ، إذا مشى، ويقال لكل ما يمشي: دابَّة، ثم خُصَّ الفرس (٣).
﴿مِنْ مَاءٍ﴾ هو جزءُ مادَّته وسببُ حياته، على ما أشير إليه في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠].
وقيل: من ماء مخصوصٍ وهو النطفة، ولا يلزم حينئذٍ أن يُرتكب إلى ادِّعاء الغَلَبة في المخلوق من النطفة، وتنزيلِ الغالبِ منزلةَ الكُلِّ؛ لجواز أن يُراد بالدابَّة ما
стр. 3222
يُخلَق بالتوالُد بقرينة ﴿مِنْ مَاءٍ﴾؛ أي: من نطفة، كما أريد من الشيء في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] ما به الحياةُ بقرينة ﴿حَيٍّ﴾ (١).
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ كالحيَّة والحوت، يُسمَّى الزحفُ مشيًا؛ استعارة، لقيامه مقام الشيء، وليس هذا من قَبيل ذكر المقيَّد وإرادة المطلق، كما إذا ذكر المِشْفَر وأُريد به الشَّفَة مطلقًا؛ لأن خصوصية الزحف مقصودة (٢)، والمشاكلة البديعية طريقةٌ أخرى لا يُصار إليها عند صحَّة الاستعارة البيانيَّة (٣).
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾ كالإنس والطير.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ كالنَّعم والوَحْش. قيل: ويندرج فيه ما له أكثرُ من أربعٍ كالعناكب؛ فإن اعتمادها إذا مشت على أربعٍ. ولا يخفى ما فيه من التعسُّف.
وتذكير الضمير لتغليب العقلاء، والتعبيرُ بـ (مَن) عن الأوصاف ليوافق التفصيلُ الجملةَ.
قيل: قدّم ما هو أعرفُ (٤) ...................................................
стр. 3223
بالقدرة، وهو الماشي بغير آلةِ مشي، ثم الماشي على رجلين، ثم الماشي على أربعٍ.
وفيه نظرٌ؛ لأن مبناهُ الغفولُ عن أنَّ المشي في الأول مستعارٌ للزحف.
﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيفعل ما يشاء.
* * *
(٤٦) - ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ للحقائق بأنواع الدلائل ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ بالتوفيق للنظر فيها والتدبُّر لمعانيها ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو دينُ الإسلام الذي يُوصِل إلى جنته، والآياتُ لإلزام حجته.
لمَّا ذَكر إنزال الآيات ذَكر بعدها افتراقَ الناس إلى ثلاث فرق:
فرقة صدَّقت ظاهرًا وكذَّبت باطنًا وهم المنافقون.
وفرقة صدَّقت ظاهرًا وباطنًا وهم المخلصون.
وفرقة كذَّبت ظاهرًا وباطنًا وهم الكافرون، على هذا الترتيب، فبدأ بالمنافقين فقال:
(٤٧) - ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾.
стр. 3224
﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ﴾ بألسنتهم ﴿وَأَطَعْنَا﴾ الله والرسولَ ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى﴾؛ أي: يُعرِض عنهما، فإن الإعراضَ عن الرسول ﵊ بعدم إطاعته في أوامره إعراضٌ عنه تعالى ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: بعد قولهم هذا.
وفائدةُ (ثم) الاستبعاد؛ إظهارًا لقُبح صنيعهم.
﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ الإشارة إلى القائلين بأَسرهم، فيكون إعلامًا من الله تعالى بأن جميعهم وإن آمنوا بلسانهم لم يؤمنوا بقلوبهم، لاشتراكهم في فساد الاعتقاد وظهور الإعراض، وإن كان من بعضهم فالرضا به من كلِّهم.
أو إلى الفريق المذكور خاصةً، وإنما أتى بالواو دون الفاء؛ لأن عدم إيمانهم ليس لتولِّيهم، بل الأمر بالعكس، والتعريف للدلالة على أنَّهم ليسوا بالمؤمنين الذين عرَفْتَهم (١)، وهم المخلصون في الإيمان أو الثابتون (٢) عليه.
ومرجعُ العهد إلى وصف الإيمان الخالص، ولِمَا فيه من التنصيص على نفي ذلك الوصفِ عنهم لم يقل: وما أولئك من المؤمنين؛ لِمَا فيه من احتمالِ أن يرجع العهد إلى الموصوفين به، إذ لا يلزم من عدم كونهم من المعروفين بذلك الوصفِ أن لا يكون موصوفًا به أصلًا.
* * *
(٤٨) - ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.
﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الدعوة إلى الرسول ﵊، وذِكْرُ الله
стр. 3225
تمهيدٌ لتعظيم دعوته وإظهارِ مكانته، وليس هذا طريقةَ الإبدال (١).
﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: ليَحكم الرسولُ ﵊؛ لأنَّه الحاكم ظاهرًا، وإنما لم يقل: ليَحكم عليهم، إشعارًا بأن إعراضَهم غيرُ مخصوصٍ بصورة الظَّنِّ بالحكم عليهم، بل شاملٌ لصورة الشَّكِّ، فشأنهم الإعراضُ فيما إذا اشتَبه الأمر حالًا وإن كان الحكم لهم مآلًا.
ومَن غَفَلَ عن هذا الاعتبار اللطيفِ قال في تفسير (٢) قوله تعالى: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾: فأجأ فريقٌ منهم الإعراضَ إذا كان الحقُّ عليهم؛ لعلمهم بأنك لا تَحكُم لهم، وهو شرح للتولِّي ومبالغةٌ فيه.
ولم يَدْرِ أن شرحَه على وجه أبلغَ فيما ذكرناه لا فيما ذكره.
* * *
(٤٩) - ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾.
﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ﴾؛ أي: الحكم في اعتقادهم ﴿يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ طلبًا لحقِّهم لا رضًى بحُكم رسولهم، قال الزجَّاج: الإذعانُ: الإسراعُ مع الطاعة، فباعتبار ما في الإسراع من معنى الإتيان يجوز أن يكون (إلى) صلةً لـ ﴿مُذْعِنِينَ﴾، ويكون تقديمه للاختصاص ومحافظةِ الفواصل.
* * *
стр. 3226
(٥٠) - ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ﴾ الحَيْفُ: الجَور بنَقْصِ الحقِّ ﴿عَلَيْهِمْ﴾.
إنما قدَّم صلةَ الحيف على قوله: ﴿وَرَسُولُهُ﴾؛ إظهارًا بأنه على تقدير وقوعِه يكون من الله - تعالى شأنه عمَّا يقولُ الظالمون - ولا يكون فيه دَخْل للرسول؛ لأنَّه مُظهِر لا مُثبِت.
قسم الأمر في صدودهم عن حكومته إذا (١) لم يعتقدوا أن الحُكم لهم بأن يكونوا مرضى القلوب منافقين، أو مرتابين بأن رأوا منك تُهَمةً فزالت ثقتُهم ويقينُهم بك، أو خائفينَ الحيفَ في قضائه.
