← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

(٤٥) - ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾. ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾؛ أي: اطلبوا المعونة في دفع المكاره وجلبِ المنافع، فالاختصار للتعميم. ﴿بِالصَّبْرِ﴾ وهو حبسُ النفس، وقدِّمت الاستعانةُ بالصبر لتقدُّم تكاليفَ عظيمةٍ يَشُقُ التزامُها على مَن يألَفُها. ﴿وَالصَّلَاةِ﴾ كان رسول الله ﷺ إذا حزَبه (١) أمر فزع إلى الصلاة، وهي أرفعُ منزلةً من الصَّبر؛ لأنها تجمع ضُروبًا من الصبر؛ إذ هي حبسُ الحواسِّ على العبادةِ، وحبسُ الخواطر والأفكار على الطاعة. بل نقولُ: الأمر بالصبر تمهيدٌ للأمر بالصلاة؛ فإنَّ مرجع الجمعِ بينهما أن يصلُّوا صابرينَ على تكاليف الصلاة، محتمِلينَ لمشاقِّها وما يجبُ فيها من إخلاصِ القلب بدفعِ الوسواس ومُراعاةِ الآداب، ولهذا قال: ﴿وَإِنَّهَا﴾ وخصَّها بردِّ الضمير إليها دون (الصبر)، ولولا ذكرُ الصبرِ تمهيدًا لكان حقَّ (الصلاةِ) أن يعادَ فيها حرفُ الباء الدالَّةِ إعادتُها على الأصالة، والجملةُ اعتراضيَّةٌ. وقيل: الصبر: الصوم؛ لأنَّه حبسٌ عن المفطِّرات، ومنه قيل: شهرُ رمضان شهرُ الصبر، وعلى هذا ردُّ الضميرِ إلى (الصلاة) ليس بطريقِ التخصيص، بل بطريقِ الاكتفاء بالأعمِّ أو الأقدم؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤] وقولهِ تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا

стр. 352

إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] فإن الكناية في أحدهما (١) ردّ إلى الفضة لأنها الأغلبُ والأعمّ، وفي الآخرِ إلى التجارة لأنها أفضلُ وأهمّ. ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ من كبُر بمعنى عظُم، تمثيل وتصوير لمعنى ثقلِها وكونِها شاقَّةً على غير الخاشعين، لا من كبُر بمعنى ثقُل وشَقَّ حقيقةً أو مجازًا. ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ يعني: لا تهونُ على أحد إلا على الخاشعين؛ لأنَّه استثناءٌ مفرَّغٌ من كلامٍ موجَبٍ، فلا بد من تأويل النفي. والخشوع هيئةٌ في النفس يظهرُ منها في الجوارح سكونٌ وتواضعٌ، وفيه إشارةٌ إلى أن الصلاة التي تَخِفُّ على غير الخاشع مسماةٌ باسمها وليست هي في حكمِها. فإن قيل: هلَّا يلزمُ أن يكون ثوابُ غيرِ الخاشع أكثرَ؛ لِمَا جاء في الخبر: أن أكثر الأعمال ثوابًا أشقُّها (٢). قلنا: لا يلزمُ ذلك؛ لأن مفهوم الخبر: أنَّ الأعمال المتساوية في اشتمالِ الأركان والشرائطِ وسائرِ ما يجبُ رعايتُه أو يستحبُّ أكثرُها (٣) أشقُّها. (٤٦) - ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ لمَّا كانت الملاقاةُ متعذِّرةَ الحملِ على الحقيقة

стр. 353

جُعلت كنايةً عن رؤيته تعالى، وهو الوجهُ فيما يُروى في الأخبار: "لقيَ اللهَ تعالى وهو عليه غضبانُ" (١). والظنُّ بمعنى العلم، ويعضدُه أنَّ في مصحفِ ابن مسعود ﵁: (يعلمون) (٢)، ولا يُصار إلى التضمين إلا عند قيام القرينة اللفظية، وهي ذكر ما يتعلق بالمضمَّن، وهي مفقودةٌ هنا (٣). وفي عبارة الظن إشارة إلى أنه يكفي في حصول الخشوع الذي يزول به ثقل الصلاة أدنى مراتب الاعتقاد بملاقاته تعالى. وقيل: المراد: ملاقاةُ (٤) ثوابه، وحينئذ يكون الظنُّ بمعنى التوقُّع؛ لأنَّه وإنْ عَلِم أنه لا بد من ثوابٍ أو عقابٍ، لكنْ من أين يَعلم ما يُختم به عملُه، فلا بد مِن صرفِ الظن عن معنى العلم إلى معنى التوقُّع اللازم له. ويأباه قولُه: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى مشهدِ حكومتهِ يومَ العرض والسؤال ﴿رَاجِعُونَ﴾ إذ لا يناسبه معنى التوقُّع، وتقديرُ عامل آخرَ له خلافُ الظاهر. وإنما ثقُل على غيرهم لأنهم لم يعتقدوا بالجزاء (٥)، ولم يرجوا الثوابَ، فكانت في حقهم مشقةً خالصةً، ولم تثقل عليهم لأنهم اعتقدوا بلقاء (٦) الجزاء، وتوقَّعوا ما ادَّخر للصابرين على متاعها، فزاولوها برغبةٍ ونشاط وانشراح صدرٍ،

стр. 354

واستلذُّوا بها، ومن ثَمَّةَ قال رسول الله ﷺ : "وجُعلتْ قرَّةُ عيني في الصَّلاة" (١). (٤٧) - ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ تكريرٌ تمهيدًا لتذكير نعمة التفضيل، وقد جاء تفصيلها في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠]، وذكرُ تلك النعمة على الآباء إلزامُ الشكر على الأبناء؛ لأنهم يَشْرُفون بشَرَفهم، ولذلك قال: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ ولم يقل: فضَّلت آباءكم. والفضل: الزيادة في الخير، والجملة في محلِّ النصب معطوفةٌ على معنى ما تقدم؛ أي: أنِّي أنعمتُ عليكم وأنِّي فضَّلتكم. ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ الظاهرُ هو الاستغراق، وقد خرج إلى حيِّز النصِّ بقوله: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠] ولا حاجةَ إلى الصرف إلى الاستغراق العُرفيِّ بقرينةِ أن المتبادِر من الموجود المعتبر في مفهوم العالم الموجودُ (٢) بالفعل؛ لعدم الدلالة فيه على التفضيل من كلِّ جهةٍ عمومًا، ولا من جهة القُرْب والمكانة عند الله تعالى خصوصًا، ولذلك لم يكن فيه متمسكٌ لمن فضَّل البشر على الملك.

стр. 355

(٤٨) - ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ يريد يوم القيامة، وعظَّمه بالتنكير، ثم بالتوصيف، والمقصود: بيان كون ذلك معيارًا للمخاوف بحيث لا يكون آنٌ من آنائه خاليًا عن الخوف، وهذا يجعل نفسَ اليوم مَخوفًا لا ما (١) فيه. ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾؛ أي: لا تقضي نفسٌ ما من النفوس عن نفسٍ - أيِّ نفسٍ كانت - حقًّا من الحقوق، و ﴿شَيْئًا﴾ مفعول به، ويجوز أن يكون في موضع المصدر؛ أي: قليلًا من الجزاء، وعلى قراءةِ: (لا تُجْزِئُ) (٢) من أَجْزأَ عنه: إذا أَغْنَى عنه، لا يكون إلا بمعنى: شيئًا من الإجزاء. والجملةُ في محل النصب صفة لـ ﴿يَوْمًا﴾ والعائد محذوفٌ؛ أي: لا تجزي فيه، وهل الحذف بتدريج، أم حذفٌ برمَّته ابتداءً؟ قولان. ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ أي (٣): أيَّةُ شفاعة كانت، والضمير في ﴿مِنْهَا﴾ راجعٌ إلى النفس الثانية العاصية، أي: إن جاءت بشفاعةِ شفيعٍ لم يقبل منها، ويجوز أن يرجع إلى الأولى؛ أي: لا تجزي منها شيئًا وإن شفعت لها لا يقبل، وقِسْ على هذا قولَه: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ والعدل: الفديةُ؛ لأنها تعادل المَفديَّ، والشفاعةُ من الشَّفع، كأن الجانيَ كان فردًا فجعله الشفيعُ شفعًا بضم نفسه إليه.