ووجهُ التقسيم: أن امتناعهم إمَّا لخلل فيهم أو في الحاكم، والثاني إما أن يكون محقَّقًا عندهم أو متوقَّعًا، وكلاهما باطل؛ لأن منصب نبوَّته وفَرْطَ أمانته يَمنعه، فتعيَّن الأول، فلذلك أضرب بقوله:
﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ عن القسمين الآخرين لتحقيق (٢) القسم الأول.
وظلمُهم يعمُّ خَلَلَ عقيدتهم، وميلَ نفوسهم إلى الحيف، يريدون أن يَظلموا مَن له الحقُّ عليهم، وذلك شيءٌ لا يستطيعونه في مجلس رسولِ الله ﷺ ، فمِن ثَمَّ يَأبَون المحاكمة إليه، هذا ما أدَّى إليه النظرُ الجليل.
стр. 3227
والذي أدَّى إليه النظرُ الدقيقُ: هو أنه إضراب عن نفس التقسيم، يعني: دَعِ التقسيمَ فإنَّهم هم الكاملون في الظُّلم الجامعون لتلك الأوصاف (١) على الكمال، فلذلك صدُّوا عن حكومتك، يدلُّ على ذلك اسمُ الإشارة، والتعريفُ بلام الجنس، وتوسيطُ ضميرِ الفصل، والفصلُ لنفي ذلك عن غيرهم، سيَّما المدعوُّ إلى حكمه.
نزلت في بشرٍ المنافقِ وخصمِه اليهوديِّ حين اختصما في الأرض، فجعل اليهوديُّ يجرُّه إلى رسولِ الله ﷺ والمنافقُ إلى كعبِ بنِ الأَشرف، ويقول: إنَّ محمدًا يَحيفُ علينا (٢).
* * *
(٥١) -) ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ على عادته تعالى في اتِّباع ذكر المحقِّ المُبطِل والتنبيه على ما ينبغي بعد إنكارِه لِما لا ينبغي.
قرئ ﴿قول﴾ بالرفع والنصب (٣)، والنصب أقوى؛ لأنَّ أَولى الاسمين بكونه اسمًا لـ ﴿كَانَ﴾ أَو غلُهما في التعريف.
стр. 3228
﴿إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الرسولُ، وقرئ على البناء للمفعول (١)، وإسناده إلى ضمير مصدرِه على معنى: ليُفعَل الحكمُ.
﴿بَيْنَهُمْ﴾ بحُكم الله الذي أُنزل عليه.
﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا﴾ قولَه ﴿وَأَطَعْنَا﴾ أمرَه ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: الفائزون.
* * *
(٥٢) - ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾.
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في الأوامر والنواهي ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾ على ما مضى من ذنوبِه ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ فيما يستقبل ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ بالنعيم المقيم.
* * *
(٥٣) - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾؛ أي: حَلَفَ المنافقون بالله، وهو جهدُ اليمين لأنهم بذلوا فيها مجهودَهم، وجَهَدَ يمينَه مستعار من: جَهَدَ نفسَه، إذا بلغ أقصى وُسْعها، وذلك إذا بالغ في اليمين وبلغ غايةَ شدَّتها ووكادتها، وأصل: أَقْسَم جهدَ اليمين، أَقسم يَجْهدُ (٢) اليمينَ جَهْدًا، فحذف الفعل، وقدَّم المصدر فوضع موضعَه مضافًا إلى المفعول، كقوله: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]، وحُكم هذا المنصوب حُكم الحالِ، كأنَّه قال: جاهدين أيمانَهم.
стр. 3229
﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ﴾ بالخروج عن ديارِهم وأموالهم ﴿لَيَخْرُجُنَّ﴾ جوابُ لـ ﴿وَأَقْسَمُوا﴾ على الحكاية.
﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا﴾ على الكذب.
﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ للنبيِّ ﵊ خيرٌ مِن قَسَمِكم الذي لا تَصدُقون فيه ولا تُصدَّقون، أو: الذي يُطلَب منكم طاعةٌ معروفة لا اليمينُ للطاعة النفاقيَّة المُنكَرة، أو: ليكن طاعةٌ، وقرئت بالنصب (١)، على أطيعوا طاعةً.
﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: يَعلم ما في ضمائرِكم، ولا يخفى عليه شيءٌ من سرائركم.
* * *
(٥٤) - ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.
﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أمرٌ بتبليغ ما خاطبَهم اللهُ تعالى به على الحكاية مبالغةً في تبكيتهم.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ﴾: على الرسول ﴿مَا حُمِّلَ﴾ من التبليغ ﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ من الامتثال.
﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ﴾ في أمره ونهيه ﴿تَهْتَدُوا﴾ إلى الحقِّ.
﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ وقد أدَّى، وإنما بقي ما حُمّلتُم، فإن أدَّيتم فلكم، وإلَّا فعليكم.
стр. 3230
البلاغ بمعنى التبليغ، كالأداء بمعنى التأدية، و ﴿الْمُبِينُ﴾: الظاهر؛ لكونه مقرونًا بالآيات والمعجزات، ثم ذكر المُخلصين، فقال:
(٥٥) - ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الخطاب للنبيِّ ﵊ والأمَّة، أو له ولمن معه، و (مِن) للبيان.
﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: ليجعلنَّهم خَلَفًا متصرِّفين في الأرض تصرُّف الملوك في ممالكهم، وهو جواب قَسَمٍ مُضمَر، تقديره: وَعَدهم اللهُ وأقسم ليستخلفنهم (١)، أو الوعدُ في تحقُّقه منزَّلٌ منزلةَ القَسَم.
﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: بني إسرائيل في مصر والشام بعد الجبابرة.
﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ وهو الإسلام بالتقوية والتثبيت.
﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ﴾ من الأعداء ﴿أَمْنًا﴾ منهم، لغَلَبتهم عليهم، كان رسولُ الله ﵇ وأصحابُه ﵃ مَكَثوا بمكَّة عَشْرَ سنينَ خائفينَ، ثم هاجروا إلى المدينة، فكانوا يُصبحون في السلاح ويُمسون فيه، حتى أنجز اللهُ تعالى وعدَه، فأَظهرهم اللهُ على العرب كلِّهم وفتح عليهم بلادَ الشرق والغرب (٢).
стр. 3231
﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ حالٌ من ﴿الَّذِينَ﴾ لتقييد الوعد بالثبات على التوحيد، أو استئنافٌ ببيان المقتضي للاستخلاف والأمن.
﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ حالٌ من (الواو)؛ أي: يعبدونني غيرَ مشركين، ويجوز أن يكون حالًا بدلًا من الحالِ الأولى.
﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾: ومَن ارتدَّ أو كفر هذه النعمةَ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾: بعد الوعد، أو بعد حصول الخلافة.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾: الكاملون في فسقهم، حيث كفروا بعد وضوح مثل هذه الآيات، أو كفروا بتلك النعمةِ العظيمة.
* * *
(٥٦) -) ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ في سائر التكاليف الشرعيَّة بالأوامر والنواهي.