стр. 356

وضمير الجمع في ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يرجع إلى ما دلَّت عليه النفسُ المنكَّرة في سياق النفي الدالَّةُ على العموم، والتذكيرُ بمعنى العِباد والأناس، والنصر أخصُّ من المعونة؛ لاختصاصه بدفع الضرر. وإنما عَدَل عن الجملة الفعلية المعطوفةِ على أخواتها إلى الاسمية؛ للدلالة على الدوام الوضعي؛ أي: ولا هم ينصرون دائمًا ما دامو هم هم، وفيه إيماءٌ إلى أنه يَنصرُ غيرَهم. وإنما قنَّطهم الإقناطَ الكليَّ لأن اليهود كانوا يزعمون أن آباءهم الأنبياءَ يشفعون لهم. ولمَّا كان الخطاب لليهود كان تقديره: لا تجزي نفسٌ ما منكم عن نفسٍ ما منكم، فلا دلالة فيه على أن الشفاعة لا تُقبل للعصاة مطلقًا. وكأنه أُريدَ بالآية نفيُ أن يَرفع (١) العذابَ أحدٌ عن أحدٍ من كلِّ وجهٍ محتمَلٍ، فإنه إمَّا أن يكون بإعطاء شيء أو مجانًا: فإن كان الأولَ: فإما أن يكون بأداءِ ما كان عليه وهو الجزاءُ، أو غيره وهو الفدية. وإن كان الثانيَ: فإما أن يكون على سبيل العطف وهو الشفاعةُ، أو على سبيل القهر وهو النصرةُ. وإنما عدَل عن الترتيب الذي هو مقتضَى هذا التقسيمِ اختيارًا لأسلوب التَّرقِّي، كأنه قيل: النفسُ الأولى غيرُ قادرة على استخلاصِ صاحبها بقضاء الواجب وتدارُكِ التَّبِعات (٢) لأنها مشتغلةٌ عنها بشأنها؛ كما أفصَحَ عنه قولُه تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ

стр. 357

شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]، ثم إنْ قَدَرتْ على سعيٍ ما مثلَ الشفاعة فلا يُقبل منها، وإن زادت عليها بأنْ يضمَّها الفداء فلا يؤخذُ منها، وإن حاولت الخلاصَ بالقهر والغلبةِ وأنَّى لها ذلك فلا تتمكن منه، فالترقِّي من السعي إلى السعي. (٤٩) - ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾. ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ﴾ (إذ) نصبٌ بـ: اذكروا، والتنجيَةُ: التَّخليصُ من مكروهٍ وشدَّةٍ، ومثْلُه الإنجاءُ. قيل: معنى ﴿نَجَّيْنَاكُمْ﴾: ألقيناكم على نَجْوةٍ من الأرض، وهي ما ارتفَع منه، هذا هو الأصل، ثم سمِّى كلُّ فائز ناجيًا، فالناجي: مَن خرج من ضِيقٍ إلى سعةٍ، ومعناه: خلَّصنا آباءَكم، وجعل ذلك نعمةً عليهم لأنهم نَجَوا بنجاتهم، ومن عادة العرب هذا؛ يقولون: قتلناكم يوم عكاظٍ، أي: قتل آباؤنا آباءَكم. وقرئ: (نجَّيتُكم) (١) فوافَقَ الضميرُ ضميرَ ﴿نِعْمَتِيَ﴾، وعطفُها عليها كعطف جبريل وميكائيل ﵉ على الملائكة، أو تفصيلٌ لِمَا أجمله في قوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ والتفصيلُ لا يلزم أن يكون على وجه الاستيعاب، بل قد يكتفى فيه بذكر المعظَّمات. ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أصل (آل): أهل؛ لأن تصغيره: أُهَيلٌ، فأُبدلت هاؤه ألفًا، وخُصَّ بالإضافة إلى أعلام الناطقين، دون النكرات والأمكنة والأزمنة والصناعات.

стр. 358

و (فرعون) عَلَمُ شخصٍ سُمِّي (١) به كلُّ مَن يملك العمالقة - وهم جبابرةُ مصر - وضعًا ابتدائيًّا (٢)، دلَّ على ذلك منعُ صرفه، وجمعُه باعتبار الأفراد؛ كقيصر لملك الروم، وكسرى لملك فارس. ولشهرةِ الفراعنة بالعتوِّ اشتُقَّ منه: تَفَرْعَن، إذا عتَا وتجبَّر (٣). وآلُه: قومُه المناسبون له، وحقيقةُ الآل: هم الذين يَؤُولُ أمرُهم (٤) إليه في نسبةٍ أو صحبة. ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ حالٌ من ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾، أو استئناف (٥) حكاية حال، والسَّوم أصلُه: الذهاب في ابتغاء الشيء، فهو لفظٌ مفردٌ بمعنًى مركَّبٍ من الذهاب والابتغاء، فأُجري مُجرى الذهاب في قولهم: سامت الإبل فهي سائمةٌ، ومُجرى الابتغاء في قولهم: سمْتُه كذا، ومنه: السَّومُ في البيع. ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ نصب على المفعولية (٦) لـ ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾، والسوء مصدرُ ساء؛ أي: قَبُحَ، ومعنى سوءِ العذاب - مع أن نفسه سيئٌ -: أقبحُه وأفظعُه. ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ استئنافٌ، أو حالٌ من ضمير الفاعل في ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾، أو بدل منه، أو معطوفةٌ عليه حُذف منها حرفُ العطف، ويؤيِّدُه ثبوتُه في سورة إبراهيم ﵇.

стр. 359

﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ والاستحياء: استفعالٌ من الحياة؛ أي: يبقون بناتكم للخدمة، سمِّينَ بما يَؤُول إليه أمرُهن. ولمَا في صيغةِ الاستفعال من الدلالة على أنَّ إبقاءَهن كان لمصلحتهم، كان المذكور من جملةِ الشدائد. ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ﴾ البلاء: هو الاختبار، ويكون بالشَّرِّ ليَصبروا فيكونُ محنةً، وبالخير ليشكروا فيكون مِنحةً، وكلاهما محتملٌ هاهنا بحسَب احتمالِ (١) المشارِ إليه أن يكون مصدرًا لـ ﴿نَجَّيْنَاكُمْ﴾، أو مصدر (يسومون) و (يذبِّحون) و (يستحيون). والأولُ أَوْفقُ بقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وأَليَقُ بأصل المقام، فإنه لتعديدِ النِّعم، والثاني أَلْصقُ (٢) بمقامِ تفصيلِ المحن، وأنسبُ للتذييل بهذه الجملة الاعتراضية. ﴿عَظِيمٌ﴾ صفة ﴿بَلَاءٌ﴾. وفيما ذُكر من المبالغة والتأكيد بالإجمال والتفصيل، والتسجيلِ بان الذبح (٣) أشدُّ العذاب وأفظعُه، ما لا يَخفى، ولهذا ذيَّله بالاعتراض تأكيدًا وتقويَةً له. (٥٠) - ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا﴾ الفَرْق والفَلْق كالفَصْل، لكنَّ الفلْقَ لا يكون إلا بينَ جسمين، والفرقَ يكون فيهما وفي المعاني. وقرئ: (فرَّقْنا) (٤) على بناء التكثير؛ لأنَّ المسالِكَ كانت اثني عَشَرَ بعددِ الأسباط.