ولا يَبعد عطف ذلك على ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ فإنَّ الفاصلَ وعدٌ على المأمورِ به، فيكون تكريرُ الأمر بطاعة الرسول للتأكيد وتعليق الرحمة به أو بالمندرجة هي فيه بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ كما علِّق به الهدى.
* * *
(٥٧) - ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: فائتينَ اللهَ تعالى، بأنْ لا يَقدر عليهم فيها، فالتاء خطابٌ للنبيّ ﵊ وهو الفاعل، والمفعولان ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ﴾.
стр. 3232
وقرئ بالياء (١)، والفاعل النبيُّ ﵊؛ لتقدُّم ذِكْره، والمفعولان ما ذكر آنفًا.
﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ عطف عليه من حيث المعنى، كأنه قيل: الذين كفروا ليسوا بمعجزينَ ومأواهم النارُ؛ لأن المقصودَ من النهي عن الحُسْبان تحقيقُ نفي الإعجاز.
﴿وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: المأوى الذي تصيرون إليه.
* * *
(٥٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ رجوعٌ إلى تتمَّة الأحكام السالفة بعد الفراغِ عن الآيات الدالَّة على وجوب الطاعة فيما سلف من الأحكام وغيره، والوعدِ عليها، والوعيدِ على الإعراض عنها، والمراد به خطابُ الرجال والنساء، غلِّب فيه الرجالُ؛ لما روي: أنَّ غلامَ أسماء بنتِ أبي مَرْثَد دخل عليها في وقت كَرِهَتْهُ، فنزلت (٢).
﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾: والصبيانُ الذين لم يَبلغوا، فكنَّى عن البلوغ إلى حدِّ الرجوليَّة ببلوغ الحُلُم؛ أي: الاحتلام؛ لأنَّه أقوى دلائله.
﴿مِنْكُمْ﴾: من الأحرار ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ في اليوم والليلة:
стр. 3233
﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ﴾ لأنَّه وقتُ القيام من المضاجع وطَرْحِ ما يُنام فيه من الثياب ولُبْسِ ثياب اليقظة، ومحلُّه النصبُ بدلًا من ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾، أو الرفعُ خبرًا لمحذوف؛ أي: هي من قبلِ صلاة الفجر.
﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ بيانٌ للحينِ، وهي نصفُ النهار في القَيْظ؛ فإنها وضعُ الثياب للقيلولة.
﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ لأنَّه وقت التجرُّد من ثياب اليقظة، والالتحافِ بثياب النوم.
﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ أي: هذه الثلاثُ أوقاتٌ يختلُّ فيها تستُّركم (١)، ويجوز أن يكون مبتدأً وما بعده خبره، وقرئ بالنصب (٢) بدلًا عن ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾.
وأصلُ العورةِ: الخللُ، ومنها الأعور: المختلُّ العين، دخل غلامٌ من الأنصار على عمرَ ﵁ وقتَ الظهيرة وهو نائم وقد انكشفَ عنه ثوبُه، فقال عمرُ ﵁: وَدِدتُ أنَّ اللهَ تعالى نَهَى عن الدُّخول في هذه الساعات إلَّا بإذنٍ، فانطلق إلى النبيِّ ﵊ وقد نزلت عليه الآية (٣).
ثم عَذَرهم في ترك الاستئذان وراءَ هذه المرَّات بقوله:
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ﴾ وإنما نفى الحرجَ عن الطرفين؛ لأنَّ الحرمةَ في
стр. 3234
وقت الحرمة مِن الطرفين، ومن هنا تبيَّن أنَّ الأمر (١) بالاستئذان في حقِّ المماليك والصبيان تضمَّن الأمرَ بالاحتياط في حقِّ المخاطَبِين.
﴿بَعْدَهُنَّ﴾ بعدَ هذه الأوقاتِ في تَرْكِ الاستئذان، وليس فيه ما ينافي آيةَ الاستئذان فيَنسَخَها؛ لأنَّه في الصبيان والمماليك المدخول عليه، وتلك في الأحرار البالغين ومماليك الغير.
وأمَّا ما قيل: هذا ممَّا الناسُ منه في غفلةٍ، وهو عندهم كالشريعة المنسوخة، فمنشؤه الغفلةُ عمَّا حكاه المهدويُّ عن ابنِ عباس ﵄ من أنَّ ذلك كان واجبًا، إذ كانوا لا غَلَقَ لهم ولا أبواب (٢)، ولو عاد الحال لعاد الوجوب (٣).
﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾: هم طوَّافون، استئنافٌ ببيان العذر المرخِّص في ترك الاستئذان، وهو شدَّة المخالطة وكثرةُ المداخلة، وفيه وفي الفرق بين الأوقاتِ الثلاثة وغيرِها بأنها عوراتٌ دليل على تعليل الأحكام.
﴿بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ بعضكم طائفٌ على بعضٍ، أو: يطوف بعضُكم على بعض، والجملة مؤكِّدة لِمَا قبلها، ويجوز أن يكون بدلًا منه، يعني: لا بدَّ لهم من ذلك للخدمة، فلو جزم بالاستئذان في كلِّ وقت لأفضى إلى الحرج.
﴿كَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك التبيين ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أراد بالآياتِ عللَ الأحكام،
стр. 3235
يعني (١): كما يبيِّنُ لكم علَّة الاستئذان يبيِّنُ العللَ في غيره من الأحكام التعليلية عند الحاجة إليه.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ بمصالح عبادِه ﴿حَكِيمٌ﴾ في بيان مرادِه.
* * *
(٥٩) - ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ﴾ من الأحرار دون المماليك ﴿الْحُلُمَ﴾: الاحتلامَ، كناية عن بلوغهم حدَّ الرجوليَّة؛ أي: إذا بلغوا وأرادوا الدخولَ عليكم.
﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ في جميع الأوقات ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: الذين بلغوا الحُلُم مِن قبلهم، وهم الكبار من الأحرار، والذين ذُكروا مِن قبلهم في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ الآية، والمعنى: أن الأطفال مأذونٌ لهم في الدخول بغير إذنٍ إلَّا في العورات الثلاث، فإذا اعتاد الأطفالُ ذلك ثم بلغوا بالاحتلام أو بالسِّنِّ، وجب أن يُفطَموا عن تلك العادة، ويُحمَلوا على أن يَستأذنوا في جميع الأوقات كالكبار من الأحرار الذين لم يَعتادوا الدخولَ عليكم إلا بالإذن.
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ كرَّره تأكيدًا ومبالغةً في الأمر بالاستئذان.
* * *
стр. 3236
(٦٠) - ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾: العجائزُ اللاتي قعدنَ عن الحيض والحمل لكِبَرهنَّ؛ فقعودُهنَّ (١) كناية عن اليَأْس عن التماسِ الناس (٢)، فالتوصيف بقوله: ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾: لا يَطمعن فيه، لتقرير هذا المعنى وتأكيده.
﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ﴾: إِثْمٌ، ودخلت الفاء لما في المبتدأ مِن معنى الشرط بسبب اللام (٣).
﴿أَنْ يَضَعْنَ﴾: في أن يضعن ﴿ثِيَابَهُنَّ﴾ أي: الظاهرةَ كالمِلْحَفة والجلباب الذي فوق الخمار.
﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أي: غيرَ مُظهِراتٍ زينةً، يريد الزينة التي أَمَر بإخفائها في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الآية، أي: لا يَقصدن بوضعها التبرُّجَ ولكن التخفُّف، وحقيقة التبرُّج: التكلُّف في إظهار ما يَخفَى، من قولهم: سفينة (٤) بارِجَة: لا غطاءَ عليها، إلَّا أنَّ الذي خُصَّ بتكشيف المرأة زينتُها ومحاسنُها للرجال.
﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾؛ أي: يَطلبنَ العفَّة عن وضع الثياب فيسترن ﴿خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ من وضعها؛ لأنَّه أبعدُ من التُّهَمة.
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لمقالتهنَّ للرجال ﴿عَلِيمٌ﴾ بمقاصدهنَّ.
стр. 3237
(٦١) - ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ قال سعيد بنُ المسيِّب: كان المسلمون إذا خرجوا إلى الغزو مع النبيِّ ﷺ وَضَعوا مفاتيحَ بيوتِهم عند الأعمى والأعرج والمريض، وعند أقارِبهم، ويأذنونهم أن يأكلوا من بيوتهم، وكانوا يتحرَّجون عن ذلك، ويقولون: نخشى أن لا تكون أنفسُهم بذلك طيِّبَةً، فنزلت الآيةُ رخصةً له (١).
﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ هذا على ظاهره، ولم يُرَدْ به بيانُ الحكم فيه، بل إظهارُ التسويةِ بينه وبين قرنائه، كقوله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: ٤٦].
﴿أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ لم يذكر بيوتَ الأولاد؛ إحالةً لحالها على الدلالة.
﴿أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ
стр. 3238
أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ﴾ لأنَّ الإذنَ مِن هؤلاء ثابتٌ دلالةً.
﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ جمع: مِفْتَحٍ، وهو ما يُفتَح به الغلق، وأُريد بملكه: كونه في يده وحفظِه، قال ابنُ عباس ﵄: هو وكيلُ الرجل وقيِّمه في ضيعته وماشيته (١)، له أن يَأكل من ثمر ضيعته، ويشرب من لبنِ ماشيته (٢).
﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾: أو بيوتِ صديقكم، وهو يقع على الواحد والجمع كالخليط، وكان الرجل من السَّلَف يَدخل دارَ صديقه وهو غائب، ويسأل جاريته كيسَهُ، فيأخذ ما شاء، فإذا حَضَرَ مولاها أَعتقها سرورًا بذلك، فأمَّا الآن فقد غَلب الشُّحُّ على الناس فلا يوجد صديق حكمُه هذا، لا أنه يوجد ويتخلَّف عنه الحُكم بغَلَبة الشُحِّ (٣)، وكأنْ لنُّدرة وجودِه عَدَل فيه عن صيغة الجمع.
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا﴾: مجتمعينَ، وَرَدَ فيمن تحرَّجوا من الاجتماعِ على الطعام؛ لاختلافِ الناس في الأكل، وزيادةِ بعضهم على بعض.
﴿أَوْ أَشْتَاتًا﴾: متفرِّقين، جمع: شَتٍّ، ورد فيمَن تحرَّجوا عن الأكل وحده.
﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾ من هذه البيوت ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ على أهلِها الذين هم منكم دينًا وقرابةً، وهذا كقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]؛ أي: مَن هو مِن جنسكم.
стр. 3239
﴿تَحِيَّةً﴾ نصبٌ بـ (سلِّموا)؛ لأنَّه في معنى: تسليمًا، نحو: قعدتُ جلوسًا.
﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: ثابتةً بأمره، مشروعةً من لدنه، ويجوز أن يكون صلةً للتحية، فإنَّها طلبُ الحياة وهي مِن عنده.
﴿مُبَارَكَةً﴾ لأنها دعوةُ مؤمنٍ لمؤمنٍ بأمر الله تعالى يُرجى بها زيادة الخير والثواب.
﴿طَيِّبَةً﴾ تَطيبُ بها نفسُ المستمِعِ، وفي حديث أنس ﵁: قال ﵊: "مَتى (١) لقيتَ مِن أمَّتي أحدًا فسلَّم عليه يَطُلْ عمرُك، وإذا دخلتَ بيتَك فسلِّم عليهم يَكثرْ خيرُ بيتك، وصَلِّ صلاةَ الضحى فإنها صلاةُ الأبرارِ الأوَّابينَ" (٢).
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ كرَّره ثالثًا لمزيد التأكيد، وتتميمِ الأحكام المختتَمة به، وفصلَ الأولَينِ بما هو المقتضي لذلك وهذا بما هو المقصود منه فقال:
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: الحقَّ والخيرَ في الأمور.
* * *
(٦٢) - ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
стр. 3240
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: الكاملون في الإيمان ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ مِن صميم قلوبهم.
﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ كالجمعة والأعياد والحروب والمشاورةِ في الأمور، ووُصِف الأمرُ بالجمع على سبيل المجاز للمبالغة.
﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ أي: وَيأذنَ لهم، ولمَّا أراد أن يُريَهم عِظَم الجناية في الذهاب عن مجلسه ﵊ إذا كانوا معه على أمرٍ جامعٍ، جعل تركَ الذهابِ بلا إذنٍ ثالثَ الإيمان (١) بالله تعالى، والإيمانِ برسوله ﵊، وجعلهما كالتمهيد لذكره، ثم عقَّبه بما يزيده توكيدًا وتشديدًا حيث أعاده على أسلوبٍ آخر أبلغ فقال:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وضمَّنه شيئًا آخر، وهو أنه جعل الاستئذان كالمصداق لصحَّة الإيمانين، وعرَّض بحال المنافقين وتسلُّلهم لواذًا.
﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ﴾ في الانصراف ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ ما يَعرِض لهم من الهامِّ (٢)، وفيه أيضًا مبالغة وتضييق للأمر.
﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ فيه رفعُ شأنه ﵊ بتفويض الأمر إلى رأيه، ففيه دلالةٌ على أن بعض الأحكام مفوَّض إلى رأيه.
وتقييدُ المشيئة بأن تكون تابعةً لعلمهِ بصدقهِ حتى يكون المعنى: فَأْذَن لمن عَلمت أن له عذرًا = تعسُّف ظاهر.
стр. 3241
﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ بعد الإذن، فإن الاستئذان ولو لعذرٍ قصورٌ؛ لأنَّه تقديمٌ لأمرِ الدنيا على أمرِ الدين.
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لفَرَطات العباد ﴿رَحِيمٌ﴾ بالتيسير عليهم.
* * *
(٦٣) - ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ نهيٌ عن التسوية بين الدعاءين، والمقصود النهيُ عن لوازمها كجواز (١) الإعراض، والمساهلةِ في الإجابة، والرجوع بغير إذن، وذلك لأنَّ المبادرة إلى إجابته واجبةٌ، والمراجعةَ بغير إذنه محرَّمة.
وحملُ الدعاء على النداء والتسمية، أو على الدعاء عليه (٢)، لا يناسب السباق واللحاق، والفصل بين أجزاء الكلام بالأجنبيِّ من المساق يُخِلُّ بمقتضى البلاغة وحُسْن الاتِّساق.
﴿يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ﴾: يخرجون قليلًا قليلًا من الجماعة، ونظير تسلَّل: تدرَّج وتَدخَّل.
стр. 3242
﴿لِوَاذًا﴾: ملاوذةً، بأن يستتر بعضهم ببعض حتى يخرج، أو يلوذ بمَن يُؤذَن له فينطلق معه كأنه تابِعُه، وانتصابه على الحال؛ أي: ملاوِذِين.
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ يخالفون أمرَه بترك مقتضاه، و (عن) لتضمُّنه معنى الإعراض، أو: يصدُّون عن أمره دون المؤمنين، والضميرُ لله؛ لأن الأمرَ في الحقيقة له، أو للرسول ﵊؛ لأنَّه المقصود بالذِّكر.
ومفعول (يحذر): ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾: محنةٌ في الدنيا.
﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة، و (أو) لمنع الخلوِّ، فلا ينافي الجمع، والآية تدلُّ على أن الأمر للإيجاب.
* * *
(٦٤) -) ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أدخل ﴿قَدْ﴾ عليه؛ ليؤكِّد علمَه بما هو عليه من المخالفة عن الدِّين والنِّفاق، ومرجع توكيد العِلم إلى توكيد الوعيد، والمعنى: إن جميع ما في السماوات والأرض مختصَّةٌ به خَلْقًا ومُلْكًا وعِلْمًا، فكيف يخفى عليه أحوالُ المنافقين وإن كانوا يجتهدون في سَترها؟!
﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾: يوم يرجع المنافقون إليه للجزاء؛ أي: وَيعلم يوم يُرَدُّون إلى جزائه، وهو يوم القيامة.
والخطاب في الكلامين المذكورين يجوز أن يكون جميعًا للمنافقين على
стр. 3243
طريقة الالتفات (١)، ويجوز أن يكون الأوَّل عامًا، والثاني خاصًا بهم.
﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾ يوم القيامة ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾: بما أَبطنوا من سُوء أعمالهم، ويجازيهم حقَّ جزائهم.
﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فلا تَخفى عليه خافيةٌ.
* * *
стр. 3244
سُورَةُ الفُرقَانِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(١) - ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾.
﴿تَبَارَكَ﴾: تزايدَ خيرُه وتكاثرَ، أو: تزايدَ عن كلِّ شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله، وهي كلمةُ تعظيمٍ لم تُستعمل إلَّا لله وحده، والمستعملُ منه الماضي فحَسْب، وترتيبه على إنزال الفرقان لِمَا فيه من كثرة الخير.
﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ مرَّ تفسيره في سورة آل عمران.
﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ وقرئ: (على عباده) (١)، وهم رسولُ الله ﷺ وأمَّتُه، أو المرسلون بالكتب السماوية؛ على أن الفرقانَ اسمُ جنسٍ.
﴿لِيَكُونَ﴾ العبدُ أو الفرقانُ ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾: للثَّقَلين ﴿نَذِيرًا﴾: مُنذِرًا، أو: إنذارًا؟ كالنَكير بمعنى الإنكار.
وهذه الجملة معلومةٌ للرسول ﵊، ولا يَلزم أن تكون الصلةُ معلومةً لكلِّ أحدٍ (٢).
стр. 3245
(٢) - ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾.
﴿الَّذِي﴾ رفعٌ على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أو على الإبدال من ﴿الَّذِي نَزَّلَ﴾ أو على المدح، أو نصب عليه.
﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ على الخلوص (١).
﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ كما زعم اليهودُ والنصارى ومشركو العرب في العُزَيْر والمسيح ﵇ والملائكةِ.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ كما زَعَمت الثَّنَويَّة.
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ لا كما قالت المجوس: إنَّه تعالى لم يَخلُق الظُّلمة، ولا كما قالت المعتزلة: إنَّه تعالى غيرُ خالقٍ لأفعال العباد.
﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ أي: قدَّر كلَّ شيءٍ تقديرًا يُوافق الحكمةَ فخلقه، والقلبُ لمحافظة الفاصلة.
* * *
стр. 3246
(٣) - ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾.
﴿وَاتَّخَذُوا﴾ الضمير للكافرين؛ لدلالة ﴿نَذِيرًا﴾ عليهم.
﴿مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ لمَّا تضَّمن الكلامُ إثباتَ التوحيد والنبوَّة، أَخذَ في الرَّدِّ على المخالفين فيها:
﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ وصف آلهتهم بما يدلُّ على أنَّها لا تَستحقُّ العبادةَ؛ أي: لا يَقدرون على الخَلْق ومع ذلك هم مخلوقون، وإنَّما قال: ﴿يُخْلَقُونَ﴾ إظهارًا لتجدُّد حدوثها، وفيه وجهٌ آخرُ لعدم استحقاقها العبادة.
﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ مِلْكُهما كنايةٌ عن القُدرة على التصرُّف فيهما بالدَّفْع والجَلْب، فلا حاجةَ إلى تقديرِ مضاف، وتقديم الضَّرِّ لأنَّ دفعَه أهمُّ من جَلب النفع، وإنَّما قال: ﴿لِأَنْفُسِهِمْ﴾ إظهارًا لغاية عجزهم، فإنَّ مَن لا يقدر على ذلك في حقِّ نفسِه لا يَقدر عليه في حقِّ غيره، بدون العكس.
﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا﴾ قدَّمه على الحياة على عكس ترتيب الوجود؛ لتقديم الضَّرِّ على النفع.
﴿وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ أراد به الإحياءَ بعد الموت؛ أي: إنَّهم بمعزلٍ عن الألوهية؛ لعرائهم عن لوازمها واتِّصافهم بما ينافيها، وجعلها كالعقلاء لزعم عابديها.
* * *
(٤) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾.
стр. 3247
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: ما هذا القرآنُ ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾: كَذِبٌ مصروفٌ عن وجهه ﴿افْتَرَاهُ﴾: اختَلَقه، يعني: محمدًا ﵊.
﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾؛ أي: اليهودُ، فإنَّهم يُلقون إليه أخبارَ الأمم وأحوالَ الآخرة، وهو يعبِّر عنه بعبارته.
﴿فَقَدْ جَاءُوا﴾ جاء يُستعمل في معنى فَعَل فيُعدَّى (١) تعديتَه، وأمَّا حذف الجارِّ وإيصالُ الفعل فلا بُدَّ فيه من السماع.
﴿ظُلْمًا﴾ بجَعْل الكلامِ المعجِزِ إفكًا مُختلقًا مُتلقَّفًا من اليهود.
﴿وَزُورًا﴾ بنسبةِ ما هو بريءٌ منه إليه، والزُّور: القولُ المائلُ عن القصد.
* * *
(٥) - ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾.
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: ما سطَّره المتقدِّمون، وقد مَرَّ بيانُ الأساطير.