стр. 360

والباء في: ﴿بِكُمُ﴾ للسببية؛ أي: بسببكم وبسببِ إنجائكم، ولا يجوز أن يكون للملابَسة؛ أي: مُلْتبِسًا بكم، ولا للاستعانة؛ أي: تسلكونها وتتفرَّقُ بكم كما يتفرَّقُ الشيء بالسكِّين عند قطعه؛ لأن قوله تعالى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] صريحٌ في أن انفصال البحر بعضِه عن بعضٍ وحصولَ المسالك كان بضربِ العصا قبل أخذِهم في السلوك، فإن في الفاء الفصيحة في قوله: ﴿فانفلق﴾ دلالةً على عدم تراخي الانفلاقِ عن الضرب. ﴿الْبَحْرَ﴾ هذا البحرُ كان قريبًا من مصرِ فرعونِ موسى ﵇، يقال له أسافًا، ويسمى اليوم: بحرَ القلزم (١). ﴿فَأَنْجَيْنَاكُمْ﴾ من خطرِ عبورِ البحر، وأخرجناكم من ضِيقِ مسالكه إلى سَعةِ البرِّ، وهذه الفاءُ أيضًا فصيحةٌ. ﴿وَأَغْرَقْنَا﴾ غَرِقَ في الماء من حدِّ عَلِمَ؛ أي: رسب فيه، فهو غَرِقٌ إذا كان لم يَمتْ بعدُ، فإذا مات فهو غريقٌ وجمعه: الغرقى. ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾ أتباعَه، فهو أول الغرقى وأَوْلى (٢) به، فكان غرقه معلومًا دلالةً، وفيما في العدول من الضمير إلى المظهَر من التنبيه على أنَّ السبب لذلك الحال كونُهم (٣) أتباعَه نوعُ تأييد لتلك الدلالة. ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ تقلِّبون أبصارَكم في الجهات نظرَ المبهوت إذا فاجأه خطبٌ (٤)،

стр. 361

أو تنظرون ما يُفعل بأعدائكم، فعلى الأول يكون النظر بمعنى طلبِ (١) الإبصار، وعلى الثاني بمعنى الانتظار. رُوي أنه تعالى أمر موسى ﵇ أن يسري ببني إسرائيل، فأَتْبعهم فرعون وجنوده مشرقين، فلما تراءى الجمعان وهم على شاطئ البحر أوحى الله تعالى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، فضرب فظهر فيه اثنا عشر طريقًا يابسًا، فسلكوها حتى جاوَزوا البحر، ثم وصل إليه فرعون ورآه منفلِقًا اقتحم فيه هو وجنوده فالتطم عليهم وأغرقهم أجمعين (٢). (٥١) - ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾. ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ الوعد هو التَّرجيَةُ بالخير، وَعَد الله تعالى موسى ﵇ بعد هلاك فرعون أن يُنزل عليه كتابًا يَنتمون إليه ويتمسَّكون به، وعيَّن له ميقاتًا ذا القعدة وعشر ذي الحجة، وإنما عبَّر عنه بالليالي لأنها غُرر الشهور. وانتصابُ ﴿أَرْبَعِينَ﴾ على المفعول به، إذ هي الموعودة (٣) على الاتِّساع المعهودِ بجَعْلِ الزمان (٤) - لكونه شرطَ الموعود - موعودًا، ولا يجوز نصبه على الظرفيَّة (٥)

стр. 362

لأنَّه معدودٌ، فيلزم أن يكون وقوعُ العامل في كلِّ فردٍ فردٍ منها، وليس كذلك. وقرئ: ﴿وَاعَدْنَا﴾ (١) وقال الزجَّاج: هذا جيد؛ لأنَّ الطاعة في القبول بمنزلةِ المطاوَعة (٢)، فمِن الله تعالى وعدٌ ومن موسى قبولٌ (٣). و (موسى) اسمٌ عجمي لا ينصرفُ للعُجمة والتعريف، رُوي أنَّ القِبْطَ يقولون للماء: مو، وللشجر: سا، فلما وُجد موسى ﵇ في التابوت عند ماءٍ وشجرٍ سُمي موسى. ﴿لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾؛ أي: اتَّخذْتُموه إلهًا، وحُذف المفعول الثاني للعلم به، ولسَمَاجةِ ذكرِه، وفيه تفظيعٌ لشأنه حيت ترك تطهيرًا؛ أي: جعلتُموه لأنفسكم معبودًا. ونُسب الاتِّخاذ إلى جميعهم وإن كان بعضهم لم يتَّخذ ولم يرضَ به؛ لأن القبيلة قد تُذمُّ وتُمدح بما وقع من (٤) بعضها، وفيه تنبيهٌ على زيادة القبح في ذلك الاتخاذ، حتى خرَّج البريء مخرج الذم لمقارنته (٥) المباشِرَ له (٦). والتعريفُ في ﴿الْعِجْلَ﴾ للعهد، والمعهودُ ما ذكر في قوله تعالى: ﴿عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف: ١٤٨].

стр. 363

و ﴿ثُمَّ﴾ للبعد بين مشاهَدة النعم المذكورة واتِّخاذِ العجلِ معبودًا؛ لأن معنى التراخي قد فُهم من قوله (١): ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ الضميرُ لموسى ﵇، والمعنى: بعد غيبته، وهي بالمضيِّ إلى الطور. ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ إخبارٌ بأن سجيَّتهم الظلم (٢)، يرشدك (٣) إلى هذا قولُه تعالى في موضعٍ آخَرَ: ﴿اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨]. والاتخاذُ المذكورُ يدلُّ على أنهم مجسِّمة أو حُلوليةٌ. (٥٢) - ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا﴾؛ أي: تجاوَزْنا ﴿عَنْكُمْ﴾ حين تبتُم. فإنْ قلتَ: أنهم عُوقبوا بالقتل - على ما يأتي عن قريبٍ - فما معنى العفو؟ قلتُ: العفو قد يكون قبل العقوبة وقد يكون بعدها، بخلافِ الغفران فإنه لا يكون معه عقوبةٌ البتة (٤)، على أن العقوبة كانت لبعضهم. وأصلُ العفو: المحوُ، من عَفَتِ الريحُ الأثرَ: إذا أَذْهَبتْه، لا من عفا المنزلُ: إذا دَرَس، فإنه يَتعدَّى ولا يَتعدَّى.

стр. 364

و ﴿ثُمَّ﴾ للبُعد، فإنَّ العفو بعد ارتكابهم ما هو الموجِبُ لأشدِّ العذاب في غايةِ البعد. و ﴿ذَلِكَ﴾ في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ لتعظيم الشرك؛ أي: عفَوْنا من بعدِ ذلك الأمر العظيم البعيد عن العفو ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ نعمةَ العفو. ومعنى الشكرِ في اللغة: عرفانُ الإحسانِ بالجَنان، ونشرُه باللسان. وتفسير (لعل) بـ (كي) مردودٌ بأنَّ جمهور أئمَّة اللغة اقتصروا في بيان معناها الحقيقيِّ على الترجِّي والإشفاق، وعدمُ صُلوحها لمجرَّد معنى العلِّيَّة والغَرَضيَّة مما وقع عليه الاتِّفاق، ألَا تَرى تقول: دخلت على المريض كي أعودَه، وأخذتُ الماء كي أشربَه، ولا يصحُّ: لعل. وحملُها على الإرادة إنما يصحُّ على أصل الاعتزال، وأمَّا على أصلِ أهلِ الحق فلا صحةَ؛ لأن إرادته تعالى تستلزمُ الوقوعَ عندهم ولم يقع، فلا بد من الحمل على كونهم في صورةِ مَن يُرجَى منه الشكرُ وإنْ لم يتعلَّق به الإرادةُ. (٥٣) - ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ الواو بينهما هو التي توسَّطُ (١) بين الصفات، والمفيدةُ كونَ الموصوف جامعًا لها؛ أي: الشيءُ الجامع بين كونه كتابًا منزلًا من عند الله وبين كونه فرقانًا يَفْرُق (٢) بين الحقِّ والباطل، وهو التوراة.