﴿اكْتَتَبَهَا﴾؛ أي: كَتَبها بنفسه، أو: اسْتكْتَبها.
وقرئ على البناء للمفعول (٢)؛ لأنَّه أُمِّيٌّ، وأصله: اكتَتَبها كاتبٌ له، فحُذف اللام وأفضَى الفعلُ إلى الضمير، فصار: اكتَتَبها إيَّاه كاتبٌ، ثم حُذف الفاعل وبُني الفعل للضمير، فاستَتر فيه.
﴿فَهِيَ تُمْلَى﴾ أي: تُلقَى عليه من كتابه ليَحفَظَها، فإنَّه أُمِّيٌّ لا يَقدر أن يَكرَّر من الكتاب.
стр. 3248
﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ البُكْرةُ: أوَّلُ النهار، والمراد من الأصيل آخرُه؛ بقرينة المقابَلة.
* * *
(٦) - ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ والسِّرُّ: إخفاءُ المعنى في القلب، والمراد: ما في السماوات والأرض مِن خفايا الأحوال (١)، يعني أنَّ في القرآن إخبارًا عمَّا لا يَعلمه إلَّا اللهُ تعالى من الجنَّة والنار وما فيهما، ولا تعرُّض لهما في التوراة والإنجيل، ولو كان مأخوذًا من اليهود أو النصارى لم يَزد على ما فيها، وأيضًا فيه إخبارٌ عن الحوادث السماوَّية والأرضيَّة قبل حدوثها، وليس فيها احتمال الأخذ من كتب المتقدِّمين.
﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ساترًا للذُّنوب ومؤخِّرًا للانتقام ﴿رَحِيمًا﴾ بالإمهالِ وعدمِ الاستعجال وإدرارِ الإنعام؛ ليتوب بعضهم ويرجعَ عن الإصرار، وَيخرج من أصلاب المصِّرين أصحابُ الاعتبار والاختبار، وزيادة ﴿كَانَ﴾ لإفادة الدلالة على العادة.
* * *
(٧) - ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾.
﴿وَقَالُوا مَالِ﴾ وقعت اللامُ في المصحف مفصولةً عن الهاء، وخَطُّ المصحفِ سُنّةٌ لا يغيَّر ﴿هَذَا الرَّسُولِ﴾: ما لهذا الذي يَزعم أنَّه رسولٌ، وفيه استهانة وتهكُّم.
стр. 3249
﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ حالٌ، والعامل فيها ﴿هَذَا﴾، والجملة الأولى كنايةٌ عن غاية الأكل، ولا يَخفى ما فيها من تقبيح الحال الذي يقتضيه مساقُ الكلام، والثانية كنايةٌ عن الغرض من المشي في الأسواق، وهو طَلَب أسبابِ المعاش؛ أي: إن صحَّ أنَّه رسول المَلِك المتعال، فما بالُهُ يَفعل هذه الأفعالَ؟! يَعنون أنه كان يجب أن يكون مَلَكًا بريئًا عن لوازم البشريَّة.
ثم تنزَّلوا عن ذلك الاقتراح (١) إلى اقتراحِ أن يكون إنسانًا معه مَلَكٌ حتى يتسانَدا في الإنذار، بقولهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾.
* * *
(٨) - ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾.
ثم تنزَّلوا إلى أن يكون مرفودًا بكنزٍ يُلقى إليه من السماء يَستظهِر به ولا يَحتاج إلى تحصيل المعاش فقالوا: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾.
ثم تنزَّلوا فقالوا: ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾؛ أي: إن لم يُلقَ إليه كنزٌ فلا أقلَّ أن يكون له بستانٌ كما للدَّهَاقين والمياسير، فيعيشَ برَيْعه، وحسَّن عطفَ المضارع - وهو ﴿يُلْقَى﴾ و ﴿تَكُونُ﴾ - على ﴿أُنْزِلَ﴾ وهو ماضٍ دخولُ المضارع وهو ﴿فَيَكُونَ﴾ بينهما، وانتصب ﴿فَيَكُونَ﴾ لأنَّه جواب ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى: هلَّا، وحكمُه حكم الاستفهام.
وأراد بالظالمين في قوله: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ إيَّاهم بأعيانهم، غيرَ أنَّه وضع موضعَ المضمَر تسجيلًا عليهم بالظلم.
стр. 3250
﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ سُحِرَ فغُلِب على عقله، فيخيَّل إليه الشيطانُ مَلَكًا، وكلامُه وحيًا.
* * *
(٩) - ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾.
﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾؛ أي: قالوا فيكَ تلك الأقوالَ الغريبةَ واخترعوا لك تلك الأحوالَ النادرة ﴿فَضَلُّوا﴾ عن طريق الحقِّ في جميع ذلك.
﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ إلى طعنٍ موجَّهٍ (١)، فيتهافتون وَيخبِطون كالمتحيِّر في أمره لا يَدري ما يَصنع، فلا يَجدون سبيلَ هداية ولا يُطيقونه؛ لالتباسه عليهم.
* * *
(١٠) - ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾.
﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾: تكاثَرَ خيرُ الذي إن شَاء (٢) وَهَبَ لك في الدنيا خيرًا ممَّا قالوا، ولكن أخَّره إلى الآخرة لأنَّه خيرٌ وأبقى، وقوله:
﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ بدلٌ من ﴿خَيْرًا﴾.
﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ عطفٌ على محلِّ الجزاء، وقرئ بالرفع (٣)؛ لأن الشرط إذا وقع ماضيًا جاز في جزائه الجزمُ والرفعُ، ويجوز أن يكون استئنافًا بوعدِ ما
стр. 3251
يكون له في الآخرة، وقرئ بالنصب (١) على أنه جوابُ الشرط بالواو.
* * *
(١١) - ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾.
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾ عطف على ما حُكيَ عنهم، يقول (٢): بل أتوا بأعجبَ من ذلك كلِّه وهو تكذيبُهم بالساعة، أو متَّصل بما يليه؛ كأنه قال: بل كذَّبوا بالساعة، وكيف يلتفتون إلى هذا الجواب، وكيف يُصدَّقون بتعجيلِ مثلِ ما وعدك في الآخرة وهم لا يؤمنون بها؟!.
﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ﴾: وهيَّأنا للمكذبين بها نارًا شديدةَ الإسعار، والإسعار: تهييج النار بشدَّة الإيقاد.
* * *
(١٢) - ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾.
﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾: إذا قابَلَتْهم وصارت منهم بقَدْرِ ما يرى منهم الرائي، كقولهم: دُورُهُم تَتَراءَى؛ أي: تتناظر وتتقابل بحيث تكون إحداهما بمرأًى من الآخرى، على المجاز، والتأنيث لأنَّه بمعنى النار أو جهنَّم.
﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ أَقصى ما يُمكن أن يرى منه.
﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾: صوتَ تغيُّظٍ، شبَّه صوتَ غليانها بصوت المغتاظ (٣) وزفيرِه، وهو صوتٌ يُسمَع من جوفه، هذا ما يتراءى في بادئ النظر.