стр. 365

وفي توصيفه (١) بالكتاب في مقام المدح إشارةٌ إلى نزوله من السماء مكتوبًا. وحمل (الفرقان) على النصر الذي فرَق بينه وبين عدوِّه - كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] يعني: يومَ بدر - لا يناسبُه قولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ باتِّباع ذلك الكتاب المنزَل والعملِ بما فيه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤]. (٥٤) - ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ القوم اسمٌ جمع لا واحدَ له من لفظه، ويختصُّ بالرجال. ﴿يَاقَوْمِ﴾ المنادى إذا أضفْتَه إلى نفسكَ جاز فيه حذفُ الياء وإثباتُها كما في قوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣]، وفتحُها كما في قراءةِ مَن فتحَ الياء، والأجودُ الاكتفاء بالكسر. ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾؛ أي: ضَرَرْتُم أنفسكم بإيجاب العقوبة عليها، أو نَقَصْتُموها ثواب الإقامة على عهدي، فإن الظلم في اللغة: النَّقصُ، وفي العُرف: الضررُ الخالي عن نفعٍ يزيد عليه، ودفع مَضرَّةٍ أعظمَ منه، وظلمُ الإنسان نفسَه أفحشُ من ظلم غيرها. ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الفاء الأولى للسببية؛ لأن الظلم سبب التوبة، والثانيةُ للتعقيب، فإن كانت توبتُهم نفسَ القتل فقوله: ﴿فَاقْتُلُوا﴾ تفسير

стр. 366

وتفصيلٌ لقوله: ﴿فَتُوبُوا﴾، ولا حاجة إلى تقدير العزيمة، وإن كانت تتمَّةَ التوبة وسببَ قبولها فمعناه: توبوا فأَتْبِعوا توبتكم القتلَ تمامًا لها، والتعديةُ بـ (إلى) لمَا في التوبة من معنى الرجوع. وخُصَّ البارئُ بالذكر من (١) سائر أسمائه؛ لأن البارئ هو الذي خلقهم أبرياءَ من التفاوُت في النوع والتشابُهِ في الشخص، وذلك من عجيبِ حكمته وبديعِ قدرته، فعيَّرهم على تركهم عبادةَ مَن هذا شأنُه إلى عبادةِ ما هو مَثَلٌ في الغباوة حتى عرَّضوا أنفسَهم لسخطه، فناسب خلقَهم وجَمْعَ بِنييهم باللُّطف قَتْلُهم وفكُّ تركيبهم بالقهر حيث تقابَلا. والنفسُ هاهنا هي هذه البِنيةُ الإنسانيَّة، والقتلُ هو إزهاقُ الروح. وحُمل قوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ على الظاهر وهو النَّجْع؛ أي: قتل أحدٍ نفسَه، ويجوز أن يكون على التجوُّز بجَعل المقتولِ نفسَ القاتل؛ لِمَا (٢) بينهما من التعلُّق والاتحاد في الاعتقاد، قيل: أُمروا أن يقتل بعضُهم بالسيف بعضًا، وقيل: مَن لم يعبدِ العجل أن يقتل العبَدةَ. ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أي: ذلك القتلُ والرجوعُ أنفعُ لكم من الحياة بالإصرار المؤدِّي إلي العذاب المخلَّد في النار، ولمَّا كان ظهور نفعِه في الآخرة بالحياة الأبدية والبهجةِ السَّرْمديَّة نبَّه عليه بقوله: ﴿عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ وإعادة ﴿بَارِئِكُمْ﴾ كإعادة (الحق) في قوله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥].

стр. 367

﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ إخبار بالتوبة، وعطفٌ على محذوفٍ؛ أي: فامتثَلْتُم ذلك فتاب عليكم. وهاتان الجملتان مندرِجتان تحت الإضافة إلى الظرف الذي تقدَّم، والْتِفاتٌ من الغيبة إلى الخطاب، حيث عبَّر عنهم بطريق الغيبة بلفظ (قومه)، وأمَّا اندارجُه تحت قول موسى ﵇ على تقدير شرطٍ محذوف؛ أي: إنْ فعلتُم، ففيه أنَّ دخول الفاء الجزائية على الماضي المتصرِّف من غير (قد) غيرُ جائزٍ، وإضمارُها ضعيف، وحذفُ فعل الشرط وأداتهِ معًا وإبقاءُ الجواب مما نُوزع في صحته. ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ المبالغةُ في الوصف الأول لكثرة توفيقه تعالى في (١) التوبة وقبولها مرةً بعد أخرى، والمبالغةُ في الوصف الثاني لعدم الاستعجال في أمر العقوبة، والإهمالِ إلى زمان التوبة بدءًا وعودًا. (٥٥) - ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى﴾ يعدِّدُ عليهم ما صدر عنهم من سوء الاقتراح، وفي ندائهم موسى كليمِ الله باسمه دليلٌ على سوء أدبهم معه، وقد تكرَّر ذلك منهم. ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ تعديَةُ الإيمان باللام باعتبارِ تَضْمينهِ (٢) معنى الوثوق. وما قيل: أي: لأجل قولك، يأباه قوله: ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ لأنَّ عدم إيمانهم لأَجْل قوله لا ينتهىِ عند رؤيته تعالى بل يستمر.

стр. 368

والرؤية بصَريَّةٌ، وأكِّدت بقوله: ﴿جَهْرَةً﴾ - أي: غيرَ مستترٍ عنا بشيءٍ - مبالغةً في الإبصار، وانتَصَب على المصدر (١) لأنها نوعٌ من الرؤية، أو على الحال بمعنى ذوي جهرةٍ. وقرئ: (جهَرةً) (٢) بفتح الهاء، وهي إمَّا مصدرٌ كالغلبة، وإمَّا جمعُ جاهرٍ. وأوجَهُ الأوجُهِ هو أن يكونَ بمعنى (جَهْرة) لأنَّ كلَّ اسم كان ثانيهِ من حروف الحلْق يجوز تحريكُه قياسًا مطَّردًا كبَحْر وبَحَر، ونَهْر ونَهَر، والأصل في القراءتين التَّوافُقُ. والجهرُ حقيقة في ظهور الشيء بإفراطٍ صوتًا (٣) كان أو غيرَه. والقائلون هم النُّقباءُ السبعون الذين خرج بهم موسى ﵇ إلى الطُّور. وقيل: قاله عشرةُ آلافٍ منهم. والمؤمَنُ به: أن هذا كتابُ الله تعالى، وأنك سمعتَ كلامه، وأنَّه أَمَرنا بقبوله والعملِ به. ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ لا لاستحالة المسئول، بل لأنهم لم يَسألوا سؤالَ استرشادٍ (٤)، بل سألوا سؤالَ تعنُّتٍ، وأساؤوا الأدب في السؤال حيث قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾. والصاعقة: كلُّ أمرٍ هائلٍ مميتٍ، أو مزيلٍ للعقل والفهمِ غالبًا، والمراد: الصيحةُ

стр. 369

الهائلةُ الحاصلةُ بالرجفة؛ لقوله (١) تعالى في سورة الأعراف: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ٧٨] وأصلها: الاضطراب، فخرُّوا صَعِقينَ ميتين يومًا وليلة. ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ دلَّ هذا على أنها جاءتهم مُعاينةً بالنهار وهم أيقاظٌ يُبصرونها، وذلك أقطعُ وأشدُّ وقعًا. (٥٦) - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ﴾ البعثُ: إثارةُ الباركِ والنائمِ عن مكانه، ونشرُ الميت كبعثِ النائمِ، فالتقييدُ بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ - أي: بسبب الصاعقة - لتعيينِ المراد ودَفعِ الاشتِباه. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ نعمةَ البعث، أو نعمةَ الهداية بعد الضلالة. (٥٧) - ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾؛ أي: وجَعلْنا الغمامَ يُظلُّكم، وذلك في التِّيه سخَّر الله تعالى لهم السحابَ يسيرُ بسَيرِهم يظلُّهم (٢) من الشمسِ. والظلُّ في اللُّغة: السَّترُ. والغمامُ: جمع غمامةٍ، وهي ما ابيضَّ من السحاب، سمِّي بها لستره، فإن كلَّ ما يَستر شيئًا فهو غمَّةٌ.

стр. 370

﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾ هو التَّرنجبينُ، وكان ينزل كهيئةِ الثلج من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. ﴿وَالسَّلْوَى﴾ هو السُّمَانَى، وكانت ريحُ الجَنوب تحشرُه عليهم. ﴿كُلُوا﴾ على إرادة القول ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من المشتهَيَات الخاليات عن الأدواء والمَضرَّات، وعن الحُرمة والكراهة؛ لأن أمر الإباحة لا يتناولُهما. ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ عطفٌ على مقدَّرٍ؛ أي: فظلموا بكُفرانهم هذه النِّعم وما ظلَمونا، فالواوُ فصيحةٌ. ولمَّا أَخبر عن وقوع الظلم، ونَفَى أن يصل إليه، تشوَّقت (١) النفسُ إلى ذكرِ مَن وقع به الظلمُ، واتَّصل به ضررُه، فاستدرك بيانَه فقال: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ فتقديمُ المفعول للتخصيص، والجمعُ بين (كان) وصيغةِ المضارع للدلالة على الاستمرار التجدُّديِّ. (٥٨) - ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾. ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا﴾ الدخول: الانتقال من العورة إلى الحصن (٢). ﴿هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ هو كقولك: هذا المالُ، وذاك الرجلُ، تنبيهًا على كماله، فإن الشيء إذا عظُم أمرُه يُوصف باسمِ جنسه.

стр. 371

والقرية: الأبنيةُ التي هي مجتمَعُ الناس، من قولك: قريتُ الماءَ في الحوض؛ أي: جمعتُه. والمراد بالقرية هنا: بيتُ المقدس. وقيل: إيلياء، وهي البلدةُ التي فيها بيتُ المقدس. وقيل: أريحا، وهي بقربِ بيت المقدس. أُمروا به بعد التِّيهِ، وقد أُمروا بالدخول في الأرض المقدَّسة مرةً (١) أخرى، وذلك الأمرُ قبل التِّيه، دل على ذلك ما في سورة المائدة من ترتيبِ التِّيه على عدم امتثالهم بهذا الأمر. ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ أي: أَبَحْنا لكم ووسَّعْنا عليكم، فتعيَّشوا فيها أين شئتُم بلا تضييقٍ ولا منعٍ، وذُكر الأكلُ لأنَّه معظَمُ المقصود. والفاءُ أفادَ تَسبُّب (٢) دخولهم للأكل منها؛ لأنَّه كنايةٌ عن استيلائهم عليهم، وهو سببُ المِلك المعبَّرِ عنه بالأكل. ﴿رَغَدًا﴾ واسعًا، نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، ويجوز أن يكون في موضعِ الحال. ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ﴾ يعني: بابَ القرية، قال مجاهد والسدِّيُّ: هو البابُ الثامن من بيت المقدس، يُعرف اليوم بـ: باب حِطَّة. والأمرُ على لسانِ يوشَعِ بن نونٍ ﵇، فلا ينافي عدمَ دخولهم بيتَ المقدس في حياة موسى ﵇. ﴿سُجَّدًا﴾ أُمروا بالسجود عند الانتهاءِ إلى الباب شكرًا للهِ تعالى وتواضُعًا.

стр. 372

وقيل: أُمروا بالدخول بخشوعٍ وإخباتٍ. ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ فِعْلة مِن الحَطِّ، وهو إنزالُ الشيء مِن عُلوٍ. وحطُّ الذَّنبِ: إسقاطُه، وهو كإلقاءِ الحَملِ عن الظهر، وحَطَّ حَطًّا متعدٍّ، وحَطَّ حُطوطًا لازمٌ. وهي خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: مسألتُنا حِطَّةٌ، أو: أمرُكَ حِطَّةٌ، والأصلُ النَّصبُ بمعنى: حُطَّ عنَّا ذنوبَنا حِطَّةً، وإنما رُفعتْ لتعطيَ معنى الثَّباتِ. وقُرئ بالنصب على الأصل (١) على أنه مفعولُ (قولوا). وقيل: معناه: أمرُنا حطةٌ؛ أي: أن نَحُطَّ في هذه القريةِ ونُقيمَ بها. ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ جواب الأمر، مترتِّبٌ على دخول الباب بقيدِ السجود وقولِ: ﴿حِطَّةٌ﴾. الغَفْرُ والغُفْرانُ والمغفرةُ: السترُ، ومنه الجمُّ الغَفيرُ: الجمعُ الكثيرُ الذي يَستر بعضُه بعضًا. والخطايا: جمع خطيئةٍ بمعنى الإثم، يقال: خَطِئَ: إذا أَثِمَ متعمِّدًا، وأخطأ: إذا لم يتعمَّدْ. ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ ثوابًا، يعني: مَن كان خاطئًا غفرْنا له خطاياه، ومَن كان مُحسنًا زِدْنا في عطاياه، ففي الكلام جمعٌ وتفريقٌ. أمَّا عدمُ انْجِزامِ (سنزيدُ) مع عطفه على مجزومٍ فلِخروجه عن صورة الجواب بدخول السين المانعةِ عن (٢) الانجزام.

стр. 373

ونكتةُ الإخراج الدلالةُ على أنه يُفعل البتةَ؛ لأن تلك الزيادةَ إذا (١) كانت عن وعدِ الله تعالى كانت أقطعَ مما إذا كانت مسبَّبةً عن فِعْلِهم. (٥٩) - ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وُضع المظهَرُ موضعَ المضمَرِ ليدلَّ على أن التبديل ظلمٌ، أو مسبَّبٌ عن ظلمِهم وعادتِهم في وضع الأشياء غيرَ مواضعها، وأن المبدِّلين بعضُهم لا كلُّهم. ﴿قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾؛ أي: أمر وا بقولٍ معناه التوبةُ والاستغفارُ، فبدَّلوا به قولًا معناه غيرَ ذلك (٢)، وليس الغرض أنهم أُمروا بلفظةٍ معيَّنةٍ فجاؤوا بغيرها؛ لأنهم لو قالوا مكان ﴿حِطَّةٌ﴾: نستغفرُك ونتوبُ إليك، وما أشبهَ ذلك ولم يؤاخَذوا به ولم يعذَّبوا. وقيل: قالوا مكانَ ﴿حِطَّةٌ﴾: حنطةٌ، استهزاءً وإعراضًا عن طلبِ ما عند اللهِ تعالى إلى طلبِ ما اشتَهَتْ نفوسُهم. ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الإظهارُ في موضعِ الإضمار للتَّنصيص على عدمِ تَعَدِّي العذابِ عن الذين ظلموا إلى غيرهم، فإنَّ منه ما يتعدَّى إلى غير الظالم على ما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]،

стр. 374

وأما الإشعارُ بأن الإنزال عليهم بظلمهم المذكور فقد حصل من الفاء الدالة على التسبُّب فيما تقدم. ﴿رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ عذابًا في غايةِ الاشتدادِ، خارجًا عن حدِّ المعتاد، فإن النسبة إلى السماء للإشارةِ إلى هذا المعنى، رُوي أنه مات منهم بالطاعون في ساعةٍ واحدةٍ (١) أربعةٌ وعشرون ألفًا، وقيل: سبعون ألفًا. وهاهنا وجهٌ آخرُ وهو أن العذاب ضربان: ضربٌ يحصل بالأسباب (٢) الظاهرة فيُظنُّ أنه يمكن دفاعه كالهدم والغرق، وضربٌ يحصل بأسبابٍ غير ظاهرةٍ فلا يُظن أنه يمكن دفاعه كالطاعون والصاعقة، وقد شاع في متعارَف الناس نسبةُ هذا الضرب إلى السماء. والرِّجز إنما يطلق على العذاب الموجِب للاضطراب، يقال: ارتَجز، إذا ارتَعش. ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بسبب اعتيادهم بالخروج عن الطاعة. (٦٠) - ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ الاستسقاء: طلبُ السَّقْي أو الإسقاء (٣)، والسَّقْيُ:

стр. 375

أن يجعل له ما يشربُه، والإسقاءُ: التعريضُ للماء وجعلُه له ليتناوله (١) متى أراد، فهو أخصُّ معنًى من السَّقْي. وقد دلَّ ذلك على أنهم عطشوا واشتدَّ حاجتُهم إلى الماء، وكان العطش والتضليل (٢) في التِّيه، ودخولُ القرية بعدها، ولم يراعَ الترتيب في ذكرها لأن المقصود تعديدُ النعم (٣) والتقريعُ على كفرانها نعمةً نعمةً على التفصيل، والتفريقُ أدلُّ على ذلك؛ لأنها لو وردت مرتَّبةً كانت قصةً واحدةً، فيُظنُّ أن المراد ذكرُ نعمةٍ واحدةٍ. ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ كانت عصاه من آسِ الجنة وله شعبتان تتَّقدان في الظُّلمة، واللام في ﴿الْحَجَرَ﴾ للعهد على ما رُوي أنه كان حجرًا أَهبطه آدم ﵇ من الجنة، فوقع (٤) إلى شعيبٍ ﵇، فأعطاه إليه مع العصا. أو حجرًا طُوريًا حمله معه (٥). أو الحجر الذي فرَّ بثوبه لمَّا وضعه عليه ليغتسل وبرَّأه الله تعالى به عمَّا رمَوه [به] من الأُدْرة (٦)، فأشار إليه جبريل ﵇ بحمله.