стр. 3252
والذي يظهر عند التأمُّل: هو أنه تمثيلٌ (١) من قَبيل المجاز التمثيلي الشائع في كلام الله تعالى، شبِّهت النار بمَن له تلك الحال، وذلك في غاية البلاغة، فمفرداتُ الكلام على حالها، وإنما قال: ﴿لَهَا﴾ دون: منها، أو: فيها؛ تنصيصًا على ما يتمُّ به التمثيل، وهو أن يكون التغيُّظ والزفير لها لا لِمَا فيها.
* * *
(١٣) - ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾.
﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا﴾ بيان تقدَّم فصار حالًا ﴿مَكَانًا﴾: في مكان ﴿ضَيِّقًا﴾ لزيادة العذاب، فإنَّ الكربَ مع الضيق، كما أنَّ الرَّوحَ مع السَّعَة، وعن ابن عباس ﵄: أنه يضيق عليهم كما يضيَّق الزُّجُّ في الرُّمْحِ (٢).
﴿مُقَرَّنِينَ﴾: قُرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال، أو يُقرَن مع كلِّ كافر شيطانُه في سلسلةٍ، وفي أرجلهم الأصفاد.
﴿دَعَوْا هُنَالِكَ﴾: ثَمَّ ﴿ثُبُورًا﴾: هلاكًا؛ أي: يتمنَّون الهلاكَ وينادونه، فيقولون: واثُبُوراهُ؛ أي: تعالَ يا ثبور فهذا حينُك، فيقال لهم:
(١٤) - ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾.
﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ إذ هم أحقَّاءُ بأن يقال لهم ذلك وإن لم يكن هناك قولٌ، أي: لا تقتصروا على حزنٍ واحد، بل احزنوا حزنًا كثيرًا، وكثرته إمَّا لدوام العذاب متجدِّدًا، وإمَّا لأنَّه أنواعٌ، وكلُّ نوعٍ منه يكون ثبورًا لشدَّته وفظاعته.
стр. 3253
(١٥) - ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾.
﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ أي: وُعدها، فالراجع إلى الموصول محذوفٌ، والمراد من المتقينَ بقرينة المقابلة: مَن يتَّقي أنواع الكفر من الشرك والتكذيب.
والإشارة إلى مكان العذاب وهو النار، وإنما قال: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ﴾ ولا خيرَ في النار؛ توبيخًا وتهكُّمًا للكفار، ويجوز أن تكون الإشارة إلى الكنز والجنَّة، وإضافة الجنَّة إلى الخلد للمدح لا (١) للدلالة على خلودها؛ لأنها (٢) حاصلة بقوله: ﴿خَالِدِينَ﴾.
﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً﴾ على أعمالهم بالوعد الأزليِّ ﴿وَمَصِيرًا﴾: مرجعًا.
* * *
(١٦) - ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾.
﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾: ما يشاؤونه من أنواع الملاذِّ والمشتهَيات، والمشيئة تتبع العلم، فالتفاوت في درجات أهلِ الجنة وأنواعِ تلذُّذهم بحسب عملهم (٣)، وإنَّما ذكر فيها مع عدم الحاجة إليه؛ للتنبيه بتقديمه على أنَّ حصول كلِّ المشتهيات لا يكون إلا في الجنَّة.
﴿خَالِدِينَ﴾ حالٌ من أحد ضمائرهم.
стр. 3254
والضمير في ﴿كَانَ﴾ لـ ﴿مَا يَشَاءُونَ﴾، و ﴿عَلَى﴾ في قوله: ﴿عَلَى رَبِّكَ﴾ استعيرَ لِمَا في منزلة الوجوب في التأكُّد (١) بقرينة الوعد والسؤال، ومَن وَهَمَ أنه على حقيقته؛ لامتناع الخُلْف في وعده تعالى، ثم قال: ولا يلزم منه الإلجاء إلى الإنجاز؛ لأن تعلُّق الإرادة بالموعود مقدَّم (٢) على الوعد الموجِب للإنجاز (٣) = فقد وَهِمَ؛ حيث لم يفرِّق بين الوجوبِ على الله والوجوبِ منه، فإن اللازم حينئذٍ هو الأول، والذي صحَّحه ودفع (٤) المحذور عنه هو الثاني.
﴿وَعْدًا مَسْئُولًا﴾؛ أي: كان ذلك موعودًا حقيقًا بأن يُسأل ويُطلب، أو: مسؤولًا سأله الناسُ في دعائهم.
* * *
(١٧) - ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾.
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ للجزاء ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يعمُّ كلَّ معبود سواه، و (ما) وضعُه عامٌّ، ولذلك يُطلَق لكلِّ شبحٍ (٥) يُرى (٦) ولا يُعرَف، أو يُراد به الوصف، أو لتغليب الأصنام لا تحقيرًا؛ لأن المغلَّب عليه من الأنبياء والملائكة لا يَليق ذلك بشأنهم، بل اعتبارًا لغَلَبة عبَّادهم.
стр. 3255
وإنما قلنا: يعم كلَّ معبودٍ، إذ لا قرينة للتخصيص لا بالأصنام، وذلك ظاهر، ولا بالملائكة والأنبياء؛ لأن كلَّ شيء يَنطِق يومئذٍ، فلا يكون السؤال والجواب قرينةً.
﴿فَيَقُولُ﴾ للمعبودين: ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي﴾ الإضافة لتعظيم جريمة الإضلال، لا لتشريفهم؛ لأنهم مشركون (١).
﴿هَؤُلَاءِ﴾ بدلٌ من ﴿عِبَادِي﴾، ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ لإخلالهم بالنظر الصحيح وإعراضهم عن المُرشِد النَّصيح، والاستفهام للتقريع والتبكيت للعَبَدة، فلذلك قدِّم الضمير على الفعل إيلاءَ حرفِ (٢) الاستفهام للمقصود بالسؤال، وهو الفاعل لا الفعل (٣)، وإنَّما حذف صلة (ضلَّ) للمبالغة.
* * *
(١٨) ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾.
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ تعجُّبًا ممَّا قيل لهم؛ لأنَّهم إمَّا ملائكة، أو أنبياءُ معصومون، أو جماداتٌ لا تَقدِر على شيء، أو قصدوا به تنزيهَه تعالى عن الأنداد.
﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا﴾؛ أي: ما كان يصحُّ لنا ولا يَستقيم ﴿أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ
стр. 3256
أَوْلِيَاءَ﴾ للعصمة أو عدم القدرة، فكيف يصحُّ لنا أن ندعوَ غيرَنا أو أن نتولَّى أحدًا دونك.
وقرئ: ﴿نَتَّخِذَ﴾ (١) على البناء للمفعول من (اتَّخَذَ) الذي له مفعولان، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] ومفعوله الثاني ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ و ﴿مِنْ﴾ للتبعيض؛ لأن (مِن) لا تزاد في المفعول الثاني، بل في الأول، وعلى الأول مزيدةٌ لتأكيد النفي.