стр. 376

أو للجنس على ما قيل: لم يأمره أن يضرب حجرًا معيَّنًا، ولكنْ لمَّا قالوا: كيف بنا لو أَفضينا إلى أرضٍ لا حجر بها؟! حمل حجرًا في مِخْلاته، وهذا أظهرُ في الحجة، والأول أنسبُ لتعريف قَرينه. قال ابن عطيةَ: لا خلاف أنه كان حجرًا منفصِلًا مربَّعًا، تطَّردُ من كل جهةٍ ثلاثةُ عيون إذا ضربه موسى ﵇، وإذا استغنوا عن الماء ورحلوا جفَّت العيون (١). وإياك أن تتوهَّم أن هذا من قبيل ما يستنِدُ إلى الطبائع من الخواص؛ كجذب بعض الأحجار الحديدَ، وحلقِ بعضِها الشعرَ؛ لأنَّه لا يتبع الإرادة والحاجة، والحقُّ أن فتح باب أمثالِ هذا التوجيه الباطل في خوارق العادات الصادرةِ عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم سعيٌ في سد طريق دلالة المعجزة على صدق النبوة. ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ متعلِّق بمحذوف يُفصح عنه الفاءُ الفصيحة، تقديره: فضَرب فانفجرت، ونكتةُ الحذف: الدلالةُ على سرعة الامتثال، وظهورِ الأثر في الحال، وعلى أنَّ المقصود بالأمر أثرُ الضرب لا الضربُ نفسه، والإشارةُ إلى أن ترتُّب الانفجار وإن كان في الظاهر على ضرب موسى ﵇ لكنه في الحقيقة على أمر الله تعالى به وبتعليقه عليه. والفَجْرُ: الشَّقُّ، ومنه: الفاجر؛ لأنَّه فَسَقَ فشَقَّ عصا المسلمين بخروجه إلى الفِسق. والعين: الينبوع، وهي مؤنَّثة سماعًا، ونُصب على التمييز. وجاز اجتماعُ علامتي التأنيث في ﴿اثْنَتَىْ عَشْرَةَ﴾ لأنهما في شيئين.

стр. 377

﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ﴾ الأناس: اسم جمع لا واحد له من لفظه، والمراد: كلُّ سبط من أسباط بني إسرائيل، وكانوا على عدد العيون. ﴿مَشْرَبَهُمْ﴾ المشرب: موضع الشرب، والعلمُ بموضعِ الشرب كنايةٌ عن عدم التجاوز عنه؛ كما يقال: فلان يعرف حده؛ أي: لا يَتجاوز عنه، ففي الكلام إيجاز بليغ حيث دل على سَبْق التعيين (١) والتخصيص. قيل: كانوا ستَّ مئةِ ألفٍ، وسعةُ العسكر اثني عشر ميلًا. ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ على تقدير القول. وقيل: الماء يَنبت منه الزرع والثمار، فهو رزق يؤكل منه ويشرب. ولا وجه له في هذا المقام؛ لأنهم في التِّيه ما كانوا يأكلون من زرع الماء وثمره. (من رزق الله) من المنِّ والسلوى وماء العيون، (مِن) للابتداء أو للتبعيض، والرزق: المرزوق، والإسناد إلى الله تعالى لعدم التوقُّف على الكسب العادي، وإلا فالرزق كلُّه مستندٌ إليه تعالى خلقًا وإيجادًا. ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ لمَّا كان قد تهيَّأ لهم المأكولُ والمشروب من غيرِ تعبٍ نُهوا عن الفساد؛ إذ كان ذلك قد يدعو إليه؛ كما قال الشاعر: إن الشبابَ والفراغَ والجِدَةْ … مَفْسدةٌ للمرءِ أيُّ مَفْسَدةْ (٢) والعِثِيُّ على ما ذُكر في "العين": أشدُّ الفساد (٣)، والفسادُ: خروجُ الشيء عن أنْ يكونَ منتفَعًا به، وربما لا يكون منهيًّا بل يكون واجبًا؛ كهدم دُور المشركين وحرق

стр. 378

زروعهم، ولذلك قيِّد بقَصدِ (١) الإفسادِ المستفادِ من قوله: ﴿مُفْسِدِينَ﴾، فإنَّ المفسِدَ مَن باشَرَ الفسادَ عَمْدًا، لا مَن صدر عنه الفسادُ مطلقًا ولو سهوًا. وفائدةُ ما في مفهوم العِثِيِّ من الشدة: الدلالةُ على أنَّ أشدَّ الفساد غيرُ منهيٍّ إذا كان لمصلحةٍ فكيف (٢) الفسادُ في الجملة (٣). قال الراغب: والعَيْثُ العِثِيُّ يتقاربان؛ نحو: جَذَبَ وجَبَذَ، إلا أنَّ العيثَ أكثرُ ما يقال فيما يُدرَكُ حِسًّا، والعُثُوَّ (٤) فيما يدرَك حكمًا (٥). (٦١) - ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾. ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ يعني: ما رزقوا به في التِّيه، قيل: كان

стр. 379

ينزل عليهم المنُّ وحده، ثم ملُّوه فأُرسلت عليهم السلوى، وكان هذا الكلام منهم قبل نزول السلوى. وقيل: أريد بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدل، فلا ينافي التعدُّدَ. ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ سَلْهُ لنا بدعائكَ إيَّاه وفي معنى التربية التي هي مأخَذُ الربِّ مناسَبةٌ للمقام. ﴿يُخْرِجْ لَنَا﴾ جزمٌ على أنه جوابُ ﴿فَادْعُ﴾، كأنهم طلبوا حصول ما طلبوه على سبيل خرق العادةِ؛ كنزول المنِّ والسلوى، ولذلك قالو ا: ﴿يُخْرِجْ﴾؛ أي: يُظهِرْ، ولم يقولوا: يُنبت. وإنما كُرِّر (لنا) - مع أنَّ في الثاني منهما غنًى عن الأول - إظهارًا لصلة الدعاء النافع؛ اهتمامًا في شأنه. ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ (مِن) للتبعيض، والإنبات: عمل طبيعةِ الأرض في تربية البذر ومادةُ النبات (١) بتسخيرِ الله تعالى إياها وتدبيرِه، وذلك أمرٌ آخَرُ وراء إيجاده وإيجادِ أسبابه، والعملُ إنما يُسند حقيقةً إلى مَن باشرَه لا إلى مَن خلقه وأوجَدَه، فالمنبتُ والمولِّد والمصوِّر ونحو ذلك حقيقةً المباشرُ لأسباب (٢) هذه الأعمالِ لا الباري تعالى، وإنما نُسب إليه كنسبةِ القتل والقطع والكسر إليه؛ لكونه الممكِّنَ منها. ﴿مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ تفسيرٌ وبيانٌ وقع موقعَ الحال من الضمير، تقديره: مما تنبتُ كائنًا من بقلها، أو بدلٌ بإعادة الجارِّ. والبقل: كلُّ ما يؤكل مع الطعام مِن الخُضَرِ.