ولمَّا تضمَّن قولهم: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا﴾ أنَّا لم نضلَّهم ولم نَحملْهم على الامتناع من الإيمان، صلح أن يستدرك بـ ﴿وَلَكِنْ﴾ فقالوا:
﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾ بالأموال والأولاد وطُول العمر والسلامة من العذاب.
﴿حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ حتى غَفلوا عن ذِكْرك، أو التذكُّرِ لآلائك.
والواو الفصيحة في ﴿وَكَانُوا﴾ للعطف على محذوف تقديره: فكفروا ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾: هالكينَ، مصدرٌ وصفَ به، ولذلك يَستوي فيه الجمعُ والواحد، قال ابن الزِّبَعرى في الواحد:
يا رسولَ الإله إنَّ لساني … راتقٌ ما فَتَقتُ إذ أنا بُورُ (٢)
* * *
(١٩) - ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾.
стр. 3257
﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ المعنى: فقد كذَّبكم المعبودون، وهذه المفاجأة بالاحتجاج والإلزام حسنة رائعة، وخاصَّة إذا انضمَّ إليها الالتفاتُ وحُذف القول، وقد سبق تحقيقُ هذا في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ من سورة المائدة [الآية: ١٩] (١).
﴿بِمَا تَقُولُونَ﴾ بقولكم فيه: إنَّهم آلهة، أو: هؤلاء أضلُّونا، والباء بمعنى (في)، أو مع المجرور بدل من الضمير.
وقرئ بالياء (٢)، ومعناه: فقد كذَّبوكم بقولهم: ﴿سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا﴾.
﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾ قرئ بالتاء (٣) على خطاب العابدين ﴿صَرْفًا﴾ هو: دفعًا للعذاب عنكم ﴿وَلَا نَصْرًا﴾ فيُعِينكم عليه.
ثم خاطب المكلَّفين على العموم بقوله:
﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ﴾ الشرط وإن عمَّ كلَّ مَن كفر أو فسَق، لكنه في اقتضاء الجزاء مقيَّد بعدم المُزاحم وهو التوبة إجماعًا، وبالإحباط بالطاعة والعفو عندنا في الأخير.
﴿نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ وهو عذاب النار، وفي عبارة ﴿نُذِقْهُ﴾ إشارةٌ إلى أن العذاب جسمانيٌّ.
* * *
(٢٠) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾.
стр. 3258
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ كُسرَت (إنَّ) لا لأجل اللامِ في الخبر؛ لأنَّ دخولها وخروجها هاهنا سواءٌ، بل لأنَّه موضع ابتداء تقديره: إلَّا هم يأكلون، والجملة بعد (إلَّا) صفةٌ لموصوف محذوف، والمعنى: وما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين إلَّا آكلين وماشين، وإنَّما حذف لدلالة ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ عليه (١)، ويجوز أن يكون حالاً اكتفي فيها بالضمير، وهو جواب لقولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾.
﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ﴾ أيُّها الناس ﴿لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾: ابتلاءً، ولا دلالة فيه على القضاء والقَدَر لأن قوله: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ علَّةٌ للجعل لا للتقدير، والمعنى: وجعلنا بعضَكم لبعضٍ فتنة ليَظهر أيُّكم يَصبر (٢).
ومن الفتنة: أن يَحسد المُبتلَى المعافَى، ويَحقِرَ المعافَى المبتلَى، والصبرُ أن يَحبس كلاهما نفسَه؛ هذا عن البَطَر (٣)، وذاك عن الضجر.
﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ بصَبْر مَن صَبَر، وضَجَر مَن ضَجِر، أو: بالصواب فيما يَبتلي (٤) به وغيرِه.
* * *
стр. 3259
(٢١) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ﴾ الرجاء: ترقُّب الخير الذي يقوَى في النفس وقوعه، وبهذا القيد الأخير يفارق الأمل.
﴿لِقَاءَنَا﴾ بالخير؛ لكفرهم بالبعث، أو: لا يخافون عقابنا؛ إما لأنَّ الراجيَ قلق فيما يرجوه، كالخائف، أو لأنَّ الرجاء في لغةِ تِهامة الخوفُ.
واللقاءُ: المصيرُ إلى الشيء من غير حائل، ولهذا صحَّ لقاءُ الجزاء؛ لأن العباد يصيرون إليه في الآخرة، وعلى هذا يصحُّ أن يقال: لا بدَّ مِن لقاء الله تعالى.
﴿لَوْلَا﴾: هلَّا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ رسلًا دون البشر، أو شهوداً على نبوَّته ﵇ ودعوى رسالته.
﴿أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ جهرةً فيُخبرَنا برسالته ويأمرَنا باتِّباعه.
﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: في شأنها، حتى أرادوا لها ما يتفق للأفراد من الأنبياء - الذين هم أكملُ خلقِ الله تعالى في أكملِ أوقاتها - وما هو أعظمُ من ذلك (١).
﴿وَعَتَوْا﴾ العتوُّ: الخروج إلى أفحشِ الظلم ﴿عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ بالغاً أقصى مراتبه؛ حيث عاينوا المعجزاتِ الباهرةَ فأَعرضوا عنها، واقترحوا لأنفسِهم الخبيثةِ ما
стр. 3260
سُدَّت دونه مطامع النفوس القدسيَّة، واللام جوابُ قَسَم محذوف، وفي الاستئناف بالجملة حُسْنٌ وإشعار بالتعجُّب (١) من استكبارهم وعتوِّهم، فإن في فحوى هذا الفعل دليل على التعجيب من غير لفظه، أَلا يُرى أنَّ المعنى: ما أشدَّ استكبارهم وما أكبرَ عتوَّهم!
* * *
(٢٢) - ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾.
﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾: ملائكةَ الموت أو العذاب، و ﴿يَوْمَ﴾ نصب بما دلَّ عليه: ﴿لَا بُشْرَى﴾؛ أي: يومَ يَرَون الملائكةَ يُمنعون البشرى أو يعدمونها (٢).
وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مؤكِّد لـ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ﴾، أو خبرٌ و ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ تبيينٌ، أو خبرٌ ثانٍ، أو ظرفٌ لِمَا تتعلَّق به اللام، أو لـ ﴿بُشْرَى﴾ إن قدِّرت منوَّنةً غيرَ مبنيَّةٍ مع (لا)، فإنَّها لا تعمل، أو بإضمار: اذْكُر، ثم أخبر فقال: لا بشرى بالجنة (٣) يومئذٍ.
وقيل: لا ينتصب بـ ﴿يَرَوْنَ﴾؛ لأنَّ المضاف إليه لا يَعمل في المضاف، ولا بـ ﴿بُشْرَى﴾؛ لأنها مصدرٌ، والمصدر لا يَعمل فيما قبله، ولأنَّ المنفىَّ بـ (لا) (٤) لا يَعمل فيما قبل (لا).
﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ظاهرٌ في موضعِ ضميرهم؛ تسجيلاً على جرمهم، وإشعاراً بما هو المانع للبُشرى والمُوجِبُ لما يقابلها، أو عامٌّ يَتناول حكمُه حكمَهم من طريق