стр. 380

والفُومُ: الحنطةُ عند الأكثر، وقال مجاهد: الفوم: الخبز (١)، يقال: فوِّموا لنا؛ أي: اختَبِزوا؛ قال الفرَّاء: هي لغةٌ قديمة (٢). وقيل: الثوم، ولا دلالة في قراءة: (وثومِها) (٣) عليه؛ لأن الثاء تُبْدل من الفاء؛ كما قالوا: مغافيرُ ومغاثيرُ، وجَدَفٌ وجَدَثٌ، ولو كان المراد الثومَ لكان المناسبُ أن يُذكر بعد العدس (٤). والقثَّاء: جمع قُثَّاءةٍ وهو نوعٌ آخر من جنسِ الخيار، واختير صيغةُ الجمع هنا لفصاحتها، وأما معنى الجمعِ فقد بَطَل بالتعريف؛ لعدم مناسبة المقام. قيل: كان القوم فلَّاحةً، فنزعوا إلى عَكَرهم واشتَهَوا ما أَلِفُوه. ﴿قَالَ﴾؛ أي: اللهُ، أو موسى ﵇؛ أي: دعا فأجابه الله تعالى لِمَا دعا، فقال الله تعالى - أو موسى ﵇ بإذنه -: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾؛ أي: أتطلبون تبديلَ الذي هو أدنى، والمنصوبُ هو الحاصل، والذي يَدخل عليه الباء هو الزائلُ، و (أدنى) أفعلُ

стр. 381

تفضيلٍ من الدنوِّ المستعار من القرب المكانيِّ للخسَّة؛ كالقرب المستعارِ للشرف والرِّفعة (١)، أو من الدُّون وهو الرديءُ، فقُلب، أو أصله: أدنأ، فسُهِّلت همزتُه بإبدالها أَلِفًا من الدَّناءة، وقد قُرئ بالهمزة (٢). ﴿بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ (٣) المنُّ والسلوى، وإنما كان خيرًا لحصوله بلا تعبٍ، ووصوله من جهة الربِّ تشريفًا، وخلوصِه عن شبهة الخطر، وكونه ذا خطر بخلافِ البقول. ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ انحدِروا إليه، فإن القادم على خطرٍ كأنه منصبٌّ عليه، والمِصرُ: البلد العظيم؛ أي: انزلوا بعضَ الأمصار إن كنتم تريدون هذه الأشياء. ويحتمل أن يريد العَلَم؛ أعني: مصرَ فرعون وصرفُه لعدم سببٍ آخر على إرادة البلد، أو لسكونِ وسطه، ويؤيده أنه غيرُ منوَّنٍ في مصحف أبيٍّ وقراءةِ ابن مسعود (٤). وقيل: أصلُه: مصرائيم، فعرِّب، ولصرفه حينئذٍ وجهٌ آخر، وهو أنه لا اعتداد بالعُجمة؛ لوجود التعريب والتصرُّف. ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ لمَّا كان هذا في قوةِ قوله: فوجدوا ما سألوهم، عُطف

стр. 382

عليه قولُه: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ وفي الجمع بينهما إشارةٌ إلى أن الذلَّةَ والمسكنةَ من روادفِ ما ابتغَوه من الزراعة والحراثة (١)، وقد جاء في الخبر: "والذلُّ في أذناب البقر" (٢). والكلامُ كنايةٌ عن كونهم أذلَّاء متصاغرين، مبناها على الاستعارة: أمَّا في (الذلَّة) - تشبيهًا لها بالقبَّة - فهي مَكْنيَّةٌ، وإثبات الضرب تخييلي (٣)، وأمَّا في الفعل - أعني: (ضُربتْ) تشبيهًا لإلصاق الذلة ولزومها بضرب الطين على الحائط - فتكون تصريحيةً تبَعيةً. والذلَّة: فِعْلةٌ من الذُّلِّ، كأنها هيئةٌ وحالٌ. والمسكنة: من المسكين، وقال الزَّجَّاج: هي مأخوذةٌ من السكون، وهي هنا ذلُّ الفقر وخضوعُه، وإن وجد يهوديٌّ غني (٤) فلا يخلو من زي (٥) الفقر ومهانته مخافةَ أن تضاعَفَ جزيتُهم. ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾: رجعوا به؛ أي: لزمَهم ذلك، ومنه قولُه ﵇ في دعائه ومناجاته: "أبوء بنعمتك" (٦)؛ أي: أُقرُّ بها وأُلزمها نفسي، هذا على ما ذكره الفرَّاء أن (باء) بمعنى: رجع.

стр. 383

وقال (١) الكسائي: ولا يكون (باء) إلا بشيء، إما بخيرٍ وإما بشرٍّ، ولا يكون لمطلَق الانصراف. أو: حَلُّوا مبوَّأهم ومعهم غضبُ الله تعالى؛ أي: عقوبتُه، وقوله: (بغضبٍ) في محلِّ الحال؛ نحو: خرج بسيفه، واستعمالُ (باءَ) للتنبيه على أنَّ مكانهم الموافقَ يلزمُهم فيه غضبُ الله فكيف غيره من الأمكنة؟ وهذا على ما ذكره الراغب من أنَّ أصل البَوَاء: مساواةُ الأجزاء في المكان، خلاف النَّبْو الذي هو منافاتُها (٢). ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما سبق من الضرب والبَوْء. ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ بسبب أنهم جمعوا بين الثبات على أصل الكفر والدوامِ عليه وبين تجدُّد أنواعه، والمراد من الآيات: المعجزات، أو الكتبُ المنزلة. ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ أنهم قتلوا شعيبًا وزكريا ويحيى وغيرَهم صلوات الله عليهم أجمعين. ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ليس احترازًا إذ لا يقع قتلُ نبي إلَّا بغير الحق، فهو قيد لازم، نحو: دعوت الله سميعًا، وجاء تعظيمًا للشُّنعة والذنبِ الذي أَتَوه. وما قيل: معناه: أنهم قتلوهم بغير الحق عندهم، يردُّه أنهم كانوا يقولون: هؤلاء كاذبون، وما أتوا به تمويهاتٌ وليست من الله تعالى، ويقتلونهم بهذا الاعتقاد الباطل. ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ إشارةٌ إلى السبب المذكور، والباءُ في ﴿بِمَا﴾

стр. 384

للسببية، فيكون بيانًا لسببِ السبب مبالغةً في جوابِ اجتنابِ المعصية والاعتداء، بأنهما يُفضيان إلى الكفر بالآيات، وقتلِ الأنبياء، وهما من أشنع القبائح. ويجوز أن يكون ذلك تكريرًا للدلالة على أن ضرب الذلة والمسكنة، والبوءَ بالغضب، مسبَّبٌ عن أمورٍ كثيرةٍ كلُّ واحدٍ منها يوجب ذلك. والعصيان والاعتداء هنا من الأفعال التي جعلت لازمةً، وتركت مفاعيلُها نَسيًا منسيًا. والاعتداءُ وإن كان في أصل وضعِه تجاوُزُ الحد في كلِّ شيء، لكنَّ عرفَه الظلمُ والمعاصي، والعدول عن قوله: واعتدوا، لمثلِ ما مر من النكتةِ في قوله: ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾. وأما التأكيدُ ثمةَ دون هنا: فلأن الكفر بالمعجزات الباهرة، وقتلَ الأنبياء المبعوثين بالبينات الظاهرة، مظنةُ أن يُستبعد، بخلافِ مطلَق العصيان والاعتداء. (٦٢) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بألسنتهم من غير مواطأةِ القلوب، لا بد من هذا القيد (١) ليدخلوا في عداد الكفرة وينتظموا معهم، فيصحَّ الإبدال والإخبار بأن مَن آمن منهم إيمانًا خالصًا فله كذا. ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ يقال: هاد يهودُ: إذا دخل في اليهودية، ويهود من هاد بمعنى تاب، سمُّوا بذلك لمَّا تابوا من عبادة العجل.

стр. 385

﴿وَالنَّصَارَى﴾ اختُلف في أصلها، والأقربُ ما قيل: إن المسيح ﵇ كان من قريةٍ يقال لها: نصران، فإمَّا أن سُمُّوا بها ثم جمعته العربُ على نصارى؛ نحو: سكران وسكارى، أو جعلوا منسوبين إليها ثم جمعت (١)؛ نحو: مَهْريٍّ ومَهَارَى، كذا قال الراغب (٢)، فالياء في نصرانيٍّ للنسبة إلى تلك القرية، أو إلى ذلك الجيل، أو للفرق بين اسم الجمع والواحد كما في اليهوديِّ والمجوسيِّ. ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ الصابئ مِن صبأ: إذا خرج من الدِّين، وهم قومٌ خرجوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة أو الكواكب (٣). ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ في محلِّ النصب بدلٌ من اسم (إنَّ) وما عُطف عليه، وخبر (إنَّ): ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ ودخولُ الفاء لتضمُّن الموصول معنى الشرط. أو في محل الرفع بالابتداء وخبره: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾، والجملة خبر (إنَّ). والمعنى: مَن آمَنَ مِن هؤلاء الكفرة إيمانًا صادقًا، مصدِّقًا بقلبه بجميع ما يجب تصديقُه (٤)، عاملًا بمقتضَى شرع نبيِّ أرسل إليه. وما قيل في تفسيره (٥): مَن كان منهم في دينه قبل أن يُنسخ، لا يناسب المقام؛ لِمَا عرفتَ أن المراد من ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: المنافقون، والصابئون لم يَثبت لهم دينٌ سماويٌّ، ولذلك اختُلف في حلِّ نكاحهن.

стр. 386

﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾؛ أي: ثوابُ إيمانهم وعملِهم الصالح، سمَّاه أجرًا لأنَّه جزاءُ عمله بوعده الصادق فضلًا منه. وترتيبُ الحكم على الموصول دلَّ على أن الاستحقاق له مسبَّب عمَّا ذكر في الصلة من الإيمان العمل الصالح مقدَّر بحَسَبه، والجملة اعتراض بين خطابي بني إسرائيل. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ كناية عن كون ذلك الأجرِ مأمونًا عن (١) الضياع لكونه عند أمينٍ حافظ. ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾؛ أي: لا ينالُهم خوفٌ ولا يصيبهم حزنٌ في الآخرة؛ لأنهم يصيرون إلى النعيم المقيم والأمن الدائم. والتنكير في الخوف للتقليل، وفي قوله: ﴿وَلَا هُمْ﴾ دلالةٌ على ثبوت الحزن لغيرهم. (٦٣) - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ بالعمل على ما في التوراة، والدليل على اختصاصه قوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾؛ أي: حتى قبلتُم وأعطيتُم الميثاق. والميثاق مِفْعالٌ من وَثِقَ يَثِقُ، مثل ميزانٍ من وَزَنَ يَزِنُ، وحِّد وإنْ أُضيف إلى الجمع تنبيهًا على أن المأخوذ على الكلِّ ميثاقٌ واحد.

стр. 387

قال الواحديُّ: (الطور): الجبل بالسُّريانيَّة، وقد تكلَّمت به العرب (١). وقيل: عَلَمٌ للجبل الذي ناجى عليه الله تعالى موسى ﵇، وهو المراد هنا. ﴿خُذُوا﴾ على إرادة القول. ﴿مَا آتَيْنَاكُمْ﴾؛ أي: التوراةَ. ﴿بِقُوَّةٍ﴾؛ أي: بجِدٍّ واجتهاد، امتَنعوا من أخذ التوراة والتزامِ أحكامها الشاقة، فأُكرهوا على ذلك برفع الطور فوقهم. ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ أمرٌ بحفظه وعدمِ تَناسِيه قولًا وعملًا. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ قد مر في تفسير ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٢] ما يُغني عن بسط الكلام في هذا المقام، بتوضيح المرام وردِّ الأوهام. * * * (٦٤) - ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾؛ أي: أعرضْتُم عن الوفاء بالميثاق بعد أَخْذِه على الكيفية المذكورة، وفي كلمة ﴿ثُمَّ﴾ إشارةٌ إلى أن الإعراض بعد تأكيد الميثاق بما ذُكر أمر بعيد، ورشَّحه عبارة ﴿ذَلِكَ﴾. ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بقبول التوراة ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ بالعفو عن الزلَّة.

стр. 388

وارتفاع ﴿فَضْلُ﴾ على الابتداء، و ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلقٌ بـ ﴿فَضْلُ﴾ والخبر محذوف واجبُ الحذف على المختارِ لدلالةِ الجواب عليه. ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾؛ أي: من المغبونِينَ بالوقوع في العذاب وحرمانِ الثواب، جوابُ (لولا)، وكثُر دخول اللام عليه إذا كان موجَبًا. و (لو) في الأصل لامتناع الشيء لامتناعِ غيره، فإذا دخل على (لا) أفاد إثباتًا، وهو امتناع الشيء لثبوت غيره، والتفريغ المستفاد من الفاء باعتبارِ أنَّ في مدخولها دلالةً على أنهم كانوا على شرف الخُسران لولا تدارُكُ فضل الله تعالى، وذلك مسبَّبٌ عما تقدَّم ذكره من أحوالهم القبيحة. * * * (٦٥) - ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ اللامُ موطِّئةٌ للقسَم، مسهِّلةٌ لتفهيم (١) جوابه على السامع. و (عَلِمَ) هنا تعدَّى إلى واحدٍ، يعني: قد عرفتُم أصحاب السبت وما أحلَلْنا بهم من النَّكال في الدنيا بالمسخ حين اعتدَوا بالاصطياد يوم السبت، فلم يكن تأخيرنا العقوبةَ عن أسلافكم الذين كانوا قبلكم على عصيانهم ونقضِهم ميثاقَهم للعجز عن تعجيل ذلك، بل فضلًا ورحمةً، ولو شئنا لعاجَلْنا لهم بما عاجلْنا به أصحاب السبت، فيكون هذا التذكيرُ لتقرير ما ذُكر من أنَّ نجاتهم عن الخسران بمَحْضِ فضلِ الله تعالى ورحمته. ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾؛ أي: الذين جاوَزوا الحدَّ الذي حُدَّ لهم مِن ترك الصيد يوم السبت من أسلافكم، وهو يومٌ معروفٌ سمِّي به لأنَّه سُبِتَ فيه خَلْقُ

стр. 389

كلِّ شيء؛ أي: قُطع وتُمم وأصل السبت: القطع، ومنه السُّبات لأنَّه يقطعُ الأفعال الاختيارية، واليهود يَسبِتون فيه؛ أي: يقطعون الأعمال. وقيل: هو مأخوذ من السُّبوت الذي هو الراحةُ والدَّعَةُ، والسبتُ هنا مصدر سَبَتَت اليهود: إذا عظَّمت السبتَ، فمعنى ﴿فِي السَّبْتِ﴾: في تعظيم يوم السبت (١)، وتعظيمُه عبارةٌ عن ترك العادات، والاشتغالِ بالعبادات (٢)، والإعراضُ عما يؤدِّي إلى ما يؤذي الحيوانات داخلٌ في حدِّه. وذكرُ الموصول مع الصلة يفيدُ تعلُّق العلم بالوصف المذكور الموجبِ للمسخ المذكور لا بذواتهم، وتفصيلُ القصة يأتي في سورة الأعراف بإذن الله تعالى. ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً﴾ مجازٌ لتعلُّق إرادة لله تعالى بمسخهم في آنٍ واحد. والقِرَدةُ: جمع قردٍ، كالدِّيَكةِ جمع ديكٍ، والقياسُ في فِعْلٍ الاسمِ: فُعولٌ؛ نحو: قرود، وجمعُه على فِعَلةٍ لا يَنْقاس. ﴿خَاسِئِينَ﴾ خبرٌ آخر لـ ﴿كُونُوا﴾، أو صفةٌ لـ ﴿قِرَدَةً﴾ باعتبارِ أنهم كانوا من العُقلاء؛ أي: جامعِينَ بين القِرْديَّة والخُسوءِ، وهو الصَّغارُ والطَّردُ، وفعله خسأ يجيء متعديًا ولازمًا. * * * (٦٦) - ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾. والضمير في ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ للمَسخة.

стр. 390

﴿نَكَالًا﴾ النَّكال: العقوبة الغليظةُ المنكِّلة للغير؛ أي: المانعة من الذنب، فإنَّ أصله المنع، ومنه النكلُ للقيد واللِّجام؟ ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ مَن يأتي بعدها ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ مَن تقدَّمَها وُجودًا، والتقدُّمُ بحَسَب الوجود لا ينافي حضورَ المتقدِّم عند المتأخِّر. أو: ما بحضرتها وما بعدها فظرفا المكان مستعاران للزمان وأنَّ (ما) أُقيمت موقعَ (مَن) لا تحقيرًا لشأنهم لأنَّه لا يناسب المقام، بل لاعتبارِ وصفِ المعتبَرِين. ﴿وَمَوْعِظَةً﴾ مَفْعِلةً من الاتِّعاظ والانْزِجار، والوعظُ: التَّخويفُ، والعِظَةُ: الاسم. ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ لكلِّ مَن اعتَبر بها (١) واتَّقى؛ أي: لم يفعل ذلك قصدًا للتشفِّي كفعل الآدميينَ، بل لمصلحة العباد. * * * (٦٧) - ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ أولُ هذه القصة قولُه تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢] وإنما فُكَّ عنه أول القصة وأُخرج مخرج (٢) الاستئناف كأنه قصةٌ مستقلةٌ، بالتقريع (٣) على القتل والتدافُع، والتنبيهِ على القدرة
следующие страницы →